(الأضحية مسنونة غير مفروضة، وهي على كل من قدر عليها من المسلمين من أهل المدائن والقرى والمسافرين، إلا الحاج الذي بمنى، فإنهم لا أُضحية عليهم، وسنتهم الهدي).
ت: أصلها الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرُ﴾ [الكوثر: ٢]، أي: صلاة العيد ونحر الأضحية والهدي، وليس في الحج صلاة العيد.
وقالوا: [صل] (^١) الصبح بالمشعر الحرام، والنحر بمنى بعد ذلك.
وقال ﷺ: «أُمرت بالنحر، وهو لكم سنة» (^٢).
وقال ﵇: «ثلاث كُتبنَ عليَّ ولم تكتب عليكم: الأضحية والوتر والسواك».
و«ضحى ﵇ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» خرجه مسلم (^٣).
واتفق الأئمة على مشروعيتها، واختلف في وجوبها.
قال مالك في «المدوَّنة»: مَنْ حَبَسَ أُضحيته حتى مضت أيام الذبح أثم،
_________________
(١) خرم قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٦/¬٣٢).
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: الدارقطني في «سننه» رقم (٤٧٥٠).
(٣) أخرجه من حديث أنس: البخاري في «صحيحه» رقم (٥٥٦٥)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٥٠٨٧).
[ ٤ / ٤٢٩ ]
فعلى هذا هي واجبة.
قال بعض المتأخرين: التأثيم لأنه اشترى ولم يضح، ولو لم يشتر لم يأثم.
وقال في «الموازية»: هي سنة واجبة (^١).
وقال ابن حبيب: من تركها أثِمَ.
قال ربيعة: هي من الأمر اللازم، وأفضل من صدقة سبعين [دينارًا] (^٢) (^٣).
وقال ابن حبيب: أفضل من العتق والصدقة؛ لأنَّ إحياء السنن أفضل من التطوع (^٤).
دليل الوجوب: قول رسول الله ﷺ لأبي بردة بن نيار: «تجزئك، ولن تجزئ أحدًا من بعدك» (^٥).
وقد تقدم قوله: «أُمرت بالنحر، وهو لكم سنة» (^٦)، وهو دليل عدم الوجوب.
وقوله: «تجزئك»، أي: عن السنَّة؛ لأنَّ السنة لها صفةٌ من لم يأت بها بطلت، وإنما لم تكن على الحاج لأنَّ كلَّ ما يُنحَر بمنى هَدي من حقه أن يوقف بعرفة، ولأنه لا يخاطب بصلاة العيد؛ لأجل الحج، فكذلك الأضحية، ولأنَّ رسول الله ﷺ قَلَّد وأشعر ما ساقه من الهدايا، ولم يضح بشيء منها.
_________________
(١) بنصه عن مالك في «النوادر» (٤/ ٣١٠).
(٢) في الأصل: (درهمًا)، والمثبت لفظ «النوادر» (٤/ ٣١٠).
(٣) قول ربيعة بنحوه في «النوادر» (٤/ ٣١٠).
(٤) بنصه عن ابن حبيب في «النوادر» (٤/ ٣١٠).
(٥) أخرجه من حديث البراء بن عازب البخاري في صحيحه رقم (٩٥٥)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٥٠٧٥).
(٦) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٤٢٩).
[ ٤ / ٤٣٠ ]
قال القاسم بن محمد: كنا نحج مع عائشة ﵂، فلم يكن يضح أحد منا.
وأما من لم يحج من أهل عرفة أو منى أو مكة، فكأهل الآفاق؛ لأن دليل الأضحية يتناول كلَّ مستقر في وطنه، خرج الحاج منها، بقي من لم يحج.
ص: (وقتها يوم النحر ويوم بعده، ولا يضحي في اليوم الرابع).
ت: لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وأقل الجمع ثلاثة.
وقال ﵇: «أيام منى ثلاثة أيام» (^١)، ولم يُرد الرمي؛ لأنَّ أيامه أربعة، فتعين الرمي، وقاله علي وابن عمر وابن عباس، ولأنَّ الرابع لا يتعقبه مبيت، فأشبه الخامس.
قال ابن المواز: أفضل الثلاثة للذبح الأول؛ لقول علي ﵁: «الذبح ثلاثة أيام، أفضلها أولها».
ولا يراعى في الثاني والثالث ذبح الإمام، بل إذا ارتفعت الشمس، بخلاف الأول، يَذْبَحُ بعده (^٢).
ويُستحَبُّ لمن أراد أن يضحي إذا أهل ذو الحجة أن لا يقص شيئًا من شعره، ولا يقلّم أظفاره حتى يضحي؛ لقوله ﵇: «إذا دخلت العشر، وأراد
_________________
(١) أخرجه من حديث عبد الرحمن بن يعمر: أحمد في (مسنده) رقم (١٨٧٧٤)، وأبو داود في «سننه» رقم (١٩٤٩).
(٢) «النوادر» (٤/ ٣١٣).
[ ٤ / ٤٣١ ]
أحدكم أن يضحي؛ فلا يأخذ من شعره ولا من بَشَرِه شيئًا» (^١)، فإذا ضحى أخذ من كل ما منع من أخذه.
قال مالك: يضحي في اليوم الأول من الضُّحى إلى الزوال، ويُكره بعده إلى العشاء، فإن فعل أجزأه.
وفي الثاني من الضُّحى إلى الزوال، فإن لم يضحٌ صَبَرَ إلى اليوم الثالث.
فإن لم يضح إلى عشاء اليوم الثالث؛ أُمر بأن يضحي إلى الغروب.
قاله ابن حبيب (^٢).
وأنكره ابن القابسي وقال: اليوم الأول كله أفضل من الثاني، والثاني أفضل من الثالث.
ص: (لا يضحي بليل).
ت: لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧]، ولم يذكر الليل وروى ابن القاسم قول رسول الله ﷺ: «مَنْ ضحى بليل فليعد».
ولأنها قربة في العيد، فلا تفعل بالليل، كالصلاة.
وعن مالك الجواز؛ لأنَّ اليوم يتناول الليل، ولو حلف لا يكلمه عشرة أيام دخلت الليالي.
_________________
(١) أخرجه من حديث أم سلمة: أحمد في «مسنده» رقم (٢٦٤٧٤)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٥١١٧)
(٢) «النوادر» (٤/ ٣١٥).
[ ٤ / ٤٣٢ ]
قال اللخمي: والاتفاق على عدم الإجزاء في ليلة النحر؛ لأنَّ الواجب لم يدخل بعد، وعلى الرابعة؛ لخروج الوقت.
وقال أشهب: تجزئ في الهدايا دون الضحايا، كالرمي وغيره، بجامع المناسك؛ ولأنه لو نحر الأضحية قبل الإمام أعاد، وفي الهدي لا يعيد (^١)
ص: (والسن الذي يُجزئ فيها: الجذع من الضأن، والثَّنِيُّ مما سواه من المعز والإبل والبقر، وأفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، بخلاف الهدي، والضأن أفضل من المعز، وفحول كل جنس أفضل من إناثه)
ت في مسلم: قال رسول الله ﷺ: «لا تذبحوا إلا المسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعةً بالضأن» (^٢)
ولا خلاف في جوازه، والثني أفضل؛ لأنه أكمل [خَلقًا] (^٣)
قال ابن حبيب: [الجذع من الضأن والمعز ابن سنةٍ تامة (^٤)
وقاله أشهب] (^٥) (^٦)
قال الباجي: وعليه أكثر الناس (^٧)
_________________
(١) «التبصرة» (٣/ ١٥٥٩).
(٢) أخرجه من حديث جابر: أحمد في «مسنده» رقم (١٤٣٤٨)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٥٠٨٢).
(٣) خرم قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٤) «النوادر» (٤/ ٣١٨).
(٥) خرم قدره سبع كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٦/¬٤٠).
(٦) عزاه لأشهب وابن نافع صاحب «النوادر» (٤/ ٣١٨).
(٧) «المنتقى» (٤/ ١٦٧).
[ ٤ / ٤٣٣ ]
وقال سحنون وعليُّ بن زياد: ما أكمل ستة أشهر وجاوزها (^١).
وقيل: ابنُ عشرة أشهر (^٢).
وقيل: ثمانية.
قال ابن حبيب: الثَّنِيُّ من المعز ابن سنتين، وجذع البقر ابن سنتين، ومسِنُّها ابن أربع سنين، وجذع الإبل ابن خمس سنين، ومسِنُّها ابن ست سنين (^٣).
وقال عبد الوهاب: ثَنِيُّ المعز ابنُ سنةٍ دخل في الثانية، ومن البقر سنتان دخل في الثالثة، ومن الإبل ست سنين؛ لأنه يُلقي ثنيته (^٤).
والمراعى عندنا في الأفضل طيب اللحم.
وقال أبو حنيفة والشافعي: أفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم.
لنا: أنَّ رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين (^٥).
وعن مالك: الذكر والأنثى سواء في الضحايا والهدايا (^٦).
في «مختصر ابن عبد الحكم»: فحل الضأن أفضل من أنثاه، وأنثاه أفضل من فحل المعز، وفحل المعز أفضل من أنثاه، وأنثاه أفضل من الإبل والبقر في الضحايا، والفحل أفضل (^٧).
_________________
(١) روي عنهما ذلك في «النوادر» (٤/ ٣١٨).
(٢) روي ذلك عن ابن وهب، انظر: «النوادر» (٤/ ٣١٨).
(٣) بنصه عن ابن حبيب في «النوادر» (٤/ ٣١٨).
(٤) «المعونة» (١/ ٤٣٦).
(٥) سبق تخريجه، انظر: (٤/ ٤٢٩).
(٦) بنصه من «المبسوط»، انظر: «التبصرة» (٣/ ١٥٥٢).
(٧) «المختصر الكبير» (ص ٦٣٥).
[ ٤ / ٤٣٤ ]
وقال ابن حبيب: الفحل السمين أفضل من الخصي السمين، والخصي السمين أفضل من الفحل المهزول، والفحل أفضل من النعجة.
واستحب جماعةٌ من الصحابة ﵃ الفحل السمين الأقرن الأملح، وهو ما كان بياضه أكثر من سواده، ويرتع في سواده، ويشرب في سواده، تام الذنب، وافر الأذنين والبصر، من أطيب الكسب (^١)؛ لقوله ﵇ لما سئل: أي الرقاب أفضل؟ فقال: «أغلاها ثمنًا» (^٢).
والفحل أحبُّ إليهم من الخصي (^٣).
والجمهور على جواز السمين.
وفي البخاري: قال أبو أمامة: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون.
وقال ابن القُرْطي: يكره؛ لئلا يتشبه باليهود.
ص: (لا يضحى بشيء من الطير، ولا بشيء من الوحش).
ت: لأنه لم يُنقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، وقياسًا على الهدايا.
قال ابن شعبان: اتفق أصحابنا في المتولد من إناث الوحش وفحول الأهلية
_________________
(١) ما سبق من كلام ابن حبيب بنحوه في «النوادر» (٤/ ٣١٥).
(٢) أخرجه من حديث أبي ذر أحمد في (مسنده) رقم (٢١٣٣١)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٥٢٣).
(٣) بنصه من كلام ابن حبيب في «النوادر» (٤/ ٣١٥).
[ ٤ / ٤٣٥ ]
على المنع؛ لأنَّ الولد من البهائم تبع لأمه، واختلفوا فيه إذا كانت الأم أهليَّةً والفحل وحشيا (^١)؛ لاجتماع الحظر والإباحة.
ص: (لا بأس أن يضحي الرجل عنه وعن أهل بيته بشاة واحدة، والبَدَنةُ والبقرة في ذلك سواء)
ت في الترمذي: قال عطاء بن يسار: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ؟ فقال: كان الرجل يضحي عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون، حتى تباهى الناس، فصارت كما ترى (^٢)، قال: حديث صحيح.
وأضحية الإنسان عن غيره خمسة أقسام:
الأول: يضحي عمن تلزمه نفقته، وهم الأولاد إذا كانوا فقراء، ذكورا أو إناثًا، والأبوان الفقيران، فعليه أن يضحي عنهم.
الثاني: أن يتطوع بالنفقة عنه لقرابة، كمن تقدم مع [اليُسر] (^٣)، والجدين، والأخ، وابن العم، فلا يلزمه الأضحية عنهم.
قال ابن حبيب: إن ضحى على الأبوين المسلمين فعن كلّ واحدٍ بشاة، إلا أن تكون زوجة الأب، فيجمعها في شاة، كما لو بعث بها للأب، فإنه يجمعها معه.
_________________
(١) انظر: «الزاهي» (ص (٣٤٢).
(٢) أخرجه من حديث أبي أيوب: الترمذي في سننه) رقم (١٥٨٢)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٣١٤٧)
(٣) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٦/¬٤٥).
[ ٤ / ٤٣٦ ]
قال ابن مسر: وذلك بإذن الأب.
قال ابن حبيب: وله أن يُدخل من له فيه عُلقة [رِقّ] (^١)، وليس ذلك عليه ولا عليهم، وليس عليه أن يُدخل من بلغ من ولده وإن كان فقيرا، إلا أن يشاء؛ لسقوط نفقته عنه، فإن أدخله أجزأ الولد - وإن كان مليًّا - إذا كان في نفقته وفي بيته، وكذلك الصغير الموسر (^٢).
وإن أدخل من ضمه لعياله من قريب أجزأ عنهم، ولا يجزئ إدخال الشريك والمرافق في السفر ونحوهما من الأجنبيين (^٣).
قال الباجي: فاشترط ابن حبيب في الإدخال ثلاثة: الإنفاق عليه، والقرابة، والمساكنة، قال: ومن ذلك النكاح والولاء؛ إذ هو لحمَةٌ كلحمة النسب (^٤).
الثالث: أن يتطوع بالنفقة من غير قرابة، فإن أدخله لم يجزئه ولم يجزئهم.
الرابع: من وجبت نفقته معاوضةً، كالزوجة والأجير بنفقته، فلا يُجزئ في الأجير، ويُجزئ في الزوجة ولا [يجب] (^٥) عليه؛ لأنَّ نفقتها معاوضة، بخلاف الولد، والأبين.
والفرق بينها وزكاة الفطر: أنَّ زكاة الفطر [زكاة أبدان، كالنفقة] (^٦) فوجبت، والأضحية قُربة كالصدقة، ولا يجب، ويلزمها أن تضحي عن نفسها.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٦/¬٤٦).
(٢) «النوادر» (٤/ ٣١١).
(٣) «النوادر» (٤/ ٣١٢).
(٤) «المنتقى» (٤/ ١٩١).
(٥) خرم قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٦/¬٤٧).
(٦) خرم قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٦/¬٤٧) مختصرا.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
الخامس: أن لا يكون في نفقته ولا قرابته، فلا يجوز ولا يجزئ، وعليهم الإعادة.
ص: (لا بأس أن يضحي عن أم ولده وعبده).
ت: لا تجب على عبد ولا مكاتب ولا مدبر؛ لعجزهم.
قال ابن القاسم: وللسيد التطوع بذلك.
ص: (يضحي عن المولود [يولد له] (^١».
للزوم نفقته له.
(وإذا أسلم النصراني في أيام الذبح ضحى عن نفسه).
لأنه أسلم في وقتها، بخلاف زكاة الفطر.
(ولا يضحى عن جنين في بطن أمه).
لأنَّ الأحكام لم تجر عليه، كالإرث وغيره، فكذلك الأضحية.
(ولا يجوز أن يشترك اثنان فما فوقهما في أُضحية واحدة يُخرجون الثمن ويقتسمون اللحم).
ت: لأن المطلوب من كلِّ واحدٍ إراقة الدم، ولم يوجد إلا بعض دم، وتضحية الإنسان عنه وعن أهل بيته شركة في ثواب لا في لحم، ولأن الاشتراك في الثمن يوجب صحة القسمة، وهي ممنوعة اتفاقا.
_________________
(١) في الأصل: (يولده)، والتصويب من «التفريع» (١/ ٣٩١).
[ ٤ / ٤٣٨ ]
وأما قول ابن عباس: كنا مع رسول الله ﷺ، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة (^١)؛ فقال القاضي أبو إسحاق، وابن القصار: يحتمل أن يكون الهدي له ﵇ ونحر عنهم؛ لأنه أب لهم، وأزواجه أمهاتهم.
وفي أبي داود: أنه ﵇ لما ذبح سمى الله تعالى وقال: «هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» (^٢).
قال الباجي: فعلى هذا التأويل يجوز للإمام أن يُدخل غيره من رعيته في أضحيته (^٣).
ص: (لا بأس أن يبدل الرجل أضحيته بأعلى أو بأدنى منها، والاختيار أن لا يبدلها بأدنى منها).
ت: لأنها لم تتعين بالشراء، أو للغرماء أخذها، وتورث عنه.
ولقول حكيم بن حزام: أعطاني النبي ﷺ دينارًا لأشتري له أضحية، فاشتريتُ أُضحية بدينار، ثم بعتها بدينارين، واشتريتُ له أخرى بدينار، وأتيته بالدينار وبالذي اشتريت، فتصدق به النبي ﷺ ودعا لي بالبركة (^٤).
فإن باع أُضحيته، واشترى من ثمنها مثلها أو أفضل منها، وفَضَلَ شيء؛ تصدق به؛ لأنه جعله الله، وله أن يصنع به ما شاء.
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عباس: الترمذي في «سننه» رقم (١٥٧٨).
(٢) أخرجه من حديث جابر: أحمد في «مسنده» رقم (١٤٨٩٥)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٨١٠).
(٣) «المنتقى» (٤/ ١٨٨).
(٤) أخرجه من حديث ابن عباس: الترمذي في «سننه» رقم (١٣٠٢)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٣٨٦).
[ ٤ / ٤٣٩ ]
ص: (وإذا أوجب رجل أضحيته بعينها لم يجز له أن يبدلها بغيرها، ومن ضاعت أُضحيته فأبدلها، ثم وجدها في أيام الذبح أو بعدها؛ فليس عليه ذبحها)
لأنه قد ضحى.
(وإن لم يبدلها؛ ذبحها إن وجدها في أيام الذبح؛ لبقاء زمن القربة، وإن وجدها في غير أيام الذبح فليس عليه ذبحها، إلا أن يكون أوجبها قولا، فيلزمه ذبحها)
ت: إيجابها بعينها أن يقول: الله علي أن أذبح هذه الأضحية، أو: قد أوجبتها أُضحية، فذلك كالتقليد والإشعار في الهدي، يوجب التعيين واللزوم.
قال بعض شيوخنا: على القول بوجوب الأضحية إذا لم يبدلها ووجدها؛ يحتمل أن يقال: هي كزكاة الفطر تُقضى، ويحتمل أن يقال: واجب زوال وقته، كالرمي.
ص: (لا يضحى بعوراء، ولا عمياء، ولا عجفاء، ولا سكّاء، ولا شديدة العرج، ولا بينة المرض، ولا بأس بالجماء، والمكسورة القرن إذا كانت لا تدمى، ولا بأس بالخرقاء والشرقاء، والعضباء.
والسكاء المخلوقة بغير أذنين، والجماء المخلوقة بغير قرنين، والعضباء: الناقصة الخلق، والخرقاء: المقطوعة بعضُ أُذُنِها من أسفلها، والشرقاء: المشقوقة الأذن، والعجفاء التي لا تُنقي، وهي التي لا شحم فيها، ولا مخ في عظامها؛ لشدَّةِ هُزالها، والعرجاء: البيِّنُ ظَلْعُها، وهي الشديدة العرج
[ ٤ / ٤٤٠ ]
التي لا تلحق بالغنم).
ت: في النسائي: قال رسول الله ﷺ: «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البيِّنُ عَوَرُها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البيِّنُ ظَلْعُها، والعجفاء التي لا تُنْقِي» (^١).
المشهور: إذا كثر العيب من غير هذه مُنع أيضًا؛ قياسًا عليها.
وقصر ابن [القصار] (^٢) وغيره من [البغداديين] (^٣) عدم الإجزاء على هذه الأربعة التي في الحديث.
وما يكون بجميع الجسد: [المرض] (^٤) والعُجف البين [..] (^٥) الجرباء جربا كثيرًا؛ لأن الجرب يُفسد اللحم ويضر بآكله، وخفيف الجرب لا بأس به.
ولا تجزئ البشمة؛ لأنَّ البشم يُفسد اللحم، وهو التخمة من الأكل، قال اللخمي: إلا أن يكون خفيفًا (^٦).
قال مالك في «الموازية»: تجزئ الهرمة (^٧).
قال أصبغ: ما لم يكن بينا (^٨).
_________________
(١) أخرجه من حديث البراء بن عازب: النسائي في (سننه) رقم (٤٣٧١).
(٢) في الأصل: (الجلاب)، والتصويب من «التذكرة» (٦/ ٥٤).
(٣) محو قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٦/ ٥٤).
(٤) خرم أول الكلمة، فتحتمل: (كالمرض).
(٥) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات.
(٦) «التبصرة» (٣/ ١٥٧٧).
(٧) «النوادر» (٤/ ٣١٧).
(٨) «النوادر» (٤/ ٣١٧).
[ ٤ / ٤٤١ ]
ولا تجزئ المجنونة جنونًا لازمًا، وأما في بعض الأوقات فخفيف.
ومتى أذهب العور الانتفاع بأكثر العين لم تجزئ، أو أيسره أجزأت؛ لأنَّ الأقل تبع للأكثر، وإن ذهَبَ الأكثر من كل عين لم تجزئ، أو الأيسر منها أجزأت.
ولا تجزئ العمياء، ومتى كان البياض على الناظر لم تجزئ وهي عوراء، أو خارجًا عن الناظر أجزأت.
والخرقاء: التي تُخرق أذنها للسَّمَةِ.
وقال ابن الجلاب وعبد الوهاب: هي المقطوع بعض أُذُنِها من أسفله.
والمقابلة التي قطع من أُذُنها من قبل وجهها.
قال ابن شعبان: هي التي قطع من مقدَّم أُذُنها شيءٌ، ثم تُرِكَ معلَّقا (^١).
والمدابرة: التي قطع من أُذُنِها من قبل قفاها.
قال ابن شعبان: وتُرِك معلقًا (^٢).
والسكاء: الصغيرة الأذنين.
قال ابن القاسم: نحن نسميها الصمعاء، ولو خُلقت بغير أُذنين لم تجزئ (^٣).
قال أشهب: إذا ذهب أيسر الأذن، أجزأت، أو أكثره؛ لم تُجزئ.
واختلف في الثلث:
_________________
(١) «الزاهي» (ص ٣٤٣).
(٢) «الزاهي» (ص ٣٤٣).
(٣) «المدونة» (٢/ ٧٢).
[ ٤ / ٤٤٢ ]
قال ابن حبيب: هو كثير، كالثلث من الذنَب (^١).
وقال ابن المواز: النصف كثير، من غير أن أحد فيه حَدًّا (^٢).
قال الباجي: الأظهر من مذهبنا أنَّ ثلث الأذن يسير، وثُلُثَ الذنب كثير؛ لأنَّ الذنب عضو لحم وعظم، والأُذن طرَفُ جلد، لكن كثيره ينقص الجمال (^٣).
والشق أيسر من الشين.
قال اللخمي: يجزئ الشقُّ وإن بلغ النصف (^٤).
قال [الباجي] (^٥): لا يمنع الشقُّ، إلا أن يبلغ مبلغا يشوه (^٦).
وذهاب الأسنان من التكسير ونحوه - لا تجزئ؛ لأنه نقص من خَلْقها، أو من إثغار أجزأت.
أو من هرم:
قال مالك: لا بأس به؛ لأنه معتاد لا عيب.
وقال ابن حبيب: لا تجزئ.
ولا تجزئ مع البكم، ويُتَّقى النتن.
_________________
(١) «النوادر» (٤/ ٣١٨).
(٢) «النوادر» (٤/ ٣١٦).
(٣) «المنتقى» (٤/ ١٦٥).
(٤) «التبصرة» (٣/ ١٥٧٩).
(٥) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٦/ ٥٨).
(٦) «المنتقى» (٤/ ١٦٥).
[ ٤ / ٤٤٣ ]
قال ابن المواز: تجزئ المستأصلة القرنين، كالجلحاء (^١)؛ لأنَّ القرن لا منفعة فيه، وإنما منع إذا أدمى لأنه مرض.
قال أبو إسحاق: لأنه ليس نقصًا في الخلقة؛ لأنَّ النعاج لا قرون لها، بخلاف المخلوقة بغير أذنين، أو قُطعت أذناها؛ لأنه خلاف المعتاد في الخلق.
قال ابن حبيب: لا تجزئ العضباء، وهي: مكسورة الداخل والخارج، وإن لم تَدْمَ؛ أجزأت (^١).
قال ابن شعبان أكره الأقصم، وهو كسر القرن الخارج، والأعضب كسر الداخل، وإذا عُضب من القرن نصفه [وجب اتقاؤه] (^٢).
وقيل: إن لم يَدْمَ؛ أجزأ (^٣).
قال الجوهري: العضباء المكسورة داخل القرن، ويقال: التي انكسر أحد قرنيها.
قال اللخمي: أجاز في المدونة مكسورة القرن إذا لم يَدْمَ، ولم يراع قدر ما ذهب منه، وأرى أن لا يجزئ إذا ذهب ما يكثر له شينها، وليست كالجماء، لأنه لا يشينها ذلك (^٤).
وفي «الموازية»: إذا يبس الضرع؛ لا خير فيها، أو بعضُه؛ أجزأت (^٥).
_________________
(١) «النوادر» (٤/ ٣١٦).
(٢) خرم في الأصل، مستدرك من «التذكرة» (٦/ ٦٠).
(٣) «الزاهي» (ص ٣٤٣)
(٤) «التبصرة» (٣/ ١٥٨١).
(٥) «النوادر» (٤/ ٣١٦).
[ ٤ / ٤٤٤ ]
قال مالك: إذا طال الذنب فقطع منه قدر قبضة أرى أن تُجتنب (^١)
قال ابن المواز: القطع الكثير مكروه، واليسير جائز، والثلث كثير عندي (^٢)
قال ابن حبيب: إن جهل فضحى بذات عيب؛ لا يبيع لحمها وإن أبدلها؛ لأنه ذبحها قربةً (^٣)
ص: (الاختيار أن يتقى العيب كله، والسليم أفضل من المعيب)
قياسا على العتق.
قال عروة بن الزبير: يا بَنِيَّ، لا يضحينَ أحدكم بشيء يستحيي أن يهديه لكريمه، فإنَّ الله تعالى أكرم الكرماء.
(ومن اشترى أُضحية سليمة ثم حدث بها عيب لا تجزئ معه؛ فعليه بدلها)
ت: لأنها إنما تتعين بالذبح، بخلاف الهدي يحدث به عيب بعد التقليد؛ لأنه وجب بالنية والفعل.
قال القاضي إسماعيل: لو قال بلسانه أوجبتها، امتنع إبدالها.
يريد ولا يضره عيب دخلها؛ لأنه أوجبها بالنية والقول.
قال عبد الحق: رأيتُ هذا لغير واحد من البغداديين، وأن أحدا لو تعدى فذبحها عن صاحبها، أجزأت.
_________________
(١) «الجامع» (٥/ ٨٣٤).
(٢) «الجامع» (٥/ ٨٣٤).
(٣) «النوادر» (٤/ ٣١٨).
[ ٤ / ٤٤٥ ]
فإن وجد بها عيبًا قديمًا بعد الذبح ورجع بقيمته:
فقال أصبغ: إن لم تجزئ [به، وكانت] (^١) أيامُ الذبحِ باقيةً، أعاد الأضحية، أو خرجت صنع به ما شاء.
قال [أبو إسحاق] (^٢): وإن كانت تجزئ معه تصدق بما أخذ؛ لأنَّ القربة تمت.
قال ابن القاسم: بخلاف ما يرجع به في عيب عبد [أعتقه، فهذا] (^٣) يصنع به ما شاء، وإن كان لا يجزئ مثله (^٤).
قال ابن يونس: يريد: إذا كان تطوعًا (^٥)؛ لأنَّ المعيب يتطوع به في العتق دون الأضحية.
ص: (إن انكسرت أضحيته فجبرها، فصحت؛ أجزأه ذبحها).
لأنَّ المعتبر حالة الذبح، بخلاف الهدي.
(وإذا اشترى جماعة أضاحي فاختلطت؛ جاز أن يصطلحوا فيقتسمونها).
ت: إن اختلطت قبل الذبح جازت القسمة.
قال سحنون: إذا استوت في السَّمَن، وإلا كُره؛ لأخذ الدنية، إلا أنها
_________________
(١) خرم قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٦/ ٦٢).
(٢) خرم مقدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٦/ ٦٣).
(٣) محو قدر كلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٦/ ٦٣) بمعناه.
(٤) «النوادر» (٤/ ٣٢٨).
(٥) «الجامع» (٤/¬٤٩).
[ ٤ / ٤٤٦ ]
تجزئ، ولا يأخذ للفضل (^١).
أو بعد الذبح:
قال يحيى بن عمر: يتصدقان بأضحيتهما، ولا يأكلان شيئًا (^٢)؛ لأنَّ كلَّ واحد قد يأخذ شاة صاحبه، فيصير بيعًا.
قال ابن المواز: وإذا اختلطت الرؤوس عند الشواء؛ أكره أخذ متاع غيرك، ولعله لم يأخذ متاعك، ولو اختلطت برؤوس الشواء لكان خفيفًا؛ لأنه ضامن، كما تضمن لحوم الأضاحي بالتعدي، والزرعُ الذي لم يبد صلاحه، [وكلب] (^٣) الغنم (^٤).
فإن ذبح كلُّ واحدٍ منهما أُضحية صاحبه خطًا:
قال ابن القاسم: لا يجزئهما، ويضمن كلُّ واحد منهما لصاحبه القيمة (^٥).
وقال أشهب: يجزئهما، كما لو اشترى كبشا فضحى به، ثم استحقه صاحبه (^٦).
وجه عدم الإجزاء: أنَّ الذابح لم ينوها عن مالكها، فلم تحصل فيها نيَّة التقرب بالنسبة إلى مالكها، بخلاف الهدايا؛ لتعينها بالتقليد والإشعار، فاستغنت
_________________
(١) «النوادر» (٤/ ٣٢٨).
(٢) «النوادر» (٤/ ٣٣١).
(٣) في الأصل: (وكذلك)، والمثبت من «التذكرة» (٦/ ٦٤)، وعبارتها: (وقيمة كلب).
(٤) «النوادر» (٤/ ٣٢٧).
(٥) «المدونة» (٢/ ٧٢).
(٦) بنحوه عنه في «النوادر» (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦).
[ ٤ / ٤٤٧ ]
عن النية بعد ذلك من صاحبها.
فإن كان قد أوجبها على نفسه فالمشهور إجزاؤها؛ لأنه [تعيين] (^١)، كالهدي.
وقيل: لا تجزئ، على القول بأنها لا تتعين بالقول.
وإذا قلنا: لا تجزئ:
قال ابن القاسم في «العتبيَّة»: إن أخذ قيمتها، لم تُجزئ ذابحها، ولا يبيع لحمها؛ لأنه قصد بها النسك، كما لو وجدَها مَعِيبةً بعد الذبح عيبا لا تجزئ معه، وإن أخذها ربُّها وترك التضمين فله بيع لحمها؛ لأنه ليس بقربة.
قال اللخمي: لا يبيعه؛ للخلاف في إجزائها.
قال ابن القاسم: ولا تجزئ الذابح، ضَمِنَ القيمة أم لا؛ لأنه لم تحصل في ضمانه إلا بالذبح، فصار مضحيا بلحم.
وقال أشهب: تجزئه؛ كمن ضحى، ثم استُحِقَّت أُضحيته، بجامع أنَّ كليهما أقدم يعتقد الملك.
قال مالك: إن ذبَحَ كلُّ واحدٍ منهما هدي صاحبه؛ أجزأهما.
وعنه: لا يجزئهما إن كان الهدي شاتين، ويضمن كلاهما ما أتلفه.
قال الأبهري: والأول أحبُّ إلينا؛ لوجوب الهدي بالتقليد والإشعار بل بالذبح.
وأما إن كان الهدي شاتين فلا يجزئ؛ لأنَّ الشاة لا توجب بالتقليد
_________________
(١) في الأصل: (معيب)، والمثبت من «التذكرة» (٦/ ٦٦)، ولفظه: لأنها قد تعينت.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
والإشعار بل بالذبح.
فإن أوجبها بالقول؛ فكالبدنة إذا قُلّدت وأُشعرت.
وعلل ابن عبد الحكم الشاتين [على أنه] (^١) خلاف من مالك، وهو ليس خلافًا؛ لما تقدم.
ص: (إذا ذبح رجل أضحية رجل بغير إذنه؛ ضمن قيمتها، ووجب على ربها بدلها).
ت: إن كان أجنبيا فهو ضامن، والمعصية لا تكون قُربة، وهي لا تجب إلا بالذبح، لا بالشراء على الصحيح، فهي مفتقرة إلى نية ربها، ولم توجد، ولأنها قُربةٌ بدنية، والأصل امتناع النيابة فيها، أما إذا وكله فقد نزله منزلته في النية والتضحية.
ولربها تضمينه؛ لأنه متلف، وله أخذها وما نقصها الذبح؛ لأنها ملكه، فلا تخرج عنه بغير رضاه، وعن مالك في إجزائها عن ربها روايتان؛ بناءً على تعينها بالشراء أم لا.
فإن أوجبها على نفسه بنذر أو قول؛ أجزأته على المشهور، كالهدي المقلّد، والقول الآخر: بناءً على أنها لا تتعين إلا بالذبح.
قال الطرطوشي: هذا الخلاف إذا لم يُضمّنه، أما إذا أضمنه لم تجزئ واحدًا منهما ويصنع الذابح بها ما أراد.
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق، مثبتة من «التذكرة» (٦/ ٦٨).
[ ٤ / ٤٤٩ ]
فإن ذبحها ولده أو صديقه أو من في عياله؛ أجزأت عند ابن القاسم؛ لما في البخاري: قالت عائشة ﵂: لما كنتُ بمنّى أُتِيتُ بلحم بقر، فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: ضحى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر (^١)، فضحى عنهن ولم يأذن، ولأنه إذن في العادة.
وقال أشهب: لا يجزئه؛ لأنَّ الإذن العام إنما يتناول المتكرر من الأفعال غالبًا [والإذن] (^٢) لا يخطر بالبال [حتى يعين ..] (^٣)، لأنَّ [..] (^٤) لا يتناول وكالته الهبة والصدقة حتى ينوي [..] (^٥).
فإن أمر من يذبحها فنوى عن نفسه؛ أجزأت صاحبها.
وقد اشترى ابن عمر شاةً من راع، فأنزلها من الجبل، وأمره بذبحها، فذبحها وقال: اللهم تقبلها مني، فقال ابن عمر: ربُّك أعلم بمن أنزلها من الجبل.
ولأنَّ نيَّةَ القُربة لربها، والذابح إنما ينوي الذبح، وقد حصلت نيَّةُ القُربة.
وقال أصبغ: لا تجزئه.
ص: (لو غصبها وذبحها عن نفسه لم تجزئه، وغرِمَ قيمتها لربها).
ت: قال مالك: لا تجزئ واحدا منهما؛ لعدم ملك الذابح، وعدم نية المالك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه) رقم (١٧٠٩)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٢٩٢٥).
(٢) خرم قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٣) خرم قدره ثلاث كلمات، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٤) خرم قدر كلمتين.
(٥) خرم قدره كلمة.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
وقال أصبغ: تجزئ الذابح، وعليه قيمتها صحيحةً؛ لأن القيمة تقررها على ملكه.
ص: (ينبغي للمرء أن يباشر ذبح أضحيته، ولا يأمر بذلك غيره، فإن ذَبَحَ له غيره بأمره أجزأه، والاختيار ما ذكرناه).
ت في مسلم: «أَنَّ رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبَّر» (^١)، ولأنَّ مباشرةَ القُرَب أفضل، وقد استناب رسول الله ﷺ في نحر الهدايا، ولأنه مال، والاستنابة في الأموال جائزة، كتفريق الزكاة، وإخراج الكفَّارة.
ص: (لا يجوز أن يذبح له يهودي ولا نصراني).
ت: لأنَّ الكافر ليس من أهل القُرب، فلا تجزئ، كاستنابة في الحج.
قال داود بن الحصين: كان الناس يتخيرون لذبائحهم صالح مَنْ يجدون.
قال اللخمي: يُستحَبُّ الإعادة في تارك الصلاة، للخلاف هل هي ذكية أم لا (^٢).
وقال أشهب: تجزئ (^٣) في ذكاة اليهود والنصراني؛ لأنه من أهل الذبح كالمسلم.
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر: (٤/ ٤٢٩).
(٢) «التبصرة» (٣/ ١٥٦٠).
(٣) «النوادر» (٤/ ٣٢٠).
[ ٤ / ٤٥١ ]
ص: (ويأكل المرء من أضحيته، ويُطعم منها، ولا بأس أن يُطعم غنيًّا أو فقيرا، حرا أو عبدًا، نيئًا أو مطبوخًا، ويُكره أن يُطعم منها يهوديًا أو نصرانيا، وليس لما يطعمه أو يأكله حَدٌ، والاختيار أن يأكل الأقل ويقسم الأكثر، ولو قيل: يأكل الثلث ويقسم الثلثين؛ لكان حسنًا).
ت: أصل الأكل والإطعام الكتاب، والسنَّةُ، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].
فالبائس: الشديد الفقر، قاله العبدي.
والقانع: من لا يتعرض لسؤال
والمعتر: الزائر المعترض لما ينال من غير سؤال.
وقيل: القانع: الذي يسأل.
قال ابن حبيب: ليس عليه أن يُطعم هؤلاء (^١).
قال ابن شعبان: تخصيص المساكين أحسن، وإطعام الغني جائز (^٢).
وقال رسول الله ﷺ: «كنتُ نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادَّخِروا وتصدقوا»، خرَّجه مسلم (^٣).
_________________
(١) انظر: «النوادر» (٤/ ٣٢٢).
(٢) «الزاهي» (ص ٣٤٦).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٤٢٦).
[ ٤ / ٤٥٢ ]
واتفقت الأمة على جواز الأكل والإطعام.
قال مالك: ينبغي الأكل والتصدق، ولا يقتصر على أحدهما، كما قال الله تعالى.
قال ابن المواز: التصدق بها أعظم لأجره.
وكره أن يُطعم جاره النصراني، وظئره النصرانية، وقد كان يجيزه.
وكان ابن وهب يُخففه، ويحمل قوله ﵇: «لا تطعموا المشركين» على المجوس دون أهل الكتاب.
والجمهور على المنع عمومًا.
ويُكره التصدق بالجميع؛ لأنَّ رسول الله ﷺ نحر مئة من الإبل، وأمر من كل واحدة بقطعة فطبخت؛ ليكون قد أكل من جميعها، وهو يدل على أكل الأقل والتصدُّق بالأكثر.
ص: (لا يجوز بيع الأضحية بعد ذبحها، ولا يجوز بيع شيء منها، ولا يجوز أن يعطي ذابحها من لحمها أو جلدها أجرته).
ت: لقول علي بن أبي طالب ﵁: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها و[جلالها] (^١)، ولا يُعطي في جزارتها شيئًا من لحمها، وقال: «نحن نعطيه من عندنا»، خرجه مسلم (^٢).
_________________
(١) كذا في الأصل، ولفظ مسلم في «صحيحه» رقم (٣١٨٠): (أجلتها).
(٢) أخرجه من حديث علي بن أبي طالب: أحمد في «مسنده» رقم (١٣٢٥)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٣١٨٠).
[ ٤ / ٤٥٣ ]
قال ابن المواز: ولا يتصدق بجلدها أو لحمها على من (^١) يعلم أنه يبيعه، ومن تصدق به عليه فلا يبيعه ولا يبدله بمثله، وكذلك لو وهبته لخادمك، قاله مالك.
وقال [أصبغ] (^٢): يجوز له البيع (^٣).
كما تُصدّق على بريرة بشاة، فأعطت منها النبي ﷺ، وقال: «هو لها صدقة ولنا منها هدية» (^٤).
ولو بقيت على حكم الصدقة لحرمت على رسول الله ﷺ؛ لأنه لا يأكل الصدقة، وقياسًا على الزكاة.
وجه الأول: القياس على ما إذا انتقل إليه بالميرا.
قال مالك: ويُنقض البيع (^٥).
فإن فات:
قال ابن القاسم في «العتبيَّة»: يتصدق بالثمن، ولو استنفقوه لم يؤخذ منهم (^٦).
وقال ابن عبد الحكم: يصنع به ما شاء (^٧).
فإن سرقت رؤوس الضحايا من الفرن:
_________________
(١) زاد في الأصل: (لم)، وهو تصحيف يناقض السياق.
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٦/ ٧٨).
(٣) «النوادر» (٤/ ٣٢٧).
(٤) أخرجه من حديث عائشة: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٥٧٨)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٢٤٩٠)
(٥) انظر: «التبصرة» (٣/ ١٥٧٠).
(٦) «البيان والتحصيل» (٣/ ٣٨٠).
(٧) «النوادر» (٤/ ٣٢٧).
[ ٤ / ٤٥٤ ]
استحبَّ ابن القاسم أن لا يغرمه شيئًا؛ لأنه كالبيع.
قال ابن حبيب: يأخذ القيمة يصنع بها ما شاء؛ لأنَّ من حلف لا يبيع ثوبًا، فغصبه غاصب؛ لا يحنث بأخذ قيمته.
ص: (لا بأس بادخار لحوم الأضاحي ما شاء الإنسان وما بدا له).
لما في مسلم: قال ﵇: «كنتُ نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وتصدقوا وادَّخِروا» (^١).
(ويسمي المرء على أُضحيته، فإن نسي التسمية فلا شيء عليه، وإن تعمد تركها لم تؤكل).
ت: أصله قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِنْ شَعَيْرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، فأمر تعالى بالتسمية قبل النحر والوجوب السقوط، وسنة نحر الإبل وهي قيام.
وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فأباح مع وجودها، ومنع مع عدمها.
وقال رسول الله ﷺ لعَدِي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله؛ فكُلْ» (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٤٢٦).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣٦٥).
[ ٤ / ٤٥٥ ]
ولأنه ﵇ ذَبْحٌ وسمى عند الذبح (^١).
والسهو لا [يَضُر] (^٢)؛ لأن ترك السنن سهوا لا يُبطل.
وقول مالك وابن القاسم: لا تؤكل في العمد (^٣).
قال ابن يونس: منهم من حمله على التحريم تغليظًا؛ لئلا يُستخفَّ بالسنن، ومنهم من حمله على الكراهة؛ لقوله ﵇: «الذكاة في الحلق واللبة» (^٤)، ولم يذكر التسمية (^٥).
ص: (لا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام متعمدًا، فمن فعل أعاد، سواء [ذبح] (^٦) قبل الصلاة أو بعدها).
ت: لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
قال الحسن البصري: نزلت في قوم ذبحوا قبل النبي ﷺ.
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما نبدأ به في يومنا هذا: أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر: (٤/ ٤٣٩).
(٢) خرم قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٣) «المدونة» (٢/ ٥١).
(٤) سبق تخريجه، انظر: (٤/ ٣٨٢).
(٥) «الجامع» (٤/¬٧).
(٦) في الأصل: (أعد)، والتصويب من «التذكرة» (٦/ ٨٢).
[ ٤ / ٤٥٦ ]
لحمٌ قَدَّمَهُ لأهله، ليس من النُّسُك في شيء» (^١).
وكان أبو بردة قد ذبح قبل الإمام، فأمره ﵇ بالإعادة (^٢).
وقياسًا على ما إذا ذبح قبل الصلاة مع أبي حنيفة، أو قبل وقت الصلاة مع الشافعي.
قال ابن المواز: لا يُراعى في اليوم الثاني والثالث ذبح الإمام ولا غيره، بل إذا ارتفعت الشمس، وإن فعل بعد الفجر أجزأه في هذين اليومين (^٣).
ص: (ينبغي للإمام أن يُحضِرَ أُضحيته للمصلَّى، فيذبحها؛ ليعلم الناس بذبحه، فيذبحوا بعده، فإن لم يفعل فليتوخ الناس قدر انصرافه وذبحه، ثم يذبحوا بعده، فإن توخوا ذلك فذبحوا، ثم تبين لهم أنهم ذبحوا قبله؛ لم تجب عليهم إعادة، [وكذلك] (^٤) مَنْ ذَبَحَ في قرية ليس لها إمام متحريا ذبح من يليه من الأئمة، فصادف ذبحه قبله؛ أجزأه).
ت في البخاري: «أَنَّ رسول الله ﷺ كان ينحر ويذبح بالمصلى» (^٥)، وجرى العمل على ذلك في الأمصار، ولأنه يكون الناس بذلك على يقين بذبحهم بعده، ولأنَّ الأضحية سنة عامة.
_________________
(١) أخرجه من حديث البراء: البخاري في «صحيحه» رقم (٥٥٤٥)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٥٠٧٣).
(٢) أخرجه من حديث البراء: البخاري في «صحيحه» رقم (٥٥٥٦)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٥٠٦٩).
(٣) «النوادر» (٤/ ٣١٣).
(٤) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٦/ ٨٣).
(٥) أخرجه من حديث ابن عمر: البخاري في «صحيحه» رقم (٩٨٢).
[ ٤ / ٤٥٧ ]
قال الباجي: فالأفضل إظهارها؛ إحياء للسُّنَن (^١).
قال ابن حبيب: يُستحَبُّ إظهارها؛ ليعلم الجاهل سنتها وما يلزمه منها.
فإن لم يفعل ففرضهم [الاجتهاد] (^٢)، فإن تبيَّن الخطأ أجزأت، كالقبلة مع الغيم.
فإن ذبح في وقت لو ذبح الإمام في المصلى كان ذابحًا قبله؛ لم يجزئه، فإن توانى الإمام بعد وصوله إلى داره أجزأ؛ لأنَّ الإمام متعد بالتأخير.
ومن لا إمام له عليه الاقتداء بأقرب الأئمة إليه.
قال بعض الشيوخ: لا يلزمهم التأخير إلى الزوال ليحصل اليقين، كما يصلي المصلي إلى الجهات الأربع، بل يكتفي بالاجتهاد.
ص: (الأيام المعلومات: أيام الذبح: يوم النحر، ويومان بعده، والأيام المعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود غير معلوم).
ت: قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وقال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧].
فالمعدودات: أيام منى أيامُ الرمي، ولذلك سُمِّيت معدودات، ولم يُسَمَّ يوم النحر معدودًا؛ لأنَّ النفر لا يجوز في غده، والرابع معدود؛ للرمي فيه، وغير
_________________
(١) «المنتقى» (٤/ ١٧٦).
(٢) في الأصل: (الجهاد)، والمثبت ما يناسب السياق.
[ ٤ / ٤٥٨ ]
معلوم؛ لامتناع النحر فيه، واليومان معدودان معلومان؛ لجواز النحر والرمي فيهما.
ولا يقال: ينبغي أن يسمى الأول معدودًا؛ لرمي جمرة العقبة فيه، فقد شارك ما بعده؛ لأنا نقول: لا يرمي فيه إلا جمرة العقبة دون بقية الجمار، فكان النحر أخص به.
* * *
[ ٤ / ٤٥٩ ]