(لا بأس بأكل ميّتِ الحيتان، طافيًا كان أو راسبا، وصيد البحر كله حلال، ويُكره أكل كلب الماء وخنزيره من غير تحريم له، وكَرِه مالك تسميته خنزيرا).
ت: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، فصيده ما أُخِذ منه حيًّا، وطعامه ما مات فيه.
وقال رسول الله ﷺ لما سُئل عن الوضوء بماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته» (^١).
وقال الصديق ﵁: السمكة الطافية حلال لمن أكلها.
وقال أبو حنيفة: لا بد أن يكون موته بسبب.
وكره مالك تسميته خنزيرًا؛ لتناول لفظ الآية، والصواب عدم دخوله، كما أنَّ ميتة البحر لم تندرج في الميتة.
قال القاضي: ولا فرق في ميتة البحر بين ما له شبهة (^٢) في البر، وما لا شبهة له؛ للعمومات المتقدمة.
ص: (لا بأس بأكل السرطان والسلحفاة والضفدع).
ت: ما يعيش من دواب البحر في البر اليومين والثلاثة:
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: مالك في «الموطأ» رقم (٤٦)، وأحمد في «مسنده» رقم (٨٧٣٥).
(٢) لفظ «التذكرة» (٥/ ٤٧٧) في الموضعين: (شبيه).
[ ٤ / ٣٩٧ ]
المشهور يؤكل بغير ذكاة؛ تغليبا لحكم البحر عليه، والعمومات المتقدمة.
وقيل: لا يؤكل؛ لقوة شبهه بحيوان البر، وعلى هذا الخلاف في السرطان و[السلحفاة] (^١) والضفدع.
وما كان لا يعيش من ذلك إلا في البر لا يؤكل إلا بذكاة.
قال مالك: هي ترس صغير في البرية.
قال بعض علمائنا: الضفادع نوعان: بحرية وبرية، فالبرية لا تؤكل إلا بذكاة.
ص: (لا بأس بأكل ما صاده المجوسي من الحيتان كلها).
لأنها لا تحتاج إلى ذكاة.
(ولا بأس بأكل الطير كلها، ما كان منها ذا مخلب أو غير مخلب، كالبزاة، والعقبان، والرخم، والحديان، والغربان، وسائر السباع وهي في ذلك بخلاف سباع الوحش، ولا يؤكل شيء من سباع الوحش، كالأسد، والذئب، والفهد، والنمر، والضبع).
ت: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ولم يذكر [ذوات المخلب] (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ولم يخصَّ نوعًا من الصيد.
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٧٧).
(٢) خرم في الأصل قدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٧٩).
[ ٤ / ٣٩٨ ]
وكره مالك في «العتبية» الخطَّاف.
وعن النبي ﷺ أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير، خرجه مسلم (^١).
قال عبد الملك: الأسود والنمور والذئاب حرام (^٢).
قال الأبهري: نهى مالك عن السباع على الكراهة؛ لاختلاف الصحابة ﵃ في أكلها.
وكان ابن عباس وعائشة ﵄ يحتجان بالآية، ولا يذهب التحريم على مثلهما.
قال ابن حبيب: لم يختلف المدنيون في العادية، مثل الأسد والذئب، وغيرهما - كالثعلب والضبع - يُكره من غير تحريم (^٣)؛ لتعارض الحديث المتقدم مع ما روي عنه ﵇: أنه أجاز أكل الضبع، وهو ذو ناب (^٤)، فيحمل النهي على العادي، والآخر على غير العادي، ولأنَّ ما يعدو تعافه النفوس.
ص: (لا بأس بأكل الوبر، والثعلب، والأرنب).
ت: لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، وليس في المتلو إلا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به، فبقيت هذه على الإباحة.
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عباس: مسلم في «صحيحه» رقم (٤٩٩٤).
(٢) نقله عنه ابن حبيب، انظر: «النوادر» (٤/ ٣٧٢).
(٣) بنصه عنه في «النوادر» (٤/ ٣٧٢).
(٤) أخرجه من حديث جابر: أحمد في «مسنده» رقم (١٤١٦٥)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٨٠١).
[ ٤ / ٣٩٩ ]
قال عياض: الوَبْرُ فوق اليربوع ودون السُّنّور، قيل: يأكل البقول كالأرنب.
وقال ابن شعبان: كل ما يأكل البقول فارق السباع (^١).
وأما الثعلب فأجازه ابن الجلاب.
وكرهه مالك في «المدونة» (^٢)؛ لاختلاف الصحابة فيه.
ص: (يُكره أكل الهر، وحشيا كان أو إنسيا).
لما في أبي داود: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر» (^٣)، وهو عام في الوحشي والإنسي، وهو ليس بعادٍ، فحطت الكراهة.
(ولا بأس بأكل الحُمُر الوحشية، ولا تؤكل الحُمُر الأهلية، ولا البغال، ويكره أكل الخيل).
ت: عقَرَ أبو قتادةَ حمار وحش، فقال النبي ﷺ: «أمعكم من لحمه شيء؟»، قالوا معنا رجله، فأخذها فأكلها (^٤).
وحكى ابن حارث الاتفاق على جواز أكله.
فإن تَأَنَّسَ وصار يعمل عليه:
قال مالك: لا يؤكل، لشبهها بالأهلية.
_________________
(١) «الزاهي» (ص ٣٦١).
(٢) «المدونة» (٢/ ٦٣).
(٣) أخرجه من حديث جابر: أبو داود في «سننه» رقم (٣٨٠٧).
(٤) أخرجه البخاري في «صحيحه» رقم (٢٨٥٤)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٢٨٥٨).
[ ٤ / ٤٠٠ ]
وقال ابن القاسم: يؤكل (^١)؛ لأن أصلها صيد مباح.
قال الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، فبين تعالى ما خلقها له.
قال عبد الوهاب: الحُمُر الأهلية عند مالك مغلظة الكراهة، ومن أصحابنا من يقول: حرام لا كتحريم الخنزير (^٢).
لمالك: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، [فلتعارض] (^٣) دليل الإباحة ودليل التحريم كرهت.
وجه التحريم: ما في البخاري: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية (^٤).
وفي الترمذي: حرَّم رسول الله ﷺ لحم الحمر الأهلية ولحوم البغال (^٥).
وعن ابن عباس وعائشة ﵄ إباحةُ الحُمُر الأهلية.
واختلف في العلَّة:
فقيل: نهيه ﵇ يوم خيبر من أجل الظهر.
_________________
(١) «المدونة» (٢/ ٦٤).
(٢) «المعونة» (١/ ٤٦٢).
(٣) في الأصل: (فتعارض)، والمثبت أنسب.
(٤) أخرجه من حديث ابن عباس: البخاري في «صحيحه» رقم (٤٢١٩)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٥٠٢٢).
(٥) أخرجه من حديث جابر: أحمد في «مسنده» رقم (١٤٤٦٣)، والترمذي في «سننه» رقم (١٥٤٧).
[ ٤ / ٤٠١ ]
وقيل: لأكلها العذرة.
وقيل: لأنها كانت نهبة.
قال الباجي: البغال متولد بين الحُمُر والخيل، فإن قلنا: الحُمُر مكروهة؛ كرهت البغال، أو محرمةٌ؛ حرمت (^١).
وكره مالك أكل الخيل؛ للخلاف فيها.
وأباحها أبو حنيفة، والشافعي.
لنا: قوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
وقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥].
فبيَّن تعالى ما هو للأكل وما هو [للركوب والزينة] (^٢)، ولأنَّ الخيل تحتاج للجهاد، وإباحتها تقللها.
ص: (لا تؤكل الكلاب).
لنهيه ﵇ عن أكل كلَّ ذي ناب من السباع (^٣).
قلت: حكمة تحريم السباع أنَّ الأغذية تغيّر الأخلاق، فمن اغتذى بشيء اكتسب خُلقه، وكذلك العرب لما اغتذت بالإبل كان إيثارها عظيما؛ لأنَّ الإبل
_________________
(١) «المنتقى» (٤/ ٢٦٦).
(٢) خرم في الأصل، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٨٧).
(٣) أخرجه من حديث ابن عباس: أحمد في «مسنده» رقم (٢٦١٩)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٩٩٤).
[ ٤ / ٤٠٢ ]
إذا اجتمعت على علفها، لا تدافع بعضها بعضًا وإن كانت جائعة، وكثر حقد العرب لأن للإبل ذلك، ومنه قوله ﵇: «الرضاع يغير الطباع» (^١).
والسباع نفوسها مفرطة الظلم والقساوة والفساد […] (^٢) لذلك فحرمها الله.
ويقال: أكل أربع أربعًا فاكتسبوا أربعًا: أكلت الفِرُنْجُ الخنزير فاكتسبت عدم الغيرة، وأكلت الترك الخيل فاكتسبت القساوة، وأكلت السودان القرود فاكتسبت الرقص، وأكلت أهل مصر الفأر فاكتسبوا الخيانة.
ولما كانت سباعُ الطير أقل [..] (^٣) وفسادًا في الحيوانات؛ استُخفَّ أمرها، بخلاف سباع الوحش فهذا هو سِرُّ [..] (^٤).
ويَرِدُ علينا في الآية أنها مكية، ولا حُجَّة فيها؛ فإنَّ رسول الله ﷺ لم يجد في المستقبل محرما فيما أوحي إليه في الماضي، ولا يمنع ذلك أن تجد منه محرمًا فيما يوحى إليه في المستقبل، والحديث بعد الآية، فليس في الآية حُجَّةٌ إلا في نفي التحريم إلى تلك الغاية، والخصم يسلمه.
ويرد على الشافعية في الحديث: أنَّ الأصل في المصدر أن يكون مضافًا للفاعل دون المفعول بإجماع النحاة، فتكون السباع آكلةً لا مأكولة.
فإن قلت: أكلها فعلها، ونحن لا ننهى عن فعل السباع؛ قلتُ: يكون الأكل بمعنى المأكول ومصدر الحديث، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]،
_________________
(١) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (١/ ٥٦)، والدارقطني في «أطراف الغرائب والأفراد» (٣/ ٢٦٨)، رقم (٢٦٢٠).
(٢) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات.
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة.
(٤) خرم في الأصل قدره كلمة، ولعل أقرب ما يظهر منها: (الندب).
[ ٤ / ٤٠٣ ]
وهذا وإن كان خلاف الظاهر - لأنه مجاز - فالإضافة إلى المفعول أيضا خلاف الظاهر، ويلزم تعارض الاحتمالين، فيبقى الحديث مجملًا لا دليل فيه، فيستصحب الأصل في الإباحة، وهو المطلوب.
ص: (الخنزير محرَّم، لحمه وشحمه، ولا بأس بالانتفاع بشعره في الخرز وغيره).
ت: الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
وفي «الصحيحين»: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله حرَّم عليكم الميتة والدَّمَ ولحم الخنزير، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يُطلى بها السُّفُن ويستصبح بها؟»، قال: «لعن الله اليهود، حُرّمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها» (^١).
وأجمعت الأمة على تحريمه، إلا قول داود شحمه غير حرام؛ لتخصيص الآية اللحم.
قال اللخمي: جلده كلحمه؛ لأنَّ الشاة تؤكل سميطًا.
فإن دبغ:
قال الأبهري: لا ينتفع به؛ لأنَّ الإباحة إنما وردت في جلد الميتة؛ لقوله ﵇: «هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به» (^٢).
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في (صحيحه) رقم (٢٢٢٤)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٠٥٣).
(٢) أخرجه من حديث عبد الله بن عباس: البخاري في (صحيحه) رقم (٨٠٨)، ومسلم في =
[ ٤ / ٤٠٤ ]
وقال اللخمي: يُنتفع به، كجلد الميتة (^١).
قال ابن القاسم: لا بأس ببيع شعره، كصوف الميتة (^٢).
وقال أصبغ: لا خير في شعر خنزير (^٣).
وأما اللبن فحرام؛ لأنَّ المقصود اجتناب كله جملةً.
ص: (لا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم، وتكره شحوم اليهود من غير تحريم).
ت: قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
ولأنَّ كلَّ مَنْ حلَّت نسائهم حلت ذبائحهم، كالمسلمين.
قال عبد الوهاب: أما إذا خيف منهم استعمال النجاسة - كالخمر والخنزير - وجب اجتنابها (^٤).
وكره مالك في «المدوَّنة» أكل ذبائحهم، والشراء من مجازرهم من غير تحريم، وقال: أمر عمر ﵁ أن لا يكونوا جزارين ولا صيارفة، وأن يقاموا من أسواقنا كلها؛ لأنَّ الله تعالى أغنانا بالمسلمين عنهم.
ولأنا لا ندري ما فعلوه في هذه الذبيحة، فلعله لم يفرِ الأوداج، أو وجدها
_________________
(١) = «صحيحه» رقم (٤٠٥٣).
(٢) «التبصرة» (٣/ ١٦٠٤).
(٣) «البيان والتحصيل» (٨/¬٤٦).
(٤) «البيان والتحصيل» (٨/¬٤٦).
(٥) «المعونة» (١/ ٤٦٦).
[ ٤ / ٤٠٥ ]
[لازوقًا] (^١)، أو ذبحها لعيد أو كنيسة.
وعن مالك في الشحوم التحريم والإباحة أيضًا (^٢).
وجه التحريم: أنهم يعتقدون الذكاة لا تبيحها، فلا تَحِلُّ بذكاته، كالمسلم يَحِلُّ بذكاته اللحم دون الدم، ولأنها ليس من طعامهم، ولأنها ليس فيها قصد الذكاة، فأشبهت ذكاة المجنون.
وجه الكراهة: اختلاف التأويل في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، هل ذبائحهم أو ما أحل لهم؟
وجه الإباحة: أنَّ اعتقادهم تحريم الشحوم منسوخ بهم، كالمسلم يعتقد أنَّ الذكاة تبيح اللحم دون الشحم، [فإنَّ ذلك غير مؤثر] (^٣).
قال عبد الله بن مغفل: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، فالتزمته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحدًا، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسمًا فقال: «خَلَ بينه وبين جرابه يذهب به إلى أصحابه» (^٤)، ولولا الإباحة لمنعه منه ﵇.
ص: ([لا يؤكل] (^٥) ما ذكَّاه اليهودي [من الإبل؛ لتحريمها] (^٦) عليهم).
_________________
(١) في الأصل: (لاروتا)، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٩٠).
(٢) انظر: «المختصر الكبير» (ص ٦٣٥).
(٣) خرم في الأصل، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٩٢).
(٤) أخرجه من حديث عبد الله بن مغفل: البخاري في «صحيحه» رقم (٣١٥٣)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٦٠٦).
(٥) خرم في الأصل قدر بكلمتين، والمثبت من «التفريع» (١/ ٤٠٦).
(٦) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «التفريع» (١/ ٤٠٦).
[ ٤ / ٤٠٦ ]
ت: اختلف في ذي الظفر:
فقال ابن القاسم لا يؤكل ما حرَّمه الله عليهم ولا ما حرموه على أنفسهم.
وقال ابن عبد [(^١)] الحكم: يؤكل القسمان؛ لأن تحريم الله نسخ.
وقال أشهب: لا يؤكل ما حرمه القرآن دون ما حرموه.
وكل ذي ظفر [(^٢)]، كالإبل، وحُمر الوحش، والنعام، والإوز، وكلّ ما ليس مشقوق الظلف، ولا منفرج القائمة.
فرأى ابن القاسم أنها ذكاة بغير نية، ولو ذبحوه لمسلم؛ لأن تذكيته كالقتل في ذي الظفر عندهم، فهو كقول [(^٣)] مالك فيمن رمى شاةً بسكين لا يريد ذبحها؛ لا تؤكل وإن فرى الأوداج.
ورأى ابن وهب أنها ذكاةٌ قصَدَها، كموكّل، واعتقاده أنها فاسدة اعتقاد فاسد لا عبرة به.
ص: (لا بأس بما لا ذكاة له من طعام المجوس، ولا يحِلُّ أكل ذبائحهم، ولا يؤكل جبنهم للإنفحة التي فيه).
ت: أكل الصحابة ﵃ أطعمتهم التي لا تحتاج إلى ذكاة [حين] (^٤) فتحوا بلادهم، وتخصيصا للآية: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] يقتضي تحريم ذبائحهم، وأن أنافحهم نجسة.
_________________
(١) خرم في الأصل قدره أربع كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٩٣).
(٢) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٩٣).
(٣) في الأصل: (قول)، والمثبت عبارة «التذكرة» (٥/ ٤٩٣).
(٤) في الأصل: (حتى)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٤٩٤).
[ ٤ / ٤٠٧ ]
ص: (ما وقعت فيه الميتة أو غيرها من النجاسات في الطعام والشراب، فإن كان جامدًا طرحت وما حولها، وانتفع بباقيه، وإن كان ذائبًا فهو نجس، وأريق كله).
ت في البخاري: وقعت فأرة في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها، فقال ﵇: «ألقوها وما حولها وكلوه» (^١).
وقال ﵇ في أبي داود: (إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا [تقربوه] (^٢» (^٣).
قال سحنون: إن طال مقامها مما يُعلم أنه يذوب في خلال ذلك؛ طرح الجامد كله، والسمن أقرب لذلك من العسل.
ص: (لا بأس بالإسراج بالدهن النجس، ولا بأس باستعماله في الصابون، ويتحفظ منه، ويُغسل ما أصابه من الثياب).
ت: قال مالك: لا بأس أن يُعلف النحل العسل النجس.
قال ابن يونس: لا يوقد الزيتُ النجِسُ في المساجد.
وقال عبد الملك: لا يجوز الانتفاع به مطلقا، ولو جاز ذلك لجاز في لحم الميتة (^٤).
_________________
(١) أخرجه من حديث ميمونة: البخاري في «صحيحه» رقم (٥٥٣٨).
(٢) في الأصل: (تفريق)، والتصويب من «سنن أبي داود» رقم (٣٨٤٢)، و«التذكرة» (٥/ ٤٩٥).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: أبو داود في «سننه» رقم (٣٨٤٢).
(٤) «البيان والتحصيل» (١/ ٣٣٩).
[ ٤ / ٤٠٨ ]
ص: (لا يطهر الزيت النجس بغسله، ولا يجوز أكله ولا بيعه).
ت: قال مالك إجازة غسله من النجاسة.
ومنع مالك أيضًا بيع العسل النجس والزيت من مسلم أو نصراني (^١).
قال أشهب بين أو لم يبين.
وقال ابن وهب: يجوز إذا بين.
قال ابن حبيب: يفسخ البيع إن كان قائما، وإن فات؛ رد الثمن.
قلت: اتفق العلماء في منع غسله إذا كانت النجاسة دهنا، كشحم الميتة وما لا يخرج مع الماء في الغسل، فاعلم ذلك.
ص: (لا بأس بعلف الدواب الطعام النجس، ما أُكل لحمه وما لم يؤكل لحمه، ولا بأس أن يأكل المضطر من الميتة شِبَعَهُ، ويتزود لحاجته، فإذا وجَدَ ذكيا حرمت عليه).
ت: قال ابن حبيب: لا يعلف الطعام النجس لحمام ولا دجاج، كالميتة (^٢).
وقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفِ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
واتفقت الأمة على الجواز.
قال ابن حبيب: يأكل بقدر ما يسد رمقه ويحفظ نفسه؛ لأنَّ الإباحة لحفظ
_________________
(١) انظر رواية أشهب عن مالك في «النوادر» (٤/ ٣٨٠).
(٢) «النوادر» (١/ ٧٥).
[ ٤ / ٤٠٩ ]
النفس لا للترفيه.
وجه قول مالك: أنَّ الضرورة حاصلة فيما دون التلف، فيأكل ويشبع ويتزود؛ لئلا يدوم العدم فيهلك، فإن استغنى طرحه.
ص: (إن اضطر لميتة وهو في سفرِ معصية لم يأكل منها حتى يفارق المعصية).
ت: قال ابن يونس: له أكلها لإحياء نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ولأنَّ عليه فرضان: ترك المعصية، وإحياء النفس، وترك فرض لا يوجب ترك فرض آخر.
ص: (من وجد ميتةً وصيدا وهو [مُحرِم، فليأكل] (^١) الميتة، ولا يقتل الصيد، إلا أن تكون الميتة متغيرةً يخاف على نفسه من أكلها).
ت: لأنَّ الله تعالى لم يرخص للمُحرم في قتل الصيد في حالة، ورخص في أكل الميتة عند الضرورة.
قال الأبهري: لأنه إذا قتل الصيد وهو مُحرِم صار ميتةً، فميتة لم [… .] (^٢) أولى؛ لأنَّ [..] (^٣) أخرى.
_________________
(١) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت من «التفريع» (١/ ٤٠٧).
(٢) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمعنى مفهوم، ولفظ «التذكرة» (٦/¬٦): «لم يُمتها وهو يستغني عن قتلها».
(٣) خرم في الأصل قدر بكلمتين.
[ ٤ / ٤١٠ ]
* ص: (من وجد ميتةً ومالا لغيره؛ أكلَ من مال غيره [وضمنه، وقد قيل: لا ضمان] (^١) عليه فيما اضطر إليه. ولا يأكل من الميتة مع وجوده، إلا أن يخاف القطع، فيجوز له أكلها).
[قلت: قاعدة] (^٢): إذا دار زوال الأملاك بين الرتبة العليا في الزوال والرتبة الدُّنيا، وهو زواله مع القيمة؛ فإنه أقرب الزوالين، [فحمله] (^٣) على الأدنى أولى؛ استصحابًا للملك بحسب الامكان، والقول الآخر يرى أنه يجب عليه إحياؤه، والواجب لا يؤخذ فيه عوض.
* ص: (لا يشرب المضطر خمرًا، ولا يتعالج بها، ولا بشيء من النجاسات).
لقوله ﵇: «إِنَّ الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حَرَّم عليها» (^٤)، ومعناه: لم يشرع، وجوزه الشافعي.
(وإذا كانت في حلقه غصَّةُ طعام، ولم يجد ما يسيغها به إلا خمرا؛ فلا بأس أن يشربها ليدفع بها غصته حكاها الشيخ أبو بكر الأبهري عن أبي الفرج).
لأنَّ الغصة تذهب قطعا بالخمر، ولولا ذلك لتلفت نفسه، بخلاف التداوي.
(وإذا ماتت دجاجة فأخرجت منها بيضةٌ فهي نجَسٌ، لا يَحِلُّ أكلها).
_________________
(١) خرم في الأصل قدره خمس كلمات، والمثبت من «التفريع» (٦/¬٦).
(٢) محو قدر بكلمتين، والمثبت أقرب ما يظهر منهما.
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت ما يناسب السياق.
(٤) رواه البخاري بنحوه معلقًا في «صحيحه» (ص ١٣٨٠)، وانظر: «مصنف عبد الرزاق» رقم (١٧٠٩٧).
[ ٤ / ٤١١ ]
ت: لأنها تنجست بالوعاء.
قال سحنون: وكذلك إن سُلِق بيض في ماء نجس؛ لوصول النجاسة بداخل البيضة (^١).
ص: (إن سُلِق بيض؛ فوُجِد في بعضه فرخ مَيِّت؛ فهو نجس لا يجوز أكله).
لأن الفرخ نجس الماء، فينجُسُ البيض.
(ولا بأس بالانتفاع بشعر الميتة وصوفها، ولا يجوز الانتفاع بريشها ولا عظمها ولا قرنها، وتكره المداهن والأمشاط من العاج).
ت: وافقنا أبو حنيفة في الشعر والصوف.
ومنعه الشافعي.
لنا: ما في الدارقطني: قال رسول الله ﷺ: «لا بأس بمسك الميتة [إذا دبغ] (^٢)، ولا بأس بصوفها وشعرها إذا غُسل بالماء» (^٣).
ولأنه لا حياة فيه، فلا ينجس، كالواخذة في حياتها.
والريش والقَرْنُ والعظم فالحياة تَحُلُّ فيه، بدليل أنه لا يجوز أخذه منها حالة الحياة.
_________________
(١) «الجامع» (١/ ١٢٠).
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من سنن الدارقطني (١/ ٦٨، رقم: ١١٦)، وهو في «التذكرة» (٦/¬٨).
(٣) أخرجه البيهقي في «الكبرى» رقم (٨٣).
[ ٤ / ٤١٢ ]
واختلف في عظم الميتة وناب الفيل:
فقال مالك: لا تُشترى عظامُ الميتة، ولا يُدهن بمداهنها (^١).
وأجازه عبد الملك ومطرف (^٢).
وقال [ابن وهب] (^٣): إن غُليت عظام الميتة جاز بيعها، كالدباغ في الجلد (^٤).
وجعل مالك القرن والظلف من الميتة ميتةً، وإن أُخذ منها حيَّةً (^٥).
قال ابن المواز: [ما] (^٦) قُطع من طرف القرن والظلف مما لا يناله لحم ولا دم، ولا يألم منها الحي؛ فهي حلال، أُخِذ في [الحياة] (^٧) أو بعد الموت (^٨).
ص: (جلود الميتة قبل الدباغ نجسة، وبعد الدباغ طاهرة طهارة مخصوصة، يجوز معها استعمالها في اليابسات، وفي الماء وحده من المائعات، وقد كره مالك استعمالها في الماء في خاصَّةِ نفسه، ولم يضيقه على غيره).
ت: قال بعض العلماء: يجوز استعمالها قبل الدباغ؛ لما روي: «أنه ﵇ أُمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دُبِغت» (^٩)، فاشترط الدباغ.
_________________
(١) «المدونة» (٤/ ١٦١)، وبنحوه في «النوادر» (٤/ ٣٧٥).
(٢) نقله عنهما في «النوادر» (٤/ ٣٧٦).
(٣) في الأصل: (عبد الملك)، والصحيح ما أثبت، وهو الموافق لعبارة «النوادر» (٤/ ٣٧٦).
(٤) بنصه عن ابن وهب في «النوادر» (٤/ ٣٧٦).
(٥) «النوادر» (٤/ ٣٧٥).
(٦) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٦/¬٩).
(٧) في الأصل: (الحلال)، والمثبت أقرب للسياق، وانظر: «التذكرة» (٦/¬٩).
(٨) بنصه عن ابن المواز في «النوادر» (٤/ ٣٧٥).
(٩) أخرجه من حديث عائشة: أحمد في (مسنده) رقم (٢٤٤٤٧)، وأبو داود في (سننه) رقم (٤١٢٤).
[ ٤ / ٤١٣ ]
وبعد الدباغ ثلاثة أقوال عن مالك:
أنها نجسةٌ؛ لما في أبي داود: كتب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر لجهينة: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (^١)، وقياسًا على لحم الميتة.
وعن مالك: أنها طاهرة؛ لقوله ﵇ في مسلم: «أَيُّما إهاب دبغ فقد طَهُر» (^٢).
وقال ابن الجلاب: طهارةً مخصوصةً؛ جمعًا بين الدليلين؛ فإنَّ اليابس لا يصل إليه شيء، بخلاف المائع، والماء له قوة الدفع عن نفسه.
وإذا قلنا: يُستعمل في اليابسات:
قال ابن القاسم: لا تلبس وإن دبغت؛ خشية العرق.
وقال سحنون: تلبس كاستعمالها في اليابس.
ص: (لا يجوز بيعها ولا الصلاة عليها، وجلود الميتة ما أُكل لحمه وما لم يؤكل لحمه بمنزلة واحدة).
[للاشتراك] (^٣) في علة الموت.
ت: عن مالك أيضًا جواز بيعها، وبالأول أخذ ابن القاسم [منح …] (^٤).
_________________
(١) أخرجه من حديث عبد الله بن عكيم أحمد في «مسنده» رقم (٤١٢٨)، وأبو داود في «سننه» رقم (٤١٢٨).
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: مسلم في «صحيحه» رقم (٢٢٢٤) بنحوه، والترمذي في «سننه» رقم (١٨٢٥) واللفظ له.
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٤) خرم في الأصل قدر كلمة أو كلمتين.
[ ٤ / ٤١٤ ]
ابن حبيب: يُفسَخ ما دام الجلد قائمًا، فإن فات مضى بالثمن؛ للخلاف فيه.
وقال أشهب: [لا ينفسخ] (^١)، وإن اجتمع على فسخه أحبُّ إليَّ.
وأجاز ابن عبد الحكم الصلاة عليها وبها؛ لقوله ﵇: «أيُّما إهابٌ دُبغ فقد طَهُرَ» (^٢).
* * *
_________________
(١) خرم في الأصل قدر بكلمتين، والمثبت أقرب ما يظهر منهما.
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٤١٤).
[ ٤ / ٤١٥ ]