(ومَن نذر طاعةً من طاعات اللهِ ﷿ لزمه الوفاء بها، سواء أطلقها أو علَّقها بصفة، مثل أن يقول: لله عليَّ أن أصوم، أو أتصدق، أو أصلي، أو أحج، أو: أُعتق، فيلزمه ذلك، إن كان مطلقا لزمه بإطلاقه، وإن كان مشروطًا فيوجد بشرطه، وكذلك سائر ما ينذره من القُرب والطاعات يلزمه الوفاء إن قدر عليه، وإن عجز عنه انتظر القدرة عليه).
ت: يدلُّ على وجوب الوفاء بالنذر الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وقد قال رسول الله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (^١).
والإجماع على ذلك في الجملة.
وذم الله تعالى على من لم يوفِ به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٥، ٧٦].
فإن لم يسم مخرجًا - كقوله: لله عليَّ نذرٌ - قال مالك: عليه كفارة يمين (^٢)؛ لقوله ﵇ في مسلم: «كفارة النذر كفارة يمين» (^٣).
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة: البخاري في «صحيحه» رقم (٦٦٩٦).
(٢) «المدونة» (٢/ ١٠٥).
(٣) أخرجه من حديث عقبة بن عامر: أحمد في «مسنده» رقم (١٧٣١٩)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٢٥٣).
[ ٤ / ٣١٧ ]
ص: (مَنْ نذَرَ نحر بدنةٍ فلم يجدها ففيها روايتان: إحداهما: أنه يذبح بقرةً، فإن لم يجدها فسبع من الغنم، والرواية الأخرى: عليه بدنة واجبة في ذمته، لا يجزئه الإتيان بغيرها مع القدرة عليها، ولا مع العجز عنها).
ت: وكذلك إذا قصرت نفقته عنها، روى جابر: «نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبع، والبقرة عن سبع» (^١)، فجعل أحدهما يَسُدُّ مَسَدَّ الآخر، وقاله خارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله.
قال اللخمي: لا يعرف الناسُ البُدْنَ إلا من الإبل، وهو الذي يقصده الناذر (^٢).
ص: (من نذر أن يزني، أو يسرق، أو يقتل، أو يعصي الله تعالى بضرب من المعاصي؛ فقد خرج في نذره، ولا يجوز له فعل شيء مما نذره على نفسه، ولا كفارة عليه في تركه، وكذلك سائر ما ينذره من المعاصي).
ت: قال رسول الله ﷺ: «لا نذر في معصية الله» (^٣).
وقال ﵇: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه» (^٤).
ولا كفارة عليه؛ لأنه ليس يمين.
قال اللخمي: يُستحَبُّ أن يأتي بقربة؛ لقوله ﵇ «من [حلف] (^٥) باللات
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (١٤١٢٧)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٣١٨٥).
(٢) «التبصرة» (٣/ ١٦٦٤).
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (١٩٨٩٤)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٢٤٥).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣١٧).
(٥) ما بين المعقوفتين مستدرك من كتب الحديث، وكذا هو في «التذكرة» (٥/ ٣٥٩).
[ ٤ / ٣١٨ ]
والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال الرجل: تعال أقامرك، فليتصدَّق (^١).
ص: (من نذر فعل طاعة وعلقه بفعل طاعة أخرى؛ فهو بالخيار: إن شاء فعل الطاعة الأولى، ولزمه الطاعة الأخرى، وإن شاء ترك الأولى ولم تلزمه الأخرى.
مثل ذلك: إن حججت العام فعلي صدقة ألف درهم، فإن حج لزمته الصدقة، وإن لم يَحُجَّ لم يلزمه، وإن قال: إن لم أحج العام فعلي صدقة ألف درهم؛ كان بالخيار: إن شاء حج ولم تلزمه الصدقة، وإن شاء ترك الحج ولزمته الصدقة.
ولو جعل وجود معصيته شرطًا في وجوب طاعة عليه؛ لم يجز له فعل المعصية، ولم تلزمه الطاعة المنذورة، فإن فعل المعصية لزمته الطاعة المعلقة بها.
مثل ذلك: أن يقول: إن شربت خمرًا فعليَّ صدقة ألف درهم، فلا يجوز له شرب الخمر، ولا تلزمه الصدقة بألف، فإن شرب الخمر لزمته الصدقةُ والحَدُّ.
ولو ألزم نفسه طاعةً لعدم معصية؛ لزمته الطاعة، ولم يجز له فعل المعصية، [فإن فعل المعصية] (^٢)؛ سقط عنه ما علقه بها من الطاعة.
مثال ذلك: أن يقول: الله عليَّ صدقة دينار إن لم أشرب خمرا، فيلزمه التصدق بالدينار، والكف عن الخمر، فإن شرب الخمر سقطت عنه الصدقة، ولزمه الحد).
_________________
(١) «التبصرة» (٣/ ١٦٣٣). والحديث من رواية أبي هريرة، أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٦٦٥٠)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٢٦١).
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٦٠).
[ ٤ / ٣١٩ ]
قلت: هذا كله واضح التطبيق على فعل المعصية […] (^١) من غير حكم حاكم […] (^٢) المعصية […] (^٢) الذي أعتقده المذهب.
ووافقني جماعة من أهل [المصر] (^٣)، وخالفني جماعة، وقالوا: لا يلزمه طلاق ولا عتق إلا بحكم حاكم واستدلوا بظواهر من المذهب، واستدللت أنا أيضا بظواهر، [والموضع وجه] (^٤) الفقه فيه عويص، يلحق طرف منه بقواعد التقادير، وهي خفية التفاصيل على أكثر الفقهاء، [وها أنا أُورِدُ] (^٤) النصوص والبحوث في ذلك:
قال مالك في «المدونة»: إن حلف بعتق عبده ليضربنه ألف سوط؛ عَتَقَ مكانه، وقوله: عَتَقَ مكانه، ظاهر في عدم الاحتياج للحاكم.
وقيل في كتاب النذور: علي نذر إن لم أشرب خمرا، أو أقتل فلانا، ونحوه من المعاني، فلا يفعل، ويكفّر كفَّارة يمين، إلا أن يجعل لنذره مخرجًا، فإن اجترأ وفعل المعصية فقد أثم وسقط عنه النذر، كان له مخرج أم لا. وظاهر هذا أيضا تعجيل الحنث.
وقال أيضًا: من حلف بطلاق، أو عتق، أو مشي، أو بالله ليضربن فلانًا، أو ليقتلنه؛ فإن ضرَبَ أجلًا فهو على بِرِّ، وإنما يَحنَثُ إِذا حَلَّ الأجل ولم يفعل، وإن لم يضرب أجلا فهو على حنث، ولا ينبغي له أن يفعل ذلك، وليكفّر أو يمشي، ويطلق عليه الإمام أو يُعتق إن رفع ذلك إليه بالقضاء، فإن اجترأ بفعل
_________________
(١) خرم في الأصل قريب سطر.
(٢) خرم في الأصل قدره كلمة.
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٤) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت أقرب ما يظهر منهما.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
ذلك قبل النظر فيه زالت عنه أيمانه.
فقوله: يطلق عليه الإمام أو يُعتق، إن رجع ذلك إليه بالقضاء تمسك به من اشترط الحكم في الطلاق والعتق؛ لأنه لم يقل: طلقت عليه امرأته، ولا عتق عليه عبده.
وكذلك قوله: بالقضاء، إشارة إلى أنه لا يعتق بالفتوى.
وقال ابن أبي زيد في «النوادر ومن الواضحة»: من حلف بالطلاق ليضربن امرأته مثل عشرة أسواط؛ فقد أساء، ويُخلَّى وذلك، وإن حلف على مثل ثلاثين أسواطًا، فإن رفع إلى الإمام قبل أن يفعل طَلَّق عليه، وإن لم يطلق عليه حتى فعَلَ لا يُطلق عليه. وهذا أيضا يُشعر باشتراط الحكم.
وفي «العتبية»: إن حلف على ضرب لا يُترك، وأكثر فيه، عُجِّل عليه الطلاق، وهذا محتمل.
ومن «الواضحة»: إن حلف بعتق عبده ليضربنه أكثر من مئة سوط فليعتق عليه الإمام، وهو ظاهر في اشتراط الإمام مثل لفظ «المدونة».
قال عبد الملك: لو لم يضربها حتى باعها، فأولدها المبتاع؛ فسخ البيع، وتعتق على بائعها، ويُرَدُّ الثمن، ولا ثمن عليه في ولده، وهو حر، وهذا محتمل للقضاء والفتيا.
قال مالك: إن حلف بعتق ميمون ليضربن مرزوقا، فباعه، فإنه يُعتق ميمونا، كما لو مات مرزوق أو أعتقه، وهو ظاهر في عدم اشتراط القضاء؛ لقوله: كما لو مات مرزوق أو أعتقه، فإنه إذا أعتقه كان الضرب ممكنًا عادةً، غير أنه معصية.
[ ٤ / ٣٢١ ]
قال مالك: وإن حلف ليضربن أمته ضربًا لا ينبغي؛ فإنه يُمنع وتعتق عليه.
وهو ظاهر في عدم اشتراط الحكم.
وقال مالك في «المدونة» في كتاب الأيمان بالطلاق: امرأتي طالق لو كنتُ حاضرًا لِشَرِّكَ مع أخي لفقأتُ عينك. فإنه حانث، قال ابن يونس: قال أصبغ: يحنث إذا علق بالماضي، كان الفعل حرامًا أم لا، لأنه غيب لا يُدرى أكان فاعلا أم لا.
وقال مالك وابن القاسم: إن كان ممكنا شرعًا لم يحنث، كالمستقبل، وإلا حنث، إلا أن تكون له نيَّةٌ في فعل غير ما سمى، قال: وهو أشبه بظاهر «المدوَّنة»؛ لتعليله بالتحريم.
وفي «الجواهر»: إن علق على الماضي، والفعل ممتنع عادةً وشرعًا، وأراد حقيقة الفعل؛ حنث، والمبالغة لم يحنث، وظاهر هذا لزوم الحنث من غير احتياج للحكم.
ويؤيده: أنَّ مالكًا ألزمه الصدقة، كما أفاد صاحب الجلاب.
والمشي إلى مكة، والنذور، وكفارة اليمين - كما نقلته من «المدونة»
_________________
(١) ، وهذه الأمور لا يدخلها حكم الحاكم اتفاقا، فإن كان الحنث واقعا تنزيلا للمتعذّر شرعًا كالمتعذّرِ حِسًّا؛ استوى في ذلك الطلاق والصدقة، وإن لم يكن واقعًا فينبغي أن لا تلزمه الصدقة ونحوها، والنقل خلافه. وأما الظواهر التي تمسكوا بها فلا حجَّةَ فيها؛ لأنَّ قول مالك: طلَّقَ الإمام عليه، صادق فيما أجمع عليه، كقوله: امرأته طالق؛ فإنَّ الإمام يطلق في جميع
[ ٤ / ٣٢٢ ]
الصور المجمع […] (^١)، وإنما كان يحصل المقصود لهم لو وجدوا نقلا إذا لم يطلق عليه الإمام لا يلزمه طلاق، وهذا هو المفيد، وكان [… . بين … ..] (^٢) الظواهر وما ذكروه.
أما كون الإمام يُطلق إذا رفع إليه فلا حُجَّة فيه، فإنَّ كلَّ مُجمَعِ عليه كذلك، وكيف يكون […] (^٣) إلا بالقضاء دون الفتوى، وتلزمه الصدقة ونحوها مما لا يدخلها الحكم، بل الحقُّ، وهو المستفاد من نقل ابن يونس وغيره أنَّ المعدوم حسا كالمعدوم شرعا، والمعدوم حِسَّا يلزم فيه الأحكام بغير قضاء، فكذلك المعدوم شرعا […] (^٤).
فإن قلت: إذا قلت: لزمه الطلاق وغيره فكيف يُصنع بقول مالك: إن فعل سقطت عنه الأيمان، والواقع كيف يرتفع؟
قلتُ: نحن إنما نُلزمه الطلاق بناء على [فرض] (^٥) عدم الشرط [دائما] (^٥)، بناءً على أنَّ الشرع أمر [بدوامه] (^٥) دائمًا، فإذا فعل وقع نقيض هذا التقدير، فإنَّ الوجود نقيض العدم، فامتنع علينا أن يعتقد دوام العدم مع الوقوع الموجود في بعض الأوقات، وإذا لم يعتقد دوام عدم الشرط امتنع إلزام الطلاق؛ لأنَّ سبب لزومه فرض دوام العدم.
فإن قلت: إذا حكم الإمام بلزوم الطلاق، ثم فعل بعد الحكم بلزوم الطلاق
_________________
(١) خرم في الأصل قدره نصف سطر، ولم يمكن استدراكه لأنه ليس مما لخصه من «التذكرة».
(٢) خرم في الأصل قدره خمس كلمات، يظهر منها لفظ (بين).
(٣) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات.
(٤) خرم في الأصل قدره كلمة.
(٥) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
له، أسقط عنه الطلاق، كما إذا فعل قبل الحكم، أو حكم الحاكم يمنع من ذلك.
قلت: ظاهر «المدوَّنة» من جهة مفهوم اللفظ لا من جهة منطوقه يقتضي أنَّ الطلاق لا يرتفع، لقوله: إن اجترأ فعل قبل النظر فيها زالت عنه أيمانه، فاشترط في زوالها أن يكون قبل، ومفهوم هذا الشرط يقتضي أنَّ بعد النظر فيه لا تزول أيمانه.
ولكن المفهوم في «المدونة» - والذي أعتقده - أنَّ أيمانه تزول إذا فعل بعد الحكم، فإنَّ الحكم لم يُلزمه الطلاق إلا تقديرًا للمعدوم الشرعي كالمعدوم الحسي، وهذا التقدير قد زال بالفعل، كما لو اعترف عند الحاكم أنه طلق امرأةً بعينها ونسيها، فإن الحاكم يقضي بطلاق جميع نسائه، فإن ذكر بعد ذلك عين المطلقة سقط ذلك الحكم، وكذلك إذا اعترف عند الحاكم أنه حلف بيمين ونسيها؛ فإنه يقضي عليه بالطلاق.
ولأنه من جملة الأيمان، فإن تذكَّر اليمين التي حلف بها سقط الطلاق، وبطل ذلك الحكم؛ لبطلان التقدير الذي حُكم لأجله.
وكذلك لو حكم بزوال العصمة في المفقود أو المنعي لها زوجها، ثم تبين أنَّ الزوج مقيم بالبلد لم يُفقد، أو حي لم يمت؛ بَطَلَ ذلك الحكم، ونظائره كثيرة.
ولا عجب أن ينتفي الحكم لانتفاء سببه الذي لأجله حكم الحاكم، كذلك هاهنا ترجع المرأة إلى زوجها وإن ولدت الأولاد من زوج آخر، إذا فعل الحالف المحرم المحلوف عليه قبل الحكم أو بعده، وهو الذي يقتضيه ما ذكرته من القواعد الظواهر التي ذكرتها، وغيرها من الظواهر [مرجوع] (^١)، لمعارضتها بالظواهر والقواعد.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلها (مرجوح).
[ ٤ / ٣٢٤ ]
ص: (من سمَّى لنذره مخرجًا، أو نوى به شيئًا؛ لزمه ما سماه أو نواه، وإن لم يسم له مخرجًا، ولا نوى به شيئًا؛ لزمه كفارة يمين).
لقوله ﵇: «كفارة النذر كفارة يمين» (^١).
(والنذر في الرضا والغضب سواء، يلزمه فيه الوفاء).
لأنَّ الغضب لا يُسقط الأحكام.
(ومن نذر طاعةً واستثنى فيها لزمه الوفاء بها، ولم تسقط عنه باستثنائه، مثال ذلك: أن يقول: علي الحج إن شاء الله تعالى، فيلزمه الحج، ولا يسقط بالاستثناء، ولو قال: إن كلمتُ زيدًا فعليَّ الحج إن شاء الله، فكلمه؛ لم يلزمه الحج إن أعاد الاستثناء على كلام زيد، وإن أعاد على النذر لم يسقط عنه).
ت: الاستثناء إنما يؤثر في اليمين بالله تعالى، وفي النذر الذي لا مخرج له؛ لأنَّ كفَّارته كفارة يمين؛ لقوله ﵇: «من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف»، ولم يقل: من نذر، بل قال: «مَنْ نذر أن يطيع الله فليطعه» (^٢).
وإن عطف الاستثناء على الفعل، ويمينه بطلاق أو عتاق أو غير ذلك:
قال مالك: لا ينفعه.
وقيل: ينفعه.
مثاله: إن فعلت كذا، أو إن لم أفعل كذا؛ فامرأته طالق، أو: علي الحج إن شاء الله، [أو] (^٣): إلا أن يشاء الله.
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣١٧).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣١٨).
(٣) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٦٤)، والسياق يقتضيه.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
قال ابن القاسم لا [ينفعه استثناؤه] (^١).
قال عبد الملك وأصبغ: [ينفعه إن نوى الفعل، وإن] (^٢) نوى الطلاق أو العتاق؛ لم ينفعه.
قال ابن رشد: وهو الأصح؛ لأنه علق بصفة لا يصح وجودها، وهو أن يفعل الفعل والله تعالى لا يشاؤه، وذلك مستحيل إلا عند القدرية.
وعلى ابن القاسم درك عظيم في قوله: لا ينفعه وإن عاده على الفعل (^٣).
ولا خلاف أنه إذا ردَّ ذلك لمشيئة نفسه أنه ينفعه، كقوله: إن فعلت كذا، أو إن لم أفعل كذا؛ فامرأته طالق إلا أن يبدو لي، أو: إلا أن أرى غير ذلك.
قال ابن المواز: يبدو لي في الفعل، أو أرى غيره (^٤).
قلت: هذه المسألة صعبة جدا، ولم أر أحدًا من الفقهاء تعرض لتحريرها، بل الكلام المنقول فيها عليه ظلمة بعيد من الصواب، وتحريرها وكشف الغطاء عنها: أنَّ الله تعالى شرَعَ الأحكام، وشرَعَ لها أسبابًا وجعل الأحكام على قسمين: منها ما قرره الله تعالى في أصل شرعه، كوجوب الصلاة، ومنها ما وكله لخيرة عبيده، كنقل المندوبات للواجبات بطريق واحد وهو النذر، فمن شاء أوجب على نفسه مندوبا بالنذر، ومن شاء لم يوجبه.
وجعل الأسباب على قسمين أيضًا منها ما قدَّره في أصل الشرع، كالزوال
_________________
(١) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٦٤).
(٢) خرم في الأصل قدره أربع كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٦٤) مختصرا.
(٣) «المقدمات الممهدات» (١/ ٤١٥).
(٤) «الجامع» (٤/ ١١٦).
[ ٤ / ٣٢٦ ]
ورؤية الهلال لوجوب الصلاة والصوم، ومنها ما وكل سببيته بخير عبيده، فإن شاؤوا جعلوه سببًا، وإن شاؤوا لم يجعلوه، وهي التعاليق كلها، فدخول الدار ليس سببًا لطلاق امرأة أحدٍ في الشرع، بل إن شاء المكلف علق عليه الطلاق، فصار حينئذ سببًا لطلاقها، وإن شاء لم يعلق، فلا يكون سببًا، وكذلك سائر التعاليق.
إذا تقررت هذه القاعدة فنقول: إذا قال: إن كلمت زيدًا فعلي الحج إن شاء الله، وأعاد الاستثناء على لزوم الحج على تقدير الكلام، لزمه الحج بسبب أنَّ الله تعالى إذا شاء وصف عبده بسبب شرعي، فقد شاءه [له] (^١)، كذلك السبب، من شاءه بالبيع الصحيح فقد شاءه بانتقال الملك، ومن شاءه بالطلاق فقد شاءه بزوال العصمة، وهو قد جزم بجعل كلام زيد سببًا لوجوب الحج عليه، فيكون سببًا، فإذا كلَّمَ زيدًا فقد شاءه الله بفعل سبب لزوم الحج، فقد شاءه بلزوم الحج، فيلزمه.
وإن عاد الاستثناء على كلام زيد، ومعناه: أني لم أجزم بجعل كلام زيد سببًا لوجوب الحج علي، بل ذلك مفوض إلى مشيئة الله، إن شاء جعله سببًا، وإن شاء لم يجعله؛ فنقول حينئذ: كلُّ سبب فوضه الله تعالى للعبد لا يصير سببًا حتى يجزم بجعله سببًا، فإذا لم يجزم وفوَّض سببيته إلى الله تعالى لم يكن سببا، فإذا وقع الكلام بعد هذا وقع الكلام ليس سببا، فلا يلزم به حجٌّ، كحاله قبل هذا الكلام.
وكذلك: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، إن أعاده على الطلاق لزمه، وإن أعاده على دخول الدار لم يلزمه به طلاق كما تقدم، وكذلك جميع التعاليق، إذا
_________________
(١) خرم في الأصل قدره حرفين، ولعل المثبت ما يناسب السياق.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
لم يجزم فيها بجعل الشرط شرطًا لا يلزم به شيء إجماعًا، وعلى هذا التقدير ينبغي أن تكون المسألة مُجمَعًا عليها، ولا يكون على ابن القاسم درك عظيم، وتسقط تلك التهويلات، ومن قال لابن رشد أنَّ ابن القاسم أراد بعوده على الفعل ما قاله عنه؟! وابن القاسم أجل من ذلك.
فإن قلت: يلزمك هذا في اليمين بالله تعالى؛ قلتُ: مَنْ شاء الله تعالى بالحلف فقد شاءه بلزوم الكفَّارة على تقدير الحنث، هذا حق، غير أنَّ الاستثناء بمشيئة الله تعالى في اليمين ليست من هذا الباب، وضعها الشرع سببًا حالا مبطلا لحكم اليمين وآثاره، كما وقع الطلاق رافعًا وحالا لعقد النكاح، وخصصنا نحن حله به لأن كلام الشرع يُحمل على عرفه، فقوله ﵇: «من حلف على يمين» يُحمل على اليمين المشروعة، وهي اليمين بالله تعالى، فيختص الحَلُّ بها، أو يبقى ما عداه على مقتضى الأصل، والاستثناء هاهنا تعليق صرف على وضع اللغة.
وبسط هذا الموضع مذكور في كتاب «القواعد» وكلام «الذخيرة»، فتأمله فهو نفيس.
ص: (من نذر المشي إلى بيت الله ﷿ مطلقا؛ فليمش في حج أو عمرة إن كان قد حج مرَّةً، وإن كان ضرورةً لم يحُجَّ فليمش في عمرة، ثم يُهِلَّ بالحج من مكة، فيكون قد قضى نذره وفرضه، وعليه دم لمتعته، وذلك إذا اعتمر في أشهر الحج، ولو مشى في حجه لنذره وهو ضرورة؛ أجزأه عن النذر، وهو كمن تطوع بالحج قبل فرضه، وذلك جائز عندنا، والاختيار غيره، وهو أن يبدأ بفرضه، وإن مشى في حج فليمش المناسك كلها حتى يُفيض ماشيًا، وإن مشى
[ ٤ / ٣٢٨ ]
في عمرة فإذا طاف وسعى فقد قضى مشيه)
ت: إذا مشى في عمرة مشى من حيث حلف، إلا أن تكون له نيَّةٌ، فيمشي من حيث نوئ، هذا هو المشهور؛ لأنه الموضع الذي يتناوله الوجوب بالنذر، ولأنه مقتضى لفظه، لأن موضع حنثه لا يعلمه حالة النذر.
قال ابن المواز: إن حلف بمصر وحنث بالمدينة؛ رجع إلى مصر حتى يمشي منها؛ إلا أن ينوي غيرها (^١)
وقال أصبغ: إن كان لا يستطيع المشي والموضع قريب؛ رجع حتى يمشي ما استطاع، ويركب ويُهدي، فإن بَعُدَ فمن حيث حنث، وأهدى وأجزأه (^٢)؛ لأنَّ المستطيع تراعى قدرته، فيمشي من حيث حلف؛ لأنه مقتضى لفظه.
وإذا كان يعلم من نفسه إذا رجع لا يفعل المنذور [وسيركب] (^٣)، وهو لا مشقة عليه في رجوعه؛ رجع؛ لعدم المشقة، أو عليه مشقة لم يرجع؛ لأنه لا يرجع إلا للركوب، وليس هذا المنذور بل المشي.
قال أبو إسحاق: إن كان على بِرِّ لا يرجع؛ لأن يمينه لم تكن واجبةً عليه إلا من يوم حنث، فأشبه من حلف بموضع وحنث فيه.
قال ابن المواز: إذا لم يكن في أشهر الحج؛ لا بأس أن يبتدئ بنذره (^٤)
قال اللخمي: يخير بين الحج والعمرة، إلا أهل المغرب، فالمشهور عندهم
_________________
(١) بنصه عنه في «النوادر» (٢/ ٤٩٢).
(٢) بنحوه عنه في «النوادر» (٢/ ٤٩٢).
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت ما يناسب السياق.
(٤) «النوادر» (٢/ ٤٩٧).
[ ٤ / ٣٢٩ ]
الحج، ولا يعرف العمرة عندهم إلا أهل العلم، أو من حجّ (^١).
ويمشي المناسك، وإن كان اللفظ إنما يتناول المشي إلى مكة؛ لأنَّ المشي إليها إنما كان لهذه القربة، ولو اقتصرنا على اللفظ لما لزمه حج ولا عمرة.
وقال بعض العلماء: يركب المناسك؛ لأنَّ اللفظ لم يقتض [مشيها] (^٢).
قال اللخمي: هذا هو الأصل.
ولو قال: عليَّ المشي إلى مصر في حجّ لم يكن عليه أن يمشي إلا إلى مصر، ثم يركب ويحج، كذلك إذا قال: عليَّ المشي إلى مكة (^٣).
قال الباجي: لم يختلف أصحابنا أن كمال السعي تمام العمرة، وإنما الحلق تحلل منها (^٤).
ص: (إن مشى وهو ضرورة في حج، ونوى بذلك قضاء فرضه ونذره؛ ففيها روايتان: إحداهما: أنها لنذره، وعليه قضاء فرضه، والأخرى: أنها لا تجزئه عن واحد منهما، وعليه حَجَّتان لنذرِه وفرضه، وقال عبد الملك والمغيرة: تجزئه لفرضه، وعليه قضاء نذره).
ت: وجه الأول: أنَّ التشريك يوجب الضعف، والنذر أضعف، فجعلت له.
_________________
(١) «التبصرة» (٣/ ١٦٣٨).
(٢) في الأصل: (ركوبها)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٦٨) بمعناه، وهو الذي يقتضيه السياق.
(٣) «التبصرة» (٣/ ١٦٣٩).
(٤) «المنتقى» (٤/ ٤٧١).
[ ٤ / ٣٣٠ ]
قال ابن المواز: هذا إذا لم ينو بنذره حجًّا ولا عمرة، أما إن نوى حجًّا فلا يجزئه عن واحدٍ منهما؛ لأنَّ هذا لم يكن له أن يُحرم بعمرة عن النذر، ولاحظ عبد الملك من طاف بالصبي ونوى عن نفسه.
وعنه: يُجزئه عن نفسه دون الصبي.
وروى عن مالك: تجزئ عن الصبي، ويعيد لنفسه (^١)؛ لأن الطواف عن الصبي تطوع لا يضره نقصه، وعن الكبير واجب لا بد من تمامه.
ووجه الثاني: أنَّ التشريك أوجب قصوره عن كلّ واحدٍ منهما، ولا يصح نصفُ حَجَّةٍ.
قال ابن القاسم: لو قَرَنَ يريد بالعمرة نذره، وبالحج فرضه؛ لم يجزئه عن الفريضة، وعليه دم القران.
قال ابن حبيب: ويُجزئه عن نذره (^٢).
ص: (إن مشى في حج أو عمرة، ثم عجز عن المشي في أضعاف ذلك؛ ركِبَ عند عجزه، ثم مشى إذا قدر، فإن كان ما ركِبَ كثيرًا فعليه إعادة الحج أو العمرة، وقضى ما ركبه، فيمشي فيه، ويركب [فيما] (^٣) مشى، حتى يتصل مشيه، وإن كان ما ركب يسيرًا فعليه الهدي، وليس عليه عودة).
ت: قال مالك: لا يجزئه أن يمشي عِدَّة أيام ركوبه؛ إذ قد يركب موضع
_________________
(١) «النوادر» (٢/ ٤٩٦).
(٢) «الجامع» (٤/ ٨٠).
(٣) في الأصل: (في)، والمستدرك من «التفريع» (١/ ٣٧٨).
[ ٤ / ٣٣١ ]
ركوبه، بل يمشي ما ركب فيه.
وقاله ابن عمر وابن عباس ﵃.
قال ابن المواز: إن مشى الطريق كله في عَودِهِ؛ صح (^١).
وإذا لزمه الهدي فلم يجد؛ صام عشرة أيام.
قال مالك: إن ركِبَ عَقَبَةً ومشى عقَبَةً حتى بلغ؛ يعيد المشي كله من أوله (^٢)، إن كان نذره من المواضع القريبة كالمدينة ونحوها.
أما من مصر فيرجع لما عجز عنه.
وعن مالك: يجزئ مشيه، ولا عودة عليه (^٣).
قال اللخمي وهو أحسن؛ لأن نذره لو كان من المدينة وعاد، ولم يوف بنذره؛ لم يعد ثالثةً؛ للمشقة، وهي من مصر أعظم، وأما إن كان أبعد من ذلك كإفريقية؛ فلا [يكلف] (^٤) العودة، وهذا [إذا كان] (^٥) مضمونًا، [وأما في] (^٦) عام بعينه فمَرِضَ فيه؛ لم يكن عليه أن يقضي ما مرض، وكذلك لو مرض كلَّه لم يقض شيئًا (^٧).
_________________
(١) «الجامع» (٤/ ٧٦).
(٢) «النوادر» (٢/ ٤٩٣).
(٣) بنحوه في «التبصرة» (٣/ ١٦٤٩ - ١٦٥٠).
(٤) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٧١).
(٥) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٧١) مختصرا.
(٦) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٧١) مختصرا.
(٧) «التبصرة» (٣/ ١٦٤٩ - ١٦٥٠).
[ ٤ / ٣٣٢ ]
ص: (إن نذر المشي وهو كبير مُفنَّد أو مريض مرضًا متطاولا لا يُرجى برؤه؛ ركِبَ في نذره، وأتى بالهدي بدلا عن مشيه).
ت: لأن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، وهي لا تطيق ذلك، فقال النبي ﷺ: «إِنَّ الله لَغَني عن مشي أختك، فلتركب ولتُهد بدنة»، خرجه أبو داود (^١).
قال مالك: يخرج ماشيًا ولو نصف ميل، ويُهدي (^٢).
قال اللخمي: إن نوى أن يمشي ما يقدر عليه لم يكن عليه هدي، وكذلك الشابُّ الضعيفُ البنية والمرأة، يمشيان ما أطاقا، ثم يُهديان، إلا أن ينوي أن يمشي ما قدرا عليه (^٣).
وإن طمع المريض بالبرء انتظر الصحة، إلا أن يعلم أنه لا يقدر على المشي.
ص: (إن قال: إن كلَّمتُ فلانًا فأنا محرم بحَجَّة، ثم كلمه؛ لزمه الحج، وأخر الإحرام إلى أشهر الحج إن كان كلمه قبل ذلك، وإن قال: أنا مُحرم بعمرة إن كلمتُ زيدًا، فكلمه؛ لزمه الإحرام بالعمرة عند كلامه، ولم يؤخره عن ذلك)
ت: لا يكون محرما بنفس الحنث، كما لو قال: [فأنا] (^٤) أصوم، أو: أصلي.
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عباس: أبو داود في (سننه) رقم (٣٣٠٣)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٧٩).
(٢) «المدونة» (١/ ٤٦٧).
(٣) «التبصرة» (٣/ ١٦٥١).
(٤) في الأصل: (فلانا)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٧٣).
[ ٤ / ٣٣٣ ]
وسواء: أنا مُحرم أو: أنا أُحرم، وقال سحنون: فأنا مُحرِم فهو مُحرِم بنفس حنثه، بخلاف فأنا أُحرم، كما لو قال: فأنتِ طالق، وأنا أطلقك، يلزم الطلاق عند الشرط في الأول دون الثاني، ولأنَّ الإحرام يوسع فيه، بدليل النيابة فيه عند قوم، ويُحرم عن المغمى عليه عند قوم.
لنا: أنَّ الإحرام عبادة تفتقر للنية، فلا يلزم بمجرد الشرط حتى ينوي.
وفرق مالك بين العمرة والحج: أنَّ العمرة لا وقت لها، وإن كان لا يصل من بلده حتى يخرج أشهر الحج؛ لزمه الإحرام من وقت حنثه، وإن كان قبل أشهر الحج إذا كان لو أخر عن وقت حنثه فإنه الحج، وإلا فله التأخير إلى وقت يُدرك فيه.
وقال ابن القابسي: يخرج من بلده غير مُحرِم، فأينما أدركه أشهر الحج أحرم (^١)؛ مراعاةً لقول من يقول: لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره.
قال اللخمي: إن أحرم قبل ذلك وكانت تلك نيته؛ لزمه (^٢).
ص: (إن قال: علي المشي إلى بيت الله ﷿، أو: الكعبة، أو إلى مكة، أو: إلى المسجد الحرام، أو زمزم، أو: الحَجَر، أو المقام؛ لزمه الحج والعمرة، فإن قال: علي المشي إلى منى، أو عرفة، أو: الحرم؛ لم يلزمه شيء).
ت: لا يلزم عند مالك إلا مَنْ قال: مكة، أو بيت الله، أو: المسجد الحرام، أو: الكعبة، أو: الحَجَر الأسود، أو الركن، دون الصفا والمروة
_________________
(١) «الجامع» (٤/ ٧٤ - ٧٥).
(٢) «التبصرة» (٣/ ١٦٤٥).
[ ٤ / ٣٣٤ ]
والمقام وزمزم ومنى وعرفات والمزدلفة وذي طوى.
وقال أصبغ: يلزمه في كل ما سمى من الحرم أو مواضع مكة (^١).
وقال ابن حبيب: إذا سمَّى الحرم أو ما هو فيه، ولا يلزمه ما هو خارج الحرم، إلا عرفات؛ لأنه إذا نذر عرفات فقد نذر الحج (^٢).
وقال أشهب: إذا قال: عليَّ المشي إلى الصفا والمروة، أو: ذي طُوى، أو: عرفة؛ لزمه، إلا أن ينوي الموضع المسمى، فلا شيء عليه (^٣).
قال أبو محمد: إن قال: الحطيم؛ لزمه على مذهب ابن القاسم؛ لاتصاله بالبيت، وكذلك: الحجر.
وإنما لزم من سمَّى مكة أو المسجد؛ لأنَّ ذلك يحتوي على البيت، وهو لا يُؤتَى إلا في حجّ أو عمرة، بخلاف الحرم؛ لأنَّ عادة الناس يريدون بمكة البيت.
ولو نوى بيوت مكة لم يلزمه شيء، إلا أن تكون يمينه توثقةً، فلا تنفعه النية؛ لأنَّ اليمين على نية المستحلف، وإذا لم تكن له نية في الحرم حُمِلَ اللفظ عليه لغةً؛ لعدم العادة، فيُحمل على أوله، فهذا الفرق عند ابن القاسم.
ص: (لو قال: عليَّ إتيان مكة، أو المضي إليها، أو الانطلاق، أو: الذهاب؛ لم يلزمه شيء عند ابن القاسم، ولزمه الحج أو العمرة عند أشهب).
_________________
(١) «النوادر» (٤/¬٢٩).
(٢) «النوادر» (٤/¬٢٩).
(٣) «اختصار المدونة» (١/ ٥٨٥).
[ ٤ / ٣٣٥ ]
ت: قال ابن المواز: لا يأتيها ماشيًا؛ لأنه يخفّف عن نفسه بترك الركوب نفقةً وجبت في طاعة (^١).
قال ابن يونس: إذا مشى على قول أشهب أخرج نفقة الركوب في هدايا. وقال غيره: يدفعه لمن ينفقه في حج حسبما كان ينفقه فيه.
والفرق عند ابن القاسم: أنَّ المشي فيه عادة بالحج والعمرة، وهذه الألفاظ ليس فيها عادة، فيحمل على بيوت مكة، [حتى] (^٢) ينوي القُربة.
قال ابن يونس: إن قال: عليَّ أن أسير، أو أذهب إلى الكعبة؛ ينبغي أن يلزمه ماشيًا أو [راكبًا] (^٣)
ص: (من قال: عليَّ المشي إلى المدينة، أو: بيت المقدس، فإن أراد الصلاة في مسجديهما؛ لزمه إتيانهما راكبًا، والصلاة فيهما، وإن لم يرد ذلك فلا شيء عليه)
ت: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تُشَدُّ الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، خرجه مسلم (^٤).
ولأن الصلاة تضاعف فيها، وإذا لم يُرد الصلاة فلم ينذر طاعةً.
فإن كان بمكة أو بالمدينة، وقال: علي أن أصلي بالبيت المقدس؛ صلَّى
_________________
(١) «النوادر» (٤/¬٣٠).
(٢) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٧٧).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٤/¬١٥).
[ ٤ / ٣٣٦ ]
بموضعه؛ لأنه أفضل.
ولو نذر أحدهما وهو بالبيت المقدس أتاهما.
وإن نذر مكي الصلاة بمسجد رسول الله ﷺ أتاه، وهو أحوط من الخلاف، ولا يأتي المدني مكة.
ص: (لو قال علي المشي إلى مسجد المدينة، أو: مسجد بيت المقدس؛ لزمه إتيانهما راكبا، والصلاة فيهما).
ت: لأن ذكر موضع الصلاة يدل على الصلاة.
وقال ابن وهب وأصبغ: عليه أن يأتيهما ماشيًا.
قال القاضي إسماعيل: من نذر المشي إلى المسجد الحرام للصلاة فقط لم يكن عليه أن يمشي، ولا يدخل إلا مُحرِمًا.
قال اللخمي: القول بالمشي في ذلك كله أحسن؛ لأن المشي والصلاة قربةٌ؛ لقوله ﵇: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «كثرة الخُطى إلى المساجد» (^١) (^٢)
ص: (إن نذر المشي إلى مسجد من المساجد سوى المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وبيت المقدس؛ فإن كان قريبا لا يحتاج إلى راحلة مضى إليه، وصلى فيه، وإن كان بعيدًا لا ينال إلا براحلة صلَّى في مكانه، ولا شيء عليه)
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: مسلم في (صحيحه) رقم (٥٨٧).
(٢) «التبصرة» (٣/ ١٦٦١).
[ ٤ / ٣٣٧ ]
ت: لقوله ﵇: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا لِثَلاثَةِ مَساجِدَ»، الحديث المتقدم (^١)، فمن نذر غيرها صلَّى بموضعه.
وقال ابن المواز: وقيل: مثل الأميال اليسيرة يأته ماشيًا، يصلِّي فيه، كما جعل على نفسه، والمشي ضعيف.
قال ابن عباس ﵄: من نذر مشيه إلى مسجد قباء وهو بالمدينة، مشي إليه (^٢)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يأتيه ماشيًا وراكبًا، ويصلي فيه، وهو على ثلاثة أميال.
ص: (من نذر أن ينحر بدنةً بغير مكة، ولم يُرد بذلك [تعظيم] (^٣) البلدة التي نذر النحر بها؛ ففيها روايتان إحداهما: أنه يلزمه النحر بها، والأخرى: أنه ينحر البدنة في مكة، ولا يسوقها إلى غيره).
ت: كمن نذر أن يصلي بمصر، فإنه يصلي بموضعه، وقاله ابن عمر.
قال اللخمي: الرواية الأخرى أحسن، إذا قصد رفق مساكين تلك البلدة، وإن قصد الهدي بذلك الموضع فهو نذر معصية، ويستحب له أن يبعث به إلى مكة (^٤).
ص: (من نذر أن يتصدق بماله كله لزمه إخراج ثلثه، ولم يلزمه إخراج ماله كله).
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٤/¬١٥).
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: مالك في «الموطأ» رقم (١٠٥٤).
(٣) في الأصل: (حطيم)، والتصويب من «التفريع» (١/ ٣٧٦).
(٤) «التبصرة» (٣/ ١٦٦٥).
[ ٤ / ٣٣٨ ]
لأنَّ رجلًا تصدق بماله كله، فأجاز له رسول الله ﷺ الثلث.
(ومن قال: كلُّ مال أكسبه أبدًا فهو صدقة؛ فلا شيء عليه فيما يكسبه، ولو ضرب بذلك أجلًا يبلغه عُمره - مثل سنة أو سنتين - لزمه أن يتصدق بثلث كسبه).
ت: إذا لم يعيّن أجلًا أدخَلَ المشقة على نفسه، وإذا عيّن أجلًا أبقى بقيَّةً.
ص: (ومن نذر أن يتصدق بشيء من ماله بعينه، فإن كان قدرَ ثُلثه أو أقل منه؛ لزمه التصدق به، وإن كان أكثر من ذلك ففيها روايتان: إحداهما: أنه يتصدق به كله، وإن كان أكثر من ثلثه والأخرى: أنه لا يلزمه إلا قدرُ ثُلثه).
ت: في «الصحيحين»: قال ﵇: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (^١).
قال اللخمي: فإن كان جميع ماله لا فضل فيه لم يلزمه شيء، وإن كان الفضل نصف ماله، أو ثلاثة أرباعه؛ أخرج جميع ذلك الفضل؛ لأمره ﵇ بالوفاء بالنذر.
وقال أبو طلحة: إنَّ أفضل أموالي بيرحاء، وإنه صدقة أرجو برها وذُخرها، فقال له ﵇: «اجعلها في أقاربك وأبناء عمك» (^٢)، فأمضى جميع [صدقته] (^٣)؛ لإبقائه الكفاية (^٤).
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد في «مسنده» رقم (٩٢٢٣)، والبخاري في «صحيحه» رقم (١٤٢٦).
(٢) أخرجه من حديث أنس: البخاري في «صحيحه» رقم (١٤٦١)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٢٣١٥).
(٣) في الأصل: (صدقة)، والتصويب من «التبصرة» (٤/ ١٦٧٠)، و«التذكرة» (٥/ ٣٨٣).
(٤) «التبصرة» (٤/ ١٦٧٠).
[ ٤ / ٣٣٩ ]
والفرق بين التسمية وأن يَعُمَّ مالَه: أن المسمّي قد أبقى لنفسه ولو ثياب ظهره، وما لا يعلمه من ميراث وغيره، والتعميم أدخل المشقة.
ص: (من نذر أن يُهدِيَ شيئًا من ماله؛ فإن كان مما يُهدى مثله لزمه إهداؤه، وإن كان مما لا يُهدى مثله؛ باعه واشترى بثمنه هديا وأهداه).
ت: إن كان معينا - كالبقرة والشاة - لزمه إهداؤه، إذا كان بموضع يَبْلُغُ منه سالما من العيوب، وفي سنّ ما يُهدى.
فإن كان من الإبل بَعَث به وإن بَعُدَ موضعُه، وإن كان من البقر والغنم، وخِيفَ أن لا يَبْلُغَ؛ لبعدِ سفر، أو لغير ذلك باعه، وابتاع بثمن الغنم غنما، وبثمن البقر بقرا.
وجائز أن يبتاع بثمن البقر إبلا؛ لأنها لما [لم] (^١) يبعث [بها] (^٢) صارت كالعين.
قال مالك: لا أحبُّ شراء الغنم بثمنها حتى تقصر عن ثمن بعيرٍ أو بقرة، [ويشتري] (^٣) ذلك من مكة أو موضع يصل.
وإذا بعث به إلى مكة، فهل نفقته من رأس المال أو الثلث؟ فقولان.
وما لا يُهدى مثله - كالدار - إذا لم يبلغ ثمن هدي - وأدناه شاةٌ - قال مالك: يبعث به إلى خزانة الكعبة، يُنفق عليها.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٨٤)، والسياق يقتضيه.
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٨٤)، والسياق يقتضيه.
(٣) في الأصل: (أو يشتري)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٨٤).
[ ٤ / ٣٤٠ ]
وقال ابن القاسم: يتصدق به حيث شاء (^١).
ص: (إن نذر هَديَ رجلٍ حُرِّ؛ حَجَّ به، وأهدى عنه، فإن امتنع من الحج معه لم يلزمه شيء).
لأنه لما نذر هديه نوى إيصاله.
قال علي بن أبي طالب ﵁: ويُهدي عنه شاةً.
لو نذر حمل رجل على رقبته؛ حجّ ماشيًا، وحج بالرجل راكبًا، وأهدى عنه، فإن لم يَحُجَّ معه حَجَّ هو ماشيًا، ولم يلزمه غير ذلك.
ت: إن نوى حمله على عُنُقِه دون إحجاجه؛ قال مالك: يحج ماشيًا ويُهدي، ولا شيء عليه في الرجل، وإن نوى بحمله إحجاجه من ماله؛ فعل ذلك بالرجل، إلا أن يأبى، ولا شيء عليه في نفسه، وإن لم تكن له نيَّةٌ حَجَّ راكبًا، وحجّ بالرجل معه، ولا هدي عليه (^٢).
وإنما قال ابن الجلاب يَحُجُّ ماشيًا، ويَحُجُّ بالرجل راكبًا؛ لأنه يحتمل أن يريد التعب بحمله، أو إيصاله، فأخذ بالأحوط، فيحج ماشيًا؛ لاحتمال إرادة التعب، وبالرجل راكبًا؛ لاحتمال قصد إيصاله، ويُهدِي؛ لاحتمال إرادة التعب.
قال بعض شيوخنا الهَدي مستحَبُّ، كقول مالك فيمن حلف أن يمشي حافيا: إن أهدى فحسن.
_________________
(١) «المدونة» (٤/ ٤٤٥).
(٢) انظر: «المدونة» (١/ ٤٧٣).
[ ٤ / ٣٤١ ]
* ص: (مَنْ نَذَرَ هَدْيَ غُلامٍ غَيْرَهُ لم يلزمه شيء، وإن نَذَرَ هَدْيَ عبد نفسه باعه وأخرج ثمنه في هَدْي).
ت: قال رسول الله ﷺ: «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (^١).
والفرق بين نذرِ الحُرّ وعبد غيرك - وإن كان كلاهما غير ملك لك -: أنَّ الحُرَّ جرت فيه سُنَّةٌ، وهي قصة إبراهيم ﵇، بخلاف العبد؛ لقوله ﵇: «لا نذر فيما لا يملك ابن آدم».
* ص: (من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام حافيًا؛ فلينتعل، ويُستحَبُّ له أن يُهدي هديا).
لأنَّ رسول الله ﷺ رأى امرأةً تمشي حافيةً ناشرةً شعرها، فاستتر بيده وقال: «ما شأنها؟» فقالوا: نذرت أن تحُجَّ حافيةً ناشرةً شعرها، فقال ﵇: «مروها فلتختمر، ولتنتعل، ولتمش» (^٢).
والهدي مستحَبُّ عِوَضًا عما تركت.
ومتى حرَّم على نفسه طعامًا أو شرابًا أو أَمَةً؛ فهو حلال له، ولا كفارة عليه فيه، إلا أن ينوي بتحريم الأمة عتقها، فتصير حرَّةً، ويحرم عليه وطؤها إلا
_________________
(١) أخرجه من حديث عمران بن حصين: أحمد في «مسنده» رقم (١٩٨٨٣)، ومسلم في «صحيحه» مطولًا رقم (٤٢٤٥).
(٢) أخرجه من حديث عقبة بن عامر: أحمد في «مسنده» رقم (١٧٣٧٥)، والنسائي في «سننه» رقم (٣٨١٥)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٢٩٣).
[ ٤ / ٣٤٢ ]
بنكاح جديد بعد عتقها).
ت: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، ولم يجعل في ذلك كفّارةً.
وروى ابن وهب: أنّ رسول الله ﷺ قال لأم ولده: «أنت علي حرام، والله لا أمسك»، فكفّر عن يمينه دون التحريم.
وقال أبو حنيفة: يلزمه كفّارة يمين في المأكول والمشروب دون الملبوس.
ص: (من حلف بالله سبحانه، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، ثم حنث؛ فعليه الكفارة، مثل أن يقول: والله، أو: الرحمن، أو: الرحيم، أو ما أشبه ذلك من أسماء الله تعالى، أو يقول: وعزة الله، أو: قدرة الله، أو: وعظمة الله، أو ما أشبهه من صفات الله تعالى، وكذلك لو قال: وكلام الله تعالى ثم حنث لزمته الكفارة).
ت: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
قال زيد بن أسلم: نهاهم أن يُكثروا الحلف به تعالى، وإن كانوا يصلحون به بين الناس (^١).
والأيمان ثلاثة:
جائزة بالله تعالى وأسمائه.
_________________
(١) «النوادر» (٤/¬٥).
[ ٤ / ٣٤٣ ]
وممنوعة بالمخلوقات كالنبي والكعبة؛ لقوله ﵇: «مَنْ كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (^١)، ولا كفارة فيها، ويستغفر الله تعالى.
ومختلف فيها [بصفات] (^٢) الله تعالى، نحو: وعزة الله، وقدرة الله.
والمشهور الجواز ولزوم الكفَّارة.
وعن مالك النهي عن ذلك (^٣)؛ لقوله ﵇: «ليس منا من حلف بغير الله».
قال اللخمي: محمله على المخلوقات (^٤).
وهذه صفة الذات.
وأما صفات الفعل: نحو الخلق والرزق والإحياء والإماتة؛ فلا كفارة فيها.
[وأما لو قال] (^٥): والخالق والرازق والمحيي والمميت ففيه الكفارة.
ص: (من حلف بالقرآن ثم حنث؛ لزمته الكفارة)
ت: اختلف في القرآن والمصحف، أو ما أُنزل:
المشهور: الكفَّارة.
وعن مالك: لا يكفر (^٦)
_________________
(١) أخرجه من حديث عبد الله بن عمر: البخاري في «صحيحه» رقم (٦٦٤٦)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٢٥٧).
(٢) في الأصل: (فصفات)، والمثبت ما يناسب السياق.
(٣) «النوادر» (٤/¬١٥).
(٤) «التبصرة» (٤/ ١٦٧٥).
(٥) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٩١).
(٦) «البيان والتحصيل» (٣/ ١٧٥).
[ ٤ / ٣٤٤ ]
قال سحنون: من حلف بالتوراة والإنجيل في كلمة واحدة فكفَّارةٌ واحدة؛ لأنَّ ذلك كله كلام الله تعالى، وهو صفة من صفات ذاته، فكأنه حلف بصفة واحدة (^١).
قلت: القرآن وهذه الكتب اشتهرت أسماؤها في العرف في الأصوات المسموعة المحدثة، دون مدلولها القديم، والكفَّارة إنما تجب في الحلف بقديم، فيكون الصحيح عدم الكفارة، وقاله أبو حنيفة.
ص: (من حلف بملة من الملل، ثم حنث؛ فلا شيء عليه، وكذلك لو قال: هو يهودي أو نصراني أو مشرك إن كَلَّم زيدًا، ثم كلمه؛ فليستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه)
لأنه لم يحلف بقديم.
وقال أبو حنيفة: كلها أيمان.
(ومن قال: علي عهد الله إن فعلت كذا وكذا، ثم حنث؛ لزمته الكفارة، وكذلك الميثاق).
ت: لأنه صفة الله تعالى ترجع إلى الكلام القديم.
قال ابن الحارث: اتفقوا في هذه الصورة، واختلفوا إذا قال: وعهد الله لا فعلت كذا، أو: لأفعلن كذا؛ فعليه الكفارة عند مالك.
وقال عبد الرحمن الدمياطي: لا كفارة في قوله: وعهد الله، حتى يقول:
_________________
(١) «الجامع» (٤/ ١٢٤).
[ ٤ / ٣٤٥ ]
[عليّ] (^١) عهد الله.
ص: (إن قال: عليَّ عهود الله؛ فعليه ثلاثة أيمان، وكذلك: كفالات الله، ومواثيقه).
ت: لأن أقل الجمع ثلاثة.
قال الأبهري: إنما يلزم ثلاثة إذا أراد الحالف ثلاثة أيمان، وإلا فليس عليه إلا كفارة واحدة، وقاله ابن عبد الحكم؛ لأنَّ ذلك كله يرجع إلى الكلام.
قلت فيه إشكالان:
أحدهما: أن أقل الجمع ثلاثة إذا نُكِّر، وهذا اسم جنس أضيف، فَيَعُمَّ كلَّ عهد وميثاقه.
وثانيهما: أن لفظ «على» ليس من صيغ القسم، بل صيغ النذر، فلا بد من نقل عرفي ينقله للقسم، فيشتر تحقيقه، فإن لم يكن العرف كذلك في بلد الحالف لم تصح هذه الفتاوى.
وهو مأخوذ من الإلزام والالتزام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، أي: أوفوا بما أمرتكم أوف بما وعدتكم به، ومنه: عهدة البيع، أي: ما يلزم من الرد بالعيب وغيره.
وقد بسطت ذلك في كتاب «القواعد».
_________________
(١) في الأصل: (و)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٩٣).
[ ٤ / ٣٤٦ ]
ص: (إن قال: أقسم، أو أحلف، أو أشهد، أو أعزم؛ فإن أراد: بالله؛ فهو حالف، وعليه الكفارة في حنثه، وإن لم يرد ذلك فلا شيء عليه).
لقوله تعالى: ﴿وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإذا لم يرد: بالله؛ لم يُعقد.
(ومن قال لرجل: أقسمت عليك لتفعلنّ كذا، فلم يفعله، فإن أراد بذلك مسألته؛ فلا شيء عليه).
لأنه لم يَعقد اليمين.
(وإن أراد عقد اليمين على نفسه حنث بتركه المُقسم عليه.
ولا كفارة في اليمين اللاغية، ولا في اليمين الغموس، وهي اليمين الكاذبة، وإنما الكفَّارة في اليمين المعقودة على الأفعال المستقبلة التي يصح البِّر والحنث بها.
ولغو اليمين: أن يحلف الرجل على شخص يراه من بعيد أنه زيد، ثم تبين أنه عمرو، أو يحلف على طائر أنه غراب، ثم تبين أنه غير ذلك، أو يحلف على شيء على علمه، ثم تبين له أنه خلاف ما حلف عليه، فلا يكون عليه في شيء من ذلك كفارة.
والكذب في اليمين: أن يحلف الرجل على شيءٍ قد فعله أنه لم يفعله، أو على شيء لم يفعله أنه فعله، فيكون آثما في يمينه، ولا كفارة عليه).
ت: قال الشافعي: تجب في الغموس الكفارة.
وهي عندنا أعظم من أن تكفّر.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
قلت: اللغو بهذا التفسير قال الشافعي: فيه الكفارة، واللغو عنده: ما لم يقصد به الانعقاد، بل عادة في الكلام من غير قصد، نحو قولهم: [لا] (^١) والله، بلى والله، وهو الظاهر من الآية؛ لأنَّ اللغو بتفسيرنا قصد انعقادها، فهي منعقدة، وإنما تبين خلاف ذلك، والغموسُ أيضا منعقدة على الكذب.
ص: (من حلف فاستثنى عَقِيبَ يمينه أسقط الاستثناء عنه حكم اليمين، وصار كمن لم يحلف، فإن قطع يمينه ثم استثنى بعد قطعه؛ لم ينفعه استثناؤه إذا كان مختارا لقطعها، وإن انقطعت عليه يمينه بسعال أو عُطاس أو تثاؤب أو ما أشبه ذلك، ثم وصل يمينه واستثنى عقيبها؛ صَحَ استثناؤه).
ت: قال رسول الله ﷺ: «من حلف فاستثنى عاد كمن لم يحلف» (^٢)، [فبين] (^٣) أنَّ الاستثناء على اليمين.
وإن [قطع لم ينفعه] (^٤)؛ لقوله: «فاستثنى» [فالفاء] (^٥) أوجبت التعقيب، فإذا قطع فقد اختار عقدها على نفسه.
[إلا إن تخلل بخلل] (^٦) العطاس ونحوه، فلو قال: لا إله إلا الله، وتخلله العطاس قبل قوله: إلا الله؛ لم يكن كفرًا، ومع الاختيار كفرًا، كذلك الاستثناء.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣١٨).
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٩٦).
(٤) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٩٦) مختصرا.
(٥) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت ما يناسب السياق.
(٦) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
قال القاضي إسماعيل: لا يتصل باليمين إلا وقد أراده صاحبه قبل أن يُتِمَّ بيمينه، فإن لم يعزم إلا بعد فراغه فزمن العزم يتخلل بعد اليمين، فلا يصح معه النَّسَق، وهو يريد يرفع يمينا قد انعقدت، فلا يصح، والأول مذهب (المدوَّنة).
والاستثناء [بـ «إنْ» و«إلا أن»] (^١) و«إلا»؛ نحو: إن شاء الله، وإن شاء فلان، وإلا أن يكون كذلك، وإلا أن يفعل فلان كذا، والله لا أكلتُ طعاما إلا لحما.
قلت: قاعدة العرف: أنَّ كلَّ كلام لا يستقل بنفسه إذا اتصل بما يستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه، فالإقرار أشدُّ هذه الأمور، ولو قال: له عندي عشرة إلا اثنين؛ لم يلزمه إلا ثمانية، وصار: (له عندي الذي شأنه أن يستقل بنفسه غير مستقل بنفسه لمَّا لَحِقَه ما لا يستقِلُّ إلَّا بنفسه، وهو: «إلا اثنين».
فلو قال كلامًا مستقلا بنفسه نحو وقته منها، أو منه العشرة، وكذلك: أنتِ طالق ثلاثا إذا لحقه: «إن دخلت الدار».
وهو نحو عشرة: الشرط والغاية والصفة والتمييز والحال والطرف، وهي مستوعبةٌ في كتاب «القواعد»، فلذلك لم يشترط المشهور من أول الكلام؛ لأنَّ هذا هو شأن هذه الأمور التي لا تستقل.
وأما: «أن لا يكون كذا» فهو استثناء من الأحوال، ليس من باب حَلّ اليمين، وكذلك: «لا أكلتُ طعامًا إلا لحما» استثناء لبعض الطعام، لا حال اليمين، بل هي منعقدة فيما بقي بعد الاستثناء، فليس الباب واحدا فتأمله.
_________________
(١) في الأصل: (بلا أن ولا أن)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٩٧).
[ ٤ / ٣٤٩ ]
ص: (لا يصح الاستثناء بمشيئة الله تعالى في عتق، ولا طلاق، ولا نذر، ولا شيء من الأيمان سوى اليمين بالله تعالى وحدها).
ت: قال أبو حنيفة والشافعي: يصح في جميع الأيمان التي يحلف بها.
لنا: ما في مسلم: قال ﵇: «إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (^١)، فالمشروع إنما هو اليمين بالله تعالى، فقوله ﵇: «من حلف واستثنى» (^٢) ينصرف للمعهود في الشرع، ويصير معنى الكلام: من حلف بالله واستثنى.
ص: (لا يكون الاستثناء إلا لفظا، ولا يصح [نيةً] (^٣) ولا عقدًا).
ت: قال اللخمي: على قول مالك: أنَّ اليمين تنعقد بالنية؛ يصح الاستثناء بالنية، ولم يختلف أنَّ [المحاشاة] (^٤) تصح بالنية؛ لأنها إخراج قبل اليمين (^٥).
وإذا قلنا: يصح اليمين فهو كالطلاق بالنية.
والفرق: أن اليمين إلزام، والاستثناء حَلٌّ، والإلزام [أغلظ] (^٦) من الإباحة، فأمكن انعقاد اليمين بالنية، ولا ينعقد الاستثناء إلا باللفظ.
قلت: الاستثناء سبب شرعي حال لليمين، وإذا كان السبب هو اللفظ لا
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣٤٤).
(٢) سبق تخريجه، انظر: (٤/ ٣١٨).
(٣) في الأصل: (لفظًا)، والتصويب من «التفريع» (١/ ٣٨٤).
(٤) في الأصل: (المجانسة) بلا نقط، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٩٩).
(٥) «التبصرة» (٤/ ١٦٨٧).
(٦) في الأصل: (غلط)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٩٩).
[ ٤ / ٣٥٠ ]
تقوم النية مقامه، والمراد بالنية هاهنا الكلام النفساني، وكذلك الطلاق بالنية؛ لأن ذلك قياس في الأسباب من غير معنى معقول، وهو ممنوع.
والمحاشاة معناها: استعمال اللفظ العام في الخاص، فهو العام المخصوص، وقصد المتكلم كافٍ في ذلك إجماعًا، ولكن هاهنا مغلطة يغلط فيها كلُّ مُفت رأيتُه، وهي: التباس النية المؤكّدة بالنية المخصصة، والمخصصة هي المنافية، والمؤكدة هي الموافقة، فإذا قال: والله لا [لبست] (^١) ثوبًا، وقال: أردتُ الكتان، لم أر من يفتي بعدم حنثه بالصُّوف، وهو باطل إجماعًا؛ لأنها موافقة للفظ في الكتان، وإنما المخصصة أن ينوي إخراج الصوف، وهذا مبسوط في كتاب «القواعد».
ص: (لو حلف لا يكلم زيدًا، ثم كلمه، وأراد بذلك شهرًا؛ جاز أن يكلمه بعد الأجل الذي نواه).
ت: النية تنفع في الفتيا دون القضاء.
ص: (ومن حلف على شيء واحدٍ مِرارًا، ثم حنث؛ فعليه كفارة واحدة، [إلا أن يريد بأيمانه كفَّاراتٍ عِدَّةً] (^٢».
ت: قال ابن القاسم: كفَّارةٌ واحدةٌ، حلف في مجلس أو مجالس، نوى بالثانية عين الأولى أو لم ينو شيئًا، إلا أن ينوي ثلاث كفارات.
_________________
(١) في الأصل: (كسب)، ولعل المثبت ما يناسب السياق.
(٢) خرم في الأصل قدره ست كلمات، والمثبت من «التفريع» (١/ ٣٨٤).
[ ٤ / ٣٥١ ]
وإن قال: عليَّ ثلاث [نذور] (^١)، فحنث، فعليه ثلاث كفارات.
وإن قال: عليَّ نذر إن فعلت كذا، ثم قال: عليَّ نذر [إن فعلتُ] (^٢) كذا، ففعل؛ فكفارتان، إلا أن يريد بالثاني عين الأول.
ص: (إن حلف على أشياء مختلفة يمينًا واحدًا، ثم فعل شيئًا منها؛ حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، ثم لا شيء عليه فيما فعله بعد ذلك، وتتخرج فيها رواية أخرى: وهي أنه لا يحنث حتى يفعل جميع ما حلف عليه)
لأنه لم يفعل جميع ما حلف عليه.
(ولو حلف على شيء واحد أنه لا يفعله، ثم فعل بعضه؛ حنث في يمينه، ويتخرج فيها قول آخر: أنه لا يحنث حتى يفعله كله)
ت: قال ابن حارث: اتفقوا إذا حلف لا يفعل شيئًا، ففعل بعضه؛ أنه حانث.
واختلفوا إذا حلف لا يدخل دار فلان، فدخل برجله الواحدة، ثم تذكر فرجع: قال ابن القاسم: إن كان قد منع الباب من الانغلاق حنث.
وقال ابن حبيب: إن كان اعتماده على الرّجل الخارجة، أو عليهما جميعًا؛ لم يحنث، وعلى الداخلة حنث.
قال ابن الماجشون: إن دخل يده أو رأسه لم يحنث، أو صدره حنث؛ لأنه
_________________
(١) في الأصل: (نذر)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٤٠١).
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٤٠١) والسياق يقتضيه.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
جل بدنه، وإن رقد فأدخل [رجليه] (^١) لم يحنث (^٢).
وعلى قول ابن القاسم يحنث بكل ما منع الباب من الانغلاق.
ص: (إن حلف أن لا يلبس ثوبًا وهو لابسه؛ إن نزعه عقيب يمينه فلا شيء عليه، وإن استدام لبسه حنِثَ في يمينه ولزمته، إلا أن يكون [نوى] (^٣) استئناف لبسه، وكذلك لو حلف أن لا يركب دابَّةً وهو راكبها، أو لا يدخل دارًا وهو فيها).
ت: حكى اللخمي الاتفاق في الثوب والدابة أنه يحنث، على ما تقدم تفصيله، والخلاف في الدار (^٤).
قال ابن القاسم: لا شيء عليه إن لم يخرج (^٥)؛ لأن الاستقرار لا يسمى دخولًا، ودوام اللبس والركوب يسمى لبسا وركوبا.
وقال أشهب: إن لم يخرج مكانه حنث (^٦).
ص: (إن حلف أن لا يأكل من رُطَبِ نخلة، فأكل من تمرها؛ حنث، وإن حلف لا يأكل من تمرها، فأكل من رطبها أو طلعها؛ لم يحنث).
_________________
(١) في الأصل: (رجله)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٤٠٢).
(٢) بنحوه عن ابن الماجشون في «النوادر» (٤/ ٨٢).
(٣) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٤٠٣).
(٤) انظر: «التبصرة» (٤/ ١٧٣٨).
(٥) بنصه عنه في «التبصرة» (٤/ ١٧٣٨).
(٦) بنصه عنه في «النوادر» (٤/ ١٥١).
[ ٤ / ٣٥٣ ]
ت: لأنَّ الثمر من الرُّطَب، والرُّطَب والطلع ليس من التمر.
فإن أطلق ولم يعيّن، ولم يقل: منه، بل قال: بُسرًا، فأكل رُطَبًا، أو رُطَبًا فأكل تمرا:
قال ابن القاسم: لا يحنث بما كان تولد مما حلف عليه، إلا أن يقول: منه، إلا في الشحم من اللحم، والمرق من اللحم، والنبيذ من التمر، والعصير من العنب، والخبز من القمح؛ فإنه يحنث وإن لم يقل منه.
قال ابن وهب: إذا حلف على البسر حنث بالرُّطَب والتمر، أو على الزبد حنث بالسمن وإن لم يقل: منه، كالشحم من اللحم (^١).
يريد: وكذلك كلُّ متولّد عن المحلوف عليه يحنثه بأكله وإن لم يقل: منه.
وإن قال: والله لا أكلتُ من البسر؛ لم يحنث بالرُّطَب ولا التمر؛ لأنَّ المراد الجنس.
ولو قال في نخلة بعينها: لا أكلتُ من بسرها؛ حنث برطبها وتمرها، ولا يحنث إذا قال بسرًا، وإن قال: لا أكلتُ بُسرها، فأكل بلحها؛ لم يحنث، إلا أن تكون نيته اجتنابها (^٢).
ص: (إن حلف لا يأكل لحمًا، فأكل شحمًا؛ حنث في يمينه، ولو حلف أن يأكل شحمًا، فأكل لحما؛ لم يحنث في يمينه).
_________________
(١) ما سبق من كلام ابن القاسم وابن وهب بنحوه في «النوادر» (٤/ ٩٩).
(٢) انظر: «النوادر» (٤/ ٩٩).
[ ٤ / ٣٥٤ ]
ت: لأنَّ الله تعالى حرم لحم الخنزير، فناب ذكر اللحم عن ذكر شحمه، وحرم الله تعالى على بني إسرائيل الشحم، فلم يندرج فيه اللحم.
قلت: لا يقول أحد من أهل اللغة: إنَّ اسم أحدهما يتناول الآخر، وإنما اندرجت أسماء الخنزير مع لفظ اللحم بالإجماع لا باللفظ، وكلامنا في هذه المسألة إذا انفرد اللفظ.
وقول جماعة منا: إنَّ الشحم متولّد عن اللحم باطل؛ لإجماع أهل العلم بهذا الشأن أنَّ الشحم يتولد من الغذاء لا من اللحم، وأن ما صار من الغذاء شحما لا يصير لحما، وما صار لحما لا يصير شحما.
ثم الجنس شاهد بأنَّ الآلية [..] (^١) وغيرهما غير ناشئين عن اللحم، وخلاف ذلك مكابرة، وهذا كمن يقول: الرّجلُ متولدة عن اليد، والأنف متولدة عن الشفة، فهذه المسألة صعبة جدا لا تجوز الفتوى فيها إلا [..] (^٢).
ص: (إن حلف أن لا يأكل رؤوسًا، فأكل رؤوس الطير؛ حَنِث في يمينه).
ت: قال أشهب: لا يحنث إلا برؤوس الأنعام الأربع؛ لأنَّ عليها يقع الأيمان، بخلاف لو حلف لا يأكل بيضا؛ يحنث ببيض الطير استحبابا، دون بيض الحوت.
والفرق عنده: تقارب أنواع البيض في الصورة والطعم، بخلاف رؤوس الحيوان.
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة.
(٢) خرم في الأصل مقدر بكلمتين.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
قلت: هذه المسألة عويصة جدًّا، والخلاف فيها بين ابن القاسم وأشهب على قاعدتين، لم أر أحدا يحركها (^١):
إحداهما: أنَّ العرف كما ينقل اللفظ المفرد - نحو: الدابة والبحر - ينقل المركّب، كقولنا: الخمر حرام، نُقل لتحريم شُربها، والأم حرام، نُقل للاستمتاع بها، والميتة حرامٌ، نُقل هذا المركب لتحريم أكلها، واللفظ لعين إنما يقتضي تحريم هذه الذوات.
كذلك نقل العرفُ لفظ الأكل مع الرؤوس إلى رؤوس الأنعام، فلم يفهم من قول القائل: أكلتُ رأسًا، أو: لا آكل رأسًا إلا ذلك، فخالف: رأيتُ رأسًا، أو ضربتُ رأسًا، باق على شياعه اللغوي في الرؤوس، حتى يصدق برأس الآدمي وغيره، ولا يتصور فيه خلافُ أشهب، بل يستوي الرؤوس.
فمنشأ الخلاف هذه القاعدة، فابن القاسم لم يتضح له هذا النقل، فاستصحب اللغة، وأشهبُ جَزَمَ به فخصَّص، وهو الحق، فالكلام بينهما في تحقيق مناط في النقل العرفي.
وثانيهما: أنَّ جمعًا كثيرًا من المالكية وغيرهم يُخرجون ذلك على أنَّ عادة الناس جرت بأكل رؤوس الأنعام دون غيرها، وهذا باطل؛ فإنَّ العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ، بخلاف العرف القولي؛ لأنَّ القولي هو غلبة استعمال اللفظ في غير مسماه، حتى يصير أشهر في ذلك الثاني، فيبطل الأول، ومبادرته للذهن يقضي به عليه، والفعلي: أن يُفعَل نوع من ذلك المسمى دون غيره، ومباشرة المسمى وتركه لا يعكس على الموضع، فلو حلفت الملوك لا تدخل
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (يحررها).
[ ٤ / ٣٥٦ ]
بيتًا، فدخلت بيوت العامة حنَّثناها، أو لا تأكل طعامًا حنَّثناها بأكل أطعمة العامة، وإنما المعتبر العرفُ القولي، وبُسِط ذلك في كتاب «القواعد».
ص: (لو حلف لا يأكل لحمًا، فأكل سمكًا؛ حنث في يمينه).
ت: قال أشهب: لا يحنث إلا بلحم الأنعام الأربع؛ لأنها المقصودة بالأيمان (^١).
قال اللخمي: مخالفته في الوحش ليس بحسن؛ فإنها تُقارب الأنعام في الطعام (^٢)، وبعضُها في الخلقة، كما قاله في البيض، وأكل لحم الإبل في الحاضرة نادر وهو يحنث به.
وإن حلف لا يأكل حيتانًا لم يحنث بذوات الأربع؛ لأنه خصص.
ولو حلف لا يأكل لحم بقر لم يحنث بأكل الغنم (^٣).
ص: (لو حلف لا يدخل بيتًا، فدخل بيوت الشَّعر أو الخِرَق؛ حنث في يمينه، ولو دخل مسجدًا لم يحنث في يمينه).
ت: لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠].
ونقل ابن حارث الاتفاق في المسجد على عدم الحنث.
_________________
(١) «النوادر» (٤/ ١٠١).
(٢) يقابلها في «التذكرة» (٥/ ٤٠٦): «في الطعم».
(٣) «التبصرة» (٤/ ١٧٢١ - ١٧٢٢).
[ ٤ / ٣٥٧ ]
قلت: نقل العرفُ هذا المركب - وهو الحلف على دخول البيت - إلى بيوت السكن، فاختص به، كما تقدم في الرؤوس.
ص: (من حلف لا يأكل خبزًا وزيتا، فأكل الخبز دون الزيت؛ حيث في يمينه، إلا أن يريد: خبزًا بزيت، فلا يحنث حتى يجمعهما، وكذلك لو حلف لا يأكل تمرا وسَوِيقًا. ولو حلف لا يأكل خبزا بزيت أو ثمرا بسويق؛ لم يحنث).
ت: قيل: لا حنث عليه إذا حلف لا يأكل خبزًا وزيتا.
قال اللخمي: وهو أَبينُ؛ لأنَّ الخبز والزيت مؤتدم، فهو حلف على خبز مؤتدم، بخلاف لو حلف على خبز وكعك، أو جبنا وزيتا؛ لأنَّ أحدهما لا يؤكل بالآخر (^١).
قلت: الخلاف بيننا وبين الشافعي في الحقيقة الواحدة؛ كالرغيف، والمعطوف؛ كالخبز والكعك والزيت، والثالث: [التثنية] (^٢) والجمع، نحو: رجلين ورجال، فعندنا يحنث بالبعض في الصور الثلاث، وعنده: لا يحنث [إلا] (^٣) بالجميع في الصور الثلاث.
واتفقنا إذا قال: لا أكلتُ خبرًا ولا زيتًا، أنه يحنث بأحدهما، واتفق النحاة على أن لفظ [..] (^٤) وإن [..] (^٥) معنى غير المتقدم [..] (^٦)، تأكيد وإذا ثبت
_________________
(١) «التبصرة» (٤/ ١٧٢٣).
(٢) في الأصل: (التنبيه)، والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت ما يناسب السياق.
(٤) خرم في الأصل قدره كلمة.
(٥) خرم في الأصل قدر بكلمتين.
(٦) خرم في الأصل قدره نصف سطر.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
الحنث في المعطوف ثبت في الآخرين، إذ لا قائل بالفرق، ولأصحابنا مدارك استوعبتها في «الذخيرة»، وكلّها عليها أسئلة.
* ص: (كفارة اليمين بالله ﵇ إطعام عشرة مساكين، مُدًّا مُدًّا بمُدّ النبي ﷺ، وذلك بالمدينة وسائر الأمصار، وسطًا من الشبع، وهو رطلان بالبغدادي، من الخبز وشيء من الإدام، أو كسوتُهم، إن كانوا رجالا فثوبا ثوبًا، وإن كن نساءً فثوبين ثوبين، درع وخمار لكل امرأة منهنَّ، ويجوز في ذلك إطعام الصغير وكسوته، وهو في ذلك مثل الكبير، أو عتق رقبة مؤمنة ليس [فيها] (^١) شرك لأحد، ولا عتق، ولا تدبير، ولا كتابة، وهذه الأشياء الثلاثة على التخيير، فإذا لم يقدر على شيء منها صام ثلاثة أيام متتابعات، فإن فرقهنَّ أجزأت عنه).
* ت: قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حلَفَ على يمين، فرأى غيرها خيرا منها؛ فليكفر عن يمينه، وليأتِ الذي هو خير» (^٢).
قال مالك: عيش غير أهل المدينة غير عيش أهل المدينة، فيكفر بالوسط من عيشهم.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التفريع» (١/ ٣٨٦).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (٦٩٩٠)، والنسائي في «سننه» رقم (٣٧٨١).
[ ٤ / ٣٥٩ ]
قال ابن القاسم: حيث أخرج مُدًّا؛ أجزأه (^١).
وأفتى ابن وهب بمد ونصف (^٢).
وأشهب بمد وثلث (^٣).
ويُعطى الفطيم والرضيع من طعام الكفارة إذا أكل الطعام
وإذا أعطى الخبز وحده وفيه عَدْلُ ما يُخرج من الحب أجزأه.
وفي «شرح ابن مزين»: يجزئ الخبز بغير إدام.
قال اللخمي: قول مالك بالإدام أحسن؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وعدم الإدام يُبعده عن الوسط إلى الدناءة (^٤).
وفي «المدونة»: يُعتبر عيش البلد.
وفي «الموازية»: عيش المكفّر (^٥).
وتكسى المرأة ثوبين؛ لأنها كلها عورة، ويُكسى الصبي كسوة مثله، والصبية كسوة مثلها، وإن كانت تؤمر بالصلاة لم يعطها خمارًا.
قال ابن القاسم في «العتبيَّة»: يُعطَى الصغير كسوة كبير (^٦).
_________________
(١) «المدونة» (٢/ ١١٨ - ١١٩).
(٢) بنصه عنه في «النوادر» (٤/¬٢٠).
(٣) بنصه عنه في «النوادر» (٤/¬٢٠).
(٤) «التبصرة» (٤/ ١٦٩٩).
(٥) «النوادر» (٤/¬٢٢).
(٦) «البيان والتحصيل» (٣/ ١٦٦ - ١٦٧).
[ ٤ / ٣٦٠ ]
وعنه: لا يعجبني كسوة المرضع على حال (^١).
ويُشترط في الرقبة السلامة من العيوب، ولا [مَنْ] (^٢) يعتق عليه إذ ملكه، ولا أم ولد، ولا مَنْ يُستحَقُّ عِتقه عليه.
فاشتراط الإيمان قياسًا على كفَّارة القتل، والسلامة من العيوب لأنَّ الله تعالى أطلقها، والإطلاق يقتضي السلامة والكمال، وهو يقتضي عدم الشرك فيها، وعقد عتق.
واستحسن المتابعة في الصوم؛ لأنه أكمل، ومتفق عليه.
ص: (لا يُطعم ولا يكسو في ذلك إلا مؤمنا حُرًّا فقيرًا، فإن أطعم كافرًا أو عبدًا أو غنيًّا مجتهدًا، ثم تبين له بعد ذلك؛ لم يجزئه، وكانت عليه الإعادة).
ت: جوز أبو حنيفة أهل الذمة أن يُعطى لهم.
لنا: القياس على الحربي، ولا يتقرب إلى الله تعالى بأعدائه، والعبد مستغن بنفقة سيده.
وقال ﵇: «لا تحلُّ الصدقة لغني» (^٣).
قال اللخمي: إذا دفع لغير أهلها إن كانت قائمة انتزعت وصرفت لغيرهم، وإن ضاعت يضمنونها، إلا أن يعلموا إنها كفارة ويُغَرُّوا من أنفسهم.
_________________
(١) «النوادر» (٤/¬٢١).
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٤١٢)، والسياق يقتضيه.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٣/ ٣٦٤).
[ ٤ / ٣٦١ ]
واختلف إذا أكلوها وصوّنوا بها أموالهم:
قال اللخمي: الغُرم أحسن؛ لأنهم صوّنوا بها أموالهم (^١).
ص: (لا يجزئ أن يُطعم مسكينًا واحدًا عشرة أمداد في يوم واحد، ولا في أيام عدة).
لأنَّ الله تعالى قال: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩].
(ومن وجبت عليه كفارتان في يمينين، فأطعم في أحدهما عشرة مساكين في يوم، ثم أطعمهم عن الكفارة الأخرى في يوم آخر؛ أجزأه).
ت: قال ابن القاسم لا يعجبني ذلك، وإن لم يجد غيرهم جاز، فإن فعل أجزأه؛ لئلا تختلط النيَّة في الكفارتين.
قال أبو محمد: فلو حصلت النيَّة في كلّ كفَّارة، وخلصت، جاز، وصوبه أبو عمران (^٢).
ص: (لا يجزئه أن يطعم خمسة مساكين، ويكسو خمسةً، ولا تجزئه الكفارة إلا بجنس واحد).
ت: هذا مذهب «المدوّنة» (^٣).
_________________
(١) «التبصرة» (٤/ ١٧٠٢).
(٢) «الجامع» (٤/ ١٤٢).
(٣) «المدونة» (٢/ ١٢٦).
[ ٤ / ٣٦٢ ]
وعن ابن القاسم: [يجزئه (^١)؛ لأنَّ كلَّ] (^٢) واحدة من الكفارتين تَسُدُّ مَسَدَّ الأخرى.
* ص: (الاختيار أن لا يكفّر قبل حنثه، فإن كفّر قبل حنثه ففيها روايتان: إحداهما: أنها تجزئه. والأخرى: أنها لا تجزئه حتى يحنث في يمينه).
قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها؛ فليكفر عن يمينه، وليأتِ الذي هو خير» (^٣).
ورُوي: «فليأتِ الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» (^٤).
وكان ابن عمر ﵄ يقدم الكفارة تارةً، ويؤخرها تارةً أخرى.
قلت: قاعدة شرعية عامة: متى كان للحكم سببان، أو سبب وشرط، فتقدم الحكم عليهما؛ لم يجز إجماعًا، كالتكفير قبل الحلف، وإخراج الزكاة قبل النّصاب والحولِ، أو بعدهما أجزأ إجماعًا، كالتكفير بعد الحنث، والزكاة بعد النّصاب والحول، أو وقع بينهما؛ فقولان في بعض الصور، كالزكاة، والكفّارة، والعفو بعد الجرح وقبل الزهوق قول واحد، وإسقاط الشفعة بعد البيع وقبل الأخذ قول واحد.
_________________
(١) «النوادر» (٤/¬٢٢).
(٢) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤١٥) مختصرا.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣٥٩).
(٤) هذه الرواية بنصها من حديث أبي هريرة عند مسلم في «صحيحه» رقم (٤٢٧٣).
[ ٤ / ٣٦٣ ]
فتأمل هذه القاعدة في مواردها، وبها يبطل قياس استصحاب تعجيل الزكاة على تعجيل الصلاة؛ لأن الصلاة قبل جميع أسبابها إذا وقعت قبل الزوال، وإنما وزانها الزكاة قبل النصاب.
ولهذه القاعدة منع القائلون بتعجيل زكاة العين تعجيل زكاة الزرع؛ لأنَّ الزرع هو النّصاب، وقد بسطت هذا في كتاب «القواعد».
* * *
[ ٤ / ٣٦٤ ]