والرهن في البيع والحقوق كلها جائز.
* ت: أصله الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وفي «الصحيحين»: أنَّ رسول الله ﷺ اشترى طعامًا بالمدينة، ورهن فيه درعه (^١).
ولا خلاف في جوازه، ومنهم من منعه في الحضر.
لنا: الحديث المتقدم.
ولأنه توثقة فيجوز في الحضر، قياسا على الضامن.
* * *
* ص: (إذا باع واشترط رهنا بعينه؛ لزم دفعه، أو مطلقا فامتنع من دفعه؛ خير البائع في إمضاء البيع بغير رهن وفسخه).
* ت: يُجبر على تسليم الرهن المعين.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم، وهو عقد جائز، فإن أقبضه الراهن؛ لزم، وإلا فلا.
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٠٦٨)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤١١٦).
[ ٦ / ١٠٥ ]
لنا: أنه عقد، فلم يكن من شرط لزومه القبض، كسائر العقود.
وإن أعطى في المطلق ثوبًا، أو حُلِيًّا، أو دارا ونحوه؛ لزم البائع قبوله، أو عبدا، أو دابَّةً؛ لم يلزمه قبوله؛ لمشقة حفظه.
فإن أراد المشتري ثوبًا، وكرهه البائع؛ لأنه يضمن، أو دارا، وامتنع البائع؛ ليأخذ شيئًا يبيّنُ به، ويكون تحت علقه؛ قدّم المشتري؛ لأنَّ ذلك كله رهن، إلا أن يشترط صنفًا فيوفي له به.
* * *
* ص: (إن اشترط أن السلعة المبيعة رهن إلى أجل ثمنها؛ جاز في العروض والعقار دون الحيوان).
* ت: متى كان الأجل تتغير السلعة فيه امتنع؛ لأنه لا يدري كيف يقبضها، وإلا جاز، وأما الحيوان فلا يجوز؛ لأنَّ تأخر القبض فيه غرر، وأما الثلاثة أيام فيجوز؛ للأمن فيها غالبًا.
* * *
ص: (والرهون مضمونةٌ وغير مضمونة، فالمضمون: الأموال الباطنة، كالعروض والحُلِيّ، وغيرُ المضمون: الأموال الظاهرة، كالعقار والحيوان).
* ت: من قبض المنفعة نفسه يضمن، كالدين، أو لمنفعة غيره لا يضمن، كالمودع، والمرتهن قبض لنفسه فيضمن، إلا أن تقوم بينةٌ، أو يظهر ذلك؛ لأنه ليس متعديًا في القبض، كالغاصب، وقال ﷺ: «الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (^١).
_________________
(١) أخرجه بنحوه الحاكم في «مستدركه» (٢/ ٥١).
[ ٦ / ١٠٦ ]
* ص: (من ارتهن ما لا يُضمن على أنه ضامن لم يلزمه ضمانه، أو ما يُضمن على أنه لا ضمان عليه لم يسقط عنه ضمانه).
ت لأنه سنة الرهن، وشرط ما هو على خلاف العقد، كما لو شَرَطَ في الوديعة الضمان، أو شرط في البيع عدم الدَّرَك.
وقال رسول الله ﷺ: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق» (^١).
وقال أشهب: له شرطه؛ لقوله ﷺ: «المسلمون عند شروطهم» (^٢).
* * *
* ص: (إن قامت البينة على الهلاك في رهن [باطن] (^٣) فروايتان: لزوم الضمان، وسقوطه).
* ت بالسقوط قال ابن القاسم؛ لأنَّ سببه التهمة، وقد زالت التهمة بالبينة - بأنه أخفاه أو أتلفه ونحوه، ألا ترى أنَّ العرف لما نفى التهمة في الربع والحيوان سقط الضمان وليس هو كالغاصب لا تفيده البينة.
واحتج أشهب على أنه [ضامن] (^٤) بقوله ﵇ لصفوان: «بل عارية مؤادة» (^٥)، أي: لا بُدَّ من أدائها وإن شهد على هلاكها البينة.
_________________
(١) أخرجه بنحو هذا اللفظ من حديث عائشة: ابن ماجه في «سننه» رقم (٢٥٢١)، وأصله عند البخاري في «صحيحه» رقم (٢١٦٨)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٣٧٨٠). وانظر: «إرواء الغليل» (٥/ ١٥٢ وما بعدها) رقم (١٣٠٨).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٥٩).
(٣) في (ق): (هلاك الرهن الباطن).
(٤) في (ق): (ضمان)، وساقطة من (ز ت)، والمثبت ما يناسب السياق.
(٥) أخرجه من حديث صفوان بن يعلى، عن أبيه: أحمد في «مسنده» رقم (١٧٩٥٠)، وأبو داود=
[ ٦ / ١٠٧ ]
* ص: (ونسل الحيوان رهن مع أمهاتها، وفراخ النخل والشجر رهن مع أصولها، وثمر النخل والشجر لا يدخل في الرهن إلا أن يشترط، وألبان الإبل والغنم وأصوافها لا تدخل في الرهن إلا أن يشترط ذلك).
* ت: الغلات غير المعينة لا تدخل في الرهن، كغلات العبيد والدور والحيوان ونحوه.
والمعيَّن غير منفصل عن الأصل ولا متميز، نحو: كبر الصغير، وسِمَنِ الهزيل فيندرج اتفاقا.
والمميز: نسل، أو كالنسل، نحو فراخ الشجر، فيندرج، والذي ليس كالنسل نحو الثمر واللبن والصوف لا يندرج.
وقوله ﵇: «الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غُرمه» (^١) يقتضي أن المنافع وما لا يكون له غنم ليس رهنا.
قال الأبهري: الثمرة خراج، والخراج بالضمان، وقياسًا على اللبن؛ فإنه لا يكون رهنا.
قال مالك: الغلة لا تكون رهنا إلا أن تشترط فتكون رهنا إلى [أجل] (^٢) (^٣)
قال ابن القاسم: إذا كمل نباتُ الصوف كان رهنًا (^٤).
ومنعه أشهب، كاللبن في ضروعها (^٥).
_________________
(١) = في «سننه» رقم (٣٥٦٦).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٠٦).
(٣) كذا في (ز ت)، وفي (ق): (الأجل).
(٤) صرح به عن مالك في «النوادر» (١٠/ ١٧٩).
(٥) بتمامه عنه في «النوادر» (١٠/ ١٨٠).
(٦) بنصه عنه في «النوادر» (١٠/ ١٨٠).
[ ٦ / ١٠٨ ]
ويَدُلُّ على أنَّ النسل رهن: أنَّ الولد يلحق بأمه في التدبير والكتابة وغنم الزكاة والحرية والرق وغيرها.
وكل عقد ثبت للأم لا سبيل إلى حلّه فهو للولد إذا حدث، إلا الإجارة والنكاح.
والسيد يتصرف في خراج الأمة، ولا يتصرف في ولدها الحادث بعد العقد الكائن في الأم.
ومتى اشترط رهن ما لا يندرج اندرج، كسلعتين يضمهما في الرهن.
* * *
* ص: (يجوز رهن الغرر والمجهول، كالآبق، والشارد، والأجنَّةِ في بطون أمهاتها).
* ت: لأنه إذا جاز له دفع ماله بغير توثقة جاز مع توثقة مجهولة.
فإن كان في أصل عقد البيع أو [القرض] (^١) امتنع؛ لأنَّ البائع حَطَّ من الثمن لشيء لا يدري هل يحصل أم لا، فهو بيع مجهول.
ومنع مالك رهن الجنين في كتاب الصلح من (المدوّنة) (^٢).
وجوزه ابن مسر، كالآبق، ويصح بالقبض (^٣).
والمعروف لمالك المنع في الأجنَّة دون الآبق والشارد؛ لقوة الغرر في الأجنة.
_________________
(١) في (ت): (القراض).
(٢) انظر: «المدونة» (٧/ ٤٢٢)، وقد صرّح به عن مالك ابن أبي زيد في «النوادر» (١٠/ ٢٢٨).
(٣) بتمامه عنه في «النوادر» (١٠/ ٢٢٨).
[ ٦ / ١٠٩ ]
* ص: (ونفقة الرهن على راهنِهِ، ومنفعته وخراجه له دون مرتهنه).
ت الملك له، فتكون عليه النفقة، وله الغلة، كالبيع، وهو معنى قوله ﷺ: «الرهن ممن رهنه، له غُنمُهُ، وعليه غُرمُهُ» (^١)، ولأنَّ الخراج بالضمان.
* * *
* ص: (إن اشترط الانتفاع بالرهن إلى أجَلِ الثمن جاز في البيع، وامتنع في القرض).
لأنه سلف جَرَّ نفعًا.
* ت: قال مالك: [أكره في البيع] (^٢) اشتراطه في الحيوان والثياب (^٣)؛ لأنه لا يدري كيف يرجع، بخلاف الدور.
وأجازه كله ابن القاسم إذا سمى أجلا (^٤)، كالإجارة، فتكون إجارة وبيعًا.
والفرق لمالك بين الإجارة والرهن في الحيوان أنه يتغير فيدخل الغرر في الثمن للجهل بما يقابله، ولا ضرورة تدعو لذلك، [والضرورة تدعو للإجارة] (^٥).
فإن ضاع المشترط منفعته، وهو مما يغاب عليه:
قيل: يضمنه لأنه رهن، ولأنه مختص به دون غرمائه.
وقيل: لا يضمنه، كالعين المستأجرة.
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٠٦).
(٢) كذا في (ز)، وفي (ق ت): (أكرهه في البيع أكره).
(٣) «المدونة» (٩/ ٢٧٥).
(٤) «المدونة» (٩/ ٢٧٥).
(٥) كذا في (ز ت)، ويقابله في (ق) (بخلاف الإجارة تدعو الضرورة إليها).
[ ٦ / ١١٠ ]
وقيل: يُنظر إلى القَدْر الذاهب منه بالإجارة لا يُضمن؛ لأنه مستأجر، ويُضمن ما عداه؛ لأنه رهن.
* * *
ص: (إن ارتهن عبدًا له مالٌ؛ لم يندرج ماله.
فإن فَلَسَ سيده؛ فالمرتهن أولى برقبة العبد من الغرماء.
فإن فضل شيء؛ فهو أُسوةُ الغرماء في مال العبد).
ت: إن اشترط المال اندرج، كالبيع، وماله كثمرة النخلة؛ لأنَّ الجميع خراج.
وأجاز في «المجموعة» ارتهان ماله دونه، وله معلومه ومجهوله يوم الرهن إن قبضه (^١).
ولا يكون ما وُهِبَ للعبد رهنا معه، وإن اشتَرَطَ ماله معه وما ربح في ماله المشترط معه فهو رهن، كما يدخُلُ فيما أوصى به ربح ما علمه الموصي ولا يَدخُلُ ما لم يعلمه من ماله (^٢).
وقيل: يندرج ما وُهِبَ له، كما إذا بيع بالخيار واشترط ماله فإنه يندرج ما وُهِبَ له في أيام الخيار، أو صدقة أو وصية (^٣).
* * *
ص: (إن رهن أمة عبده حَرُمَ وطؤها على العبد حتى يفتحها سيده).
لأن ذلك كالانتزاع.
_________________
(١) بتمامه في «النوادر» (١٠/ ١٨١)، و«الجامع» (١٢/ ٥٣٩).
(٢) هذه الفقرة اقتبسها القرافي بنصها من كلام أشهب في «النوادر» (١٠/ ١٨١)، و«الجامع» (١٢/ ٥٣٩).
(٣) بنحوه في «الجامع» (١٢/ ٥٣٩).
[ ٦ / ١١١ ]
(وكذلك لو رهن العبد معها لم يطأها العبد حتى تخرج من الرهن).
* ت: رأى مالك تحريمها حتى تنفك (^١)، وعلى هذا لو وطئها لم يُحد؛ للشبهة؛ لأنه كالانتزاع، ولتعلق حق المرتهن.
وقال ابن المواز: هو انتزاع تام (^٢)، لا ترجع إليه إلا بِرَد جديد.
قال مالك: إن [وطئ الأمة العبد أو السيد] (^٣) فسد الرهن، ووطء السيد أشدُّ فسادا (^٤).
يريد - والله أعلم: إذا كان بإذن المرتهن.
وفرق ابن المواز بين رهن العبد له الوطء؛ لأن ملكه لم يقع فيه انتزاع، والرهن في رقبته خاصةً، بخلاف رهن الأمة.
وقال ابن مسلمة: ذلك انتزاع، وتُمنع منه أمته وإن افتكه، إلا بأمرٍ جديد (^٥).
ولو رهن السيد العبد وللعبد زوجةٌ؛ لم يُمنع من وطئها، بخلاف الأمة.
* * *
* ص: (من رهن أمته؛ حرم وطؤها عليه.
فإن وطئها بإذن المرتهن؛ بطل رهنها، أو بغير إذنه فلم تحمل فهي رهن بحالها، وإن حملت وله مال كانت له أم ولد، ودفع إلى المرتهن حقه، وإن لم
_________________
(١) «المدونة» (٩/ ٣٠٧).
(٢) بنصه عنه في «النوادر» (١٠/ ١٨٠).
(٣) في (ق): (وطئ العبد الأمة أو وطئها السيد).
(٤) «المدونة» (٩/ ٣٠٨).
(٥) بنصه عنه في «التبصرة» (١٠/ ٥٧٤٩).
[ ٦ / ١١٢ ]
يكن له مال بيعت وقضى الحقَّ من ثمنها، وما فضل اتبعه به في ذمته.
فإن كان ثمنها أكثر من الحق؛ بيع بقدره، وما بقي فبحساب أم الولد لا يباع، ولا يباع الولد، كان الراهن موسرًا أو معسرًا).
لتخلقه على الحرية.
* ت: امتنع الوطء لأنه تعرض لإبطال الحق؛ لأنَّ المرتهن لا يقدر على بيعها حاملا.
ولأنه تصرف في الرهن، وهو ممنوع؛ لأنه توثقة وبحوز المرتهن.
وإذا أذن له فقد أبطل حقه؛ لأنَّ من شرط الرهن القبض، وقد بطل بحوز الراهن لها بالوطء، وقد تَحمِلُ.
وإن لم يأذن سقَطَ الحدُّ؛ لأنها ملكه، ولَحِقَهُ الولد؛ لأنه من أمته، وإقدامه على الوطء رضا منه بدفع الحقِّ من ماله، كما لو أعتق العبد.
ولا يلزم رهن آخر؛ لأن الشرط إنما تناولها.
ولا تباع في الإعسار إلا بعد الوضع؛ لئلا يباع الولد وهو حر؛ لأنَّ الجنين جزء المبيع.
وقوله: كان ما بقي بحساب أم الولد، ظاهِرُهُ أنها لا تعتق.
وقال اللخمي: تعتق (^١)، وهو أصل المذهب أنَّ أم الولد لم يبق فيها إلا الاستمتاع، فإذا حَرُمَ عَتَقَت، كما إذا ظهر أنَّ أم الولد ذاتُ مَحرَم.
_________________
(١) انظر: «التبصرة» (١٠/ ٥٧٤١).
[ ٦ / ١١٣ ]
* ص: (فإن وطئها المرتهن فهو زان، وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وولدها رهن معها، يُباع ببيعها).
لأنها ليست ملكه، ولا له شُبهة ملك.
فإن أحلها له الراهن لزمه قيمتها، حملت أم لا، ولا تلزمه قيمة ولدها.
لأنه تخلق على الحرية.
ولأنه لما أحلها له أسقط حقه من الولد، ودخل على أنه حُر.
وقاصه الراهن بما لزمه من القيمة.
* ت: عليه للراهن إذا لم يأذن له ما نقصها وطؤه، بكرا كانت أو ثيبًا إذا أكرهها، أو طاوعته وهي بكر، وإن كانت ثيبا فلا شيء عليه.
والصواب أن عليه ما نقصها؛ لأنه أدخل على سيدها فيها عيب الزنا.
وإن وطئها جاهلا بالتحريم لم يُحَدَّ؛ لأنَّ الحد يُدرأ بالشبهة، والجهل بالتحريم شُبهة.
والولد رهن؛ لأنَّ النسل يصير رهنا في الحيوان، والإحلال شُبهة إذا ظنَّ أنه يبيح الوطء.
* * *
* ص: (ومن آجر داره من رجل جاز رهنها منه ومن غيره).
* ت: لأنَّ الرقبة ملكه، فله التصرُّف فيها بما لا يناقض الإجارة، فإذا رهنها منه فقد حازها الراهن أيضا.
[ ٦ / ١١٤ ]
قال ابن القاسم: كالذي يُخدم العبد ثم يتصدق به على آخر، فحوز الأول حوز الثاني.
وقال أيضا: لا يكون مَحُوزًا للرهن؛ لأنه محوز بالإجارة (^١).
وفرق بينه وبين الراهن لفضل الرهن: أنَّ حوز الرهينة شملها، وفي الإجارة الرقبة باسم صاحبها، فهما وجهان مختلفان، فحق المستأجر في المنافع خاصةً، وحوز الرقبة ليس مقصودًا لنفسه، [وكذلك] (^٢) لو قام الغرماء لم يشاركهم في الرقبة، وفي الرهن الأول حاز لنفسه الرقبة لحقه فيها.
وكذلك قال مالك في «الموازية» إذا رهن الدار من غير المستأجر: لا يصح؛ لأنها محوزَةٌ بوجه آخر، بخلاف فضلة الرهن (^٣).
وقال ابن نافع: ذلك حوز (^٤)، كالمخدم مع الموهوب.
قال اللخمي: إن لم يرض المستأجر بحوز الرقاب للمرتهن، ولم تكن يد المرتهن معه؛ فليس بحوز، وإلا فهو حوز (^٥).
* * *
* ص: (يجوز رهن المشاع).
ومنعه أبو حنيفة.
_________________
(١) «النوادر» (١٠/ ١٦٥).
(٢) كذا في (ز ت)، وفي (ق): (ولذلك).
(٣) «النوادر» (١٠/ ١٦٨)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٧٢٥).
(٤) بمعناه عنه في «التبصرة» (١٠/ ٥٧٢٥).
(٥) «التبصرة» (١٠/ ٥٧٢٥).
[ ٦ / ١١٥ ]
لنا: أنَّ بيعه جائز، فلو لم يصح [قبضه] (^١) لم يصح بيعه.
ولقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فعَمَّ، كان الشياع في ربع أو حيوان أو عَرْض.
وكما لو رهن دارًا من رجلين في عقد واحد، وسلمها لهما.
(ولا يصح رهن بعض داره حتى يُسلّم الدار كلها للمرتهن).
ليتحقق الحوز.
(ومن له سهم في دار جاز له رهنه إذا رفع يده [وحلَّت] (^٢) يد المرتهن فيه).
* ت: ولو رهن بعض حصته في الدار فلا بد من تسليم الحصة كلها؛ لأنَّ بقاء يده يمنع الحوز، وغايته أن [يكونا كالشريكين] (^٣)، ويد الشريك جائلة في جميع الملك، فلم يتحقق الحوز؛ لتصرفه في الرهن بعد رهنه.
وقيل: تكون يد المرتهن مع الراهن جائلة؛ فيكريان معا، ويصح الحوز؛ لأنه كان يتصرف في جميع الدار، صار إنما يتصرف في بعضها، ولم يكن المرتهن يتصرف في شيء منها، صار يتصرَّفُ في بعضها، وأي حوز أعظم من التصرف؟!
* * *
* ص: (يجوز رهن الحائط بعد مساقاته).
لأنَّ الرقبة مِلكُه.
_________________
(١) في (ز): (رهنه).
(٢) في (ز): (ودخلت).
(٣) في (ز): (يكون كالشريك).
[ ٦ / ١١٦ ]
(وينبغي للمرتهن أن يستخلف مع العامل في الحائط غيره).
تحقيقا للحوز.
(ومن رهن رهنا على أقل من قيمته فليس له رهن فضله من آخر إلا بإذن مرتهنه.
فإن أذن له في رهنه، فهل يصح أم لا؟
رواتان).
* ت: عن مالك: أنَّ رهنه بعد مساقاته ليس بحوز (^١)؛ لأنه محوز للعامل، وهو وكيل الراهن.
وقال أيضا: إن جعل مع العامل رجلا صح؛ لأنه حائز له (^٢).
وقال ابن نافع: ذلك حوز (^٣)؛ لارتفاع تصرف الراهن في الرقبة.
ومتى رهن فضلة الرهن إذا رهنه على أقل من قيمته عند الأول؛ جاز إذا كان تحت يده، أو عَدلٍ ورضي بحوز الفضلة للمرتهن، ويكون رهنا بالدينين.
واختلف إذا لم يرض وقد علم برهن الفضلة أو لم يعلم.
وقال أبو حنيفة: لا يكون رهنا إلا بالدين الأول (^٤).
لنا: القياس على الضمين، بجامع التوثقة (^٥).
_________________
(١) «التبصرة» (١٠/ ٥٧٢٥).
(٢) انظر: «الجامع» (١٢/ ٥٦٩)، و«النوادر» (١٠/ ١٦٨).
(٣) انظر: «التبصرة» (١٠/ ٥٧٢٥).
(٤) نقله عنه ابن يونس في «الجامع» (١٢/ ٥٧٨).
(٥) بمعناه من «الجامع» (١٢/ ٥٧٨).
[ ٦ / ١١٧ ]
فإن رهن الفضلة من غير الأول:
قال مالك: إن رضي الأول جاز؛ لأنه إذا رضي حاز للثاني، وإلا فلا (^١)؛ لعدم الحوز، ويدخل الغرماء في الفضلة.
وقال أيضا: لا يجوز (^٢)؛ لأنَّ الأول إنما حاز لنفسه، فمتى لم يحز الثاني لنفسه بطل إذا مات الراهن أو فلس قبل الحوز.
فإن كان على يد عدل ورهن من غير الأول:
قال مالك: يجوز إذا رضي الأول (^٣).
وقال أصبغ: يجوز وإن لم يرض إذا رضي العدل (^٤).
فإن ضاع الرهن:
قال ابن القاسم: إذا كان تحت يد الأول سقط ضمان الفضلة عنه التي رهنها بعده (^٥)، ويرجع الثاني بدينه على صاحبه، كان تحت يد الأول أو عَدْلٍ (^٦).
قال ابن يونس: إنما يصح عدم الضمان إذا أحضر الثوب وقت ارتهان الثاني، أو عَلِمَ بالبينة وجوده، وإلا ضمِنَ الجميع؛ لأنه قد يكون تلف قبل ذلك، ووجب عليه ضمانه، وقاله بعض أصحابنا (^٧).
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١٠/ ١٧٨)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٧١٧)، و«الجامع» (١٢/ ٥٧٨).
(٢) بنصه عن مالك في «التبصرة» (١٠/ ٥٧١٧).
(٣) «النوادر» (١٠/ ١٧٩)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٧١٧).
(٤) بنصه عنه في «التبصرة» (١٠/ ٥٧١٧).
(٥) بنحوه عنه في «التبصرة» (١٠/ ٥٧١٨).
(٦) نقله عنه ابن يونس في «الجامع» (١٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩).
(٧) «الجامع» (١٢/ ٥٧٩).
[ ٦ / ١١٨ ]
وقال أشهب: يضمن الرهن كله إذا كان يُغاب عليه (^١)؛ لأنه رُهِنَ له أولا، وإنما لهذا فضله إن كان قائما.
* * *
* ص: (من ارتهن فضل رهن بإذن مرتهنه، ثم حلَّ الحقان جميعا؛ بيع الرهن، وبدئ بالأول، والباقي لمرتهن الفضلة).
لأن حق الأول وجب في الرهن قبل الثاني، والثاني على ذلك دخل: إن فضَلَ شيء أَخَذَه، وإلا فلا شيء له.
ولو رهن رهنا، ثم رهَنَ نصفه من آخر بإذن الأول؛ فلكل واحد نصف ثمنه.
لدخول الأول على التشطير، كان دينه أكثر أو أقل، بخلاف المسألة الأولى إنما دخلا على الفضلة التي قد لا تكون.
(ومن شرط الرهن اتصال حيازته وقبضه.
فإن ردَّه إلى ربه بعارية أو غيرها بطل رهنه، وإن استأجر دارا ثم ارتهنها ثم آجرها من ربها بطل رهنه).
* ت: صفة الحوز أن يرفع الراهن يده، ويجعل يد المرتهن أو يدَ عَدْلٍ عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فجعل من صفاتها القبض، وهو ارتفاع يد الراهن ووضع يد المرتهن، بأي أنواع التصرف كان.
ولا بد من الشهادة على معاينة القبض، ولا يكفي الإقرار؛ لأنه يتهم أن يكون ينتفع به، ويُشهد على الإقرار.
_________________
(١) «التبصرة» (١٠/ ٥٧١٨).
[ ٦ / ١١٩ ]
ولأنه إقرار على الغرماء إذا قاموا، ولا يُعتبر الإقرار إلا على المقر لا على غيره.
واستدامة الرهن تشترط خلافًا للشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فلازم بين الوصفين، فلا يفترقان، فمتى ردَّه بإجارة أو عارية أو أشباه ذلك، وقام الغرماء قبل قبض المرتهن له؛ كان أُسوَةَ الغرماء.
قال مالك: إذا حبَّسَ الحبس سنين، ثم سكنه بكراء أو غيره؛ فلا يبطل حبسه، وكذلك الصدقة، ولو كان رهنا لبطل (^١).
والفرق: أنَّ الرهن بعد الحوز على ملك الراهن، والصدقة والحبس انتقل الملك فيهما، فإذا حِيزًا لا تهمة بعد ذلك في العود، كما لو رجعت بشراء، وليس في الرهن إلا الحوز، وقد بطل.
وقال ابن القاسم: إذا قام المرتهن بِرَدَّه قُضِي له به، إلا أن يفوت بحبس، أو عتق، أو تدبير، أو بيع، أو إجارة، أو قيام الغرماء (^٢).
يريد: إذا قام بعد انقضاء الإجارة، أما قبل وقال: جهلتُ أنه يَنقُضُ الرهن، وأشبه ما قال؛ حُلف ورَدَّه، ما لم تقم الغرماء.
قال مالك وابن القاسم: إذا أعاره إياه ليس له الردُّ، إلا أن يعيره على ذلك.
فإن أعاره على ذلك فلم يردَّه حتى قامت الغرماء على الراهن، أو مات؛ فهو أُسوة الغرماء (^٣).
_________________
(١) بنحوه عن مالك في «النوادر» (١٠/ ١٦٤).
(٢) «النوادر» (١٠/ ١٦٢).
(٣) انظر: «النوادر» (١٠/ ١٦٢).
[ ٦ / ١٢٠ ]
وقال أشهب: العارية والإجارة سواء، يُرَدَّان ما لم تقم الغرماء أو يُحدِث بيعا أو تدبيرا أو تحبيسا (^١).
قال ابن القاسم: إن أكرى الدار من رجل بإذن الراهن، ثم أكراها المكتري من الراهن؛ فإن كان من ناحية الراهن لَزِمَ الكراء وفسد الرهن، أو أجنبيا صح ولا يَفْسُدُ الرهن (^٢)؛ لأنه مغلوب على الرد، كالعبد إذا أبق بعد أن حيز فأخذه الراهن.
* * *
* ص: (وإن رهنه بدون ما يسوى، فتلِفَ في يده؛ ضمن القيمة كلها، ورد على الراهن الفضل، [وإن كانت القيمة] (^٣) أقل؛ رجع عليه بتمام حقه).
* ت: يضمن ما يُغاب عليه، فإن قامت البينة أسقط ابن القاسم الضمان؛ لأن سبب الضمان التهمة، وقد انتفت بالبينة، كما أنَّ العرف لما شهد في العقار والحيوان لم يُضمنا.
وضمنه أشهب مع البينة؛ لقوله ﵇ لصفوان بن أمية لما استعار منه السلاح، فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: «بل عارية مؤداة» (^٤)، أي: لا بُدَّ من أدائها.
ولا يكون الرهن بما فيه، بل يُضمن ويتقاصان.
وقوله ﵇: «الرهن بما فيه» (^٥) محمول على ما يُغاب عليه إذا لم تُعلم قيمته
_________________
(١) «النوادر» (١٠/ ١٦٢)، «التبصرة» (١٠/ ٥٧٢٢).
(٢) بتمامه عنه في «النوادر» (١٠/ ١٦٦).
(٣) كذا في (ز)، وفي (ق، ت) بدلها: (أو).
(٤) سبق تخريجه، انظر: (٦/ ١٠٧).
(٥) أخرجه البيهقي في «الكبرى» رقم (١١٠٠٥).
[ ٦ / ١٢١ ]
ولا صفته، فلا طلبة لأحدهما على الآخر.
قال أصبغ: إن جَهِلَ المُرْتَهنُ صفته، ووصفه الراهن؛ حُلِّفَ، فإن نكَلَ بطَلَ حقه، وكان الرهن بما فيه (^١).
أما إذا جُهِلَ مطلقا، فاحتمل أن يكون أعظم من الدَّين أو أقل أو مثله، والمثل الوسط؛ فيُحمل عليه، كما إذا قال: عندي من خمسين إلى ستين، يُحكم بخمسة وخمسين، ويُقسم المشكوك بينهما، ولأنَّ الأصل براءة الذمة، فلا تُعمَّر بالشك.
وإذا ضَمَّنَا المرتهن القيمة؛ فيوم ضاع لا يوم ارتهنه عند ابن القاسم؛ لأنَّ التلف سبب الضمان، فلا يُعتبر ما قبله.
وقيل: يوم ارتهنه؛ لأنَّ سبب الضمان التهمة، وهي من يوم القبض.
ولأنه قبض لمنفعة نفسه، [كالقرض] (^٢).
* * *
* ص: (إذا أخرج لك رهنك، فقلت: ليس هذا رهني؛ صُدِّقَ مع يمينه).
لأنك تدعي عليه الضمان.
فإن ادعى رَدَّه لم يُقبل قوله.
ت: يُصدَّق الراهن، إلا أن يقبض ببينة، فلا يُصدق في أنه [عين] (^٣)
_________________
(١) بنصه عنه في «النوادر» (١٠/ ١٨٨).
(٢) في (ت): (كالقراض).
(٣) كذا في (ت)، وفي (ق ز): (غير)، والمثبت يوافق لفظ «التذكرة» (٩/ ٩٣) والسياق.
[ ٦ / ١٢٢ ]
الرهن، ولا يصدَّق في التلف؛ لأنه ضامنٌ له، ولا في الرد إلا ببينة؛ لأنه ضامنٌ ليس بأمين.
* * *
* ص: (إن أقرَّ بسلعة في يده لرجل وادَّعى أنها رهن؛ لم يُصدَّق إلا ببينة).
* ت: لأنَّ الأصل عدم تعلق توثقة بها.
فإن تصادقا على الرهن، واختلفا في القضاء، والرهن بيد المرتهن؛ صُدِّق، أو بيد الراهن وطالَ؛ صُدِّق، فإن قَرُبَ القبض فأيُّهما يصدق؟
قولان.
قال اللخمي: وتصديق الراهن أصوب؛ لأنه شأن تسلُّمه له، إلا أن تكون عادتهم التسليم قبل القبض (^١).
* * *
* ص: (إن تلف واختلفا في تلفه وصفته وقيمته؛ صُدِّق المرتهن مع يمينه، فإذا حلف على تلفه وصفته قومه أهل البصيرة به، فإن جهل صفته حلف على قيمته).
لأنه الغارم.
فإن جهل قيمته حلف الراهن على صفته إن عرفها، أو قيمته إن جهل صفته.
* ت: يحلف المرتهن؛ لأنه قبض لمنفعة نفسه، ليكون أولى به في الموت والفَلَسِ من الغرماء، لا لمنفعة الراهن، بخلاف المودع، قبض لحق غيره، ولا
_________________
(١) «التبصرة» (١٠/ ٥٧١٤).
[ ٦ / ١٢٣ ]
هو كالغاصب يضمن وإن ثبت عدم إتلافه للمغصوب.
لقوله ﵇: «الرهن ممن رهنَهُ، له غُنمُهُ، وعليه غُرمُهُ» (^١)؛ لأنه ليس متعديا بالقبض.
والرهن والعارية عند مالك سواء.
واختلف هل عليه يمين؟
قال بعض القرويين: يُحلف، كان متهما أم لا.
وقال ابن يونس: أحَبُّ إلينا تحليف المتهم: لقد ضاع، وما فرطت فيه.
زاد ابن مزين ولا أعلم له موضعًا منذ ضاع.
وقال العتبي: لا يمين عليه؛ لأنه يضمن، فكيف يُحلّف ويضمن؟! إلا أن يقول الراهن (^٢): أخبرني ثقة بكذبه، وأن الرهن عنده.
والذي هو غير متهم يُحلّف: ما فرطتُ ولا ضيعتُ، ولا يُحلّف على الضياع، وهو مصدق، ونقل عياض أنه يُحلّف على الضياع.
قال أشهب: يُحلَّف على الصفة إذا اختلفا فيها، إلا أن يتبين كذبه (^٣).
ومتى ادعى أحدهما ما يكذبه العرف لم يلتفت لدعواه.
* * *
* ص: (إن ارتهن رهنا فتلِفَ، واتفقا على قيمته، واختلفا في قدر الحق الذي رهن فيه؛ صدق المرتهن في قدر قيمة الرهن، وحلف على ما ادعاه كله،
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٠٦).
(٢) في (ز): (الآخر).
(٣) «النوادر» (١٠/ ٢٣٢).
[ ٦ / ١٢٤ ]
وحكم له بقدر قيمة رهنه، وحلف الراهن على الفضل وبرئ.
فإن نكل غَرِمَ الفضل بنكوله ويمين خصمه، وكذلك لو كان الرهن قائما بحاله واختلفا في قدر ما رهن به).
* ت: لما كانت العادة أنَّ الرهن يقارب الدين، وهو وثيقة بالدين، فصار شاهدًا؛ لأن الشهادة وثيقة أيضًا، فصدق مدعي مقدار [قيمته] (^١)، كالشاهد واليمين.
ويحلف الراهن على نفي الزائد إن شاء؛ لأن الأصل البراءة منه.
وقال بعض القرويين: يحلف المرتهن على قيمة الرهن بكماله، كما لو ادعى عشرين، وشهد شاهد بخمسة عشر، فإنما يحلف مع شاهده.
قال عياض: وقول مالك أصح؛ لأنَّ الرهن متعلق بجميع الدين، والشاهد لا تعلق له بشيء منه إلا بما شهد به.
وخيره ابن المواز بين الحلف على جميع دعواه أو قيمة الرهن.
قال مالك: إذا اختلفا في مبلغ الدين فالرهن كشاهد للمرتهن إذا قبضه.
فإن كانت قيمته يوم الحكم والتداعي لا يوم التراهن مثل دعوى المرتهن فأكثر؛ صدق مع يمينه، لأنه إنما يُباع له ويستحقه يوم الحكم، فهو وقتُ الشهادة، لا يوم الرهن.
ويُنظر له يوم الحكم إذا كان قائمًا، كان يُغاب عليه أم لا، على يد المرتهن
_________________
(١) كذا في (ت ز)، وفي (ق): (قيمة الرهن).
[ ٦ / ١٢٥ ]
أو عدلٍ؛ لأنه حينئذ كشاهد أدى شهادته حينئذ، أما إن ضاع صَدَق في قيمته يوم قبضه؛ لأنه كشاهد شهد ثم ذهب، فإنما يُنظر لشهادته حين شهد، ولما كانت عادة الناس لا يرهنون إلا المقارب فقد صدقه العرف، فقوي سبَّه، فحلف.
* * *
* ص: (لا يبيع المرتهن الرهن إلا بإذن راهنه، فإن باعه بغير إذنه؛ لم يُجز بيعه).
* ت: لأنه لم يوكَّل في بيعه، فهو مُتعدّ، فلربه ردُّه ويدفع ما عليه لمشتريه إن حَلَّ الأجل، وإن لم يَحِلَّ خُيّر في إجازة البيع وقبض الثمن، ولا يردُّه للمرتهن، ويجعله بيد عَدْلٍ إلى الأجَل؛ لتعلقِ حق [الرهن] (^١) به، إلا أن يأتي برهن مثله، وله قبض الثمن، ويوقف الرهن له.
قال أشهب: إن فات غَرِمَ المرتهن الأكثر من الثمن أو قيمته يوم البيع، يأخذ ذلك الراهن، ولا يحبس منه المرتهن شيئًا إن لم يَحِلَّ الأجل؛ لأنه فسَخَ الرهن بالبيع (^٢).
وابن القاسم يرى في مثل هذا إيقاف الثمن.
* * *
* ص: (فإن وكله في بيعه في حقه جاز بيعه في اليسير كالقَضْب ونحوه مما لا يبقى، أو ينقص ببقائه، ويُكره في الربع وما تكثر قيمته أن يبيعه إلا بإذن الحاكم إذا غاب ربه.
وقال أشهب: لا بأس ببيع الربع وغيره)
_________________
(١) كذا في (ز ت)، وفي (ق): (المرتهن).
(٢) قول أشهب في «النوادر» (١٠/ ٢١٥).
[ ٦ / ١٢٦ ]
* ت: له بيعه بالتوكيل، خلافًا للشافعي.
لنا: القياس على توكيل الأجنبي، وكُره فيما يبقى لأنه قد يستعجل في البيع - لحقه - فيرفعه للسلطان، وما لا يبقى يُخشى هلاكه، فيعذر فيه، ولا يوصل للسلطان في كل وقت.
قال الأبهري: ما ليس بطونًا كالثمار، ولم يخَفْ فساده؛ لا ينبغي بيعه بغير أمر السلطان؛ لأنه يتهم في التقصير والمحاباة، ومتى باع بغير أمر الحاكم نفذ؛ لأن الراهن سلطه عليه بالتوكيل، وتنتفي الكراهة في البيع في موضع ليس فيه حاكم إذا أصاب وجه البيع.
واستحبَّ مالك توكيل غير المرتهن.
وقال أشهب: لا بأس ببيع الربع وغيره؛ لأنه وكله، كالأجنبي (^١).
* ص: (إذا وكل وكيلا على بيع رهن، ودفع الحقَّ لربه؛ فليس له إخراجه من الوكالة إلا برضا المرتهن).
* ت: لأنها وكالة تعلق بها حق المرتهن.
وقال القاضي إسماعيل والشافعي: له عزله، كسائر الوكالات.
* * *
* ص: (وإن كان له حقان؛ أحدهما برهن، والآخر بغير رهن، فقضاه أحد الحقين، وادعى أنه الذي بالرهن، وأنكر ذلك المرتهن؛ تحالفا، وقسم ما
_________________
(١) ذكره عنه الباجي في «المنتقى» (٧/ ٢٧١).
[ ٦ / ١٢٧ ]
قضاه بين الحقين على قدرهما).
* ت: لاستواء دعاويهما، كما لو تداعيا شيئًا في أيديهما فإنه يُقسم بينهما بعد أيمانهما.
قال ابن يونس: هذا إن ادعيا البيان عند القضاء.
وقال أشهب: القول قول المقتضي؛ لأنه مؤتمن مدعى عليه، فإن نكل أحدهما، قدم الحالف.
قال اللخمي: هذا إذا حلَّت المئتان، وإلا صدق من ادعى أنه من الحال، وإن لم يَحِلَّا وأجلهما سواء أو متقارب حلفا وقسماه.
والقياس: أن يكون القول قول الدافع؛ لأنه متطوع بالتعجيل، ويقول: تبرعتُ لأخُذَ الرهن، وإن تباين الأجلان صدّق مدعي الأقرب مع يمينه (^١)، كالحال مع المؤجل.
وكذلك قال ابن المواز: يُصدَّق مدعي الدفع عن الحال دون المؤجل - كان القابض أو الدافع - مع يمينه.
قال مالك: إن قال أحدهما: قد بيّنتُ لك، وقال الآخر: شرطتُ عليك أنها لكذا، قسم بينهما.
قال ابن المواز: بعد أيمانهما إن نكلا جميعًا أو حلفًا، فإن نكل أحدهما؛ قدم الحالف.
_________________
(١) «التبصرة» (١٠/ ٥٧١٤).
[ ٦ / ١٢٨ ]
* ص: (إذا قضى بعضُ الحقِّ فليس له أخذه ولا شيئًا منه إلا بعد قضاء الحق كله).
ت: لأنَّ العادة أنَّ الرَّهن بالدَّين وأجزائه، وقياسًا على الموت، فإنَّ التركة محبوسة بجميع الدين حتى يوفَّى كله، فإن كان بدينين قضى أحدهما.
حكى ابن شعبان: يُخرَّج من الرَّهن بقدره (^١).
ومنعه ابن المواز.
قال اللخمي: الأول أحسن، إلا أن تكون عادتهم خلافه (^٢).
* * *
* ص: (إن رهن من آخَرَ فضلة الرَّهن بإذن الأول، فحَلَّ الثاني قبل الأول وهو مما يُقسم قسم بينهما، فبيع للثاني نصيبه، وأمسك الأول نصيبه حتى يحل أجله، أو مما لا ينقسم بيع كله وقُضِي المرتهنان حقهما).
* ت: وبُدئ الأول حتى يستوفي لأنَّ الثاني على ذلك دخل إذا كان لا ينقسم، وما ينقسم يُقسم إن كان فيه فضل عن دين الأول؛ لأنَّ هذه حقيقة الفضلة، وقد دخل الأول على القسمة؛ لعلمه بأنَّ الثاني يحل قبله.
قال ابن القاسم في «العتبية»: إن حَلَّ الثاني أولًا ولا فضل فيه؛ لم يبع إلا عند أجل الأول، أو فيه فضل بيع الآن وعُجِّل للأول حقه، وأخذ الثاني الفضل، وإن حل الأول بيع وأُعطي الأول (^٣).
_________________
(١) حكاه عنه ابن شعبان في «التبصرة» (١٠/ ٥٧٠٤).
(٢) «التبصرة» (١٠/ ٥٧٠٤).
(٣) انظر: «البيان والتحصيل» (١١/ ٦٨)، و«النوادر» (١٠/ ٢١٩).
[ ٦ / ١٢٩ ]
وهل يُعجل للثاني أو يُطبع عليه ويبقى رهنا حتى يحل دينه؟ خلاف، وإن حَلَّا جميعًا بدئ بالأول، وللثاني الفضل.
* * *
* ص: (إن باعه الراهن بغير إذن المرتهن لم يجز بيعه، أو بإذنه جاز، وقضى حقه بعد أن يحلف أنه ما أذِنَ له في بيعه إلا ليستوفي حقه).
* ت: امتنع البيع لإبطاله التوثقة، هذا إذا باعه وهو في يد المرتهن، فإن سلمه خرج من الرهن.
وقال بعض الفقهاء: لو لم يسلمه لحلف أيضًا، وأُوقف الثمنُ إذا قال: إنما أذنتُ له ليُحيي الرهن.
* * *
* ص: (إذا رهن نصيبه من الدار لم يكن له أن يستأجر نصيب شريكه لأنه يؤدي لبطلان رهنه ببطلان الحوز، إلا أن يقاسمه حتى يحوز المرتهن الرهن).
* ت: فإن اكترى من غير قسمةٍ وسكَنَ؛ بطل الحوز إن لم يقم المرتهن بقبض حصة الراهن بالمقاسمة حتى ينتفي الشياع وعموم التصرف.
قال مالك: ولا يُمنع الشريك أن يُكري نصيبه ممن شاء (^١)، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) انظر: «المدونة» (٩/ ٢٤٤).
[ ٦ / ١٣٠ ]