الصدقة لازمة بالقول، وتمامها بالقبض.
ت: يلزمه أن يعطِي الصدقة إذا طالبه بها، ويُجبر على ذلك، وإنما القبض شرطٌ في تمامها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تنعقد إلا بالقبض، ولا يلزمه التسليم.
لنا: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وقوله ﵇: «الراجع في صدقته كالكلب يرجع في قيئه» (^١)، والقيء حرام، ولم يفرق بين قبل القبض ولا بعده.
ولأنها عقد، فلا يفتقر انعقاده للقبض، كالوصية وسائر العقود؛ لأنَّ القبض إنما يُعتبَر في غير صورة النزاع إذا تقدمه عقد يلزم، فلو لم يكن العقد [يلزم] (^٢) لما أفاد العقد شيئًا.
ص: (إن تصدق وهو صحيح ثم مات قبل إخراجها بطلت؛ لأنَّ القبض شرط، أو مريضًا جازت من ثُلُثِه، وإن مات المتصدق عليه فورثته مقامه).
ت: إذا تصدق صحيحًا امتنع القبض في المرض؛ لتعلقِ حق الوارث؛
_________________
(١) أخرجه بنحوه من حديث ابن عباس: البخاري في صحيحه رقم (٦٩٧٥)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤١٧٦).
(٢) في (ت): (ملزما).
[ ٦ / ٢٦٩ ]
لأنَّ الصديق الله نحل ابنته عائشة اجداد عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال لها: كنتُ نحلتُكِ جِداد عشرين وسقا، فلو كنتِ حُزتيه لكان لك، وإنما هو الآن مال وارث (^١)، فإذا انقطع حقها بالمرض فبالموت أولى.
ولأن ذلك طريق إلى أن ينتفع بماله حياته، ثم يخرجه عن الوارث عند الموت بحُجَّةِ الهبة أو الصدقة أو الحبس، فلا يفيد الحجر عليه شيئًا.
فإن كان المرض بقرب الصدقة هل يؤثر؟
قال مالك: إن لم يفرط في القبض؛ كانت من رأس المال (^٢)، وإلا لم تخرج من رأس المال.
قال ابن القاسم: ولا من الثلث (^٣).
قال اللخمي: قال مالك: إن أعتق نصيبه من عبد يقوم عليه في المرض قوم في ثلثه، فعلى هذا تخرج الصدقة من ثلثه.
واختلف إذا لم [يقم] (^٤) عليه حتى مات بفور الصدقة:
قيل: تسقط.
وقيل: تصح من رأس المال.
فإن فرط حتى مات لم يُخرج من رأس مال ولا ثُلُثِ (^٥)؛ لأنها سبَقَ فيها
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٥٩).
(٢) بنصه عنه في «التبصرة» (٦/ ٣٤٧٠).
(٣) بنصه عنه في «التبصرة» (٦/ ٣٤٧٠).
(٤) في (ز): (تقسم)، والمثبت موافق لعبارة «التبصرة» (٦/ ٣٤٧٠).
(٥) ما سلف بتمامه في «التبصرة» (٦/ ٣٤٧٠).
[ ٦ / ٢٧٠ ]
حوز الورثة قبل حوز المتصدق عليه، كمن تصدق بصدقةٍ، ثم تصدق بها لآخَرَ، فقبضها فهو أحق بها.
وإن تصدق وهو مريض نفذت من ثلثه؛ لأنها [تصرف] (^١) في المرض كالوصية، والوصية لا تحتاج للحوز، ولو حِيزَ في المرض كان للورثة إيقافه، ليموت فيكون من الثلث، أو يصح فيكون من رأس المال.
ويُنقل الحق للورثة للمتصدق عليه، مات قبل موت المتصدّق أو بعده؛ لأنها لزمت، ولو كانت أموال المتصدق مأمونةً كان للمتصدق عليه أن يتعجلها على أحد القولين.
ولو مات الموصى له قبل موت الموصي؛ فلا شيء لورثته، علم الموصي بموته أم لا، وحاص بها ورثة الموصي أهل الوصايا في ضيق الثلث.
أو بعد موت الموصي؛ فلورثة الموصى له، علم بها أم لا؛ لتقررها بموت الموصي، ولا يملك وصيته إلا بعد موته، وله الرجوع عنها، وهو الفرق بينها وبين الصدقة.
ص: (إن تصدق على ولد له صغير؛ فحيازته له جائزة إذا أشهد عليها، وميزها بتصرفه لولده).
ت: لتثبت الصدقة بغير قول الأب؛ لئلا يتهم في الوصية لوارث، وكذلك إذا كان الابن كبيرًا سفيها؛ لأنه يتولى مصالحه، ومنها القبض.
هذا إذا كانت يمكن تعيينها، كالعَرْض والحيوان، وما لا يمكن تعيينه
_________________
(١) في (ز): (تصدُّقٌ).
[ ٦ / ٢٧١ ]
- كالمثليات - قال مالك: لا يصح قبض الأب لها؛ لأنها لا تتميز عند أداء الشهادة عليها، ويُقبضُها لأجنبي غيره فيجوز (^١).
قال الأبهري: إن ختَمَ عليها الأب وأشهد جاز؛ لأنها تتميز حينئذ بالختم.
وقال ابن المواز: إن أشهد على طابعه وبقيت بيده حتى مات؛ لم يَجُز (^٢).
ص: (لا رجعة في الصدقة ولا ثواب، ويُكره له شراؤها واستيهابها، وإن مات المتصدق عليه، [فورثها المتصدّق] (^٣)؛ جاز له ملكها والتصرف فيها) (^٤).
ت: لأنها خرجت عن ملكه، فلا يستحق لها ثوابًا، بل ثواب الآخرة.
فإن كان المتصدق وارثَ المتصدق عليه جاز له تملكها؛ لأنه لا يقدر على دفع الميراث، وهذا بخلاف الشراء والهبة؛ لأنه قادر على أن لا يشتري وأن لا يقبل الهبة.
وفي «مسلم»: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال لها رسول الله ﷺ: «وجب أجرُكِ، ورَدَّها عليكِ الميراث» (^٥).
ولأن الموهوب له والمتصدق عليه يستحيي منه فيترك له بعض الثمن،
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١٢/ ١٦٣)، و«التبصرة» (٧/ ٣٥١٣).
(٢) «النوادر» (١٢/ ١٦٢)، و«التبصرة» (٧/ ٣٥١٣).
(٣) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٩/ ٤١٦).
(٤) العبارة في (ت): (وإن مات المتصدق عليه فوارثه مقامه).
(٥) أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٢٦٩٧).
[ ٦ / ٢٧٢ ]
فيكون رجوعًا فيها بذلك القدر، وقد قال ﷺ: «العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» (^١).
وإن ابتاع الصدقة فسخ بيعه.
قال ابن شعبان: لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
ص: (إن تصدق على ولده بدنانير أو دراهم مقدرة غير معينة، وأشهد له بذلك؛ فصدقته باطلة، وإن تصدق عليه بجزء مُشاعِ من دارٍ أو أرض، وأشهد على ذلك؛ ففي جوازها وبطلانها روايتان، وكذلك الهبة).
ت: قال مالك: لا يجوز التصدقُ بالدنانير والدراهم، إلا أن يضعها على دِ غيره (^٢)؛ لأنها لا تتعين.
قال ابن المواز: إن طَبَعَ عليها وأشهَد على طابعه، وبقيت في يده حتى مات؛ بطلت (^٣).
وقال مالك: يجوز إذا أشهد وكتب عليها، ختم أم لا، والختم أحسن (^٤).
وجه الأول: أنَّ الختم قد لا يُقصد به الحوز للصغير، بل يَرصُدُها له لمنفعة نفسه حياته، ويزويه عن ورثته، ويقول: إن احتجت إليه أخذتُه، بخلاف حوز العقار؛ فإنَّ مقصوده المنفعةُ والغلة، وقد صرَفَها للولد، فكان ذلك حوزا،
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٦٩).
(٢) «النوادر» (١٢/ ١٦٣)، و«التبصرة» (٧/ ٣٥١٣).
(٣) «النوادر» (١٢/ ١٦٣).
(٤) «التبصرة» (٧/ ٣٥١٣).
[ ٦ / ٢٧٣ ]
والنقدان لا غلَّةَ لهما.
وجه القول الثاني: أنَّ الختم يوجب التميُّز فيكون ذلك حوزًا.
قال اللخمي: هذا ما دامت عينًا، فإن اشترى بها عقارًا أو تجارةً وأشهد عليها جازت للولد، وسقط حكم العين (^١).
فإن لم يعين الدراهم أو الدنانير بطلت الصدقة وإن أشهد على مقدار ما تصدق به؛ لأنه قد يدعي هلاكها فلا تُمكن الشهادة عليها.
قال شيخنا: هذا إذا مرض الأب أو فلس، وإلا جبر على الإخراج؛ لامتناع الاعتصار في الصدقة.
وجه الجواز في الجزء المشاع من عقار أو عبد يملك جميعه: أنَّ الحوز متصور فيه بالإشهاد، وصرف الغلات للولد، والمحاكمات عند القضاة.
وجه البطلان: أنَّ المُشاع يقع تصرُّف الأب في حصة ولده لأجل الشياع، فما زالت الهبة تحت يده حتى مات، فتبطل، كقول مالك: إذا باع نصف عبده فاستُحِقَّ رُبعه؛ جرى الاستحقاق فيما بيع وما لم يبع؛ لأنَّ المبيع مشاع، وهذا كله إذا لم يُخرج الجزء من يده، فإن أخرجه جاز.
ص: (إن وهب شيئًا لزمه دفعه للموهوب له إذا طالبه، فإن أبى حكم عليه إذا أقر أو قامت بيّنة، فإن أنكر الهبة حلف وبرئ، فإن نكل حلف الموهوب له وأخذها، وإن مات قبل دفعها للموهوب له فلا شيء له إذا أمكنه أخذها وفرط،
_________________
(١) «التبصرة» (٧/ ٣٥١٣).
[ ٦ / ٢٧٤ ]
وإن مات الموهوبُ له قبل قبضها قام ورثته مقامه في مطالبة الواهب).
ت: يُقضى بالهبة وهي لازمة إلا للأبوين؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وفي النسائي: قال رسول الله ﷺ: «لا يَحِلُّ لرجل أن يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده» (^١)، وأُلحقت الأم قياسًا عليه.
ولأنه عقد، فيلزم بالقول، كسائر العقود.
والهبة إما معينة نحو: هذا العبد، أو غير معيَّنة، كهبة ما على زيد من الدين لعمرو.
والظاهر من المذهب في القسم الأول لا يمين على المدعى عليه؛ لأنها في الحقوق اللازمة لا تجب لمجرد الدعوى حتى ينضاف إليها مقو، فكيف الهبة؟! لضعفها؛ للخلاف في لزومها.
وفي «الجلاب»: عليه اليمين؛ لأنه مدعى عليه، وما في الذمة فالظاهر لا يُحكم له إلا بعد أن يحلف ربُّ الدين أنه ما وهبه للمديان، فإن ادعى الغريم ما يُبرِئ ذمته لم يُحكم له إلا بعد يمينه على إبطال تلك الدعوى، كما لو ادعى القضاء.
قال الباجي: وفيها قسم ثالث: إن كانت الهبة في يد الواهب فلا يمين، أو بيد الموهوب لم ينزعها الواهب إلا بعد يمينه؛ لأنَّ مَنْ استحَقَّ عَرْضًا بيد رجلٍ، وزعم أنه اشتراه منه فلا بُدَّ أن يحلف أنه ما باع ولا وهب (^٢).
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عمر، وابن عباس: الترمذي في «سننه» رقم (٢٢٦٦).
(٢) «المنتقى» (٥/¬٨ - ٦).
[ ٦ / ٢٧٥ ]
قال شيخنا: تتخرَّج المسألة على اشتراط الخلطة في اليمين.
فإن قلنا: تجب اليمين بمجرد الدعوى فلا إشكال.
وإن قلنا: لا بد من الخلطة فلا يمين، إلا أن يريد ابن الجلاب بقوله: حلف وبرئ، إذا ثبتت بينهما الخلطة، أو يقول: الخلطة شرط فيما يتعلق بالذمم دون المعيَّنات، وذكره عبد الحق في «النكت» عن جماعة من القرويين (^١).
وإن قلنا: لا تشترط الخلطة حلف بمجرد الدعوى.
وموت الواهب - إذا أمكن القبض وفرط الموهوب - يُبطلها؛ لحديث الصدّيق المتقدم، وقاله عمر ووعثمان ﵄.
ص: (لا رجوع لواهب في هِبَتِه، إلا الوالدين فلهما الرجوع، ما لم يتداين الولد، أو يتزوج، أو تتغير الهبة عنده، وإن باعها لم يكن للوالدين إلى الثمن سبيل) ..
ت: لما في النسائي: قال رسول الله ﷺ: «لا يحِلُّ لرجل يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده» (^٢).
قال مالك: بخلاف الصدقة لا يرتجعها الوالد؛ ولأنَّ للأب شُبهة في مال ابنه، ففارق الأجنبي، وقياسًا على الهبة من السيد للعبد.
قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أنه إذا داينه الناس لأجل الهبة، أو
_________________
(١) انظر: «النكت والفروق» (٢/ ١٥٥).
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر وابن عباس: أحمد في «مسنده» رقم (٢١١٩)، والنسائي في «سننه» رقم (٣٦٩٠)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٥٣٩).
[ ٦ / ٢٧٦ ]
يُزوَّج، أو تتزوَّج الابنة ويُزاد في صداقها لأجل الهبة، أو يموت، أو تتغير الهبة بوجه مؤثر فيها فيمتنع الرجوع حينئذ، بخلاف حوالة الأسواق؛ لأن حوالة الأسواق رغبات الناس، ورغبات الناس في الناس لا في الهبة، امتنع الرجوع حينئذ.
وللأم الاعتصار قياسًا على الأب (^١)؛ لأنَّ لها شُبهة في ماله، إلا ابنها اليتيم؛ لأنَّ الهبة له صدقة، والصدقة لا تُعتصر؛ لأنه ظاهر الحال.
وروى أشهب عن مالك: لها الاعتصار إذا كان غنيًّا (^٢).
ولهما اعتصار العُمرَى والنُّحلِ والحَبس إن كان معناه الهبة، كسكنى الشهرين، بخلاف الصدقة.
وروى ابن القاسم أنَّ الجد والجدة لا يعتصران (^٣)؛ لأنَّ النص إنما ورد في الأب.
وعنه: يعتصران؛ لوقوع اسم الأب عليهما (^٤).
ووطءُ الابن الجاريةَ فَوتُ، وغرس الأرضِ فَوتُ، وبناء الدار، إلا أن يعتصِرَ العَرْصَةَ وحدها، وصياغة الدنانير حُلِيًّا فَوتٌ.
ومرض الأب أو الابن يمنع الاعتصار؛ لأنَّ الأب إذا مرض صار تبرُّعًا لغيره، وغيره ليس أبا، وإذا مرض الابن تعلق حق ورثته بماله، كما إذا تعلق حق الغرماء.
_________________
(١) «النوادر» (١٢/ ١٩٢).
(٢) «النوادر» (١٢/ ١٩٢).
(٣) بنصه عنه في «التبصرة» (٧/ ٣٥٢٥)، وانظر: «النوادر» (١٢/ ١٩٢).
(٤) «النوادر» (١٢/ ١٩٢).
[ ٦ / ٢٧٧ ]
وعن مالكٍ: يعتصر وإن مرض.
قال ابن الموَّاز: إذا دايَنَهُ الناس لأجلها امتنع الاعتصار (^١)، وإن كانت يسيرةً لم يداين لأجلها، أو الابن غنيًّا؛ فله الاعتصار.
قال اللخمي: له الاعتصار إذا استدان وعنده وفاء بدينه؛ لأنَّ الولد لو وَهَب تلك الهبة لم يكن للغريم مقال، وإنما يُمنع الاعتصار إذا تعلق للغريم بها حق، وكذلك إذا لم يتزوج الابن لتلك الهبة - لأنه بين اليسار ــ فله الاعتصار، إلا أن تكون كثيرةً تزوّج لأجلها (^٢)، وكذلك البنت؛ لتعلق حق الأزواج والزوجات بالهبة.
وامتنع الاعتصار إذا مرض أحدُهما (^٣)؛ لتعلق حق الورثة حينئذ، كما تتعلق حقوق الغرماء، ولأن الأب إذا مرض يعتصر لغيره.
وعن مالك له أن يعتصر إذا مرض (^٤).
ص: (إن وهب لولده دنانير أو مثليًّا، فخلطه الولد بمثله؛ امتنع الاعتصار، ولا يكون شريكا بقدرها).
ت: لأن اختلاطها يُتلِف عَينَها، وهو إنما له عين الهبة؛ [ولذلك] (^٥) إذا باع لا يأخذ الثمن.
_________________
(١) بنصه عنه في «التبصرة» (٧/ ٣٥٢٨).
(٢) بتمامه في «التبصرة» (٧/ ٣٥٢٨).
(٣) «التبصرة» (٧/ ٣٥٢٩)، وانظر: «النوادر» (١٢/ ١٨٩).
(٤) انظر: «التبصرة» (٧/ ٣٥٢٩).
(٥) في (ز): (وكذلك).
[ ٦ / ٢٧٨ ]
وإن صاغ الدنانير حُلِيًّا امتنع الاعتصار؛ لأنها حالت عن حالها.
ص: (الهبة للثواب والعِوَضِ جائزة).
ت: وُهِب لرسول الله ﷺ لَقَحَةٌ، وطلب صاحبها الثواب، فأثابه النبي صلى الله عليه وستم.
وقال عمر ﵁: من وهب هبةً يرى أنها للثواب فهو على هبته حتى يرضى منها (^١).
ولأن المقصود منها المكارمة والموادَّة، فجاز قبولها، كنكاح التفويض.
قال ابن القاسم: يجوز، أهبك هذا العبد على أن تثيبني.
ومنعه عبد الملك (^٢)، ورأى أن الشرط يرفع خيار الموهوب، فيصير بيعًا بثمن مجهول.
قال مالك في «المدوَّنة»: لا ثواب في هبة الدنانير والدراهم، وإن وهبها فقير لغني، إلا أن يشترطه فيُثاب عَرْضًا أو طعامًا (^٣)؛ لأنَّ ما يصح بيعه يصح ثوابًا.
وعن ابن القاسم: المنع [إن] (^٤) شَرَط الثواب، وهي هِبَةٌ مردودة؛ لأنها لا يصح أن يثاب عنها إلا من أصناف العروض، فيكون العَرْض يَثْبُتُ في الذمة غير
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٥١٤).
(٢) «النوادر» (١٢/ ٢٤٨).
(٣) «المدونة» (١٠/ ٣٤٤ - ٣٤٥).
(٤) في (ز): (وإن)، وساقطة من (ت)، والمثبت بلا واو ما يناسب السياق.
[ ٦ / ٢٧٩ ]
مؤجَّلٍ ولا موصوف، فهو سَلَمٌ فاسد.
ص: (إذا مات الواهب قبل القبض لم تبطل، ولا تحتاج هبة الثواب إلى حيازة).
ت: لأنها بيعٌ لا يُتَّهم أن ينتفع بماله حياته ويَزْوِيه عن ورثته بعد وفاته، وللموهوب قبضها ودفعُ العِوَض للوارث، وإن مات الموهوب فللوارث الإثابة وأخذها.
قال مالك: إذا ترك الواهب الثوابَ مدَّةً طويلةً، وكان الموهوب قد قبض الهبة، ثم قام الواهب يطلب الثواب؛ قال مالك: إن طال ذلك حتى يرى أنه كالتارك للثواب؛ فلا ثواب له (^١).
ص: (ومن وهب له هبة للثواب فهو مخيَّر بين إثابتها بقيمتها أو ردّها، فإن أثاب القيمة أجبر الواهب على قبولها، وإن ردها انفسخت، فإن فاتت عنده لزمته القيمة).
اختلف فيمن وهب له هبة للثواب: هل تلزمه بنفس القبول أم لا وهي بالخيار؟ والمشهور أنه بالخيار.
والقول الآخر: تلزمه.
استدل المشهور بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والهبة إكرام وتحية، هذا المشهور.
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١٢/ ١٣٢).
[ ٦ / ٢٨٠ ]
وقيل: تلزمه بالقَبول، ولا يكون له خِيارٌ، كالبيع.
وقال مطرِّف: لا يلزم الواهب قَبولُ الثواب وإن كثر، وله أن يرجع؛ لظاهر قول عمر لما قال: مَنْ وهَبَ هِبَةً يُرى أنه أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها (^١).
ولو أراد البيع لَباعَ في السوق، إلا أن تفوت بموت أو وطء وإن لم تحمل، فلا يفيتها زيادة سوق ولا نقصه، ولا زيادة بدن ولا نقصه.
ورأيُ المشهور قياسًا على نكاح التفويض يلزم فيه قبول العِوض إذا بذل، ولا قول في ذلك للزوجة ولا للولي.
قال مالك في «المدونة»: له منع الهبة حتى يقبض الثواب، كالبيع.
وقال ابن المواز: ليس له منعها؛ لأن مقتضى هبة الثواب الاستسلام وترك المشاحة.
قال مالك: الأمر المجمع عليه في هبة الثواب تتغير عند الموهوب بزيادة أو نقص أنه يلزمه قيمتها يوم قبضها (^٢)؛ لأنه كان في قبضها بالخيار.
وعنه: يوم الهبة (^٣)؛ لأنها لزمت بالقبول، وله أخذها بما زادت بعد العقد، فيكون عليه القيمة يوم العقد، كبيع الخيار.
وولادة الأمة فوتٌ، وزوالُ بياض عينها فوت لأنه نماء، والهدم والبناء
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٧٩).
(٢) «الموطأ» (ص ٥٧٣)، و«النوادر» (١٢/ ٢٣٩).
(٣) «النوادر» (١٢/ ٢٣٩).
[ ٦ / ٢٨١ ]
والغرسُ فَوتٌ.
ص: (إن وهب هِبَةً مطلقةً، وادَّعى أنها للثواب؛ حُمِل على العرف، إن كان مثله يطلب الثوابَ صُدَّق مع يمينه، وإن احتمل الأمرين صدق مع يمينه، وإن كان مثله لا يطلب الثواب على هِبَتِه فالقول قول الموهوب مع يمينه، والواهب لصلة رَحِمٍ أو للآخرة فليس له فيها ثواب).
ت: إن كان مِثلُه لا يطلب الثواب صدق الموهوب له مع يمينه، فالأحوال الثلاثة.
ويُصدق الواهب عند الإشكال؛ لأن الأصل عدم التبرع بالأموال.
فإن وهَبَ غني لفقير، أو فقير لفقير لا يُصَدَّق، إلا أن يشترط الثواب.
قال الباجي: يُراعَى في ذلك حالُ المعطي والمعطَى والهبة، كالدنانير والدراهم، فإنَّ جنسها لا يوهَب للثواب، وإنما يوهَب للثواب ما تتعلق الأغراض بعينه (^١).
ص: (لا بأس أن يهبَ لبعض ولده دون بعض جزءًا من ماله، ويُكره له أن يهب له ماله كله، إلا أن يكون يسيرًا).
ت: كما وهب الصديق عائشة ﵄ دون بقية ولده (^٢).
والأحسن المساواة؛ لحديث النعمان بن بشير ﵁: نحَلَهُ أبوه شيئًا من
_________________
(١) «المنتقى» (٨/¬٩).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٥٩).
[ ٦ / ٢٨٢ ]
ماله، وأراد أن يُشهد النبيَّ ﷺ على ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «أكُلُّ أولادك نحلته مثل هذا؟»، قال: لا، قال: «فارجعه»، فرجع. فرَدَّ عطيته (^١)؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى العقوق بين الأولاد، فتُستحَبُّ المساواة، إلا أن يكون يسيرا.
والفرق بين الكل والبعض: أنَّ الكلّ يوجب حرمان الباقين.
وروى ابن القاسم في «العُتْبيَّة»: أنه لا يجوز؛ لحديث النعمان المتقدم، وفيه: «لا أشهد على جور» (^٢).
وقال ابن القاسم: لا يُرَدُّ؛ لأنها لو كانت باطلةً لما أمره ﵇ أن يرتجعها، بل يقول له: ذلك باطل، وإنما أمره لوقوعها على غير الكمال؛ لما يُتَوَقَّع من عداوة الأولاد.
ص: (لا بأس أن يتصدَّق المرء بماله كلِّه).
ت: لأنَّ الصديق ﵁ تصدق بجميع ماله، ولم يُنكر عليه رسولُ الله (^٣)، وفعله جماعة من الصحابة ﵃.
هذا إذا كان له ما يرجع له من حرفة، وإن لم [يكن له] (^٤) ما يَقُوتُه أو يَقُوتُ عياله - إن كان ذا عيال ـ؛ لا ينبغي له ذلك، وقد منع النبي ﷺ سعدا أن يوصي بماله كلِّه؛ إبقاءً على ورثته، فعلى عياله أولى.
_________________
(١) أخرجه من حديث النعمان بن بشير البخاري في «صحيحه» رقم (٢٥٨٦)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤١٧٧).
(٢) أخرجه من حديث النعمان بن بشير البخاري في «صحيحه» رقم (٢٦٥٠)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤١٨٢).
(٣) أخرجه أبو داود في «سننه» رقم (١٦٧٨).
(٤) في (ت): (يبق).
[ ٦ / ٢٨٣ ]