(والصيد جائز بسائر السلاح: السيوف، والسهام، والرماح).
ت: أصله: الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
معناه: وصيد ما علمتم.
والْجَوَارِحِ: الكواسب.
ومُكَلِّبِينَ: معلمين.
والتكليب: تعليم الكلاب للصيد، ثم كثر حتى قيل لكلِّ معلّم جارح مكلَّبٌ.
مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ؛ أي: ما في طبعكم من إغراء الجارح على الصيد.
وكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ دليل الإباحة، أُدركت ذكاته أم لا، أكل من الجارح منه أم لا.
وفي الكلام تقديم تقديره: اذكروا اسم الله وكلوا.
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ لعَدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله؛ فكُلْ» (^١).
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي ثعلبة الخشني: البخاري في صحيحه رقم (٥٤٨٨)، ومسلم في=
[ ٤ / ٣٦٥ ]
والإجماع على إباحة ما صاده المسلم بكلبه المعلم إذا لم يكن أسود.
ص: (لا بأس بصيد المعراض إذا أصاب الصيد بحده، فجرحه فمات، وإن أصابه بعرضه لم يجز أكله، إلا أن يدرك ذكاته فيذكيه).
ت: قال رسول الله ﷺ العدي بن حاتم لما سأله عن الصيد بالمعراض: «إذا أصاب بحده فكل، وإن أصاب بعرضه، فقتل؛ فإنه وقيد، فلا تأكل»، خرجه مسلم (^١).
قال ابن يونس: وهو خشبة في رأسها كالزج (^٢)، فهو كالسيف والرمح.
قال عبد الحق: وقيل: عُودٌ محدود الأعلى، لا حديدة فيه، فإن أصاب بالمحدودِ أُكل، أو بعرضه فلا.
ص: (لا يؤكل ما رُمِي بالبندق، إلا أن يذكَّى، فإن مات قبل ذكاته لم يجز أكله).
لأنه وقيذ.
قلت: ظاهر مذهبنا ومذهب الشافعي: تحريم الرمي بالبندق، وبكل [ما شأنه] (^٣) أن لا [يخزق] (^٤)؛ «لنهيه ﵇ عن الحذف، وقال: «إنه لا يُصاد به.
_________________
(١) = (صحيحه) رقم (٤٩٨٣).
(٢) أخرجه من حديث عدي بن حاتم: البخاري في (صحيحه) رقم (٥٤٨٦)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤٩٧٤).
(٣) «الجامع» (٣/ ٥٠٦).
(٤) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٥) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
الصيد، ولا يُنكأ به عدو، وإنما يفقع العين، ويكسر السن» (^١)، إلا أن يرمي به ما يباح قتله، كالعدو والثعبان ونحوه.
ص: (لا يؤكل صيد الحبالة - وهي الشَّرَك - إلا أن يدرك ذكاته).
ت: لأن بحصوله فيها صار مقدورًا عليه، والمقدور عليه لا بد من ذكاته.
قال المازري: ولأنَّ ذكاة الصيد تكون بفعل الصيد ابتداءً وانتهاءً، والحبالة انتهاء فعله فيها نصبها، فما مات فليس من فعل الصائد، ولأن الصيد هو الذي يفعل ما يؤدي لقتله.
ص: (من رمى صيدا بحجرٍ له حَدٌ، فإن [جَرَحه] (^٢) بحده فقتله؛ جاز أكله، وإن لم يجرحه ولكن [رضه أو دقه؛ لم يجز أكله] (^٣) إلا أن يذكيه).
[لأنه وقيد] (^٤).
(ومن رمى صيدا بسيف، فقطع يده أو رجله، ومات من ذلك؛ جاز أكل الصيد وحده، ولم يجز أكل يده أو رِجْلِه، وإن قطع رأسه أو وسطه أو ما لا حياة له بعده؛ جاز أكل الصيد كله).
ت: قال رسول الله ﷺ: «ما أُبِينَ عن حي فهو ميتة» (^٥).
_________________
(١) أخرجه من حديث عبد الله بن مغفل: البخاري في «صحيحه» رقم (٦٢٢٠)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٥٠٥٢).
(٢) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٢٠).
(٣) خرم في الأصل قدره خمس كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٢٠).
(٤) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت أقرب ما يظهر منهما.
(٥) أخرجه بمعناه أحمد في «مسنده» رقم (٢١٩٠٤)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٨٥٨)، =
[ ٤ / ٣٦٧ ]
ويروى: «عن حي وهو حي».
والمعنى: حي يمكن أن يعيش بعده، فلذلك أُكلت الرؤوس والوسط.
ص: (مَنْ رمى صيدًا بعينه فأخطأه، وأصاب غيره، فقتله؛ لم يجز أكله).
لأنه لم يسم الله تعالى عليه.
(ولو رمى جماعةً ولم يُرِد واحدًا منها بعينه؛ جاز أكل ما صاد منها).
لأنه نواها من حيث الجملة، ولم يخصص.
(ومن رمى صيدًا، فأنفَذ مقاتله، ثم سقط في ماء فغرق؛ جاز أكله).
لتقدم الذكاة على الغرق.
(ومن رمى طائرًا فسقط في الأرض ميتًا؛ لم يجز أكله).
إذ لعل السقطة قتلته.
إلا أن يكون أنفَذَ بالرَّمية مقاتِلَه.
لأنه لم يسقط إلى مذكى.
(ومن رمى صيدًا بسهم مسموم فقتله، لم يجز أكله).
لأن موته قد يكون بالسم لا بالسهم، ولأنه يُخاف على آكله منه.
(ومن ترك التسمية على الصيد عامدًا لم يجز أكله، وإن تركها ناسيًا جاز أكله).
_________________
(١) = والترمذي في «سننه» رقم (١٥٤٩) و(١٥٥٠).
[ ٤ / ٣٦٨ ]
ت: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
وقال رسول الله ﷺ لعَدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله؛ فكُلْ» (^١)، فكانت التسمية شرطًا.
فمن الأصحاب من حمل المنع على التحريم إذا منع؛ لئلا (^٢) يُستخفَّ بالسنن.
وقيل: على الكراهة؛ لأنه قول باللسان، فلم يكن شرطًا في الذبيحة، كالصلاة على النبي ﷺ عند الذبح.
وظاهر «المدونة» (^٣) وجوبها مع الذكر، وسقوطها مع النسيان.
قاله الباجي وابن يونس.
وقال ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (^٤).
وقال أشهب: لا يؤكل إن تركها مستخفًّا (^٥)؛ لأنه تلاعب بالدين، أو جهلا أُكِلت؛ لأنه لم يقصد التقرب لغير الله.
ونقل ابن شعبان قوله مطلقا فقال: أجازها أشهب مع العمد؛ لقوله:
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣٦٥).
(٢) لفظ «التذكرة» (٥/ ٤٢٣): (على التحريم تغليظا لئلا).
(٣) انظر: «المدونة» (٢/ ٥٤).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (١/ ٤٨٠).
(٥) «النوادر» (٤/ ٣٤٢).
[ ٤ / ٣٦٩ ]
﴿اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: على المأكول لا على الجوارح، وإلا لقال: عليهنَّ (^١).
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: ذُبح لغير ملتِكم.
ص: (لا بأس بالاصطياد بسائر الجوارح المعلمة، من الكلاب، والفهود، والبزاة، والصقور، والعُقبان، والشواهين، وما أشبه ذلك).
ت: لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وهو عام.
قال ابن حبيب: تعليم الكلاب أن تدعوه فيجيب، وتُشليه فينشلي، وتزجره فينزجر.
وأما الباز والصقر والعقاب فإنما تعليمه أن يجيب إذا دُعِي، وينشلي إذا أُشلي، وأما الانزجار فلا (^٢).
قال عبد الحق: هذه التفرقة بين سباع الطير وغيرها وفاقٌ لابن القاسم، إنما [جمع] (^٣) بينهما إذا كان ذلك يمكن فيها، وابن حبيب تكلّم على المعلوم من حالها.
قال عبد الحق: لا يكون الكلب بأول مرَّةٍ معلَّمًا، وإن أمسك وقفه حتى
_________________
(١) «الزاهي» (ص ٣٥٨).
(٢) «النوادر» (٤/ ٣٤٢).
(٣) في الأصل: (جعل)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٤٢٦).
[ ٤ / ٣٧٠ ]
يُختبر مرارا ويستمر، وما ورد الشرع به مطلقا يحمل على العادة.
* ص: (ومن أرسل شيئًا من الجوارح المعلمة على صيد، فأمسكه حتى مات ولم يؤثر فيه؛ لم يجز أكله، وإنَّ أثر فيه بتخليب أو تنييب جاز أكله).
* ت: قاله ابن القاسم؛ لأنه كما قتله المعراض بعرضه، وكما لو ضربه بعصا.
[وقال] (^١) أشهب: يؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكُنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]؛ أي: قتلن بإرسالكم.
ولقوله ﵇ لعدي بن حاتم: «كُل ما أمسك عليك كلبك، فإن أخذه ذكاة» (^٢).
* ص: (إذا أدرك الصائد الصيد في أفواه الكلاب أو مخاليب البزاة حيًّا، وأمكنه تخليصه، ولم يفعل حتى مات؛ لم يجز أكله، إلا أن يكون الكلب أو البازي قد أنفذ مقاتله، فيجوز أكله).
* ت: لأنَّ التذكية بالعقر إنما جازت للضرورة، فإذا قدر عليه ذكى بالذبح، فإن مات بعد القدرة وقبل الذبح فهو ميتة.
فإن ذكاه في أفواهها وهي تنهشه لم يؤكل؛ لاحتمال موته بنهشها، إلا أن يوقن أنه ذكاه مجتمع الحياة، وإن لم [يقدر على إزالته ولا على تذكيته - لمنع] (^٣)
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت ما يناسب السياق.
(٢) أخرجه من حديث عدي بن حاتم: البخاري في (صحيحه) رقم (٥٤٧٥)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤٩٧٧).
(٣) خرم في الأصل قدره سبع كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٢٨).
[ ٤ / ٣٧١ ]
الجوارح له ـ؛ أَكل.
قال اللخمي: هذا على القول بأنَّ التعليم [يصح وإن لم] (^١) ينزجر (^٢)، وإلا لم يؤكل.
ص: (لا بأس بالصيد وإن غاب عن الصائد مصرعه، ما لم يبت عنه، فإن بات عنه لم يجز أكله).
ت: يؤكل الغائب بشرطين: أن يتبعه فيعجز عن إدراكه، وأن يعلم صيده وأن الأثر لكلبه أو سهمه، وإلا لم يؤكل؛ لأنَّ الأصل عدم الإباحة حتى يتحقق سببها.
فإن غلب على ظنه أنه هو هل يأكله عملا بالظن، أو لا يأكله؛ لعدم اليقين؟ قولان.
قال في «المدونة»: لا يؤكل ما بات عنه وإن أنفذت مقاتله؛ لأنها السنة، والحيوان بالليل [له] (^٣) انتشار من السباع والهوام، فلا يتحقق أن الكلب هو الذي أنفذ مقاتله، قاله التونسي، وكذلك قد يتقلب على السهم فيكون ذلك بفعله، أو [تُلجنه] (^٤) الهوام بالليل إلى الحركة.
وقال عبد الملك: يؤكل إذا أُنفذت مقاتله (^٥)
_________________
(١) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، والمثبت ما يناسب السياق، وهو في «التذكرة» (٥/ ٤٢٨) بمعناه، وكذا التبصرة (٤/ ١٤٧٤).
(٢) «التبصرة» (٣/ ١٤٧٤).
(٣) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٤٢٩)، والسياق يقتضيه.
(٤) في الأصل: (تجليه)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٤٢٩).
(٥) «اختصار المدونة» (١/ ٤٥٩).
[ ٤ / ٣٧٢ ]
وفي النسائي: قال عَدِيٌّ بن حاتم: يا رسول الله، إنَّا أهل صيد، وإن أحدنا يرمي الصيد، فيغيب عنه الليلة والليلتين، فيتبع الأثر، فيجده ميتًا، قال: «إذا وجدت السهم فيه، ولم تجد [فيه أثر] (^١) سبع، وعلمتَ أنَّ سهمك قتله؛ فكله» (^٢).
وقياسًا على غيبة النهار، وإن لم تنفذ مقاتله لم يؤكل؛ لاحتمال قتل الهوام له.
وقال ابن المواز: يؤكل في السهم دون غيره (^٣)؛ لأنَّ أثره معلوم يختص به إذا وجد موضع الإصابة، والجوارح تشاركها السباع في الأثر.
ص: (لا بأس بأكل الصيد، وإن أكل الكلب المكلب أو البازي منه).
ت: لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
قال مالك: أكل أكثره أو أقله.
وفي أبي داود: قال رسول الله ﷺ: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه» (^٤).
قال ابن المواز: والعمل على هذا (^٥)، ولأنها ذكاة، فلا يضر تعقبها الأكل، كالذبح.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من لفظ الحديث، وكذا «التذكرة» (٥/ ٤٣٠).
(٢) أخرجه من حديث عدي بن حاتم أحمد في (مسنده) رقم (١٨٢٥٩) بنحوه، والنسائي في (سننه) رقم (٤٢٩٩) واللفظ له.
(٣) «النوادر» (٤/ ٣٤٣).
(٤) أخرجه من حديث أبي ثعلبة الخشني: أبو داود في «سننه» رقم (٢٨٥٢).
(٥) «النوادر» (٤/ ٣٤٣).
[ ٤ / ٣٧٣ ]
ص: (ما انفلتت عليه الكلاب أو غيرها من الجوارح لم يجز أكله).
ت: لأنَّ الإرسال شرط، للكتاب، والسنة، والمعنى.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولا يُمْسِك علينا حتى يكون نحن أرسلناها.
[وأما السنة فقول النبي ﷺ] (^١): «إذا أرسلت كلبك المعلّم» (^٢)، فجعل الإرسال شرطًا.
ولأنه لولا اشتراط الإرسال لم يكن للتعليم فائدة؛ فإنه يمسك على نفسه بغير تعليم، وقد قال ﵇ لِعَدِيّ: «وإن أكل فلا تأكل، إني أخاف أن يمسك على نفسه» (^٣).
ص: (من أرسل كلبه على صيد بعينه فتركه، ومر إلى غيره فقتله؛ لم يجز أكله، وإن أرسله على جماعة ولم يُرد واحدا منها [بعينه؛ جاز له أكل ما أصاب منها] (^٤».
ت: لأنه لم يرسله على غير ذلك، فأشبه إذا انبعث عليه بغير إرسال.
قال المازري: الإرسال والنية شرطان؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٤٣٢)، والسياق يقتضيه.
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣٦٥).
(٣) أخرجه من حديث عدي بن حاتم: البخاري في صحيحه رقم (٥٤٨٧)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤٩٧٣).
(٤) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التفريع» (١/ ٣٩٩).
[ ٤ / ٣٧٤ ]
﴿عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولا يكون ممسكه علينا حتى يكون نحن الذي أرسلناها.
ولأن من شرط الذكاة النية، وهذه ذكاة.
ولأن الكلب إن أمسك على نفسه لم يؤكل، فلا يمتاز على إمساكه علينا إلا بالنيَّة، فإذا أُرسل على جماعة فقد نوى كلَّ واحدٍ منهما من حيث الجملة، فيندرج في عموم الآية، فإن عدل لغير الجماعة المنوية لم يجز أكله إلا أن [يذكيه] (^١).
فإن أمسك من الجماعة [اثنين] (^٢) جاز أكلهما، كما لو مرق السهم من واحد إلى آخر.
وقال ابن المواز: لا يؤكل إلا [الأول] (^٣)، بخلاف السهم؛ لأنه رمية واحدة في السهم، والكلب إذا قتل واحدا احتاج إلى إرسال ثان (^٤).
فإن نوى واحدةً بغير عينه فصاد اثنين؛ أكل الأول فقط؛ لأنَّ النية لواحد فقط، فإن لم يعلم الأول لم يؤكل واحد منهما، كالمذكاة تختلط بالميتة.
ص: (وإذا أرسل الصائد كلبه على صيد، فرأى جيفةً، فعدل إليها، ثم ذهب في طلب الصيد فأصابه، لم يجز أكله، إلا أن يذهب في طلبه في فور إرساله).
ت: إن طال انشغاله لم يؤكل؛ لانقطاع الإرسال، وإن قل ففي الأكل
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٣٥).
(٤) «النوادر» (٤/ ٣٤٧).
[ ٤ / ٣٧٥ ]
قولان، واختار اللخمي الجواز؛ نظرًا لليسارة.
ص: (ولو أرسل كلبه في غار أو وادٍ لا يدري أفيه صيد أم لا، فوجد فيه صيدًا، فأصابه، جاز أكله).
ت: أجاز مالك [..] (^١) اسم الإرسال [..] (^٢)، كما إذا أُرسل في [غار أو في غيضة أو وراء أكمة، ولا يدري هل هناك شيء أم لا؟ أو على جماعة] (^٣) وينوي ما وراءها.
قال أشهب وسحنون: لا يؤكل إلا ما رآه وقت الإرسال؛ لأنَّ النية لغير المرئي قصد لغير مقصود [..] (^٤) يرى أنَّ الجارح أقامه مقام نفسه، بدليل الجماعة المرئية.
قال الباجي: إنما جوزه ابن القاسم إذا أمِنَ اختلاط غيره به، كالغار (^٥).
ولا يجوز إذا لم يأمن، كالغياض.
قال المازري: وجوزه أصبغ؛ لأنَّ الدخول نادر.
فإن رأى الكلب [يحدُّ] (^٦) نظره إلى ناحية فأرسله؛ أجاز مالك مرَّةً، وكرهه أخرى.
_________________
(١) خرم في الأصل مقدر بكلمتين.
(٢) خرم في الأصل قدره كلمة، ولعل تقديرها: (هذا) أو: (ذلك).
(٣) خرم في الأصل قدره نصف سطر، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٤٣٦).
(٤) خرم في الأصل قدره كلمة، ولعل المناسب: (والمرسل).
(٥) «المنتقى» (٤/ ٢٤٨).
(٦) في الأصل: (تجدد)، والمثبت لفظ «التذكرة» (٥/ ٤٣٧).
[ ٤ / ٣٧٦ ]
وقال: لعله صاد غير الذي اضطرب.
وفرَّق بينه وبين الغيضة والأكمة؛ لأنه أُرسل فيهما إلى غير معين، فلم يبال ما أخذ؛ لأنه داخلٌ في نيته، وهذا كأنه قصد معيَّنا.
ص: (لا يجوز أكل صيد المجوسي، ويُكره صيد اليهودي والنصراني، ولا نحرمه).
ت: لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يدلُّ على أن غير الكتابي لا تؤكل ذبيحته.
ونهى رسول الله ﷺ عن أكل ذبائحهم، ونكاح نسائهم.
ولأنَّ مَنْ لم تُنكح نسائهم لا تؤكل ذبائحهم، كالمرتدين.
قال مالك في «المدونة»: لا يؤكل صيد الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] (^١)، فخص الأيدي والرماح بنا.
وعن مالك في «الموازية» الكراهة (^٢)؛ لأنَّ الآية احتملت ابتلاء المحرمين بالصيد؛ لأنها سيقت فيهم، أو تأسيس قاعدة الصيد مطلقا، فصار ذلك شبهةً يمنع من النهوض للتحريم.
وقال ابن وهب: هو حلال مطلقًا (^٣).
_________________
(١) بنصه عنه في «التبصرة» (٣/ ١٤٩٠).
(٢) «النوادر» (٤/ ٣٥٢).
(٣) «النوادر» (٤/ ٣٥٢)، و«التبصرة» (٣/ ١٤٩٠).
[ ٤ / ٣٧٧ ]
واختاره اللخمي؛ لأنَّ الصيد ذكاة، كتذكيتهم الإنسي، والصيد طعام، فيندرج في الآية (^١).
ص: (لا بأس باصطياد المسلم بكلب المجوسي، كذبحه بسكينه).
ت: روي منعه عن جابر بن عبد الله؛ لقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ﴾ [المائدة: ٤] فاختص بكلب المسلم. وجوابه: أنَّ المقصود تعليم الكلب لا معلّمه؛ لأنَّ المجوسي لو علم كلبًا وأسلم جاز صيده به.
قال: عبد الحق: وما رُوي عن جابر بن عبد الله: «نُهينا أن نصيد بكلب المجوسي» (^٢)؛ فإسناده ضعيف.
ص: (إن أرسل كلبه على صيد، فشركه فيه كلب آخَرُ غير معلَّم، فقتلاه جميعا؛ لم يجز أكله).
ت: لقول رسول الله ﷺ في مسلم لِعَدِي بن حاتم: «وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتله» (^٣).
قال ابن القاسم: وكذلك لو شركه معلم لم يرسله أحد (^٤).
_________________
(١) «التبصرة» (٣/ ١٤٩٠ - ١٤٩١).
(٢) أخرجه من حديث جابر بن عبد الله: الترمذي في «سننه» رقم (١٥٣٣)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٣٢٠٩).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٣٧٣).
(٤) «الجامع» (٣/ ٤٨٣).
[ ٤ / ٣٧٨ ]
وأجاز الشافعي أكل ما شورك فيه على أي وجه كان.
ص: (إذا أرسل رجلان كلبين على صيد واحد، فقتلاه جميعا، جاز أكله، وكان الصيد بينهما جميعًا، إلا أن يكون أحدهما أنفذ مقاتله قبل إدراك الآخر له، فيكون لصاحب الكلب الأول دون الثاني).
ت: لأنَّ الذكاة قد تمت قبل مجيء الثاني، فإن كان أحدهما مجوسيا لم يؤكل، كاختلاط المذكاة بالميتة، إلا أن يعلم أنَّ كلب المسلم أنفَذَ مقاتله قبل إمساك كلب المجوسي.
قال أبو محمد: فإن قال المجوسي: أنا لا أكل ذبيحة المسلم؛ باعاه واقتسما ثمنه، إلا أن يكون موضع لا ثمن له، فيمكن المسلم من ذبحه (^١)؛ لقوله ﵇: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (^٢).
ص: (إن أرسل رجلان كلبين على صيدين، فاجتمعا على قتل أحدهما، وتركا الآخر؛ لم يجز أكله إلا أن يُعلم أنَّ الكلب الذي أُرسل على ذلك الصيد المقتول أنفذ مقاتله قبل أن يشرك الكلب الآخِرُ العَادِلُ عَمَّا أُرسل إليه).
_________________
(١) «النوادر» (٤/ ٣٥٣).
(٢) روي من حديث عائذ بن عمرو المزني، وعمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل مرفوعًا، وعبد الله بن عباس موقوفًا. انظر: «سنن الدارقطني» (٣/ ٢٥٢)، و«سنن البيهقي» رقم (١١٩٣٥)، و«المعجم الصغير» للطبراني (ص: ١٩٦ - ١٩٧)، وقد حسن الشيخ الألباني الحديث مرفوعًا بمجموع طريقي عائذ ومعاذ، وصححه موقوفًا على ابن عباس، انظر كتابه: «إرواء الغليل» (٥/ ١٠٦)، رقم: (١٢٦٨).
[ ٤ / ٣٧٩ ]
ت: لأن أحدهما لم يرسل على هذا الصيد، فلعله هو الذي قتله، وإذا اجتمع الحرام والحلالُ غُلّب الحرام، كالمذكاة بالميتة، والأجنبية بالأخت إذا اختلطا.
* * *
[ ٤ / ٣٨٠ ]