قال ﵀: ولا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ولا يتوارث أهل ملتين شتى، ولا يرث اليهودي النصراني، ولا النصراني اليهودي.
ت: لقوله ﷺ في مسلم -: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (^١).
و«لا يتوارث أهلُ مِلتين» (^٢).
وأجمعت الأمة على أن الكافر لا يرث المسلم.
وورث معاوية وابن المسيب وجماعة المسلم من الكافر، خلافًا للجمهور.
وعنهم أيضا موافقة الجمهور.
والكفر عند مالك ﷺ وأصحابه ملل مختلفة (^٣).
وقال أبو حنيفة والشافعي: ملة واحدة (^٤)، فورثوا بعضهم من بعض.
لنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]، فجَعَلهم مِللًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه) رقم (٦٧٦٤)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤١٤٠).
(٢) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو: أحمد في «مسنده» رقم (٦٦٦٤)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٩١١)، والنسائي في «سننه الكبرى» رقم (٦٣٥٠).
(٣) انظر: «الجامع» (٢١/ ٦٥٨)، و«التبصرة» (٨/ ٤١٦٠).
(٤) نقله عنهما في «الجامع» (٢١/ ٦٥٨).
[ ٦ / ٤٧٨ ]
ص: (المرتد ماله لجماعة المسلمين دون ورثته المسلمين والكافرين).
ت: لأنه ملةٌ واحدةٌ لا يُقَرُّ عليها بالجزية.
فإن ارتد في المرض:
قال مالك: لا يتهم في الردة؛ لعدم الإرث، فلا يورث (^١).
وذكر ابن شعبان أنه يورث (^٢).
قال ابن حارث: اتفقوا إذا أظهر ردته أنه لا يورث.
فإن كان يُسِرُّه وقُتِل على ما أسَرَّه من الكفر:
قال ابن القاسم: يرثه ورثته المسلمون.
وأخبر ابن القاسم عن مالك: أنَّ رجلا تردد إليه وخلا به في أب كان له على الزندقة، وقال له: إني اطلعت على ذلك منه، وإنه هلك وترك مالا كثيرًا، فأمر مالك بوراثته، ورأى ذلك حلالًا سائغا (^٣) (^٤)، كالمنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ.
وكلُّ مَنْ لا يستتاب فإنه يرثه ورثته المسلمون.
وقال أشهب: ميراثهم فيءٌ للمسلمين؛ كالمرتد.
قال أبو الوليد: رواية ابن القاسم تقتضي أن يُقتل حدا، ورواية أشهب
_________________
(١) «المدونة» (٤/ ١٢٦ - ١٢٧).
(٢) انظر قوله «التبصرة» (٥/ ٢٦٨٤ و٤١٥٤).
(٣) العبارة في (ت): (وأخبر مالكا رجلٌ أنَّ أباه مات، وكان زنديقا، فأفتاه بوراثته).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٥٢٣).
[ ٦ / ٤٧٩ ]
تقتضي أن يُقتل كفرًا.
ص: (لا يتوارث المجهول موتهم، كالمقتولين في حرب، أو سقوط هدم، أو غرق، أو حريق، وهم قرابة؛ لم يَرِث بعضُهم من بعض، وورث كلَّ واحد أحياء ورثته، ولا يورث أحد بالشك).
ت: لأن تقدم الموت شرط.
وقاله الجمهور.
وقال خارجة بن زيد: إن قتلى يوم الجمل وصفين ويومِ الحَرَّة كانت قتلى عظيمةً، ولم يرث أحد منهم الآخر، بل الأحياء.
وتوفيت أم كلثوم وابنُها زيدٌ في وقت، ولم يُدرَ أَيُّهما قبل صاحبه، فلم يرث أحدهما الآخر.
ولأن ذلك يؤدي للميراث بالشك.
ص: (مَنْ فُقد فلم يُعلَم خبرُه عُمّر تمام سبعين سنةً على ما مضى من عمره، وقيل: تسعين سنة، ثم ماله لورثته، ومن مات منهم قبل تعميره فلا شيء له من ميراثه).
ت: قال بالسبعين مالك، وابن القاسم، وأشهب (^١).
وعن ابن القاسم: تسعون (^٢).
_________________
(١) «البيان والتحصيل» (٩/¬١٣).
(٢) «التبصرة» (٤/ ٢٢٤٩).
[ ٦ / ٤٨٠ ]
وعن عبد الملك: مئة (^١).
فراعى المشهور قوله ﵇: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» (^٢)، ولأن الزائد على ذلك نادر.
ووجه التسعين: أنه أقصى نهاية العمر.
ولاحظ عبد الملك أنه يقرُبُ من [اليقين] (^٣)، والأصل الحياة.
قال اللخمي: السبعون أحسن لمن فقد وهو شاب أو كهل، فإن فقد وهو ابن سبعين زيد بقدر ما يُرى من حاله في بنيته وقوته، وإن فقد وهو ابن ثمانين أو تسعين اجتهد فيه كما تقدم (^٤).
ويُحرم من مات قبل انقضاء التعمير للشك في تقدم أحدهما بالموت.
ص: (من مات من أقارب المفقود وَوَقْفُ ماله للمفقود، حتى تُعلَمَ حياته فيكون المال له، أو يمضي تعميره فيكون مال الميت لورثته دون المفقود، ودون ورثته).
ت: وإن كان مضى من الزمان ما لا يحيا لمثله فمال الميت لورثته دون المفقود وورثته.
قال مالك: إن مات للمفقود ولدٌ وقِف للمفقود ميراثه منه حتى يُنظر ما يثبت
_________________
(١) صرح به عنه في «التبصرة» (٤/ ٢٢٤٩).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٣٠٩).
(٣) في (ت): (التعمير).
(٤) «التبصرة» (٤/ ٢٢٤٩ - ٢٢٥٠).
[ ٦ / ٤٨١ ]
من ذلك، فإن ثبت أن الأب مات قبل الابن؛ ورثه الابن، وإن ثبت أن الابن مات قبل الأب، كان المال الموقوف مضافًا إلى مال الأب، وموروثا عنه (^١).
وإنما كان مال الميت لورثته دون المفقود وورثته إذا مُوتَ بالتعمير لإمكان أن يكون [الولدُ] (^٢) حيًّا يوم مات الأب، وإنما لم يرث الابن الأب؛ لإمكان أن يكون موته قبل الأجل.
وحكى ابن شعبان: أنَّ ميراث الابن للأب، ويرثه عن الأب من كان يرث الأب بالتعمير، والأول أصوب (^٣) (^٤).
ص: (إذا طرح الجنين فاستهل صارخًا وَرِث وورث، وإن لم يستهل صارخا فلا ميراث له ولا منه).
ت: إقامته أيامًا ولم يصرخ تقوم مقام الصراخ؛ لأنَّ العادة أنه حي، ولا تُعتبر حركته عند الوضع؛ لأنها كحركة المذبوح. وفي الترمذي: قال رسول الله ﷺ: «لا يرث الطفل ولا يورث حتى يستهل» (^٥).
ص: (ص: دية الجنين إذا طرح موروثة بين ورثته).
ت: لأنها كمالِهِ الذي يُخلفه؛ لأنها بدل نفسه؛ كدية المقتول.
_________________
(١) بتمامه في «التبصرة» (٤/ ٢٢٤٨).
(٢) في (ت): (القريب).
(٣) العبارة في (ت): (وقيل: ميراث القريب للمفقود، ويرثه عنه من يرث المفقود بالتعمير).
(٤) «التبصرة» (٤/ ٢٢٤٨ - ٢٢٤٩).
(٥) أخرجه من حديث جابر: الترمذي في «سننه» رقم (١٠٥٣)، وابن ماجه في (سننه) رقم (٢٧٥١).
[ ٦ / ٤٨٢ ]
وقال ربيعة: هي للأم (^١)؛ لأنها بدل عضو منها، وهو أحد قولي ابن القاسم وأشهب.
قال اللخمي: وعلى هذا يصح (^٢) قولهم: إذا ماتت الأم قبل أن يبين منها لا شيء فيه إذا ماتت أمه، وقياس قولهم أنهما شخصان تكون القيمة فيهما وإن لم يبين عنها (^٣).
ص: (ميراث المنبوذ لجماعة المسلمين دون ملتقطه).
ت: المنبوذ: المطروح صغيرًا، ونبذ الشيء: طرحه، قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥].
وهو في عرف الفقهاء: طرح الطفل على وجه الكتمان.
قال مالك: هو حُرٌّ؛ لأنه الأصل في الآدمي، وكما يعقِلُ المسلمون عنه يرثونه (^٤).
وأسباب التوارث: القرابة، والنكاح، والولاء (^٥)، وهي منفية من الملتقط، فلا يرثه.
ص: (من أسلم على يدي رجل فلا ولاء له عليه ولا ميراث له منه) (^٦).
وقاله أبو حنيفة والشافعي.
_________________
(١) «التبصرة» (١١/ ٦٤٣٧).
(٢) في (ت): (ينبني).
(٣) «التبصرة» (١١/ ٦٤٣٨).
(٤) بتمامه عنه في «الموطأ» (ص ٥٦٢).
(٥) انظر: «الجامع» (٢١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
(٦) في (ت): (على يد رجل لم يرثه).
[ ٦ / ٤٨٣ ]
ت: قال إسحاق بن راهويه: يرثه الذي أسلم على يديه.
لنا: قوله ﵇: «إنما الولاء لمن أعتق» (^١)، فحصر الولاء للمعتق، فلا ولاء لهذا.
ص: (من مات فقامت بيِّنةٌ على إلحاق ولد به بعد موته؛ استحق نصيبه من ميراثه).
لثبوت سبب إرثه.
وإن مات وله ولد عبد أو كافر، فعَتق العبد أو أسلم الكافر؛ لم يرثا، وقع ذلك قبل القسمة أم لا.
لأنَّ المعتبر حالة الموت.
وإذا مات ولد الملاعنة وخلف أمه وإخوته لأمه؛ ورثوا منه سهامهم، وباقي ماله للمسلمين، ولا يُرَدُّ على أمه وإخوته، ولا تكون عصبة أمه عصبة له.
ت: إن مات وترك موالي أمه؛ ورثوه.
وقاله علي بن أبي طالب، وزيد.
أو أمه فلها الثلث، ولمواليها ما بقي؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١].
أو مع أمه أخوه لأمه فله السُّدُس وللأختين فصاعدا الثلث؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، وما بقي
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٥٤٤).
[ ٦ / ٤٨٤ ]
لموالي أمه إن كانت مولاةً؛ لأنهم عصَبَةٌ، ووصلت النعمة إليه من قبلهم، فإن كانت عربيةً فلبيت مال المسلمين (^١)؛ لأنَّ الأم ليست عصَبَةً، وعصبتها ليسوا عصبة لولدها؛ لأنهم أخوال ذوو أرحام.
ص: (إذا ولدت الملاعنة توأمين توارثا؛ لأنهما أخوان لأب وأم، وإن ولدت الزانية توأمين توارثا؛ لأنهما أخوان لأم).
لبطلان نسب الأب شرعًا (^٢).
ويرث ولد الزنا أمه.
لأنها أمه شرعًا.
وما بقي من ماله لجماعة المسلمين.
ت: لو استلحق الملاعِنُ الأولاد لحِقُوا به، ولو استلحق أحدهما حُدَّ ولحقا به جميعًا، بخلاف توأمي الزانية لا يلحقون بالأب ألبتة.
وقال المغيرة وابن دينار: توأما الملاعنة يتوارثان بأنهما لأم؛ لأنهما لا يرثان أباهما؛ لأنه نفاهما باللعان، فلا يرثان به، بل بالأم خاصةً.
ويرث إخوة ولد الزنا من أمه منه، والبقية لموالي أمه إن كانت مولاةً، وإن كانت عربيَّةً فالبقيَّة لبيت المال.
قال مالك: وعلى هذا أدركتُ أهل العلم ببلدنا (^٣).
_________________
(١) انظر: «الجامع» (٢١/ ٤٦٥).
(٢) انظر: «الجامع» (٢١/ ٤٦٥ - ٤٦٦).
(٣) بنصه عنه في «الموطأ» (ص ٤٠٤).
[ ٦ / ٤٨٥ ]
ص: (لا يتوارث أحدٌ من الأعاجم إلا مَنْ وُلِد في العرب، أو شهد بنسبه أو سببه بينةٌ من المسلمين).
ت: لا يقبل قول الأعاجم في أنسابهم؛ لقضاء عمر ﵁: أن لا يتوارث أحد من الأعاجم، إِلَّا مَنْ وُلد في الإسلام (^١).
قال ابن يونس: قال الجمهور: معناه: إلا أن يثبت بالبينة، لا بدعواهم (^٢).
وقال ابن حبيب: معناه لا يتوارثون وإن ثبت ذلك بالبينة، وإلا لم يبق لقضائه فائدة (^٣)؛ لأنَّ المسلمين العرب كذلك.
حجة الجمهور: الأدلة الدالة على الإرث.
ولأن الصحابة رضوان الله عليهم توارثوا بأنساب الجاهلية، وإنما منع عمر ﵁ للحمية التي تلحقهم في [تصيير] (^٤) أموالهم عنا لبعضهم.
ولا تجوز شهادة بعضهم لبعض في ذلك إلا أن يتحمل أهل حصن أو عددٍ كثير ذلك، فيُسلمون، ويشهد بعضهم لبعض (^٥).
قال ابن القاسم: كالعشرين (^٦)، أما السبعة والثمانية فلا يتوارثون بقولهم،
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١١٣٤).
(٢) «الجامع» (٢١/ ٦٦٩).
(٣) بتمامه عنه في «الجامع» (٢١/ ٦٦٩).
(٤) قدر كلمة غير واضحة في (ق ت) صورتها: (اعرا)، والمثبت عبارة «الجامع» (٢١/ ٦٦٩)، و«التذكرة» (١٠/ ٣١٤).
(٥) بنصه في «الجامع» (٢١/ ٦٦٩).
(٦) ذكره عنه في «الجامع» (٢١/ ٦٧٠).
[ ٦ / ٤٨٦ ]
ولا يشهد بعضُهم لبعض إلا أن يشهد من كان ببلدهم من المسلمين.
أما بلد الأعاجم من المسلمين الذين يحفظون أنسابهم فإنهم كالعرب في ثبوتها والحكم بها.
ص: (التوارث بشيئين: نسبٌ، وسبب.
فالنسب: البنوة والأبوة والإخوة والعمومة، وما تناسل منهم.
والسبب: الولاء والنكاح.
والوارثون من الرجال عشرة: الابن، وابن الابن، والأب، والجدّ، والأخ، وابن الأخ، والعمّ، وابن العمّ، والزوج، ومولى النعمة.
ومن النساء سبع: البنت، وبنت الابن، والأم، والجدة، والأخت، والزوجة، ومولاة النعمة).
لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
وقال تعالى في البنات: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، ولم يذكر ما للاثنتين.
وأجمع المسلمون على أن لهما الثلثين (^١).
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ
_________________
(١) انظر: «الجامع» (٢١/ ٣٧٣).
[ ٦ / ٤٨٧ ]
لَّمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ وَأَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُكُ﴾ [النساء: ١١]، وأجمع المسلمون على أنَّ الباقي للأب.
وقال تعالى: ﴿إِنِ امْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ وَأُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولم يذكر ما فوقهما.
والإجماع على أن لهنَّ الثلثين.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢].
وقال تعالى ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَةٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء: ١٢].
وقال تعالى في الإخوة للأم: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
وأجمعت الأمة على إقامة ابن الابن مقام الابن في الميراث والحجب، وأنَّ الجد يقوم مقام الأب في الإرث، وعلى وجوب الإرث بالولاء في عدمِ السهم والعصبة ومولى دونه (^١).
وأما الجدة فترث بالسنة.
_________________
(١) في (ت): (في عدم السهم والمولى لإرثه).
[ ٦ / ٤٨٨ ]
ص: (ومَن لا يَسقُط ميراثهم بحال ستة: الأبوان والزوجان والابن والابنة).
ت: لأنهم يرثون بالنص.
ص: (وموانع الميراث ثلاثة: الكفرُ والرَّقُّ وقتل العمد).
ت: وقد تقدم الكلام على دليل إلغاء الكفر.
وأما الرق فلأن الموروث إن كان رقيقًا فسيده أولى بماله، أو حرا فالحرمة مختلفة، وكلُّ مَنْ فيه عقد حرية - كأم الولد والمكاتب والمدبر والمعتق إلى أجَلٍ - كالعبد؛ لأن أحكامهم في الشهادة والحدود وغيرها أحكام العبيد.
وقال ﵇: «القاتل لا يرث» (^١).
والإجماع عليه.
ص: (أربعة من الذكور يعصبون أخواتهم: الابن وابن الابن والأخ الشقيق والأخ للأب، وأربعة يرثون دون أخواتهم: العم وابن العم وابن الأخ وابن المولى).
ت: العاصب: من يحوز المال إذا انفرد، ويأخذ ما فضل عن ذوي السهام، كالابن، وابنه، والأخ الشقيق، أو لأب، والعم الشقيق، أو لأب، والمعتق؛ لقوله ﵇: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت السهام فلأولى عصبَةِ ذكَرَ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه بنحوه: أحمد في «مسنده» رقم (٧٠٣٣)، وأبو داود في «سننه» رقم (٤٥٦٤).
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: البخاري في «صحيحه» رقم (٦٧٣٢)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤١٤١).
[ ٦ / ٤٨٩ ]
والأبُ والجدُّ كذلك، إلا أنهما يُفرض لهما مع ذوي السهام، فإن فضل شيء أُخِذاه بالتعصيب.
ولا تعصب أنثى إلا الأخت مع البنت، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، والأخت للأب كالأخت الشقيقة؛ لهذه الآية.
وروى القاضي إسماعيل أنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن العمة والخالة فقال: «لا أجد لهما شيئًا» (^١).
وفي حديث: «أخبرني جبريل أنه لا شيء لهما» (^٢).
وفي حديث: «لا ميراث لهما» (^٣).
وأجمعت الأمة على العم وابن العم وابن الأخ، أما بنت الأخ والعمة وبنت العم فمن ذوي الأرحام.
قال سحنون: أجمع المسلمون على أنَّ النساء لا يرثن من الولاء شيئًا، إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن، أو ولدُ من أعتقن وإن سفلن من ولد الذكور خاصة، كان ذلك الولد ذكرًا أو أنثى (^٤).
وقال ﵇: «لا يرث النساءُ من الولاء، إلا ما أعتقن أو ولدُ من أعتقن».
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري: الحاكم في «مستدركه» رقم (٧٩٩٨).
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: الدارقطني في «سننه» رقم (٤١٥٩).
(٣) أخرجه الدارقطني في «سننه» رقم (٤١٥٦).
(٤) «النوادر» (١٣/ ٢٥٢)، و«اختصار المدونة» (٤/ ٢٠٦).
[ ٦ / ٤٩٠ ]
ص: (الابن أولى بالميراث من ابن الابن، والأب أولى من الأخ وابن الأخ، والأب أولى من الجد، والجد أولى من العم وابن العم، والجد أيضًا أولى من بني الإخوة، والأخ الشقيق أولى من الأخ للأب، والأخ للأب أولى من ابن الأخ الشقيق، وابن الأخ الشقيق أولى من ابن الأخ للأب، وابن الأخ للأب أولى من العم للأب والأم، والعم للأب والأم أولى من العم للأب، والعم للأب أولى من ابن العم للأب والأم، وابنُ العم للأب والأم أولى من ابن العم للأب، والعم أولى من عم الأب، وعم الأب أولى من عمّ الجد، وابن العم أولى من ابن عم الأب، وابن عم الأب أولى من ابن عم الجد، ثم كذلك الترتيب في سائر العصبات).
ت: كلُّ مَنْ كان أقرب برتبةٍ قُدّم، والابن أقوى من الكل؛ لأنهم إما يسقطون جملةً، كالإخوة والعمومة وبنيهم، أو أن يصيرون ذوي سهم، كالأب والجد.
وابن الابن يقوم مقام الابن في الإرث والحجب إجماعًا.
ويقدم الأب على الإخوة؛ لأنهم يدلون به، ويقدم الجد على العم وابنه؛ لأنه كالأب معهم، وضعف تعصيب العم؛ لأنه لا يعصب أخته، فكان كابن الأخ لا يرث مع الجد.
وقدم على بني الإخوة؛ لأنهم يدلون بالأخوة، وهو يدلي بالأبوة.
وزاد الشقيق على الأخ للأب بالأم فقدم عليه.
والأخ يدلي بالأبوة، وابن الأخ يدلي بالأخوة، فقدم عليه.
[ ٦ / ٤٩١ ]
وابن الأخ للأب يُدلي بالأبوة، والعم يدلي بالجدودة، والأبوة مقدمة على الجدودة.
وكلُّ من يدلي بشخص لا يرث مع وجوده، وهذا كله مجمع عليه.
وأبناء الأبناء يرثون بالكتاب، لاندراجهم في اسم الولد، واندرج الأجداد في اسم الأب.
وميراث الإخوة والعمومة بالسنة، بقوله ﵇: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت السهام فلأولى عَصَبَةٍ ذكَر» (^١).
وليس في العصبة من له سهم معلوم إلا الأب والجد، يفرض لهما مع الولد.
* ص: (ميراث الزوج من امرأته إذا لم تترك ولدًا، ولا ولد ابن النصف، فإن تركت ولدًا أو ولد ابن فالربع، وميراثُ المرأة من زوجها إذا لم يترك ولدا، ولا ولد ابن الربع، فإن ترك ولدًا أو ولد ابن فالثُّمن).
ت: كان الولد منه أو من غيره، وولد الزوج منها أو من غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾ [النساء: ١٢]، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء: ١٢].
وولد المرأة من الزنا يحجب الزوج عن النصف إلى الربع، ولا يحجب ولد الرجل من الزنا المرأة؛ لانقطاع نسبه عنه، ولا يرثه، فلا يحجب.
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٤٨٩).
[ ٦ / ٤٩٢ ]
فإن اجتمع زوجات اقتسمن هذا الفرض بالسوية؛ لتساويهنَّ في السبب الذي هو النكاح، ولا يُنقِصُهنَّ من الثمن إلا العول، كزوجة وأبوين وابنتين، أصلُها من أربعة وعشرين، وتَعُولُ إلى سبعة وعشرين، وتسمى المنبرية؛ لأنَّ علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن ميراث الزوجة من هذه المسألة وهو يخطب على المنبر فقال: عاد ثمنها تُسعًا، ومضى في خطبته.
ص: (ميراث الابنة الواحدة النصف، والابنتين فصاعدًا الثُّلُثان). للآيتين المتقدمتين.
ت: عن ابن عباس ﵄ - إن صح: أن للابنتين النصف.
وحكى ابن زَرْبِ الإجماع على الثلثين، وهما أولى من الأختين، ولم يخالف فيها أحد؛ لتصريح القرآن بذلك، ولأنَّ الواحدة مع الابن يكون لها الثلث، وهو أقوى منها، فأولى أن لا تنقص منه مع من هو مثلها.
ص: (ابن الابن كابنِ الصُّلب إذا عُدِم (^١)، وبنات الابن بمنزلة بنات الصُّلب إذا عُدِمن، ولبنتِ الابن أو بنات الابن مع ابنة الصُّلب السُّدس تكملة الثلثين، ولا شيء لهنَّ مع الابنتين، إلا أن يكون معهن ذكر في درجتهنَّ أو أسفَلَ (^٢) منهن، فيكون ما بقي بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن لم يبق شيء فلا شيء لهم).
_________________
(١) بنصه عن مالك في «الموطأ» (ص ٣٩١).
(٢) في (ق): (أنزل).
[ ٦ / ٤٩٣ ]
ت: أجمعت الأمة على أنَّ بنات الأبناء كالبنات، ولما تقرر أنَّ للبنات الثلثين، فإذا أخذت بنتُ الصلب النصف بقِيَ السُّدُس لبنت الابن، ولهنَّ السُّدُس وإن كثرن، فإذا استكمل بنات الصلب الثلثين سقطن.
وروى هذيل بن شرحبيل: أنه سُئل أبو موسى الأشعري عن بنت وبنت ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فإنه سيتابعني، فأخبر ابن مسعود بقول أبي موسى الأشعري، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى فيها رسول الله ﷺ: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي للأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم (^١).
فأما إذا كان معهنَّ ذكر فإنه يعصبهنَّ، فيأخذون الثلث الباقي، للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال ابن مسعود: الثلث للذكر وحده، ولا يعصب من فوقه.
لنا: أن قاعدة الإرث أنه لا يرث البعيد ويُحرم القريب، وقياسًا على ولد الابن مع بناتِ الصُّلب.
فإذا لم يبق شيء فلا شيء لهم؛ لأنهم يرثون بالتعصيب، والعاصب لا يرث إلا ما فضل، كابنتين وأبوين وابنة ابن ومعها ذكر.
ص: (ميراث الأخت الشقيقة النصفُ، وللأختين فصاعدا الثلثان، والأخوات للأب كالشقيقات إذا عُدِمن، وميراثُ الأخت للأب أو الأخوات مع
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (٤٤٢٠)، والبخاري في «صحيحه» رقم (٦٧٣٦).
[ ٦ / ٤٩٤ ]
الشقيقة السُّدُسُ تكملة الثلثين، ولا شيء لهنَّ مع الشقيقتين، إلا أن يكون معهنَّ أخ لهنَّ، ويفضل من المال فضل، فيكون لهنَّ ولأخيهنَّ، للذكر مثل حظ الأنثيين).
ت متى كان مع الأخوات الأشقاء ذكر فلا شيء للأخوات للأب، والتقرير في الأخوات للأب مع الأخوات الشقيقات كما تقدم في بنات الابن مع البنات، حرفًا بحرف؛ لاستواء النّسبة.
ويُشترط في الأخوات للأب أن يكون الأخ في درجتهن إذا استكمل الشقيقات الثلثين؛ لأنَّ ابن الأخ لا يعصب أخته، فأن لا يعصب من فوقه - وهي عمته - بطريق الأولى، بخلاف ابن الابن، فإنه لما عصب أخته عصَّبَ مَنْ فوقه.
ص: (ميراث الأم من ولدها إذا لم يترك ولدا، ولا ولد ابن، ولا اثنين من الإخوة أو الأخوات الثلث، ومع الولد أو ولد الابن أو اثنين من الإخوة السُّدُس، ولها في مسألتين ثُلُثُ ما بقي؛ وهي: زوج وأبوان، وزوجة وأبوان، فللأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوج والزوجة).
ت: تقدمت الآيتان الدالتان على أنَّ لها الثلث أو السُّدُس مع الأبناء والإخوة، والجمهور على أنَّ اثنين يحجبانها إلى السُّدُس.
وعن ابن عباس ﵄: لها معهما الثلث، ومع الثلاثة فصاعدا السُّدُس.
وقال لعثمان: ليس الأخوان بإخوة في لسان قومك، فقال عثمان: لا أستطيع أن أغير أمرا قد مضى (^١).
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عباس: البيهقي في «سننه الكبرى» رقم (١٢٢٩٧).
[ ٦ / ٤٩٥ ]
قال الباجي: وهذا يقتضي أنَّ في بعض اللغات الأخوان إخوة، ومن مضى أخذ بها (^١).
قال مالك: مضت السنة أنَّ الإخوة اثنان فصاعدا.
والجماعة تطلق على الاثنين، كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
والمسألتان تسميان الغراوين، وعليه جماعة الصحابة.
وقال ابن عباس: لها ثلث جميع المال (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثلث﴾ [النساء: ١١]، وهو عام.
لنا: أنهما أبوان دخل بينهما ذو سهم، فيكون لها ثلث الباقي، كما إذا كان معهما بنت (^٣).
ولأن الله تعالى إنما جعل لها ثُلُثَ المال حيث يكون للأب الثلثان، فلا يجوز أن تُخرج عن هذه [النسبة] (^٤)، فلا تفضّل عليه.
فالزوج والأبوان أصلها من ستة، للزوج ثلاثة، وللأم سهم، وما بقي للأب، فلو كان موضع الأب جد كان لها الثلث من أصل المال؛ لأنها ترث مع الجد بطريق الفرض لا بالقسمة، ومع الأب بالقسمة.
وزوجة وأبوان أصلها من أربعة؛ لأنَّ فرض الزوجة الربع، وتبقى ثلاثة
_________________
(١) المنتقى (٨/ ٢٣٥).
(٢) نقله عنه الباجي في «المنتقى» (٨/ ٢٣٤).
(٣) بتمامه في «المنتقى» (٨/ ٢٣٤).
(٤) في (ق): (السنّة).
[ ٦ / ٤٩٦ ]
منقسمة على ثلاثة، للأم أحدها، وهو الربع.
فلو كان معهما أخٌ لم تتغيّر الفريضة، أو أخوان فصاعدا صارت من ستة، للأم السُّدُس؛ لأنهما يحجبانها إليه، قاله الباجي.
وقال شيخنا فيه نظر، وإنما يصير أصلها من اثني عشر؛ لأنَّ الأم تصير من ذوي الفروض، فللأم السُّدُس من ستة، وللزوجة الربع من أربعة، فيتفقان بالأنصاف، فتضرب نصف أحدهما في كامل الآخر، تكون اثنا عشر، للزوجة الربع ثلاثة، وللأم السُّدُس اثنان، وتبقى سبعة للأب.
ص: (لا يرث الإخوة والأخوات للأم مع الولد ولا مع ولد الولد، ذكورهم وإناثهم، ولا مع الأب ولا مع الجد، ويرثون فيما سوى ذلك، للواحد السُّدُس، ولجماعتهم الثلث، ذكورهم وإناثهم في ذلك سواء).
ت: لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
والكلالة: من لا ولد له ولا والد، قاله أبو بكر وعمر وعلي وزيد وابن عباس وابن مسعود.
فاشترط تعالى عدم عمودي النسب، وشركهم في الثلث فيستوون، ولأنَّ المدلى به واحد وهو الأم.
ص: (ميراث الأب مع الابن أو ابن الابن السُّدُس، وميراثه مع البنات أو بنات الابن السُّدُس، وله ما بقي بالتعصيب).
[ ٦ / ٤٩٧ ]
• ت: له ثلاث أحوال: التعصيب الصرف عند عدم الأبناء وأبنائهم، والفرض مع وجودهم، ومع البنات أو بنات الابن له السُّدُس بالفرض والباقي بالتعصيب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، ومعناه: والباقي للأب.
وقال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١].
وله مع البنت الباقي بالتعصيب لقوله ﵇: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». خرَّجه مسلم (^١).
ص: (الجَدُّ مع الولد أو ولد الابن بمنزلة الأب، ولا يرث مع الأب، ولا ترث الجدات مع الأم).
ت: من يُدلي بشخص لا يرث مع وجوده، وأجمعت الأمة أنَّ الجد كالأب، ما لم يكن أخوة أشقاء، أو لأب، فإذا انفرد حاز المال كالأب، ويأخذ ما فضَلَ بعد ذوي الفروض كالأب، ويُفرَض له السُّدُس كالأب، ولا ينقص منه كالأب؛ لأنه فرض، والفرض لا يتغير.
ص: (ميراث الجدة أو الجدات السدس).
ت خرَّج مالك: أنَّ الجدة جاءت إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها، فقال لها: «ما لكِ في كتاب الله شيء، وما علمتُ لكِ في سنة رسول الله ﷺ شيئًا،
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٤٨٩).
[ ٦ / ٤٩٨ ]
فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة ﵁: «حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السُّدُس»، فقال أبو بكر: «هل معك غيرك؟»، فقال محمد بن مسلمة الأنصاري مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب ﵁ تسأله ميراثها، فقال لها: «ما لكِ في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئًا، ولكنه ذلك السُّدُس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيَّتكما خلت به فهو لها» (^١).
وروى ابن وهب: أنَّ الجدة التي أعطاها رسول الله ﷺ هي أم الأم، وهي التي جاءت الصديق، والتي جاءت عمر أمُّ الأب، فسأل الناس فلم يجد من يخبره بشيء، فقال غلام من بني حارثة: لِمَ لا تورّثها يا أمير المؤمنين، وهي لو تركت الدنيا وما فيها لوَرِثَها؟ فورثها عمر.
ولأنَّ أم الأم أقيمت مقام الأم؛ كالجدّ مقام الأب، فجعل لها أقل نصيب الأم، وأمُّ الأب أم أحد الأبوين، فترثُ قياسًا على أم الأم، وقاله الجمهور.
وعن ابن سيرين: ليس للجدات سهم، إنما هو طعمَةٌ أُطْعِمنَها (^٢).
ص: (لا ترث أم الأم مع الأم، ولا أم الأب مع الأب).
لأنَّ من يدلي بشخص لا يرث مع وجوده؛ لأنَّ أصله أقوى منه.
وإذا اجتمع أم الأم وأم الأب فالسُّدُس بينهما نصفان.
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي بكر: مالك في «الموطأ» رقم (١١٢٤)، والترمذي في «سننه» رقم (٢١٠١)، وابن ماجه في (سننه) رقم (٢٧٢٤).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» رقم (٣١٢٩٠).
[ ٦ / ٤٩٩ ]
لحديث عمر.
فإن كانت أمُّ الأم أقرب اختصت به.
لأنها أصل فرضه، ولأنَّ الأمَّ تحجب الجدَّات، فأصلها أقوى، والأب لا يحجب أمَّ الأم فلا يحجبها من يدلي بالأب بطريق الأولى.
أو أمُّ الأب أقرب فهو بينهما نصفان.
للأثر المتقدم.
ولا يرث من الجدَّات إلا اثنتان: أمُّ الأم، وأمُّ الأب، وأمهاتهما، ولا ترث أمُّ أب الأب، ولا أمُّ أب الأم، انفردت أو كان معها من الجدات غيرها.
ت: قال مالك: لا ترث أمُّ الأب مع الأب (^١).
ولا أعلم أنَّ أحدًا ورَّث أكثر من جدتين (^٢).
ولأنَّ أصل الميراث الأب والأم، فأمهاتهما يقومان مقامهما.
وبقي غيرهم على الأصلح؛ فأمُّ أبِ الأبِ تُدلي بالجد، فلا ترث كأم أب الأم؛ لأنها أمُّ جدّ، ولأنَّ جَنَبَةَ الأم في باب الجدات أقوى من جَنَبَةِ الأب، فإذا لم يرث من جهتها جدتان فجهة الأب بذلك أولى.
وأم أب الأم تدلي بأب الأم، وهو لا يرث، فلا ترث.
ولا ترث أم الأب مع الأم؛ لأنَّ الأمَّ تمنع الجدة التي هي أمُّها وهي أقوى
_________________
(١) «الموطأ» (ص ٣٩٨).
(٢) بنصه عن مالك في «الموطأ» (ص ٣٩٨).
[ ٦ / ٥٠٠ ]
الجدات، فتمنع غيرها أولى، ولأنَّ الأم أصل الجدات، وأُقمن مقامها، فسقطن معها.
ولا تسقط أم الأم بالأب؛ لأنها أقيمت مقام الأم، فكما لا تسقط الأم بالأب كذلك بدلها، وأم الأب لم تقم مقام الأب، بل ورثت بجهة الأم.
وإنما لم يحجب الأب الجدَّةَ للأم لأنها لا تدلي به ولا ترث بمثل [سببه] (^١)؛ لأنها ترثُ بالأمومة، والأبُ يَرِثُ بالأبوة، فلم يحجبها كما لا يحجب الأم
ص: (لا يرثُ أحدٌ من ذوي الأرحام مع العصبة، ولا مع ذوي السهام، وذوو الأرحام خمسة عشر: أبو الأم، وأمُّ أب الأم، وولد الإخوة والأخوات للأم، والخال، وأولاده، والخالة، وأولادها، والعم للأم، وأولاده، والعمة، وأولادها، وولد البنات، وولد الأخوات من جميع الجهات، وبناتُ الإخوة، وبنات العمومة).
ت: روي عن رسول الله ﷺ أنه دُعِي لجنازة، فقالوا: ترك عمَّةً وخالةً، فقال ﵇: «أخبرني جبريل أنه لا شيء لهما» (^٢).
وقال أبو حنيفة بتوريث ذوي الأرحام.
لنا: ما تقدَّم، والمعتق قدّم عليهم، وهو لا يتقدم على النسب، فدل على أنهم لا شيء لهم، ولأنَّ المواريث تتكرر، فلو كانوا يرثون لكان ذلك معلومًا بالمدينة عند الصحابة وأبنائهم، ولما لم يكن ذلك دلّ على أنهم لا يرثون.
_________________
(١) خرم قدر كلمة في (ق) (ت)، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٤٩٠).
[ ٦ / ٥٠١ ]
ص: (لا يرث الإخوة والأخوات للأب والأم مع الابن، ولا مع ابن الابن، ولا مع الأب شيئًا، ويرثون في غير ذلك المال كله إذا انفردوا، للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك إذا بقي شيء بعد ذوي السهام، ولا يرث الأخوة والأخوات للأب مع الابن، ولا مع ابن الابن، ولا مع الأب، ولا مع الأخوة الأشقاء، ويرثون إذا انفردوا المال كله، أو ما بقي [بعد ذوي السهام] (^١)، للذكر مثل حظ الأنثيين).
ت: يُقدَّم الأقوى فالأقوى، والبنوة مقدَّمة على الأخوة؛ لأن الابن يحجب الأب للسُّدُس، والأب يحجب الأخ، فالابن أقوى من الأقوى، فلأن يحجب الابن الأخ من باب أولى.
ومن يدلي بشخص لا يرث مع وجوده.
وقوله تعالى في الإخوة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] يقتضي ما تقدم.
ويحجب الأشقاء أخوة الأب؛ لاشتراكهم معهم في الأب ورجحانهم بالأم.
فرع:
المشتركة هي: زوج، وأم، وأختان لأم، [وإخوة] (^٢) أشقاء، أصلها من ستة، للزوج النصفُ ثلاثة، وللأمّ السُّدُس سهم، وللأختين للأم الثلث، فيرجع [الإخوة] (^٣) الأشقاء على الأختين للأم فيشاركونهما في الثلث، حظ الأنثى
_________________
(١) في (ت): (بعد الفروض).
(٢) في (ت): (وأخوان).
(٣) في (ت): (الأخوان).
[ ٦ / ٥٠٢ ]
والذكر حينئذ سواء، تصح من اثني عشر، للزوج النصف ستَّة، وللأم السُّدُسُ اثنان، ولكلّ واحدٍ من الإخوة والأخوات سهم.
وتسمى الحمارية أيضا؛ لأنها نزلت بعمر ﵁، فأسقط الأشقاء، ثم نزلت به مرةً أخرى، فأراد إسقاطهم، فقال له الشقيق: هؤلاء استحقوا الثلث بأمهم، وأمهم أمنا، فهب أبانا حمارًا، أليست الأم تجمعنا؟! فقضى بالاشتراك بينهم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، قضيت فيها عامًا أوَّلًا بخلاف هذا، فقال: «تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا».
وإنما يقع التشريك إذا كان في الأشقاء ذكر، كان في الأشقاء أنثى أم لا، فإن لم يكن ذكر بطل التشريك، وصارت من مسائل العول، مثال ذلك: زوج وأم وأختان لأم، وأخت شقيقة، للزوج النصفُ ثلاثة، وللأم السُّدُس سهم، وللأختين للأم الثلث، وللشقيقة النصف، ثلاثة تعول بنصفها، فينتقص كلُّ واحدٍ منهم ثُلُثَ ما لفظ له به.
فإن كانت الشقيقة اثنتين عالت بثلثيها؛ لأنه يُفرَض لهما الثلثان، فيُنتقص كلُّ واحدٍ خُمسي ما لفظ له به؛ لأنها تبلغ عشرة.
فإن كان موضع الأشقاء إخوة لأب سقطوا، واختص الأخوة للأم بالثلث؛ لسقوط حجتهم بعدم المشاركة في الأم.
* ص: (للجد مع الأخ للأب والأم أو الأخ للأب النصف، ومع الاثنين فصاعدا الثلث، وإذا كثر الأخوة لم ينقص الجد من الثلث، وكان ما بقي للإخوة بينهم بالسوية، وله مع الأخت الثلثان ولها الثلث، ومع الأختين النصف، ومع
[ ٦ / ٥٠٣ ]
ثلاث الخُمسان، ومع أربع الثلث).
لأنه يصير معهنَّ أخا يقاسمهنَّ كما يقاسمهنَّ الأخ.
(فإن كثرن لم ينقص من الثلث).
لأنه حجب الإخوة للأم عنه.
(فإن كان معه الإخوة الأشقاء وأخوة لأب كان المال بينهم بالسوية ما لم ينقص الجد من الثلث، فإذا أخذ الجد نصيبه رجع نصيب ولد الأب على الشقيق فيُعادَد به).
لوجود [السبب] (^١) فيه، وهو أخوة الأب.
ولأنه لو كان مع الجد إخوة لأب ورثوا، فكذلك إذا كان معهم أشقاء.
ثم يحجبهم الشقيق؛ لأنه أقوى تعصيبًا منهم.
فإن كان معه ذو سهم وأخوة وأخوات بُدئ بذوي السهام فأُعطوا سهامهم، ثم أُعطي الجد الأكثر من ثلاثة أشياء: سُدُس جميع المال.
لأنه يستحق ذلك بالفرضية.
أو المقاسمة.
لأنه كأخ مع الإخوة.
أو ثُلُثِ ما بقي بعد ذوي السهام.
لأنه حجب الأخوة للأم عن الثلث.
_________________
(١) في (ت): (الشقة).
[ ٦ / ٥٠٤ ]
ت: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى زيد بن ثابت، فسأله عن الجد، فكتب إليه: «إنك كتبت إلي تسألني عن الجد، وقد حضرت الخليفتين قبلك يعطيانه النصف مع الأخ، والثُلُثَ مع الاثنين، وإن كثروا لم ينقصوه من الثلث»، خرجه مالك.
قال الباجي: وجعله جماعة من الصحابة كالأب، يحجبون به الإخوة.
لنا: قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، ولم يفرق بين أن يكون فيهم جد أم لا.
وقوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لا يختص بذوي السهام، بل المراد المقدَّرُ، والأخ يُقدَّر له ميراث.
ولأنه يُدلي بالبنوة فلا يحجبه الجد؛ كالابن.
ويأخذ الثلث بالفرض والباقي إن فضل شيء بالتعصيب.
فإن قيل: كيف يُعطى الثُّلُثَ وهو إنما يدلي بالأب، والأب له السدس؟ فالجواب: أنَّ الأب إنما له السُّدُس مع الولد وذي الفرض، وهذا حال الجدّ أيضا، وأما الإخوة فالأب يُسقطهم، ويُفرَض للجد معهم الثلث، فكان حاله أضعف من حال الأب (^١).
فله فرضان: السُّدُس مع ذوي الفرض، كالأم، والثلث مع الأخوة.
ولأنَّ الجد له مع الولد السُّدُس، وهم أقوى من الإخوة، فناسَبَ أن يُزاد
_________________
(١) العبارة في (ت): (فالأب يُسقطهم، ففرض له الثلث، فضعف عن الأب).
[ ٦ / ٥٠٥ ]
مع الإخوة، وأقل فرض يُستَحَقُّ بالقرابة السُّدُس، فجُعِل الذي يُزاده مع الأخوة السُّدُس مع سُدُسه، فصار له الثلث.
وأما سقوط فرض الأخت معه وانتقالها للمقاسمة؛ بسبب أنَّ هذا شأنها مع الأخ، وهو أضعف من الجد، فتأخذ معه الثلث كالأخ.
ويستبد الأشقاء بما يحصل لأخوة الأب، إلا أن يفضل عن فروض الإناث منهم فضْلَةٌ، فتُعطى للإخوة للأب، ومنع علي وابن مسعود المعادة.
لنا: أنَّ الأمَّ تُحجَب بالوارث وغير الوارث، فكذلك الجد، ولأنَّ الأخوة يحجبون الأم إذا ورثوا وإذا لم يرثوا.
ولا يعادونه بالإخوة للأم؛ لأنَّ الجد يُسقطهم.
ولأنهم لا يرثون إلا بالفرض، والمقاسمة تقتضي التعصيب.
فإن كان جد وأخت شقيقة وأخت لأب، أصلها أربعة: للجد سهمان، ولكل أخت سهم، ثم تأخذ الشقيقة من أخت الأب فيصير لها النصف.
فإن كان موضع أختِ الأب أخٌ ذكر فأصلها من خمسة، للأخت سهم، وللجد سهمان، وللأخ، سهمان، ثم ترجع الشقيقة فتأخذ من الأخ للأب تكملة النصف سهما ونصفًا، فيبقى للأخ للأب نصف سهم، فينكسر، فتضربها في أصل الكسر وهو النصف وهو اثنان، فتكون عشرةً، للأخت خمسة، وللجد الخمسان أربعة، وللأخ العشر وهو سهم؛ لأنَّ الأخت لو انفردت لكان لها النصف، وأحسن أحوالها مع الجد أن تأخذ ما كانت تأخذه في الانفراد.
وإنما بدئ بذوي الفروض قبل الجد لأنَّ الفرض مقدم على التعصيب،
[ ٦ / ٥٠٦ ]
وهذا فيما يقاسم به الأخوة بالتعصيب، أما السُّدُس الذي هو فرضه فيبدأ به أيضا، ولا يُقدم عليه فيه أحد من ذوي الفروض، فإن فضل بعده شيء كان كأنه تركةٌ وحدها، يأخذ ثلثها مع الأخوة، أو المقاسمة، لأنه عاصب، وذو السهم كالغريم، فإذا أخذ ذو السهم حقه كان الفاضل عنه كالفاضل عن الغريم، ولما قاسم الجد الإخوة [في جميع] (^١) المال إلى الثلث كذلك فيما بقي.
ص: (إذا كان معه زوج وأم وأخت شقيقة؛ فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت النصف، وللجدّ السُّدُس، أصلها من ستة، وتعول إلى تسعة، وليس يعول في مسائل الجد غيرها، ثم يُجمع نصيب الجد والأخت - وهو أربعة - فيجعل بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين، فلا تصح قسمتُه، فتُضرَبُ المسألة بعولها في ثلاثة، فتكون سبعة وعشرين، للزوج تسعة، وللأم ستة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة).
ت تُسمَّى الغَرَّاء؛ لعدم مثلها في المسائل، كغرة الفرس، وتسمى الأكدرية؛ لأنَّ عبد الملك بن مروان طرحها على رجل يقال له الأكدر، وكان يُحسنُ الفرائض، فأخطأ فيها.
وإنما فرض للأخت فيها لأنه لم يبق لها شيء تأخذه، وهي لا تسقط هاهنا، فاحتيج للفرض، ثم ترجع إلى قاعدة المقاسمة مع الجد.
وإنما كان أصلها من ستة؛ لأنَّ نصف الزوج ونصف الأخت متماثلان، يغني أحدهما عن الآخر، ومخرجه من اثنين، والاثنان داخلة في الستة، فاستغني
_________________
(١) خرم قدر كلمتين في (ق)، وساقط من (ت)، والمثبت ما يناسب السياق.
[ ٦ / ٥٠٧ ]
بالستة عن اثنين، وكذلك الثلث داخل فيها.
وإنما عالت لسبعة وعشرين لأنَّ سهم الجد السُّدُس، وفرض لها ثلاثة النصف، فصار بأيديهما أربعة، يقسمانها للذكر مثل حظ الأنثيين، فيقتسمانه على ثلاثة؛ لأنَّ الجد كأختين، فالأربعة لا تنقسم على ثلاثة، فتضرب ثلاثة في تسعة، تصير سبعةً وعشرين، فللزوج من تسعة، ثلاثة مضروبة في ثلاثة بتسعة، وللأم اثنان في ثلاثة بستة، وما بقي بين الجد والأخت، للجد ثمانية، وللأخت أربعة.
وهذه المسألة تكفي في المعاياة، فيُقال: أربعة ورثوا [هالكا] (^١)، أخذ أحدهم ثُلُثَ المال وانصرف، وأخذ الثاني ثُلُثَ ما بقي وانصرف، وأخذ الثالث ثُلُثَ ما بقي وانصرف، وأخذ الرابع ما بقي وانصرف.
ولو كان بدل الأخت أختان لم يعل لهما؛ لبقاء فضلة من المال؛ لحجبهما الأم للسُّدُس، فيبقى لهما السُّدُس.
قال الباجي والفرق بين هذه المسألة وبين الأكدرية أنَّ الأخوات لما ورثنَ في هذه من نفس المال تعدى تعصيب الجدّ إليهن، وليس كذلك في الأكدرية فإنه لم تُبق الفرائض للأخت شيئًا، فلم يتعد تعصيب الجد إليها، فوجب ردُّها للفرض حين لم يعصبها الجد.
ص: (لا يُرَدُّ على أحدٍ من ذوي السهام، ويُصرف الفاضل عنهم لبيت المال، فإن لم يكن لهم بيت مال تُصدِّق به على الفقراء).
_________________
(١) في (ت): (مالًا).
[ ٦ / ٥٠٨ ]
ت: وقاله الشافعي.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: يُرَدُّ على كل وارث بقدر ما ورث.
وأجمعوا أنه لا يُرَدُّ على زوج ولا زوجة، ويُرَدُّ الفاضل لبيت المال، ومَن يورث ذوي الأرحام يعطيهم إياه؛ لأنَّ سبب الزوجين النكاح، وقد انقطع.
ص: (المولى يرث المال أجمع إذا لم يكن معه ذو سهم ولا عصبة، وله ما بقي عن ذوي السهام، ولا يرث معه ذوو الأرحام، ومولى المولى بمنزلة المولى، وعصبة المولى كعصبة القرابة، يرثون كما يرثون، ويُرتبون كما يُرتَّبون، ومن أعتق عبدا فمات فرحمه أولى بميراثه، فإن لم يكن له ذو رَحِمٍ وَرِثَه مُعتِقُه).
ت: أصل ذلك قوله ﵇: «الولاء لحمَةٌ كلحمَة النَّسَب» (^١).
وقوله ﵇: «الولاء لمن أعتق» (^٢).
وأجمعوا على أنه يرثه ويعقل عنه.
وأعتقت ابنة حمزة بن عبد المطلب رجلًا، وتوفي وترك بنتا له، فأعطى رسول الله ﷺ ابنته النصف، وأعطى ما بقي لمولاته (^٣).
ومعتق المعتق يُنزل منزلة المعتق عند عدمه؛ لأنه مولى المولى.
وقرابة المعتق يقدم أقواهم سببًا؛ لأنه ليس من باب ميراث الأب؛ لأنه لو
_________________
(١) أخرجه الحاكم في «مستدركه» رقم (٧٩٩٠).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٥٤٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه في «سننه» رقم (٢٧٣٤)، والنسائي في «سننه الكبرى» رقم (٦٣٦٥).
[ ٦ / ٥٠٩ ]
ترك ابنا واحدًا وجدا لم يستحق الجدُّ شيئًا، وإنما هو من باب الولايات، يقدم فيه الأقرب؛ لأنَّ ما يستحقه العصبة شيئان: ميراث وولاية، فالولاية في القصاص والنكاح، وبأيهما اعتبرت الولاء لا يدخل أبناء الأبناء مع وجود آبائهم أو عمومتهم.
وفي «الموطأ»: أن العاصي بن هشام هلك، وترك بنين ثلاثةً؛ شقيقين وأخًا لأب، فهلك أحد الشقيقين وترك مالًا وموالي، فورثه شقيقه، ثم هلك الذي ورِثَ المال وولاء الموالي وترك ابنه وأخاه لأبيه، فقال ابنه: قد أحرزت ما كان أبي أحرز من المال وولاء الموالي، وقال أخوه: إنما أحرزت المال لأنه لو هلك أخي اليوم ورثته، فقضى عثمان ﵁ للأخ بولاء الموالي (^١).
ص: (يرث المسلم مولاه النصراني إذا أسلم، ويرث المسلم عبده النصراني واليهودي).
لأنَّ عبد الله بن عمر ﵄ ورث عبدا له نصرانيا كان يبيع الخمر ويعمل بالربا، فقيل له في ذلك، فقال: ليس الذي عمل به في دينه بالذي يُحرم علي ميراثه (^٢).
ولأنه ليس ميرانا، بل بالرّق، وهو أقوى أسباب الميراث؛ لأنه يمنع النسب.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يرث المسلم الكافر، إلا أن يكون عبده أو أمته» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٥٥٨).
(٢) «المدونة» (٦/ ١٥١).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٤٧٨).
[ ٦ / ٥١٠ ]