إذا طلب أحدهم القسمة في دار أو أرض؛ أُجبر الممتنع؛ لِيَصِلَ كلُّ واحدٍ إلى حقه.
ت: أصلها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ الآية [النساء: ٨] وقال رسول الله ﷺ: «الشفعة فيما لم يُقسم» (^١).
ولا خلاف إذا قُبلت القسمة.
أما الدار الصغيرة التي لا يحصل في نصيب أحدهم ما ينتفع به:
قال مالك: يُقسم (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].
وقال ابن القاسم: لا يُقسم، ويباع ويُقسم ثمنه؛ نفيا للضرر (^٣).
ص: (تُقسم الثياب والعروض والحيوان).
ت: يُقسم النوع منه دون أعيانه؛ لقسمة رسول الله ﷺ العبيد بالقرعة، فأخرج حصة الحرية من حصة الرقّ للورثة، وكانوا ستة، جزأهم ثلاثة أجزاء،
_________________
(١) أخرجه بنحوه من حديث جابر: البخاري في صحيحه رقم (٢٢٥٧)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤١٢٧).
(٢) «المدونة» (١٠/ ٩٦ - ٩٧).
(٣) انظر: «النوادر» (١١/ ٢٢٥).
[ ٦ / ٢٢٤ ]
أعتق اثنين وأرقَّ أربعة (^١).
لأن كل واحد من الشُّركاء يريد استقلاله بملكه، والقسمة طريق لذلك، ولا تصح قسمة العبد أو الدابَّة أو السفينة، وما هو في حكم العين الواحدة، كالخفّين والنعلين، وكلُّ ما في قسمته إتلاف عينه، أو تعذَّرُ النَّفع به؛ لأنَّ القسمة إنما هي لتحصيل المنفعة، وهذه القسمة تُذهبها.
ولأن الطالب لها طالب لإفساد مال شريكه، فيُمنع منه.
قال الأبهري: قسمة السفينة والثوب والسيف ضرر؛ فيمتنع.
ص: (إذا تشاحًا في السفينة أو الثوب أو الدابة، وأراد أحدهما البيع؛ أُجبر الممتنع حتى يُحَصَّل الثمن فيقسمانه).
ت: لأنَّ في بيع البعض ضررًا بنقصان الثمن، فيُجبر - لنفي الضرر - على إخراج ملكه، كالشفعة.
وإن أراد أخذ المبيع بما دفع فيه أخَذَهُ؛ لأنه أولى من الأجنبي.
وإن أراد الشريك بيعَ حِصَّته مشاعةً لم يلزمه البيع معه، ولهما أن يتقاوما، فمن زاد على صاحبه سلم له، هذا فيما لا ينقسم آحاده.
ص: (إذا قُسِمت الدار وتركت عرصتُها مرفقًا لأهلها، فأراد بعضُهم قسمتها، فهل تُقسم أو تُترَك مَرفِقًا؟
_________________
(١) أخرجه من حديث عمران بن حصين: أحمد في «مسنده» رقم (١٩٩٣٢)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٣٣٧)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٩٦١).
[ ٦ / ٢٢٥ ]
روايتان).
ت: إذا كانت واسعةً ولا ضرر في قسمتها، قسمت (^١).
قال سحنون: لا تُقسَم بالسَّهم، لئلا يصير نصيب أحدهما على باب الآخر (^٢).
وقال مُطَرَّف: لا تُقسَم (^٣)؛ لأنهم رضوا ببقائها، فمن أراد قسمتها رجع فيما رضي به، فيُمنع.
قال اللخمي: تُقسَم؛ ليختص كلُّ واحد بملكه، ويُحْجَرُ كلُّ واحد نصيبه؛ ليستتر عن صاحبه، ولا يجوز الرضا بغير تحجير؛ لكشفه الحريم (^٤).
وإن كان في قسمتها ضررٌ لم تُقْسَم؛ لأنها تَبَعُ لأصل مقسوم، ونفيًا للضرر بذهاب الارتفاق.
ص: (ما كان من الدُّور والأرضين متقارب المنافع والمواضع ضُمَّ في القسمة ولم يُفرَّق، وما تباعدت مواضعه وتفاوتت منافعه فُرِّق في القسمة، ولا يُضَمُّ إلا بتراضي أربابه).
ت: المُحَلَّتان المتقاربتان كالمَحَلَّةِ الواحدة يُضَمَّان؛ لأن كثرة العدد أنفع للفريقين، وأبعد عن الضرر؛ لأن الدار الواحدة إذا قُسِمَت ربما فسدت، وإذا حصل لكلِّ واحد دارٌ كاملة كان أصلح، فالعدول عن ذلك إيثار للضرر فيُمنعُ.
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١١/ ٢٢١ - ٢٢٢)، و(التبصرة) (١١/ ٥٩٦٤).
(٢) بنحوه عنه في (النوادر) (١٠/ ٥١١).
(٣) (النوادر) (١١/ ٢٢٢)، و(التبصرة) (١١/ ٥٩٦٤).
(٤) (التبصرة) (١١/ ٥٩٦٤).
[ ٦ / ٢٢٦ ]
فإن كانت إحداهما في وسط البلد والأخرى في طرفه، أو هما في طرفها أو في وسطها وإحداهما في محِلَّةٍ جيدة والأخرى في رديئة لم يُجمَعا؛ لأنَّ الأغراض تختلف بذلك، فيحصل الغرر؛ لأنه ما يُعلم ما يحصل لكلّ واحد.
وإن اختلفت بالجِدَّة والقِدَم وهي ذوات عدد؛ قسم الجديد وحده والقديم وحده، أو دارين فقط؛ جُمعتا في القُرعة؛ لأنها ضرورة.
وتُجمع الحوانيت من سوقين إلا أن تتفاوت الأغراض تفاوتا يمنع الرضا إذا خرج بالقرعة، بخلاف المتقاربة، ولا تُجمع الدور للحوانيت، ولا الفنادق ولا الحمامات، وتُجمع الفنادق إذا تقاربت مقاصدها.
أما مع الرضا فيُضَمُّ المتفاوت والمتقارب؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ أسقط حقه فيما له فيه غرض.
ص: (إذا اختلف بناء الدار قسمت بالقيمة، وعُدّلت وضُرِبَ عليها بالسهام، إلا أن يتخاير أربابها؛ فيجوز ذلك بينهم).
لما في «مسلم» من الإقراع بين العبيد كما تقدم (^١).
(وكذلك الحائط المختلف النخل والشجر يُعدل بالقيمة ويُسهم عليه).
ت: إذا تباينت الأغراض في الشجر، كالنخل والعنب والزيتون؛ لم يُضمَّ صنف لآخر في قرعة الجبر. فإن تراضوا بالقرعة:
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٢٥).
[ ٦ / ٢٢٧ ]
قال اللخمي: أصل ابن القاسم المنع، وأصل أشهب الجواز (^١).
وعن ابن القاسم: الجواز فيما قلَّ كنخلة وزيتونة يقسمانهما بالتراضي إذا اعتدلتا في القسم، ولا يُجبران، وإن لم تعتدلا تقاوماهما [أو] (^٢) باعاهما (^٣).
فقوله: إذا اعتدلتا [إشارة إلى جواز القرعة] (^٤)، فإنَّ الاعتدال لا يُشترط في غيرها.
فإن تقاربت المنافع، كالتفاح والرمان والخوخ وغيرها:
قال ابن القاسم: يُجمَع فيُقسم على القيمة (^٥).
قال ابن عبدوس: والعمل في هذا أن يبدأ القاسم فيقوم نخله (^٦) إذا كان عارفًا بقيمتها في ذلك الموضع، ويسأل أهل الخبرة بما عرف من حمل كلّ نخلة، فقد تكون ذات المنظر قليلة الحمل، وبالعكس.
ثم يجمع ويقسم على السهام، ثم يضرب على أي [الطرفين] (^٧) يبدأ، ثم يكتب اسم كل واحد من الأشراك في رقعة، ويخلطها داخل كمه، ثم يُخرج أول سهم، ثم الثاني والثالث، إلى آخرها.
ثم يبدأ بالأول فيعطيه من تلك الناحية التي خرجت بالسهم شجرةً شجرةً،
_________________
(١) «التبصرة» (١٠/ ٥٨٥٢).
(٢) في (ز): (و)، وساقطة من (ت)، والتصويب من «التبصرة» (١٠/ ٥٨٥٢)، و«التذكرة» (٩/ ٣٠١).
(٣) بتمامه عنه في «التبصرة» (١٠/ ٥٨٨٢).
(٤) في (ت): (إشارة للقرعة).
(٥) بنصه عنه في «التبصرة» (١٠/ ٥٨٨٣).
(٦) العبارة في (ت): (قال ابن القاسم: تجمع فيبدأ القاسم، قال ابن عبدوس: تقوم نخلة نخلة).
(٧) في (ز): (الطريقين).
[ ٦ / ٢٢٨ ]
حتى يكمل له حقُّه، فإن وقع بقيَّةُ حقه في بعض شجرة كان شريكا فيها، ثم يصنع بالثاني والثالث كذلك (^١).
وإن كانت حوائط، وكل نوع على حدة، وكلُّ [يحتمل] (^٢) القسمة؛ قَسَمَ كل نوع على حِدَةٍ.
وقال أشهب: يَقسِمُ كل نوع على حدة وإن كان مختلطا (^٣)؛ لأنه إن قسَمَ بالسواء ظَلَم الذي أخذ التمر؛ لأنَّ خلَّ العِنَب أطيب من خلّ التمر، وإن عدل بالسهم دخله التفاضل.
قال الأبهري: إذا كانت الحوائط في موضع واحدٍ متقاربة المنفعة؛ قسمت قسمًا واحدًا؛ ليحصل نصيبُ كلّ واحدٍ في موضع، والتفريق ضرر عليهم، وتقارب منافعها يصيّرها كالدار الواحدة.
فإن اختلفت منافعُها قَسَمَ كلَّ واحدٍ وحدَهُ، وكذلك إذا تباعدت لا تُضم وإن اتفقت؛ لأن ضم المختلِفِ غَرَرٌ في القرعة.
ص: (تُقسم الدور والأرضون على أقل السهام.
فإن خرج اليسير لصاحب الكثير ضُمَّ له ما يليه حتى يستوفيه، أو لِمَنْ هو له أخَذَه، وأقرع بين الباقين حتى يستوفوا حقوقهم).
_________________
(١) بتمامه من قول ابن عبدوس إلى هنا في «التبصرة» (١٠/ ٥٨٨٥ - ٥٨٨٦).
(٢) في (ز): (يحمل)، والمثبت من (ت)، وهو أليق بالسياق.
(٣) انظر: «النوادر» (١١/ ٢٢٩).
[ ٦ / ٢٢٩ ]
• ت: لأن صاحب السهم القليل يحتاج لإفراد حقه، فلو لم يُقسم على أقل السهام لم يصل لغرضه.
وصفة القرعة: أن تُكتَبَ أسماء الشركاء في رقاع، وتجعل في طين أو شمع، وتُرمَى كُلُّ رقعة في جهة، فمن حصَلَ اسمه في جهة أَخَذَ حقه متصلا فيها (^١).
وقيل: تكتب الأسماء والجهات، وتُخرج أوَّل بندقة من الأسماء، ثم أوَّلُ بندقة من الجهات، فيُعطى من خرج اسمه نصيبه في تلك الجهة.
فإن تشاحوا على أيِّ الجهتين يُضرب أسهم عليهما، فمن خرج سهمه أُعطي من ذلك الطرف، وضم له سهامه إليه.
فإن اتفقوا على الجهة، ولأحدهم النصفُ، وللآخر الثلث، وللآخر السُّدُس؛ فإنه يُجعَل على ستة أنصباء متساوية.
فإن خرج سهمُ السُّدُس أوَّلًا، أُعطيه صاحبه في تلك الجهة، أو أحد الآخرين ضُمَّ إليه [فيها] (^٢) بقيَّة نصيبه، وما بقي لصاحبه.
فإن خرج النصف أولا؛ أخذه فيها، وأُسهم بين صاحب السُّدُس والثلث.
فإن خرج السُّدُسُ؛ أخذه وإن كان في الوسط.
ص: (لا يجمع القاسم بين اثنين في القسم إلا أن يتراضى الشركاء كلهم).
_________________
(١) انظر: «التبصرة» (١١/ ٥٩٦٩).
(٢) في (ت): (منها).
[ ٦ / ٢٣٠ ]
لأنَّ القرعة غَررٌ جاز للضرورة في إقرار الأملاك، ولا ضرورة في الجمع؛ لأنه يزيد [غررا] (^١)، فإذا رضُوا سقط حقهم.
(وأجرة القاسم على عددهم، لا بقدر الحصص).
• ت: وقال الشافعي وأصبغ: على قدر الحصص (^٢)؛ لأن العمل لصاحب الكثير أكثر؛ لأنه يقسِمُ له جُزأه أثمانًا، وصاحب الثمن يَقسِمُ له ثمنًا واحدًا، ويحتاج الكثير للذرع والحساب أكثر.
وجوابه: أن التعب ربما حصل في القليل أكثر.
فرع:
قال مالك: إذا جعل القاضي جعلا في المواريث، في كل مئة دينار؛ ليس بحرام بيّن، وليس من عمل الأبرار، والتبرع أولى (^٣)؛ لأنه من إصلاح الناس، كتعليم العلم، وفعل الخير، وغسل الموتى ودفنهم، وعلى الإمام أن يُنصب للناس قاسما من بيت المال كما يُنصّب قاضيًا، فإن لم يفعل؛ جاز للناس استئجاره.
• ص: (إذا اختلفا في القرعة من أي الجهات؛ أقرع بين الجهتين).
وقد تقدم تقرير هذه المسألة.
(وكلُّ ما لا يُجبر على قسمته لا يُسهم عليه، وما يُجبر على قسمته يُسهم عليه).
_________________
(١) في ز: (ضررًا).
(٢) نقله عن أصبغ ابن رشد في «البيان والتحصيل» (٨/ ٢٠٢).
(٣) بتمامه عنه في «النوادر» (٧/¬١١).
[ ٦ / ٢٣١ ]
• ت: الجبر على القسمة في متقارب المنافع، وإلا فلا يُقسم إلا بالتراضي؛ لأنَّ القرعة غرر أجيزت للضرورة في المتساويات، وفي المختلفات يكثر الغرر جدًا، فإذا تراضوا صار بيعًا لأحد المختلفين بالآخر مع الرضا، فانتفى الخطر.
والقسمة تمتنع لحقِّ الله تعالى في الغرر مثل هذا، ولحق الآدمي، كالدار الصغيرة والحمام والخشبة والثوب والمصراعين، إلا أن يتراضيا؛ فتجوز بالقرعة وغيرها.
• ص: (القسمة بين الورثة على قدر السهام لا على عدد الرؤوس).
لأن كل واحد محتاج لتمييز حقه؛ فيُقسم على أقل السهام ليحصل لصاحب القليل غرضُه.
(ولا يُفرَّق بين أهل سهم في القسم، بل يُقسم لهم نصيبهم في حيّز واحد، فيقسمونه إن شاؤوا).
• ت: لأنَّ أهل السهم الواحد كالمالك الواحد؛ لأنَّ الشفعة بين أهل السهم لا يدخل فيه أهل السهم الآخر.
قال مطرف: إن كانت الأرض مستويةً قُسِمت بالقياس، أو مختلفةً فبالقيمة، فإذا استوت كتَبَ أهل كلِّ سهم واسم سهمهم في بطاقة، ويُخرج بطاقتين، فيجعل إحداهما في هذا الطرف والأخرى في الطرف الآخر، فمن خرج سهمه في طرفٍ ضَمَّ إليه ما بقي من حقه، ويَعتبر أهل الثمن - كالزوجات - أهل سهم، والجدات أهل سهم، والثلث - من الكلالة أو موصى لهم به - أهل سهم، ثم بعد
[ ٦ / ٢٣٢ ]
هذه القسمة يقسمونه ثانيةً إن شاؤوا أو يتركونه (^١).
قال مالك: إن ترك زوجةً وابنًا أو عصبةً لم يُسهم للزوجة إلا على أحد الطرفين، لا في الوسط، فتأخُذُ الطرف، والباقي للباقي، وكذلك إن كان الولد والعصبةُ عددًا (^٢).
وقال المغيرة: يُسهم للزوجة حيث خرج سهمها.
ص: (إذا كان حمَّامٌ بين اثنين، وأراد أحدهما قسمته، وأبى الآخر؛ فهل يُقسم أو يباع فيُقسم ثمنه؟
رواتان).
كما تقدَّم فيما لا يُنتفع به بعد القسمة كما كان يُنتفع به قبل القسمة.
فقال مالك مرة: يُقسم؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] (^٣).
وقال مرة: لا يُقسم؛ لقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (^٤) (^٥).
قال اللخمي: ولا يُقسم أحسن، ولو رضِي الشريكان لمنعهما السلطان؛ لنهيه ﷺ عن إضاعة المال (^٦).
وتقدم توجيهه.
_________________
(١) بنحوه عنه في «النوادر» (١١/ ٢١٥ - ٢١٦).
(٢) «المدونة» (١٠/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٣) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٥٩٦٢).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٧٠).
(٥) انظر: «التبصرة» (١١/ ٥٩٦٢).
(٦) بنصه في «التبصرة» (١١/ ٥٩٦٢).
[ ٦ / ٢٣٣ ]