(الوكالة جائزة في البيع والشراء والخصومة والقضاء والاقتضاء وغيرها).
ت: لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩].
وأمر رسول الله ﷺ رجلا أن يشتري له أضحية بدينار، فاشترى له شاتين بدينار، فباع واحدةً بدينار، وأتاه بشاةٍ ودينار، فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة (^١).
وأجمعت الأمة على جواز الوصية، والوصي يبيع ويشتري، ويقضي ويقتضي، وهي وكالة.
ووكل علي ﵁ عقيلًا في الخصومة، وقال: هذا عَقيل، ما قُضِي عليه فعلي، وما قُضي له فلي.
* * *
* ص: (والوكيل أمين لا يضمن إلا أن يتعدى، ويصدق في رد السلعة أو ثمنها للآمر).
* ت: لأنه أقامه مقام نفسه، ورضيه، كالمودع، وإذا وكله في الحكومة فقد رضي إنكاره وإقراره، ويُصدَّق في رد السلعة، كالمودع.
وإذا أبضعت معه سلعة فقال: رددتها قبل أن أخرج؛ قال مالك: صُدِّق، إلا
_________________
(١) أخرجه من حديث عروة البارقي: أحمد في «مسنده» رقم (١٩٣٥٦)، والبخاري في «صحيحه» رقم (٣٦٤٢).
[ ٦ / ٦٤ ]
أن يقبضها ببينة (^١).
* * *
* ص: (إن باع الوكيل ولم يُشهد على المشتري، وجحده؛ فهو ضامن؛ لتعديه).
* ت: لأنه لما سلم السلعة ولم يقبض الثمن فقد عرَّضها للتلف (^٢).
وما الذي يضمن؟ (^٣).
قال ابن أبي زيد: القيمة؛ لتعديه على السلعة، ولم يتعد على الثمن.
وقال ابن شبلون: الثمن؛ لتفريطه في [تحصيله] (^٤)، أو لأنَّ من استهلك سلعةً بعد [قيامها على ثمن يضمن] (^٥) ذلك الثمن.
وقيل: يضمن الأقل منهما.
وكذلك إن وكَّله [ليسلم] (^٦) في طعام، فقال: فعلتُ، وأنكر ذلك المسلم إليه؛ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: يضمن رأس المال.
وقيل: يضمن الطعام.
قال أبو محمد: هذا كله فيما جرت العادة بالإشهاد فيه، وإلا لم يضمن.
_________________
(١) انظر قول مالك «النوادر» (٧/ ٢٣٠).
(٢) انظر: «التبصرة» (٨/ ٤٦٣٤).
(٣) انظر: «النوادر» (٧/ ٢٣٢)، و«عقد الجواهر» (٢/ ٦٨٢ و٦٨٤)، و«الذخيرة» (٨/¬١٠).
(٤) في (ز): (تخليصه).
(٥) في (ز): (قيامها بثمن ضمن).
(٦) في ز: (في تسليم).
[ ٦ / ٦٥ ]
قال أبو محمد: لا يضمن السمسار الطوَّافُ في الأسواق إذا قال: بعتُ الثوب من فلان، وأنكر فلان الشراء؛ لأنَّ عرف الناس عدم إشهاد السمسار.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: إن اتُّهم استُحلِف.
قال أبو العباس الإبياني: يضمن؛ لعدم الإشهاد.
وفي «المدونة» في القراض قال مالك: إذا دفع العامل ثمن سلعة بغير بينة، فجحده البائع وحبَسَ السلعة؛ فهو ضامن، وكذلك الوكيل على شراء سلعة بعينها أو بغير عينها، فدفع الثمن، فجحده البائع وحبَسَ السلعة؛ يضمن، وإن علم رب المال بقبض الثمن بإقراره عنده أو بغير ذلك وجحده؛ فله (^١) تغريم العامل؛ لأنه أتلف بعدم الإشهاد، إلا أن يدفع الوكيل الثمن بحضرة ربّ المال.
* * *
* ص: (إن وكلت زوجها في بيع أو شراء، وقالت: لم يعطني شيئًا؛ حلف وبرئ، وكذلك الموكل في دين) (^٢).
* ت: لأن الوكيل أمين يُصدَّق على من ائتمنه.
فإن قال: دفعته لغيره لم يصدق إلا ببينة؛ لأنَّ غيره لم يأتمنه، والمال في ذمة الوكيل، لا يبرأ منه إلا ببينة، وكلُّ مَنْ كان في ذمته شيء لا يبرأ منه إلا ببينة،
_________________
(١) العبارة في (ز): (وفي «المدونة»: إذا وكَّل على شراء سلعة بعينها في القراض، أو بغير عينها، فدفع الثمن، فجحده البائع وحبَسَ السلعة؛ ضمِنَ، وله)، والعبارة في (ت): (وفي «المدونة»: إذا وكَّل على شراء سلعة بعينها في القراض، أو بغير عينها، فدفع الثمن، فجحده البائع وحبَسَ السلعة؛ ضمِنَ، وإن غرم وعلم ربُّ المال بقبض الثمن بإقراره عنده، أو بغير ذلك وجحده؛ فله).
(٢) انظر معناه «النوادر» (٧/ ٢٢٨).
[ ٦ / ٦٦ ]
وكلُّ مَنْ كان في يده مال أمانةً صدق في رده لمن ائتمنه.
قال الأبهري: ولا خلاف في هاتين الجملتين (^١).
* * *
* ص: (إذا وكله بقبض ماله فقال: أخذتُه، ولم يوصله لربه؛ لا يبرأ الذي عليه الحق إلا ببينة، وإلا [غرم] (^٢) الحق، ولا ينفعه إقرار الوكيل).
* ت: لأنَّ الغريم مدع، وعلى صاحب الحق اليمين، وأمانة الوكيل بينه وبين الموكل لا الغريم.
قال مطرف: هذا في الوكيل المخصوص، أما المفوض والوصي فيبرأ من دفع إليهما (^٣).
وقال ابن القاسم، وعبد الملك، وابن عبد الحكم في المفوض والمخصوص: يُصدقان مع أيمانهما، كالمودع في رد الوديعة (^٤).
* ص: (إن باع ووكل في قبض الثمن، فقال الوكيل: قبضته ودفعته لربه، فعلى الغريم البينة بدفعه للوكيل، وليس على الوكيل إلا اليمين في دفعه).
* ت: لأنَّ الغريم مدع لبراءة ذمته، فعليه البيئة، وإلا يحلف صاحب الحق أو وكيله؛ لأنَّ البيئة على المدعي، واليمين على المنكر، كما جاء في الحديث،
_________________
(١) ذكره في «شرحه على المختصر الكبير» (٢/ ٥٨٢).
(٢) المثبت من (ق)، وفي (ز ت): (ويغرم).
(٣) بنصه عنه في «النوادر» (٧/ ٢٢٩).
(٤) نقل ذلك عنهم ابن أبي زيد في «النوادر» (٧/ ٢٢٩).
[ ٦ / ٦٧ ]
والوكيل مؤتمن اكتفي بيمينه، والغريم ليس مؤتمنا.
قال ابن المواز: ولا ضمان على الوكيل للدافع إليه بترك الإشهاد على الموكل ليبرأ الدافع إليه؛ لأنه لما سلَّمَ إليه بغير إشهاد فقد رضِي بأمانته في التسليم، فيُصدق مع يمينه، ويحلف الموكل أنَّ الوكيل لم يدفع إليه شيئًا، ولا عَلِمَ أنه قبض، ويحلف الوكيل أنه سلَّمَ إليه (^١).
* * *
* ص: (ولا يخاصم عن الغائب قريبه إلا بوكالة [أو أمر يُعرَف] (^٢».
* ت: أو بأمر حاكم؛ لأنَّ الأصل عدم الولاية على مال غيره إلا بسبب شرعي.
ولقوله ﵇: «كلُّ أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين» (^٣).
* * *
* ص: (وإذا اشترى الوكيل بعد موت [الموكل] (^٤) ولم يعلم بموته؛ لزِمَ الشراء ورثته، وإن لم يكن قبض الثمن لزم في تركته، وإن اشترى بعد علمه لم يلزم الورثة، وغَرِمَ الثمن، وكذلك ما باع بهذا المعنى).
* ت: لأن الأصل بقاء جواز التصرف حتى يعزله هو أو ورثته، وإنما امتنع بعد علمه بالموت؛ لأنَّ العزل الذي كان للمورث انتقل إليهم، والغالب عليهم تجديد التصرفات بالعزل وغيره؛ لأنَّ الإنسان مشغوف بذلك، بخلاف احتمال
_________________
(١) «النوادر» (٧/ ٢٣٣).
(٢) في (ز): (أو أمره).
(٣) أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى» رقم (١٤٦٩٨).
(٤) كذا في (ز ت)، وفي (ق): (الأمر).
[ ٦ / ٦٨ ]
العزل من جهة المورث، فيتوقف حتى يأذنوا، وتصرفه في موضع الغالب فيه العزلُ تَعَدِّ، فإن جَهِلَ عُذر (^١).
وقال مطرف: هو باق على وكالته بعد علمه حتى يعزل له الورثة (^٢)، كالخليفة يقدّم قاضيًا، فيموت الخليفة، فالقاضي باق حتى يُعزل.
وقال أصبغ: تنفسخ وكالته بموت الآمر، ولا يجوز اقتضاؤه ولا خصومته (^٣)، كالمرأة تجهل الطلاق أو الموت، عِدَّتُها من يوم الطلاق أو الموت.
* * *
* ص: (إن فوض إليه البيع والشراء واقتضاء الديون، وأشهد له بذلك، ثم خلعه وأشهد على خلعه، ولم يعلم بذلك غرماؤه؛ فلا يبرأ غريم بما دفع إليه بعد خلعه، كان ثمنا لما باعه الوكيل أو من غيره، وقيل: إن لم يعلم الوكيل والغريم بالحجر فالغريم يبرأ، وإن علم أحدهما والآخَرُ عالم أو غير عالم لم يبرأ الغريم).
* ت: وجه الأول: أنَّ الأصل عدم سلطان [أحدٍ على مال] (^٤) غيره، فإذا عُزِلَ فُقِدَ سبب صحة التصرُّف، فلا يبرأ الغريم بدفعه إلى غير وكيل.
والفرق بين الموت والعزل: أنَّ الموت لم يقع فيه عزل ممن ولاه، بل انعزل شرعًا؛ لانتقال الملك لغيره، فهو من حقوق الله تعالى، كالقبلة إذا جهلها، وعزل الموكّل وصف حقيقي، فلا يَضُرُّ جهل غيره، كالاستحقاق.
_________________
(١) انظر: «المعونة» (٢/ ٢٠٩).
(٢) بنحوه عنه في «النوادر» (٧/ ١٩٤).
(٣) بنصه عنه في «النوادر» (٧/ ١٩٤).
(٤) في (ز): (أحدهما على ملك).
[ ٦ / ٦٩ ]
وجه البراءة إذا لم يعلم: أنه غير قادر على الامتناع، فلو لم يبرأ لكان ذلك ضررًا عامًا على الناس، فإنَّ احتمال العزل قائم في كل وقت.
فإن عَلِمَ الغريم فقد فرط، أو الوكيل فقد تعدى، فيرجع الدافع على الوكيل القابض.
قال ابن الموَّاز: لو علم الوكيل ولم يعلم مَنْ دَفَع إليه؛ برِئَ الدافع إذا كانت البيئة على الوكالة؛ لأنه مجبور على الدفع، ولا يبرأ الوكيل إن تلف ما قبض؛ لعلمه بعزله (^١).
* * *
* ص: (وإذا حطَّ الوكيل المفوض إليه أو أخَّرَ - نظرًا أو استئلافًا - جاز؛ لأنه العادة، بخلاف الوكيل المخصوص).
لأنه وكل على شيء بعينه، فإسقاطه وتأخيره خارج عن محمل الإذن، فيبطل، والمفوض إليه تصرفه عام، فيتناول الأمور العادية [كالموكل] (^٢)؛ لأنه أقامه مقام نفسه.
* * *
* ص: (وإذا باع الآمِرُ وباع الوكيل؛ فأوَّلُ البيعتين أحقُّ؛ لأنَّ الثاني لم يصادف محلًا، إلا أن يقبض الثاني السلعة فهو أحقُّ، كإنكاح الوليين).
* ت: قال ابن عبد الحكم الأول أولى وإن قبض الثاني؛ لأنَّ الثاني لم يصادف محلا، لانتقال الملك للأول إجماعًا.
_________________
(١) بنصه عنه في «النوادر» (٧/ ١٩٣).
(٢) في (ز): (على الموكل).
[ ٦ / ٧٠ ]
ولاحظ المشهور: أنَّ كليهما كان مأذونًا له في التصرُّف، وترجح الثاني بالقبض، فترجح جانبه.
* * *
* ص: ([إذا باع بالدين، أو أخذ رهنا؛ فقد تعدى] (^١)، وكذلك المقارض).
* ت: لأنَّ الإطلاق يقتضي الحلول، كما لو قال: بعتك بمئة، فإنها تكون حالة، فقد تعدى بتصرف لم يتناوله العقد.
قال ابن المواز: إذا لم يُسَمِّ له ثمنًا، والسلعة قائمة؛ فللآمر الرضا بالمؤجل (^٢)، كبيع الفضولي، وإن فاتت؛ لم يجز.
قال ابن يونس: هذا إذا كانت القيمة أقل مما باع؛ لأنه وجبت له القيمة دينا، ففسخه في دين أكثر منه لا يجوز.
قال ابن القاسم: إن قال: بعها بعشرة نقدًا، فباعها بخمسة عشر إلى أجل؛ بيع الدين بعرض نقدًا، ثم بِيعَ العَرضُ بِعَين نقدًا.
فإن نقص عن عشرة؛ غَرِمَ تمامها، أو زاد؛ فهو للآمر (^٣).
فإن قال الوكيل: أعطيكَ عشرةً نقدًا، وأنتظِرُ بالخمسة عشر حلولها، فأقتضي منها عشرة، وأدفعُ اليك الخمسة الباقية؛ فإن كانت الخمسة عشر لو بِيعَت بيعت بعشرة فأقل؛ جاز ذلك إن عجل العشرة، أو تباع باثني عشر لم يجز؛ لأنه فسخ دينارين في خمسة إلى أجل؛ لأنَّ الاثني عشر عن الخمسة عشر وجبت
_________________
(١) كذا في (ز ت)، وفي (ق): (إذا باع بالدين فقد تعدى، وكذلك لو أخذ بالثمن رهنا).
(٢) «النوادر» (٧/ ٢٠٧).
(٣) بتمامه في «النوادر» (٧/ ٢٠٧).
[ ٦ / ٧١ ]
له الآن، فقَبَضَ منها عشرةً، وفسَخَ الاثنين في خمسة مؤجلة.
قال مالك في «المدوَّنة»: إن أخذَ رهنا خُيّرتَ في قبوله وضمانه منك، أو تَرُدُّه ويبقى البيع على حاله.
فإن تلف قبل علمه فضمانه من الوكيل، وإن كان قد زاد توثقةً؛ لأنه يلزم زيادة الغرامة على تقدير الضياع، هذا تعليل بعض الأصحاب، ومقتضاه: أن لا مقال إذا كان مما لا يُغاب عليه.
* * *
* ص: (إذا باع بالعرض ما يُباع بالعين فهو متَعَدِّ).
*ت: لأنَّ الإطلاق يقتضي الثمن المعتاد، وهو النقدان، فإذا باع بغيرهما فقد تصرف تصرفًا لم يتناوله الإذن، فيكون متعديا.
قال المازري: إن كان بموضع لا يختص بشيء جاز البيع بكلّ ما يُباع به.
[وجواب] (^١) الكتاب مبني على أنَّ الثمن النقدان في عادتهم ولم يعيّن ثمنًا.
فإن لم تفت السلعة خُيّر الموكّل بين الإجازة وأخْذِ العَرْضِ، أو نقضه، ولا يضمن البائع؛ لأنَّ السلعة لم تفت، والمتعدي لا يضمن إلا بالفوات في عينه أو سوقه.
هذا إذا ثبت التعدي.
فإن لم يُصدق المشتري الوكيل، ولم يثبت التعدي إلا بقوله، وقد قبض السلعة وبان بها، لا تُنزع منه إلا ببينة أو يمين ربّها؛ لأنه قد يكون أمره بذلك وندم.
_________________
(١) في (ز): (وجواز)، ولعلها تصحيف.
[ ٦ / ٧٢ ]
فإن نكل؛ لم يكن له نقض البيع.
فإن فاتت؛ خُيّر الآمِرُ في أخذ قيمة سلعته، أو ما باعها به.
* * *
* ص: (إن باع أو ابتاع بما لا يُشبه من الثمن، أو بما لا يتغابن الناس بمثله؛ لم يلزم الموكل).
* ت: لأن المحاباة في معنى الهبة؛ لاعتبارها من ثُلُثِ المريض، والهبة تُعَدٍّ.
قال ابن القاسم: يُرَدُّ إن لم يفت.
فإن فات؛ لزم الوكيل القيمة.
وما يتغابن الناس فيه فيجوز؛ لأنه العادة، فلا تعدي حينئذ.
* * *
* ص: (إذا وكله في شراء جارية أو ثوب، ولم يصفه؛ فاشترى ما يُشبه الآمر لزِمَه، وإلا لم يلزمه إلا أن يشاء، ويلزم ذلك الوكيل).
لأن حال كلِّ أحدٍ يقتضي ما يناسبه من الخدمة أو الوطء أو غير ذلك، فهو كالعادة والشرط، فغير ذلك هو معزول عنه، فلا يلزم الأمر، ويلزم الوكيل لتعديه (^١).
(وإن وكله على شرائها بعشرة فاشتراها بخمسة على الصفة لزمت).
لأنه زاد معروفًا (^٢)، ولما في الترمذي: أنَّ عروة البارقيه دفع له رسول
_________________
(١) انظر: «المعونة» (٢/ ٢٠٩).
(٢) انظر: «عقد الجواهر» (٢/ ٦٨٥).
[ ٦ / ٧٣ ]
الله ﷺ دينارا ليشتري له به شاةً، فاشترى شاتين بدينار، وباع شاةً بدينار، وأتاه بشاةٍ ودينار، فدعا له بالبركة في صفقة يمينه (^١).
(فإن ابتاعها بعشرين خُيّر في أخذها بعشرين وردّها).
لأنه معزول عن الزيادة؛ لأنه حدَّد له حدًّا، وله أن يجيز، كشراء الفضولي.
* ت: أما الزيادة اليسيرة كالدينارين والثلاثة في المئة، أو الدينار والدينارين في الأربعين؛ فإنها تَلزَمُ الآمِرَ؛ لأنه يتغابن بمثله [عادةً] (^٢)، فدخل في الإذن.
وهل له إذا وكله على البيع وحدد له الثمن أن يبيع بأنقص، كالشراء؟
قال اللخمي: ليس له ذلك؛ لأنَّ القصد في البيع طلب الزائد.
وقيل: الكلُّ سواءٌ في اغتفار اليسير (^٣).
* * *
* ص: (إن وكله في شراء شيء بعينه، ولم يدفع له ثمنًا، فاشترى ما أمره به، ولم ينقده الثمن، ثم أخذ منه الثمن لينقده، فضاع منه؛ فعليه غُرمُهُ ثانيةً وثالثة وكذلك أبدا، حتى يصل إلى البائع، ولو دفع له الثمن قبل الشراء فضاع بعد الشراء؛ لم يلزمه غُرمه، ويَلزَمُ الوكيل الثمنُ والسِّلعة له).
* ت: لأن في الصورة الأولى وكله على الشراء على ذمته، فعليه إبراؤها، وفي الثانية وكله على شيء بعينه لا في ذمته، فلم يلزمه غيره.
_________________
(١) أخرجه من حديث عروة البارقي: الترمذي في «سننه» رقم (١٣٠٣)، وسبقت روايته في «البخاري» رقم (٣٦٤٢).
(٢) في (ق): (غيره).
(٣) انظر: «التبصرة» (٨/ ٤٦٣٩).
[ ٦ / ٧٤ ]
فإن أراد دفع الثمن فله أخذُ السلعة؛ لأنه اشتراها له، كعامل القراض يشتري فيجد الثمن ذهَبَ، يُخيَّر ربُّ المال في دفعه ويبقى على قراضه، أو يأبى فيلزم العامل.
قال ابن المواز: إن نقد من عنده، فلما أخذ الثمن من الآمر تلف عنده؛ فلا شيء على الآمر؛ لأنَّ المأمور إنما أسلفه من عنده، وقد استوفى سَلَفَهُ، ولو تسلّفه له من غيره بأمره فالآمر ضامن أبدا حتى يستوفي البائع.
قال أبو محمد: يريد: في ثمن ما تسلّفه له قبل قبض البائع.
ولو قبضه البائع ثم طلب به المأمورُ الآمِرَ، فأخذه منه، فتلف قبل أن يصل إلى مَنْ أسلفه؛ غَرِمَه الآمر حتى يصل إلى المسلِف (^١).
* * *
* ص: (يجوز توكيل العبد المحجور عليه والمأذون).
* ت: لأنَّ العبد منع من التصرُّف لحق سيده، فإذا أذن له إذنا عاما أو خاصا صح.
قال اللخمي: إذا كان العبد محجورا عليه فلسيده إجازة ذلك.
قال سند: هذا فاسد؛ لأنَّ سلطانه على ما عقده العبد لنفسه بالإمضاء والفسخ، أما تصرف من ليس تحت ولايته فلا تصرُّفَ له فيه بعد وقوعه، كما لو وكله على طلاق امرأته فطلقها، أو عتق فأعَتَقَ، فهو نافذ.
* * *
_________________
(١) بتمامه في «النوادر» (٧/ ٢٢١).
[ ٦ / ٧٥ ]
* ص: (يُكره أن يوكل نصرانيًا على بيع أو ابتياع، أو يُبضع معه، ولو كان عبدًا له).
لقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١].
* ت: إن وقعت الوكالة؛ رُدَّت، فإن لم يعلم بها حتى باع أو ابتاع نظر: فإن وافق الشرع مضى؛ لأنَّ الوكالة لا تشترط فيها العدالة ولا الديانة، كالأجير، وإنما المنع من باب سد الذرائع، وتمتنع وكالته على الاقتضاء لمعنى آخر، وهو التسلط على المسلمين.
* * *
[ ٦ / ٧٦ ]
باب في الإباق
(مَنْ وَجَد آبقًا فليس له إلا ما أنفق.
فإن خاف عِظَمَ النفقة فأرسله؛ ضمنه).
لتعديه بإرساله.
(وإن أبق منه فلا ضمان عليه).
لعدم التفريط.
* ت: على صاحب الآبق نفقته (^١)؛ لأنه لا يجوز له أن يضيع ماله، فمن قام عنه بحفظه رجع عليه.
وإن كان ممن ليس [شأنه] (^٢) أخذُ الجُعل؛ فلا جُعل له، وإلا فله؛ لأنه فعل فعلا يحفظ به مال غيره، وربه يجب عليه ذلك، وإن لم يفعل عُدَّ سفيها وحجر عليه، وقد «نهى ﵇ عن إضاعة المال» (^٣).
ويضمن بإرساله، كما لو أخذ لقطةً فردَّها.
فإن أبق منه بغير تفريط لم يضمن، كما لو مات، ويحلف: لقد أبق من غير تفريط.
_________________
(١) انظر «الجامع» (١٨/ ٢١٢).
(٢) في (ز): (عادته).
(٣) أخرجه من حديث المغيرة بن شعبة البخاري في صحيحه رقم (١٤٧٧)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٤٨٥).
[ ٦ / ٧٧ ]
وقال ابن نافع: إن كان من أهل التهم كُشِف أمره، فإن ظهر أنه فرط؛ ضمن، وإلا فلا ضمان، جُعِل له جعل أم لا (^١).
* * *
* ص: (إن جَعَلَ في آبِقٍ دينارًا لمن جاء به، ثم بدا له؛ فليس له الرجوع).
* ت: قال الأبهري: هذا إذا كان المجعول له قد خرج في [طلب العبد] (^٢)، وإلا فله الرجوع (^٣)؛ لأنَّ الجعالة عقد جائز.
* * *
* ص: (يُحبَس الآبق، فإن لم يأت له طالب بِيعَ إِذا خِيفَ أن يموت ضياعًا، وقيل: إنَّ الإمام يخلي سبيله، ولا يتركه يموت).
* ت: قال مالك: يحبسه سنةً ثم يباع (^٤).
قال ابن القاسم وهو السنة، إلا أن يخاف عليه الضياع فيُباع (^٥).
قال بعض أصحابنا: مراد مالك: يُحبَس سنَةً إذا كانت له صنعة تقوم بنفقته، أو إمام عدل ينفق عليه من بيت المال، وإلا بيع قبل السَّنَة (^٦).
قال مالك: إذا أنفق عليه الإمام وباعه أخَذَ من ثمنه النفقة وحبس الباقي لربه، ولا يُطلِقُه بعد السَّنَة؛ لئلا يأبق ثانيةً، بخلاف ضوال الإبل (^٧).
_________________
(١) قول ابن نافع في «النوادر» (١٠/ ٤٨٥).
(٢) في (ز) (طلبه)، والمثبت موافق لعبارة «شرح المختصر الكبير» (٢/ ٤٣٠).
(٣) شرح «المختصر الكبير» (٢/ ٤٣٠).
(٤) «المدونة» (١٠/ ٤٠٦)، و«مختصر المدونة» (٣/ ٣٧٨)، و«الجامع» (١٨/ ٢١٢).
(٥) بنصه عنه في «النوادر» (١٠/ ٤٨٤)، وانظر: «المدونة» (١٠/ ٤١٣).
(٦) انظره «النوادر» (١٠/ ٤٨٤).
(٧) «المدونة» (١٠/ ٤١٣)، و«اختصار المدونة» (٣/ ٣٧٨).
[ ٦ / ٧٨ ]
قال سحنون: لا أرى أن يوقف سنةً، بل ما يتبين أمره فيه، ثم يباع وتُكتب صفته، حتى يأتي طالبه (^١).
قال ابن يونس: هو الصواب؛ لأنَّ نفقة السنة ربما أذهبت ثمنه (^٢).
ووجه القول الثاني أنه لا يحبسه: أنَّ حبسه يحول بينه وبين سيده فلا يجده.
* * *
* ص: (إن جَعَلَ في آبِقٍ جُعلا إن وجده، فإن لم يجده فله طعامه وشرابه وكسوتُه؛ امتنع).
لأن أحد الأمرين مجهول، لا يدري أيهما يحصل له، فهو غرر، ولا يجوز أن يكون الجُعل غررًا، ولأنَّ الطعام لا يستحقه إن لم يأتِ به؛ لأنَّ الآبق لا يؤخذ بسببه شيء قبل الإتيان به، فجعله له حينئذ لا يصح.
(ومن جاء بآبق وكان ممن يخرج [لطلب] (^٣) الأباق؛ فله الجعل في ذلك على وجه الاجتهاد).
لأنه ظاهر حاله (^٤).
(وإلا فله نفقته) (^٥).
* ت: لأن الأول فعَلَ ما على سيده؛ لأنَّ عليه حفظ ماله، ومن قام عن
_________________
(١) نقله عنه ابن أبي زيد في «النوادر» (١٠/ ٤٨٤)، وابن يونس في «الجامع» (١٨/ ٢١٢).
(٢) بنصه عنه في «الجامع» (١٨/ ٢١٢).
(٣) في (ز): (في طلب).
(٤) انظر: «المدونة» (١٠/ ٤١٣)، و«اختصار المدونة» (٣/ ٣٨٠)، و«الجامع» (١٨/ ٢١٣).
(٥) انظر كلام مالك «المدونة» (١٠/ ٤١٣).
[ ٦ / ٧٩ ]
غيره بما [شأنه] (^١) أن يفعله بمالٍ؛ رجع عليه بذلك المال.
والثاني دعواه القصد للجعل يُبطلها ظاهر حاله، فيُعَدُّ نادمًا، فلا يستحق شيئا.
قال اللخمي: إن كان خروجه لأجل العبد، وصاحبه شأنه أن لا يطلبه بنفسه، بل لا بُدَّ من جُعل عليه الأقلُّ من جُعل هذا أو جُعل مَنْ كان يَخرُج لطلبه (^٢).
قال ابن القاسم: مَنْ جَعَلَ في آبِقِهِ دينارًا، فجاء به من لم يسمع بالجعل، وهو ممن يأتي بالأباق؛ فله جعل مثله، وإلا فنفقته، وإن سمع بالجعل فأتى به؛ فهو له، كان ممن يأتي بهم أم لا؛ لدخوله على ذلك (^٣).
* * *
* ص: (قال مالك: حد حبس الآبق سنةٌ).
قياسًا على حفظ اللقطة.
* ت: وليس له التصدق بثمنه أو إنفاقه، بخلاف اللقطة؛ لأنَّ موضع اللقطة معروف، فإذا لم يأته صاحبها في السنة جاز التصرف، وموضع الآبقِ مجهول، فلا يدل على الإياس من ربه.
* ص: (إن وجد آبقًا، فإن كان لمن يعرفه فليأخذه، أو لمن لا يعرفه فلا يأخذه).
_________________
(١) في (ت): (يشبه).
(٢) انظر: «التبصرة» (١٠/ ٥٠١٤).
(٣) نقله عن ابن القاسم اللخمي في «التبصرة» (٩/ ٥٠١٣).
[ ٦ / ٨٠ ]
* ت: لأنّ الأوّل لا ضرر عليه في إيصاله لربّه.
قال ابن القاسم: فإن لم يأخذه فهو في سَعَةٍ (^١).
وقال أشهب: إن كان مكان سيّده بعيدًا، فتركه أحسن، أو قريبا؛ فأخذه أحسن (^٢).
ومن لا يعرف سيّده يَضُرُّ بالعبد بالحبس، وبسيّده بتعذّر وجدانه بالحبس، وقد يجده مَنْ يعرف سيده، وليس كذلك اللقطة؛ لأنّها لا تتحوّل من موضعها، فيخاف عليها الهلاك.
وقال مالك: لا بأس بأخذه وإن لم يعرف سيّده؛ لأنّه حفظ من حيث الجملة، كاللقطة.
* * *
* ص: (إن جَعَلَ فيه جُعلا، فطلب نفقةً؛ فلا شيء له إلا الجعل).
لأنّه دخل عليه، وأخذه للنفقة [مما] (^٣) يلزمه.
(ولو خلى سبيله بعد أن أخذه، لخوفه أن يقتله أو يضربه؛ فلا شيء عليه، أو لشدة النفقة؛ فهو ضامن).
* ت: وله النفقة دون الجُعل إذا كان مثله ليس يطلب الآبق؛ لحاجة الآبق للنفقة.
_________________
(١) بنصه عن ابن القاسم في «اختصار المدونة» (٣/ ٣٧٨).
(٢) «النوادر» (١٠/ ٤٨٦).
(٣) في (ز): (ومما)، وفي (ق ت): (وما)، وأثبت ما في (ز) بدون واو، والظاهر من السياق أن الواو لا وجه لها.
[ ٦ / ٨١ ]
وضمن إذا أرسله خوف النفقة؛ لأنه كان يمكنه رفعه للإمام فيُنفق عليه، ولا يمكنه رفعه إليه مع خوفه على نفسه.
قال أشهب: إن أرسله في حاجة فأبَقَ، وهي يُؤبَق في مثلها؛ ضمن لتفريطه، والخفيفة فلا (^١).
* * *
* ص: (قال مالك: إن أتاك بآبِقِكَ وقد قطعه السلطان في سرقة، فإن كنت جعلت جعلا لزِمَك، وإلا خُيِّرتَ في أخذه ودفع جُعله، وتركه ولا شيء عليك) (^٢).
لأنك لم تجعل فيه جعلا فيلزمك، وإنما هو اختار ذلك.
* ت: كالعبد إذا جنى، إن شاء سيده أسلمه أو تركه بأرش الجناية، وكذلك جعل العبد في رقبته إذا لم يأمره سيده.
فإن أراد بعد إسلامه أن يفتكه لم يكن له ذلك؛ لأنه أسقط حقه منه.
قال أشهب: لولا فساد الناس، وأن يأخُذَ الآبق من وجده، ولا يأتي به إذا لم يجعل له جُعلا؛ لم أجعل له جُعلا، إلا أن يكون صاحبه قد جعلَه.
* * *
_________________
(١) «النوادر» (١٠/ ٤٨٥)، «الجامع» (١٨/ ٢١٤).
(٢) انظر: «النوادر» (٧/¬٢٢).
[ ٦ / ٨٢ ]