[ 3/ 1 / ١٩١ ]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
صلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وسلم
كتاب الحجر والتفليس
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
المستحق عليهم التحجير (^١) ضربان: ضرب يستحق عليهم لحقوقهم، وضرب آخر لحقوق غيرهم.
فالمستحق عليهم لحقوق غيرهم (^٢) ضربان: صغار وكبار. فالصغار ذكور وإناث. وهم نوعان: عقلاء وغير عقلاء.
فمن له أب يحق (^٣) الحجر عليه لأبيه. فإن عدم فوصيّه، ثم وصي وصيه. فإن لم يكن له (^٤) وصي فالحاكم.
ثم هم نوعان: عقلاء وغير عقلاء.
فغير العقلاء يستدإم عليهم الحجر إلى أن يعقلوا. والعقلاء ضربان: أصاغر وأكابر.
_________________
(١) في م والغاني: الحجر.
(٢) في م والغاني: لحقوقهم
(٣) في م والغاني: فحق
(٤) ساقطة في م والغاني
[ 3/ 1 / ١٩٣ ]
والأصاغر (^١) يستدام عليهم الحجر حتى يبلغوا ويؤنس منهم الرشد، فحينئذ يفكّ عنهم الحجر. وذلك في الغلام بأن يُعرَف منه إصلاح ماله وحفظه، وتأتّيه لتنميته، والتحرّر من تبذيره وإضاعته، وإنفاقه في وجوهه. ولا تراعى عدالته في دينه أو فسقه إذا كان مصلحا لماله.
وأمّا في الصغيرة فيُرَاعَى مع البلوغ وإصلاح المال أن تتزوج ويدخل بها الزوج.
وحدّ البلوغ في المذكور ثلاث علامات، وفي النساء خمس. فالثلاثة التي يجتمعون فيها: الاحتلام، والانبات، والانتهاء من السنّ إلى ما يعلم بالعادة بلوغ من انتهى إلى مثله.
وقال أصحابنا: (^٢) مثل ثماني عشرة سنة وما قاربها.
وما يزيد به الإناث على المذكور شيئان: الحيض والحمل.
وأمّا الأكابر فمن كان منهم مبذرا لماله مضيعا له. ابتدئ عليه الحجر، كان ذلك لعجز عن اصلاحه أو تعمّد لإضاعته في شهواته.
ولا يحجر عليهم إلا الحاكم، ولا ينفذ حجر إلاّ بحكم.
وأمّا المحجور عليهم لحقوق غيرهم فأربعة زوجات ومرضى وعبيد ومفلسون.
فأمّا الزوجات، فكل امرأة ذات زوج فليس لها أن تتصرف في مالها، فيما زاد على ثلثها، بهبة أو صدقة أو عتق وكلِّ ماليس بمعاوضة، إلا بإذن زوجها.
[فإن فعلت] الأمر إلى الزوج إن أجازه جاز وإن رده فسخ جميعه. وقيل:
_________________
(١) في م والغاني: فالأصاغر.
(٢) في م والغاني: إلى مثل.
[ 3/ 1 / ١٩٤ ]
ما زاد على الثلث. ثم ليس لها التصرف في بقية المال الذي أخرجت ثلثه، ولها ذلك في مال (^١) طرأ لها بعد.
ثم ذكر بعد ذلك بقية الأقسام (^٢).
قال الفقيه الإمام ﵀:
"رأينا هنا أن نملي أحكام الحجر وبيان من يحجر عليه، مجموعا مبيّنا جنسه وأنواعه، ونختم أنواعه بنوع الحجر على المفلس، ونتبعه بمسائل المديان والتفليس.
فيتعلق بهذا الفصل الذي أورده القاضي عبد الوهاب خمسة عشر سؤالًا منها أن يقال:
١) ما معني الحجر وأنواعه؟
٢) وما الدليل على وجوب الحجر على السفهاء؟
٣) وهل يحجر على البالغ العاقل السقيه؟
٤) وما حقيقه السفه الموجب للحجر؟
٥) ومتى زمان ابتلاء اليتيم؟
٦) وصفة ابتلائه؟
٧) وهل يقف الحجر والاطلاق على الحكم بذلك أو على وجود العلة
المانعة الموجبة للحكم؟
٨) وما المعاني التي يعلم بها الحجر؟
٩) وهل يثبت البلوغ بعلامة عليه؟
_________________
(١) في م والغاني: في مال آخر إن
(٢) هكذا. ولعله كلام مقحم في النسختين (و)، (مد)
[ 3/ 1 / ١٩٥ ]
١١) وهل يكتفي بحصوله؟
١١) وهل تردّ عقود السكران لكونه لا يدبر المال؟
١٢) وهل يحجر على المغمور؟
١٣) وهل يحجر على المرتدّ؟
١٤) وهل يحجر على الزوجة؟
١٥) وهل يحجر على المفلس؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
أمّا الحجر فمعناه في اللغة المنع والحرز، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (^١).
وهو يتنوع، في مقصدنا في هذا الكتاب، إلى المنع من تمكين مالك المال منه، وإلى تمكينه منه ومنع تصرفه فيه.
ويتنوع المحجور عليهم إلى نوعين: أحدهما من يحجر عليه لحق نفسه ونظرًا لهم، وهم ثلاثة:
١) من لم يبلغ الحلم، ذكرا كان أو أنثى.
٢) ومن بلغ مجنونا، ذكرا كان أو أنثى.
٣) ومن بلغ سفيها، ذكرا كان أو أنثى.
فهؤلاء الثلاثة يمنعون من أموالهم، ويحجر عليهم فيها نوعَا الحجر، وهما: منعهم من أخذ المال، ومنعهم من التصرف فيه، وذلك لحق أنفسهم ونظرًا لهم لا نظرًا لأحد سواهم.
_________________
(١) الفرقان: ٢٢
[ 3/ 1 / ١٩٦ ]
ولما كان من ذكرناه يعدم النظر لنفسه في هذا عدما كليا، كالمجنون أو عدم انتقاصٍ عن الكمال، كالصغير والسفيه، نظر الشرع لهم فأمر الآباء والأوصياء والحاكم بالنظر لهم صيانة لأموالهم التي بصيانتها قوام حياتهم وحفظ عيشهم.
وقد نبه الله سبحانه على هذا التعليل، فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا﴾ (^١). فنبه على أن بها قوام الحياة، إذ الحياة لاتثبت إلاّ مع الغذاء، والغذاء لا يتوصل إليه إلا بمال، فإضاعة مالهم كإضاعة حياتهم.
والثاني: من يحجر عليه لحق غيره، وهم من يملك رقبة من في يده المال، كالسيد مع عبده، فإن له أن يأخذ ما في يده ويمنعه من التصرف فيه، أو يبقيه في يده ويمنعه من التصرف فيه. فإن شئت عبرّت عن هذا بأن تقول: من يملك ما في يد من يحاول الحجر عليه، على القول بأن العبد غير مالك. أو تقول: من يملك ما في يديه إن شاء، أو يرجى له أن يملك عَين ما في يد من يحجر عليه، كالمريض مع ورثته: فإنهم وإن لم يكونوا ملكوا أعيان ما في يديه لمرضه، فإنهم يُرجى لهم ملك عين ما في يديه.
وكذلك أيضًا المرتد مع المسلمين: فإنهم وإن لم يستحقوا إلَاّ (^٢) أعيان ما في يديه، فإنهم يُرجى لهم ذلك إذا لم يرجع إلى الإِسلام. وعلى القول الشاذ عندنا أن المرتد إذا عاد إلى الإِسلام لم يرجع إليه ماله، يلحق هذا بمن ملك الآن عين ما في يد المحجور عليه، كما قلناه في العبد، أو من يملك الانتفاع بما في يد من يحجر عليه، كالزوج مع زوجته، أو يملك ذمة من يحجر عليه وهم الغرماء مع من فلسوه.
وهذا أخر التنويع الذي ذكرناه. فحصل من هذا أن الذين يحجر عليهم لحق غيرهم أربعة:
_________________
(١) النساء:٥.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف: إلا.
[ 3/ 1 / ١٩٧ ]
أحدهم: من يملك عين ما في يد المحجور عليه.
والثاني من يملك الإنتفاع بما في يد المحجور عليه.
والثالث: من يُرجى له أن يملك عين ما في يد المحجور عليه.
والرابع: من يملك ذمة المحجور عليهم.
على الجملة دون التفصيل، فإنهم يختلفون في التفصيل على ما يذكر كل فصل في موضعه إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الثاني
أن يقال:
قد قدمنا أن المحجور عليهم لحق أنفسهم ولإصلاح مالهم ثلاثة:
١) الصغير ٢) والمجنون ٣) والبالغ العاقل السفيه.
فأمّا الحجر على من لم يبلغ، الأصلُ فيه قوله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا. وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^١). فنهى تعالى عن دفع المال إلى من كان صغيرًا، لكنه في إفراط صغره قد عدم النظر لنفسه، ومع مراهقته ناقص النظر لنفسه. فعلق الدفع ورفع الحجر بشرطين وهما: البلوغ وإيناس الرشد.
وقال تعالى: (^٢) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فنبّه على وجوب صيانته عليه حتى ينتقل إلى حالة من يصون ماله بنفسه.
ولا خلاف بين العلماء في ذلك، كما لا خلاف بينهم في كونه إذا بلغ
_________________
(١) النساء: ٦٥
(٢) الأنعام: ١٥٢
[ 3/ 1 / ١٩٨ ]
مجنونا لا يدفع إليه ماله، لمشاركة الصغير في علة المنع من الدفع، بل المجنون أولى بالمنع من الدفع من المراهق، لكونه عَدِمَ العقل بالكلية، ولحق بالبهائم.
وأمّا إن كان بلغ وهو عاقل: فمذهبنا ومذهب الشافعي أنه لا يزول الحجر عليه إلاّ أن يونس منه الرشد ومذهب أبي حنيفة أنه بالبلوغ والعقل يرتفع عنه، ولكن دفع ماله إليه يوافقنا عليه، ويرى أنه ممنوع منه حتى يونس منه الرشد، فإن كان أراد أن الحجر يرتفع عنه بالبلوغ والعقل فيما يتعلق ببدنه ونفسه، فكذلك نقول نحن، إذ لا يتهم عاقل سفيه أن يلقي نفسه بالمعاطب المهلكة له، ويتهَّم في المال أن يتلفه في الشهوات الفاسدة. وإن أراد به يمنع من القبض دون التصرف بالبيع والشراء بالقيمة، فنحن نخالفه في هذا، ونرى أنه لا تمضي عقوده إلَاّ أن يمضيها عليه وليه.
وهم يقولون إن منعه إذا بلغ عاقلا ولم يونس منه الرشد من قبضه لماله، إنما هو على جهة الاحتياط. فإن بلغ عاقلا. وأنس منه الرشد عقيب البلوغ، فلا خلاف بين العلماء في أنه يرتفع عنه الحجر في قبضه لملكه وفي تصرفه فيه.
وإن بلغ عاقلا سفيها وتمادى على سفهه، وله أربع وعشرون في عمره، فإنه لا خلاف أيضًا في أنه لا يدفع إليه ماله.
وإن بلغ خمسًا وعشرين سنة وهو سفيه، فجمهور العلماء: مالك والشافعي وغيرهما، على أنه لا يدفع إليه ماله. وانفرد أبو حنيفة فقال: يدفع إليه ماله.
والذي قاله الجمهور سبق إلى النفس (بأَدْنَى وخيالٍ صحته، إذ لا فرق بين سنه أربع وعشرون تمضي من عمره ولا سنة غير ست وعشرون ولا خمس وعشرون التي أخذها) (^١) أبو حنيفة وأقامها مقام الرشد، مع العلم بسفهه
_________________
(١) هكذا في و، م. والأقرب للصواب: بأدْنى خيال بين مَن سنُّة ولا مَن سنّهُ التي أخذَ بها.
[ 3/ 1 / ١٩٩ ]
وتبذيره الذي هو علة الحجر عليه في سنه أربع وعشرين في عمره عندنا وعنده وعند سائر العلماء.
والتحديد بخمس وعشرين ها هنا كالتحكم من غير معنى، ومناقضة المعنى المخيل، وهو كون السفيه المبذر إذا تلف ماله، فقد عدم ما هو قيام له، كما قال تعالى، والعلة مقطوع بكونها لا يفترق وجودها وحصولها في سنة أربع وعشرين أو خمس وعشرين.
وإذا تحقق ذلك وتيقن، وكان السفه علة في الحجر، فرفع الحكم مع وجود علته كالتناقض. وهذا واضح، ولا خيال يتحقق في نصرة مذهبه سوى تعلق بظواهر غير مقصود فيها بيان حكم الحجرَ وعلته، كقوّله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فدليل هذا عندهم أنه إذا بلغ أشدّه سلم إليه ماله على أىّ حال كان: سفيها أو رشيدا، لأن ما بعد حرف الغاية الذي هو "حتى" نهاية إلى أن لا يُقرَب ماله. وما بعد حرف الغاية يخالف ما قبله. فهذا تعلق ليس بصريح بما يُفعل بمالِه إذا بلغ الأشدّ وكان سفيها، بل يجب أن يرد هذا إلى الإجمال الذي ما بُيّنَ بيانا جليا، من ذكر الشرطين المعلق بهما دفع المال، وهما: بلوغ النكاح، وإيناس الرشد، كما قال تعالى. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ بعد ذكره بلوغ النكاح. فوجب أن يعتبر الشرط الذي هو إيناس الرشد عقيب البلوغ، لكون الفاء للتعقيب في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فدلّ هذا الخطاب على أنه إذا طال الأمد بعد البلوغ لا يعتبر الرشد. وهذا أيضًا لا يقابل وضوح العلة في منع الدفع لأجل السفه، وإن العلة متساوية في سائر السنين مع أن الفاء ها هنا ليست للتعقيب، بل هي لتعليق جملة بجملة. وإنما تكون للتعقيب بغير مهلة في العطف على ما بيناه في كتاب الأصول.
وقول أبي حنيفة: إن ابن خمس وعشرين سنة يصلح أن يكون جدًا، لكونه
[ 3/ 1 / ٢٠٠ ]
قد يبلغ الإنسان وهو ابن اثنتي عشر سنة، وتلد زوجته في ستة أشهر. فيكون هذا الولد يلد أيضًا بعد أن تمضي اثنتا عشرة سنة ونصف. فيكون الأول جدًا، وأنا أستحي أن أحجر على جد.
وهذا ليس بشيء يعول عليه، وإنما هو إشارة إلى استبعاد كون الإنسان يصير جدًا وهو باق على السفه.
ونحن نسلم له أن هذا نادر في العادة، ولكن مع ندوره إذا تحققنا السفه فلا يبطلون بها العلم المحقق، ووجودها في النادر كما هي في الغالب.
وكذلك، تخيلهم أن سنّ البلوغ ثماني عشرة سنة، وهي حد لوجود العَقل الطبيعي المعتدل.
وأشار الشرع إلى سبع سنين تمضي من العمر لكون ما بعدها مبدأ التفطن لما يستحسن ويستقبح، وينهض مقدار ما في الصّبَى من عقل إلى الشوق إلى تدبير نفسه. فإذا أضيف هذا الانتباه من العقل والتفطن إلى ثمانية عشر، بلغ العدد خمسًا وعشرين سنة، فلم يحسن منعه من ماله.
وهذا أيضًا خيال بعيد (كتخيل الشرع وضع) (^١) ها هنا في غير المقصود الشرعي. ولَاخَفاء في سقوط مثل هذا.
وكذلك إن تعلق بقوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وقوله "رشدا" نكرة في إثبات والنكرة في الإثبات لا تكون عمومًا على الشمول.
وإنما تكون عمومًا على البدل، كقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (^٢).
فمقتضى هذا، لو اقتصر عليه، أن الامتثال يحصل بأيّ بقرة شاؤوا.
_________________
(١) هكذا، والأقرب للصواب: (كتخيّل وضع الشرع).
(٢) البقرة: ٦٧.
[ 3/ 1 / ٢٠١ ]
وبخلاف العموم في تكرار النفي، فإنما يُحمل على الشمول والاستعياب فإذا حصل رشدٌ فا حسن معه دفع المال.
والعقل يسمى رشدا. ألا ترى إلى (قول قوم لوط) (^١) ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾. ولم يردها هنا بالرشد صيانة المال، وإنما أراد ها هنا العقل المقبح إلى (^٢) إتيان الذكران دون ما خلقه البارى تعالى للوطء وكثرة النسل، وأن ترك الإناث اقتصارا على الذكران من الجهل والإسراف كما قال تعالى فيهم "تجهلون". والجهل ضد العلم، وإن كنا لا نرى العقل يحسن ولا يقبح، وإنما ذلك من جهة الشرع، وأمّا من جهة الطباع والعوائد، فإنه يحسن ويقبح.
قالوا: فإذا حصل رشدٌ ما وهو العقل، وجب رفع الحجر.
وهذا أيضًا غير مسلم، لأن المراد ها هنا بالرشد الذي (^٣) تبذير المال. وقد قال تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء" ثم عقب ذلك بقوله "فإن آنستم منهم رشدا" يريد ما هو ضد السفه ورافع له. فوجب حمل الكلام عليه مع أنه يقتضي قوله "فإن آنستم منهم رشدا" أنه إذا لم يونس رشدا فلا يدفع إليهم المال. فيصير دليل الخطاب ها هنا نكرة في النفي، وهي بخلاف كونها في الإثبات على ما عرف في كُتب الأصول.
ثم إنهم إن جعلوا بلوغ خمس وعشرين سنة هي حدّ الدفع للمال، فلماذا أمروا قبلها إذا صح الرشد، وإن كان العلة حصول الرشد في جواز الدفع، فلماذا أباحوا الدفع في الخمس وعشرين سنة مع عدم الرشد ووجود السفه؟
والجواب عن السؤال الثالث
أن يقال:
_________________
(١) هكذا في النسختين، والأقرب: قول (لوط إلى قومه).
(٢) هكذا في النسختين، والأوْلى إسقاط إلى.
(٣) هكذا في النسختن. ولعل الأقرب: المنافي.
[ 3/ 1 / ٢٠٢ ]
قد قدمنا أن مذهب أبي حنيفة في أن السّفه وإن كان علة في الحجر، فإنها علة لا تطرد. ولأجل هذا قال في السفيه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة: إنه يرتفع الحجر عليه، لما قدمناه عنه من التعليل.
والدليل الذي منع هذه العلة من الاطراد ومذهبه الذي يضاف إليه في الأصول، أن العلة الشرعية لا يبطلها تخصيصها، خلافا لحذاق أهل الأصول.
وأما قبل الخمس وعشرين سنة. فإنه يثبت الحجر على من حجر عليه قبل بلوغه، واستدام السفه والتبذير .. لكن ظاهر مذهبه المنقول عنه في كتاب الخلاف أنه إنما يحجر على من تقاصر عمره عن الخمس وعشرين من السفهاء على أن لا يدفع إليه مال، لأن الحجر نوعان: حجر منع من أخذ المال. وحجر منع من التصرف فيه. لأن وجود العقل يثبت استئمان التصرف. والملك يثبت القبض لما ملك والحوز له. ويثبت التصرف فيه.
فأمّا أحد نوعي الحجر وهو المنع من أخذ المال، فيوافقنا عليه فيمن تقاصر عمره من السفهاء عن خمس وعشرين سنة. ويشير إلى أن هذا المنع منع احتياط.
وأمّا التصرف في المال، بالعقود بالبياعات والأشرية والإقرارات، فإن ظاهر ما نقل عنه أنه لا يحجر على السفيه فيه، ويرى أن المنع من أخذ المال قصارى ما فيه إلحاق السفيه بالفقير الذي عدم المال.
وأمّا من منعه من التصرف فيه، فيلحقه بالبهائم التي يستحيل منها التصرف، وهذا مستبعد، ولا يستبعد التشبيه بحال الصغير.
ونوقض في هذا بأن المنع من أخذ المال حسيّ مشاهد. وأمّا المنع من التصرف فيه فأمر ليس بحسيّ، وإنما هو إخبار عن حكم الشرع أنه أبطل عقوده وبياعاته، مع أن الحجر على السفيه يُقطع على أن ذلك إنما كان نظرا له، لِمَا عَدِم من النظر لنفسه. ومنْعُه من المال وإطلاقُ تصرفه فيه كالمتناقض، لأنه
[ 3/ 1 / ٢٠٣ ]
بالتصرف فيه يقع في إفساده المال، فلا معنى للتفرقة.
وإذا تقرر هذا وهو تذييل لما قدمناه في المسألة التي قبل هذا: فإن من لم يُطلع على تبذيره إلا بعد بلوغه وعقله، فإنه يرى أيضًا أبو حنيفة أنه لا يبتدأ بالحجر عليه. وتابعه على هذا من أصحابه زفر وحده. وأمّا صاحباه المشهوران به: أبو يوسف ومحمد بن الحسن: فإنهما خالفاه في هذا، واتبعا الجماعة: مالكا والشافعي وابن حنبل وإسحاق والأوزاعي وأهل المدينة وأهل الشام في ذهابهم إلى أنه يبتدأ الحجر على الكبير إذا سفه.
وما قدمناه في صدر المسألة من كون أبي حنيفة يجوز تخصيص العلة الشرعية، حملت على هذا المذهب، فأباح ترك السفيه البالغ الذي لم يتقدم عليه الحجر على الإطلاق، ومكنه من تصرفه في ماله، ومنع أن يؤخذ من يديه.
(والجماعة إذا منع منهم تخصيص العلة كان ذلك كافيا عنده في الردّ على أبي حنيفة) (^١) ولكن تعلقوا بان طائفة من الصحابة، ﵃، ذهبوا إلى الحجر علئ الكبير السفيه. وذكروا قصة عثمان وعلي، ﵄، لما اشترى عبد الله بن جعفر أرضًا سبخة بستين ألف درهم، فرفع ذلك علي ﵁
إلى عثمان بن عفان، وقال له: احجر على عبد الله بن جعفر لأنه اشترى أرضا سبخة بستين ألفا. وقد كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب شارك فيها الزبير فصارت بينهما نصفين. فقال عثمان لعلي ﵄: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟
فلولا أن عليا وعثمان يذهبان إلى الحجر كما طلب علي من عثمان ما خالف الشرع، ولَمَا كان جواب عثمان له أن يقول: شريكه الزبير. إشارة إلى أن
_________________
(١) هكذا في النسختن. ولعل الأقرب: ..، لما منعوا التخصيص عندهم.
[ 3/ 1 / ٢٠٤ ]
ذلك يدل على ارتفاع الغبن، ولكان جوابه أن يقول له: لا يصح الحجر على الكبير وقد عكسواهم هذا فقالوا: آخر الخبر يقتضي ما قلناه لأن عثمان امتنع من الحجر، ولو كان ذلك جائزًا له واجبا عليه لما تركه.
وهذا يجابون عنه بأن عثمان يمكن أن يكون لما رأى الغبن لما صار بين اثنين قلّ مقداره عن المقدار الذي يرد من التغابن، أو يكون احتقر الغبن، وقد قيل عنه: مرّ بها فقال: هذه الأرض ما أشتريه ابن علين. ولعل الزبير وعبد الله بن جعفر يعتقدانِ غلط عثمان في التقويم لها. وقد ذكر أيضًا أن عبد الله بن الزبير لما اتصل به إكثار عائشة ﵂ من العطايا والصِّلات فقال: لتنتهينّ أو لأحجرن عليها.
فاتصل بها، فأقسمت ألاّ تكلمه، فأتى إليها معتذرا فقبلت عذره، فأشار أصحابنا إلى أن هذا كالإجماع الذي لا ينبغي أن يخالف، لا سيّما على طريقة من ذهب من الأصوليين إلى أن الصحابي إذا قال قولا وانتشر في الصحابة فلم ينكره أحد منهم، فإن ذلك حجة لا يسوغ خلافها.
واحتج أصحابنا أيضًا بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفُ اأَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (^١)
فجعل تعالى للسفيه وليًّا يملل عنه، ومعناه يقرّ عنه بما باع عليه أو اشترى، بمنزلة المكاتبة المذكورة في أول الآية فدل ذلك على أن السفيه لا تمضي أفعاله ولا معاملاته، وإنما يمضي عليه من ذلك ما فعله وليه.
وقد قالوا ها هنا: إن السفيه هو المجنون. فقيل لهم: بل السفيه هو المبذر، والضعيف هو الصغير، والذي لا يستطيع أن يملّ هو المجنون.
_________________
(١) البقرة ٢٨٢
[ 3/ 1 / ٢٠٥ ]
فهذه الثلاثة ألفاظ حَمْلُ كل واحد منها على فائدة أَوْلى من حملها على فائدتين، وهما: الصغير والمجنون. وكذلك إن قالوا: إن أول الآية يدل على ما قلناه لأنه تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^١) يخاطب سائر المؤمنين، والسفيه من المؤمنين.
فأسند تعالى المداينة إليه، فدل على جواز القضاء بها عليه.
وهذا يجاوبون عنه بأن ما ذكره في آخر الآية من استثناء هؤلاء الثلاثة أخرجهم عن عموم الخطاب الأول.
والعموم إذا تعقّبه تخصيص أو استثناء وجب المصير إليه.
فإن قالوا: إن السفيه قد اتفقنا على أن إقراره على نفسه بما يوجب الحدّ أو العقوبة يؤخذ به، فليكن المال كذلك.
قيل لهم: العاقل لا يتهم في أن يقر بباطل يؤدي إلى قتله، ويتهم في أن يقرّ بما يؤدي إلى إتلاف ماله لغرض له في ذلك لا يقع في مثله العقلاء الرشداء.
وكذلك إن قالوا: فإنه لو صرح بأن ما يعقده في المستقبل مفسوخا (^٢)، وكان رُشيّد، لم يؤخذ بهذا القول.
فتصرف الإنسان في ماله أبسط من تصرف غيره. وكذلك لا يؤثر قول الحاكم: أبطلت عقوده من المستقبل وكيف يحل ما لم يعقد ويبطل ما لم يوجد؟
فيقال لهم: إنما يتسلط الحكم على أن عقوده لا تلزمه. وهذا معنى يتصور قبل العقد، كما يتصور بعد العقد فسخ العقد لكونه غير لازم.
فإذا تقرر أن السفيه الكبير يستأنف الحجر عليه، فإن المذهب على قولين
_________________
(١) البقرة ٢٨٢
(٢) هكذا، والصواب: مفسوخ.
[ 3/ 1 / ٢٠٦ ]
في صفة السفه الذي يوجب الحجر عليه:
فمذهب ابن القاسم أن السفه الذي يمنع السفيه أن يُعطى ماله إذا بلغ يوجب أيضًا استئناف الحجر عليه إن كان كبيرًا مهملا.
ومذهب أشهب أن استئناف الحجر لا يسوغ إلا بثبوت سفه ظاهر بيّن.
وكأن ابن القاسم رأى أن السفه في الصورتين جميعًا، الموجب لتمادي الحجر والموجب لاستئنافه، لا يفترقان لكون الحكم متساويا والعلة واحدة.
وكأن أشهب رأى أن الحجر إذا لم يتقدم استئنافه بالانتقال من انسحاب الحال لا يثبت إلَاّ بأمر بين، لا سيّما مع مراعاة الخلاف لمذهب أبي حنيفة في قوله: لا يستأنف الحجر على الكبير.
والجواب عن السؤال الرابع
أن يقال:
إذا انكشف للمتأمل وجه المصلحة في الحجر على السفيه، انكشف له حقيقة السفه. وذلك أنا قدمنا أن المال به حفظ الحياة وقوامهما. كما نبه الله سبحانه في كتابه بقوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا﴾ (^١). ومن لا يحسن إمساكه وتدبيره، ويبيعه من غير عوض صحيح حتى يعود محتاجا إلى ما يحفظ الحياة به، ولا يجده، ولا ينظر لنفسه، نظر الشرع له بإقامة من ينظر له.
فحقيقة السفه على هذا: تبذير المال وإتلافه.
وقد جعل الله سبحانه للإنسان دارين:
دارًا عاجلة وهي الدنيا، يحتاج إلى تدبيرها وإصلاحها، ودار الآخرة التي
_________________
(١) النساء: ٥
[ 3/ 1 / ٢٠٧ ]
يحتاج أيضًا إلى زاد يستعده لها وهو صلاح دينه.
فأمّا صلاح الدنيا وتدبيرها، فلا خلاف أنه معتبر في حقيقة السفه والرشد.
واختلفت عبارات أهل المذهب عنه:
فقيل: هو إحراز المال وصيانته عن التلف والتبذير.
وقيل: يضاف إلى هذا كون المالك له يحسن تثميره وتنميته.
وينظر فيهما: فإذا اجتمع في تدبير دنياه كونه محتاطا على المال صائنا له عن التلف والتبذير، وكونه منميا له ومثمرا له، لكونه يحسن التجر به ويتحرز في المعاملات من الغبن المتلف له، فإن هذا هو حقيقة الرشد من تدبير الدنيا بلا خلاف.
فإن انحلّ أحد الوصفين، فإن كان الانحل الذي جهة إمساكه وصيانته وحفظه، حتى يعتقد فيه أنه إذا سلم إليه أضاعه وأتلفه، فإنه لا يسلم إليه بلا خلاف على الجملة عندنا وعند الشافعي، على حسب ما قدمنا ذكره فيما سلف.
وإن كان انحلاله من ناحية كونه لا يحسن التجر به، فهذا الذي اختلفت فيه اشارات المذهب: فكأن من اعتبر هذا الوصف. اعتقد أن المال إذا أمسكه للإنفاق خاصة من غير أن ينظر في تنميته، ويعرض عنها مع تأتّيها وإمكانها لِهَوان المال عليه، فإن ذلك يُفني المال ويلحقه بمن لا يحسن صيانة المال وحفظه. وكأن من ذهب إلى كون هذا الوصف لا يشترط يقول: إنا إذا منعناه من المال، وأقمنا له قابضا له، فإنه لا يلزم القابض للمال، من أب أو وصي أو مُقام، أن يتجر له به، وإنما تلزمه صيانته عليه وحفظه من التلف.
فإذا استوى الحال بينه وبين من يكلف حفظ هذا المال، كان إبقاؤه في يد مالكه أولى.
[ 3/ 1 / ٢٠٨ ]
وهذا ينبغي عندي أن يلتفت فيه إلى اختلاف حال كثرة المال وقلته، وتحقق الفائدة فيه، وقوة الظن بحصولها وضعفه.
فإذا كان المال قليلًا يفنيه الإنفاق عن قرب، ووجد من ينميه حتى يربح ما يحفظ رأس المال، ويكون المُقام يحسن التجارة فيأباه، فإنه لا يسلم إليه لأن هذا عنوان فساد تدبيره. وكذلك إن كان جاهلا بتنميته، فإن مشاحته في عدم التنمية من غير إظهار غرض صحيح عنوان سوء التدبير.
وأما الوصف الآخر وهو حسن تدبير الدين وما يعود بصلاح الآخرة، فإن المذهب عندنا على قولين:
أحدهما أن ذلك ليس بشرط في حصول الرشد، بل يكتفى بإصلاح الدنيا، وإن أفسد أموره في الآخرة.
وقد قال ابن المواز في الرشد: هو أن يحرز المال وينميه ويكون صالحا في دينه، ولا ينفقه في المعاصي، وهكذا نص * عليه الشافعي أنه يعتبر كونه صالحا في دينه كما قال بعض أصحابنا. لكنه غلا في ذلك حتى شرط في صلاح الدين أن يكون عدلا مقبول الشهادة، وهذا فيه تضييق شديد ولا يكاد معه أن يخرج من الحجر إلا آحاد.
وأكثر سكان الأمصار في هذا الزمان لا تقبل منهم إلا شهادة آحاد وهو على غاية من حسن تدبير دنياه، لا سيما إن كانت المعاصي التي تخرجه عن العدالة وقبول الشهادة لا تعلق بينها وبين المال، ولا تأثير لها فيه، كالإكثار من الكذب، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس فإن هذه الكبائر لا تأثير لها في صيانة المال ولا تنميته، ووجودها لا يناقض علة الحجر على اليتيم كما قدمناه. لكن إن كانت معاصي تؤثر في المال، كإنفاقه في شرب الخمر والزنا وما في معنى ذلك من الشهوات المحرمات، فإن هذا يحسن الالتفات إليه.
[ 3/ 1 / ٢٠٩ ]
وقد قال في المدونة في الذين يحجر عليهم: "هم الذين ينفقون أموالهم في الفسق والشرب". وهذا إذا كان الإنفاق فيه يأتي على المال ويفنيه، ولا يتحرى صاحبه فيه تجارة يخلف بها ما أنفق، فإنه يتضح ها هنا إلحاقه بالسفهاء. كيف؟ وقد قلنا: إن التبذير في غير الفسوق يوجب التحجير؟ فكيف بالتبذير في الفسوق وركوب الكبائر؟
لكن لو كان هذا يتجر بما في يده تجارة تُصيّر إنفاقه هذا من الآرباح، وباقي المال محفوظ، فإن فيه إشكالًا. وقد يلحق بمن قلنا: إنه لا يحسن الإمساك ولا يحسن التجر.
لكن إن كان هذا لا يمكن منعه من هذه المعاصي بعقوبة من ضرب أو حبس وإقامة حدود، ولا يكفّه عن ذلك إلا نزع المال من يده بعد المبالغة في التجر (^١) له وبه وفي العقوبة له. فإن هذا يكون منعه من المال ليس من ناحية السفه، ولكن من ناحية تغيير المنكر، والمنكر يجب أن يغير بأي طريق أمكن حتى إذا لم يمكن إلا طريقة واحدة تعينت على الجملة.
واعتمد أصحابنا البغداديون في الردّ على من ذهب إلى اشتراط صلاح الدين بأن النبيّ - ﷺ - أقام الحدود ثم لم يحجر على من أقامها في ماله.
وكذلك أقامها أبو بكر وعمر وعلي ﵃، ولم ينقل أنهم حجروا على من أقاموا ذلك عليه.
وهذه العمدة التي اعتمد عليها ابن القصار وغيره في الردّ على الشافعي فيما ذهب إليه. وإنما يتوجه على من قال من أصحاب الشافعي: إن طريان الفسق على من يسلّم إليه ماله، ودفع التحجير عنه يوجب استئناف الحجر عليه كما يوجبه طرو التبذير، وإن كان قد سلم قبل ذلك إليه لما رشد. وأمّا مَن قال منهم بأن طريان الفسق في الدين لا يوجب استئناف الحجر بخلاف طريان
_________________
(١) هكذا والمعنى غير واضح.
[ 3/ 1 / ٢١٠ ]
التبذير، وفرّق بينهما بأن الصغير المحجور عليه إذا بلغ وحاله في الدين غير مرضية، فإنه يحجر عليه وإن كان حسن النظر في دنياه، لأنه لا يؤتمن على مال غيره لفساد دينه فكذلك لا يؤتمن على مال نفسه.
فأمّا إذا اؤتمن على ماله وسلّم إليه، فإن طريان فساد الدين عليه بعد ذلك لا يوجب رفع ما ثبت عندنا من أمانته على ماله، حتى نشاهد تبذيره له فيُنتقل إلى الحكم الآخر.
وأشار ابن الحارث من أصحابنا إلى اتفاق أهل مذهبنا على أن طريان الفسق على الرشد لا يوجب أستئناف الحجر عليه.
وقد احتج المعتبرون لصلاح الدين بما ذكر عن ابن عباس في وصفه الرشد، فقال في أوصافه: "ومن له حلم ووقار".
وذِكْرُه الوقار إشارة إلى صلاح الدين.
هذا حقيقة القول في إنفاقه في المجنون والمعاصي. وأمّا إنفاقه في الملاذّ والشهوات المباحات، وجمع الجماعة تأكل الكثير منه من الطيبات في المبيتات والمؤانسات، فإن هذا مما فيه إشكال أيضًا. وأشار بعض أصحاب الشافعي إلى أنه يوجب الحجر. وأمّا ابن القصار، من أصحابنا، فذكر ذلك ولكنه شرطه بشرط، فأوجب الحجر على من أنفق في الملاذّ والشهوات وأكثر من ذلك. ولكنه قال: "إذا كان ما فضل عنده من ذلك لا يتصدق به ولا يطعمه."
وقوله "ولا يطعمه" بعد ذكر الصدقة، الظاهر أنه أراد به إطعامه لإخوانه، وهذا قد يشير إلى أنه لا يرى ما ذكرناه عن بعض أصحاب الشافعي يوجب (^١) الحجر.
والتحقيق عندي فيه الالتفات إلى ما كنا أشرنا إليه في اعتبار حال قلة المال وكثرته، وحال التَّجْرِ بِهِ وتنميته، وقرائن الأحول التي تكون عنوانا وعلما
_________________
(١) هكذا ولعل الصواب: بوجوب
[ 3/ 1 / ٢١١ ]
على هَوَان المال عليه وكونه خارجا في تدبيره عن طريقة ذوي السداد، أو تدل على خلاف ذلك. فكل (^١) واقعة من هذا حكمها.
الجواب عن السؤال الخاص
أن يقال:
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٢).
وقد قدمنا أن الصغير الذي لم يبلغ لا يدفع إليه ماله بالإنفاق لتحقق معنى السفه فيه، وهو قصوره عن العقل التامّ الكامل الذي به يقع تدبير الدنيا والدين.
ولهذا جعله سبحانه في هذه الآية علة توجب الحجر. فقد ذكرنا أيضًا السفه علة في الحجر، والرشد علة في الإطلاق.
فلا يعلم أحد الوصفين (^٣) الكشف عن حال اليتيم واختباره، وهو معنى قوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ واختبروهم حتى إذا بلغوا النكاح ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ معناه علمتم رشدهم. وهذا العلم ليس بعلم ضروري يخلق في النفس ابتداء، لكنه ربما وقع عن طرق ربما تودي إليه، وهي مشاهدة قرائن أحوال، ربما (وقع العلم بطرق) (^٤).
فقد صار هذا العلم لا يتوصل إليه إلا بطرق وهذه الطرق هي المحال عليها في القرآن في قوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾. فاختلف العلماء في زمن هذا الإختبار لأحوال اليتيم في تصرفاته في المال، وما يتعلق به من معاوضات وصيانات له على قولين:
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: فلكل.
(٢) النساء:٦.
(٣) هكذا، ولعل الصواب: إلَاّ بالكشف.
(٤) ما بين القوسين هكذا.
[ 3/ 1 / ٢١٢ ]
هل يكون هذا الاختبار بعد البلوغ أو يكون قبله؟
فالأشهر من مذهبنا أنما هذا الاختبار إنما يكون بعد بلوغ اليتيم الحُلُم.
وذهب أبو جعفر الأبهرى من أصحابنا إلى أنه يكون قبل البلوغ.
وكذلك اختلف أصحاب الشافعي فيه أيضًا على قولين:
وهل يكون الاختبار قبل البلوغ أو بعده؟
فكأن من ذهب إلى الاختبار قبل البلوغ تعلق بظاهر قوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاح﴾ فجعل الاختبار قبل بلوغ النكاح وهو الاحتلام.
وجعل قبله "حتى" كالغاية لهذا الاختبار. فإن أثر هذا إلاختبار قبل البلوغ بوقوع عام في النفس برشد اليتيم دفع إليه ماله عقيب البلوغ على الفور، ويكون قوله تعالى ﴿آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ إن الفاء فيه للتعقيب والمراد فإن علمتم منهم بذلك الاختبار المتقدم، رشدا فادفعوا إليهم أموالهم على البدار والفور.
وقوله ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. الفاء ها هنا للتعقيب، على طريقة هؤلاء وطريقة من ذهب إلى إفادتها للتعقيب في مثل هذا، على ما كنا بسطنا القول فيه فيما سلف، وفيما أمليناه في الأصول. وبقول هؤلاء إن اليتيم إذا بلغ، يمكن أن يكون في معلوم الله سبحانه قد بلغ رشيدا، والرشيد لا يحل إمساك ماله عنه.
فإذا كان الاختبار بعد البلوغ خفنا أن نقع في محرّم، فكان الاحتياط الهروب عنه، ولا يحصل ذلك إلا بالاختبار قبل البلوغ.
وأمّا أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقولون: قد تضمنت الآية المنع من أن يدفع للصغير شيء من ماله. والاختبار الذي يثمر العلم بالرشد بما يكون بالتصرف في المال. فإذا منع الشرع من دفعه إليه انحسم طريق العلم المؤدي إلى العلم بالرشد، فوجب من أجل هذا أن يكون الاختبار بعد البلوغ. وأيضًا فإن قوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، ومعناه علمتم، وإن كان فعلا ماضيا فهو إذا وضع بعد حرف الشرط كان للاستقبال، فاقتضى هذا كون دفع المال
[ 3/ 1 / ٢١٣ ]
بعمل يحصل في الاستقبال، والعلم لا يحصل إلا باختبارٍ فاقتضى هذا أن الاختبار إنما يكون بعد البلوغ.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
قد تكلمنا على زمن الاختبار لليتيم. وأمّا صفته، فالنكتة المعوّل عليها، على الجملة، التأمل والاجتهاد في طريق يطلع بها الوصي على اليتيم على باطن أمره ومنتهى ميزه في إمساك المال وضبطه، والمعرفة بتنميته، على حسب ما قدمناه في الاختلاف في حقيقة الرشد. والمعتمد في ذلك قرائن الأحوال، وربما اتفق منها ما لا يضبط بلفظ أو كتابة، لكن يعلمها على التفصيل أن يكون اليتيم إذا نهض على السنن الذي يحتاج فيه إلى من يغذيه ويحفظ عليه طعامه، وصار مستقلًا بنفسه في تغذيته وتدبير طعامه ومنامه، فإنه يدفع إليه دنانير أو دراهم بمقدار ما يشتري به غدَاءه أو عشاءه. ويكون ذلك عليه حتى يعرف منه أنه سلك في ذلك مسلك العقلاء الرشداء. فإذا ثبت هذا الوصف له نقل عنه شيئًا فشيئًا، فيدفع إليه من ماله شيئًا يسيرًا فوق مقدار ما ينفقه في قوته، ويكلف البيع والشراء في أمور لا يستغنى عنها. فإذا استقر في النفس أيضًا في حاله أنه سلك مسلك الرشد، نقل إلى أن (^١) شيئًا يسيرًا يتجر به، فإن صانه وأنْماه زاده الوصي مالًا آخر حتى يتحقق أنه إن أخذ ماله كله صانه وأنماه، فيدفعه إليه.
وقال الشافعي: لو كان من أبناء الوزر الذين لا يليق بهم التجر في الأسواق لاختبر بما يدفع إليه من الانفاق على الأهل، وما في معنى ذلك. ولو كانت امرأة لاختبرت بما تتصرف فيه من أمور الغزل والاستئجار عليه.
وهذا المعنى الذي أشار إليه الشافعي يتضمن قولنا: الغرض حصول علم يستفاد من قرائن الأحوال، ولا يضبط جميعها بلفظ ولا خَطّ.
_________________
(١) أي: يدفع إليه.
[ 3/ 1 / ٢١٤ ]
وقد وقع في إشارات الأشياخ اضطراب في اختبار اليتيم بشيء من ماله: هل ذلك سائغ للوصي مباح له أن يفعله إذا أدّاه اجتهاده وإن لم يحكم بذلك حاكم، أم لا؟ فأشار بعضهم إلى إجراء ذلك على الخلاف الذي وقع في المدونة في اليتيم إذا دفع إليه وصيه شيئًا من ماله يختبره به فاستدان دينًا: هل تتعلق المداينة بما في يديه، ويقضى بدفعه لغرمائة أو لا يقضى لهم بذلك؟ فيستلوح من مذهب القائل بالمداينة لا تتعلق بما في يديه كون الدفع إليه تعدّيًا وسوء نظر. والوصي لا يلزم اليتيمَ فعلُه إذا أساء النظر له ديه.
ويستلوح من طريقة من مذهبه إلى أنه يقضى غرماؤه ديونهم من المال الذي في يديه أن ذلك سائغ للوصي. وهذا التخريج ربما كان ليس بالإلزام على مقتضى هذين المذهبين. وقد يكون الدفع مباحًا ولكن الغرماء لم يعاملوا على ما في يديه، فلهذا لم يقض لهم به.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
اضطرب المذهب في السفيه المهمَل، كصغير مات أبوه ولم يوص به أحدًا، ولا اطلع عليه القاضي حتى يحجر عليه، وتمادى على الاستقلال بنفسه في التصرف في ماله إلى أن كبر، ولكنه على حالة السفهاء من يوم موت أبيه إلى أن رجع أمره إلى القاضي.
وأمّا الصغير الذي لم يبلغ والمجنون، فإن تصرفهما وعقودهما لا تلزمهما ما دام الصغير لم يبلغ، وما دام المجنون لم يعقل.
وأمّا تصرف السفيه الكبير بعد بلوغه ولم يتقدم عليه حجر، كما قلناه، فمذهب اين القاسم أن أفعاله لا تلزمه، وبه قال أبو يوسف، وهي مردودة، فلا يمضي بيعه ولا شراؤه. ومذهب غيره من أصحاب مالك -وهم الأكثر- أن أفعاله في المعاوضة تلزمه، وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن.
[ 3/ 1 / ٢١٥ ]
وقد روى زياد بن شبطون القرطبي عن مالك أنه سأله عن سفيه عندهم () (^١) البان على ناصية فرسه ويشتري الكلب والبازي بالضيعة الخطيرة؟
فقال: تمضى أفعاله. ثم سألته بعد زمان فقال: تمضي أفعاله ولو كان مثل سفيهكم.
ومنهم من فرّق بين كونه بلغ سفيهًا وتمادى على ذلك: فقال بما قال ابن القاسم: من رد أفعاله. وبين أن يكون خرج من السفه بعد بلوغه ورشد ثم أحدث سفهًا بعد ذلك، فإنه تمضى أفعاله في المعاوضات، وتردّ في الهبات الظاهرة والمغابنة الفاحشة. ومنهم من رأى أن السفه الظاهر البيّن يوجب ردّ أفعاله بخلاف السفه الخفي.
وأشياخي المحققون يختارون الردّ لأفعاله، ويرون أن السفه علة في الردّ، وليس الحكم بالحجر علة الردّ، لكون الحجر تنْحيَةً عن السفه، والسفه أشده وأوجبه وليس الحكم بالحجر هو الذي أثبت الحجر وأوجبه، بل السفه علة، والحكم كالمعلول فلا ينقلب الأمر، فيصير المعلول علة والعلة معلولًا. وكأن من ذهب إلى خلاف هذا رأى أن ثبوت السفه يحتاج إلى اجتهاد وكشف وبحث، وهو أيضًا مِمّا اختلف المذهب في حقيقته على حسب ما قدمناه فيما سلف. وما كان مختلفًا فيه ويفتقر ثبوته إلى اجتهاد لم يقض به. ويثبتْ حصوله إلا بحكم حاكم، لا سيما أن في رد أفعاله إضرارًا بمعامليه، لأنهم يرون رجلًا يتصرف في ماله ولا ينكر ذلك عليه أحد، فيعاملونه. فلو رددنا أفعاله أضررنا بمعامليه وهم لم يقصروا في الاجتهاد ولم يفرطوا. بخلاف معاملتهم لصغير لم يبلغ أو مجنون، فإن معاملتهم له ترد لكونهم هم المتلفين لمالهم والمفرطين في معاملته، من (^٢) السبب الموجب لرد أفعاله ظاهر بيّن، لا يحتاج
_________________
(١) كلمتان غير واضحتين.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: فإنّ.
[ 3/ 1 / ٢١٦ ]
إلى أجتهاد ولا حكومة حاكم للصغير (٢) والمجنون (^١) أمران مشاهدان بخلاف السفه.
وكأن من ذهب إلى القول الثالث رأى أن السفه كان بيّنًا، فالمعاملون له فرّطوا فلم تَلزمه معاملتهم، وصار السفه البَيّنُ مستغنيًا عن الاجتهاد غير مفتقر إلى حكم حاكم كالصغير والمجنون.
وإذا كان السفه خفيًّا فارق الصغر والجنون وافتقر إلى حكم حاكم.
وكأن من فرق بين السفه المستصحب من قبل البلوغ، وبين السفه الطارئ بعد البلوغ يرى أن الطارى بعد البلوغ قد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يوجب الحجر على السفيه بخلاف الحجر على سفيه مستصحب للسّفَه، لا سيما أنه إذا رشد بعد البلوغ عند من عامله لاستصحاب ما عرف له من الرشاد.
هذا في عقود المعاوضات، وأما الهبات فهي نوع من الإتلاف، فاشبهت السفه البيّن كما حكيناه عن المذهب الثالث.
هذا ضبط المذهب فيما يوجب الحجر وردّ الأفعال، هل هو موقوف على مجرد العلة أو على الحكم به في السفيه المهمَل؟
وأما إذا كان السفه الموجب للحجر مما يشاهد ولا يفتقر إلى تأمل واجتهاد كابن سبع سنين عقد على نفسه معاملة، أو مجنون عقد على نفسه معاملة، فإن هذا لا يختلف فيه في كون أفعاله على الردّ، لأن الذين عاملوه يعلمون بالمشاهدة من حاله معنى يمنع الشرعُ من إلزامه أقواله وأفعاله، ورفع التكليف عنه في العبادات فكيف في المعاملات. وهذا بخلاف السبب الموجب للحجر إذا كان مما يفتفر ثبوته والعلم بحصوله إلى تأمل وتكرير اختبار واطلاع على قرائن أحوال، فهذا الذي يحسن فيه الخلاف.
وأما إذا وجد معنى يقتضي رفع الحجر بنفس عدم الموجب له وهو السفه
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: الصِّغَر والجنون.
[ 3/ 1 / ٢١٧ ]
وما في معناه، أو يقف ذلك على حكم الحاكم بذلك: فأمّا البغداديون من أصحابنا، فإنهم يرون أن ذلك موقوف على حكم الحاكم. وأضاف ابن القصار هذا المذهب إلى مالك ﵁، فقال: إن السفيه البالغ الذي يجب الحجر عليه لا يخرج من الحجر إلا بحكم حاكم، سواء كان محجورًا عليه بحكم أو بغيره. قال: واختلف قول سحنون في الصبي إذا بلغ ورشد هل تجوز أفعاله بمجرد رشاده أو تبقى على حكم الحاكم بذلك؟ فقال مرة: تجوز أفعاله بمجرد رشاده. وقال مرة أخرى مثل قولنا: إن إطلاق التصرف له في المال يقف على حكم الحاكم. قال: وكذلك اختلف قوله في المفلس إذا حجر عليه: هل يفتقر التحجير إلى حكم الحاكم برفعه أم لا؟ ووافقَنا على أن المجنون إذا عقل يرتفع الحجر عنه ولا يفتقر إلى حكم حاكم.
والسفيه البالغ أفعاله على الإمضاء حتى يحكم الحاكم بإطلاق الحجر عنه.
ففصل الجواب في هذه الأربعة أقسام، فرأى أن الحجر الذي أوجبه الجنون يرتفع حكمه بذهاب الجنون.
والسفه الموجب للحجر في حق البالغ العاقل لا يرفع حكم السفه بمجرد الرشد حتى يحكم به.
قال ابن القصار: والباب عندنا في هذا كله واحد. وهكذا ذكر القاضي عبد الوهاب أن الحجر لا يرتفع إلا بحكم حاكم في الصغير وفي السفيه والمجنون والمفلس. وأنكر أشياخي الحذاق هذه الطريقة. وأشار بعضهم إلى أنه لا يحسن خلافٌ في المجنون إذا بلغ رشيدًا جائز الأفعال ثم جنّ، فإن ارتفاع الجنون عنه يرفع الحجر الذي أوجبه الجنون بخلاف أن يبلغ مجنونًا فانه إذا عقل فلا بد من اختبار حاله فيحسن حينئذٍ القول بأنه يفتقر رفع الحجر عنه إلى حكم حاكم. وهذا الذي أشار إليه بعض أشياخي. ثم صرح ابن القصار فيه بخلاف ما ظن، فقال في كتابه في الردّ على الشافعي في قوله الذي حكيناه عنه: إن ارتفاع
[ 3/ 1 / ٢١٨ ]
الجنون يوجب رفع الحجر من غير افتقار إلى حكمٍ: إن هذا المجنون إذا بلغ مجنونًا فإنه يجب اختبار حاله بعد ارتفاع الجنون ليعلم هل هو رشيد أم لا؟.
قال: وإن بلغ رشيدًا ثم جنّ ثم عقل فإنه وإن ارتفع الجنون عنه -وقد كان قبله رشيدًا- لم نأمن أن يكون الجنون غَيَّرَ مَيْزَه وسَدَاد رأيه في تصرفه فيفتقر فيه أيضًا إلى اختبار زوال العقل: هل زال على صورة عاد معها العقل إلى الحال الأول، أو زال على صورة نقص العقل فيها عمّا كان عليه قبلَ ذلك؟. وهكذا رد عليه في المجلس بأن أشار أيضًا إلى هذا المعنى بأن التفليس والتحجير على الإنسان في ماله، ومنعه مما اعتاد فيه يوجب تغيير مزاجه وميزه، وقد يأسف على أن يكون لم يتلف ماله في اللذّات حتى لا يحال بينه وبينه. فيجب أن يفتقر فيه إذا ارتفع الحجر عنه هل يتغير ذلك الذي عرف عنه قبل الحجر أم لا؟ وذكرنا عنه أن السفيه البالغ لا يخرج عن ذلك إذا رشد إلا بحكم. وكنا حكينا عنه أن السفيه المهمل تمضي أفعاله، كما حكاه ابن القصار هناك وهاهنا عنه.
فلعلّ هذا الذي قاله في سفيه بالغ حجر عليه بحكم، وبعض أشياخي المحققين يرون أن الصواب اتباع العلة؛ فإذا رشد من حجر عليه بحكم جازت أفعاله وإن لم يحكم بارتفاع الحكم الأول لوجودِ العِلة التي توجب الحكم الثاني، وكذلك يرى أن السفيه المهمل، الصواب فيه (^١) قال ابن القاسم: من رد أفعاله لأن الحكم بالإطلاق إنما هو ثمرة الرشد ومعلوله، وكذلك التحجير شدة السفه ومعلوله، فلا معنى لاطّراح العلل والالتفات إلى المعلول دونها.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
أمّا ما يتعلق ببدن السفيه البالغ ولا علاقة بينه وبين ماله، فإن إقراره به لازم له كما يلزم العاقل الرشيد، مثل أن يقرّ بقتل رجل محمدًا، فيجب عليه القصاص، وقطع (^٢) عضو منه، أو جرح محمدًا، فإن القصاص واجب عليه كما
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: [ما]، قال.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: أوْ.
[ 3/ 1 / ٢١٩ ]
يجب على البالغ العاقل الرشيد. بخلاف إقراره بما يُلزم غرامة في ماله. والعلة في ذلك أنه لا يتهم مع وجود العقل عاقل -سفيهًا كان أو رشيدًا- أن يقرّ بما يؤدي إلى قتله أو قطع يده، وهو يقول في ذلك الكذبَ ويتعمده.
وأمّا المال فيتهم في ذلك السفيه أن يعطيه إنسانٌ دينًا يستعجل إنفاقه ليتلف ما (^١) في يد وصيه لهوانها عنده لكونه ممنوعًا منها، وحاله في ذلك كحال العبد. أو أقرّ بمال ما لزمه ذلك إذا كان محجورًا عليه، ولو أقر بما يوجب قتله قصاصًا منه لأخذ بذلك ولم يتهم فيه.
وأما عفْوهُ عن غيره فيما وجب له من هذه المعاني: كرجل قذفه فوجب أن يحدّ، أو جرحه محمدًا فوجب أن يقتص منه، فإن المذهب على قولين: أجاز ابن القاسم عفوه عنه لمّا كان ذلك ليس بمال وإنما يصدق (^٢) عليه الشرع المال بجهله بمقداره والحاجة إليه. وأما عرضه فلا يلزم أباه أو وصيه أن يرد عفوه عنه إذ ليس بمال فيتلفه.
وقال مطرف وابن الماجشون: لأبيه أو وصيّهِ ألاّ يجيز عفوَه، ويطلب حقه في عِرضه وفي القصاص الذي يجب، ولو كانت التي جُرحها خطأً، فاجاز عفوه عن ذلك؛ لأنه إنما يجب له فيها مال، وليس له أن يتلف ماله ويهبه، ولو كان الجرح جرحًا أدّى إلى موته فعفا عنه عند احْتضاره عن قتل جارحه، وكان اللازم لقاتله الدية، فإن ذلك يكون في ثلثه، كما تنفذ وصايا الصبي في ثلثه، لأن بالموت استغنى مالك المال عن صيانته عليه، بخلاف عفوه عن مال يحتاج إليه إذا بقي حيًا. ولو كان الذي أدّى إلى قتله إنما يوجب القصاص لجاز عفوه فيه، لا سيما على مذهب ابن القاسم الذي أظنه يرى أن الدية في قتل العمد (^٣) إلا برضا القاتل ورضا ولي المقتول. وأمّا على طريقة أشهب الذي يرى أن لولي
_________________
(١) كلمة غير واضحة.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: يصون.
(٣) هكذا، ولعل الصواب إضافة: لا تجب.
[ 3/ 1 / ٢٢٠ ]
المقتول أن يجبر القاتل على الدية. وقد قال مالك: إن لولي القتيل أن يأخذ مالًا من القاتل بغير اختياره ويعفو عنه. (وعن مالك أن يملك عد مالكا (^١» على إحدى الطريقتين. وقد بسطنا هذا المعنى في كتاب الرجوع عن الشهادات، وذكرنا ما قيل فيه من الروايات.
وأمّا ما ليس بمال ولا هو مما يتملك وتجوز المعاوضة عليه، كطلاق السفيه وخلعه، فإن فقهاء الأمصار على إلزامه الطلاق. وخالف في ذلك ابن أبي ليلى وأبو يوسف ذهابًا منهم إلى أن البضع قد ملك الانتفاع به وإن لم يكن ذلك من الحقوق والمالية المحضة، ففيه علاقة من المال لأن السفيه إذا طلق قد يحتاج في ثاني حال إلى أن يتزوج لئلا يقع في الزنا، فيكون لوليه تزويجه فيغرم عنه صداقًا آخر، وهذا يتكرر منه إذا طلق الثانية والثالثة، وهذا يعود إلى إفساد ماله، فوجب ردّ طلاقه.
وقد ردّ ابن القصار عليهما بأن العبد لا يجوز له التصرف في ماله، ولو طلق لزمه الطلاق، فوجب أن يكون السفيه كذلك.
وهذا الذي ردّ عليهما به غير لازم لهما لأن العبد إذا طلق واحتاج إلى التزويج لم يلزم سيده أن يزوجه. والسفيه قد يلزم وصيَّه أن يزوجه إذا دعت ضرورة إلى ذلك، فارتفعت في العبد العلة التي وجدت في السفيه.
وقد وقع في المذهب عندنا قولان في إعتاقه أمٌ ولده: هل يرد عتقه فيها أم لا؟
وأشار المغيرة إلى تعليل ردّ عتقه بأن ذلك يعود بضرر في ماله لكونه يحتاج إلى تزويج أو سُرّية، فلو كانت أم الولد لكانت تكفيه وتغنيه عن ذلك، وتعفَفه عن الزنا.
وهذه الإشارة إلى هذا التعليل قاد بعض الأشياخ المحققين إلى الميل إلى
_________________
(١) ما بين القوسين كلام غير واضح ولعل الصواب: ومن ملك أن يملك عُدَّ مالكًا.
[ 3/ 1 / ٢٢١ ]
التوقف، والتردد في إلزام السفيه طلاقه لأجل ما يلحقه من الضرر في المال، كما أشار إليه المغيرة وأن يقول بما قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف مِن ردّ طلاق السفيه؛ لأن أم الولد إذا قتلت أو جرحت أخذ السيد قيمتها أو قيمة جرحها، فقد صارت مما يترقب فيها أن تعود مالًا محضًا، وزوجة السفيه لا تعود مالًا أبدًا. وقد تكلمنا في الرجوع عن الشهادة على شهود شهدوا بعتق أم ولد ثم رجعوا عن الشهادة، كما تكلمنا على اختلاف الناس في غرامة شهيدين شهدا بالطلاق على رجل أنه طلق زوجته وقد دخل بها، ثم رجعا عن الشهادة. وأمّا عتق السفيه لأمة (^١) التي ليس فيها عقد حرية فإن ذلك لا يمضي لكونه أتلف مالًا محققًا. وأمّا عتقه لأم ولده، فالأشهر أنه يمضي لكونه ما أتلف إلَاّ استمتاعًا. وقيل: يرد لكونه قد يحتاج إلى غرامة مال آخر فيما يستعفف به.
وعلى القول بأن عتقه فيها ماض: هل يتبعها مالها إذا كان كثيرًا؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يتبعها لكونه أتلف مالًا محضًا.
والثاني أنه يتبعها لورود الشرع بأن المعتَق يتبعه ماله فإن قلنا: إن العبد لا يملِك اتضح كالإتلاف، (وكأنه مالًا موضوعًا في جزائه) (^٢) وإن قلنا: العبد يملك بعد ملك سيده أن ينتزع ماله وهي: من ملك أن يملك كالمالك على إحدى الطريقتين التي تقدمت.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
قد علق الله سبحانه أحكام التكليف بالبلوغ، كالمشعر بكمال العقل الطبيعي. وإنما يتطلب بعده عقل يكتسب من التجارب. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (^٣).
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: لأمته.
(٢) ما بين القوسين هكذا في النسختين.
(٣) النور: ٥٩.
[ 3/ 1 / ٢٢٢ ]
وقال - ﷺ -: "رفع القلم عن ثلاث .. " (^١) فذكر الصبي حتى يحتلم.
وإنزال الماء الدافق هو الاحتلام، ولكنه في بعض الأشخاص قد يعدم وقد يتأخر، فيفتقر حينئذٍ إلى تطلب علامات تدل إليه، وهي إنبات الشعر في العانة، وبلوغ سنين لا يبلغها [إلا]، من احتلم. وهاتان العلامتان يستوي فيهما الذكر والأنثى.
وعلامتان أخريان يختصّ بهما النسوان.
فأمّا الإنبات: فكونه علمًا على البلوغ (وتكليف الثبوت) (^٢) وتوجه خطاب الشرع، فإنه مما اختلف العلماء فيه: فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يكون علمًا أصلًا.
والمشهور من مذهبنا كونه علمًا على الجملة.
ولم يختلف الشافعي في كونه علمًا في أولاد المشركين. واختلف قوله في كونه علمًا على البلوغ في أولاد المسلمين، وكأنه رأى على قوله بالتفرقة بين أولاد المسلمين وأولاد المشركين، أن أولاد المشركين لا طريق لنا إلى العلم بما ذهب من أعمارهم، فاضطررنا إلى اتخاذ الإنبات فيهم علمًا وأولاد المسلمين بين أظهرنالأولا تخفى أنسابهم بالبحث والاختبار، فعدل عن ذلك إلى ما يمكن مما هو الدلالة والعلامة أقوى.
وأيضًا فإن أولاد المسلمين (^٣) يتهمون في كتمان البلوغ لئلا تجري عليهم أحكام الكبار من الكفار من قتل وضرب الجزية عليهم، إذ من لم يبلغ من الكفار لا نقتله ولا تلزمه الجزية، وهذه التهمة مرتفعة عن أبناء المسلمين إذ لا يباح دمهم، كبارًا كانوا أو صغارًا، إلا بجناية توجب ذلك، مما لا يسلم له،
_________________
(١) الفتح: ١١: ٣١٠ - ٣١١.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: وثبوت التكليف.
(٣) هكذا، والصواب: الكفار.
[ 3/ 1 / ٢٢٣ ]
لأن التهمة في كتمان البلوغ قد تتطرق أيضًا في أبناء المسلمين مخافة من إقامة الحدود إليهم (^١) وإلحاق العقوبات بهم.
وأمّا الخلاف المطلق في كونه علمًا في أبناء المسلمين وأبناء المشركين، أو كونه ليس بعلم فيهم، فإن من يراه علمًا يعتمد على ما ورد في الخبر من كونه - ﷺ - لما حكّم سعدًا في بني قريظة فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم بأن يقتل منهم من أثبت فصؤبه - ﷺ -، وأخبر أنه حكم فيهم بحكم الله سبحانه وجعل جريان الموسى علمًا على البلوغ (^٢).
ومن لم ير ذلك علمًا فإنه يستند أيضًا إلى ظواهر الشرع من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (^٣). وقوله ﵇: "رفع عن أمتي ثلاث" (^٤) فذكر الصبي حتى يحتلم. فإثبات ما سوى ذلك علمًا يفتقر إلى دليل لا إشك الذيه. والإنبات لا يكون علمًا في العادات لِأنّا نراه يختلف في بني آدم، فمنهم من يتأخر نبات شعره، ومنهم من يعجل ذلك عليهم. فلو جعل نبات الشعر دليلًا كان نبات اللحية أولى، ونباتها يختلف في الناس. وأيضًا فإن ذلك يختلف باختلاف الأمزجة، فينبت الشعر مسرعًا في مزاج ويتأخر في مزاج آخر كما يختلف بالغلظ والرقة واللون بحسب الأمزجة أيضًا.
وأمّا كون السنّ علمًا على البلوغ، فإنه يكون دليلًا على الجملة باتفاق، ولكن تقديره كثر الخلاف فيه. ألا ترى أن من ذهب من عمره الثلاثون سنة أو أكثر منها لا يشك عاقل في بلوغه المبلغ الذي يتعلق به التكليف؟ كما أن من لم يذهب من عمره إلا السبع سنين أو العشرة لا يشك عاقل في كونه لم يبلغ مبلغ التكليف، ويبقى بين هذين الطرفين وسائط يقع فيها
_________________
(١) هكذ ا، والصواب: عليهم.
(٢) الروض الأنف: ٢٨٨:٦ - ٢٩٠.
(٣) النور: ٥٩.
(٤) سبق تخريجه.
[ 3/ 1 / ٢٢٤ ]
التشكك والإشكال، مثل خمس عشرة سنة، ففيه اختلاف الناس: فالمشهور عندنا ثماني عشرة سنة.
والشافعي يقدر ذلك بخمس عشرة سنة. وأبو حنيفة يفرق بين الذكور والإناث فيقول: في الذكر سبع عشرة سنة. والإناث تسع عشرة سنة. والتحاكم في هذا الاختلاف يرجع فيه إلى العادات فقد تختلف أهوية الأقطار والجهات، وأمزجة سكانها في هذا التقدير.
لكن الشافعي يستند إلى قول ابن عمر: "عُرِضت على النبي ﵇ عام أُحد وأنا ابن أربع عشر فردني ولم يرني بلغت، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" (^١).
وقد تقرر في علم الأصول أن الراوي إذا نقل حكمًا وذكر سببه، فإن ذلك السبب يكون علة الحكم على الجملة كما روي أنه سها فسجد، فجعل السهو علة في السجود، وكما روي أن ماعزًا زنا فرجم، فجعل الزنا علة في الرجم.
فكذلك قول ابن عمر: "عرضت عليه وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت" (١). فإن هذا يشير إلى أن عدم البلوغ علة حكم الرد، ووجود البلوغ علة الإجازة.
وأصحابنا يتأولون قوله: "ولم يرني بلغت" في الحين لطاقة القتال، ويؤكدون ذلك بقول سمرة بن جندب: "عرضت على النبي ﵇ وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني (وعرضت عليه متأخر ما جازه) (^٢)، فقلت: يا رسول الله، أجزت هذا ورددتني ولو صارعني لصرعته، فأذن ﵇ في صراعنا فصر عنه، فأجازني" (^٣).
وهذا يقتضي إنما اعتبر في هذا إطاقة القتال، ويجعل قول ابن عمر "ولم
_________________
(١) الترمذي: ٣: ٣٤ حد. ١٣٦١.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: وعرض عليه آخر فاجازه.
(٣) الإصابة: ٢: ٧٧ - ٧٨.
[ 3/ 1 / ٢٢٥ ]
يرني بلغت" على أنه أراد: بلغت إطاقة القتال.
وأصحاب الشافعي يقولون: إذا أطلق ذكر البلوغ فما يحمل إلا على بلوغ الحلم، وأما بلوغ ما سوى ذلك فلا يذكر إلا مقيدًا بأن يقال: بلغت كذا وبلغت كذا.
وأما كون الحيض في النسوان علمًا على البلوغ فإن ذلك لا يختلف فيه.
وقد جعله الله سبحانه دلالة على براءة الرحم من العمل في العِدد والاستبراء.
وكذلك لا يكون الحمل إلا بعد البلوغ. وقد أخبر ﵇ بعلة كون المولود ذكرًا أو أنثى، فقال "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثى بإذن الله" (^١).
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
أمّا مجرد البلوغ فلا يكون علمًا على حصول الرشد دون اختبار اليتيم حتى يعلم رشده، كما قدّمناه في مقتضى قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾. فإن معناه: فاختبروا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن علمتم منهم رشدًا. وذكرنا الخلاف في هذا الاختبار: هل يقع قبل البلوغ أو بعده؟ وكان بعض أشياخي يحمل على المذهب أن فيه اختلافًا في هذا، وأن أحد القولين كون البلوغ بمجرده دليلًا على الرشد لكون الغالب من بني آدم الحرص على جمع المال وصيانته وتنميته، وإنما يوجد فيهم من هو بخلاف ذلك نادرًا، والأحكام تتعلق بالغالب. وكان بعض أشياخي يحكي عن بعض أشياخه أنه يسير إلى إنكار هذا التخريج، ويقول: إنما قال في المدونة إذا احتلم الغلام فليذهب حيث شاء، وأزال ولاية أبيه عنه بالاحتلام من تدبير نفسه وصيانة مهجته إذ الولد إذا بلغ عاقلًا أَمِن عليه أبوه أن يلقي نفسه في مهواة أو
_________________
(١) مسلم بشرح النووي: ٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢.
[ 3/ 1 / ٢٢٦ ]
يقع فيما يؤدي إلى قتله وعطبه قصدًا إلى ذلك. فالتهمة مرتفعة عن كل واحد في نفسه إذا كان عاقلًا، ولا ترتفع عن كل عاقل في إتلاف المال لكون الشهوات تغلب على عقول كثير من الأحداث فيهون عليه إتلاف المال في تحصيلها.
فجعل الباري سبحانه صيانة أموالهم إلى آبائهم، وصيانة أنفسهم قبل بلوغهم.
فإذا بلغوا ارتفعت ولاية الأب عن ما لا يتهم فيه الولد وهو صيانة جسمه ونفسه، ولا ترتفع ولايته عن صيانة مال ولده لما قدمناه، فمن حاول أن يخرج قولًا في المال: إن اليتيم يدفع إليه ماله بمجرد البلوغ، كما ذكرنا عن بعض أشياخنا، فإن ذلك تخريج غير صحيح.
لكن من أشار إلى الخلاف في هذا من أشياخي كان يعول على ما ذكرنا في المدونة ويعول على ما في كتاب ابن حبيب، في سفيه وجبت له الشفعة بعد رشده أن السنة تحسب عليه من بلوغه. فلو لم يكن بمجرد البلوغ رشيدًا لما حسبت عليه من السنة المشهور التي كان فيها سفيهًا، وأسقطت شفعته بمضي سنة كان في شهور منها سفيهًا.
وهذا التخريج أشد إشكالًا. لكونه قد قيل في المذهب: إن الشفعة تجب على الفور، فإن تأخر الشفيع عن الأخذ بالشفعة وقد علم به سقط حقه فيها، كمن اشترى سلعة فاطلع على عيب بها، فإنه إنما يقوم بالردّ بالعيب بفور علمه به. وأمّا إن طال سقط حقه بالقيام به إذا تصرف به في المبيع من غير عُذر.
وأما مجرد البلوغ مع حصول الرشد، فإنه يوجب تسليم المال من غير خلاف في الذكران. وأمّا في النسوان فالمشهور في المذهب عندنا افتقارهن إلى شرط ثالث وهو دخول زوجها بمن بلغت عاقلة رشيدة، ولم تبلغ سن التعنيس، وتزوجت، ولكن لم يدخل بها زوجها، فإنها عندنا لا يدفع إليها مالها بخلاف الذكران.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن المرأة البكر إذا بلغت اختبر حالها في مالها: فإن لم تكن فيه سفيهة، فإنه يدفع إليها مالها وإن لم تتزوج.
[ 3/ 1 / ٢٢٧ ]
وحاول بعض أشياخي أن يجعل أيضًا في المذهب قولًا آخر موافقًا لما قال أبو حنيفة والشافعي مع (^١) كون النسوان كالذكران في دفع مالهن إليهن وإن لم يتزوجن.
فقال في كتاب الحبس والصدقة من المدونة: إنه قيل له: ما معنى قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قال: بلوغ النكاح الاحتلام في الذكران والحيض في النسوان. ولم يشترط الدخول ولا حمل قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ على أنهم نكحوا بل حمله على أن المراد به بلغوا سن النكاح والاحتلام، كما قال أبو حنيفة والشافعي. والبغداديون من أصحابنا لمَّا ردوا على أبي حنيفة والشافعي قالوا: قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ هو المراد به نكحوا ولم يود به بلغوا سن النكاح. ولو كان المراد به غير هذا لقال: حتى إذا نكحوا.
ويدل على هذا أن الإجماع على أن الصبي إذا بلغ رشدهُ دفع إليه ماله وإن لم يتزوج. فالله تعالى لم يفرق بين الذكر والأنثى، فقال: حَسِيبًا. فلما أجمع على أن الذكر إذا بلغ رشدًا دفع إليه ماله، فكذلك الأنثى وإن لم تتزوج.
وقال أصحابنا: قد قال تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾. والذكر إذا بلغ يصح بأن يختبر بأن يعطى من ماله شيئًا يختبر به: فإن أنماه زاد وصيه من ماله شيئًا. فإذا نماه وتكرر ذلك منه حتى عرف أنه رشيد دفع إليه المال.
والصبية البالغ البكر محجوبة لا يراها الرجال ولا كثير من النساء، فيستحيل أن يعرف رشدها وهي محجوبة عن الرجال وعن النسوان لا عن أهلها. والذكر يتصرف بين الناس بعد بلوغه، فيختبر حاله: هل هو رشيد أو سفيه؟ فافترق الحال.
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: من.
[ 3/ 1 / ٢٢٨ ]
وعندي أن هذا الخلاف إنما يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة: هل يصح الاطلاع على رشد البكر وهي من وراء حجاب، كما يصح الاطلاع على رشد الصبي البالغ؟ أو لا يصح ذلك؟ فهذا سبب الخلاف.
والمشهور من المذهب أن الشيب من النسوان البالغ، تحمل على الرشد.
واختلفت إشارات المذهب عن بعض أشياخي في مجرد الدخول: هل يقتصر عليه أو لا بد من اختبار حالها بعد الدخول؟
كما اختلف العلماء في مقدار السنين التي تحمل فيها على الرشد إذا أقامتها مع الزوج.
وهذا كله يرجع عندي إلى اختلاف في شهادة بعادة وكان بعض أشياخي يرى أن النساء البدويات لا يوسع في حال الرشد بعد الدخول مثل ما يوسع في ذلك في بنات كبار التجار في الحواضر، لأجل أن بنات "الكبرى (^١) من) التجار في الحواضر لا يُمكن من التصرف والتبدل (١) إلا بعد سنين تقيمها مع الزوج.
وهذا يشير إلى ما ذكرناه من التعويل علي الشهادة في العادات، وهذا هو التحقيق.
وقد وقع في المدونة اختلاف في البكر اليتيمة إذا تزوجت بدون صداق مثلها: يمضي ذلك عليها أو لا يجوز حطيطتها من صداقها؛ وهذا يمكن أن يجري على الخلاف في فعل السفيه المهمل: هل يمضي أو يحجر القاضي أو يرد أو يحمل على أنه لا يعتبر الدخول في الرشد كما قدمنا عن تخريج بعض شيوخنا في المذهب؟
وإذا تقرر حكم السفيه ووقع بيعه أو شراؤه في حال يجب ألَاّ تمضي أفعاله فيها، فإن عقوده على الوقف، فما كان إمضاؤه من حسن النظر له أمضي عليه. وما كان إمضاؤه سوء نظر له رد عقده فيه.
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب الحذف.
[ 3/ 1 / ٢٢٩ ]
فإذا ردّ عقده فيما باعه وقد قبض ثمنه أخذه البائع منه، إن وجده بعينه.
وإن وجده أتلفه في ما لا بد له منه مما وقى به ماله، فإنه يؤخذ ذلك من ماله.
وإن أتلفه فيما لا حاجة له به لم يرجع به عليه، وكأن البائع هو أتلف ماله لَمَّا دفعه لمن نهى الله سبحانه عن أن يؤتى المال.
وإن كان اشترى سلعة وجب فسخ بيعه. وإن تلفت في يديه بغير سببه لم يضمنها. وإن أتلفها فيما وَقَى ماله رجع عليه بالأقل من ثمنها الذي اشتراها به أو قيمتها. ويجري هذا كله على أحكام استحقاق السلع من يد مشتريها. وهو يبسط في كتاب الاستحقاق إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال:
قد قررنا أن الله سبحانه نهى أن نُؤتي السفهاء أموالنا، ومعلوم قطعًا أن العلة في ذلك كونهم لا يعرفون وجه المصلحة فيها، ومقدار الحاجة إليها، فلا يحسنون حفظها ولا تنميتها.
وإذا كانت العلة ذلك، فمعلوم أن السكر يغير العقل والتمييز وأقل مراتبه أن يغطي العقل والتمييز عن درجة الكمال التي تحصل للبالغ العاقل الرشيد، فيجب أن تلحق عقوده بعقود السفهاء الذين لا يلزمهم عقودهم. وقد نبه الله سبحانه على فساد عقله بالسكر بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ في الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (^١).
فنبّه الله سبحانه على أن الخمر يغير العقل حتى يستحسن السكران ما كان يستقبحه قبل أن يشرب الخمر، ويستخف من المتقدم على المحرمات ما لم يكن يسْتخفّه قبل شربه لها. ومعلوم أن ذلك بما حدث في عقله وميزه من فقد أو انتقاص. لكن هذا الحدث هو اكتسب السبب فيه بعد أن نهاه الله عن هذا الاكتساب وحرمه عليه، وهو متعد في شربه الخمر.
_________________
(١) المائدة: ٩١.
[ 3/ 1 / ٢٣٠ ]
وهذه الأحكام ثلاثة أنواع: حدود، وعقود معاوضات، وعقود غير معاوضات. وهي على قسمين: منها ما لا يحتاج إلى قبول ومنها ما يحتاج إلى قبول: فإن الحدود تلزمه وتقام عليه بما جناه في حال سكره حتى كأنه جناها وهو غير سكران في صحوه.
وقد حكى بعض العلماء الإجماع على أنه لو قتل لقتل وجرى حكمه في القتل مجرى حكم القاتل الصاحي، وإن كان مجنونًا جنونًا لا اكتساب له فيه لم يقتل إن قتل ولم تقم عليه الحدود وما ذاك إلاّ لما أشرنا إليه من كونه هو السبب في نقص عقله وتمييزه لأنه لو لم يشرب الخمر باختياره لم يفسد عقله إلا لسبب يطرأ عليه. فصار حكم عقله الناقص كحكم العقل التام؛ لأن هذا النقص هو جناه على نفسه، فصار حكمه كحكم العدم. وقد نبّه علي بن أبي طالب ﵁ على هذه العلة لما اجتمعت الصحابة في الاجتهاد في مقدار الحد الذي يقام على شارب الخمر. فقال لهم علي: "أرى أن يحدّ حد القاذف: ثمانين؛ لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى؛ فيقام عليه حدّ القاذف الصاحي" إشارة منه إلى ما ذكرناه. ولم ينكر عليه من اجتمع من الصحابة الاجتهاد في هذا الحكم بهذا التعليل، وهو المعنى الذي أشرنا إليه.
ولهذا أقيمت الحدود عليه.
وأما عقود المعاوضة التي تحتاج إلى قبول، كبيعه وشرائه، فإن أكثر أهل المذهب على أنها لا تلزمه، ومنهم من ألزمه إياها:
فالذين يلزمونها له أجروه مجرى السفيه العاقل، ورأوا أن أقل مراتبه أن يكون كالسفيه العاقل الذي جهله تدبير المال اقتضى ألاّ تلزم عقوده في البيع والشراء، فكذلك السكران، لكونه فقد الميز بالعقل (فقد لا ينتهي إليه السفيه العاقل) (^١) تقام عليه الحدود ولا تلزمه عقوده، فكذلك السكران تقام عليه
_________________
(١) هكذا.
[ 3/ 1 / ٢٣١ ]
الحدود ولا تلزمه عقوده للعلة الجامعة بينهما من فقدان العلم بتدبير المال، بل زاد السكران فقدان العقل كما نبّه الله سبحانه عليه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (^١) فلو كان السكر لا ينافي العلم لم يجعل الباري سبحانه ها هنا غاية وجود العلم فقدان السكر.
وأمّا عقوده في غير معاوضة، ولكنها تفتقر إلى قبول، كهباته، فإنها على القولين في بيعه وشرائه. لكن الهبة تفتقر إلى قبول الموهوب كما تفتقر عقود بياعاته إلى قبول المشتري منه.
وأمّا ما لا يفتقر إلى قبول كطلاقه وعتاقه فإنه يلزمه ذلك. هذا المعروف من المذهب.
وحكى بعض أشياخي عن بعض أشياخه أنه روى عن مالك أن طلاقه يلزمه، وهو مذهب ربيعة والليث وغيرهما. وما ذاك إلاّ بما قدمناه من التعليل من كونه أدخل على نفسه ما أفسد عقله تعديًا منه وظلمًا لنفسه، فصار فقدان عقله حكمه كحكم العدم، وكأنه باقٍ على ما كان عليه قبل شربه الخمر.
وقد علل مالك ﵁ إلزامه الطلاق بكونه قد وقع منه الطلاق، ونحن لا نصدقه مع إيقاعه أنه بغير العقل حين إيقاعه لكونه تعدى في شربه، فلم يصدق فيما يدعيه من ذهاب العقل. ويؤكد هذا أن رفع التكليف عن الصبي والمجنون تخفيف ورخصة وترفيه ورفع مشقة، وفقيد العقل بالشرب قد أتى معصية وركب كبيرة. والمعاصي لا تجلب الرخص، لأن الترخيص في الشيء مسامحة في ركوبه وتسهيل لفعله، والشرع قد أقام الحدّ على أهل الفسوق زجرًا لهم عن معاودة المعصية وطردًا لغيرهم عنها مخافة العقوبة. فلو كان سكره يرفع عنه هذه الأحكام لكانت المعاصي كالرخص له فيها، وهذا عكس موضوع الشرع.
_________________
(١) النساء: ٤٣.
[ 3/ 1 / ٢٣٢ ]
والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال:
اختلف في المخدوع في البياعات: هل يحجر عليه لأجل ذلك كما يحجر على من لا يحسن حفظ المال وإمساكه أم لا؟
وسبب الخلاف في ذلك أن أهل حَبّان بن منقذ سألوا النبي ﵇ أن يحجر عليه، لكونه يخدع في البيوع، فقال له لمّا شكى ذلك إليه، فقال له: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" (^١) فكأن من رأى الحجر عليه، وهو اختيار ابن شعبان، رأى أن التحجير على المغبون لو لم يكن جائزًا لأنكر النبي ﵇ على السائل في التحجير قوله، وهو ﵇ لا يقرّ على خطأ وغلط فيما يتعلق بالشرائع.
ووجه القول بأنه لا يحجر عليه أنه ﵇ لم (^٢) إلى ما طلب منه من الحجر، ولو كان سائغًا لأجاب السائل فيه إليه، بل علّمه ما يصون به ماله ويستغني به عن الحجر، فقال له: "اشترط أَلَاّ خلابة". معناه أن يستسلم إلى من يعامله ويشترط عليه ألاّ يغبنه. فإذا ظهر بعد ذلك غبن كان له أن يرد لمخالفة الشرط بخلاف المغبون. وأما المماكس ولكنه غبن لأجل جهله بالقيمة ففيه قولان:
إذا كانت المغابنة فاحشة، تقدم ذكرها في كتاب بيع الخيار من البيوع.
وقد قدّمنا من حقيقة الرشد ذكر الاضطراب في اشتراط تنمية المال، فهذا المغبون إن كفّ عن التجر فأمْسك ماله، جرى ذلك على ما قدمناه فيمن يحسن إمساك المال ولا يحسن تنميته، فإنه يدفع إليه وينهى عن التَّجْر بِهِ، فإن لم ينته عن التجر خيف أن يتلف جميع ماله.
والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال:
_________________
(١) الفتح: ٥: ٢٤٠ - ٢٤١.
(٢) في الأصل: لم إلى. ولعل كلمة سقطت تقديرها: يُجِبْ.
[ 3/ 1 / ٢٣٣ ]
أمّا المسلم إذا ارتدّ فإنه قد إنحلّ ما كان ثبت له من أمان في نفسه وماله، فوجب أن يوقف في نفسه ليقام عليه حكم الله سبحانه في قتله إن لم يتب ويرجع إلى الإِسلام، وكذلك يوقف ماله كما وقفت نفسه، لأنه إن قتل على ردّته كان ماله للمسلمين ولا يرثه ورثته. فهو في نفسه وماله على الوقف ليرى ما يكون منه: فإن رجع إلى الإِسلام صار ماله كما صار نفسه على المشهور من المذهب، وإن استبيحت نفسه بالقتل استبيح ماله، وإذا كان الحكم إيقاف ماله واعتقاله: فهل تردّ أفعاله فيه ويكون محجورًا عليه بنفس الردة؟ أو تكون أفعاله ماضية حتى يحكم القاضي عليه بالحجر؟
أمّا إن رجع إلى الإِسلام مضت أفعاله، وأمّا إن قتل على ردته، ففيه اختلاف في المذهب:
فذهب ابن القاسم وأشهب إلى أنه لا يكون محجورًا عليه بنفس الردة حتى يحكم الإِمام بالحجر عليه. ورأيا أن أفعاله ماضية.
وذهب سحنون إلى أنه محجور عليه بنفس الردة.
فهذا قد يحسن أن يقال: إن الاختلاف في هذه المسألة مثل الاختلاف في السفيه المهمل: هل يكون محجورًا عليه لوجود علة الحجر وهو السفه؟ أو لا يكون محجورًا عليه إلا بالحكم بالحجر؟ وقد كنا قدمنا الاختلاف في ذلك، إلى هذا أشار بعض الأشياخ.
وقد يقدح في هذا التمثيل بأن الردة معنى محسوس مسموع فأشبه الجنون والصغر اللذين لا يفتقران إلى حكم حاكم لمّا كان ثبوتهما لا يفتقر إلى اجتهاد، بخلاف السفيه المهمل الذي اختلف فيه، لكن ثبوت السفه فيه يفتقر إلى اجتهاد.
لكن يقال في هذا أيضًا: فإن ابن القاسم ذهب في السفيه المهمل إلى أنه ترد أفعاله وإن لم يحكم الحاكم بالحجر. وذهب في المرتد ها هنا إلى أن أفعاله
[ 3/ 1 / ٢٣٤ ]
على الإمضاء، فإن لم يكن اختلف قوله، فهذا يشعر بأن الردة في إيجاب الحجر أخفض رتبة من وجوب الحجر على السفيه المهمل. فهذا هو الحكم فيه قبل أن يقع الحكم بالحجر عليه.
وأمّا إن وقع الحكم بالحجر عليه وقتل على ردته فلا شك في أن أفعاله مردودة.
وأمّا إن رجع إلى الإِسلام فإن أشهب رأى أن أفعاله مردودة أيضًا كما لو
قتل على ردته وكأنه قدّر أن إمضاءها كالنقض للحكم، والحكم الصحيح لا ينقض.
وذهب ابن القاسم إلى أن أفعاله تمضي، وكأنه قذر أنه انكشف أن الخجر
كان في غير موضعه، وأنا لو اطلعنا على الغيب وعلمنا أنه يعود إلى الإِسلام لم يحكم بالحجر عليه، فلهذا أمضى أفعاله إذا رجع إلى الإِسلام.
والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال:
أما تمكين الزوج من الحجر على زوجته في بيعها وشرائها من غير محاباة. فلا خلاف أن ذلك ليس من حقه.
وأمّا تمكينه من الحجر عليها في الهبات والعطايا، فإنه مِمّا اختلف الناس فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه ليس من حقه أن يحجر عليها قياسًا عليه في نفسه: أن ليس من حقها أن تحجر عليه إجماعًا.
ومن الناس من ذهب إلى أنه يمكن من الحجر عليها في العطايا والهبات على الإطلاق بعكس ما حكيناه عن أبي حنيفة والشافعي.
وذهب مالك إلى أنه يمكّن من الحجر عليها إذا زادت في العتق والعطايا على ثلث مالها، قياسًا على المريض، فإنه لا يمنع من هبة ثلث ماله فأقلّ،
[ 3/ 1 / ٢٣٥ ]
ويمنع فيما زاد على ذلك.
وسبب الخلاف في هذا من جهة الاعتبار الالتفات إلى شواهد أصول: فقد تقرر في الشرع أن الحجر إذا كان حقًا للمحجور عليه انطلق على منعه مما قلَّ من ماله أوْ جلَّ. وإذا كان الحجر حقًا لغير المحجور عليه، فاختلف أحكام الشرع فيه:
فللسيد أن يحجر عليه فيما قل أو جل من ماله، لما كان الحجر ليس حقًا للعبد، وهو حق لسيده.
والمريض لما كان الحجر عليه حقًا لورثته حجر عليه فيما زاد على ثلث ماله.
فأصحاب كل مذهب اتفقوا (^١) إلى ما يوافق مذهبهم من هذه الأصول: فأبو حنيفة والشافعي رأيا أن أصول الشرع لا يمنع الرشيد من التصرف في ماله كيف شاء.
وأمّا الالتفات في هذا إلى الآثار، فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﵇ قال: "لا يحل لامرأة ملك زوجها عصمتها أن تعطي من مالها شيئًا بغير إذنه". وهذا الحديث مرسل، والعمل بالمراسيل فيه خلاف بين أهل الأصول.
وروى ابن حبيب عن النبي ﵇ معنى هذا الحديث عن النبي ﵇ مقيّدًا، فقال: "لا يجوز لامرأة أن تعطي من مالها شيئًا له بال بغير إذن زوجها" أو كما قال. وهذا التقييد يوجب رد حديث عمرو بن شعيب إليه، فقال ابن حبيب: رأى العلماء مقدار مالَه بال الثلث استدلالًا منهم بما ورد الشرع به في إطلاق الثلث للمريض وإن تعلق لورثته حق بماله.
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: الْتَفتُوا.
[ 3/ 1 / ٢٣٦ ]
وقد علم عند أهل الأصول أن الحكم الواحد إذا ورد فيه مطلق ومقيد رد المطلق إلى المقيد.
وأمّا أبو حنيفة والشافعي فإنهما يتعلقان بقوله ﵇ لما خطب يوم العيد ووعظ "وإذا" (^١) النساء، فقال: "تصدقن من حُليَكُنَّ" (^٢). فقوله "تصدقن" أمر عام لم يحدّ فيه مقدار ما يتصدقن به، ولو كان ذلك ممنوعًا على الإطلاق كما ذهب إليه بعض الناس لم يقل "تصدقن". ولو كان أيضًا يجوز ذلك في بعض المال دون بعض كما قال مالك لم يطلق الأمر بالصدقة، بل كان يقيدها بأن يقول: تصدقن بمقدار ثلث مالكن.
والظاهر أنه إذ خاطب النساء عمومًاْ من غير أن يلتفت إلى من لها زوج أو لا زوج لها، ولا إلى من كان زوجها حاضرًا لهذا بذلك وميت لم يكن حاضرًا.
وكان أبو حنيفة والشافعي تعلقا بهذا الحديث. وتعلق مالك بالحديث الذي رواه ابن حبيب. وتعلق المخالف الثالث بحديث عمرو بن شعيب.
وأمّا طرق القياس، فقد نبهناك عليها. واختلف المذهب على قولين: إذا تصدقت بأكثر من الثلث هل يرد جميع ما تصدقت به، لكونها تعدّت في هذه الصدقة، وهي فعلة واحدة، فلما ثبت فيها العداء ردّ جميعها، أو يختص الردّ بما زاد على الثلث لأن التعدي مختص به، فيجب في هذا العقد أن يمضي فيه ما يجوز، ويرد ما لا يجوز.
وإذا أبحنا لها الصدقة بثلث مالها فأرادت بعد ذلك بقرب زمن أو بُعده تتصدق (^٣) بشيء آخر من مالها؛ فالمعروف. من المذهب أن ذلك لا يمنع منعًا
_________________
(١) هكذا، والصواب إسقاطها.
(٢) إكمال الإكمال: ٣/ ٣٤ - ٣٥.
(٣) هكذا، ولعل الصواب: أنْ تتصدق.
[ 3/ 1 / ٢٣٧ ]
مطلقا لكن القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ذكرَ في تلقينه هذا أن ذلك ليس من حقها، وكأنه رأى أن الأصل تمكين الزوج من منعها من عطية مالها. وإنما ورد الإذن فيما ليس له بال. فإذا فعلت ما أذن لها فيه فليس لها أن تعود إلى مثله، لأنا لو مكناها من هذا صار ذلك كالموافقة لأبي حنيفة والشافعي في إباحة إعطائها جميع مالها إذ لا فرق بين أن تعطيه كرّة واحدة أو على كرات وقد نبه - ﷺ - على أن المرأة تنكح لمالها. وأشار إلى أن للزوج غرضًا في كونها موسرة ليتجمل بمالها ويستغني بكثرته عن استقصاء طلب حقوقها منها، وقد يرثها أو تنفق بنية (^١) منها. فإذا أبحنا لها تكرير العطية حتى يفنى مالها بطل غرض الزوج في ذلك.
وذهب أصبغ إلى تفصيل في هذا، فرأى أنه يباح لها تكرير العطية إذا كان بين العطية الأولى والثانية بُعدٌ وتفاوت كالستة أشهر ونحوها، فإنها تمكن من عطية ثلث ما بقي من مالها. وأيضًا فإن كان بين العطاءين اليوم واليومان قدر كالعطية الواحدة في الكلمة الواحدة فيعتبر فيها الثلث. ويختلف إن زادت عليه: هل ترد العطيتان أو يمضي منها مقدار الثلث؟ فإن كان بين العطيتين مقدار الشهر والشهرين ردت العطية الثانية، ولو حملها الثلث بعد إضافتهما إلى العطية الأولى. وهذا القسم أنكره بعض الأشياخ وأشار إلى أنه لا وجه له، لأنه إذا كان بين العطيتين الشهر والشهران وكانتا جميعًا يحملهما الثلث، والثلث مباح لها أن تعطيه، فلا فرق بين أن تعطيه في كلمة واحدة أو في كلمات مفترقات بينهما زمن بعيد أو قريب.
وقد اختلف المذهب على قولين مشهورين في صدقتها بثلث مالها إذا تصدقت بذلك للضرر هل تمضي أو ترد؟ كما اختلف في المريض إذا أوصى بثلثه قاصدًا للضرر: فقيل: يرد ذلك فيه لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (^٢).فشرط في إمضاء الوصية ألَاّ يقصد بها الضرر. فكأن
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: على بَنِيهِ.
(٢) النساء: ١١.
[ 3/ 1 / ٢٣٨ ]
أشهب رأى أن العطيتين إذا كان بينهما هذا المقدار، فإن ذلك علم عنده على قصد الضرر بالأولى والثانية، فيردان جميعًا وإن حملهما الثلث بناءً على أحد القولين في ردّ عطيتها إذا قصدت بها الضرر. وسنبسط هذا إن شاء الله في غير هذا الموضع.
والجواب عن السؤال الخامس عشر أن يقال:
أمّا الحجر على المفلس وهو الذي يثبت عند القاضي عليه ديون يقصر عنها (^١) في يديه من المال، وطلب أصحاب الديون القاضي في التحجير عليه، فإن ذلك مما اختلف الناس فيه: فذهب مالك والشافعي رحمهما الله إلى أن القاضي يحجر عليه ويمنعه من التصرف في ماله لحق الغرماء في ذلك، مخافة إن مكن منه أن يتلفه عليهم.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحجر عليه ولا يمنع من التصرف في ماله.
وحجتنا عليه أن النبي ﵇ حجر على معاذ بن جبل (^٢) هكذا رواه المحتجون بهذا الحديث. ورواه آخرون خلع: خلع معاذ بن جبل من ماله.
وأيضًا بحديث أسيْفع جُهَيْنة في قول عمر بن الخطاب فيه مخاطبًا للناس في خطبة خطبها: إن الأسيفع، أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاجَّ، وإنه اِدَّانَ مُعرِضًا، فأصبح وقد رِين به فمن كان له عليه شيء فليأتنا فإنا قاسموا ماله بالغداة إن شاء الله (^٣). وهذا يشير إلى التحجير عليه وقضاء ديونه لغرمائه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، والظاهر أنه سقط "ما".
(٢) البيهقي: السنن الكبرى: ٦: ٤٨.
(٣) البيهقي: السنن الكبرى: ٦: ٤٩.
[ 3/ 1 / ٢٣٩ ]
وأبو حنيفة يُجيبُ عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون الأسيفع ميتًا،
فيجوز للإمام أن يقسم ماله ويصرفه لمن يستحقه.
وأجيب عن هذا بأن ظاهر هذا الخبر أنه كان حيًّا، إذ لو كان ميتًا لنقل ذلك مع قوله: "وقد رين به" يعني بقوله "رين به": حيط به، من قوله: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (^١) يعني: غطى وأحاط. وقيل: معنى "رين به": انقطع به.
ويجيبون هم عن هذا بأنه لم ينقل في الخبر أنه أحضِر وطلب بالقضاء وعذر إليه. وهذا أيضًا مما يؤكد عندهم حمله على أنه ميت، وإن احتمل أن يكون قال ذلك عمر ﵁ وقد فرغ من الواجب في ذلك كله. وإذا تقرر الخلاف الذي ذكرناه في الحجر عليه، فإن القاضي يعرض عليه القضاء، فإن قَبِل ذلك مكنه منه، محتفظًا على المال لئلا يتلف، وإن امتنع منه باع عليه عقاره وغير ذلك من ماله.
وذهب أبو حنيفة إلى أن القاضي لا يبيع عليه شيئًا من ماله إلاّ أن يكون عليه ذهب وله فضة، أو عليه فضة وله ذهب، فإنه يصرف ذلك، أو تكون زوجة طلبت زوجها للإنفاق، فيبيع ذلك للإنفاق عليها. وهذا بناء على أصله: أنه لا يحجر عليه أن يبيع ماله بغير إخساره تحجير عليه، لكنه يرى أن القاضي يحبسه حتى يبيع بنفسه عقاره ويقضي ثمنها (^٢) غرماءه.
ونحن نبسط الكلام عليه في كتاب التفليس إن شاء الله تعالى.
وإذا تقرر الحجر وأحكامه، فلننظر الآن في من له الحجر:
فأمّا اليتيم السفيه الذي لا وصي له ولا مُقَامٌ، فالنظر فيه إلى القاضي: يتولى ذلك بنفسه أويقيم له من ينظر فيه.
_________________
(١) سورة المطففين: ١٤.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: من ثمنه.
[ 3/ 1 / ٢٤٠ ]
وأمّا الصغير الذي له أب، فأبوه يتولى الحجر عليه إلى أن يرشد. وإن مات الأب واستوصى عليه وصيًا فهو المستحق للحجر عليه. وكذلك وصي الوصي يحل في هذا محل الوصي، كما حل الوصي محل الأب.
فإذا رشد من له الأب ثم صار سفيهًا فما يحجر عليه إلى (^١) القاضي، وليس ذلك لأبيه؛ لأنه قد خرج من ولأنه، فصار بذلك كالأجنبي منه الذي ليس له من يستحق النظر له. فيكون الأمر فيه للقاضي.
وإذا حجر القاضي على أحد أشهد ذلك في مجلسه.
وأمّا فكّ الحجر، فقد قدّمنا أن سبب الحجر إذا ارتفع وزال عاد الأمر في المحجور عليه إلى ما كان عليه قبل ذلك.
وقال القاضي عبد الوهاب: "لا ينفكّ الحجر إلا بحكم حاكم"، كما تقدم ذلك عنه.
والمشهور من المذهب في الوصي والمقام إذا علمًا رَصيدًا (^٢) لمن في ولائهما، وتبين ذلك لهما، أن لهما أن يدفعا إليه ماله. هكذا قال. مالك ﵁.
وعلى ظاهر كلام القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب يفتقر إلى (^٣) الدفع إلى حكم حاكم.
والذي قاله مالك ﵁ هو مقتضى ظاهر القرآن كقوله تعالى:
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٤).
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: إلاّ.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: رُشْدًا.
(٣) هكذا، ولعل الصواب حذف: إلى.
(٤) النساء:٦.
[ 3/ 1 / ٢٤١ ]
يخاطب تعالى سائر الذين في ولائهم من يجب الحجر عليهم بأن (^١) يؤتوهم أموالهم إلى أن يبلغوا ويعلموا رشدهم فيدفعوا إليهم أموالهم. فجعل الدفع إليهم (^٢) لم يعتبر في ذلك حكم قاض. فكأن القاضي أبا محمَّد عبد الوهاب (^٣) أن الأحوط لمال اليتيم أن يكون الدفع بحكم قاض لأن السفه والرشد قد يفتقر فيهما إلى اجتهاد، فقد يعتقد الوصي رشد من في ولأنه، وأنه قد صار في حيز من يصون ماله وينميه، والأمر بخلاف ذلك في الباطن. فإذا صُرف ذلك إلى القاضي استقصى الأمر فيه بحسب الاجتهاد ولم يوقع الحكم إلا بعد ثبوت ما يوجبه. وإن كان الأمر في ذلك يناط بالوصي فلا يحكم القاضي بارتفاع الحجر حتى يعذر إلى الوصي ويرى ما عنده. فقد صار ذلك مُناطًا بالوصي، فلهذا رأى مالك ﵀ أن للوصي دفع ماله من غير افتقار إلى حكم حاكم.
وقد وقع لسحنون ما ظاهره يؤكد ما قلناه من (^٤) الأمر مناط بالوصي، وبنى، على قوله، فقال في رجل أتاه يتيمه فأخبره أن أباه استوصاه عليه وأنه تبين منه الرشد، وسأله في الحاكم (^٥) بإطلاقه. فبنى سحنون الحكم على أنه أتى فلان ومعه فتى ذكر أن اسمه فلان بن فلان، وأن أباه استوصاه عليه، وأنه قد تبين رشده، فأمرته بأن يدفع إليه ماله وأبرأته. فهذا إن أخذ على ظاهره صح إسناد الحكم إلى قول الوصي من غير أن يثبت ذلك عند القاضي. والأمران القاضي لا يحكم برشد المحجور عليه بمجرد خبره، وأنه المستحق النظر له (عندي رشد) (^٦).
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: بأن لا.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: وَلم.
(٣) هكذا، ولعل الصواب: رأى أن.
(٤) هكذا، ولعل الصواب: من أن الأمر.
(٥) هكذا، ولعل الصواب: الحكم.
(٦) هكذا، ولعل الصواب: عند ترشيده.
[ 3/ 1 / ٢٤٢ ]
وقد تأول بعض الأشياخ قول سحنون هذا على أنه إنما أراد بقوله "أمرته بالدفع" الإذن في ذلك على مقتضى ما وقع لمالك ﵁ من كون الوصي له الدفع من غير افتقار إلى حكم حاكم.
وفي قوله "أبرأته" المراد به أيضًا: أبرأته من الدفع. يعني أثبت له ذلك إثباتًا، لأن الوصي لو نازعه من كان في ولأنه في كونه دفع إليه المال، وأنكر اليتيم أن يكون قبض، لم يقبل قول الوصي إلا بالإشهاد. فكأن قول الحاكم "أبرأته" يريد: حكمت له بالبراءة من الدفع خاصة، (لا يكون المدفوع إليه رشيدًا أو سفيهًا) (^١). ويمكن أن يكون "أبرأته" على مقتضى قوله: إن المال هذا وارثه رشيد، فيكون ذلك كحكم مشترط فيه أني أبرأته إن ثبت ما قال.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
فأمّا المفلس إذا طلب غرماؤه أو بعضهم الحجر عليه، فإن الحاكم يحكم عليه ويمنعه التصرف في ماله.
قال الفقيه الإِمام ﵀:
يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة، منها أن يقال:
١ - كيف صفة الحجر على المفلس؟
٢ - ومن يستحق الحجر عليه؟
٣ - وما الذي يباع على المفلس من ماله؟
٤ - وما الذي يقع الحصاص به؟
٥ - وما حكم المحاصّة التي يترقب انتقاضها؟
_________________
(١) هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٢٤٣ ]
٦ - وما الحكم في المحاصّة بمال لا يستقر ملكه إلا بعد الموت؟.
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
قد قدمنا اختلاف فقهاء الأمصار في صحة الحجر على المفلس، وذكرنا أن مالكًا والشافعي اتفقا على أن الحاكم يحجر عليه إذا سأله غرماؤه في ذلك، وكان ما في يديه عن (^١) حقوقهم، وقد وجبت لهم المطالبة به. وذكرنا أن أبا حنيفة أنكر الحجر على المفلس، وهذا مع اتفاق الجميع على أن القاضي إذا نصب لاستخراج الحقوق وممن (^٢) هي عليه إذا امتنع من أدائها، ولكن رأى مالك والشافعي أن وجه استخراجها المؤدي إلى أخذ كل ذي حق حقه أن يحول بين المفلس وبين ماله إن امتنع من القضاء. ويمنعه من التصرف فيه ويبيعه عليه حتى يستوفي الغرماء حقوقهم.
ورأى أبو حنيفة أن المفلس حر بالغ عاقل رشيد. ومن كان كذلك فلا يمنع من التصرف في ماله. وكون هؤلاء لهم حق عليه في ماله يصح أن يوصلهم الحاكم إلى حقوقهم بأن يسجن المفلس ويضيّق عليه حتى يبيع عقاره وأثاثه بنفسه ويقضي ما عليه.
وهذا الذي قاله لا يكون سببًا عامًا موثوقًا به في حق كل واحد: إن هذا مما يؤدي إلى أخذ كل ذي حق حقه، لأنه من يتجلد على الحبس والتضييق، ويطول ذلك فيصير ذلك مماطلة بحق على مليء به أو ببعضه وهذا إضرار بالغرماء. والحجر عليه يتعلق بكل تصرف ينقص المال الذي في يده، فليس للمفلس الذي حكم بالحجر عليه أن يعقد عقدًا لا معاوضة فيه مما يعود بانتقاص المال الذي في يديه كإعتاقه عبده عتقًا ناجزًا أو عتقًا مؤجلًا، وتكون
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: من.
(٢) هكذا، والأوْلى حذف الواو.
[ 3/ 1 / ٢٤٤ ]
خدمة العبد إلى أجل ليس فيها إن بيعت ما يقضى منه الدين، ونقص ثمن الخدمة عن ثمن الرقبة إن بيعت بالنقد. وكذلك ليس له أن يدبّر عبده أيضًا، على حسب ما قلناه من العتق المؤجل، وكذلك ليس له أن يهب أو يتصدق أو يحبّس، لأن جميع ذلك إبطال لحق الغرماء ونقص من المال الذي استحقوه.
وأمّا العقود التي بغير معاوضة ولكنها لا تنقص المال، كطلاقه لزوجه وخلعه ولعانه واستلحاق نسب أو نفيه، أو عفوٍ عن جراح عمد أو عن حدّ وجب له، فجميع هذا لا يناوله (^١) الحجر عليه.
وأما عقود المعاوضة التي هي بيع وشراء، فإنها موقوفة على ما هو أوفر للغرماء وأقرب إلى استيفاء حقوقهم إذا كان البيع والشراء مصروفًا إلى المال الذي وقف. وأما إذا كان مصروفًا إلى ذمته وعقد ذلك على وجه جائز كسَلَم يسلم إليه فيه إلى أجل بعيد، يصح العقد عليه أو ما في معنى ذلك، فليس لغرمائه أن يمنعوه من ذلك لأنه لا يعود بانتقاص المال الذي استحقوه. فإن باع بيعًا بعد الحجر من السلع التي وقفت للغرماء، فإن رأى القاضي أن أخذ أثمانها أوفر للغرماء وأفيد من فسخ البيع أمضاه، وإن رأى أن فسخ البيع والنداء على السلعة أوفر للغرماء وأفيد فعل ذلك.
فكذلك سبيلك فيما اشتراه على أن يؤدي ثمنه من المال الموقوف.
واختلف قول الشافعي في هذه المسألة: فرأى مرة أن عقوده هذه على الوقف حتى ينظر فيها: هل يفضل بعد قضاء ديونه فيمضي عقده فيهما؟ أو ينقص فينظر في عقده أيضًا.
وقال أيضًا قولًا ثالثًا: إن عقوده تفسخ على كل حال. وكأنه رأى أنه لمّا حيل بينه وبين ماله، ونهي عن التصرف فيه، صار عقده عقدًا منهيًا عنه يدل على فساد المنهي عنه. وهكذا مذهبه فيمن غصب سلعة فباعها أن البيع يفسخ ولا
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: يتناوله.
[ 3/ 1 / ٢٤٥ ]
يُمَكَّن الذي غُصبت منه السلعة من إجازة البيع، خلافًا للمشهور من مذهبنا.
وقد حكى ابن شعبان عن بعض أصحابنا: أنه يرى في ذلك ما رآه الشافعي من كون بيع الغاصب يفسخ على كل حال وقد كُنَّا قدّمنا نحن في غير هذا الموضع أن النهي إذا كان لحقوق الخلق لم يؤثر فسادًا في العقد قياسًا على المصرّاة. والنهي هاهنا راجع لحقوق الخلق.
ثم قد تقرر أن الحاكم إذا انتزع مال المفلس من يديه وحجر عليه التصرف فيه لحق الغرماء، صار ذلك كالرهن يرهنه من له الدين فبيع الراهن فيه لا ينفذ، وقد تعلق حق الورثة بمال من يرثونه إذا مرض، ثم لو باع جميع ماله بأعواض لا محاباة فيها لمضى بيعه، ولم يمنع من ذلك تعلق حق الورثة بماله مع كونهم يستحقون غير ما في يديه ولا يستحقون في ذمته شيئًا؛ بخلاف المفلس الذي يستحقون حقوقهم في ذمته لا عين ما في يديه بل مقدار ما في يديه. فإذا جاز للمريض في ماله عقود المعاوضة، فكذلك يجوز للمفلس المحجور عليه. لكن الحجر على المفلس أضيق من الحجر على المريض، ألا ترى أن المريض له أن ينفق من ماله في الأشربة والأدوية وطيّب الطعام، ما ليس للمفلس أن يفعله، وإنما للمفلس ما يفرضه القاضي من قوته، على ما يبسط في كتاب التفليس إن شاء الله تعالى. وهذا يقتضي القدح في قياس المفلس على المريض لكونهما يختلفان في السعة والتضييق. والذي ذكرناه عن الشافعي فيما يتصرف فيه المفلس ويعقده على نفسه في المال الذي حُجر عليه فيه من بيع أو شراء هو بنفسه قال فيه قولين:
أحدهما إبطال هذه العقود. والثاني كونها موقوفة على اعتبار ما يظهر بعد
قسمة المال: هل تفضل أو يطرأ مال تخرج منه هذه العقود كلها؟
قال: وبهذا يفتي وعليه يناظر. ووجهه ما أشرنا إليه من كون التصرف لم يصادف مالكًا محققًا يجوز له التصرف فيه، فصار تصرفه باطلًا كتصرف الإنسان في مال غيره بغير إذنه. فإذا قيل بهذا المذهب الذي هو إبطال العقود في الحال
[ 3/ 1 / ٢٤٦ ]
من غير انتظار ما ينكشف بعد قسمة المال. فلا تفريع على هذا.
وإن قيل بالوقف: فإن أبا حامد الإسفراييني فرع هذا على أحد قوليهم بأنه إذا ظهر بعد قسمة المال فضلة، فإنه يرد من عقوده الأضعف فالأضعف. فلو فضل بعد قسمة المال فضلة وقد باع ووهب وأعتق فإنه رأى أن التفريع على هذا القول رد الهبة لكونها أضعف من البيع الذي هو المعاوضة، والهبة بغير معاوضة أضعف من العتق الذى له حرمة ويستكمل على الشريك المعتق نصيبُ شريكه لحرمة العتق. ثم يلي الهبة في الإبطال البيع لأنه وإن كان عن معاوضة فإنه ليست له حرمة العتق، فكان العتق أقوى هبة (^١)، فوجب أن يقدم إمضاؤه في الفضلة التي تبقى بعد قسمة المال على الغرماء لحوالة سوق أو لطريان مال.
وهذا الذي فرعه من قال بالوقف، فإنا نحن من القائلين به، ولكن تفترق من (أمين) (^٢) وموافقيهم في هذه الطريقة لأنهم يرون الحجر يوجب تأثيرًا في العقود: إمّا إبطالها جملة، وإما ضعفها وكونها معرضة للإبطال.
ونحن نرى إذا ظهر أن العتق والبيع والهبة كانوا (^٣) في حين إيقاعهم مما يجب أن يمضي لو اطلعنا على غيب ما يكون في المستقبل ويظهر، لم يحجر عليه فيها ولا تعقبنا عقوده في عتق أو بيع أو هبة.
وأمّا البيع فقد ذكرنا أنه لا يتعقب إذا كان بالقيمة فلو فضلت فضلة بعد قسمة المال فإن البيع قد ذكرنا أنه يجب إمضاؤه، إذا لم يكن إمضاؤه فيه ضرر على الغريم. هذا بفور البيع، فكيف به بعد قسمة المال وزوال حق الغرماء
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: جَنْبَة.
(٢) هكذا.
(٣) هكذا، ولعل الصواب: كانت.
[ 3/ 1 / ٢٤٧ ]
وأما العتق والهبة فيجب أن يقدم الأسبق منهما، فإن كان عتقه سابقًا لهبته وفضلت فضلة صرفت إلى العتق إن لم يكن فيها محمل للهبة مع العتق. وإن كانت الهبة أبتّها، وقلنا: إنه لا رجوع للواهب في هبته، وهي لازمة بالقول كالبيع، فإنها تتقدم على العتق إذا وهب سلعة ثم بعد ذلك أعتق عبدًا. وسنتكلم على ما وقع في المدونة: ثم بعد ذلك وهبها لآخر حازها عنه أو وهب عبدًا ثم أعتقه.
وأمّا كتابة المفلس لِعبد دخل في الحجر مع جملة المال، فالظاهر من المذهب أنه لا ينفذ عقده فيه كالعتق. لكن اختلف المذهب على قولين في الكتابة هل هي من ناحية العتق وأحكامه تغلب عليها، أو من ناحية البيع، لما كان العبد إنما يعتق بعوض وأحكام البيع تغلب عليها؟
فإذا قلنا: إنها كالبيع نظر إلى قيمة الكتابة لو بيعت، فإن وفت بقيمة الرقبة نقدًا، أو بيعت للغرماء حتى يظهر أنه لا ضرر عليهم في أمضائها ولا انتقاصَ في ما يأخذونه من المال جاز ذلك، كما قدمناه في بيع المفلس سلعة مما حجر عليه.
وقد ذكر أبو حامد الإسفراييني أن المزني اختار القول الذي اختاره وهو في كون عقود المفلس المحجور عليه محمولة على الإبطال.
واحتج المزني بأن الشافعي قطع بأن الكتابة مردودة. قال أبو حامد: فيقال له: يا أبا إبراهيم، والكتابة أيضًا مختلف فيها كما اختلف في عقوده كلها التي ذكرناها.
وأمّا استيلاد المحجور عليه لأمة فيها (^١)، فإنه لا يكون تعدّيه في وطئها مبيحًا لإرقاق ولده الحر، لأن من وطئ أمته فأولدها فولده حر بإجماع. لكنه إذا كان لا حجر كانت بهذا الولد الحرّ المجمع على حريته أُمَّ ولدٍ لا يجوز بيعها،
_________________
(١) هكذا.
[ 3/ 1 / ٢٤٨ ]
وهذا لمّا تعدّى في وطئها لم يبطل حق الغرماء في عينها، وهي لما وقفت لهم لمن (^١) يكن عندها ولد رقيق يجب أن يوقف، فتعدى عليها السيد وإنما افتات (^٢) رقبة الأمة فتؤخر، فإذا انفصل ولده منها بيعت للغرماء، ولا تباع بولدها وهو حرّ ولا تباع ويستثني ما في بطنها، فكان الواجب تأخير بيعها إلى أن تضع.
وأمّا لو عقد نكاحها بعد الحجر عليه على أن الصداق لا يكون في المال المحجور عليه فيه، فإن ذلك ماض إذا عقد على وجه صحيح ولا مقال للغرماء لأن مقالهم إنما هو في المال ألاّ يتلفه ولا ينقصه عليهم، وهذا ليس فيه انتقاص لما استحقوه من هذا المال.
وأمّا إن عقد النكاح على أن يكون الصداق من أعيان المال المحجور عليه فيه، فإن ذلك لا يمكّن منه ويصير كمن تزوج بمال غيره، فيجرى حكمه على ما يذكر في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.
هذا حكم عقوده في ماله.
وكذلك لو أتلف مالًا لغيره بعد الحجر لم يجب أن يشارك صاحبُ المال المتلَف للغرماء، الذي حجر عليه المال لحقهم، لأن ذلك كدين استدانه بعد الحجر، فإنما يكون في ذمته فيما يكتسبه فيما بعدُ على حسب ما يفصل فيما بعدُ إن شاء الله تعالى.
وأمّا إقراره بعد الحجر عليه بحقوق وديون زعم أنها سبقت التحجير عليه، فإنه إذا قام الغرماء عليه ليفلسوه، فإنه وجه العمل فيه أن يسال عن كل ما عليه، فإذا استوفي ذلك واستسلم، وزعم أن هذه الحقوق هي جملة ما يَعرِف، ثم أتى بعد ذلك مُقِرًّا بدين رجل لا يتهم في إقراره له، فإن بعض الأشياخ أشار
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: لمْ.
(٢) هكذا.
[ 3/ 1 / ٢٤٩ ]
إلى أن ذلك لو كان بالقرب لقبل منه، ويستدل على ذلك بقوله في المقارض إذا فاصل ربّ المال وسلّم إليه ماله وربحَه ثم أتى بالقرب يزعم أنه نسي نفقة، فإن القول قوله في ذلك. فكذلك يجب أن يكون من المفلس. وهذا الذي أراد أن يخرّجه من هذه الرواية يقدح فيه بما أشرنا إليه من أن المفلس إذا حكم الحاكم بالحجر عليه، وأنه ليس له تصرف في هذا المال، قبل (^١) إقراره بعد ذلك كالمبطل للحكم الذي نفذ من القاضي المحجر عليه، وكأنه أقرّ لأجنبي بمال في يد أجنبي آخر.
والعامل في القراض لم يبْدُ منه مَا يدل على المنع من قبوله قوله، وليس دفعه المال والربح ما ينافي كونه له حق في بعض ما دفع أغفله ونسيه. هذا حكم إقراره. وإذا حكم بالحجر، فالظاهر من المذهب ردّ إقراره. هذا حكم الإقرار بديون في الذمم.
وأمّا لو ثبت على المفلس دين من ثمن سلعة، فقال بعد التفليس: هذه هي. هل يقبل إقراره أم لا؟
فقيل: لا يقبل حتى تعينها البينة التي شهدت بالبيع والثمن، فحينئذٍ يكون أحق بها من الغرماء. وقيل يقبل إقراره.
وأمّا لو كان التفليس لأحد الصناع فقال: هذا لفلان أخذته لنحوكه أو لنصوغه أو شبه ذلك ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك يقبل منه، إذ لو لم يقبل منه لهلكت أموال الناس، لأن الشهادة على التعيين في هذا تتعذر.
وقيل: لا يقبل ذلك منه للتهمة بان يكون يصانع بهذا الإقرار من يرد عليه ما أقر له به.
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: قبول.
[ 3/ 1 / ٢٥٠ ]
وقيل: إن علم أن المقر (^١) دفع إليه جنس ما أقرّ له به، وشهدت بذلك بينة صدقته على الجملة دون التفصيل والتعيين، قبل قوله في التعيين، وإلَّا لم يقبل، إذا لم تعلم أصل الدفع إليه البينة. وقد يستدل على صدقه بعلامات. وقد يستظهر باليمين على المقر (١).
وذكر الشافعي أن إقراره بعد الحجر فيه قولان، واختار قبول الإقرار، واحتج له بأنه لو لم يقبل لاقتضى ذلك كون القصار والصباغ إذا فلسا وأقرَّا بسلع في أيديهما لمن استصنعهما بقصارة أو صباغ، لا يقبل ذلك منهما، وهذا يؤدي إلى تلف أموال الناس.
وكذلك الدلال الذي يبيع الخدم إذا فلس.
قال: وكذلك لو أقرّ المفلس بأن عبدًا من عبيده الذين حجر عليه فيهم عبد قد أبق، فإنه إن لم يقبل إقراره صار ذلك العبد يباع عليه في الدين والعهدة عليه فتلزمه عهدة قد تبرّأ منها. وهذا يقتضي قبل (^٢) إقرار المفلس بعد الحجر.
وسنتكلم على إقرار الصناع لبعض من استصنعهم إن شاء الله تعالى. فإن لم يقع الحجر ويحكم به فإنه لا يخلو من أن يكون لم يتبين فلسه ولا أحاط الدين بما في يديه، فإنه إذا كان ذلك كذلك قبل إقراره على الإطلاق، وإن كان أحاط الدين بما في يديه قبل إقراره لما لا يتهم عليه في إقراره. هذا هو المشهور من المذهب.
وذكر إسماعيل القاضي في المبسوط عن ابن نافع أن إقراره لا يقبل بدين على الإطلاق. فكأنه رأى أنه لما حسّ يكون ما في يديه مستحقًا عليه سهل عليه الإقرار لمن يستحق ولمن لا يستحق.
ورأى الجماعة أن ذلك لا يقع فيه العاقل غالبًا: أن يعمر ذمته ويجعل
_________________
(١) أي: المقَرّ له.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: قبول.
[ 3/ 1 / ٢٥١ ]
عليه تباعة بحق، وليس ذلك عليه ولم تدفعه إلى ذلك ضرورة، ولا له فيه منفعة، بل عليه المضرة بطلب المقَرّ له في الحال أو في المآل.
وأمّا إذا أحاط الدين بما في يديه وأقرّ لمن يتهم عليه: ففيه قولان. واختلف الأشياخ في المختار من القولين:
فقال بعضهم: الصواب إمضاء إقراره لأنه يطالب في المستقبل بما انتقص من مال الغرماء الذين وقع التحجير لأجلهم. فالتهمة وإن تصورت من كون المقَرّ له أبًا أو أخًا فهي تنتفي من جهة ما يدركه من نفسه من الضرر والمطالبة بسبب هذا الإقرار.
ورأى بعضهم أن المختار ردّ إقراره، لكونه إذا كان قريبًا فإن التهمة تقوى في أن يقرّ له بمال يحاصّ به الغرماء ثم يعيده عليه معجَّلًا ينتفع به، وذلك أفْيَدُ له من كونه يُتَرقَّب مطالبته فيما بعد، والنفوس مجبولة على إيثار العاجلة.
والأوْلى الالتفات إلى كل واقعة، فقد يصحب الواقعة من قولين (^١) الأحوال ما يقوى التهمة أو بعضها (^٢).
وأمّا إذا قام عليه الغرماء، فهل يكون قيامهم كالحجر فيردّ إقراره؟ أو يكون قيامهم لا حكم له فيجري الأمر فيه على ما قدمناه من التقسيم؟ اختلفت ألفاظ المذهب في هذا، فقيل: إذا قاموا عليه ليفلسوه لم يقبل إقراره.
وقيل: بل إذا قاموا عليه ليفلسوه وسجنوه، فحينئذٍ لا يجوز إقراره.
وقيل: بل إذا اجتمع الغرماء لتفليسه، وحالوا بينه وبين ماله، واستسلم، فإنه لا يجوز إقراره.
وهذه العبارات تحويم على المعنى الذي يقوم مقام الحكم بالحجر لمّا
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب حذف: قولين.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: يضعفها.
[ 3/ 1 / ٢٥٢ ]
كان الحجر عن هذه الأسباب التي ذكرناها يقع، ولأجله يحكم بالحجر. فمن اشترط الحبس قدر اعتقاله في نفسه كاعتقال ماله والحجر عليه فيه. ومن لم ير ذلك، وأشار إلى اعتقال ماله والحيلولة بينه وبينه، فإنه رأى أن ذلك المقصودُ الذي يتعلق به الحكم حتى يصير المال كالمرتهن للغرماء.
وإن لم يكن الغرماء قاموا عليه ليفلسوه ولكن تشاوروا في تفليسه فاجتمع رأيهم عليه فبادر أحدهم إلى استقضائه ماله عليه من الدين لينفرد بذلك دون أصحابه الذين تشاوروا في تفليسه، فإن في ذلك قولين:
أحدهما: أن ذلك يحل محل الحجر: إذا وقع الحجر فليس لأحد الغرماء أن يأخذ من ماله شيئًا.
والقول الآخر: إن ذلك يمضي له وإن هذا التشاور واجتماع رأيهم على تفليسه لا يحل محل الحجر عليه.
وقد اختلف قول مالك في المدونة فيمن أحاط الدين بماله، فخصَّ بعضَ غرمائه بقضاء دينه، ولم يقض الآخرين، أو أرهنه رهنًا بدينه، فمرّة أمضى ذلك. ومرة ردّه. وهذا إذا كان الارتهان بدين استقر في ذمته. وأمّا إن كان رهنًا دفعه في ثمن عقد به سلعة وشرط بائعها أن يعطيه رهنًا بالثمن، فإن هذا الرهن يجري مجرى بيعه وابتياعه. وقد قدمنا أن بيعه بالقيمة يمضي من غير خلاف.
وكذلك شراؤه بالرهن المشترط في عقد بيع يحل محل الثمن الذي يشتري به سلعة ويمسكها بائعها حتى يدفع الثمن إليه.
وهذا الذي ذكرناه من اختلاف قول مالك إمضاء قضائه إذا أحاط بماله، منشأ الاختلاف فيه هل عامله الغرماء على أن يتصرف في ماله بالبيع والابتياع وفضل الديون، أم لم يعاملوه على ذلك إلَاّ بشرط أن يكون في يديه ما يُقتَضى منه جميع الحقوق التي هي عليه، فيجوز قضاؤه؟ فاتضح الأمر في العوائد على أنهم عاملوه على أنه يتصرف تصرفًا ينمي به المال لا تصرفًا يؤدي إلى نقص حقوقهم، والبيع والشراء بالقيمة لا ينقص من حقوقهم شيئًا، والقضاء ينقص من
[ 3/ 1 / ٢٥٣ ]
حقوقهم، فأشكلت العادة فيه: هل هذا مما دَخل عليه الغرماء معه، لكونه وإن كان نقصًا في الحال فهو إنماءٌ في المآل، لكونه إذا قضى أحد الغرماء عامله الناس الذين يقضي ما عليه من الحقوق أو الأمر بخلاف ذلك؟
ولم يختلف المذهب عندنا في أنه إذا تصرف تصرفًا ينقص حُقوقهم، وليس فيه طلب تنمية المال في الحال ولا في المآل، أن ذلك لا ينفذ، كعتقه عبده أو هبته لرجل بعض ماله.
لكن القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب حاول أن يخرّج في عتقه وهبته اختلافًا من اختلاف قول مالك في إجازته له أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، فأنكر بعض أشياخي هذا التخريج لأجل ما أشرنا إليه أن القضاء لبعض غرمائه يؤدي إلى الثقة به في المعاملة وإذا عومل نما ماله ووجد ما يقضي منه الديون.
والإعتاق والهبات خسارة محضة ونقص في المال لا يفيد نموًّا في الحال ولا في المآل، فلا يحسن الخلاف فيه كما يحسن الاختلاف في جواز قضائه ديون بعض غرمائه وقد أحاط الدين بماله.
ولأجل هذه الإشارة التي أشرنا إليها من التعليل المفرق بين عتقه وهبته وقضائه لبعض غرمائه إذا (^١) ذلك الشيخ أبا القاسم السيوري ﵀ إلى (^٢) أن استفتاه بعض القضاة في رجل عليه دين لجماعة أحاطت بما في يديه فقضى
جميع ما في يديه لأحد غرمائه، فأشار إلى أن ذلك لا يختلف في رده، وإنما اختلف في كونه يقضي بعض ما في يديه ويمسك بعضًا يعامل به الناس، فيتصور ها هنا كون ما قضاه فيه تنمية في المال. وأما إذا عاد فقير إلىِّ شيء (^٣) في يديه فإنه لا يعامل، فيكون ذلك ضررًا بيّنًا ببقية غرمائه. وقد رأيته في بعض التعاليق عن بعض الأشياخ القرويين أنه أشار إلى قريب مما أشار إليه السيوري، فقال:
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أدّى.
(٢) هكذا في النسختين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عاد فقيرًا لا شيء
[ 3/ 1 / ٢٥٤ ]
لو كان الدين إلى أجل فجعله لمن استحقه مؤجلًا، وقد أحاط الدين بما في يديه، فإن ذلك يردّ، ولا يختلف فيه كما اختلف في قضاء بعض الديون، لكون الغرماء لم يعاملوه أيضًا على كونه يقضي ديونًا آجلة ويترك قضاء ديون حالة.
وحكيت هذا في بعض مجالس (^١) وكان حاضرًا أحد مشائخ المفتيين، فقال: إن هذا يجب رده من طريقة أخرى، لأن الدين الآجل لو بيع بالنقد لم يساوِ مقدار عدده الذي يؤخذ حالًا إذا قضاه كاملًا، فصار الزائد على ما بين قيمته آجلًا وقيمته حالًّا كالهبة، والهبة ترد من غير خلاف منصوص في المذهب كما ذكرناه.
وهذا الذي قاله صحيح، وإنما يبقى النظر: هل يرد جميعها؟ ومقدار هذه المحاباة التي بين القيمتين التي تجري مجرى الهبة.
وعلى التعليل الذي ذكرناه نحن في أن الاعتبار بما عامله عليه (غرماؤهم يعاملوه) (^٢) على تعجيل دين آجل، إذ تبين فلسه يجب أن يردّ جميعه لا قدر المحاباة كما يقتضيه التعليل الآخر.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
إذا كان من عليه الديون في يديه ما يقتضي منه جميعَها على الكمال، فلا مدخل للتحجير عليه، لأن القاضي إنما نُصب لاستخراج الحقوق إذا طلبها أهلها، وهو إذا كان عنده ما يفي بجميع ما عليه من ديون، أَمَره بقضائها، أو انتزع القاضي ما في يديه فقضاه لغرمائه، إن لم يقض هو ذلك بنفسه، أو تعذر قضاؤه بنفسه.
وأما إذا كان ما في يديه يَقصُر عَمّا عليه من الديون الحالَّة، وليست
_________________
(١) بياض في النسختين بمقدار كلمة.
(٢) هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٢٥٥ ]
عليه ديون آجلة، فهو الذي تقدم الكلام عليه وذكرنا صحة الحكم عليه بالتحجير.
وإذا اجتمع جميع غرمائه على تحجيره حَجَر لهم عليه وقسم ما في يديه عليهم بقدر أموالهم.
وإن طلب بعضهم التحجير وأباه بعضهم، كان من حق من طلب التحجير أن يحجر له عليه، ويسقط (^١) ما في يديه على من طلب التحجير ومن أَبَي منهم، فيدفع لطالب التحجير ما ينوبه في الحصاص، ويُبقي الآخرون (^٢) ما ينوبهم في يده إن شاؤوا، ولا يكون في هذا الذي أبقوه في يده للمانعين من التحجير حق لمن طلب التحجير وأخذ ما نابه في الحصاص.
وإن كانت عليه ديون حالّة وديون آجلة، فهل تحل الديون الآجلة أم لا؟ اعتبر في ذلك مقدار ما في يديه ومقدار ما حل عليه. فإن كان فيما في يديه نقص عن حقوقال فين حلّ ديْنهم فإنه يحكم ها هنا بتفليسه والتحجير عليه، حلت (^٣) عليه الديون الآجلة، على ما سيأتي بيانه وذكر خلاف الناس فيه.
وإن كان مقدار ما في يديه هو مقدار الدين الذي حل عليه سواء بسواء، فاختلف الأشياخ في هذا: هل تحل الديون الآجلة ويحكم بالتفليس أم لا؟ فكان من منع من الحكم بالتحجير ها هنا ولم ير حلول الديون الآجلة، لكن الغريم (^٤) وجد سلعته التي باعها بعينها يكون أحق بها، يقول: فإن الغريم (^٥) إذا كان عليه ديون لجماعة، وفي يديه ما يوفي جميعها على الكمال، لا تجري عليه أحكام
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ويقسِّط.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: للآخرين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: زيادة الواو.
(٤) المعنى على تنظير المسألة بالغريم الذي وجد سلعته.
(٥) أي المدين.
[ 3/ 1 / ٢٥٦ ]
المفلس، لكون كل طالب حق يوصله القاضي منه إلى جملة حقه على الكمال، ولا معنى لتفليسه.
وإذا لم يكن من حق أصحاب الديون الحالة تفليسه لأجل ما ذكرناه، وأصحاب الديون الآجلة لم يستحقوا المطالبة بها، فيستحقون تفليسه، بطل تصوّر الحكم بتفليس هذا، لكون الطائفة التي حلّت ديونها يأخذون جميع حقوقهم. على أن أصحاب الديون الآجلة إنما عاملوه على أنه يعامل الناس (ويثقون الناس) (^١) في معاملته بذمته فإذا أخذ هؤلاء حقوقهم على الكمال، وبقي لا مال له، صارت ذمته معينة (^٢) لا يعامله أحد، وأصحاب الديون الآجلة إذا لم يدخلوا على العيب في ذمته فكان (^٣) من حقهم تفليسه لأجل الضرر اللاحق بهم من فقد معاملة الناس له.
وأما إذا كان (^٤) في يديه يستوفي منه جميع غرمائه الذين حلت ديونهم حقوقهم على الكمال أو (^٥) تفضل فضلة تبقى في يديه، قال ابن المواز: في هذا: إنه لا يفلس لأجل ما قدمناه من كون التفليس لا يستحقه أصحاب الديون الحالة والآجلة.
وأشار بعض الأشياخ إلى حمل مقالة ابن المواز على أنه يبقى في يديه فضلة يعامل الناس بها ويتاجرهم فيها يرجى تنميته لها ما يقضي به حقوق أصحاب الديون الآجلة إذا حلت.
وهذا التأويل الذي أشار إليه بعض الحذاق هو مبني على إحدى الطريقتين اللتين حكيناهما من اختلاف المتأخرين في تفليسه إذا كان الذي في
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ويثقون. - بحذف الناس.
(٢) هكذا في النسختين، والصواب: مَعِيبة.
(٣) هكذا في النسختين، والصواب: حذف الفاء.
(٤) هكذا في النسختين، والصواب: زيادة (ما).
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وتفضل.
[ 3/ 1 / ٢٥٧ ]
يديه لا تفضل منه فضلة تبقى لأصحاب الديون الآجلة. وقدّر أنه إذا كانت الفضلة لا بال لها فإنها كالعدم، ويلحق بما قلناه من غريم (^١) لم يكن في يديه إلا مقدار الحقوق الحالة لا أكثر من ذلك.
وهذا الذي قاله يصح تصوره إذا كانت فضلة لا يعامل الناس عليها ولا يتأتى فيها تنمية. وأمّا إذا كانت مما يتأتى فيها التنمية التي يرجى منها قضاء الحقوق الآجلة فإن التفليس لا معنى له، كما أشاروا إليه. هذا حكم اختلاف الغرماء في تفليس المديان.
وأما صحة حكم (^٢) مع ثبوت ملائه وتعذر إكمال ما عليه من الحقوق لغيبة ماله، إذا طلب الغرماء (تفليس غرمائهم) (^٣) لكون ما في يده نقص من حقوقهم ولا مال له سواه حاضرًا أو غائبًا، فقد ذكرنا أنه يفلس لهم.
وأمّا إن كان له مال غائب، الظاهر أنه لا يصل إليه ويخشى كلفة أو يُشك في ذلك، فإنه يحكم بتفليسه، وتحل عليه الديون المؤجلة، ويكون من باع (^٤) سلعة أحق بعينها.
وأما إن كان الظاهر كون المال الغائب حاصلًا يؤمن عليه حتى تقضى الديون منه، فإن المذهب على قولين:
ذهب ابن القاسم إلى أنه لا يفلس. وفلسه أشهب.
وكأن أشهب رأى أن التفليس ها هنا يتعذر (^٥) إكمال الحقوق لأربابها، فلا فرق بين أن يتعذر إكمالها للفقر والعُدم أو لغيبة المال.
_________________
(١) أي المدين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: تفليسه.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف (غرمائهم) فيَصير: تفليسه.
(٤) أي: له.
(٥) هكذا، ولعل الصواب: لِتعذُّر.
[ 3/ 1 / ٢٥٨ ]
وقد رأى ابن القاسم أن التفليس لا يقع ها هنا لا (^١) غيبة المال كحضوره مع (^٢) تعذر بيعه في الحال وفي الزمن القريب.
وبالغ أصبغ في الحكم بتفليسه كما قال أشهب.
ويكتب بتفليسه ويُسْتتمّ الحجر عليه. فأشار إلى أنه إذا فلس ها هنا، وحاصّ أصحاب الديون المؤجلة أصحاب الديون الحالّة، ذهب من بقي له مؤجل إلى البلد الذي به المال فإنه يعجَّل له ما بقي من دينه فإن (^٣) كان الأجل لم يحل، لأجل ما تقدم من الحكم بحلول ديونه الآجلة لمّا حكم بتفليسه.
واستبعد بعض الأشياخ هذا، ورأى أن علة إسقاط الأجل الذي للغريم فيه حق، وتعجيل الديون الآجلة حتى يستحق أصحابها المطالبة بها لمخافة ألاّ يجد (^٤) ما يأخذون منه ديونهم إذا حلت الآجال، وهاهنا قد أُمن من ذلك، ووصلوا إلى موضع، غريمهم (^٥) فيه مال مأمون، فيجب ألَّا يعجل لهم قضاء حقوقهم قبل أجلها لارتفاع العلة التي لأجلها عجلت حقوقهم.
هكذا يجب عنده ألَّا تعجل لهم حقوقهم إذا فلس الغريم، وطرأ له مال من ميراث، فإنهم يطالبون غريمهم بأن يأخذوا منه ما بقي من حقوقهم المؤجلة قبل أجلها، بل (^٦) ما تعجلوه وحاصّوا به أصحاب الديون الحالة يبقى لهم، وما بقي لهم من الحقوق الآجلة لا يستحقون المطالبة بها عاجلًا.
وعلى ما أشار إليه أصبغ يستحقون المطالبة بما بقي لهم عاجلًا، كما لا يرد ما قبضوه لأجل طريان مال ورثه غريمهم. فكما لا ينقض الحكم فيما قبضوه
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: لأنّ.
(٢) أي وإنْ.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وإنْ.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يوجد.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: (له) ليستقيم المعنى.
(٦) هكذا في النسختين، ولعل الصواب عوض (بل): فإنّ.
[ 3/ 1 / ٢٥٩ ]
كذلك لا ينقض فيما طلبوا قبضه من المال الطارى. وهذا الذي استبعده بعض الأشياخ غير بعيد على إحدى الطريقتين عندنا في الحكم إذا وقع في الظاهر (وصوابًا فالكشف في المال أنه ليس بصواب في الباطن لو اطلع عليه) (^١).
وقد اختلف القول في المدونة في المفقود إذا حكم بتمويته، فتزوجت زوجته، فلم يدخل بها الزوج الثاني حتى قدم المفقود حيًا: هل ينقض نكاح الثاني أم لا؟
فقيل: لا ينقض مع القطع على أن الحكم الواقع بتمويته، وإباحة الزوجة للأزواج، كان خطأ في الباطن الذي استأثر الله سبحانه بعلمه، إلى غير ذلك من المسائل المذكور فيها الخلاف في مثل هذا.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد تقرر وجوب التنصلّ من الحقوق والديون، وأن المطل من القادر على أداء الدين ظلم، والظلم من المنكرات، والمنكر يجب على ولاة الأمر تغييره فإذا فلس القاضي رجلًا عليه ديون، وحجر عليه في ماله، وامتنع من القضاء وبيع أمواله بنفسه، فإن القاضي يبيع عليه كل ما في يديه من كسبه، قلّ أوْ جلّ.
هذا هو الأصل. قد جنح إليه ابن كنانة مين أصحاب مالك، قال: ولا يترك للمفلس شيء. وانفرد بهذا المذهب دون مالك وأصحابه فإنهم اتفقوا على أن المفلس يترك له من ماله بعض ما لابدَّ منه ولا غنى له عنه. هذا القول على الجملة ومعلوم أن ستر عورته واجب عليه، وإن عجز عنه وجب ذلك على المسلمين. وكذلك حفظ حياته بالغذاء واجب عليه، فإن عجز عنه وجب ذلك على المسلمين فرضًا على الكفاية فمن قام به منهم سقط الفرض عن الباقين.
فلو أوجبنا على القاضي أن يبيع عليه ثوبه لأدَّى ذلك إلى كشف عورته أو تلف نفسه، لعدم ما يستره. فكان الواجب إذا عجز هو عن ذلك أن يتكلف له به
_________________
(١) ما بين القوسين هكذا في النسختين، ولعل الصواب: صوابًا فانكشف الحال
[ 3/ 1 / ٢٦٠ ]
المسلمون، وأحقهم بتكلف ذلك الغرماء الذين طلبوا إزالة ما عليه من ستر، وأخذ ما في يديه من طعام، فكأنهم هم الطالبون لإحداث هذا المنكر، فوجب عليهم ألَّا يفعلوه. وقد علم أن المرأة لا تلزمها نفقة ولدها إذا كان الأب معسرًا، ومع هذا يلزمها رضاعه، وإن كانت صيانة حياة الطفل من فروض الكفاية فأحق الناس بهذا الفرض الأمّ لاختصاصها به، وطلبها أن تنبذه فيهلك، فنهيت عن ذلك.
وإبقاء شيء في يديه إضرار بغرمائه، ونزع ما عليه مما يحتاج إليه وأخذ طعامه أو ثمن الطعام حتى يبقى جائعًا يخشى عليه إضرار به هو أيضًا، فيغلب أحد الضررين فيترك له من الطعام ما يعيش به هو وأهله الأيامَ.
هكذا ذكر في المدونة من غير تحديد الأيام ولا تقدير. وفي غير المدونة حدد ذلك بالشهر ونحوه.
وقال بعض أصحابنا: لو لم يكن عنده إلَاّ مقدار نفقة الشهر لم يؤخذ له ذلك. وهذا لأجل أنه لو لم يبق له إلا طعام يومه وغده لأمكن أن لا يجد شيئًا يتعلق به في تحصيل قوته كل يوم، فوجب له أن يترك ما يقتات به المدة التي يمكن أن يفكر فيها، ويسعى في أثنائهما، حتى يحصل له طريق يتقدم به إلى قوت نفسه وعياله: زوجته وأولاده الصغار. فتارة أدى الاجتهاد إلى تقدير هذه المدة بالشهر، وتارة أدّى آخرين ذلك إلى نفى التحديد.
التحقيق في هذا أن تقدير هذا المقدار بما تقتضيه قرائن حال المفلس، وما عرف من وجوه تكسبه للرزق وقدرته عليه، وسلكوه (^١) أنواعًا فيها أو نوعًا واحدًا، فيترك له مقدار ما يؤدي الاجتهاد إليه في تحصيله وجهًا تتأتى منه المعيشة.
فإذا كان صانعًا إنما ينفق على نفسه وزوجته وولده من خدمته بيديه وعمل
_________________
(١) هكذا في النسختين، والصواب: سلوكِه.
[ 3/ 1 / ٢٦١ ]
يده لم يترك له شيء، ومن الأشياخ من قال: يستظهر بأن يترك له نفقة اليومين والثلاثة خوفًا من غسله أو مرضه في غده وما بعْدُ، بالأيام اليسيرة.
وأما الكسوة فإنّه يترك له كسوته وكسوة أولاده الصغار. وشك مالك في كسوة زوجته: هل تترك له أم لا؟ على أن بعض أشياخي يضيف الشك في هذا إلى ابن القاسم الناقل عن مالك هذه الرواية أنه شك: قال له مالك: وكسوة زوجته، أو لم يقل له ذلك؟ وأكثر المصنفين على إضافة هذا الشك إلى مالك.
وقال سحنون: لا تترك له كسوة زوجته فيما يستأنف وأمَّا ما كان عليها قبل قيام الغرماء فيترك لها.
وكأن الإشكال وقع في الزوجة لأن كسوتها ونفقتها وجبت على الزوج على جهة المعاوضة، فإذا لم يكسها الزوج أصلًا طلقت عليه، فلم يلحقها الضرر في ترك الكسوة ويلحق ذلك ببنيه الصغار.
على أن الكسوة لها ثمن فوق ثمن غذائهما أيامًا، وتستديم لباسَها المدة الطويلة التي قد يَثرى الزوج المفلس فيها ويستغني. ولو كان على المفلس كسوة تقع كسوة مثله بدونها لبيعت عليه، ويُشترى له ما يليق به من لباس مثله على حال ما هو عليه.
وأما ثياب جمعته، فإن الأصل كونها تباع عليه كما قدمنا، لأن ذلك أمر خارج عما أصلنا من اعتبار حفظ نفسه بالغذاء أو اللباس، وكسوة الجمعة إنما هي للجمال. لكنه في المدونة لم يوجد (^١) بيعها عليه إذا لم يكن فيها فضل.
وهذا متعقب، إلَاّ أن يكون مِمّن يلحقه ببيع ثياب الجمعة مضرة ومعرة، لم يدخل معه الغرماء عليها، فإن القول بأنها لا تباع عليه له وجه، لأن الذي أصلنا يشارك التعليلَ الأول فيه تعليلٌ ثان، وهو ما علم من مقتضى العادة في معاملة الغرماء.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يوجب.
[ 3/ 1 / ٢٦٢ ]
وعلى هذا أخذ (ديونهم منه) (^١) وهم لم يعاملوه على أن تباع عليه ثياب ظهره التي لابدَّ له منها، ومن الدثار بها. فينظر إلى ثياب جمعته أيضًا: هل عاملوه على إبقائها له عند التفليس أو على بيعها عليه.
وكذلك اختلاف ابن القاسم وأشهب في خاتمه: هل يباع عليه أم لا؟ مبني على الالتفات إلى هذا الأصل، وهو هل عامله الغرماء على بيع خاتمه إذا فلس أم لا؟ وهذا يختلف فيه عوائد البلاد. ولا ينبغي أن يختلف فيه عندنا، في أنه يباع عليه خاتمه لكون أكثر الأغنياء لا يتختمون، فكيف المفلس الفقير.
وأما لو فلس الميت لكفن قبل قضاء دينه، كما يكسى من حجر عليه الغرماء في حياته. واختلف العلماء: هل يقتصر في تكفينه على لفافة واحدة أو يكفن في ثلاثة؟ فالواحدة تجزيه، والثلاثة هي المشروع المستحق في أقلّ ما قيل.
وعندي أن هذا يتخرج فيه ما حكيناه في ثوبي جمعته لأنهما (إنما إذا بقيت) (^٢) لما كانت من اللباس المشروع المسنون في الشريعة. وكذلك الخلاف في الأعداد التي ذكرناها.
وأما تكفين ولد المفلس فهو جار على ما ذكرناه أيضًا من لباس ولده الحي إذا فلس.
وأما الزوجة فكذلك أيضًا يجري الأمر في تكفينها، إذا قلنا: إنه لازم للزوج، على أحد القولين، على ما قدمناه من الكلام في كسوتها وهو حي.
واختلف في بيع ما عنده من كتب الفقه، فقيل في الموازية: لا يباع ذلك عليه في الدين، ولا يورث عنه ذلك، ووارثه وغيره ممن هو أهل لقراءتها فيها سواء.
وهذا مبني على المنع من بيع كتب الفقه، وأما على القول بجواز بيعها فإنه لا
_________________
(١) ما بين القوسين هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ديونَه منهم.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إنما أبقيت.
[ 3/ 1 / ٢٦٣ ]
يختلف في بيعها عليه وقد قال محمَّد بن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار بحضرة أصحاب مالك، وكان أبي وصيَّه، ولم ينكر ذلك منهم أحد.
وكان شيخنا يتردّد في بيع آلة الصانع إذا فلس، كمطرقة الحداد، وإِزربة (^١) الكمّاد (^٢)، ومقص الخياط.
وهذا يؤخذ حكمه مما قدمناه، فإن كان ذلك يسيرًا، ولا يصح أن يقام أَوَدُه إلَاّ منه، لم يبع ذلك عليه، وحلَّ ذلك محل نفقة الأيام والشهر، كما قدمناه، ولا يباع عليه مُدَبَّره إذا كان التدبير سابقًا للدين، ويباع عليه من خدمته ما يجوز بيعه، وكذلك المعتق إلى أجل.
ولكن يختلف أمر الإجارَة فيهما، المدبر يضيق في المدة التي يؤاجر فيها للغرماء بأشد مما يضيّق في إجارة المعتق إلى أجل، لكون العوز في أمَدِ إجارة المدبر من وجهين: موتِ المدبّر، فتفسخ الإجارة بعتقه من تلثه، على ما يذكر تفصيله وتقديره في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو دبر ولد أمته، وهو صغير لا يجوز تفرقتها منه، لم تبع الأمة عليه في الدين حتى يبلغ الولد التفرّقة.
ولو ورث أباه لبيع عليه في الدين. ولو وهب له أعتق عليه (أو في الدين) (^٣) لأن الواهب إذا علم أن ملك ولده لا يستقر عليه، فكأن الواهب إنما وهبه للعتق لا للملك إلَاّ أن يكون الواهب لم يعلم بأنه أب للموهوب له، وإنما قصد به التملك، فيباع حينئذٍ في الدين.
وأمَّا لو اشتراه الابن، فقيل: يفسخ البيع، لئلا يكون سببًا في بيع أبيه
_________________
(١) هكذا في النسختين، والصواب: إِرْزَبَّة، تاج العروس: ٢/ ١٩٥.
(٢) هو الذي يدقّ الثوب، تاج العروس: ٩/ ١١٣.
(٣) ما بين القوسين هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذفه.
[ 3/ 1 / ٢٦٤ ]
باختياره، على ما سنبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
فأمَّا لو كان المديان نصرانيًا فترك الخمر والخنازير، لم يبعهم القاضي في دين عليه للمسلمين، ولكن يراقب حال الورثة النصارى، فماذا باعوا ذلك وصار في أيديهم أثمانها الجائزة، تملكها باعها في دين الغرماء.
وكذلك لو أرسى مركبًا بساحلنا، وفيه الخمر والخنازير، فلا يباع شيء من ذلك لأخذ عشرها، ولكن إذا باعوا أخذ منهم العشر على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإذا تقرر أن المفلس يباع عليه كل ما وجد في يده مما استقر ملكه عليه سوى ما استثنيناه مما تقدم بيانه، فإنه لا يجبر أن يتطلب زيادة فيما يملك، فلو دعا الغرماء إلى أن يتجر لهم بالمال الذي فلسوه فيه وحجروا عليه التصرف فيه، لم يلزمه ذلك. وكذلك لو وجبت له شُفعة، في أخذها حظُّ الغرماء وزيادة على ثمنها الذي تستشفع به إذا بيعت، لم يجبر على أخذ ذلك، وإن كان الشرع قد جعل له أخذها إذا شاء، لأن الشرع لم يجبر الشريك على الأخذ بالشفعة، وإنما خيره بين الأخذ أو الترك، وإجباره على أخذها خلاف ما أصله الشرع. هذا مع كون الشفعة كابتداء بيع على أحد القولين.
وقد قدمنا أنه لا يلزمه أن يتجر للغرماء في المال الذي حجروا عليه فيه، وأيضًا فإنه إذا أخذ بالشفعة وأجبر على ذلك، وبيع عليه ما أخذه بالشفعة، والعهدةُ عليه، فلا (تلزمه إلزام) (^١) عهدة يدخل فيها بغير اختياره، ولم يستقر ملكه على ما يوجب العهدة عليه فيه.
وكذلك لو بذل له أخْذ مالٍ هبةً له أوْ لعينه (^٢) على قضاء الدين، لم يلزمه قبول ذلك، لما يلحقه من مِنَّة الواهب عليه، وكون يد الواهب عليه، وأيضًا فإن
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: (يَلزمُه اِلْتِزامُ).
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لِعَوْنِه.
[ 3/ 1 / ٢٦٥ ]
الغرماء لم يعاملوه على ذلك.
وكذلك لو وَهَب لولده الصغير هبة له أن يعتصرها، فإن غرماءه ليس لهم أن يجبروه على اعتصارها، لأنها أخرجت من ملكه بالهبة، ولا يلزمه استئناف تملكّ كما قدمناه. وهذا كما قررناه في كونه له أن ينتزع مال مدبَّره وأم ولده ومعتقه إلى أجل، ثم لا يُقْضى لغرمائه بأن يجبروه على انتزاع ذلك لما قدمنا.
وأما لو باع سلعة على أن الخيار له، أو اشتراها بالخيار أيضًا، وكذلك (^١) قبل أن يحجر عليه، ثم أراد نقض البيع فيما باعه، أو فسْخَه، أو إمضاء الشراء فيما اشتراه بالخيار، أو فسخه فمنعه الغرماء، فإن هذا أيضًا مما اختلف فيه العلماء. وقد علم من مذهبنا القولين (^٢) في عقود الخيار إذا أمضيت، هل يقدّر أنها كانت معقودة بإمضاء العقد، أو بأنها تنعقد عند إمضاء العقد، ولكنّا نقول: إن بيع المفلس لبعض السلع التي حجر عليه فيها ليس للغرماء فسخه إذا كان البيع أوفر لهم. فإذا دُعِيَ مشترط الخيار في البيع والشراء إلى إمضاء أو فسخ، وذلك أوفر للغرماء، لم يكن لهم تعقب عليه فيما فعل، ولكن لو تغيرت الأسواق وقد باع بالقيمة، فها هنا يجري الحكم على قولين عندنا في عقود الخيار إذا أمضيت: هل تمضي بحكم العقد الأول، وتقدر أنها لم تزل ماضية من حين وقع العقد، فلا يكون للغرماء تعقب فيما فعل إذ وقع ذلك على صفة يلحقهم منه (^٣) انتقاص في المال. وقد وقع في الموازية فيمن حبس على ولده حبسًا على أنهم بالخيار فيه ما شاؤوا، أو باعوا؛ ففلسوا، فإن غرماءهم ليس لهم جبرهم على أن يبيعوه ما (^٤) قدمناه من كونهم لم يعاملوه على كون هذا الحبس داخلًا في أموال التجارة التي بأيديهم.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وكان ذلك.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: القولان.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: منها.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لما.
[ 3/ 1 / ٢٦٦ ]
ولو كان عند المفلّس دار يحتاج لسكناها وخادم لابدَّ له منها، فإنه يباعان عليه في التفليس. بخلاف ثياب لباسه التي لابدَّ له منها، لكون ما عليه من اللباس لا مندوحة له عنه، وداره التي يسكنها له عنها مندوحة في أن يسكن بالكراء، أو يخدم نفسه أو يستأجر من يخدمه، وهذا بخلاف ما نقول به في الزكاة: إنه يعطاها مَن عنده دار هي مقدار ما يحتاج للسكن، لأن التفليس وبيع ما في يده حق للمخلوقين، وحقوقهم مبنية على المشاحّة، والزكاة هي حق لله سبحانه، وحقوقه تعالى مبنية على المسامحة.
(ولو استأذن رجل مسلمًا) (^١)، ثم ارتد ولحق بدار الحرب فقدّاهم (^٢) المسلمون، فقاتل حتى قتل فإن أصحاب الديون يأخذون ديونهم مما وجد من ماله لكونهم استحقوا ذلك قبل أن يرتدّ، فلما ظلم وتعدى في الارتداد والحروب (^٣) إلى دار الحرب، لم يسقط ذلك ما وجب لهم من الحقوق، ويكون ما فضل من قضاء الديون من مال هذا المرتد من جملة الغنائم التي خمسها لله سبحانه، وأربعة أخماسها للغانمين ولا يكون لبيت مال المسلمين، كما لو قتل على ردته في بلاد المسلمين، فإن ماله يكون لبيت مالهم وهذا لأنه لمَّا قاتل فقتل على ردته استحق ماله سائر المسلمين، والذين استحقوه غير مُعيَّينين.
وإذا وقع في الغنائم مال مسلم لا يعرف بعينه خُمِّس، ودخل في الغنائم التي هي للغانمين، بخلاف أن يكون صاحبه معروفًا فإنه لا يقسم في الغنائم.
وهذا يبسط في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ولو اسْتدَان رجلٌ مسلمٌ.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فقاتلهم.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: والهروب.
[ 3/ 1 / ٢٦٧ ]
قد تقرر ما يبقى للمفلس وما يباع عليه، وترتيب ما يباع عليه في القول المطلق أنه يبدأ بيع الحيوان لكونه يسرع إليه الموت والتغيير، وأيضًا فإنه يحتاج إلى إنفاق، وكذلك بعد البداية ببيع ما يخشى فساده في الحال أن يقال، كالفواكه التي لا تبقى ثم تباع عليه العروض وما يخشى عليه التلف والضياع. ثم الرباع، فينادى على الرباع الشهر والشهران، ثم يعقد البيع على خيار ثلاثة أيام طلبًا للزيادة على ما استقر على المشتري من الثمن. وربما ظهر في بعض الأحوال ما يقتضي خلاف هذا الترتيب (بزيادة سوق في الحيوان إخراجًا قريبًا أو ما في معنى ذلك) (^١).
فإذا بيع على المفلس ما وجب بيعه قسم على غرمائه الذين ثبتت ديونهم عليه بمعاوضة مالية، على اختلاف أجناس الأموال، من بائع منه عقارًا أو بائع طعامًا أو بائع سلعة، صار في ذمته على حد سواء.
وأما كل حق صار عليه من غير معاوضة مالية أخذت عَمَّا لزمه من الديون، لكن له غرض ومنفعة في تحصيل ما صار ثمنه دينًا عليه، وإن لم يكن مما يباع ويشترى، كصداق امرأة أو خلع زوجة بمال دفعته لزوجها عن طلاقها، فإن ذلك يجب الحصاص به.
وقد قال مالك في التي صالحت زوجها على عشرة دنانير إلى أجل ثم فلست: إن الزوج يحاص غرماءها وهذا لأجل أنها اشترت منه ما ملك من منافع بضعها، وتخلصت بما نزلت (^٢) له من حبالها. وهذه منفعة مقصودة وغرض صحيح، فلهذا أوجب الحصاص به.
وكذلك الصداق تحاص به الزوجة غرماء زوجها لأجل أنه اشترى منها منافع بضعها أيضًا، وبه حاجة إلى ذلك، وقد دخل معه الغرماء عليه. فلم يكن
_________________
(١) ما بين القوسين، هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بَذَلتْ.
[ 3/ 1 / ٢٦٨ ]
لهم الامتناع من المحاصة بالصداق (في المحاصة في الصداق) (^١) في فلس الزوج بلا خلاف فيه منصوصًا عندنا.
وأمَّا المحاصة في موت الزوج، فالمعروف من المذهب إثبات المحاصة به كاللباس والإنفاق على المحاصة به في المفلس، يشعر بأنه لا يجري مجرى الهبات، بل يجري مجرى المعاوضات. ولا فرق بين الفلس والموت في وجوب المحاصة. وذكر ابن الجلاب في تفريعه قولة: شاذة أنه لا يحاصر في الموت. وإنما يحاص في الفلس، وكأنه رأى أن الحصاص به في الفلس لا يلحق الغرماء الذين بايعوه بالسلع من الضرر بمحاصة الزوج يلحقهم إذا حاصهم في الموت؛ لأن المفلس تبقي ذمته ويرجى سعيه فيما بعد، حتى يكتسب ما يوفي به هؤلاء الغرماء بقية حقهم، وفي الموت لا يرجى ذلك منه (بل يسوى من كمال ديونهم التي عليه) (^٢). فلهذا فرق بين الموت والفلس تغليبًا لأحد الضررين، فغلب ضرر الغرماء في الموت، وغلب ضرر الزوجة في الفلس.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (^٣) معناه عطية.
وقيل: بل معناه شرعة وديانة.
وأمَّا نفقة الزوجة فيما يستقبل بعد التفليس، فلا مطالبة لها بذلك. فينظر: هل تحاص به أم لا؟ لأنا قدمنا أنه يبقى له من ماله ما ينفق على زوجته ونفسه وأولاده الصغار المدة القريبة التي ذكرناها فيما تقدم.
وأمَّا إذا غاب زوجها، ولم ترفع الأمر إلى القاضي شاكية له عدم الإنفاق، لأنها لا تصدق في كونه لم يترك لها نفقة، وإذا لم تصدق في ذلك لم تستحق المطالبة، استحال الحصاص.
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين.
(٣) سورة النساء، الآية: ٤.
[ 3/ 1 / ٢٦٩ ]
وأمَّا بعد رفعها إلى القاضي فالقول قولها، ويحكم لها بالإنفاق وإذا حكم لها صار ذلك كغيره من الديون الثابتة عليه، وجرى مجرى الصداق الذي بذل في مقابلة استباحة الفرج، فإذا حصل الوطء وجب الصداق والنفقة في مقابلة التمكن من الاستمتاع وهي بعد رفعها إلى القاضي ممكنة من الاستمتاع، فصارت النفقة المقبوض عوضها كاللاحقة بالديون.
هذا الظاهر من المذهب وجوب المحاصة في الفلس. وأمَّا محاصتها بهذا الإنفاق بعد الموت، فحكى ابن القاسم أنه اختلف فيه قول مالك، فقال مرة: تحاص به، وهو اختيار ابن القاسم. وقال مرة أخرى لا تحاص به في الموت.
ووجه ما أشرنا إليه من كون الضرر يلحق في الموت أشدّ ممَّا يلحق مع حياة المفلس. وقد قيل: لا تحاص بالنفقة في موت ولا فلس.
وكأن هذا رأى أن النفقة لما كانت تسقط مع الإعسار ضعفت عن الديون التي ثبتتْ في الذمم مع العسر واليسر. وقد قال سحنون: إنما يحاص بالنفقة إذا كانت الديون محدثة بعد وجوب النفقة لها، فكان حقها عنده قويًا من وجه السبق والتقدم، فإذا تقدمت الديون حازت الترجيح من الوجهين: المتقدم والسبق، ومن كونها تثبت مع العسر واليسر.
وأمَّا المحاصة بنفقة البنين الصغار، فابن القاسم نفاها في الموت والفلس. وأشهب أثبتها كما أثبت نفقة الزوجة.
فكأن ابن القاسم رأى أن نفقة الزوجة عن معاوضة، فلحقت بالديون التي هي أثمان سلع، ونفقة البنين مواساة لا عن عوض فلم تزاحم الديون فتقع المحاصة بها.
وكأن أشهب قد رأى أن الولد من يوم سقوطه في البطن وجبت نفقته على أبيه من غير افتقار إلى قضية قاضٍ، فأشبهت نفقة الزوجة الواجبة التمكين.
وأمَّا نفقة الأبوين، فقد قال مالك: لا يقع الحصاص بها في فلس ولا موت.
[ 3/ 1 / ٢٧٠ ]
لكن أصبغ قال: لو قضى القاضي بها لوجبت المحاصة لهم لكونها لما حكم بها ثبتت ثبوت ديون المعاملة.
وأمَّا الحقوق الثابتة لا عن معاوضة مالية، ولا عن معاوضة في حكم المالية كالنكاح والخلع، ولا عن مواساة، بل من جهة الإفتيات على من له الحق بغير اختياره كالجنايات فإن بعض أشياخي رأى أنها جارية على القولين في النفقات، وما ذكرنا معها مِمّا ليس ثبْت الديون فيه عن معاوضة. وقد قال في المدونة في الجاني جناية دون الثلث لا تحملها العاقلة: إنه إذا رهن بها رهن أُمضي ذلك للمجنيّ عليه، كما لو قضاه أرش الجناية، فأوجب المحاصة وألحقها بالديون.
وقال في كتاب الصلح في جناية العمد: إذا أراد الجاني أن يصالح عليها وعليه ديون، فإن لغرمائه أن يمنعوه من ذلك. وأشار بعض الأشياخ إلى أن ذلك لو وقع لمضى ونفذ، ولم يكن للغرماء ردّه كما لو قضى من (^١) الصداق وشبه ذلك؛ لأن له منفعة فيما بذل، وهو وقاية نفسه من القصاص، كما للزوج منفعة فيما بذل لحاجته إلى النكاح، والذي يدفع عن جناية العمد ليست بهبة محضة، ولو كان هبة لسقط عن الجاني ما التزم من الأرش إذا مات، كما تسقط الهبة إذا لم تُحَنْ.
وهذا الذي أشار إليه قد يسلم له اشتراك الجناية مع النكاح في كون ذلك معاوضة عن منفعة، ولكن إذا قلنا: إن الغرماء عاملوه على أن يتزوج ويتسرى لاطراد العادة بذلك عمومًا فإن جناية العمد لم يعاملوه على أن يفعل ما لا يحل تعمدًا ويتلف ما لَهم فيه.
وظاهر مذهب الشافعية الحصاص بأرش الجناية، لكون الأرش وجب بغير اختيار المجني ورأوا إقراره بالجناية آكد باللزوم من إقراره بدين المعاملة
_________________
(١) هكذا.
[ 3/ 1 / ٢٧١ ]
الاختيارية، لكون الجناية بغير اختيار المجني عليه، كما لو جنى العبد المرتهَن.
فإن أرش الجناية أحق برقبته من الذي هو في يده رهنًا وإنما كان هذا كذلك لأن المرتهِن تعلق حقه بذمة سيد العبد لا بعين العبد، وتعلق أيضًا بعين العبد بكونه فعل ما في ثمنه على الغرماء، وأصحاب الجناية لم يتعلق لهم حق بذمة سيّد العبد، وإنما تعلق حقهم بعين رقبته، فقدموا على المرتهِن الذي إن أسقط حقه في عين العبد بقي حقه في ذمة سيّده.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
قد علم أن إقرار المريض لمن يتهم بتْوليج ماله، وصرفه عن ورثته إليه مردود، ولا يقبل منه، على ما سنذكرهُ جملة وتفصيلًا في كتاب المديان إن شاء الله تعالى. لكن يتعلق ببعض مسائله المحاصّة التي يتبدل حكمها. فمِن ذلك إقرار المريض بدين لأحد ورثته ولرجل أجنبي لا يتهم في الإقرار له. مثل أن يقول في مرضه، ولا يرثه إلا ولدان. أحد ولديَّ عندي (^١) مائة دينار ولفلانَ رجل آخر أجنبي، عندي مائة دينار ولم يترك سوى مائة دينار، فإن الولد المقَرَّ له يحاصّ الأجنبي، لكون الأجنبي لم يثبت دينه إلا بإقرار هذا المريض، ولو لم يقرّبه له لم يثبت له شيء. وكذلك إنما ثبت الدين لأحد ولديه بإقرار أبيه المريض. فقد ساوى هذا الولد الأجنبيَّ في طريق ثبوت دينهما، ولا يتهم المريض في إقراره لولده في حق الأجنبي، لأنه لو شاء لم يقرّ للأجنبي، فإذا (^٢) تساويهما في طريق ثبوت دينهما وجب أن يتحاصا في هذه المائة، فيقتسمانها نصفين، كأن التهمة إذا ارتفعت من جهة الولد (^٣) الأجنبي فإنها لا ترتفع من جهة المقَرّ له من الولدين مع أخيه، لأن أباهما يتهم أن يؤثر أحد ولديه بميراث ماله على الولد الآخر، على ما ينظر في كتاب المديان. فإذا تطرّقت التهمة من جهة إيثار
_________________
(١) أي: عندي له.
(٢) هكذا في النسختين، ولعله: فإذا [كان].
(٣) هكذا في النسختين، ولعله: الولد [مع].
[ 3/ 1 / ٢٧٢ ]
الأب لأحد ولديه (^١) الآخر كان من حق الولد الذي لم يقر له أبوه بشيء أن يشارك أخاه في الخمسين دينارًا التي وقعت له في محاصة الأجنبي فيقسمها معه نصفين حتى يستوفى ما ترك أبوهما، وترتفع التهمة بذلك، ويصير ما أخذه الأجنبي كأنه ليس بتركة لأبيهما. فإذا (قُضي بهذا وقف القضاء ما هذا) (^٢) عن ابن القاسم، وصارت التركة مقسومة على هذه النسبة، للأجنبي خمسون دينارًا، والخمسون الباقية بين الولدين نصفين (^٣): للولد المقرّ له بالمائة دينار الدين، وللولد الآخر الذي لم يقر له بشيء.
فكأن ابن القاسم قدْر أنّ ما أخذه الأجنبي كجائحة طرأت على بعض التركة فيما (^٤) بقي بعد الجائحة يقسمه الورثة على فرائض الله سبحانه، ويكون ما أخذه الأجنبي لا يختص بأحد الولدين، وكذلك ما أخذه أحد الولدين الذي لم يقرّ له، يكون ذلك جائحة مختصة بأخيه الذي أخذ منه نصف ما في يديه بحكم التوارث، ولا علاقة بين الأجنبي وبينهما في هذا التوارث فلا يكون عليه من هذه الجائحة التي طرأت على الولد الذي قاسمه نصيب.
وخالف أشهب في هذا، ورأى أن الولد الذي لم يقرّ له بشيء إذا أخذ من أخيه نصف الخمسين دينارًا عاد الآخر المأخوذ من دينه يقول للأجنبي: أنا وأنت سيان فيما ترك أبي، لأني وإياك قد تساوينا في مقدار الدين الذي لنا عليه، وتساوينا في طريق ثبوته، وهو إقرار الأب، والغريمان إذا استحقا تركة ميت استحقاقًا متساويًا فلا يفضل أحدهما على الآخر بشيء، ويكون ما ذهب من التركة بينهما جائحة، وما يبقى فلهما. وكأن مشاركةَ الولد، الذي لم يقر له لأخيه، حكمٌ (مستدلًا من) (^٥) سابق المقاسمة لهذه التركة، فيكون مصاب ذلك
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعله: ولديه [على].
(٢) هكذا في النسختين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: نصفان.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فما.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مستند لأمْر.
[ 3/ 1 / ٢٧٣ ]
على الغريمين جميعًا فإذا أخذ من يد المقرّ له نصف ما في يديه عاد على الأجنبي فأخذ منه نصف الخمسة وعشرين التي أخذها منه أخوه، فإذا صارت أيضًا في يد هذا الآخر المقرّ له قال له أخوه الذي لم يقرّ له: أنت لا تختص من مال أبي بشيء دوني، لما قدمناه، فإذا كان الحكم المساواة بيني وبينك، فهذه الإثنا عشر دينارًا ونصف التي رجعت بها على الأجنبي كمال طرأ لأبي لا يستحقه أحد إلا بالميراث ولا وراث إلا أنا وأنت فتقاسمني فيها فإذا أخذ منه نصف الإثني عشر ونصفٍ عاد أيضًا هذا الوارث المقرّ له يقول للأجنبي: من حقي أن تساويني أيضًا في قسمة التركة بحكم الدين، كما هو من حق أخي أن يساوينى في الميراث، وقد أخذ مني ستة دنانير وربعًا، فذلك كجائحة لا أختص أنها بها، فعليك نصفها: ثلاثة وثمن. فإذا أخذ منه ثلاثة وثمنًا رجع هذا الأخ، الذي لم يقرّ له، على أخيه بنصفها وذلك دينار ونصف وستة حبات. فإذا أخذ ذلك رجع الأخ المقرّ له على الأجنبي بنصفها وذلك ثلاثة أرباعه وثلاث حبات.
هكذا حتى لا يبقى في يد الأجنبي زيادة على ما يحصل الأخ المقرّ له.
هكذا قال أشهب.
وقال بعض الأشياخ: لابدَّ أن يبقى كسر لطيف.
وهذا الذي قاله صحيح، ولكنه إذا عمل على حساب ذلك على ما أريناك وجب اعتدال الكل في هذه المائة دينار، فيقسمها هؤلاء الرجال الثلاثة أثلاثًا: فيأخذ الأجنبي ثلث المائة، ويأخذ الولدان ثلثيها: أحدهما بحكم الدين والآخر بحكم الميراث الذي أوجب له الرجوع على أخيه وأوجب لأخيه الرجوع على الأجنبي. فإذا ثبت وجوب المساواة بين (^١) ووجوب المساواة بين أحد الولدين مع الأجنبي، وصح قسمة التركة بينهم أثلاثًا لأنه إذا كانت ثلاثة أعداد ساوى الأول منهما الثاني، وساوى الثاني الثالث فكلها متساوية والذي قاله بعض الأشياخ لابدَّ أن يبقى شيء هذا الذي أشار
_________________
(١) هكذا في النسختين، وفي الكلام نقص لعل تمامه: الولدين.
[ 3/ 1 / ٢٧٤ ]
إليه بأنه يبقى في يد الأجنبي هو جزء لا يتجزأ ولا يتميز بميزان ولا تقدير، ولا يصح القضاء به لعدم تمييزه، ولا فائدة في ذكره.
ولو كان المريض، الذي أقرَّ ما ذكرناه، ترك ثلاثة أولاد لقسمت تركته أرباعًا، لكون الولدين (^١) لم يقرّ لهما الأب يجب لهما أن يقاسما أخاهما الذي أخذ نصف التركة بحكم الدين، فيرثانه ميراثًا متساويًا، فيكون ذلك بين الأولاد الثلاثة أثلاثًا، ثم يرجع الولد على الأجنبي بنصف ما أخذ منه على النسبة التي ذكرناها فلا يزال التراجع دائرًا بين الولدين وأخيهما والآخر المأخوذ منه ما أخذ مع الأجنبي حتى يقع الاعتدال بين الجميع.
لكن أشهب لم يطرد هذا الأصل في الرجوع من جهة ثانية، وذلك أنه قد ثبت أَلَّا ميراث إلَاّ بعد قضاء الدين. وكان مقتضى هذا إذا قيل: إن الأخ الذي لم يقرّ له يرجع على أخيه في المسألة الأولى بنصف ما أخذ؛ أن يُمَكّن الأجنبي أيضًا من الرجوع على هذا الأخ الذي لم يقرّ له فيأخذ من أخيه حتى يكمل دينه، إذ لا ميراث إلا بعد قضاء الدين. وأشهب لم يمكن الأجنبي من هذا، ولا أوجب له رجوعًا على الأخ الذي لم يقرّ له بمال أخيه، لأنه لو أوجب له ذلك لعاد الأخ المقرّ له يقاسم الأجنبي في هذا الذي بيده، فإذا قاسمه عاد الأخ الذي لم يقرّ له إلى مشاركة أخيه فيذهب إلى إحالة وعدم الوقف عند غاية.
وهذا الذي قاله يدع وابن القاسم إلى ما ذهب من المنع من هذا التراجع الدائر مرارًا. ولو فرضت هذه المسألة على حالها، وأضفنا إليها ثبوت مائة دينار على الميت فإنك قد علمت من هذه المسألة وجوب المساواة بين الأجنبي الذي لا بينة له وبين الوارث في المحاصة بالدين، وعلمت وجوب المساواة فيما بين الوارثين.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: اللذين.
[ 3/ 1 / ٢٧٥ ]
فلتعلم أن الدين إذا كان ببيّنة مع (^١) تركة الميت أن (^٢) تورث إلا بعد قضاء الدين، فصار ها هنا في هذه المسألة زيادة هذا الوجه، وهو كون الوارث المقرّ له حكمه أن يساوي الأجنبي في قسمة الدين لكونهما ثبت دينهما بطريقة واحدة وهي الإقرار. وحكم الأجنبي أن يساوي من له البينة وإن لم يكن له هو بينة فقد صارت الثلاثة أشخاص حكم أحدهما أن يساوي الآخر وهما الأجنبيان، وحكم أحد الأجنبيين أن يساوي الوارث ولكن حكم الوراث ألا يساوي من له الدين بالبينة وإن كان يساوي من ساواه وهو الأجنبي الذي لا بينة (^٣).
فهاهنا ذكر ابن المواز أن الواجب في هذه المسألة إخراج الولد واطّراحه، وقسمة المائة دينار التي تركها الميت ما بين الأجنبيين خاصة. لكن من له البينة يمنع الوارث من أن يرث ويمنعه أيضًا إقرار أبيه له، فصار من هذه الجهة كالعدم، فتقسم التركة بين الأجنبيين، لأجل هذا قال ابن المواز. وقال غيره (فيهما فمن له رأي) (^٤) إن الأجنبيين إذا اقتسما المائة نصفين، رجع الأخ الذي لم يقرّ له وبقية الورثة سواه على الولد المقرّ له فقاسموه، رجع (^٥) بما أخذ منه على من له الدين بالبينة حتى يساويه في خسارة ما أخذ منه، فإذا رجع إليه وساواه رجع بقية الورثة على هذا الذي أخذ من الذي له البينة فأخذوا أيضًا حقه (^٦) من الميراث. هكذا أبدًا حتى لا يبقى في يد الوارث شيء. وأنكر إذا وقعت المحاصة، فإن المحاصة إنما تكون بأن يضرب الولد المقر له بجميع الدين الذي يقر له به ويضرب أخوه بمقدار ما بقي له، ويكون الوارث لا يبقى في يده شيء لأجل حق من له البينة في كونه يمنعه من الميراث. ومن يعود
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أن [لا].
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: له.
(٤) ما بين القوسين هكذا في النسختين.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ويرجع.
(٦) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حقهم.
[ 3/ 1 / ٢٧٦ ]
الإقرار له فهو يحاص بجميع ما أُقِرَّ له به ومن سواه يحاص بمقدار ما أبقي له.
والقولان جميعًا يتفقان في كون هذا الوراث لا يأخذ شيئًا. لكن يختلف القولان في الأجنبيين: فعلى ما ذكر ابن المواز يتساويان في قسمة هذه المائة، وعلى ما ذكره غيره لا يتساويان، ويكون الذي يأخذه من له البينة أكثر مما يأخذ الذي لا بينة له.
وقد وقع تنازع في المخرج على مذهب ابن القاسم الذي قدمناه في المسألة الأولى:
فأشار الشيخ أبو إسحاق إلى أن الذي يتخرج على مذهب ابن القاسم ما ذكره ابن المواز من إسقاط الوارث المقرّ له، وقسمة التركة نصفين بين الأجنبيين إذا قسما التركة نصفين، فأخذ كل واحد منهما خمسين دينارًا، عاد الولد الذي (^١) له فأخذ من الأجنبي نصف الخمسين وهو خمسة وعشرون. فإذا أخذها عاد الأجنبي الذي له البينة فانتزعها من يده لكونه من حقه أن يمنعه الميراث، ويمنعه من نفوذ إقرار أبيه له. فإذا صارت هذه الخمسة وعشرون دينارًا في يد الذي له الدين بالبينة شاركه فيها الأجنبي الذي لا بينة (^٢) واقتسماها نصفين، وعاد المال كله بينهما نصفين، ولم يتكرر التراجع وإنما يقع مرة واحدة، على حسب ما فعل في المسألة الأولى، أن الأخ الذي لم يقرّ له إذا أخذ من يد أخيه شيئًا لم يرجع على الأجنبي ذلك (^٣) حتى يقل تكرار التراجع ودورانه.
واستبعدها هنا أن يذهب أشهب في المسألة إلى تكرير التراجع ودورانه لأن من حق من له البينة أن يأخذ كل ما يحصل من يد الولد ثم يشاركه فيه الأجنبي الذي لا بينة له ثم يشارك الأجنبي الوارث فلا يقف ذلك إلى غاية.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: أُقِرّ.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: له.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بِذلك.
[ 3/ 1 / ٢٧٧ ]
ورأى بعض أشياخي أن مقتضى قول ابن القاسم في هذا أن تقسم التركة بين الأجنبي الذي لا بينة له والأجنبي الذي له بينة، فما أخذه الأجنبي الذي لا بينة له قاسمه فيه الوارث، ثم يقاسم الوارث بقية الورثة، ويقف الأمر ها هنا ولا يكون تراجع، ولا يرجع الأجنبي على من له البينة مما أخذ منه.
وأشار شيخي هذا أيضًا إلى أن الصواب، على مقتضى القياس في المسألة الأولى التي قدمناها وهي إقرار الأب للأجنبي بدين، ولأحد الولدين، أنْ يرد إقرار الوارث (^١) على الجملة ويستبد الأجنبي بالتركة، لأن هذا الإقرار إذا تطرقت إليه التهمة من جهة أن الأب أوقعه لإيثار أحد الولدين على الآخر بالميراث، فمقتضى هذا إذا بطل في حق الولد (منع الوارث) (^٢) أن يبطل في حق الأجنبي مع الوارث المقر له لأن هذه التهمة حقيقتها أن يظن بالأب أنه كذب في الإقرار وقصد إلى إيثار أحد ولديه على الآخر .. وإذا كان الإقرار كذبًا لم يتصور إنفاذه في حق الأجنبي أيضًا وكأن أهل المذهب رأوا أن هذه التهمة تتصور من جهة دون جهة فلا يرد الإقرار من الجهة التي تصورت فيها التهمة دون الجهة الأخرى.
وقد اختلف المذهب في إقرار المريض لزوجته، ورثته بنت وعصبة، هل يرد هذا الإقرار لكونه يتّهم من جهة العصبة؟ أو يمضي؟ لكونه لا يتهم من جهة ابنته، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ويمكن عندي أن يخرج في هذه المسألة قول آخر، وهو كون الأجنبي الذي له الدين ببينة يحاص الأجنبي بالدّين المقر به للوارث ويستبد صاحب البينة به لأنه هو الذي انفرد برد الإقرار والمنع من نفوذه. وأما الأجنبي الذي لا بينة له فلا قدرة له في هذا الإقرار في حق هذا الوارث، وذلك أنه قد اختلف في مسألة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: المورّث.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف ما بين القوسين.
[ 3/ 1 / ٢٧٨ ]
المشتركة إذا كان فيها جَدّ، ووجب أن يشارك الإخوةُ الأشقاءُ فيها الإخوة للأم في الثلث المفروض لهم، فقد قيل: إن الجد يأخذ ما ينوب الإخوة للأم في هذه المشاركة، لكونه هو الذي انفرد عنهم، لمنعهم من الميراث وحجبهم، والإخوة الأشقاء لا قدرة لهم على حجبهم، فلا يشاركون الجد في هذا الذي يختص بالإخوة للأم على أحد قولين. فهذا مما ينظر فيه.
ومما يجري على هذا الأسلوب ما ذكره ابن المواز في رجل مات ووارثه زوجة وأخوهُ، وتركته مائة وخمسون دينارًا، ولزوجته عليه بإقراره مائة دينار، فأقرت الزوجة لرجل بأن له على زوجها المتوفَّى مائة دينار، فإن إقرارها تؤخذ به في نفسهالأولا يؤخذ به أخ الميت الوارث معها. فمقتضى قولها أَنَّ الأخ لا يرث معها شيئًا لكون التركة مائة وخمسون والدين مائتا دينار. فالحكم، على مقتضى قولها، أن تقسم المائة وخمسون دينارًا نصفين بينها وبين من أقرت بأن له الدين على زوجها، فيحصل في يدها من التركة خمسة وسبعون دينارًا، وهي قد أخذت من التركة مائة دينار قضاء عن دينها، وبقي خمسون دينارًا، ترث ربعها اثني عشر دينارًا ونصفًا ويرث الأخ الباقي من الخمسين وذلك سبعة وثلاثون دينارًا ونصف.
هذا مقتضى الحكم في حق الأخ، فتلزم المرأة أن تنتزع عما فضل في يدها مما تقول: إنه زائد على ما استحقته، وذلك ما زاد على الخمسة وسبعين دينارًا، وهذا الزائد خمسة وعشرون دينار إتمام المائة التي أخذتها في الدين، واثنى عشر ونصفا هو ميراثها الذي تقول فيه: إني لأستحق تراثه، فيحصل لهذا الذي أقرت له الزوجة سبعة وثلاثون دينارًا ونصف، ويبقى من حقه، على مقتضى قولها، سبعة وثلاثون دينارًا ونصف، وهي التي في يد الأخ فتقول للمقرّ له: بقية حقك في يد هذا الوارث ظلمك فيه، وأنا أخذت إلا ما ينوبني في الحصاص وهو خمسة وسبعون، ولك أنت مثلها، فسبعة وثلاثون ونصف أخذتها من يدي، ولك عند الأخ مثلها فذلك خمسة وسبعون مثل الذي أخذت أنا.
[ 3/ 1 / ٢٧٩ ]
ولو طرأ غريم آخو سواهما، له مائة دينار ببينة، لانتزع ما في يدي الرجل الذي أقرت له المرأة وكان أحق به مما أخذ بإقرار أحد الورثة له. فإذا أخذ ذلك من يده قالت له الزوجة: بقية حقك وهو سبعة وثلاثون ونصف في يد الأخ الوارث فاطلبْه بهذا، فإذا أخذتَها منه تساوينا في قسمة التركة، ففي يدي خمسة وسبعون وفي يدك نصفها وهو الذي أخذت من الرجل الذي أقررت له أنا، والنصف الآخر تأخر (^١) من الوارث، ثم يعود الرجل الذي أقرت له المرأة إلى المرأة فيقول لها: مقتضى قولك أنا ثلاثة غرماء لنا على التركة ثلاثمائة دينار، والتركة مائة وخمسون فيستحق كل غريم نصف دينه وأنت أحد الغرماء في يدك خمسة وسبعون دينارًا وليس لك بالحصاص، على قولك، سوى خمسين دينارًا. فيقضى عليها بأن تعطيه الخمسة وعشرين دينارًا الزائدة على ما ينوبها في الحصاص. هذا إذا كان دين المرأة ببينة. وأما إن كان بغير بينة فإن الطارئ الذي له البينة يأخذ دينه كله ويقضى له من التركة بمائة دينار ويبقى في يد الزوجة خمسون دينارًا بقية التركة، ولا يلزمها أن تدفع لمن أقرت له بالدين شيئًا لأن مقتضى قولها إن التركة عليها ثلاثة غرماء لكل غريم خمسون وهي ليس في يدها أكثر من حقها في الحصاص وهو خمسون دينارًا، فتقول لما (^٢) أقرت له: صاحب المائة ظلمك وأخذ حقك.
وممّا يلحق بهذا السؤال ما ذكره ابن المواز في شريكين متفاوضين فلسا وفي أيديهما ألف دينار ومائتا دينار، وعليهما دين من تجارهما وهو ألف دينار، لكن أحدهما عليه لزوجته صَدَاق مائة (^٣) دينار، فإن ما في أيديهما يقسم نصفين فيكون في يد كل واحد منهما ستمائة دينار لكن على أحدهما خمسمائة دينار وعلى الآخر سبع مائة دينار: منها مائتا دينار في صداق زوجته، فإذا تحاص
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تأخذه.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لمَن.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حَسب تمام الصورة: مائتا.
[ 3/ 1 / ٢٨٠ ]
غرماؤه الست مائة دينار التي في يديه ناب الزوجة من ذلك مائة دينار وخمسة أسباع مائة دينار فيقضى لها بها ويقضى لغرمائه الآخرين بأربعمائة وسبعمائة (^١) دينار لأن العاجز (^٢)، مما عليه من السبع مائة، مائة، فينوب كلَّ مائة ما (^٣) في يديه من الانتقاص سبعُها، ثم يقال للشريك الذي لا صداق عليه: سلمْ من الستمائة التي في يده (^٤) خمسمائة دينار، وهي المختصة بك من الدين ويبقى من الدين في يديه (^٥) مائة دينار، يقول له الغرماء الذين عاملوه وعاملوا شريكه أنت حميل على شريكك، وقد بقى (^٦) من ديننا عليه خمسة أسباع مائة دينار فبقبضها من المائة التي في يدك حتى تكمل جميع ديننا منك ومنه.
فإذا أيسر شريكه قضى ما أدّى عنه وهو خمسة أسباع مائة دينار، ودفع إلى زوجته ما بقي لها عليه وهي سبعا المائة دينار.
ومما يلحق بما نحن فيه ما ذكر في المدونة: من عبد له على سيده دين، ففلس السيد، فإن عبده لا يحاص غرمَاءه بالدين الذي له على سيده، لأنه وما في يديه لسيده، فلو حاصهم فقصُر ما في يد سيده عن حقوقهم لبيع لهم في دينهم، ويأخذون مثله ما أخذ من سيده، لكن لو كان على العبد غرماء يستحقون قِبَله ديونًا، لكان من حقهم أن يطالبوه بالحصاص لغرماء سيده، لكونهم يستحقون ما في يده، وقد دفع بعضه إلى سيده، فكأنهم هم الذين دفعوه لسيده وصاروا من جملة غرماء السيد، ولو وجب بين العبد لغرماء سيده فإن الأشياخ اختلفوا في ثمن هذا العبد: هل يختص بثمنه غرماء سيده أو يدخل معهم في المحاصة غرماء العبد فذهب الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد إلى أنه يدخل غرماء
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: سبعي مائة.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: العجزْ.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ممَّا.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: [يدك].
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يدك.
(٦) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بقي.
[ 3/ 1 / ٢٨١ ]
العبد في المحاصة في ثمنه مع غرماء سيده، لأنه لما بيع وصار ثمنًا، قدّر هذا الثمن من جملة ما في يد السيد من المال الذي يتحاص فيه غرماء السيد وغرماء العبد.
وهكذا وقع في الموازية عبد ضمن عن سيده لرجل مائة دينار، ففلّس العبد، يحاصّ الحميل غرماؤه فنابه خمسون دينارًا، ويرجع على السيد ببقية دينه الخمسين دينارًا، فإذا فلس العبد وجب لغرمائه أن يرجعوا على سيده بما أدى عنه بالضمان، وإذا فلس السيد واحتيج إلى بيع العبد دخل في ثمنه غرماء العبد وغرماء السيد.
وهذا مثل ما ذهب إليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد وقال الشيخ أبو القاسم بن شبلون: لا يدخل غرماء العبد في ثمنه. وقدّر أنّهم لم يعاملوه على أن يأخذ (^١) دينهم من ثمن رقبته، لأن ذلك مختص بسيده. وإنما عاملوه على ما في يديه من المال، فإذا استوفوه لم يكن لهم حق في الرقبة، فاحتُجَّ عليه بما ذكرناه بالموازية، فقال: ظاهر المدونة خلافه، لأنه إنما ذكر أن العبد إذا بيع كان ذلك لغرماء السيد، ولم يذكر غرماء العبد. وينبغي أن تعلم أن العبد إذا بيع وعليه دين كان ثمنه ناقصًا عن كونه يباع بلا دين. ولهذا قلنا: من اشترى عبدًا فاطلع على أن عليه دينًا فإنه عيبٌ، له أن يرد العبد به. وإذا بيع هذا العبد وعليه دين، فإنه يباع على التنقيص فإن الدين إذا كان كثيرًا كان العيب له مقدار كثير من ثمنه، وإذا كان يسيرًا كان مقدار العيب من ثمنه يسيرًا فيجب أن يبين مقدار هذا العيب، ولا يبين ذلك إلا ببيان مقدار الدين الذي عليه ومقدار الدين الذي عليه، وإن بُيِّنَ، لا يعلم منه مقدار ما يسقط عن العبد من الدين الذي عليه إذا حاص غرماء سيده. فينظر في الطريق إلى معرفة ما يسقط عنه، ولا طريق إلى معرفة ذلك برفع الجهالة بمقدار ما يسقط عنه من الدين إلا بأن تجمع الديون التي على السيد كلها، وينسب دين العبد منها، فإن نودي عليه، قيل بكم يشترى هذا العبد؟ على أنه يحط من الدين الذي عليه بمقدار نسبة الدين الذي له على
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يأخذوا.
[ 3/ 1 / ٢٨٢ ]
سيده من ديون الغرماء، مثل أن يكون على سيده دين للعبد، وهو عشرون دينارًا، أو (^١) لرجل أجنبي على السيد عشرون دينارًا، وعلى العبد لرجل دين عشرون دينارًا، فقد علم من هذا أنه يقع عليه في المحاصة نصف الثمن الذي يشترى به، فإذا قال رجل: عليَّ فيه عشرون دينارًا، وقد علم المشتري ما للعبد وما عليه، قدر ما ينوبه بالمحاصة لغرماء سيده، فقد علم أنه إذا بيع منه بعشرين دينارًا يحط عنه من دينه نصفه وهو عشرة دنانير، وبيع العبد على أنه مديان بعشرة دنانير. وإن قال رجل آخر: أنا أشتريه بثلاثين دينارًا علم أيضًا أن العبد يجب له في الحصاص مثل ثمن نصف ثمنه وهو خمسة عشر دينارًا، تحط من دينه، ويبقى عليه من الدين خمسة دنانير، فيباع العبد على أنه مديان بخمسة دنانير إذا بيع بثلاثين، وإن بيع بعشرين بيع على أنه مديان بعشرة دنانير.
فهذا معنى التنقيص كلما زاد ثمنه نقص من مقدار الدين الذي عليه فينقص العيب.
ولو قال رجل آخر: أنا أشتريه بأربعين دينارًا. علم أنه ينوبه في الحصاص مثل نصف ثمنه وهو عشرون دينارًا وهي مبلغ ما عليه من الدين، فيباع على أن لا دين عليه.
ولو قال رجل: أنا أشتريه بخمسين دينارًا، لم يستحق العبد من الخمسة وعشرين التي هي نصف ثمنه سوى عشرين دينارًا يأخذها غريمه، والخمسة دنانير الزائدة على ما عليه من الدين -وهو عشرون دينارًا- تعود مالًا للسيد، لا حق للعبد ولا لغرمائه فيها فيقضى بها للسيد.
فيتحصل من هذا أن العبد إذا ضرب بدينه مع غرماء سيده فإنما يستحق مقدار ما ينوبه في الحصاص إذا كان مثلَ الدين الذي عليه أو أقل منه. فإن كان أكثر من ذلك سقط ما زاد على الدين الذي عليه، واختص بذلك غرماء سيده،
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: و.
[ 3/ 1 / ٢٨٣ ]
لأنا قدمنا أنه إنما يضرب مع غرماء سيده إذا كان عليه دين، فإذا لم يكن عليه دين لم يضرب بدينه الذي له على سيده فإذا نابه في الحصاص في ثمنه أكثر من الدين الذي عليه صار ما زاد على الدين الذي عليه كمحاولة أن يضرب مع غرماء سيده ولا دين عليه لأحد.
وهكذا لو كان على سيده ألف دينار لعشرة رجال العبدُ أحدهم، لكل واحد منهم مائة دينار، فإنه ينادى عليه فيقال: من يشتري هذا العبد على أن عشر ثمنه يسقط من الدين الذي عليه وهو المائة دينار. وهكذا يباع على هذه التسمية التي بيناها. ومما يلحق بما نحن فيه من تبدل المحاصة ما ذكره في المدونة فيمن ارتهن زرعًا لم يبد صلاحه، ففلس الراهن ولم يُقدَر على بيع الزرع لكونه لم يبد صلاحه، فكان من حق مرتهن الزرع أن يحاص الغرماء بدينه مخافة أن يهلك الزرع، ولم يكن حاصهم، فلم يجد مرجعًا على الغريم وينفرد غرماؤه بماله دون هذا، فإنه إذا حاصهم وأخذ ما نابه في الحصاص، فطاب الزرع. فوجب بيعه في دينه، فإذا بيع أخذ ثمنه الذي هو أحق به من سائر الغرماء، لكون من بيده الرهن أحق بثمن الرهن من سائر الغرماء، فإذا أخذ ثمن الزرع سقط ذلك من دينه، وتبين من ذلك أنه حاصّ الغرماء بأكثر مما يجب له التي كانت بمائة دينار حقها أن تكون بخمسين دينارًا لسقوط خمسين منها فأخذ المرتهن ثمن الزرع فينظر ما ينوبه في المحاصة لو كانت بخمسين دينارًا فيمسكه مما أخذه في المحاصة ويرد ما فضل عن ذلك إلى الغرماء، ويصير ما رده عليهم كمال طرأ للغريم فيتحاصُّ فيه جميع غرمائه. هذا حكم المحاصة الأولى على الجملة.
وقال يحيى بن عمر: وإذا وقع لكل غريم نصف حقه نظر فيما بقي من دين هذا المرتهن بعد ما قبض من ثمن الزرع، فأمْسك مما وقع له في الحصاص نصفه (ومن نصفه) (^١). وهذا نحو ما ذكرناه على الجملة لأنه أخذ في المحاصة شيئًا، فلما
_________________
(١) هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٢٨٤ ]
ثبت أنه حاص بصفقته أمسك الذي كشف العيب (^١) أن المحاصة به كانت تجب، ورد ما سواه. ولو وفَّى ثمن الزرع جميع دينه لرد جميع ما أخذ في المحاصة. وعلى هذا لا سلفت (^٢) يجرى حكم المحاصة بصداق المرأة قبل البناء بها، فلو تزوج رجل امرأة بمائة دينار ففلس، فإنها تضرب بجميع صداقها مع غرماء زوجها، وهذا لم يذكر فيه خلاف منصوص في المذهب، وهو واضح على القول بأن الصداق وجب كله بالعقد. وأما على القول بأنه مترقب كله أو مترقب نصفه: فلعلَّ من ذهب إلى هذين المذهبين يرى أن الضرورة تدعو إلى المحاصة بجميعه لئلا يبني الزوج بزوجته فيستقر وجوبه إجماعًا، فلا تجد ما تأخذ منه صداقها.
فإذا حاصت بالمائة دينار ثم طلقها الزوج قبل الدخول فإنه يتبين لنا أن المحاصة التي كانت بالمائة أنها حقها أن تكون بخمسين دينارًا لسقوط نصف الصداق، فينظر لو حاصت بخمسين دينارًا أن الذي ينوبها في المحاصة فتمسكه مما أخذت، وترد ما فضل عنه للزوج يتحاص فيه جميع غرمائه بما بقي لهم، وهم على حسب ما قلناه في مسألة مرتهن الزرع إذا حاص ثم بيع وأخذ ثمنه.
ولو كان الزوج دفع إليها من صداقها نقده وهو خمسون دينارًا، وبقيت خمسون دينارًا مهرًا ففلس، فإنها تحاص بما بقي لها من صداقها وهو خمسون، فتأخذ ما ينوبها من المحاصة بها. فإن طلقها الزوج بعد ذلك فقد علمنا أن الطلاق يسقط عنه نصف جميع الصداق نقده ومهره. فالخمسون دينارًا التي قبضتها من النقد سقط حقها في نصفها وهو خمسة وعشرون دينارًا، فيجب رد ذلك إلى غرماء الزوج، ويصير ذلك كمالٍ طرأ عليه له وتبين أن المحاصة إنما كانت تجب لها بخمسة وعشرين دينارًا فهو الذي يستحقها (^٣)، ويضرب فيما بقي لها من نصف صداقها وهو الخمسة والعشرين المهر الباقي في ذمة الزوج في
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الأسلوب.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فهي التي تستحقها.
[ 3/ 1 / ٢٨٥ ]
الخمسة والعشرين التي ردت وفي مال المفلس.
ولو صورنا المسألة في أن الزوج كان بيده مائة دينار وعليه لرجل خمسون دينارًا، فدفع من المائة دينار التي بيده الخمسين النقد، وبقي لزوجته عليه الخمسون المهرّ، ففلّس، فإن الزوجة يجب أن ترد خمسة وعشرين دينارًا من النقد، ويضرب في مال المفلس بخمسة وعشرين دينارًا نصف المهر الذي بقي لها على الزوج، ويضرب الرجل الذي له على الزوج بخمسين دينارًا جميع دينه، فيستحق ثلثيْ مال المفلس، وتستحق الزوجة ثلثه، وجملة مال المفلس الخمسون دينارًا الباقية في يديه بعد ما نقد الزوجة ثلثَها، والغريمَ الآخرَ ثلثيها، وفي يد المرأة خمسة وعشرون التي أمسكتها من النقد، وخمسة وعشرون التي وجب لها ردها، وهي إذا ردّتها رجعت تأخذها من الخمسة وسبعين مالِ المفلس، وهي ثلث الخمسة والسبعين جملةِ مالِ المفلس، فلا يرجع شيء، والغريم الآخر بأخذ الخمسين دينارًا فاعتدلا في قسمة مال الغريم لما كان دينهما سواءً: لهما (^١) خمسون، ولها خمسون، فإذا استمسكت بالخمسين وأخذ الغريم الآخر الخمسين التي في يد المفلس، فذلك مقتضى الحصاص.
ولو نقدها الخمسين دينارًا وبقي المهر خمسون دينارًا فطلقها، ثم بعد الطلاق فلس، فمذهب ابن القاسم أن الجواب الذي قدمناه فيما إذا وقع الطلاق بعد التفليس وهو الحكم فيما إذا وقع الطلاق قبل التفليس وإنها إنما تستحق من الخمسين دينارًا النقد التي قبضت خمسة وعشرين دينارًا.
ومذهب ابن المواز أنها استحقت جميعها.
وقدّر ابن المواز أنه لما طلقها قبل أن يفلس وقد علم وعلمت أن نصف الصداق واجب عليه، وفي يده نصفه، فهما كالراضيين (سا) (^٢) حملة الخمسين
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: له.
(٢) هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٢٨٦ ]
دينارًا النقد عوضًا عن حق جميع حق المرأة فينصف الصداق نقده ومهره كأنها كالمحاسبة والمقاصة.
ورأى ابن القاسم أن ذلك محتمل لما ذكر ابن المواز، ويحتمل أن يكون إنما أبقياها على موجب الحكم في قصها (^١) على النقد والمهر فلا يسقط موجب الحكم الشرعي بأمر محتمل. وهذا يلتفت فيه عندي من (^٢) العوائد وما يفهم من قرائن الأحوال، وإليه يرجع الخلاف.
ولو كانت المرأة هي التي فلست وقد نقدها الزوج خمسين دينارًا أو بقي عليه المهر ثم فلست، فإن الحكم أيضًا ما قدمناه من كون الخمسين التي نقدها وجب له عليها أن ترد نصفها لسقوطه بالطلاق قبل البناء، ويجب لها عليه أن تطالبه بخمسة وعشرين دينارًا نصف المهر الباقي في ذمته إذا حلَّ فيضرب الزوج مع غرمائها بخمسة وعشرين دينارًا نصف المهر الذي بقي عليها إن فلس، أو يطالبوه بها إن كان مليئًا وقد وقع لأصبغ ما يقتضي أن الزوج لا يحاص غرماءها بالخمسة والعشرين دينارًا التي وجب عليها أن تردها إليه، فقال، فيمن دفعت له زوجته مالًا على ألا يتزوج عليها ففلس وتزوج عليها، فإنها لا تحاص غرماءَهُ بما وجب لها عليه أن يرده عليها مما أعطته على ألا يتزوج، وقدّر أن بنفس التزويج وجب عليه رد مالها إليها، فصار ذلك كدين عاملته به بعد أن فلّس وما حدث من الدين بعد التفليس فإنه لا يحاص مستحقة الغرماء الذين فلّس لهم، فكذلك يقدر في المسألة التي ذكرناها أن بطلاق الزوج لها وجب له أن يرجع عليه ابن صف ما نقدها، وذلك بعد أن فلست، فصار ذلك أيضًا كدين عاملها به بعد أن فلست. وهذا يتصور الخلاف فيه عندي من الخلاف المذكور في مسألة المدونة إذا طلقها وقد أصدقها حيوانًا فاعْتلته قبل الطلاق، فقيل: لا ترد من الغلة شيئًا، وكأن حق الزوج في نصف الصداق إنما وجب له حين الطلاق،
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إلى.
[ 3/ 1 / ٢٨٧ ]
وقبل ذلك كان لا يستحق في الصداق شيئًا فلا تكون له غلة فيما مضى قبل الطلاق.
وقيل له نصف الغلة، وكأن الطلاق كشف لنا أن المرأة ما كانت تستحق إلا نصف الصداق، وكأنها اغتلت نصفه وهو مال الزوج، وهذا كما قدمناه مرارًا في أحكام المرتقبات: هل تقدر كأنها لم تزل حاصلة في مبدأ الأمر، وإنما يقدر حصول ما كان مترقبًا حصوله حين وجد وحصل؟.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
الدين يقضى عندنا من دية المديان إذا مات مقتولًا وكان القتل خطأ، لأن الدية، وإن كان إنما استقر وجوبها بعد موته، فهي مال من ماله، وسببها كان في حياته، فكأنه اكتسبها في حياته؛ وأيضًا فإنها عوض نفسه التي كانت تسعى في الكسب لغرمائه، وكان لغرمائه حق فيها، ويقدمون على الورثة بما ذكرناه من كونها مستحقة في حياته لكونها عوض ذمته التي أفاتها القاتل على غرمائه.
وكذلك لو كان القتل عمدًا ورضي ورثته بأخذ الدية، أو تراضى بها ورثته والقاتل، فإن غرماءه أحق به من ورثته للعلة التي قدمناها.
ولو عما عن دمه بعد أن جرح الجرح الذي مات منه، والقتل خطأ، لكان عفوه عن الدية لا يجوز إذا رده الغرماء.
ولو لم يكن عليه دين لكان لورثته أن يردوا إن (^١) زاد علي ثلثه مما عما عنه.
ولو كان القتل عمدًا لجاز عفوه ولم يكن لغرمائه أن يردوا عفوه لأن الواجبب له القصاص، وإنما تثبت الدية بالتراضي على رواية ابن القاسم، والدم الذي استحقه لا منفعة في إراقته لغرمائه، ولا يلحقهم ضرر بعفوه، فمضى عفوه فيه. وقد كنا قدمنا الكلام على هذا، وأشرنا إلى ما يتخرج فيه على مذهب أشهب القائل إن لولاة المقتول أن يجبروا القاتل على الدية.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف إن.
[ 3/ 1 / ٢٨٨ ]
وكذلك لو لم يعف المقتول عمدًا، ولكن عما الورثة على الدية وعلى الميت دين، فإن عفوهم جائز على غرماء الميت على ما قدمناه.
وكذلك لو عما الوارث، وعليه في نفسه دين، لم يكن لغرمائه أيضًا أن يردوا عفوه. وهذا الذي ذكرناه في دم استحقت إراقته فعفا من يستحقها.
وأما إذا بطل القصاص وانتقل الحكم إلى الدية، بأن يترك المقتول ولدين فيعفو أحدهما عن الدم بغير عوض، فإن القصاص ها هنا لا يمكن لأن الثاني من الولدين الذي لم يعف إنما يستحق نصف الدّم وإتلاف نصف النفس مما لا يتميز حقه فيه من حق أخيه ولا ينقسم، فإذا بطل حقه في إراقة الدم عاد ذلك مالًا استحقه الذي لم يعف، فلا يمكّن حينئذٍ هذا الذي لم يعف من إسقاط نصيبه من الدية لكون نصيبه من الدم قد امتنع إراقته فصار حقه منحصرًا في الدية وذلك كمالٍ ورثه عن أبيه مما اكتسبه أبوه، فليس له أن يهبه ويبطل حق غرمائه فيه.
ولو كان على هذا الذي لم يعف دينٌ قد أحاط بنصيبه من الدية (^١) على أبيه دين لكان غرماء أبيه أحق بنصيبه من الدية من غرمائه في نفسه، لما قدمناه من كون الدية عوضًا عن النفس التي كانت تسعى لغرمائها.
فإن قيل: هلّا قلتم هذا فيما يورث عن الميت بحق الولاء: إن غرماء المعتق أحق بولاء العبد المعتق الذي مات بعد موت سيده الذي أعتقه لكون الولاء إنما يستحق بسبب تقدم في حياة المعتق وهو الإعتاق، فيكون غرماء المعتق أحق به من ورثته قبل (^٢) العبد المعتق إذا مات سيده والعبد حي فإن كسب العبد ملك لا يقدر أحد على انتزاعه منه، وقد يموت عن ورثة يستحقونه دون ورثة سيده، والدية لم يستقر ملكها لأحد دون القتيل ولا يتبدل حكمها ولا تعلق بشرط كما تعلق الولاء بشرط ألَّا يكون العبد المعتق ورثته أحرار. وأيضًا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: [و] على.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مثل.
[ 3/ 1 / ٢٨٩ ]
فإن ما يؤخذ بالولاء ليس بعوض لذمة المعتق، ولا عامله الغرماء على أن يعتق فيأخذون ديتهم من ولاء العتيق إذا مات، وقد يموت فقيرًا أو يموت غنيًا وله ورثة أحرار يستحقون ميراثه دون ورثة سيده لو كان حيًا. وهذا يفرق بين كون الدين يؤخذ من التركة ولا يؤخذ مما يورث بالولاء.
فإذا تمهدت هذه الأصول، فاعلم بعدها: أن الدية إذ أخذت بعد موت الميت، وقلنا: إن الدين يؤخذ منها فلو ترك رجل مائة دينار، وعليه دين مثلها، وقد قتل عمدًا، فوجب في ديته ألف دينار، وكان أولياء الدم ولَديْن له، فعفا أحدهما عن نصيبه من الدم على أن يأخذ ديته، فإن حقه في الدم وفي الدية قد سقط، وبقي حق أخيه الذي لم يعف، وقد استحق خمسمائة دينار (^١) ونصف الدية.
وقد قررنا أن الدية تؤدى في الدين، فإن الغرماء أحق بها من الورثة، فيتحصل من هذا أن الميت ترك ستمائة دينار التي فرضنا أنه مات وهي تحت يده، والخمسمائة دينار التي فرضنا أنها طرأت بعد موته، وهي نصف الدية، فصارت تركته ستمائة دينار. ولكن حكم التوارث فيها يختلف بالمائة التي تركها مالًا له قبل موته، وتورث عليه إن لم يكن عليه دين، (وإن لم يكن عليه دين) (^٢). وإن كان عليه دين يستغرقها دفعت كلها في الدين، والدية يأخذها الورثة أيضًا إن لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين يستغرقها دفعت كلها في الدين، والدية يأخذها الورثة أيضًا إن لم يكن دين، وإن كان عليه دين يستغرقها أدى جميعها في الدين. فيجب على هذا أن تكون المائة دينار التي عليه دين مفضوضة على الستمائة دينار التي ترك، فينوب كل مائة من الستمائة دينار سدس هذه المائة التي تركها، يخرج منها سدسها في الدين ستة عشر إلا ثلثًا
_________________
(١) هكذا في النسختين، والصواب حذف الواو.
(٢) ما بين القوسين زيادة لا معنى لها في النسختين.
[ 3/ 1 / ٢٩٠ ]
والخمسمائة المأخوذة في الدين يخرج منها من كل مائة سدسها، ويرث ما بقي من الدية الولد الذي لم يعف، ولا يأخذ الذي عما من ذلك شيئًا.
وأما المائة التي تركها الميت: فإذا أخرج منها ما حظها (^١) من الدين وهو سدسها، ورث ما بقي منها وهو خمسة أسداسها على فرائض الله سبحانه، يقسم ذلك بين الولدين نصفين، فتكون القسمة اثني عشر جزءًا من أحد عشر جزءًا للولد الذي لم يعف، لأن له في خاصته خمسمائة دينار نصف الدية وله خمسون دينارًا نصف المائة التي ترك أبوهما.
فإذا كان له في خاصته خمسمائة وخمسون جعل الجزء خمسين دينارًا، فكان له أحد عشر جزءًا كل جزء خمسون دينارًا، وكان لأخيه الذي عما جزء واحد، وهو خمسون دينارًا، فعليه في الخمسين التي تنوبه نصف سدس الدين، جزءًا من اثنى عشر جزءًا وذلك ثمانية وثلث، وتبقى له إحدى وأربعون وثلثان.
وعلى هذا يصح للآخر بعد الدين بسبب الدية والميراث أربعمائة وثمانية وخمسون وثلث.
إلى هذا ذهب ابن القاسم في هذه المسألة على ما ذكره في العتبية والموازية، وذكره ابن سحنون عن أبيه، وعن أشهب.
ولو كان الدين خمسمائة، وخلف الميت خمسمائة، فإن الدين قال ابن القاسم مأخوذ من التركة ومن الدية يقسم بينهما نصفين، فيخرج نصفه من الدية ونصفه من التركة، ويقسم ما بقي منها بين الورثة نصفين ويؤخذ نصفها من الخمسمائة نصف الدية وتبقى مائتان وخمسون الباقية نصف الدية للولد الذي لم يعف، لا يشاركه فيها أخوه الذي عفا.
وهكذا قال أشهب وسحنون فيمن قتل عمدًا، وله ابنان، وترك ألف درهم، فعفا أحد الولدين عن نصيبه وأخذ الآخر نصيبه من الدية، وهو ستة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ما هو حَضُّها.
[ 3/ 1 / ٢٩١ ]
آلاف درهم، فإنها تضم إلى الألف التركة ثم يفضّ الدين على ذلك كله، فيما وقع للألف التي تركها خرج منها وكان باقيها بينهما، ويرجع ذلك إلى إخراج الدين من الجملة وقسم على أربعة عشر سهمًا: للذي عما سَهْمٌ والباقي للآخر.
وهذا الذي قالاه في تلخيص هذا الحساب وبسطه إلى أجزاء تخرج إلى ما أخرجه الحساب الأول الذي ذكر فيه الفض للدين على الجملتين: الجملة المتروكة والجملة المأخوذة في الدين، فلا فرق بين أن يأخذ من كل ألف سبعها حتى يكمل الدين، أو يضم المال بعضه إلى بعض فيخرج الدين جميعه بالسوية، فالذي يبقى، بعد إخراج الدين، يقسم على أربعة عشر جزءًا لأن هذه التركة لو لم يكن على الميت دين لكان للولد الذي لم يعف نصف الألف التي ترك أبوه ولا أكثر من ذلك، وهو خمسمائة، ونصفها الآخر وهو نصف مائة للولد الذي عما، والستة آلاف المأخوذة من الدية يختص بها الولد الذي لم يعف. فقد صار للولد الذي لم يعف ستة آلاف وخمسمائة، فإذا قسطت ذلك إلى أن تجعل كل جزء خمسمائة، لأجل أن حق الولد الذي عفا خمسمائة، صارت التجزئة أربعة (^١) جزء كل جزء خمسمائة، يأخذها الذي عما، وما بقي وهو ثلاثة عشر جزءًا، كل جزء خمسمائة يأخذه الذي لم يعف، فيحصل له لو لم يكن على التركة دين ثلاثة عشر جزءًا، كل جزء خمسمائة فيترك ستة آلاف وخمسمائة ويحصل للذي عما جزء واحد وهو خمسمائة. فإذا كان على التركة دين أخرج الدين من الجميع، وقسم ما بقي على نسبة ما يستحقه كل واحد من الإبنين فالذي يستحقه العافي نصف سبع المال، والذي يستحقه الذي لم يعف ستة أسباع المال ونصف سبع. وهكذا قالا: لو كان على الميت دين في هذه وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة، وأوصى لرجل بألف درهم فإنه يؤدى نصف السبعة آلاف في الدين، فيقسم على الألف التي تركها نصفها، ونصفها الباقي فيه تكون
_________________
(١) هكذا في النسختين، والصواب: أربعة [عشر] جزءًا.
[ 3/ 1 / ٢٩٢ ]
الوصايا في ثلثه، لأن الوصايا لا تدخل إلا فيما علم به الميت، يأخذ الموصى له ثلث الخمسمائة، وما بقي من المال كله يكون بين الولدين على عشرين جزءًا، للذي عما جزء وهو نصف العشر، والذي لم يعف تسعة عشر سهمًا.
وهذا الذي قالاه أيضًا يعرف صحة حسابه مما قدمناه، وذلك أن الستة آلاف المأخوذة في الدية كمالٍ طرأ للميت لم يعلم به لأن ولده إنما عفا عن الدم وصيره مالًا بعد موت أبيه، فلا تدخل الوصايا فيه، وإنما تكون الوصايا فيما تركه وعلم به في حياته، وهو لم يعلم بأنه يرثه عنه سوى الألف درهم التي تركها، وكانت تحت يده في حياته، وقد خرج نصفها في الدين كما خرج نصف الستة آلاف المأخوذة في الدية في الدين أيضًا، فصارت التركة ثلاثة آلاف، وهي نصف ما أخذ في الدية، وخمسمائة وهي نصف الألف المتروكة ميراثًا، تكون ثلاثة آلاف وخمسمائة قضيت في الدين، فإنما تكون الوصايا في الخمسمائة التي بقيت بعد قضاء الدين من الألف الذي ترك، وهو لا يستحق أن يوصي بأكثر من الثلث، وكان ثلث ما ترك يورث عنه وهو مائة وسبعة وستون درهمًا غير ثلث درهم وتبقى ثلثا هذه الخمسمائة يرثه الولدان نصفين العافي والذي لم يعف، فيكون لكل واحد من هذه الخمسمائة سبعة وستين غير ثلث فيصيب العافي من هذا المال كنصيب الموصى له، لأن الوصية عادت إلى ثلث المال، (والثلث يقتسمانه) (^١) الولدان وتبقى الثلاثة آلاف التي هي نصف المأخوذ من الدية يختص بها الذي لم يعف، فيسقط (^٢) هذا المال الذي بقي بعد قضاء الدين، فوجدنا خمسمائة منه تقسم أثلاثًا، وهو سبعة أجزاء، كل جزء خمسمائة، فتضرب السبعة أجزاء في ثلاثة، لذكرنا الثلث الموصى له وهو ثلث الخمسمائة، فينتهى ذلك إلى أحدٍ وعشرين جزءًا، وقد خرج منها جزء الموصى له بالألف، والذي عدا يستحق مثل ما استحق. وإذا أسقطنا من الواحد وعشرين جزءًا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: والثلثان يقتسمهما.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فيُقسّط.
[ 3/ 1 / ٢٩٣ ]
نصيب الموصى له بقيت عشرون جزءًا، للذي عما جزء واحد منها؛ وهو نصف العشر، فأخذ مثل ما أخذ الموصى له. ولكن نسبة ما أخذ الموصى له ثلث السبع، ونسبة ما أخذه أحد الوارثين بعد إخراج الوصية نصف العشر، ومقدار ما أخذه واحد على ما بينّا.
فهذا بسط ما ذكره أشهب وسحنون في هذه المسألة.
ولو ترك عبدًا يساوي ألف درهم وعليه، ألف درهم دينًا، فباعه القاضي في الدين، ثم عما أحد الولدين، وأخذ الآخر نصف الدية ستة آلاف، فليرجع عليه أخوه بنصف سبعها، وذلك أربع مائة درهم وثمانية وعشرون وأربعة أسباع
درهم. ولو لم يقم الغريم حتى قبض الابن الستة آلاف، فأخذ منها الغريم ألفًا، فإن العبد بين الولدين نصفين (^١)، والخمسة آلاف الباقية للأخ الذي لم يعف، ويرجع الذي لم يعف على الذي عفا بنصف الدين الذي هو ألف درهم، وهو أحد وسبعون درهمًا وثلاثة أسباع درهم، فإن أداها وإلا بيع من نصيبه من العبد بقدر ذلك. وهذا أيضًا يعرف مما قدمناه. وإنما كثرنا المال ليرسخ تصوره في النفس.
ولو ترك أبوه زوجة فعفا الابن وأخذ دية أبيه اثنى عشر ألف درهم، وترك الميت عبدًا يساوي ألف درهم، وعليه دين ألف درهم: فللمرأة ثمن ذلك كله: من العبد ومن الدية، وعليه (^٢) ثمن الدين، وللابن سبعة أثمان التركة من عبد ودية فهكذا يقسم الدين عليهما والميراث.
ولو ترك ابنا وابنة وزوجة في هذا السؤال، فعفا الابن عن الدم: فإنه تدخل في ذلك الابنة والزوجة بالميراث، وما على الميت من دين يقضى من الدية ومن المال المتروك، وما بقي يقسم على الفرائض. وهنا (^٣) تعرف أصوله
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: نصفان.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وعليها.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وهذا.
[ 3/ 1 / ٢٩٤ ]
من كتاب الديات، وأن من له العفو إذا عما واستحق شيئًا دخل فيه من الورثة من
لا مدخل له في العفو.
ولو وهب المريض عبده لرجل وقيمته ألف درهم، ولا مال له غيره، ثم قتل العبد المريض وله ابنان، فإنما للموصى له ثلث العبد، فإذا قتل سيده فإن شاء الورثة قتله قتلوه، وإن استحيوه على أفي يكون لهم فضت الدية على العبد: ثلثا الدية على ثلثي الورثة فيسقط (^١) ذلك، وثلث الدية على ثلث العبد فيخير الموصى له بين الفدية بثلث الدية أو يسلمه. وتفريع ما وقع في الروايات في هذه المسألة يعرف من كتاب الديات والجنايات.
ومما يلحق بما نحن فيه ما ذكره ابن المواز فيمن قتل عمدًا وترك مدبَّرًا قيمته مائَة دينار، ولم يترك سواه، ولا دين عليه، فعفا أحد الوارثين عن الدم وأخذ الذي لم يعف نصف الدية، فإن العبد يعتق جميعه، ويكون خمسة أسداس مائة دينار، بين الولدين نصفين للعافي والآخر للذي لم يعف.
وهذا الذي ذكره مأخوذ مما قدمناه من فض الدين الذي يكون على المقتول عمدًا في مثل هذه المسألة بين ما ترك من مال علم به، وبين ما أخذه أحد ولديه من ديته، فما ناب المالَ الذي مات وهو على ملكه أخرج في الدين، وما بقي من هذا المال الذي مات عنه كان بين الولدين نصفين، ويكون الذي لم يعف عن الدم ينفرد بما أخذ من الدية بعد إخراج ما وقع على ما أخذ من الدية من الدين، وبعد الفض عليهما فالمدبَّر ها هنا حكمه حكم الدين. فقد صار الميت في هذه المسألة ترك ستمائة دينار، وهي التي قوّمنا بها المدبر، وخمسمائة هي المأخوذة في نصف الدية، والمدبر يعتق في المال الذي مات عنه الميت وعلم به، وفي المال الذي طرأ بعد موته ولم يعلم به. وقبض (^٢) قيمته على هذه الستمائة دينار، فينوب ما يختص به في نفسه سدس القيمة، وهي سبعة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يقسط.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فتفضّ.
[ 3/ 1 / ٢٩٥ ]
عشر دينارًا غير ثلث، فيعتق ذلك على الولد (^١) جميعًا، ويعتق خمسة أسداسه من الخمسمائة دينار التي أخذها الولد الذي لم يعف. فإذا عتقت عليه كمل عتق جميعه بعد أن كان استحق الولد العافي نصف خمسة أسداسه التي اعتقناها في نصف الدية، فيكون يرجع بقيمة نصف هذه الخمسة أسداس التي أعتقت فيما أخذ أخوه، وصار ذلك كعتق من أحد الشركاء فإن نصيب صاحبه يعتق ويرجع بقيمته على شريكه المعتق ويجزئه ذلك بعد بسط الحساب أن الميت كأنه توفي وترك ستمائة دينار منها خمسمائة دينار ينفرد بميراثها أحد ولديه، ومنها مائة وهي قيمة المدبر يرثها الولدان جميعًا. فقد صار للذي لم يعف من هذا المال خمسمائة دينار وخمسون، وصار للذي عما خمسون دينارًا. فإذا نصفنا الخمسمائة تقابل في التجزئة بها الجزء الذي ورثه العافي، صارت عشرة أجزاء كل جزء خمسون دينارًا، وله جزء آخر وهو خمسون دينارًا وهي نصف قيمة المدبر، فصار له أحد عشر جزءًا ولأخيه العافي جزء واحد وهو خمسون دينارًا، فيقسمان ما بقي من المال بعد إخراج المدبّر كله، وذلك خمسمائة دينار على اثنى عشر جزءًا، واحد منها وهو نصف سدسها للذي عما، وهو أحد وأربعون دينارًا ونصف دينارٍ وسدسه، وللذي لم يعف مثل ذلك أحد عشر مرةً، وذلك أربعمائة دينار وثمانية وخمسون دينار (ونصف) (^٢) وثلث فقد تحمل قسمة الخمسمائة دينار على هذه النسبة وهذا الحساب.
قال ابن المواز: وقد قيل: لا يكون للذي عما إلا جزء من سبعة عشر جزءًا، والذي لم يعف ستة عشر جزءًا؛ وذلك لأن ثلث المدبر معتق على كل حال، فكأن الميت لم يتركه، وإنما ترك ثلثيه، وقيمة ثلثيه ست وستون دينارًا وثلثا دينار، فهي الموروثة للذي عما وهو ثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث، وللذي لم يعف الثلث الباقي وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث أيضًا، فيحتاج في هذا إلى بسط (^٣)
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الولدين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذفها.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تقسيط.
[ 3/ 1 / ٢٩٦ ]
الخمسمائة دينار التي أخذت من الدية أثلاثًا، لأجل أن نصيب الأخ الذي عما ثلاثمائة دينار فتصير الخمسمائة المأخوذة في الدية إذا بسطت (^١) أثلاثًا خمسة عشر ثلثا، كل ثلث منها وهو ثلث مائة دينار. ولهذا الذي لم يعف زيادة على ذلك ثلث المائة التي يستحقها في المدبّر، فصار له ستة عشر جزءًا لكل جزء منها ثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث دينار، وللذي عما جزء واحد وهو ثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث. فإذا أعتق العبد من هذه الجملة التي هي ستمائة اقتسما الباقي على سبعة عشر سهمًا، للذي عما من ذلك سبُع واحد، وهو تسع وعشرون دينار ونصف غير سبْعِ حبَّات على التقريب، وللذي لم يعف مثل ذلك ستة عشر مرة.
فيبلغ ذلك كله خمسمائة دينار الباقية بعد عتق المدبر.
وهذا القول الذي ذكره محمَّد أشار إلى رده بأن قال: الأول أحب إليَّ، ألا ترى لوكانت قيمة العبد مائة وخمسون، وعلى السيد خمسون، لكان ينبغي فيما وصفتُ لك ألا يحاصّ إلا بخمسين ثلث قيمة العبد وكذلك يكتفى أن لو كان عليه دين يحيط بالمدير ألَّا يكون له شيء.
وهذا القول الذي حكاه وأشار إلى ضعفه هو الذي ينبغي أن يكون جاريًا على أصل ابن القاسم القائل بأن المدبر إذا ترك سيده مالًا علم به، ومال طرأ له لم يعلم به، فإنه يُبَدَّأُ بعتقه من المال الذي علم به، فلو استوعب ثلثه ثلث المال الذي علم به، وكان الميت أوصى بوصايا، فإنها تبطل، ولا يؤخذ من المال الذي لم يعلم به، ويعتق ثلثا المدبر في المال الذي لم يعلم به الميت، وهي خمسمائة ويكون للعافي جزء من سبعة عشر جزءًا دينارًا على ما بيناه بعد في إخراج جميع المدبر وإمضاء العتق في جملته.
وأما عبد الملك، فإنه يقول: إن المدبر يعتق فيما علم به وما لم يعلم، فما فضل من المال الذي علم به دخلت فيه الوصايا، وما فضل من المال الذي لم يعلم به لم تدخل فيه الوصايا.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: قسّطت.
[ 3/ 1 / ٢٩٧ ]
وأما الدين، فالأصل فيه أن يكون شائعًا في جميع المال الذي علم به للميت والذي طرأ بعد موته. والخلاف في هذا يبعد، ولم أقف فيه على نصّ صريح في كونه يبدأ في أخذه بإخراجه من الذي علم به.
لكن الشيخ أبا محمَّد بن أبي زيد قال في نوادره: روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن قتل عمدًا وترك مائة، وعليه مائة دينار، وأوصى بوصايا، فعفا عن القاتل على الدية، قال: يقضى الدين من المائة التي علم بها، وتبقى الدية لورثته، وتبطل الوصايا ونبه على هذه الرواية بأن قال: انظر (^١) فيها غير هذا، والمسألة الأولى في الذي عليه دين ولم يوص بشيء فعفا واحد من البنين بذلك على هذا، فأشار إلى ما كنا قدمناه في صدر هذه المسائل من كون المقتول عمدًا إن ترك مائة دينار وعليه مائة دينار وعفا أحد الولدين فإن الدين يفضّ على أحد المالين، فما ناب المائة التي تركها ميراثًا عنه أخرج لصاحب الدين، وقسم الولدان بقيتها، فكأنه يشير إلى أن هذا يقتضى أيضًا توزيع الدين في هذه المسألة التي رواها عيسى عن ابن القاسم على ما علم به وهي المائة المتروكة، وعلى ما لم يعلم به وهو المأخوذ في الدية. فيجب إذا خرج من الميت (^٢) المتروكة ما نالها من الدين، أن تكون الوصايا في ثلث ما بقي منها مما يقسمه الولدان ميراثًا بينهما.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن قول ابن المواز ها هنا لو كان عليه دين يستغرق المدبر يجب ألاّ يحاص بشيء، يقتضي أن المدبر إنما يدخل فيما علم به، فإذا أحاط بالمدبر امتنع أن يكون للذي عما به حصاص لكونه لا يرث من الخمسمائة المأخوذة في الدية شيئًا، وإنما يرث في المدبر، والمدبر وجب رد عتقه بالدين الذي يختص إخراجه بالمدبر، وإنما يعتق من جهة أخرى: من كونه
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: النظر.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: المائة.
[ 3/ 1 / ٢٩٨ ]
يدخل فيما لم يعلم به، والذي لم يعلم به الميت من هذه الدية لا مدخل للعافي فيه. واستبعد مع هذا التأويل لهذه الرواية، وقال: ينبغي ألاّ يختلف في كون الدين يكون شائعًا فيما علم به وما لم يعلم به.
وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن له مدبر قيمته مائة دينار ولا دين عليه، فيقال للذي عما كم يكون لك من المدبر لو لم تكن دية؟ فيقول: ثلثه. فيقال له: فالمدبر يستتم عتقه في الخمسمائة دينار، فيتم عتقه كله، وترجع أنت على أخيك بمثل ما يكون لك من المدبر، وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث، ولا يكون ذلك كالدين. يفضّ على المالين كما قال من قال، وذلك خطأ ولا يكون الذي عما أحسن حالًا لأن العافي عن العمد لم يعف عن مال ولذلك لم يضمن الدين.
وأما إن كان خطأ فليس لأحد عفو حتى يجمع الدين ثم يخرج ثلث ما بقي للمدبر والوصايا.
فأشار في هذه الرواية إلى أنه لا يفض المدبر على المالين بخلاف الدين الذي يجب فضه.
فأشار بهذا إلى أن الخلاف إنما يحسن في فض عتق المدبر على المالين.
وأما الدين فلا يحسن الخلاف في كونه مفضوضًا على المالين.
ومن ترك ثلاثة بنين له على أحدهم مائة دينار، وترك مائتين، وأوصى بمائة، ففي التركة ثلاثمائة، فللوصاية منها مائة، والمائتان بين البنين: لكل ابن ثلاثمائة (^١) فالذي عليه المائة عنده أكثر من حقه فاقتسم ما حضر بين الولدين والموصى له على سبعة للموصى له ثلاثة، ولكل ابن ممن لا دين عليه سهمان ثم يتبع جميعهم الولد الذي عليه المائة بثلث المائة فما قبضوا منه قسموه على سبعة.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ثلثامائة.
[ 3/ 1 / ٢٩٩ ]
وقال محمَّد يأخذ الموصى له ثلث المائتين، ويقسم ما بقي على الثلاثة، فما صار للمديان رجع فيه صاحب الثلاثة ثلاثة أسباعه والوارثان بأربعة أسباعه.
وهذا الذي ذكره من القسمة على سبعة لأجل أن الموصى له [له] ثلاثة أثلاث من كل مائة ثلث وكل واحد من الأولاد له في المائتين ثلثا مائة فلهذا تكون القسمة على جزءين: لكل ولد جزءان، وللموصى له ثلاث أجزاء. ولعلنا أن نذكر المسألة، والإشارة إلى ما قاله ابن المواز في غير هذا الموضع.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ﵀:
وتحل الديون المؤجلة بفلسه، ولا يحل مالَه من دين مؤجل والميت كالمفلس في ذلك كله.
قال الفقيه الإِمام ﵀:
يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة، منها أن يقال:
١ - ما الدليل على حلول الدين المؤجل بالموت؟.
٢ - وما الدليل على حلوله بالتفليس؟.
٣ - وهل يحل قولًا مطلقًا أو باختيار من له الحق؟.
٤ - وهل تحل الديون المؤجلة إذا كانت معرضة للبطلان؟.
٥ - وما الدليل على أن ما للمفلس من دين لا يحل لأجل تفليسه.
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
إذا مات من عليه دين طلبت تركته بالديون كلها، وإن كانت مؤجلة لم تحلّ آجالها. وهذا قول عامّة العلماء وخالف في هذا الزهري والحسن البصري
[ 3/ 1 / ٣٠٠ ]
وعمرو بن دينار. وكان هؤلاء يتعلقون بظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^١) وقوله ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (^٢). وإذا عقد بيع بثمن مؤجل لم تلزم المطالبة به إلا عند أجله، لأنه مقتضى الوفاء بالعقد وكذلك أيضًا هو كالشرط في الثمن فيجب أن يوفى بالشرط. وكأن الجمهور يرون أن البائع إنما عقد على ذمة يشق بها، فإذا خربت وذهب عين المطالَب بالمال كان مقتضى العقد أيضًا لا يخرج ماله ويخرج ويعرض به التلف، وأيضًا فإن التركة لم تخل من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تعقل التركة عن الغرماء لحق (^٣) الورثة.
أو يمكّن الورثة من قسمتها.
أو يمكن الغرماء من أخذ حقوقهم منها.
(^٤) بباطل أنها تعقل على الورثة (^٥) على الغرماء لأن في ذلك ضررًا على الجميع. أما الغرماء، فلكون ديونهم إنما تؤخذ مما ترك الميت وتعلق حقهم بأعيان ما ترك، فإذا أوقفناهُ فهو معرض للتلف والهلاك، فلا يجدون مرجعًا بديْنهم والدية (^٦) التي كانت حقوقهم متعلقة بها قد بطلت بالكلية ويلحق أيضًا الورثة ضرر يمنعهم التصرف فيما ورثوه من غير فائدة لهم في ذلك ولا للغرماء مع كون الميت قد قال - ﷺ -: "نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه" (^٧)،
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١.
(٢) أخرجه البخاري تعليقًا. انظر: الفتح: ٥/ ٣٥٨.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وعَن.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فباطل.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: [و] على.
(٦) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الذمة.
(٧) فيض القدير: ٦/ ٢٨٨. حد ٩٢٨١. لفظه: نفس المؤمن معلقة الترمذي: الجامع الكبير ٢/ ٣٧٥ حد ١٠٧٨، ٧٩.
[ 3/ 1 / ٣٠١ ]
وفي تأخير دفعه للغرماء إضرار بالجميع: بالميت والغرماء والورثة. فوجب لأجل هذا أن تحل الديون.
وإن قلنا: إن الورثة يمكنون من قسمته، فإن هذا أيضًا إضرار يختص بالغرماء، لكونهم قد لا يجدون ما يرجعون فيه بدينهم إذا تصرف الورثة في مال غيرهم وأكلوه، وهذه إضرار بين لغرماء (^١). فلم يبق إلا تمكين الغرماء من أخذ حقوقهم منه، ويقسم الورثة ما فضل عن الدين، فتعمّ هذه المنفعة الغرماء والورثة، وذلك أولى مما يضُرُّ بالغرماء والورثة.
فالجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أمَّا المفلس إذا حكم بتفليسه والحجر عليه في ماله، فإن ديونه المؤجلة تحل عند مالك وأصحابه ﵃.
واختلف قول الشافعي في ذلك، فقال مرة: تحل. وقال مرة أخرى: زعم بعض المفتيين إنها تحل، وأشار إلى مالك، ورأى هو أنها لا تحل.
والصحيح عند أصحابه أنها لا تحل. ولنا في أحد قوليه إن الموت يقتضي حلول الديون الآجلة لخرابة ذمة المديان، وكذلك يجب أن يكون التفليس لخراب ذمة المديان أيضًا، وحدوث حالة غير (^٢) الذمة، وتعلق فيها حق في المال. وأيضًا فإن المعاملة تقع على الذمة وتقع على أعيان المال، فإذا كان ذهاب الذمة بالكلية التي تقع المعاملة عليها توجب حلول الديون المؤجلة، فكذلك إذا ذهب الأعيان، وبقي الغريم فقيرًا، وحكم بتفليسه والحجر عليه، ويجاب عن هذا بأن المال لو ذهب من يده قبل أن يُحجر عليه لما وجب حال (^٣) الديون المؤجلة فكذلك إذا ذهب ووقع الحجر عليه، إذ لا تأثير للحجر ها هنا.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بيّن للغرماء.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تغَيُّرٍ.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حلول.
[ 3/ 1 / ٣٠٢ ]
كما أن الشافعي أجاب أيضًا عن قياس الفلس على الموت بأن الذمة في الموت خربت خرابًا لا يرجى بعده أن تُعمّر، وفي التفليس، وإن خربت، فإنها ترجى بعد ذلك عمارتها بإفادة المفلَّس مالًا من ميراث أوْ حلة (^١) أو سعي بسعاية ومعاملات يحدثها.
واعتمد من ذهب إلى أنه لا تحل الديون المؤجلة بالفلس على أن التأجيل في ثمن المبيعات له حصة من الثمن. ومعلوم قطعًا أن ما يشترى على أن يوزن (^٢) ثمنه إلى أجل يكون الثمن فيه أوفر من الثمن لو بيع على النقد فإذا قلنا بحلول الديون المؤجلة أفضى ذلك إلى إلزام المشتري ثمنًا لم يأخذ العوض عنه وهو التأجيل. وهذا أقوى ما يعتمد عليه المخالف.
وأجيب عن هذا بأنه إنما يدفع الضرر إذا لم يقابله ضرر آخر، ولهذا قلنا إن البائع أحق بسلعته إذا وقع التفليس، وما ذلك إلا لنفي الضرر عنه. وهاهنا إذا رفعنا الضرر عن المشتري بكونه لا يحل الدين المؤجل لَحِق البائعَ ضرر في كون مال المفلس يقسمه من سواه من الغرماء، وإذا حل الأجل لم يجد مرجعًا، والضرر لا يدفع بالضرر من جانب، وكون البائع أحق بسلعته في التفليس لدفع الضرر. وقد يتصور فيه ضرر بالغرماء، وسنتكلم على وجه كونه أحق بسلعته في التفليس بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على أن الديون إذا كانت كلها مؤجلة لم يجب التفليس، لكون الطالبين لم يستحقوا المطالبة، وإن كان بعضها حالّة وبعضها مؤجلة، والذي في يد الغريم لا يفي بالحقوق الحالة فإنه يفلس في حق من حل دينه ومن لم يحل.
وتحل الديون المؤجلة وإن بقي في دينه (^٣) بعد قضاء الديون الحالة ما
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: صِلة.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يُؤدَّى.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ذمته.
[ 3/ 1 / ٣٠٣ ]
يرجى منه أن يقضي دين أصحاب الحقوق المؤجلة لم يفلس في حقهم.
وبسطنا القول في ذلك. وتنازع المتأخرون إذا كان ما في يديه مقدار الحقوق الحالة لا أكثر.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
إذا فلس المديان وعليه دين من عروض أسلم إليه فيها إلى أجل، فإن الأجل يبطل، وتقع المحاصة بالعروض على أنها حلت على المفلس، وهنا يتضح إذا طلب مستحقها في الذمة أن يحاص بها على الحلول. فأمّا إذا أبى ذلك وقال: لا أطلب الحكم بكونها حالة. وقال من هي عليه: قد حكم الشرع بحلول ما على المفلس فلا أؤخرها في ذمتي طلبًا للبراءة منها. كما لو حل الأجل المشروط (وقال من هي عليه: الدين لم يستحق ذلك عليه خذه لا براءة منه) (^١)، وقال مستحق الدين: لا آخذه فإنه يجبر على أخذه، فإن ابن القاسم ذكر في العتبية أن مستحق العروض المؤجلة في الذمة يجبر على أخذها إذا أراد من هي عليه البراءة منها لما فلس.
وعارض بعض أشياخي هذا ورأى أن التعجيل لها قبل أجلها بمقتضى حكم التفليس إنما ذلك لنفي الضرر عن مستحقها في الذمة، مخافة أن تؤخر إلى أجلها فلا يجد مستحقها عند غريمه مالًا يرجع عليه فيه بها، لكونه من سواه من الغرماء قد أخذوا جميع ما في يديه، فإذا رضي هو بهذا الضرر بقي الحكم على ما كان عليه من التأجيل في أصل المعاملة.
وكأنه يشير إلى أن هذه القضية بالحلول معللة بعلة فإذا زالت العلة ارتفع حكمها.
وقد كنا قدمنا عن أصبغ أنه يقول فيمن كان غائبًا ماله إنه إذا فلس حلت الديون المؤجلة واستتم تفليسه، وذكرنا معارضة بعض الأشياخ في هذا،
_________________
(١) ما بين القوسين هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذفه.
[ 3/ 1 / ٣٠٤ ]
وقولهم: إن أصحاب الديون المؤجلة إذا ذهبوا إلى موضع به المال فإن القياس: لا يمكنون من أخذ ما بقي لهم حتى يحل الأجل، و(^١) ارتفاع العلة التي أوجبت لهم الحصاص لما كان المال غائبًا. وهذا خلاف؛ فظاهر (^٢) كلام أصبغ، وكأن أصبغ رأى أن الحكم إذا وقع لم يرتفع لارتفاع عليته.
وكذلك في المبسوط لابن نافع أنه إذا مات من عليه الدين المؤجل، فقال ورثته: نأتوا (^٣) الحميل موسر يضمن عنا الدين إلى أجله، وتقسم التركة. فإنهم لا يمكنون من ذلك.
وكأنه رأى أن حلول الدين بالموت ضربة لازم فلا يتغير الحكم فيه بزوال علته. وهذا مطابق لما حكيناه عن ابن القاسم أيضًا من كون طلب العروض في المفلس إذا أراد بقاءها في الذمة فإنه لا يمكّن من ذلك. وعارض أيضًا هذا كما عارض ابن القاسم فيما حكيناه عنه. وكأنَّ وجه ما وقع في المبسوط أن من له الدين إنما عامل على ذمة معينة، فالتحويل عنها لا يجب عليه، كما لا يجبر من له الدين. فدخل (^٤) على أن يتحول به على رجل آخر.
الجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
اختلف الأشياخ المتأخرون في الديون إذا كانت من أكرية وهي مؤجلة ففلس المكتري، فهل يحل ما عليه من الكراء أم لا؟ وكثر النزاع بين الحذاق في هذا، ووقفت على تأليف جرى بينهم في هذا.
فكأن بعض أشياخي رأى أن ظاهر المدونة يقتضي حلول الدين، وتعلق بما وقع في المدونة من قوله: إذا فلس مكتري المائة (^٥) فإن صاحب الدابة أولى
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لارتفاع.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف الفاء.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: نَأتِي بحميل.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف فدخل.
(٥) هكذا في النسختين، والصواب: الدابة.
[ 3/ 1 / ٣٠٥ ]
بالمتاع من الغرماء، ويباع للغرماء منافع الدابة. وظاهر هذا تعجيل حقه في الكراء إذ لا يصح أن يباع للغرماء منافع يأخذونها ويبقى هو طالبًا للكراء من ثمن المبتاعُ (^١) إذا بيع للغرماء بعد انقضاء المسافة.
وقال أيضًا فيمن اكترى أرضًا فزرعها ثم فلس: إنه يحاص الغرماء بالكراء. وظاهر هذا تعجيل الكراء له وإن لم يحل. وذكر لي بعض أشياخي أن القاضي أبا محمَّد عبد الوهاب وقع له في خلال كلامه في شرح الرسالة أن الدين يحل ها هنا. وكذلك ذكر لي عن المبسوط.
ولم أقف أنا على هذا في هذين الكتابين فيما أذكر الآن. لكن عندي أن المسألة كالمنصوص فيها على قولين لأنه اختلف المذهب فيمن أكرى دارًا خمس سنين بمائة دينار قبضها، فذهب حول بعد قبضها: هل يزكي جميعها كما يزكي ما في يديه من مال لا يخشى استحقاقه عليه أو لا يزكّي سوى عشرين دينارًا، وهي التي تنوب العام الذي تقضّى، ولا يخشى أن يردها على دافعها وما سواها من السنين الأربع الباقية لا يزكيها الآن، لكون الرابع (^٢) المكترى قد ينهدم فيبطل الكراء، فيجب عليه ردّه. وهذا مبني على اختلاف في الطوارىء النادرة، هل يلتفت إليها وتعتبر [في] الأحكام أم لا؟.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
أما المفلس فلا تحل ديونه المؤجلة لأجل ما حل عليه من ديون هي عليه مؤجلة. وهذا لا خلاف فيه لكون: أن من له عليهم الدين لم تتغير ذمّتهم التي عاملهم عليها، فيكون له مقال في حلولها، ولكن تباع لغرمائه (^٣) حال كما يجوز البيع في مثلها. ولو كانت مما لا تباع أصلًا على حال كطعام أسلم فيه، فإنه
_________________
(١) هكذا في النسختين، والصواب: المتاع.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الربْع.
(٣) كلمة غير واضحة.
[ 3/ 1 / ٣٠٦ ]
يؤخر إلى أن يحل الأجل فيقضى منه حق الغرماء. وهذا قد يقال فيه هلا باعه القاضي برأس ماله بمعنى التولية أنه ينظر فيمن يتولاه برأس المال، فيكون ذلك من حق الغرماء ليستعجلوا دينهم. وهذا يقال فيه: إن التولية قد يتضرر منها وأيضًا فإن السلم إنما يقع ليرتفق المسلم إليه بالثمن المعجل ويرتفق المسلم بالرخص وما يرجوه من حوالة الأسواق في التأخير فإذا قضينا في التولية برأس المال بطل غرض المسلم وأضررنا به في فقد الربح. ولو كان في يد أحد الغرماء رهن بيديه (^١) المؤجل لحل دينه؛ لأنه يرتفع عنه الضرر ويثق بتوصله إلى حقه لأجل الرهن الذي في يده. فكأن الذمة لم تتغير، بخلاف سواه من الغرماء الذين لا رهن في أيديهم.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ﵀:
وتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس يختلف: فمنهم من يتعلق حقه بمال معين. ومنهم من يتعلق حقه شائعًا في جميع ماله.
فالأول كالبائع يجد عين سلعته على حالها لم تفت، فله الخيار بين أخذها بالثمن الذي باعها به أو تركها والحصاص. فإن كان قبض بعض الثمن رده وأخذها.
وفي الموت لا رجوع له، بخلاف الفلس، وهو والغرماء أسوة.
والثاني هم سائر الغرماء الذين لا يعرفون أعيان أموالهم، فيستوون في المحاصة.
ثم قال: والصناع إذا قبضوا السلع وأفلس أربابها فأخبرهم (^٢) فهم أحق بها
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بدينه.
(٢) هكذا في النسختين، والصواب: بأجْرِهم. كما في غ، والغاني.
[ 3/ 1 / ٣٠٧ ]
في الموت (^١). وكذلك مستأجر الأرض للزرع يكون ريّها أحق بالزرع، والسكنى (^٢).
قال الفقيه الإِمام ﵀:
يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة، منها: أن يقال:
١ - ما الدليل على كون البائع أحق في الفلس، وأسوة في الموت؟.
٢ - وهل تعلق حق غير مشتريها بها يمنع كون بائعها أحقّ أم لا؟.
٣ - وما العقود التي يكون صاحب السلعة أحق بها؟.
٤ - وما حكم العيب الحادث عند المفلس أو الولد الحادث عنده؟.
٥ - وما حكم الثمرة الحادثة عند المشتري؟.
٦ - وما حكم ما يضيفه المشتري في التفليس إلى المبيع؟.
٧ - وما الحكم في كون البائع قبض بعض الثمن وبقي بعضه؟.
٨ - وما حكم التفليس في شراء المنافع؟.
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
اختلف الناس في تعذر استيفاء ثمن السلع المبيعة: هل يوجب للبائع حقًا في فسخ العقد أم لا؟، فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يوجب للبائع حقًا في فسخ البيع لا في فلس المشتري ولا في موته، وبه قال النخعي والحسن البصري.
_________________
(١) هكذا في النسختين، وفي غ والغاني: في الموت والفلس.
(٢) هكذا في النسختين، وفي غ والغاني: والسكنى يكون ربّها أحق بما بقي من مدة السكنى.
[ 3/ 1 / ٣٠٨ ]
وذهب الشافعي إلى أنه يوجب للبائع حقًا في فسخ البيع إذا كان المبيع قائم العين سواء فلس المشتري أو مات، وبه قال من الصحابة: عثمان وعلي وابن مسعود وأبو هريرة، ومن التابعين: عروة بن الزبير. ومن الفقهاء: أحمد وإسحاق.
وذهب مالك إلى التفرقة بين الفلس والموت على حسب ما ذكره القاضي أبو محمَّد، فجعله في الفلس أحق بعين سلعته، وفي الموت أسوة مع الغرماء.
والذي يجب النظر فيه في سبب هذا الخلاف يتبع ما وقع من الآثار وذكر تأويلاتها والترجيح بين ما يؤوّل فيها، ثم النظر في طريق الاعتبار.
فأما الآثار فينبغي أن تعلم أن مدار الحديث الذي تعلق به العلماء في هذا على أبي هريرة، وإن كان قد روى نافع عن ابن عمر والحسن عن سمرة بن جندب نحو ما روي عن أبي هريرة، فخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله - ﷺ - قال: "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باع من ثمنه شيئًا فوجده بعينه، فهو أحق به وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أُسْوة الغرماء" (^١).
وأتبع ذلك أيضًا ما رواه يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره" (^٢).
وقد اختلف الرواة في النقل عن أبي هريرة لهذا الحديث فأظهرُها في النقل في النقل ما رواه مالك عن طريق يحيى بن سعيد بإضافة المال إلى رجل منكّر لم يذكر فيه صفة انتقال المتاع إلى من هو بيده.
_________________
(١) الموطأ: ٢: ٢٠٩. حد. ١٩٧٩.
(٢) الموطأ: ٢: ٢١١ حد. ١٩٨٠.
[ 3/ 1 / ٣٠٩ ]
لكن خرج مسلم في كتابه "فصاحبه الذي باعه أحق به" (^١) فبيّن في هذه الرواية صفة كون المتاع في يد المفلس، وأنه مبيع.
وفي بعض الطرق عن أبي هريرة في صفة المتاع في يده فروى عنه قال: "إذا أفلس رجل أو مات فصاحب المتاع أحق به" (٣). وهذه رواية للشافعي عمّن حدثه بهذا الحديث (^٢). لأجل هذا الذي رواه لم يفرق بين المفلس والموت كما صنع مالك. ولأجل رواية مالك في موطئه ما رواه عن ابن هشام من التفرقة بين الفلس والموت ذهب إلى ما حكيناه عنه من التفرقة. لكن أصحابنا طعنوا فيما رواه الشافعي وأشاروا إلى القدح في صحته، وأنه لم يثبت عند أهل الحديث.
وأصحاب الشافعي قدحوا أيضًا فيما تعلق به مالك مما رواه عن ابن شهاب بكونه حديثًا مرسلًا لأن أبا بكر بن عبد الرحمن لم يسمع من النبي ﵇.
ومذهب الشافعي ترك الأخذ بالمراسيل إلَاّ مراسيل ابن المسيب.
وأجيبوا عن هذا الطعن بأن المالكية والحنفية يقولون بالمراسيل فلا يمنعهم من التعلق بهذا الحديث كونه مرسلًا. على أنه، وإن كان مرسلًا في أكثر الروايات وأظهرها، فقد رواه عبد الرحمن عن مالك مسندًا عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبيِّ ﵊. وإذا أرسل أكثر الرواة حديثًا وأسنده بعضهم قُبِل المسند وأُخذ به، كما تقبل زيادة العدل في حديث على جماعة رووه، على خلاف بين الأصوليين في هذا الإنفراد: هل يوجب التوقف عن القبول أم لا؟ وهكذا يطعن فيما عول عليه الشافعي في الزيادة التي رواها من قوله: "إذا فلس الرجل أو مات" فإن ذكر الموت ساقط في أكثر الروايات فقبوله ممن انفرد به من الرواة جار على الخلاف الذي ذكرناه بين أهل الأصول.
_________________
(١) مسلم: الصحيح: كتاب المساقاة: "باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس " حد. ٢٢، ٢٣، ٢٥٢٤، الأبى.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: زيادة الواو فيصير النص: [و] لأجل.
[ 3/ 1 / ٣١٠ ]
هذا تحقيق القول فيما ورد من الآثار والإشارة إلى ما يقبل منها وما لا يقبل على اختلاف أهل الأصول.
وأما القدح فيها فقدل بعضهم إن الذي رواه مالك في الموطإ من قوله عقيب ذكر الفلس «وإن مات الذي ابتاعه فالبائع أسوة الغرماء» ليس من كلام النبيِّ ﵊ وإنما هو رأي وهو مذهب أبي بكر بن عبد الرحمن الراوي عطفه على ما رواه عن النبيَّ ﵊ في المفلس. وهذا طعن لا ينبغي التشاغل به لأن الراوي إذا قال: قال النبيِّ ﵊، وأورد جملًا عطف بعضها على بعض فإن جميعها يحمل على أنه من كلام النبيِّ ﵊. ولو توقف عن بعض الجمل لأجل تجويز كون الواو للاستئناف أو حرف العطف وأنه من كلام الراوي لبطل أكثر أحكام الشريعة المأخوذة من السنن.
وتعويل هؤلاء على ذكر الموت عقيب ذكر الفلس ساقط في أكثر الروايات لا تلتفت إليه أيضًا، لكون الزيادة من الراوي العدل تقبل على الأصح من مذاهب أهل الأصول. فلو كان القدح من هذه الجملة لكان راجعًا لما قدمناه من كون القوادح الأُوَلِ المختلف فيها. وأما حمل ذلك على أنه فتوى من الراوي خلطها بكلام النبي ﵊، فإن هذا لا ينبغي أيضًا أن يضاف إلى الأئمة الرواة العدول لأن فيه تدليسًا وتلبيسًا في أحكام الشرع، وتغريرًا بمن يأخذ بالحديث المروي، ولا يستحيل (^١) خلافه كما يستحيل (١) مخالفة مذهب الراوي، وقد يرى نفسه أفقه منه، وهذا مما لا ينبغي التشاغل به، وإن كان الشافعي من كبار الأئمة طرق إلى هذا الحديث الاحتمال من هذه الجهة لجواز أن يكون من كلام الراوي.
وحاول أبو حامد الإسفرايني تصحيح هذا الذي أشار إليه الشافعي بأن قال: أظن أني رأيت في بعض الروايات: قال أبو بكر: فإن مَات فهو أسوة
_________________
(١) هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٣١١ ]
للغرماء. وهذا أيضًا ظن من أبي حامد أنه رأى ما ذكر، ولا يثبت بالظن خبر، مع أنه أيضًا لم يذكر أن هذا الظن بأنه رأى هذه الزيادة منسوبة إلى ثقة سماه، وهذا مما لا يقدح به فيما قدمناه من وجوب حمل الرواة عن النبيِّ ﵊ أنه قال كذا وكذا على أنه قول النبيِّ ﵊ بأسره لا على أن بعضه من كلامهم، وبعضه من كلام النبيِّ ﵊.
فإذا تحقق لديك ما عرضناه عليك من هذه الأحاديث والقوادح فيها، والانفصال عن القوادح، فالإنصاف يقتضي أن قول أبي حنيفة: أن من له الدين أسوة مع الغرماء في الفلس والموت هو القياس، ولولا الأحاديث التي رويناها لم تحسن مخالفته، لكن الرجل يذكر عنه أنه كان يقدم الأقيسة على خبر الواحد، فيمكن أن يكون صار إلى ما ذهب إليه من جهة القياس ألا يختص هذا الغريم بسلعته لأجل أن ملكه قد زال عنها زوالًا محققًا متيقنًا، فصارت سلعة هذا الغريم كغيرها من السلع المأخوذة عند المفلس وفي تركة الميت. فكما لا يختص بغيرها من سلع المفلس أو الميت بل ذلك يتساوى فيه الغرماء، فكذلك في سلعته لكونها ساوت سائر أملاكه. وأيضًا فإن من باع سلعة بثمن في ذمة المشتري تعلق له حقان في الثمن: حق في كونه في ذمة المشتري، وحق في حبس السلعة حتى يأخذ ثمنها. فإذا أسقط أحد الحقين وهو حبس السلعة حتى يأخذ ثمنها وسلمها لمشتريها فليس له أن يرجع في هذا الحق، ويسترد السلعة إلى ملكه، ويفسخ العقد فيها حتى يعطى ثمنها. ألا ترى أن من باع سلعة وأخذ بالثمن رهنا، ثم سلم الرهن لراهنه، فإنه يبطل حقه فيه ولا يمكن من ارتجاعه عند فلس أو موت ويساوي الغرماء في ثمن هذا الرهن. فكذلك السلعة المبيعة إذا كان من حق البائع أن يحبسها بالثمن فسلّم حقه في ذلك وأسقطه، لم يمكّن من الرجوع في هذا الحقال في أسقط، وبقي الحق الآخر، وهو كون الثمن في الذمة، وهذا الحق استوفى (^١) فيه هو وسائر الغرماء.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: استوى.
[ 3/ 1 / ٣١٢ ]
لكن أصحابنا وأصحاب الشافعي يقولون: إن البائع، وإن أسقط حقه في حبس السلعة، فإنا لم أقل (^١): إنه أحق بها في الفلس من جهة أن له الرجوع عما أسقط، لكن من جهة أن عين المبيع قائمة، وما سواه من الغرماء قد فات ما باعوه، فيترجح عليهم يكون عين ما باعه قائمة، فلأجل هذا الترجيح قلنا: إنه أحق بعين سلعته.
وأما الرّهن فإنه لم يسبق له عليه ملك، ولا استحق عينه، فإذا أسقط حقه في كونه رهنًا لم يبق له بعد ذلك ما يترجح به في هذا الرهن على غيره من الغرماء.
وقابل أصحابنا وأصحاب الشافعي هذا القياس بأن قالوا: إن السيد إذا كاتب عبده فقد انتقل حق في عين العبد إلى معاوضة في ذمة العبد، فإذا عجز المكاتب عن الأداء رجع السيد في العين التي باعها منه، وهي رقبة (^٢)، فالمكاتب كثمن السلعة وعجْز المكاتب عن الأداء كفلس المشترى وعجزه عن
الثمن.
وهذا، عندي، لهم أن يقولوا فيه بأن السيد لم ينتقل ملكه عن العبد لأجل الكتابة، ألا تراه من حقه أن يمنعه من السلف وإتلاف ماله وفعل ما يعيب رقبة؟ (٢) وهذا يشعر بأن ملكه لم ينتقل عنه، ومشتري السلعة له أن يبيعها ويتصرف فيها كما يتصرف في سائر ملكه، فلهذا لا يكون للبائع أن ينقض هذا الملك المستقر. فإن كان هذا الرجل قدم القياس على الخبر الذي ذكرناه فهذا الجواب عنه، مع أنّا ننقل المسألة إلى ما أمليناه في أصول الفقه من كون الخبر يجب أن يقدم على القياس، فهذا طريقةٌ في الاعتذار عنه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: نَقُلْ.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: رقبته.
[ 3/ 1 / ٣١٣ ]
والطريقة الثانية رد الخبر من جهة احتمالٍ فيه لا من جهة تقدمة قياسٍ عليه، وذلك أن أصحاب أبي حنيفة يقولون (^١): ﵇: "فصاحب المتاع أولى بمتاعه إذا وجده بعينه" محمول على أن المتاع كان وديعة عند هذا المفلس، أو عارية، أو غصب لمالكه، فإذا احتمل هذا، وأمكن أن يراد بالحديث، لم تكن فيه حجة على أن بائع السلعة أحق بعينها إذا فلس المشتري، لأن الوديعة والعارية ملك صاحبها لم ينتقل عنها، والسلعة المبيعة قد انتقل ملكه عنها. ويرجحون تأويلهم هذا بأنه قال: "فوجد متاعه بعينه" فهذه الإضافة أنها لا (^٢) تكون إضافة على الحقيقة لا على المجاز إذا كان المراد بالحديث متاعه الذي أودعه أو أعاره لأن ذلك متاع المودع والمعير، ولا يقال: إنه متاع المودَع والمستعير، والكلام يجب حمله على الحقائق.
ولنا عنه أربعة أجوبة:
أحدها: أنا ذكرنا أن في بعض طرق هذا الحديث "فوجد البائع متاعه" وهذا كالنص الذي يبطل تأويلهم.
فإن قالوا: معنى البائع ها هنا المساوم الذي لم يقبل البيع، وهو يسمى بائعًا على المجاز، فلا يُنْكرَ حمْل هذا اللفظ على المجاز كما حملتم أنتم قوله "متاعه" على المجاز، وأن معناه الذي كان متاعًا لمن باعه، لأن تجارهم لا يثمر فائدة لِما استقر من علم عند كل أحد أن من ساوم سلعة ولم ينفذ فيها بيعًا فإنه أحق بهالأوليس للمشتري المساوم فيها حق بإجماع، كما أيضًا أن هذا أحد الأجوبة عن قولهم المراد بقوله: "متاعه" أودعه أو أعاره؛ لأنه لا يخفى عن عاقل أن من أودع وديعة أو أعار عارية أحق بوديعته من غرماء المودَع عنده، وحمل كلام النبي ﵊ على ما لا يفيد والعدول عما يفيد لا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب زيادة) قولُه.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف: لا.
[ 3/ 1 / ٣١٤ ]
يذهب إليه أحد، بل الناس يحاشون الأئمة إذا سمعوا كلامهم أو رأوه في دواوينهم من حمله على ما لا يفيد، فكيف النبي ﵊، وإنما بعث ليبيّن للناس ما نزل إليهم، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ (^١) والمراد به ما كان أرضًا لهم وديارًا، لأن هذا يستعمل كثيرًا مشتهرًا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن الحديث مقيد بالإفلاس وقال: "إذا أفلس الرجل". ومعلوم أن الوديعة والعارية صاحبها أحق بها، سواء من فلس وهي عنده أو كان غنيًا، فلو أراد الوديعة لقال: من أودع شيئًا فهو أحق به، ولم يكن للتقييد بالإفلاس معنى.
والجواب عن السؤال الثالث أنه قال:
«فوجده بعينه». والوديعة يأخذها صاحبها وجدها بعينها أو تغيرت.
والفلس سنتكلم على حكم وجود ما باع وقد تغيرت.
والجواب عن السؤال الرابع: أنه قال:
«فهو أحق بها» ولفظة "أحق" إنما تستعمل في مفاضلة بين صنفين موجودة في اثنين كقولنا: فلان أفقه من فلان. بمعنى أن فلانًا له فقه أكثر من فقه فلان الآخر وإن استعمل بمعنى السَّلْبِ، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (^٢).
وإن كان أهل النار ليس لهم مستقر ولا مقيل حسن وكما يقال: العسل أحلى من النحل، وإن كان النحل لا حلاوة فيه، فإن هذه إنما تستعمل نادرًا على جهة التجوز.
ومما اعتمد في الرد على أبي حنيفة من جهة القياس بعض الحذاق أن الثمن والمثمر شيئان في كون أحدهما عوض الآخر لا فرق بينهما في ذلك. ولو
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٧.
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٢٤.
[ 3/ 1 / ٣١٥ ]
أسلم رجل لآخر ثوبًا في طعام، فحلَّ الأجل، وعجز المسلم إليه عن قضاء ما عليه من الطعام وفلس، لكان من حق بائع الثوب أن يسترده، ويفسخ البيع فيه.
فإذا كان فيه: تعذر استيفاء المثمون يوجب للمشتري حقًا في الفسخ، فكذلك يجب أن يكون تعذر استيفاء الثمن يوجب للبائع حقًا، وفسخَ العقد، واسترجاعَ سلعته.
وقد ألزم بعض العلماء في السكة إذا انقطعت، أو الفلوس إذا فسدت، وكانت ثمنًا، فإن لبائع السلعة فسخَ العقد لتعذر استيفاء الثمن. وإن كان بعض حذاق الشافعية مال عن هذا ولم يرضه، لكون الأثمان، التي هي الدراهم والدنانير، وإن لم توجد في بلد وجدت في آخر، ولو انقطعت في سائر البلاد على بعد في تصوير هذا فإنها لا عوض في عين هذا إنما العوض منها المالية لا الجنسية، وإنما تذكر في البياعات ليعلم ما تقع المطالبة فيه، والسلع، وإن كانت هي مالية، فالجنسية مقصودة فيها، فلهذا فسخ العقد «والفلس، ولو نوقض» (^١) أبو حنيفة بكونه يرى أن من باع سلعة ولم يسلمها حتى فلس المشتري، فإن بائعها أحق بالاختصاص بها من سائر الغرماء، على اختلاف عندهم: هل يكون أحق بعينها ولو تسلمها المشتري أو تباع ويكون أحق بثمنها؟. وهذا قول يناقض به لكون بقاء السلعة في يده يقتضي ترجيحه وكأنها رهن في يده بالثمن فهذا غاية فيما بيننا وبين أبي حنيفة.
وأما ما بيننا وبين الشافعي من الخلاف، فإنا اتفقنا وإياه على أن البائع أحق بسلعته في الفلس دون الموت.
وذهب هو إلى أنه أحق بسلعته في الوجهين جميعًا: الفلس والموت.
واعلم أيضًا أن سبب هذا الاختلاف اختلاف الروايات عن أبي هريرة، وقد قدمناها. ومما ذكرناه فيها رواية مالك في الموطأ الحديث عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن من قول النبي ﵇: "إن البائع أحق بسلعته في
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: في الفلس، وقد نوقض.
[ 3/ 1 / ٣١٦ ]
الفلس وهو أسوة في الموت".
والشافعي أجاب بنفسه عن هذا بأنه حديث مرسل، وهو لا يقول بالمراسيل. فإن شئنا حاججناه في الأصل الذي خالف فيه، ونصرنا القول بقبول المراسيل من الثقاة، على أصل أصحابنا. وإن شِئْنا منعناه من كون الحديث مرسلًا، وقلنا: قد قدمنا أن عبد الرزاق أسنده إلى أبي هريرة عن النبي ﵇. وعبد الرزاق ثقة رواه عن مالك مسندًا.
وقدح الشافعي، أيضًا، في الحديث من غير جهة الإرسال، بأن قال: قوله: "وإن مات فهو أسوة الغرماء" يحتمل أن يكون استئناف جملة قالها أبو بكر بن عبد الرحمن حكايته عن مذهبه وذكرنا أن هذا تطرق إلى هدم أصول عظيمة حتى تتعطل أكثر الأحاديث.
وأما الشافعي فإنه تعلق بحديث روي عن أبي بريد عن ابن أبي ذئب عن المعتمر عن أبي خلدة عن أبي هريرة أنه - ﷺ - ذكر حديثًا ساوى فيه بين الفلس والموت، فقال: "إذا فلس المشتري أو مات فصاحب المتاع أحق بمتاعه" (^١).
وهذا أيضًا طعن فيه أصحابنا يكون ابن أبي ذئب انفرد بروايته دون غيره من الأئمة الذين رووا الحديث، والإنفراد يوهن النقل عند المحدثين. ولكن لهم أيضًا أن يقولوا في رواية عبد الرزاق المسند لحديث الموطأ عن أبي بكر عن أبي هريرة أن عبد الرزاق انفرد بإسناده دون غيره من الأئمة الذين رووا الحديث عن مالك وسمعوا منه موطأه ولكن إذا سلكنا طريق الترجيح فرواية مالك مقدمة على رواية غيره، لأنه اشتهر القول من الأئمة: إن ما بعد كتاب الله أصح من
_________________
(١) هكذا الحديث بسنده ومتنه، ونصه في كتاب معرفة السنن والآثار للبيهقي: «أنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب ثنى أبو المعتمر عن ابن خلَدْة الزرقي أنه قال: جئنا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال الذي قضى فيه رسول الله - ﷺ -: "أيّما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" انظر: معرفة السنن والآثار: ٤/ ٤٥٠ وما بعدها.
[ 3/ 1 / ٣١٧ ]
الموطأ، وهو إمام في الحديث، وروى عنه الشافعي الأحاديث واعتمد عليها.
وأما طريق النظر فإن الشافعي يقول: "فإنا اتفقنا على أن البائع أحق بسلعته في الفلس، ولا فرق بين الفلس والموت، فيجب أن يكون أحق بسلعته أيضًا في الموت، ومن (^١) ورث السلعة عنه (أعظم أبيه أن يحل محله ويستحق ما يستحق) (^٢)، فإن كان المشتري حيًا وحكمنا لبائع السلعة إذا فلس المشتري (^٣) أحق بها، فكذلك يجب أن يكون أحق بها إذا مات وتركها، لأن ورثته يحلون محله وحقهم في المال على حقه.
وهذا القياس يعتمدون عليه، ويرون أن علة كون البائع أحق بسلعته في الفلس ما طرأ على ذمة المشتري من عيب وهو خراب الذمة وفقدها، وهذه العلة بعينها موجودة في موت المشتري.
وأصحابنا يجيبون عن هذا بأن تغليب أحد الضررين أصل في العلم عظيم، فإذا قضينا يكون البائع في فلس المشتري أحق بسلعته، فقد أبقينا لمن سواه من الغرماء ذمة يرجعون إليها، وتُرْجَى عمارتها في المستقبل، وملاؤها، ولا يلحقهم ضرر كثير، ويلحق البائع إن منع من سلعته ضرر أشدّ من ضررهم.
وهذا قد عكسه القوم علينا فقالوا: إذا كان الغرماء -وهم جماعة- لا يشاركون البائع في سلعته في الموت، وهم سواء (من أن يقضى من ديونهم شيء بذلك آكد) (^٤) في أن لا يقدم عليهم بائع السلعة لعظم ما يلحقهم من الضرر من كونهم لا يرجون قضاء ديونهم في المستقبل، ويرجون ذلك إذا كان المفلس حيًا. وهذا لعمري يضعف الانفصال عن هذا الانعكاس، كما أن قول أصحابنا: إن السلعة إذا كان بائعها أحق بها في الفلس إذا بقيت على ملكه فلو تعلق بها
_________________
(١) في مد: وقد.
(٢) هكذا في النسختين.
(٣) هكذا في النسختين. ولعل الصواب: [بأنه].
(٤) ما بين القوسين، هكذا في النسختين، والأقرب: في أن فتأكّد.
[ 3/ 1 / ٣١٨ ]
حق للغير فإن بيعها من حر (^١) أسقط باتفاق تعلق حق البائع بها، ولكن له استرجاعها، فكذلك الوارث وقد تعلق له حق بالسلعة وانتقل الملك إليه، فيكون ذلك مانعًا للبائع من أخذ سلعته.
وهذا قياس مطلوب لأن الوارث انتقلت السلعة إليه بغير عوض بذله فيها بخلاف مشتريها بعوض. هذا أيضًا وقد لا يسلم انتقال الملك إلى الوارث إذا كانت التركة أحاطت بها الديون، لقوله تعالى في أحكام الميراث وبيان تفاصيله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٢). فإنما حكم البنت بالنصف، ولكل واحد من الأبوين السدس بعد قضاء الدين والوصية. فجعل تمليكهم لما ترك الميت مشروطًا بعدم ديون تستغرق التركة فالأولى عندي الاعتماد على رواية مالك في الموطأ وترجيح نقله عن نقل غيره وأما الأقيسة فلا تكاد تسلم لنا من القوادح.
واعلم أيضًا أن بائع السلعة إنما يكون (^٣) بها إذا لم يكن في يد المشتري ما يوفي ثمنها، ويجتمع الديون عليه كما قدمناه في وصف من يفلس ومن لا يفلس وأما الموت فنحن نقول: إنه لا يكون أحق بسلعته وأصحاب الشافعي يقولون: إنه أحق بسلعته. ولكن يشترطون أن يكون الميت لم يخلف وفاءً لما عليه من الديون. لكن الاصطخري انفرد من جماعتهم وذهب إلى أنه يكون أحق بسلعته في الموت، وإن خلف الميت ما يقضى منه ثمنها وما عليه من الديون، تعلقًا منه بقوله ﵇: "إذا أفلس أو مات فهو أحق بمتاعه" الحديث المتقدم. فتعلق بعموم قوله: "أو مات" ولم يشترط - ﷺ - أن يموت وعنده وفاء بما عليه أو ليس ذلك عنده.
وقال بعض أصحاب الشافعي إن في طرق الحديث اشتراط ألَّا يخلف وفاء، فقال: هو أحق بسلعته ما لم يخلف وفاء. وأيضًا فإن كونه أحق بالسلعة معلوم أن علته خراب الذمة وما طرأ عليها من عيب نقص به البائع من ثمن
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أحد.
(٢) سورة النساء، الآية: ١١.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يكون [أحق] بها.
[ 3/ 1 / ٣١٩ ]
سلعته، فإذا كان يجد ثمنها بكماله فلا معنى ولا وجه يستحق به استرجاعها، كما لو كان المشتري حيًّا وقضاه ثمنها بكماله. واعتل الاصطخري بأنه إذا مُنع من سلعته فأُعطِي ثمنها فقد يطرأ غرماء آخرون ولم يعلم به (^١) فيطلبونه باسترجاع بعض الثمن الذي قبَض بحسب ما توجبه المحاصة. كما لو طرأ غريم لم يُعلم به على غرماء فإنه يرجع عليهم بما يوجبه الحصاص معهم. وهذا أيضًا من المجوَّزات التي يندر وقوعها، ولم يلتفت الشرع إلى مثلها، ولو التفت إليه لوجب أيضًا أن يحرم الولد ميراث أبيه لجواز أن يطرأ دين عليه يمنعه الميراث وهذا لا يصح أن يذهب إليه أحد.
ومما ينبني على ما نحن فيه مسألة خلاف بيننا وبين الشافعي فإنا نقول في المفلس إذا طلب أحد غرمائه أخذ سلعته بعينها، فقال الورثة أو الغرماء. نحن ندفع إليك الثمن بكماله ودعها. فإن من حقهم ذلك ويمنع البائع من ارتجاع عين سلعته؛ لأنا قدمنا أن علة كونه أحق بسلعته خراب الذمة، وما يطرأ عليه من نقض الثمن الذي باع به، وأخرج سلعته من يده على شريطة أن يوفى له به، فإذا مكن من الثمن على كماله ارتفعت العلة التي من أجلها كان أحق بذلك يزال (^٢) عنه الضرورة (٢)، وانتفع الغرماء بتكثير ما يأخذون من ديونهم لجواز أن يكون في السلعة ربح فإن قضوا البائع الثمن بقي لهم الريح فتوفرت به ديونهم وانتقص عن المشتري بعض ما عليه من الديون.
وقال الشافعي: لا يمكن الغرماء ولا الورثة من ذلك بل البائع أحق بسلعته ولو دفع إليه الغرماء أو الورثة جميع الثمن، تعلقًا بقوله ﵇: "فهو أحق بمتاعه" وهو محمول على عمومه ثم أيضًا يقول البائع: لا يلزمني قبول هذه المنة والهبة كما أني لو وهب لي أحد هبة فلم نقبلها فإني لا أجبر على قبولها، وكذلك لو تبرع إنسان بقضاء دين عن إنسان لم يجبر طالب الدين على
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بهم.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فزال - الضرر.
[ 3/ 1 / ٣٢٠ ]
قبوله من غير من هو عليه عند الشافعي. وهكذا يقولون لو قامت الزوجة طالبة للطلاق لعدم النفقة فتبرع رجل بإجراء النفقة عن الزوج، فإنه لا يلزم المرأة قبول ذلك. وأيضًا بأن قد يطرأ غريم لم يعلموا به فيحاص هذا البائعَ في الثمن الذي أخذ على حسب ما قلناه.
ونحن لا نسلم له عموم هذا الحديث، ولا قوله: لا يجبر طالب دين على أخذه ممن يتبرع به وتطوع بقضائه عمّن هو عليه، إذا قصد بذلك التخفيف عمّن عليه الدين، ولم يقصد هبة من له الدين، على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: فإنه يترقب ضرر البائع بأن يطرأ غريم فيحاص فيما أخذ من الثمن، فإنا لا نسلم له ذلك، ولا نجعل لهذا الغريم الطارئ مرجعًا على هذا البائع، لكونه أحق بسلعته، فكأنه إذا أُعِطي ثمنها كمبتدي بيعها بعد التفليس برضى الغرماء، فقد سلم عوضًا عن الثمن الذي أخذ فلا يشاركه فيه أحد.
فإن تقرر أن مذهبنا على الجملة إسقاط حق البائع فالظاهر من المذهب أن ذلك يسقط حقه في عين السلعة التي باعها من المفلس على الإطلاق، خلاف قول الشافعي: إن ذلك لا يسقط حقه. وقيل: إنما يسقط حقه في عين هذه السلعة إذا بذل له الغرماء ثمنها، إذا كان بذلهم إياه من مال غيرهم، وأما إن كان من مال أنفسهم كان ذلك لا يسقط حق البائع في عين سلعته ولا يجبر على قبول ذلك منهم. وإلى هذا ذهب ابن كنانة.
وقيل أيضًا: لا يسقط حق البائع في عين سلعته ولو بذل الغرماء الثمن من مال الغريم، إلَاّ بأن يتلزموا زيادة على الثمن الذي باعها به بائعها ولو درهم واحد، فيعطون ذلك من ديونهم التي على الغريم. فكأن من مكنهم من إسقاط حق البائع في عين سلعته إذا بذلوا الثمن ولو كان ذلك من أموالهم، وهو اختيار ابن الماجشون، أن البائع إنما جعل الشرع له حقًا في عين السلعة لأجل ما يلحقه من الضرر من انتقاص الثمن الذي باع به، فإذا وصل إليه على الكمال
[ 3/ 1 / ٣٢١ ]
لم يكن له في عين السلعة مقال.
وهذا التعليل يستوى فيه كون المال الذي بذلوا للبائع من مال غريمهم أو من مال أنفسهم، لا سيما على أصل مذهبنا الذي قدمنا فيمن تبرع بقضاء دين عن رجل، فإن صاحب الدين يجبر على أخذه منه سواء كان من يتبرع بقضائه فعل ذلك بأمر من عليه الدين أو بغير أمره.
وكأن ابن كنانة رأى بذل الثمن إذا كان من مال أنفسهم صاروا كالمسقطين حقه في عين سلعته (^١) ملكها (١) الشرع إياها وليس ذلك من حقهم، كما ليس من حق رجل أن يشتري سلعة رجل بغير اختياره.
فإذا كان البدل من مال غريمهم، فإنهم قدموا هذا الغريم الذي هو البائع بأن يستوفي دينه من مال غريمه الذي باع السلعة منه ويبقون هم على مطالبة الغريم مما لهم في ذمته أيسر، وتصير، زيادة على ما ينوب هذا البائع في الحصاص، تفضيلًا لهذا الغريم على أنفسهم، وذلك لا يمنعون منه.
وكان أشهب رأى في المبيح لهم ذلك منفعة ترجع إلى الغريم متيقنة له في الحال، ولا يحصل ذلك إلا بأن يزيدوا على الثمن بزيادة يسقطونها من دينهم على الغريم، وتبرأ ذمته منها الآن.
وأما منفعة الغريم فلا يتحقق الآن حصولها، مثل أن يرجى في السلعة إذا أخروها وباعوها زيادةٌ في الثمن، فإن في ذلك تجويز أن يخسر فيها أو تهلك عينها فيعود ذلك إضرارًا بالغريم، لا سيما على أصل من قال: إن النماء في هذه السلعة التي افتكوها من بائعها من غريمهم مستحقة للغريم إن كان ربحًا أو
مستحقة عليه إن كانت خسارة.
وإلى هذا ذهب أشهب فقال: لا يجبر بائع السلعة على إسقاط حقه في عين سلعته إلا بأن يزيد الغرماء زيادة على الثمن يحطونها من ديونهم على الغريم.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: سلعةٍ ملَّكَهُ
[ 3/ 1 / ٣٢٢ ]
قال: ويكون النّماء والتَّوى عليهم.
وأما ابن القاسم فإنه ذهب إلى أن الربح والنماء للغريم والخسارة عليهم.
وذهب ابن الماجشون إلى أن الربح والنماء للغريم والخسارة على الغرماء.
فتلخص من هذا أن تمكين الغرماء من أخذ السلعة بدفع ثمنها لبائعها على الكم الذيه ثلاثة أقو الذي المذهب:
أحدها: تمكينهم من ذلك على الإطلاق.
والثاني: تمكينهم بشرط أن يكون البدل من غريمهم لا من مال أنفسهم.
والثالث: أن يكون البدل بشرط زيادة على الثمن يحطون مقدار ذلك عن الغريم من ديونهم.
وكذلك في الخسارة في هذه السلعة والربح ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك من الغريم.
والثاني: أنه من الغرماء.
والثالث: أن الربح للغريم والخسارة على الغرماء.
فكأن ابن القاسم الذي ذهب إلى أن الربح والخسارة على الغريم، يقول:
قد كان ضمانها من الغريم من حين شرائه لها إلى أن قام الغرماء عليه، فإذا بذلوا الثمن رجاء ربح يزيد في مال غريمهم لم يمنعوا من ذلك لأن فيه منفعة للغريم ولهم.
وكأن من يقول: ضمانها منهم، يرى أن في هذا إضرارًا بالغريم لأن السلعة إذا أخذها بائعها برىء الغريم من خسارتها وهلاك عينها، فإذا أراد الغرماء أن يمنعوا بائعها من أخذها الذي فيه براءة مشتريها ألحقوا بمشتريها، وهو غريمهم، ضررًا في ذلك.
وكأن ابن الماجشون يرى أن الربح إذا حصل وقضي به للغريم لأجل أنهم أخذوها لمنفعة، فإن كان فيها ربح كشف الغيب أمْن مشتريها من الضرر، وإن
[ 3/ 1 / ٣٢٣ ]
كان فيها خسارة كشف الغيب أن ذلك إضرارٌ بالغريم فلا يمكنون منه.
ومال بعض الأشياخ إلى مذهب ابن القاسم، لأجل ما اعتللنا من كونهم لم يدخلوا عليه ضمان أمر لم يكن لازمًا بل أنفوا (^١) الضمان على ما كان عليه وأدخلوه في منفعة يرجونها.
ولو كان هذا البائع لهذه السلعة يستحق قِبَل مشتريها دينًا آخر من ثمن سلعة باعها منه وأتلفها مشتريها فينتزع الغرماء بأن يفدوا منه هذه السلعة التي باع وهي باقية بعينها في يد مشتريها فإنها إذا بيعت بربح وزيادة على الثمن الذي فدوها به من هذا البائع الذي استحق عينها فإنه يضرب معهم بثمن السلعة الفائتة في جميع ما بيد الغريم سوى هذه السلعة خاصة، فإن دخول هذا البائع، الذي استحق عينها وفدوها منه بثمنها الذي باعها به، مع سائر الغرماء في ثمنها الذي بيعت به، فيه اختلاف، ولكن مقدار ما يفدونها به، وما حصل لهم فيها من ربح، فلا يختلف في أن هذا البائع الذي فديت السلعة منه يضرب معهم في ربح سلعته هذه التي فدوها منه، وفيما سواها من مال الغريم بالدين الذي له في ذمة الغريم، وهو السلعة التي فاتت ولم توجد عينها.
هذا رأي (^٢) بعض الأشياخ المتأخرين أن المذهب على قولين. والذي وقع من الرواية في هذه ما ذكره ابن المواز عن مالك وابن القاسم من قولهما: ويضرب صاحب السلعة الفائتة في ثمن هذه السلعة التي فُدِيَتْ منه مع سائر الغرماء.
ولكن ابن المواز أتبع هذا النقل عن مالك وابن القاسم بأن المراد بما قالاه أن البائع الذي فديت هذه السلعة منه يضرب في ربح هذه السلعة التي فديت منه بالدين الذي له على الغريم، ولم يرد أنه يضرب في جميع ثمنها كله.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أبقوا.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: هكذا رأى.
[ 3/ 1 / ٣٢٤ ]
وهكذا صرح أصبغ عن نفسه بأن الغرماء يكونون أحق بها (^١) وزنوا من فدائها في الذي باعوها به. وإنما يضرب بائع السلعة الذي فديت منه في ربحها وفيما سوى ذلك من مال الغريم. فكأن ابن المواز أشار إلى أن إطلاق مالك وابن القاسم المراد به ما قال أصبغ.
وكان بعض الأشياخ أبقى الكلام على ظاهره وأجراه على حقيقته، لأن قوله: يضرب في ثمنها، لا يصرف إلى الربح الذي حصل فيها إلا عن تجوز وتعسّف في الكلام.
وأكد هذا عن بعض الأشياخ أن ابن القاسم وأشهب اختلفا فيمن وكل رجلًا على أن يشتري له سلعة ويسلفه ثمنها، ففعل الوكيل، ثم أراد حبسها حتى يأخذ من الذي وكله ثمنها الذي أسلفه.
فإن ابن القاسم لم يمكنه من ذلك، ولا جعله من حقه، ورأى أن السلع إنما تحبس بأن ترهن في دينٍ، (^٢) الموكِّل لم يقصد جعلها في يد الوكيل هنا بما أسلفه من ثمنها، ولا الوكيل هو بائعها فيكون من حقه أن يحبسها حتى يأخذ ثمنها.
وكأن أشهب رأى أن يد الوكيل كيد الموكل، ولو باشر الموكل الشراء لكان من حق بائع السلعة أن يمسكها حتى يدفع إليه ثمنها، والوكيل الذي اشتراها يحل محل بائعها، فكان من حقه أيضًا أن يحبسها حتى يأخذ ثمنها.
فكذلك هذه المسألة لما استحق بائعها عينها، وفاداها منه الغرماء بثمنها، ينبغي أن يختلف فيهم: هل يستحقون من ثمنها مقدار ما فدوها به ويحلون في ذلك محل البائع الذي فدوها منه؛ فكان من حقه أن يأخذ عينها ويبطل حق سائر الغرماء فيها، ولا يكون (^٣) يحلون محل البائع الذي استحق عينها وفدوها منه،
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بما.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إضافة واو العطف فيصير: [و] الموكَّل.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف يكون.
[ 3/ 1 / ٣٢٥ ]
ويصير كمن أسلف الغريم مالًا فلا يستبدون بثمن (^١) من ماله دون غيرهم من الغرماء، كمن لم يسلفه.
وعندي أنّا إذا قلنا: إن الضمان منه والربح لهم، كما حكيناه عن أشهب، وجب أن يكونوا أحق (من ثمنها) (^٢) بما فدوها به، وتتنزل منزلة سلعة اشتروها فلا يشاركهم فيها غيرهم ممن لم يشترها. وإذا قيل: إن الضمان من الغريم والربح له والخسارة عليه، فقد يتصور ها هنا ألاّ يكونوا أحق بثمنها الذي فدوها به، وكأنها تباع على ملك غريمه.
وقد اختلف المذهب على قولين فيمن له دين على رجل فأحاله بدينه على غريم له باع منه سلعة، ففلس مشتري السلعة المحال عليه. فقيل: يكون المحال أحق بعين السلعة المبيعة من المفلس الذي أحيل عليه بثمنها، لأن المحال إنما يطلب ثمنها كالنائب عمن أحاله بمالَهُ عليه من دين، فلما كان المحيل الذي باعها لو لم يُحِل بثمنها أحدًا، ففلس مشتريها منه، فإنه يكون أحق بعينها من سائر غرماء المفلس، فكذلك من صار إليه من ثمنها من جهته وهو المحيل الذي أحيل على ثمنها. وهذا اختيار ابن المواز.
وقال أصبغ: لا يكون هذا المحال أحق بعين السلعة، ولا يحل محل بائعها الذي أحاله في استحقاق عينها عند المفلس، وهذا يلاحظ ما حكيناه عن بعض الأشياخ من إجراء ما قد بنيناه على مسألة الوكيل: هل له أن يحبس ما اشتراه عن موكله أم لا؟ ولكن هذه المسألة ترتبط بأصل آخر، وذلك أنه اختلف عندنا في الحوالة: هل ناحيتها ناحية البيع أو ناحية المعروف، على ما يرد في كتاب الحوالة إن شاء الله تعالى. فلو أن من له ثمن هذه السلعة باع ثمنها الذي هو له على مشتريها بما يجوز بيعه، ففلس مشتريها، لم يكن أحق بثمن السلعة المبيعة؛ لأنه إنما وصل إلى ملك ثمنها في ذمّة مشتريها بمعاوضة، فليس هو
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بشيء.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بثمنها.
[ 3/ 1 / ٣٢٦ ]
كالنائب عمّن أحاله. ولو تصدق بائعها بثمنها على رجل (فليس) (^١) مشتريها فإن المتصدق عليه أحق بعينها، لأن الصدقة معروف والمتصدق أحاله محل نفسه.
فإذا قلنا: إن الحوالة كالبيع لم يكن المحال أحق بعين السلعة. (وإن قلنا: طريقها المعروف (^٢) فكان أحق بعين السلعة) (^٣)، كما بيناه من أن مشتري هذا لا يكون أحق بعين السلعة لأجل ما قدمناه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد تقرر أن مشتري السلعة إذا فلس، وكانت قائمة بيد مشتريها، إن ربها الذي باعها أولى بعينها من غيره من الغرماء. فإن أخرجها من يده ببيع بتل لا خيار فيه فقد سقط حق بائعها في استحقاق عينها لما فلس مشتريها، لكون المفلس الذي اشتراها باعها وهو يملك التصرف فيها قبل أن يفلس، فلا يصح أن يرد عقد مشتريها فيها لأمر حدث بعد العقد وهو التفليس. هذا إذا أزال مشتري السلعة ملكه عنها، فإن لم يزِلْه ولكنْ علق به لغيره حقًّا في عينها، مثل أن يكون اشترى عبدًا فرهنه عند غيره، ثم فلس، فإن الذي في يده هذه السلعة رهنًا أوْلَى بها من بائعها ومن غيره من غرمائه، لأجل ما ذكرناه من كونه تصرف فيها بالارتهان تصرفًا كان من حقه، فلا يُبطل ذلك ما حدث بعده من الحجر عليه. لكن لغرمائه أن يدفعوا ثمن هذه السلعة المرتهنة لبائعها حتى يسقط حقه في عينها على ما قدمناه من كون الغرماء إذا بذلوا ثمن سلعة اشتراها المفلس سقط حق بائعها في أخذ عينها، وقد تقدم ذلك، وذكْرُ مخالفة الشافعي فيه، واختلاف أصحابنا.
فإذا دفعوا له الثمن بكماله وسقط حقه، حلّوا محلّ مشتريها الذي أرهنها، فإذا دفعوا أيضًا ما هي فيه رهن لمن هي بيده سقط حقه في كونها رهنًا، إذا كانت رهنًا بما للراهن تعجيله من الحقوق.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وفلّس.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف الفاء.
(٣) ما بين القوسين ساقط من المدنية.
[ 3/ 1 / ٣٢٧ ]
وإن لم يبذلوا كان لبائعها أن يفتكها من يد من هي في يده رهنًا، فإذا افتكها استحق عينها، لأنها عادت بعد الفكاك كأنها لم ترهن، وهي سلعة بعينها وجدها في يد المفلس. لكنه من حقه أن يحاصّ غرماء المفلس بما دفعه في فكاكها؛ لأنه صار له ذلك دينًا على المفلس حل فيه محل من كانت رهنًا بيده، أخذ من ثمنها ما هي به عنده رهن، وما فضل من الثمن تحاصّ فيه سائر الغرماء، على ما تقدم بيانه في أحكام الحصاص.
وقال الشافعي: إن هذا الرهن إذا كانت فيه فضلة عن دين من بيده الرهن كانت هذه الفضلة للمشتري الذي رهنها يأخذ من سلعته التي كانت رهنًا مقدار ما فضل من دين من هي بيده رهن من عين السلعة المبيعة. ولما كان، عنده، أحق بجميعها إذا لم تكن مرتهنة ووجدت بيد المفلس، فكذلك هو أحق بعين بعضها الذي فضل عمّا بيع في الدين الذي هي به رهن. وسنتكلم على مذهبنا في هذا الأصل إن شاء الله تعالى فيما بعد.
فلو كان عبدًا فجنى عند مشتريه، فإن للبائع أن يفتكه من المجني عليه بأرش الجناية، ويستحق عين العبد المبيع لكونه لمّا فداه كأنه لم يجن، وعاد إلى يد مشتريه، فيكون بائعه أحق به، لكنه لا يحاص سائر الغرماء بما فداه به من أرش الجناية، بخلاف ما فداه به من يد مرتهنه لكون هذا العيب طرأ على رقبة العبد. وسنتكلم على تعيين (^١) العين المبيعة بعيب وغيره.
ومما يلحق بما نحن فيه كون مشتري السلعة دفعا (^٢) إلى صباغ يصبغها، فصبغها الصباغ، وهي بيده، ولم يأخذ إجارتها من دافعها إليه حتى فلس، فإن أشهب ذهب إلى أن للبائع أن يفديها من يد الصباغ بالأجرة التي عاقده عليها المشتري لهذه السلعة التي (^٣) فلس، ثم يتحاص غرماء المشتري بما دفعه
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تعْييب.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: دفَعها.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الذي.
[ 3/ 1 / ٣٢٨ ]
للصباغ، ويستحق (^١) أخذ سلعته التي باعها وصبغها مشتريها. وحمل على أشهب أن هذا القول منه إشارة إلى كون الصباغ يكون للمفلس أن يشاركه به في السلعة التي اشتراها.
وهذا التأويل عليه يبعده ما قدمناه من ذكر الأصل الذي تبنى عليه هذه المسألة وغيرها. فإنا قدمنا أن مذهبه أن من فدى سلعة أو اشتراها فإنه يحل محل من فداها منها (^٢) أو اشتراها، وله إمساكها حتى يقبض ما جعلها (^٣) به من يد من كانت السلعة في يده. فهكذا يجب ألا يحاص بما دفع للصباغ من أجرة بل يكون أولى بما قابل ثمن الصباغ من ثمن هذه السلعة حتى يقبض ما فداها به هذا البائع من يد الصباغ.
وقال ابن المواز لا يحاص بائع السلعة غرماء المشتري بما دفع من أجرة الصباغ.
واستبعد هذا بعض الأشياخ، وأشار إلى حمله على أن هذا الفداء لا منفعة فيه للمشتري ولا لغرمائه، ولا فائدة لهم فيه ولا ربح، فلا يحاصهم بشيء تطوّعَ به ليست فيه فائدة للغرماء ولا لمن لهم عليه الدين. على أن مقتضى أصله أيضًا ما ذكرناه عن أشهب من أن من فدى شيئًا كان أحق به حتى يأخذ ما فداه به، فلعل ابن المواز أشار بقوله إنه لا يحاص بالأجرة التي دفعها للصباغ، إلى هذا المعنى، وهو أنه يأخذ ما دفع من قيمة الصِّباغ إذا بيعت السلعة، لا سيما على أحد الأقوال التي قدمنا من أن الغرماء إذا دفعوا لبائع السلعة ثمنها كانت الخسارة عليهم دون الغريم، لكونهم إنما يباح لهم فعل ما ينمي ما لهم دون ما ينقصه وينتقصون به من دينهم حتى يرجون (^٤) إلى مطالبته به إذا أيسر.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يستحقون.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: منه.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فداها.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يرجعون.
[ 3/ 1 / ٣٢٩ ]
ومن هذا الأسلوب ما قيل في شقص من دار بيع وله شفيع يستحق الشفعة، فلم يقم بها، ولا علم باستحقاقه لها حتى فلّس المشتري، فقام البائع طلبًا لهذا الشقص من يد المفلس، لقوله ﵇: "إذا وجد البائع متاعه عند المفلس فهو أحق به" (^١) فقام الشفيع يطلب هذا الشقص لقوله ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم" (^٢) فتزاحم الحقان في عين هذا الشقص المبيع (^٣) وحق البائع، لأجل تعذر استيفاء الثمن الذي له من المشتري.
فمن العلماء من ذهب إلى أن حق الشفيع مقدم في هذا الشقص المبيع لكون حقه المتعلق بهذا الشقص سبق حق البائع لأن الشفعة وجبت له ساعة العقد للبيع في هذا الشقص، فقد كان المشتري (^٤) الذي باعه له فيه التصرف بالمعاوضة وحين تصرف فيه بهذه المعاوضة وجب للشفيع أخذه من يد مشتريه، وفلس المشتري والحجر عليه بعد ثبوت فلسه أمر ثبت ووجب للبائع بعد أن وجب الحق لغيره وهو الشفيع، فلا يبطل حق (^٥) تقدم واستقر وجوبه حدوثُ سبب يوجب حقًا لغير من استحق الأول. وأيضًا، فإنه إذا تزاحم الحقان، ولم يقدّر سبق أحدهما الآخر، رُجّح بينهما فقُدّم أقواهما، وحق الشفيع في استحقاق المبيع آكد من حق البائع المستحق لأجل تفليس المشتري منه، بدليل أن هذا الشقص المبيع لو تداولته الأملاك (^٦) بيع مرة بعد مرة والشفيع لم يعلم لكان للشفيع نقض البياعات وأخذ الشفعة بالبيع الأول (^٧) أخذها بما شاء من البياعات الحادثة بعد البيع الأول. والمشتري إذا باع ثم فلس سقط حق
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) الهداية في تخريج أحاديث البداية ٧/ ٥٣٨.
(٣) هكذا في النسختين، والظاهر أنه سقط منهما: حق الشفيع.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: المشترى.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حقًّا.
(٦) هكذا في النسختين، والأوضح إضافة: بأنْ.
(٧) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أو.
[ 3/ 1 / ٣٣٠ ]
البائع ولم يقدر باتفاق على نقض بيع المشتري ممن اشترى منه. وهذا يشعر بأن حق الشفيع آكد من حق البائع ولو لم يسبق أحَدُ الحقين الآخر، (وكيف يحق للشفيع وقد سبق؟) (^١) وهذان ترجيحان يجب لأجلهما أن يكون هذا الشقص الشفيع أولى به من البائع.
ومن قال: إن البائع أولى من الشفيع لكون الشفعة وجبت لنفي الضرر، ولا ينبغي أن يُنْفى ضرر عن الشفيع بإثبات ضرر على البائع.
وهذا المذهب ضعيف لأجل ما قدمناه مما رجحنا به المذهب الذي ذكرناه.
ومن الناس من التفت إلى العدل بين هذين الضررين والموازنة بينهما، بأن يقال: يقضى للشفيع بأخذ عين الشقص المبيع، ويدفع إلى بائع الشقص الثمن الذي يؤخذ من الشفعة، فيُنْفَى الضرر اللاحق بسوء المشاركة عن الشفيع بأخذ عين الشقص المبيع، وينفى عن البائع الضرر بإيصال ثمنه إليه.
وإلى هذا ذهب أشهب في كتاب ابن المواز.
وهذا لا يصعب النظر فيه على أصل مذهبنا أن البائع إذا وصل إليه جميع ثمنه فإنه لا مقال له في أخذ عين سلعته، على ما كنّا قدمنا من المشهور بين (^٢) مذهبنا. وهاهنا وصل إليه جميع الثمن بكماله، لأن الشفيع يدفع إليه الثمن الذي باعه هو به ممن اشتراه منه. ومن أصلنا أن من تبرع بقضاء دين عن رجل لم يكن لمن له الدين الامتناع من أخذه على ما قدمناه.
وإنما يحتاج إلى النظر في هذا على أصل الشافعي القائل بأنه لا يمكّن الغرماء من دفع الثمن إلى بائع السلعة إذا وقع التفليس. فهاهنا اختلفوا على المذاهب التي ذكرناها، وذكروا فيها الثلاثة أوجه. ولكن هذا لو قيل: إن الشفيع إذا دفع الثمن لم يكن البائع أولى به بل يحاص الغرماء فيه. وأما إذا قلنا: إنه
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: كيف وحق الشفيع قد سَبَقَ.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مِن.
[ 3/ 1 / ٣٣١ ]
أوْلى به لأنه ثمن عين سلعته، والغرماء لا حق لهم في عين السلعة، وإنما الحق فيها متردد بين الشفيع (^١) البائع السلعة، وأن الظن (^٢) يقتضي تمكين الشفيع لكون حقه سبق تفليس المشتري للسلعة. وإذا دفع الثمن كان بائع السلعة أحقَّ به؟، لأنه لولا الشفيع لاستحق عينها دون الغرماء، فإذا قدم الشفيع في أخذ العين، قدم البائع في أخذ عوضها الذي هو ثمن السلعة التي لولا الشفيع لكان أحق بها.
وقد قال ابن القاسم في من أصدق عبدين، ففلست المرأة وطلقها الزوج قبل البناء: إنه يرجع شريكًا في العبدين وإنه لما طلق فكأنه استحق نصف العبدين حين دفعهما للزوجة.
وللشافعية قولان: لو كان أصدقها شقصًا ففلست فطلقها قبل البناء: هل يكون الشفيع أحق بهذا الشقص، وكأنه وجبت له الشفعة قبل طلاق الزوجة، أو يكون الزوج أحق لكونه لما طلق كان نصف هذا الشقص على ملكه لم يَزَلْ من حين العقد إلى أن طلق. وهذا الأصل مختلف فيه عندنا.
وقد اختلف في الغلة هل تكون، إذا وقع الطلاق قبل البناء، للزوجة جميعًا، أو تكون بين الزوجين؟
وينبغي أن يلتفت في هذه المسألة إلى الخلاف في أصل آخر، وهو الأخذ بالشفعة هل يجري مجرى الاستحقاق أو مجرى ابتداء بيع؛ فإن جرى مجرى الاستحقاق وترجح (^٣) في ذلك حق الشفيع.
ويلتفت فيها إلى أصل آخر وهو عقد الخيار، فالترقُّبات إذا وقعت هل تقدر من حين إمضائها ورفع الخيار فيها، أو تقدر أنها لم تزل منعقدة قبل إمضاء الخيار؟ فإذا قدر اختيار الشفيع لأخذ الشقص لما علم بوجوب الشفعة له كأنه لم يزل آخذًا له من حين عقد فيه البيع فإن ذلك يترجح به حقه أيضًا.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: الواو.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: النظر.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف الواو.
[ 3/ 1 / ٣٣٢ ]
وقد اختلف المذهب عندنا على قولين في هذا، وعليه خرجنا مسائل في كتاب البيوع.
وعلى هذا اختلف الناس في مشتري السلعة على خيار إذا فلس قبل قطع الخيار: هل للغرماء أن يمنعوه من إمضاء البيع إذا كان ذلك من سوء النظر لهم، أو من فسخه إذا كان من سوء النظر لهم، بناء على أن من قطع الخيار بالإمضاء أو الرد فيه ينفذ البيع أو الفسخ فيكون المفلس كمستأنف عقد بعد الحجر عليه، فيكون للغرماء ما تعقبه، أو يقدر إمضاء العقد أو فسخه لم يزل من حين عقد الخيار فيكون الإمضاء والفسخ سبقا التفليس والحجر، فلا يكون للغرماء فيه مقال.
وقد قال في المدونة: إن من وهب هبة وفاتت في يد الموهوب بتغيرٍ بدنٍ، فإن الواهب يكون أحق بعينها في الفلس خاصة لكون ذلك كالبيع بثمن ثابت في ذمة المشتري، فكذلك القيمة إذا ثبتت في هبة الثواب.
وقال بعض الأشياخ: لو لم تفت الهبة ولم تلزم قيمتها فإن البائع يكون أحق بها في الفلس والموت لما كان الموهوب له بالخيار بين أن يقبلها أو يردها فكأنها لم ينعقد فيها بيع حتى فلس أو مات قبل أن تلزم القيمة التي كان بالخيار في التزامها.
والسؤال عن الجواب الثالث أن يقال:
الملك ينتقل في (^١) يد مالكه على ثلاثة أنحاء: هبة وقرض وبيع.
١ - فأما انتقاله على جهة الهبة، التي لا تقصد مكافأة عنها، فلا مدخل له ها هنا لأن الواهب لم يستحق عوضا عن سلعته التي وهب فتعذر عليه فيكون (^٢) له استرجاع الهبة.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مِن.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أنْ يكون.
[ 3/ 1 / ٣٣٣ ]
وأما إن كانت هبة طلبًا للمكافأة فحكمها حكم البيع، وقد ذكرنا ما قيل فيها.
٢ - وإن انتقل الملك بعوض على جهة المتاجرة والمعاملة فبائع السلعة أحق بها في الفلس عندنا، وعند الشافعي كما تقدم.
٣ - وإن كان الملك انتقل عن جهة القرض والسلف ففي ذلك قولان: أحدهما: أن المتسلف للسلعة إذا فلس لا يكون الذي أسلفه إياها أحق بها إذا فلس من تسلفها. هكذا ذكر في "كتاب ابن المواز". وقد قال فيه: لا يكون أحق سواء قبض السلف أو لم يقبض لأن الحديث إنما ورد في البيع.
وقوله: أو لم يقبض؛ قد يسبق إلى النفس اعتراضه لأن من في يده سلعة لم يسلمها فهو أحق بها في الفلس والموت. لكن القرض لما كان إلى أجل، على مقتضى العادة في القرض، صار من حق المستسلف أن يطالب المسلف بالتسليم فلا يكون له حبس ما أسلف. وإذا لم يكن له حبسه لم يكن أحق به ولو قيل: له الرجوع في ذلك، وإن لم ينتفع المتسلف بذلك، كما قيل في من أعار أرضًا فإن له الرجوع في ذلك إذا لم يؤجل كان ها هنا قد يتصور كأنه أحق لكونه يستحق الرجوع. هذا إذا قيل: إن معير الأرض يرجع وإن لم ينتفع المستعير أصلًا. وهذا مِمّا ينظر فيه، ويبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال الأصيلي: بل يكون أحق بها كما يكون أحق بها في البيع. فأجراها الأصيلي مجرى عقود المعاوضة. وأيضًا، فإن في أكثر الروايات: إذا وجد متاعه بعينه فهو أحق به، على ما قدمناه لما ذكرنا نصوص الأحاديث في هذا. ولم يفرق في هذه الرواية بين أن يكون متاعه دفعه قرضًا أو دفعه بيعًا. وأيضًا، فإن طريق القرض المعروف والإحسان، فكأنه لم يقصد المعاملة على ذمة فخربت وافتقرت، فيكون ذلك عيبًا يوجب له ارتجاع عين سلعته.
وكأن من ذهب إلى المشهور في المذهب من كونه إنما يكون أحق في
[ 3/ 1 / ٣٣٤ ]
البيع خاصة، ورأى أن في الرواية الصحيحة من الموطأ وكتاب مسلم أن البائع أحق فخص هذا الحكم البيع (^١)، فيبقى ما سواه على مقتضى القياس. وقد كنّا قدمنا الإشارة إلى أن مذهب أبي حنيفة أنه لا يكون أحق في الفلس ولا في الموت. هو القياس؛ وإنما عدلنا عنه لأجل الآثار المروية التي قدمناها، لأن الصحيح عندنا أن خبر الواحد مقدَّم على القياس، لا سيما أن المتسلف لو أراد أن يرد السلعة التي أقرضها بعينها لم يكن لصاحبها أن يمتنع من ذلك، بخلاف لو كانت بيعًا. وهذا يشعر بأنه لم يكن القصد المعاملة له على ذمة فخربت ولحقها عيب.
وإذا قلنا: إنه يكون أحق بسلعته في الفلس، فإنما ذلك إذا كانت عروضًا أو غيرها مما ليس من أعيان النقود كالدنانير والدراهم. فإن كان المطلوب في الفلس (ارتجاع دنانير أو دراهم ففيها قولان:
١ - ذهب ابن القاسم إلى أنها في الفلس) (^٢) يستحق دافعها عينها وإن كانت ثمنًا، كما يستحق أيضًا البائع عين سلعته إذا فلس مشتريها، فهكذا يستحق المشتري عين دنانيره أو دراهمه إذا فلس قابضها وانتقض البيع. فقاس الثمن على المثمون. وروى أشهب في الموازية أنه لا يكون [حق] وأن الثمن في هذا بخلاف المثمون. والأحاديث إنما ذكر فيها "إذا وجد سلعته، أو وجد متاعه" والدنانير والدراهم لا تنطلق عليها هذه التسمية في عرف الخطاب، فلم تدخل في الأحاديث الواردة.
وينبني هذا الخلاف على أصل معروف فيه الخلاف عندنا وهو: هل تتعين الدنانير والدراهم كما تتعين العروض أو لا تتعين؟
فإن قلنا: إنها تتعين، ترجّح القول بأنها تُستَحَق عند الفلس.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بالبيع.
(٢) ما بين القوسين ساقط من المدينة.
[ 3/ 1 / ٣٣٥ ]
وإن قلنا: لا تتعين، صار وجود عينها لا يفيد لما كان لقابضها أن يعطي بدلًا مثلها. فكأنها لأجل ذلك كسلعة فاتت في يد مشتريها.
ومن شرط هذه المسألة صحة الشهادة بأنها عين الدراهم بأن تكون البينة لم تفارق قابضها ولم يشترط ذلك في كتاب الغصْب.
ومن الأشياخ من أخذ كل واحدة من المسألتين على ظاهرها. وقال لما كان الغاصب ظالمًا ينبغي أن يحمل عليه لم يثقل عن المغصوب له في الشهادة بأن تكون البينة لم تفارق الغاصب.
وأما مسألة التفليس لم يكن قابضها ظالمًا فثقل عليه في تصحيح الشهادة.
وهذا ضعيف وإنما الأولى أن يسلم للشهود ما شهدوا به. ومتى أيقنوا وهم من اليقظة والحذق بحيث لا يؤتي عليهم، قبلت شهادتهم. وقد يطلعون على قرائن الأحوال أو تكون لهم علامات في الدنانير والدراهم يتحققون بها أنها هي التي رأوها فيما قبل وإن غابت عن أبصارهم. وبالجملة فالغالب فيما لا علامة لهم فيه أنهم لا يعرفونه إذا غاب عنهم وأمكن إبدالها.
فإذا تقرر هذا فلو باع منه بدراهم فخلطها قابضها، وعلم الشهود أنها هي التي خلطت بدراهم قابضها، فإن ابن القاسم يجعل دافعها أحق بها في الفلس.
ولا يكون خلطها بمثلها مانعًا له من أخذ ما دفعه بالقسمة لهذه الدراهم. وكذلك لو كان زيتًا أو عسلًا وما في معنى ذلك من المائعات التي لا تتعين فإنه لا يمنع خلطه بزيت آخر أو عسل آخر مثله سواء في الهبة (^١) أن يقسم ويأخذ دافعه عند الفلس ما دفع، لأنا وإن قلنا: إن القسمة بيع من البيوع، فهذا الذي هو أخذه هو بعينه عوض ما صار لصاحبه مما خلطه به، فإذا كان أحق بعين الشيء كان أحق بعوضه بعينه.
وإن قلنا: إن القسمة تمييز حق، فذلك أوضح في كونه أحق بما دفع،
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: في الهيئة.
[ 3/ 1 / ٣٣٦ ]
لأن ما أخرجته القسمة كأنه دفع ما دفع لم تقع فيه معاوضة. وهذا إذا خلط الشيء بمثله.
وأما إن خلطه بجنس آخر، كمن باع زيت زيتون فخلطه مشتريه بزيت فجعل عنده، ثم فلس المشتري، فإن أصبغ قال لا يكون بائع الزيت أحق به، ورأى أن الزيتين متباينان ولا يتميز أحدهما من الآخر صار ذلك كالفوت؛ ولمن (^١) اشترى سلعة فأفاتها فإن بائعها يحاصّ الغرماء بثمنها، وطرد أصبغ هذا الأصل، قال: وكذلك لو خلط قمحًا نقيًا بمغلوث أو بقمح مسوّس حتى أفسده، فإن ذلك فوت أيضًا.
ورأى بعض الأشياخ أن خلط القمح النقي بالمغلوث والجديد بالمسوس، لا يمنع البائع من كونه أولى بما باع بعد أن يقوّم الخليط، ويكون بائع السلعة أحق بما يصير له من القيمة.
وأجرى على المسألة المشهورة إذا اختلط شعير بقمح أو زيت بربيق فإن ذلك من استحقاق العين بعد التقويم، على ما ذكر في الروايات، فيما يستحق، مما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأمّا الشافعي فإنه رأى إنْ خلط زيتًا اشتراه بزيت أجود منه، مثل أن يكون الذي اشتراه يساوي قفيزًا بدرهمين والذي خلط به يساوي قفيزًا بأربعة دراهم فإنه ذكر قولين:
فإذا قلنا: إن ذلك كالفوت فلا تفريع على هذا. وإن قلنا: إن ذلك ليس بفوت، فظاهر كلامه يقتضي أن يكون شريكًا بالقيمة في عين الزيت.
وتأول بعض أصحابه عليه أن يكون شريكًا في عين الزيت، لما يوقع ذلك فيه من التفاضل. وأما إن خلطه بأدنى منه، فإن أصحابه متفقون، إلَاّ من شذّ منهم، أنه من حقه أن يأخذ المكيلة التي باع من هذا الزيت المختلط؛ لأنه يأخذ
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مَن.
[ 3/ 1 / ٣٣٧ ]
أقل من حقه، فقد باع قفيزًا طيبًا فأخذ قفيزًا دونه، ولبائع السلعة أن يأخذها بعينها وإن نقصت.
ومما يلحق بما حكاه العقود لو اشترى سلعة ثم باعها ثم فلس، فقام بائعها في طلب الثمن، فإنه إنما يجب له محاصة الغرماء بالثمن؛ لأنه لم يجد عين سلعته في يد مشتريها. لكن إذا حكم بالمحاصة وأخذ ما صار له من مال الغريم، ثم ردها مشتريها الثاني بعيب فيها، فإن المذهب انتقاض ما سبق من المحاصّة ورد السلعة إلى يد المفلس ليأخذها البائع منه، وكأن يد (^١) مشتريها الثاني لها كشف أن البيع لم ينعقد فيها لما ردت بالعيب، ويقدر أنها لم تخرج من يد مشتريها الأول، وإذا كانت لم تخرج من يده فلا شك أن بائعها أحق بعينها، فإذا استحق العين رد على الغرماء ما أخذ منهم في المحاصة.
وقد قيل في مثل هذا: إن الحكم إذا وقع لم ينقض. وذلك أن ابن حبيب ذكر فيمن اشترى سلعة ثم باعها ولم يعلم بعيب فيها، فبعد البيع أعلم به، أخذ قيمته لكونه لا يمكنه رد السلعة بعينها. فبعد أن أخذ قيمة العيب ردها مشتريها منه بالعيب، فإنه لا يرد على بائعها ما أخذ منه من قيمة العيب ولا يصير كسلعة لم تبع اطلع فيها على عيب، فالحكم أن المشتري غير بين أن يقبلها بعينها ولا يأخذ من الثمن شيئًا، أو يردها ويأخذ الثمن لمنع ابن حبيب من ردها، وقال: ذلك حكم مضى، يأخذ قيمة العيب، فلا ينقض. وإذا رجعت السلعة إلى يد بائعها الثاني فكذا ينبغي إذا حكم بالحصاص لا ينتقض به أيضًا. وهذا يلتفت فيه إلى كون الردّ بالعيب هل يكون نقضًا له من أصله حتى كأنه لم يقع فيه عقد، أو يقدر كأنه ابتداء مبايعة الآن لما رد بالعيب. فإن قلنا: أنه نقض للبيع من أصله، تأكد ما قيل في مسألة المحاصة إنها تنتقض. وإن قلنا: إنه كابتداء بيع تأكد القول المخرج بأنها لا تنقض. على هذا لو اشترى سلعة ودفع ثمنها ثم اطلع على عيب وقد فلس بائعها فقضي له بالردّ فإنه إذا ردّ ووجد الثمن الذي دفعه
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: رَدّ.
[ 3/ 1 / ٣٣٨ ]
للبائع قد فات فإنه يحاص بالثمن. وإن وجده باقيًا بعينه وهو عرض كان أحق بعينه وإن كان دنانير أو دراهم فعلى القولين اللذين قدمناهما.
وأما إذا لم ترد السلعة بالعيب وفلس البائع، فالمسألة على قولين هل يكون أحق بثمنها وتباع خاصة دون الغرماء على أحد الأصلين أن الرد بالعيب كابتداء بيع، فله أن يحبسها حتى يستوفي ثمنها، أو لا يكون أحق بها إذا اختار ردها، وتباع، ويكون أسوة الغرماء في ثمنها بناء على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله، وكأنه لم يشترها، ولكنه له دين على صاحبها فإن وجده بعينه أخذه، وإن لم يجده بعينه حَاصَّ الغرماء بثمنها. وقد قيل: له إمساكها ومحاصة الغرماء بقيمة العيب، وكان هذا فداها به لما كان إذا ردّها لم يرجع إليه الثمن كله الذي دفع، وصار ذلك في حقه كحدوث عيب بها، فله
إمساكها وأخذ قيمة العيب.
وكذلك لو اشتراها شراء فاسدًا وقد دفع الثمن، ففيه أيضًا قولان: هل يكون أحق بإمساكها حتى يقبض ما دفع من الثمن، وتصير في يده كالمرتهنة بالثمن، أوْ لا يمكن من ذلك، لأن انتقاض البيع ها هنا مجبوران عليه البائع والمشتري، فكأنه لم يقع فيه عقد أصلًا لما كان الشرع ردّه، فلو فاتت في يد المشتري لوجبت عليه القيمة وبقيت السلعة في يده.
ومما يخرج على هذا الأصل أيضًا ما ذكره أشهب عن مالك فيمن باع رطبًا، ففلس المشتري بعد أن صار الرطب تمرًا، فقال مالك: لا يكون البائع أحق به في الفلس. قيل له: إن رطبه بعينه؟ فلم يجز ذلك، ورأى أنه كمن باع رطبًا بتمر، وهذا ربا لا يحل.
وقال أشهب بجوازه بناء على أن التفليس كنقض بيع من أصله، فكأن هذه الثمرة لم يقع فيها بيع فيكون بائعها أحق بها عند الفلس.
وكأن مالكًا رأى أن أخذ السلعة عند الفلس كابتداء شرائها بالثمن الذي في
[ 3/ 1 / ٣٣٩ ]
ذمة المشتري، ولا يجوز أن يأخذ عن ثمن رطبٍ تمرًا، كما لا يجوز بيع التمر بالرطب.
وكذلك لو فرضنا المسألة بأنه باع شاة حية فذبحها مشتريها أو قمحًا فطحنه، أو زبدًا فصيّره سمنا، فإن ذلك كله على الخلاف الذي قدمنا: إن قلنا: أخذ السلعة عند الفلس نقض للبيع من أصله أجزناه. وإن قلنا: إنه كابتداء بيع مضى هذا كله وقدرنا في الشاة الحية إذا ذبحت كأنه بيع اللحم بالحيوان.
فكذلك الزبدة مع السمن والقمح بالدقيق على مذهب من صار أنه لا يجوز المعاوضة في ذلك، على ما قدمناه وشرحناه في كتاب البيوع.
وعلى هذا الخلاف المذكور فيمن باع عبدًا فأبق عند المشتري ثم فلس، فذهب أشهب إلى أن بائعه ليس له طلبه وترك المحاصة، بل يتعين حقه في المحاصة بثمنه، بناء على أن الأخذ (^١) عند المفلس كابتداء بيع، فليس له أن يبتدىء شراء آبق بدين له في الذمة.
وذهب ابن القاسم وأشهب إلى أن طلب الآبق جائز. واختلفا إن لم يجده: فقال ابن القاسم ليس له الرجوع إلى المحاصة، وقدر أنه لما تركها بطلب الآبق كأنه أسقط حقه فيها. وهذ ابن اء على أن أخذ السلعة نقض للبيع من أصله، فكأن البيع لم ينعقد، فيكون لبائع العبد طلبه وان أبق. ومقتضى هذا البناء ألاّ يرجع إلى المحاصة لانتقاض الثمن بانتقاض البيع. وكأن أشهب استخف رجوعه إلى المحاصة وقدّر أنه ليس بتارك لحقه فيها لما (أخذ عين العبد) (^٢) فلم يحصل له ما رجاه.
وقد عورض أصبغ في منعه اختيار طلب الآبق لأجل أنه كمشتري آبق بما نابه، إذا قدر ذلك فيه، ومنع منه لأجل الغرر في شراء الآبق، فإنه يقدر فيه أيضًا
_________________
(١) هكذا.
(٢) أي: أخذ في طلب عين العبد.
[ 3/ 1 / ٣٤٠ ]
كأنّه كبيع آبق لما يصير له في المحاصة فلم ينفك الاختيار لأحد الأمرين من غرر فلا ينبغي أن يمنع أحدهما ويسوّغ للآخر.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
قد قدمنا أن الأحاديث الواردة في كون البائع أحق بسلعته في الفلس شُرِط فيها: إذا كانت السلعة قائمة بعينها. وقد علم أن السلعة قد توجد بعينها لم يتغير شيء من صفاتها، أو يوجد عينها وقد تغيرت صفاتها.
فأما القسم الأول وهو وجودها ولم تتغير، فلا إشكال فيه لأنه أمر محسوس.
وأما القسم الثاني، وهو تغيرها، فإن الضابط في هذا الوجه اعتبار التغير هل أفرط حتى صار الشيء كأنه جنس آخر ويراد لغرض آخر، فيكون كفوات العين، يجب للبائع المحاصة ولا يكون له حق في العين، أو يكون التغير يسيرًا فلا يبطل حقه في العين إذا شاء.
وقد نبه مالك على هذه المسائل عن من اشترى ثيابًا فقطعها، فقال: لا أدري، لكن لو كان اشترى جلودًا فقطعها نعالًا لكان ذلك فوتًا.
فأنت ترى كيف أسقط حق البائع في النعال لما كان الغرض في الجلد المبيع خلاف الغرض في النعال.
وقطع الجلد نعالًا تغيير شديد. وأشكل الأمر عنده في الثياب، فقال: لا
أدري. لكون السؤال فيه إجمال لاختلاف تفصيل الثياب.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الحادث في المبيع قد يكون بأمر من الله سبحانه لا صنع للخلق فيه، أو يكون بجناية جان، أو يكون بفعل فعله المشتري.
فإن كان الحادث فيه عيبًا حدث من قبل الله، فإن المعروف من المذهب تخيير البائع بين أخذ سلعته على ما هي عليه من عيب، وبين تركها والرجوع إلى
[ 3/ 1 / ٣٤١ ]
المحاصة مع الغرماء، قولًا مطلقًا من غير تفصيل لحكم العيب.
لكن بعض الأشياخ أشار إلى ما كنّا قدمناه في صدر هذه المسألة، فقال: لو اشترى عبدًا فهرم عنده ثم فلس، أو كان صغيرًا فكبر ثم فلس، لجرى ذلك على القولين في الكبر والهرم: هل هي فوت يمنعان الردّ بالعيب أم لا؟ وقد ذكر ابن شعبان في مختصره عن مالك أنه قال: إذا اشترى جارية فحدث بها عيب، فالبائع بالخيار بين أن يأخذها بقيمتها أو يتركها ويحاص بالثمن.
وجعل بعض أشياخي هذه الرواية على أن المراد به يأخذها بقيمتها بأن ينسب ذلك من الثمن الذي وقع به البيع، فيحط عن البائع مقدار النقص الذاهب الذي عابها، ويكون له الخيار فيها سواه: هل يأخذه بما قابله من الثمن، أو يتركه ويحاص بالثمن، كمشتري سلعتين فاتت إحداهما في يديه ثم فلس.
ويحتمل عندي أن يكون المراد أخذها بقيمتها على ما هي عليه، ويحاسب بذلك من الثمن؛ لأن الغرماء لا حق لهم في عين سلع المفلس إذا لم يكونوا هم باعوها منه، وإنما حقهم في مقدارها فإذا دفع البائع لهم قيمتها على ما هو (^١) عليه من عيب، كان أوْلى بها ويحاسب بذلك من الثمن، وتكون قيمتها بدل عينها فيكون ذلك بما قلنا: إن الغرماء إذا دفعوا إليه ثمن سلعته سقط حقه في عينها، فكذلك إذا دفع هو إليهم قيمة السلعة المعينة كان هو أحق منهم أيضًا، إذ لا فائدة لهم في عينها.
وأما القسم الثاني، وهو أن يكون العيب الحادث كان عن جناية جان، فإن البائع أحق بعين سلعته بمقدار قيمة ما بقي منها بعد الجناية من قيمة الذاهب بجناية الجاني، بسبب (^٢) ذلك من الثمن. فإن كانت الجناية برِئت على غير
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: هي.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بنسبة.
[ 3/ 1 / ٣٤٢ ]
نقص ولا عيب في الأمة المجني عليها أو العبد المجني عليه، وقد أخذ المشتري بذلك أرشًا، فإن البائع إذا اختار أخذ الجارية لا يكون (^١) حق في الأرش الذي أخذه المشتري بل يكون ذلك. كالغلة التي لا يردها.
وقد قال ابن المواز: لو أخذ المشتري أرش موضحة وبرئت على غير عيب، ثم اطلع على عيب فرده به فإنه لا يرد أرش الموضحة، وأجراه مجرى الغلات لما كان ذلك لا يورث (^٢) في الذات.
وأما إن كانت بجناية المشتري بأن يكون لبس الثوب حتى خلق فإنه يكون الذاهب بلباسه كالذاهب بأمر من الله سبحانه لا يحط عن البائع لأجله شيء إذا اختار أخذ العين، فإما أن يأخذ الثوب الخلق بجميع الثمن أو يتركه ويحاص بثمنه.
قال ابن الماجشون: إلا أن يكون الثوب قد بلي بلاءً فاحشًا فيكون ذلك فوتًا.
والأوْلى ها هنا أن يكون كما لو ذهب بجنايته، فيحط عن البائع مقدار ما أذهبه اللباس على صفة ما ذكرنا من التقويم ونسب من الثمن.
وأما التغيير في الجارية المعينة (^٣) من جهة الولادة فإن المعروف من المذهب عندنا أن الولد ليس بغلة، بل هو كعضو من أعضائها، فيجب رده معها في التفليس، كما يرد يدها أو رجلها، فكذلك ولدها. فإذا قدرناه كعضو من أعضائها، فالبائع بالخيار من أن يأخذها وولدها، أو يتركها ويحاص بجميع الثمن.
ولو مات أحدهما إما الأم وإما الولد لكان الباقي منهما كأنه جميع المبيع.
_________________
(١) هكذا، والصواب: لا يكون [له] حق.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يؤثر.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: المَعِيبة.
[ 3/ 1 / ٣٤٣ ]
لكان الباقي منهما كأنه جميع المبيع فالبائع بالخيار بين أن يأخذه بجميع الثمن، أو يتركه ويحاص بالثمن الذي (^١) الموت ها هنا مجرى عضو ذهب بأمر من الله سبحانه فلا يكون للبائع إذا اختيار (^٢) العين مقال في أن يحط عنه مقدار ما ذهب إما الأم وإما الولد. (لكن ينبغي أن يتحمل ما حكيناه عن ابن شعبان) (^٣) من كون العيب الحادث من الله سبحانه للبائع فيه مقال إذا اختار أخذ العين وكانت الأم هي الميتة وبقي الولد.
وأما لو كان الذاهب ليس بموت، ولكن ببيع عقده المشتري قبل أن يفلس، فإنه يعتبر في ذلك: هل البيع وقع في الأم خاصة وبقي الولد؟ فيكون البائع بالخيار، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء تركه وحاصّ بالثمن الذي باع به. وإن كان البيع في الولد وبقيت الأم وحدها، فإن في الموازية عن مالك أن البائع بالخيار بين أن يأخذ الأم بجميع الثمن، ولا يحط عنه لأجل الولد شيء، أو يتركها ويحاص بالثمن. وأنكر سحنون هذا، وقال: لا أدري ما هذا.
وقال في مختصر ابن الجلاب إنه يحط عن المبيع مقدار ما قابل الولد بالتقويم حين البيع ينسب ذلك من الثمن. ورواه يحيى بن عمر عن ابن القاسم. وهذا هو أصل المذهب؛ لأن الولد إذا لم يكن غلة وجب رد عينه إذا كان قائمًا من غير خلاف منصوص عندنا في المذهب، فكذلك يجب أيضًا أن يحاسب البائع بثمنه على نسبة ما قلناه في التقويم، ويكون (^٤) لمّا استحق أخذ عينه من غير خلاف في هذه الرواية" ولو غيرها يستحق قيمة العوض عنه من الثمن كما قدمناه.
وكان بعض الأشياخ المحققين يعني (^٥) السيوري يرى أن الولد غلة.
ويعتمد على هذه الرواية التي في كتاب ابن المواز لا سيما أنه قال في الرواية: لا
_________________
(١) هكذا في النسختين، والأولى حذف الذي وأجروا الموت.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: اختار.
(٣) هكذا في النسختين.
(٤) هكذا في النسختين، حذف ويكون.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أعني.
[ 3/ 1 / ٣٤٤ ]
يحاسب بعوض الدار لأنه كغلة من الغلات فنَصَّ ها هنا على أنه يجري مجرى الغلات. بعض أشياخى، يعني (^١) اللخمي، يمنع هذا التخريج من المذهب في كون الولد غلة من هذه المسألة ويقول لما وجد الولد ثم ذهب من غير عيب لحق أمه صار ذلك بمنزلة ما قدمناه عن ابن المواز أنه أخذ أرش موضحة وبرئت على غير عيب فإنه إذا أراد (^٢) العبد لا يرد الأرش لما كانت العين على ما هي عليه من غير نقص.
وهذا اعتذار قد لا يسلم له لأن الولد ها هنا لما وجب رده بعينه مع أمه صار لمّا بيع كسلعة باعها البائع مع آخر فاتت إحداهما فإنه يحط عنه مقدار الفائتة إذا اختار أخذ عين السلعة الباقية.
وكذلك أيضًا تخريج الخلاف في كون الولد غلة من مسألة كتاب الرد بالعيب: أنّ الأمة إذا ولدت عند المشتري وردها بالعيب يرد معها ما نقصتها الولادة وأعابتها. قال: إلا أن يكون قيمة الولد ما يُجبَر به عيب الولادة فلا يرد المشتري قيمة هذا العيب. فإما (^٣) جعل من حق المشتري أن يدفعه عوض عيب لزمته قيمته على ذلك على أنه كالغلة يملكها المشتري ولا يردها إذا ردّ بالعيب.
واعتذر أيضًا عن هذا الولد كأنه نفس العيب الذي حدث عند المشتري وهو عيب الولادة فإذا كانت قيمته تجبر عَيب الولادة فكأن الأمة لم يلحقها عيب حدث عند المشتري. ويؤكد هذا الاعتذار أن الولد (كان غلة) (^٤) لا يجب على المشتري ردّه لم يلزمه رده مع أمه، ولا كان من حقه أن يعطي عن قيمة عيب حدث عنده عبدًا آخر كما ليس من حقه أن يعطي في قيمة ما حدث عنده عوضًا.
ومن حاول من الأشياخ تخريج الخلاف في هذا من هاتين المسألتين يشير
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أعني.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أراد [ردَّ] العبد.
(٣) هكذا في النسختين.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: [إنْ] كان غلة.
[ 3/ 1 / ٣٤٥ ]
إلى أن ما ذهب إليه الشافعي من كون الولد غلة قد قيل عندنا في المذهب والشافعي يراه غلة وذلك مشهور من مذهبه ومذهب أصحابه. لأنه اختلف قوله في العمل: هل له حكم أم لا؟ فقال مرة: لا حكم له، بدليل أن من أعتق أمة حاملًا لحق لولدها في بطنها العتق كما يلحق يدها ورجلها. وقال مرة: للحمل حكم، بدليل أن من أعتق ما في بطن أمته لم تعتق الأم الحامل بعتق ما في بطنها وذلك يشعر: ليس كعضو منها.
وأجرى أصحابه تفصيل هذه المسألة على هذين القولين فقالوا: لو باعها وهي غير حامل فحملت عند المشتري من زنا أو تزويج، ووضعت، فإنه إذا ردها لم يرد الولد معها. ولو باعها وهي حامل ثم ردها قبل أن تضع لردّ الولد معها. ولو ردّها بعد أن وضعت لجرى ذلك على القولين: هل يقال: لا حكم للحمل، فيكون الولد غلة؛ أو يقال: له حكم، فيكون الولد ليس بغلة وكأنه اشترى سلعتين.
وإذا فلس وهي حامل وقد حملت عند المشتري فإن قلنا: لا حكم للحمل، رجع فيها وفي حملها لأنه كاليد والرجل. وإن قلنا: له حكم، كان الولد للمبتاع كالنماء المتميز. وإن باعها وهي حامل فأسقطت ثم فلس المبتاع، فالحمل على القولين: إن قلنا: لا حكم له. لم يكن له غير الجارية. وإن قلنا: للحمل حكم، فكأنه باع عينين فتلفت إحداهما، ثم فلس، فإنه يأخذ الموجودة ويضرب بحصة ثمن التلف.
وإذا قلنا: في الولد المنفصل: إنه غلة، كما قال الشافعي، فالمشهور عندهم: إذا انفصل عن الأم وكان المشتري فإن التفرقة بينهما ممنوعة فتباع الجارية وولدها فيكون للبائع ثمن الجارية وللمفلس ثمن الولد تغرم (^١) الجارية ذات ولد لأنه رجع فيها وهي ذات ولد فيقول: قيمتها تسعون وقيمة الولد عشرة فيكون للبائع تسعة أعشار الثمن وللمفلس عشرة إلا أن يختار البائع أن يعطي
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تُقوَّم.
[ 3/ 1 / ٣٤٦ ]
قيمة الولد فيكون ذلك له ويأخذ الأمة وولدها.
ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس له الرجوع في الأم إلا أن يعطي قيمة الولد.
والذي ذكرناه ها هنا عندهم من إعطاء قيمة الولد إذا أراد أن يأخذ الأم فيه إشارة لما كنا وجهنا به ما حكيناه عن مختصر ابن شعبان.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
النماء الحادث في الحيوان المبيع لا يخلو من أن يكون من جنسه ولا يتميز عنه كالسِّمَن، فهذا لا خلاف فيه أنه يأخذ الأمة المبيعة بعينها على ما هي عليه، إذ لا يمكن تمييز هذا النماء.
أو يكون النماء من جنس النامي، ولكنه متميز عنه كالولد. وقد تكلمنا على حكمه.
أو يكون من غير جنسه كالغلة في الربع والعبيد، والصوف في الغنم والألبان وما يكون عنها، والثمار في الأشجار.
فأمّا غلة الرباع وما يؤخذ في أكريتها، وفي إجارة العبيد، فإن ذلك إذا قبضه المشتري، وقد استحقه، لم يرد في الفلس مع الربع والعبيد، من غير خلاف.
ولو لم يقبضه، ولكنه قد حل على المكتري فإنه أيضًا لا يقضى على المشتري برده، وإن كان لم يقبضه لأنه إذا حل واستحق على المكتري صار ذلك كالمقبوض، وكأنه حق للمشتري أخَّرَ به مَن هو عليه، فصار ذلك قبضَه، واستئنافَ إعادته إلى ذمة من هو عليه.
وأمّا ما اغتل المشتري من صوف قد جزّه وأفاته، ولم يكن موجودًا في حين عقد الشراء، أو ثمر جدّه، أو لبن حلبه، فإن هذا لا يرده أيضًا، من غير خلاف؛ لأن المبيع كان في ضمان مشتريه قبل أن ينقض البيع فيه بالتفليس،
[ 3/ 1 / ٣٤٧ ]
(والخراج بالضمان) (^١)، كما ورد في الحديث.
وأمّا إن كان لم يقبض ذلك ولا انفصل هذا النماء عمّا هو متصل به، فإن ذلك لا يخلو من قسمين:
أحدهما أن يكون اشتراء الغنم ولا صوف عليها، والشجر لا ثمر فيها.
فإن كان الأمر كذلك فإنه إذا وقع التفليس، وقد كمل الصوف وحان جزازه، فإنه يرده مع الشاة المردودة بالتفليس، من غير خلاف منصوص عندنا فيما علمت .. وإن كان ذلك ثمرًا أثمرته الأشجار المردودة بالتفليس، ففي ذلك قولان في المذهب:
ذكر في المدونة في كتاب الشفعة أنه يرد الثمرة مع أصولها إذا وقع الحكم برده الشجر قبل أن تجدّ من أصولها، ولو كانت قد يبست، بخلاف الشفعة فإنها يأخذها الشفيع ما لم تيبس، وإن كانت لم تفارق أصولها.
وفي كتاب ابن حبيب: أنها لا ترد إذا أُبِّرَتْ، وإنما ترد إذا لم تؤبر.
فكأنه في المذهب المشهور رأى أنها ما دامت متصلة بأصولها صارت كأغصان الشجر التي ترد مع أصولها، وكالولد الذي في البطن الذي يتبع أمه في حكمها.
وكأنه في القول الآخر أنها بالإبار تصير غلة، ألا ترى أن البائع إذا باع شجرًا وفيها ثمر قد أبو فإنها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، وما ذلك إلا أنها إذا أبرت صارت كسلعة ثانية أضيفت إلى الشجر فلا تدخل في عقد البيع إلا باشتراط، فكذلك لا ترد مع الأصول في الفلس، لأنها صارت كملك حدث في يد المشتري فاستحقه وإن لم يقبضه كما يستحق المقبوض من الثمر إذا جدّه.
وأما إذا اشترى غنمًا وعليها صوف قد تمّ أو شجرًا فيها ثمر: فأمّا الصوف فإذا
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ 3/ 1 / ٣٤٨ ]
وقع العقد وهو على ظهور الغنم قد كمل فالمشهور أنه لا يكون غلة للمشتري ولو جزه. وأمّا الثمر فإن كانت موجودة حين العقد ولكنها لم تؤبر فلا خلاف في أنها لا تكون لها ها هنا حصة من الثمن، فإن أبرت فظاهر المذهب على قولين:
١ - إن لها حصة من الثمن؛ لأنها لم تدخل في البيع إلا باشتراط، واشتراطها يشعر بأن الثمن الذي بذل المشتري، لها حصة فيه، ولولا اشتراطه لها ما بذله بكماله.
٢ - والقول الآخر: إنها إنما يكون لها حصة من الثمن إذا وقع العقد عليها وقد طابت وأزهت. وهذا ظاهر كتاب ابن المواز على رأي بعض الأشياخ.
وليس هو عندي في كتاب ابن المواز كالنص الجلي. ووجه هذا المذهب أن الثمرة إذا أزهت جاز بيعها بانفرادها. ومن قبل أن تزهي لا يجوز بيعها بانفرادها على شرط التبقية. وما ذلك إلا لكونها إذا أزهت وحل بيعها استقلت بحكم نفسها، وصارت لها، لأجل ذلك، حصة من الثمن، كمن بذل مالًا عوضًا عن سلعتين يجوز إفراد كل واحدة منهما بالعقد.
وذهب أشهب إلى أن لا حصة لذلك من الثمن لا في الصوف، ولا في الثمرة، ولو اشترى الصوف وقد كمل، والثمرة وقد طابت. وقدر أنه لما كانت هذه الأشياء متصلة بأصولها، وهي في حكم البيع لها لم تقع المعاوضة إلا على أصولها خاصة من الثمن، كمال العبد إذا اشترطه المشتري.
وإذا قلنا بالمذهب المشهور من كونها لها حصة من الثمن، والثمر إذا أزهت، على أحد القولين، أو أبِّرت، على القول الآخر، فما دامت متصلة بالأصول فإنه يجب ردّها.
وإن جز الصوف أو بدت (^١) الثمرة، فالمشهور أن الصوف إذا كان قائمًا
_________________
(١) هكذا في النسختين، والصواب: جُذَّت.
[ 3/ 1 / ٣٤٩ ]
بعينه ردّ مع الغنم. وأما الثمرة فلا تردّ مع الأصول إذا جُذّت وكانت قائمة بأعيانها. والفرق يعتبر بينهما. لكن أقصى ما يتصور من ذلك أن الشجر إذا اشتريت وفيها ثمر قد أزهي حتى جعلنا له حصة من الثمن، فلو قلنا: إنه إذا جذّ يرد بعينه صار كَمَنْ اشترى رطبًا وأخذ عنه تمرًا يابسًا، وبيع التمر بالرطب لا يجوز، لا سيما إذا قلنا: إن أخذ السلعة في الفلس كابتداء شرائها بالثمن الذي في ذمة مشتريها. وقلنا: إن تغيّر صفاتها يخرجها عن كونها هي العين التي اشتريت، وقد قدمنا أن الاختلاف فيمن اشترى رطبًا ثم فلس بعد أن صار ذلك الرطب تمرًا، وأن أحد القولين عندنا أنه لا يجوز في التفليس، حمايةً للذريعة من أن يقع أخذه في بيع الرطب بالتمر. فعلى هذا البناء يحسن أن يقال في الصوف إذا جز فإنه يرد بعينه، كمشتري سلعتين ثم يفلس فإنه ينتقض البيع فيهما إذا شاء البائع. وأما الثمرة إذا جذّت فيتعلق بها حق الله سبحانه، وهو يمنع من بيع الرطب بالتمر، فلهذا لم ترد بأعيانها. ولكن إذا لم ترد قسط الثمن على الشجر وعلى الثمرة يوم البيع، فما ناب هذه الثمرة المجذوذة الحاضرة حاصّ به، وما ناب الشجر سقط عن المشتري إذا اختار البائع أخذ الشجر بلا ثمر.
ولأجل هذا قيل في رد هذه الشجرة (^١) التي اشتريت وهي مؤبرة (^٢) ردت بالعيب بعد أن جذ ثمرها، إنه يرد المشتري الثمرة بعينها مع الشجر إذا رد بالعيب، وإن فاتت مكيلتها أو قيمتها رطبًا إن جدّها رطبًا، وما ذلك إلا مخافة أن يكون البائع علم بالعيب ودلس به حتى صار كالقاصد إلى بيع الثمرة قبل الزهو بشرط التبقية. لما كان رد العقد ها هنا بسبب البائع ومن جهته، فتطرقت إليه التهمة وحُمِيَتْ الذريعة، وردت الثمرة مخافة أن يتم للبائع مأخذ (^٣) إليه من الفساد بإمضاء البيع في الثمرة خاصة.
_________________
(١) في (و): الشجر.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: [و] رُدَّت.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ما قَصَد.
[ 3/ 1 / ٣٥٠ ]
وقد اختلف المذهب على قولين إن ردت هذه الثمرة في التفليس، وقد سقاها المشتري وأنفق عليها نفقة، هل يطالب بما أنفق وسقى لأنه لولاه ما وجد عين الثمرة المردودة، أو يكون لا مطالبة به بل تكون خسارته منه لكون ذلك ليس بعين قائمة الآن، كصباغ ثوب اشتراه ثم فلس، أو (نبعه) (^١) بناها ثم فلس.
وإذا قلنا: إنه لا مطالبة له بالسقي مع كون الثمرة لولا السقي لم توجد، فأحرى ألا تكون له مطالبة بأجرة الجزاز.
وإذا قلنا: إن المطالبة بالسقي نظر فيما يتخرج في الجزاز من هذا القول الآخر.
ومما يلحق بهذا ما اكتسبه العبد عند المشتري ثم فلس المشتري، (فيأخذ البائع العبد بما اكتسبه عند المشتري، إذا كان لم ينتزعه منه، ولا انتزعه المشتري منه قبل أن يفلس، لم يأخذ ذلك من يده، وبقي في جملة ما له لا يختص به البائع دون غيره من الغرماء) (^٢) لأنه إذا انتزعه المشتري قبل التفليس صار قد رد العبد على صفة ما أخذه عليه، وصار ما انتزعه من كسب كثمار جناها أو غلة حَصَدَها.
وأمّا لو كان في يد العبد مال اشترطه المشتري فإنه إذا بقي ذلك في يد العبد إلى أن فلس المشتري فإنه يرد ماله معه. ولو هلك ماله قبل أن يرد بالتفليس لم يكن للبائع إلا أخذ العبد على ما هو عليه بغير مال بالثمن كله أو المحاصة بثمنه، وكذلك لو كان ذهاب ماله بانتزاع المشتري واختار البائع أخذ العبد، فإنه لا يأخذه إلا بالثمن كله من غير أن يحط منه شيئًا بسبب ما ذهب من مال العبد. وكأنهم قدّروا أن مال العبد لا حصة له من الثمن وإنما اشترى عبدًا
_________________
(١) هكذا.
(٢) ما بين القوسين هكذا في النسختين، ويظهر أن فيه اضطرابًا. ويمكن تصحيحه بـ لو انتزعه لم يؤخذ.
[ 3/ 1 / ٣٥١ ]
له مال، وعلى ذلك بذل الثمن على نفس المال فزوال المال من يده كتغيير بعض صفاته، ولو كان ذلك من الرد بالعيب فإن المشتري إذا انتزع مال العبد وأراد أن يرده بالعيب، فإنه يرد معه ماله الذي انتزعه إذ ليس له أن يرده وقد حدث فيه عيب لا يحط لأجل العيب شيئًا، والمفلس إنما يأخذه بعينه إذا شاء أو يبقى العبد على ما هو عليه.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
المشتري أباح له الشرع التصرف في المبيع بنفس تسلمه وكون العقد صحيحًا، فإن أحدث في المبيع حادثًا من شيء أضافه إليه، أو صنعة عملها فيه، فإن ذلك لا يخلو من أن يكون أضاف إلى البيع (^١) أجسامًا متصيرة (^٢) في البصر، ويمكن تمييزها بالانفصال، وذلك مثل البناء والغرس، فإنه إذا اشترى أرضًا فبنى فيها، ثم فلّس، فإن البائع لا يسقط حقه في عين المبيع لقوله ﵇: "فهو أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" (^٣)، وهذا قد وجده بعينه فيجب أن يكون أحق به. لكن المشتري إذ ابن ي بوجه جائز صار له حق فيما بناه اختلط بالمبيع، فلا يسقط حقه فيه أيضًا. فهاهنا اختلف العلماء في حكم هذا الاختلاف (^٤) فإن مالكًا ﵁ فإنه ذهب إلى أن البائع إذا أراد ارتجاع أرضه مكّن من ذلك، ولكن بشرط أن يشارك المشتري بقيمة ما بناه، تقوّم الأرض على حال ما هي عليه من بناء، ثم يقوم البناء على حياله، والأرض بغير بناء، فيكونان شريكين في الأرض وبنائها بحسب ما اقتضاه التقويم. قال في الموطأ: وتفسير ذلك أن تكون الأرض ببنائها تساوي ألفًا وخمسمائة درهم، فتكون قيمة البناء ألف درهم، والأرض بَرَاحًا خمسمائة درهم، فيكونان شريكين
_________________
(١) هكذا في النسختين، والأوضح: المبيع.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: متميّزة؛ كما سيأتي في قسيم هذا.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الاختلاط.
[ 3/ 1 / ٣٥٢ ]
في هذه الدار: ثلثاها لمن بناها والثلث لبائعها براحًا (^١).
وذهب فيمن بني أرضًا اشتراها بوجه شبهة فبناها، إلى خلاف هذا. فجعل من حق من أتى فاستحقها أن يعطى قيمة البناء قائمًا فتصير الأرض وما فيها من بناء لمن استحقها لمن هو في يديه وباع ملك هذا المشتري عليه بغير اختياره. وجعل البناء في التفليس لا يباع على بانيه حتى يجبر على تسليمه بقيمته للبائع، وما ذلك عندي إلا لأجل أن من اشترى أرضًا من سوق المسلمين معتقدًا أن الذي باعها هو مالكها حقيقة، فبنى فيها بناء يعتقد أنه مباح له فظهر أنه أخطأ في اعتقاده، وبنى في أرض غصبها بائعها منه، ولم يسقط ملك المغصوب منه الأرض عنها على حال، ولا تغير ولا تبدّل، فكان استحقاقه لأرضه واضحًا، وحرمة ملكه متأكدة، وحرمة بناء المشتري غير متأكدة، لأنه ظهر أنه بني في أرض لا يملكها، ولو اطلع على باطن الأمر ما حل له التمسك بها ولا البناء فيها، فلما قوي أمر المستحق وضعف أمر هذا المشتري، حكم عليه بإخراج ما في يده من البناء بغير اختياره.
وأمّا من اشترى أرضًا من مالكها فبنى فيها، ففلس فإن بناءه صادف ملكًا محققًا له في الظاهر والباطن، واعتقاده أن البناء مباح له صواب لا غلط فيه، وإنما حدث عيب في ذمته أوجب للبائع الخيار في استرجاع ما في يديه ورده إلى ملكه بعد أن خرج على ملكه، فإن حُرمة بنائه متأكدة فلم يجبر على أن يسقط حقه في عين بنائه بأن يدفع إليه قيمته، ولم يجعل مالك ولا أحد من أصحابه البناء ها هنا فوْتًا أحال العين وغيَّرها حتى يسقط مقال بائعها في ارتجاعها، ولا يكون له إلا طلب الثمن والمحاصة به. لكنهم اختلفوا فيمن اشترى أرضًا فبنى فيها، ثم اطلع على عيب: هل بناؤها فوت يمنع الرد بالعيب ويوجب أخذ قيمته، أو لا يكون ذلك فوتًا.
_________________
(١) الموطأ: ٢/ ٢١١ - ٢١٢ في ١٩٨٢.
[ 3/ 1 / ٣٥٣ ]
وأشار بعض أشياخي إلى تخريج الخلاف من هذه في الفلس إذا بني.
وأشار أيضًا إلى اختلاف مقدار البناء والنفقة فيه، فيكون الكثير فيه يفيت الأرض والقليل لا يفيتها.
فأمّا تخريجه الخلاف من مسألة العيب، فقد يدافع فيه، ويقال له: إن العيب لما كان من جهة البائع ويتّهم فيه بالتدليس بأنه أسقط حقه في إمضاء البيع على ما هو عليه، بأن يرضى المشتري به أو ينقضه ويأخذ ثمنه. والتفليس لا يتصور فيه من جانب البائع تفريط ولا تلحقه تهمة.
وأما إشارته أيضًا إلى اعتبار البناء بالقلة والكثرة فإن ظاهر المذهب يمنعه من ذلك. وذلك أن مالكًا ذكر في الموطأ ما حكيناه عنه من كون الشركة واجبة بقيمة البناء وقيمة الأرض. ومثّل ذلك بأن يكون قيمة البناء ألفًا وقيمة الأرض خمسمائة، ولم ير ذلك فوتًا، وإن كان قيمة البناء الثلثين وقيمة الأرض الثلث.
لكن أشار بعض أصحاب الشافعي إلى هذه الطريقة وحمل كلام الشافعي عليها.
وذلك أن الشافعي ذهب في هذه المسألة إلى أنه إذا وقع التفليس وأراد البائع ارتجاع المبيع، فيقال للبنّاء (^١): أقلع بناءك وغرسك حتى تردّ إليه الأرض براحًا كما اشتريتها، فلا يبقى له مقال. ولو كان في قلع الغرس والبناء ما يعيب الأرض فإن الشافعي ألزم المشتري قيمة هذا العيب إذا اختار البائع ارتجاع الأرض؛ لأنه عيب أحدثه ليُخلّص ملكه في يديه، فيجب أن يطالبَ بأرش ما جناه على ملك الغير، لكونه جنى هذه الجناية على ملك الغير لمنفعة نفسه وتخليص ملكه. قال الشافعي وإن لم يساعده المشتري على قلع بنائه وغرسه قيل للبائع: ادفع إليه قيمة بنائه، نحو ما نقوله نحن في بناء المشتري بوجه شبهة ثم استحقّت عليه الأرض. فإن امتنع البائع من دفع قيمة البناء، فقال الشافعي: يسقط حقه في ارتجاع أرضه ولا يكون له إلا المحاصّة. وقال في بعض كتبه أيضًا: لا يسقط حقه في عين أرضه. فالمزني وغيره من أصحابه يحل ذلك على اختلاف
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: للباني.
[ 3/ 1 / ٣٥٤ ]
قوله منه. ومن أصحابه من لا يراه. اختلف قوله: يسقط حقه في عين أرضه، على أن للبناء قيمة كثيرة. وقوله: لا يسقط حقه في عين أرضه، على أن للبناء قيمة يسيرة. وهذا نحو ما ذكرته عن بعض أشياخي وهو خلاف ظاهر مذهبنا.
والقسم الثاني وهو أن يحدث المشتري في المبيع جواهر يميّزها البصر ولا تتميز بالعقل يتميز انفصال، كصبغ الثوب ودباغ الجلد. فهذا فيه عندنا قولان: المشهور أن ذلك لا يكون فوتًا.
وقال ابن وهب في أحد قوليه: إن ذلك فوت. ورآه كتغيير في العين يصيرها كأنها ليست هي العين المبيعة، فلم يجعل للبائع إلا المحاصة. ورأى مرة أخرى أن ذلك ليس بفوت. وعلى هذا القول ثبت أن ذلك ليس بتغيّر يخرج العين عن الغرض المقصود منها حين البيع فيكون شريكًا.
واختلف المذهب على قولين بماذا يكون شريكًا في الفوت؟ فقال ابن القاسم: بقيمة الصبغ.
وذهب غيره إلى أنه شريك بما زاد الصبغ في قيمة الثوب أبيض. وإلى هذا أشار ابن المواز وكأنه ناقض ابن القاسم بقوله في الصبّاغ إذا استؤجر على صباغ ثوب فدفعه إلى ربه، ففلس ربه: إن الصباغ يكون شريكًا في الثوب بما زادت قيمة الصبغ فيه.
فكأن من رأى الشركة بالقيمة قدّر أنها سلعة ملكها (^١) أضافها إلى مِلك رجل آخر إضافة لا تتميز. فكانا شريكين في هذا المختلط بقيمة ما لكل واحد.
ومن رأى أن الشركة إنما تكون بما زاد الصبغ في قيمة الثوب على أن ينزع صباغه منه فصار كأنه هو المتلف لماله بإضافته إلى ملك غيره إلا أن يكون ما فَعله يزيد في قيمة الثوب أبيض. فتصير تلك الزيادة كمعنى منفصل عن ملك الغير فيختص بها من أحدثها.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مالكها.
[ 3/ 1 / ٣٥٥ ]
وهكذا مذهب الشافعية كون الشركة يعتبر فيها ما زاد الصباغ في قيمة الثوب.
وقد ذكرنا ما أشار إليه ابن المواز عن ابن القاسم في صبّاغ استؤجر على صِباغ ثوب فصبغه وسلمه إلى ربه، ثم فلس ربه، أنه يكون شريكًا في الثوب بما زاد فيه الصبغ. وقال: ويحاص بقيمة الأجرة التي عقدت الإجارة بها.
وعارض بعض الأشياخ الحذاق هذا وقال: إذا كان شريكًا بما زاد فلا معنى لتمكينه من المحاصة ببقية الأجرة. ورأى أنه كمن اختار أخذ سلعته بعينها وهي ناقصة عمّا باعها عليه فلا تكون له المحاصة بعيب حدث فيها من قبل الله سبحانه على المشهور من المذهب.
وأما لو اشترى قمحًا فطحنه ثم فلس، فإن المشهور من المذهب أن ذلك فوت يمنع من أخذ عين القمح المطحون.
ولكن اختلف في ذلك لو طحن القمح ووجب ردّه من ناحية العيب: هل يكون طحنه فوتًا أم لا؟ وقد كنا قد قدمنا إجراء بعض أشياخنا إجراء الخلاف في مسائل العيوب في هذا النوع من مسائل التفليس.
وقد اختلف المذهب في غاصب غصب قمحًا فطحنه: هل يكون للغاصب وعليه مثله؟ أو يكون لربه أن يأخذه مطحونًا، لكون الطحن ليس بمعنى مفيت للعين ولا زائد في جواهرها؟ والقمح تقل فيه اختلاف الأغراض إذا تماثل.
وكذلك اختلف فيمن اشترى قمحًا فطحنه ثم استحق من يده: هل يأخذه مستحقه مطحونًا ويدفع إجارة الطحن أو لا يدفع إجارة الطحن لكون ذلك ليس بعين قائمة كما لا يلزم مستحق الأشجار أن يغرم قيمة السقي والعلاج على أحد القولين عندنا، لكون ذلك مما لا يتميز ولا يمكن انفصاله؟
ولو كانت جارية فسمنت أو غلامًا علم القرآن، فإن في هذا أيضًا اضطرابًا
[ 3/ 1 / ٣٥٦ ]
بين العلماء: هل هذه الآثار حكمها حكم الأعيان لكون ما أحدثه المشتري ليس بجواهر متميزة (ليس إليها التصرف) (^١)، وإن لم تنفصل؟
وقد أشار بعض الأشياخ إلى إجراء الخلاف فيمن اشترى قمحًا فطحنه ثم فلس من اختلاف المذهب في جواز بيع القمح بالدقيق بناء أيضًا منه هذه الطريقة على أحد القولين عندنا في كون ارتجاع السلعة بالتفليس كبيع مستأنف.
ويجري الأمر في الطحن على أنه تفريق أجزاء كقطع الثوب. وقد ذكر ابن حبيب أن قطع الثوب قميصًا في التفليس فوت يمنع البائع من أخذه. وكذلك اتخاذ الخشبة تابوتًا أو بابًا، أو ذبح الكبش، أو جعل الزبدة سمنًا. وهذه مسائل يكثر تعدادها، وما ذكرناه منها يرشد إلى ما أضربنا عنه منها.
الجواب عن السؤال السابع أن يقال:
أخذنا الكلام على هذا السؤال وإن كانت توجب الرتبة إيراده في الفصل الذي ذكرنا فيه اختلاف العلماء: هل يكون البائع أحق بسلعته في الفلس والموت أم لا؟ لكونه ها هنا إذا قبض بعض ثمن سلعة باعها ثم فلس المشتري، فإن أبا حامد الإسفرايني ذكر عن مالك مذهبًا في هذه المسألة (أو ثبت عنه، ألحقنا المسألة بما كنا فيه الآن) (^٢). وذلك أنه حكى عن مالك أنه يقول فيمن باع سلعة فقبض بعض ثمنها وبقي بعضه: إن ذلك فوت يمنع البائع من ارتجاع سلعته.
واحتج عن مالك هذا في (^٣) رواه في موطئه من قوله: إذا باع سلعته ولم يقبض من ثمنها شيئًا فالبائع أحق بسلعته، على نحو ما قدمناه من نص الحديث.
ورأى أن مالكًا لما اشترط، فيما رواه، من كون البائع أحق بسلعته في الفلس لا
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فيما.
[ 3/ 1 / ٣٥٧ ]
يكون قبض من ثمنها شيئًا، يقتضي دليل هذا الخطاب أنه إذا قبض شيئًا من ثمنها فلا يكون أحق بها.
وهذا عندي لا يثبت عن مالك، فلعل الإسفرايني فهم عنه هذا من تقييده ما رواه في موطئه يكون البائع لم يقبض من ثمنها شيئًا. وأما مذهب مالك ﵁ فإنه يخيّر البائع بين أن يردّ جميع ما قبض ويرتجع سلعته، أو يتمسك بها ويحاص ببقية الثمن، ولا يطلب ثمن سلعته بل تباع له وللغرماء؟ ومذهب الشافعي أنه يرتجع من سلعته بمقدار ما بقي من الثمن إذا شاء، أو يسلم ذلك ويحاص بما بقي من الثمن.
مثل أن يكون اشترى عبدًا بمائة دينار، فقبض من ثمنه خمسين، فإن الخمسين المقبوضة تقابل نصف العبد والخمسون الباقية تقابل نصفه أيضًا.
فعند مالك أن البائع إن شاء رد الخمسين التي قبض واسترد جميع العبد، وإن شاء طلب الخمسين الباقية وحاصّ الغرماء فيها وترك جميع العبد.
ومذهب الشافعي أن الخمسين المقبوضة يسقط حق البائع في نصف العبد وتبقى الخمسون الأخرى كأنها ثمن عبد كامل، إن شاء طلب بها مال المفلس مع جملة الغرماء، وإن شاء استرد نصف العبد.
ولو كانت سلعة كثيرة تختلف قيمتها، لكان الفضّ والتقويم على هذه النسبة. فلو اشترى ثلاثة أعبد بمائة دينار، قيمة أحدهم نصف الثمن وهو خمسون دينارًا، والآخر خمس الثمن وهو عشرون، وللآخر ثلاثة أعشار الثمن وهو ثلاثون دينارًا. وكانت العبيد عند المفلّس لم يفت منهم أحد، وقد قبض ثلاثين، لكان البائع بالخيار في أن يرد ثلاثين دينارًا، أو (^١) يأخذ الثلاثة أعبد، أو يسلم جميعهم ويحاص بثمنهم. ولو كانت الثلاثة أعبد متكافئة القيم لكان هذا.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: و.
[ 3/ 1 / ٣٥٨ ]
وعند الشافعي أن يكون شريكًا بمقدار ما بقي من الثمن فيهم، إن شاء، أو يمضي البيع ويحاص بما بقي من الثمن.
ولو تقدم بعض الثمن وفات في يد المشتري بعض المبيع لفُضَّ ما بقي من الثمن على المبيع كله، فيرد مما قبض ما قابل الموجود من المبيع وأخذه إن شاء وتمسك بما قابل المبيع الفائت وحاص بما بقي من ثمنه.
ولو كان ما باع عبدين متكافئين بمائة دينار وفات أحدهما، وقد قبض خمسين دينارًا، فإن الخمسين دينارًا المقبوضة مقبوضة نصفين: نصفها وهو خمسة وعشرون تقابل العبد الفائت، فيتمسك بها ويحاص بالخمسة والعشرين الباقية من ثمنه، والخمسة والعشرون الأخرى المقابلة للعبد الموجود الذي لم يفت هو بالخيار بين أن يردها ويأخذ العبد، أو يتمسك بها ويترك العبد، ويحاص بالخمسين الباقية من ثمنه.
ومذهب الشافعي أنه يكون الخمسون المقبوضة مقابلة العبد الفائت كلُّها، وتبقى الخمسون في مقابلة العبد الحاضر، فيكون بالخيار إن شاء تركه وحاص بثمنه، وإن شاء أخذه وسقط عن المشتري ثمنه وهو الخمسون الباقية.
وكأن الشافعي رأى أن البائع إذا باع سلعة وقبض نصف ثمنها فجعلنا المقبوض لا يرد، وهو في مقابلة نصف السلعة، واختار ألاّ يحاص فإنه يكون شريكًا في العبد فيما يكون من حقه أن يرده كله أو يكون من حقه أن يرد بعضه.
وكان مالك قدر أن الشركة تصيّر العبد معيبًا فيلحق المشتري من ذلك الضرر. وإنما جعل البائع من المفلس أحق بعين سلعته لإزالة الضرر عنه فلا يزال الضرر بضرر يلحق المشتري.
وأصحاب الشافعي ينفصلون عن هذا بأن هذا الضرر قد لا يلحق، لكون الشركة إنما يقع الضرر فيها مع استدامتها، وهذا المفلس يباع ماله فلا يلحقه الضرر، ولو لحق ضرر بانتقاص الثمن لأجل الشركة، فذلك يسيرٌ، وضرر البائع
[ 3/ 1 / ٣٥٩ ]
في منعه أخذ سلعته وغرم ثمنه ضرر كثير، فيجب أن يكون مقدَّم الاعتبار.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
قد تكلمنا على حكم التفليس في شراء أعيان المتملكات، وسنتكلم على حكم التفليس في شراء المنافع.
والتفليس يتصور في شراء المنافع من ناحيتين:
من ناحية تفليس بائعها، والأخرى من تفليس مشتريها.
فأمّا إذا فلس بائعها فلا يخلو أيضًا الأمر من وجهين:
أحدهما: أن يكون شراء منافع في الذمة، مثل أن يسلم رجل دنانير إلى رجل في أن يحوك له غزلًا ويصبغ له ثوبًا، أو ما في معنى ذلك من الصناعات، على أن يكون العمل في ذمة قابض رأس المال، فيجري مجرى السلم. فإذا فلس الصانع وجب لدافع الدنانير أن يحاصّ بماله في الذمة من عمل، يقوم العمل يوم الحكم، فإن اختار دافع الدنانير التمسك بالعمل الذي اشتراه نظر إلى ما أخذه في الحصاص وهو قيمة العمل، فاستؤجر له به من يعمل ما على المفلس الصانع من ذلك العمل، ويكمل دافع الدنانير من عنده سلفًا للصانع ما يستوفي جميع العمل، ويتبعه بمقدار ما أسلفه من ذلك. وهذا السلف، وإن كانت له فيه منفعة، فهو لصيانة المال لا لطلب زيادة في مقدار السلف. وقد قدمنا في شراء الأعيان إذا وقع الفلس أن للغرماء أن يدفعوا من أموالهم جميع الثمن الذي يستحقه البائع رجاءً لما يتوفر لهم من ثمنها إذا باعوه، فيحسبون ذلك من ديونهم، على أحد الأقوال التي قدمناها.
وإن كان العمل سلعة واحدة فله أن يفسخ ما اشترى من صبغه إذا كان يتعذر عليه أخذ جميعها من مال المفلس، وتبعيضها كالعيب الذي يوجب ردّ ما اشتراه. وكذلك لو كانت سلعًا، والتبعيض مما يضرّ به فإن له الفسخ. وإن اختار الفسخ كانت المحاصة بجميع الثمن الذي دفعه فما صار له من ذلك
[ 3/ 1 / ٣٦٠ ]
أخذه، واتبع المفلس ببقية الثمن، لأنه إذا اختار الفسخ تعلق حقه بارتجاع الثمن فإنما يحاصّ به، وإن اختار إمضاء العقد تعلق حقه بما اشتراه فيحاصّ بقيمته.
ولو اختار التمسك بالقيمة فحصل له في المحاصّة مقدار من المال، فتغيرت بعد ذلك أسعار الإجارة، فإن ذلك حكمه كما سبق فيمن أسلم في طعام ففلس المسلم إليه، فإنه يحاص بماله في الذمة، ويوقف ما صار له في الحصاص حتى يشترى له بعض الدين الذي في الذمة.
فلو علا السعر حتى صار يشتري له أقل مِمّا يشتري له يوم الحصاص، لم يكن له نقض ما تقدم من حصاص وقسمة بين الغرماء الذي هو أحدهم.
ولو تغير السعر برخص حتى صار يشترى له أكثر مما كان يشتري له يوم قسمة المال بين الغرماء، لكان الفاضل عما يشترى له مِمّا اقتضاه السعر يوم قسمة المال للغرماء، ويدخل معهم فيه، ويصير كمال طرأ للمفلس فإن غرماءه يتوزعونه وهو أحدهم.
وذهب ابن الماجشون إلى أن هذا الفض الذي حدث بمقتضى اختلاف الأسعار يستبدّ به هذا الغريم الموقف له المال، ويشترى له ما بقي له في ذمة المفلس، بناء على أصله، فإن مصيبة ما وقف من ذلك ممن له الدين. وإذا كان ضمانه منه فنماؤه له يحسب من دينه.
ولو كانت المنافع التي اشتريت منافعَ رجل بعينه لم يكن لمن اشتراها مدخل (^١) للصانع من الأموال إذا فلس بل تكون أمواله لغرمائه الذين يستحقون عليه المال.
وأما الذي استأجره فإنما استحق حركاته فلا يتعدى ما استحقه إلى أن يكون له نصيب من ماله. ولكنه من حقه أن يجبر الصانع المفلس على أن يعمل له ما استأجره عليه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فيما.
[ 3/ 1 / ٣٦١ ]
ولو كان الذين استأجروه جماعة لقدّم منهم الأول فالأول. وإن جهل الأول منهم اقترعوا على من يقدم. لكن لو كانت العادة التي دخل عليها كل من استأجر هذا الصانع لا يقدم الأول فالأول بل يقدم من شاء، فإنه ها هنا يبقى على العادة التي دخل معه عليها جميع ما استأجره.
هذا حكم تفليس بائع المنافع المضمونة والمعينة.
وأما الحكم في تفليس من اشترى المنافع: فإن الصانع إذا استؤجر على حياكة أو صبغ ثوب صباغًا (^١)، أو صياغة حلي فصاغه، أو خياطة ثوب فخاطه، أو قصارته فقصره، إلى غير ذلك من أنواع الصناع، فإنه إذا فلّس دفع (^٢) هذه المصنوعات إليه قبل أن يشرع في العمل، فإنه إن شاء تمادى على العمل وحاصّ بثمنه، وإن شاء فسخ العقد لكونه تعذر (^٣) عليه استيفاء الثمن، فله أن يفسخ البيع إذا (^٤) لم يمكن إيصال الثمن إليه، ولا يكون من حقه (^٥) أن يصبغ (^٦) الثوب، ويكون شريكًا بالصباغ؛ لأن مقتضى العقد أحد الأمرين: إمضاؤه على ما هو عليه وعلى ألاّ يكون شريكًا بصبغه أو نسجه إذا تعذر الثمن على بائع منافعه قبل أن يعمل. وإن فلس دافع هذه المصنوعات بعد أن عمل الصانع ما استؤجر عليه، وذلك لم يخرج من يده، فإنه له حبسه حتى يستوفي أجرته وسواء في ذلك فلس ربّ المصنوعات أو مات، فإن ذلك كالرهن في يده حتى يستوفي أجرته، ومن ارتهن فإنه أحق به من غرماء راهنه. وحاول بعض أشياخي تخريج خلاف في هذا، إذا لم تكن العادة جارية بأن الصناع يمسكون الأشياء التي أوْدَعوها صنعتَهم حتى يأخذوا إجارتهم، فإنا إذا لم نجعله كالرهن باشتراطٍ أو
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فصبغه.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: دافع.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يتعذر.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إذ.
(٥) أي: المفلس.
(٦) أي: للمفلس.
[ 3/ 1 / ٣٦٢ ]
بعادةٍ جرى ذلك على القولين فيمن فرغ من صنعته ثم ضاع المصنوع ببينة بعد فراغ العمل فيه، قولان: أحدهما أنه يستحق الإجارة بفراغه من العمل، بناء على أن الثوب (^١) قبض الصنعة لما فرغ الصانع منها وأكملها، فصار قبض الثوب لها كقبض مالك الثوب. ولو وقع التفليس بعد أن سلّم الصانع لأربابه لكانوا أسوة فيجري على هذه الطريقة إذا قلنا: إنهم أسوة وقلنا إن الصنعة إذا كملت في الثوب صار ذلك كقبض مالكه الثوب، إلا أن يكون الصانع له إمساك الثوب حتى يستوفي الأجرة.
وهذا التخريج قد يُتعقب يكون من باع سلعة فمِن حقه إمساكها حتى يأخذ الثمن. وليس هذا الحكم بمقتضى العادة، وإنما هو بمقتضى الشرع على ما أدى إليه النظر من ذهب إلى أن المشتري يقدَّم بدفع الثمن قبل أن يقبض المبيع.
ومن سلك هذا فلم يستند إلى العوائد إلى (^٢) ما ذكرناه من كتاب البيوع.
وإذا كان الأمر كذلك فليكن ذلك الرهن شرعًا والرهن من حق مرتهنه أن يمسكه حتى يستوفي دينه في الفلس وفي الموت، فيكون ما ذكره أهل المذهب من هذا جاريًا على هذا الأصل الذي قدمناه سواء كانت عادة أو لم تكن، وسواء كان الثوب كالقابض للصنعة أو لم يكن؛ لأن الثوب وإن كان قابضًا لها أيضًا مقبوض للصانع، فالصانع قابض للقابض فيكون من حقه أن يحبس الصنعة وما حلت فيه، وإن كان قابضًا لصنعته لأن الكل مقبوض في يده، فلا يجري ذلك مجرى من أسلم (^٣) الثوب إلى ربه، لأن يده زالت عنه بالمشاهدة فيحسن أن يقال: إنه أسوة، بخلاف ما لم تزل عنه يده، ولا عمّا حل فيه.
وأما الاختلاف في الإجارة فقد بيّنا على أنه من باع سلعة فضمانها منه حتى يمكّن المشتري من قبضها فيتركه باختياره. أو يكون يضمن المبيع بالعقد
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: صاحب الثوب.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: على.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: سلّم.
[ 3/ 1 / ٣٦٣ ]
قبل أن يمر مقدار التسليم وتمكين المناولة، على حسب ما بينا هذا في كتاب البيوع. هذا الحكم إذا لم يسلّم الصنعة.
وأما إن سلّمها فالمشهور أنها إن كانت عينًا قائمة كرقَاع رقع الصانع بها الثوب الخَلَق أو جلودًا رقع بها الفرّاء، أو ما يعمله الصيقل في سيوف، فإن هذا إذا سلّم الصانع المعمول فيه إلى ربه كان شريكًا بمقدار ما سلّم ممَّا له عين قائمة. والقولان فيما يقدر ما سلّمه من هذه الأعيان: هل يكون شريكًا بقيمته لأنه هو المبيع، وكأنه سلعة أضيفت إلى سلعة على وجه يتعذر فيه الانفصال والتمييز فيكونان شريكين في ذلك.
وأشار ابن حبيب في هذه المسألة إلى أن الشركة تكون بمقدار ما زاد الصانع، كما في أحد القولين في الصباغ أنه يكون شريكًا بما زاد.
وظاهر الروايات أن الرِّقاع تقوَّم، ويقوَّم الثوب ويكونان شريكين بنسبة هذا التقويم.
والذي قاله ابن حبيب في مسألة الترقيع: إنه يكون شريكًا بما زاد، لم يجعل للصانع محاصة بقيمة ما سمي من الإجارة، خلاف ما نذكره عن ابن المواز. وظاهر الروايات إطلاق التقويم والشركة على حسب ما قلناه، لكن الصباغ (^١) قال: هذا إذا كانت الرقاع هي الأكثر مما استؤجر عليه، فيما سوى ذلك مما عمله البائع من خياطة، أو ما في معناها، أو كانت رقعة في الثوب أو رقعتين مما يُحتقر ويكون كالتبَع للخياطة التي تكون في الثوب، فإنه لا تكون الشركة، ويكون الصانع أسوة كما لو سلّم الصانع ما صنعه وأخذه ربّ الشيء المعمول فيه ما عمل، وهو مما لا عين له قائمة تتميز كالقصارة أو الخياطة فإنه ها هنا يكون أسوة لكونه قد باع ما هو كالغائب الذي ليس بعين قائمة فأشبه من باع طعامًا فأكله مشتريه.
_________________
(١) هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٣٦٤ ]
وأما إذا كان عينا قائمة، فيصير المبيع غير فائت فيكون أحق به على جهة الشركة كما يكون بالسلعة المنفردة إذا باعها وفلّس مشتريها.
وقيل: بل يكون أحق بسلعته وإن كانت قصارة أو حياكة (^١)، على حسب ما حكيناه من كون (^٢) أحق بما دفعه وهو عين قائمة غير متميزة، فيكون شريكًا بذلك. وهذا القول وقع على الإطلاق، ولم يفترق (^٣) غير من ذهب إليه من كون الصنْعة عينًا قائمة (^٤) وليست بعين قائمة؛ لأن العمل المستأجر عليه قد فُرغ منه، وعُدِمَ وَفَاتَ في نفسه، فلا فرق بين ما يكون عنه من عين قائمة أو غير قائمة. وقد أضيف إلى هذا القول الذي حكيناه فيما ليس بعين قائمة كالخياطة والقصارة والصبغ فذكر القولان فيما سلّمه الصانع من قصارة أو خياطة أو صبغ: هل يكون أسوة في الجميع أم لا؟ وإضافة الصباغ إلى هذا النوع الذي هو القصارة والخياطة فيه نظر، لأن المعروف من المذهب أن الصباغ يجري مجرى العين القائمة، وإن كان لا يمكن انفصاله. وقد قدمنا الكلام على الصانع إذا صبغ الثوب ودفعه إلى ربه أنه يكون شريكًا بما زاد فيه الصبغ ويحاص ببقية ما سمي له من الإجارة التي عقدا عليها.
واعترض بعض الأشياخ الحذاق هذا بأن الجمع بين كونه شريكًا بما صبغ ثم طلبه المحاصة بما بقي من الإجارة كالمخالف لأصل المذهب، لأن من اختار أخذ سلعته ناقصة لا يحاص بما انتقَصَ منها.
وقد يدافع عندي هذا الاعتراض بأن لمن أخذ سلعته ناقصة فقد أخذ ما باع بعينه وفسخ البيع رضًا به عمّا له في الذمة.
_________________
(١) في المدنية: خياطة.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: كونه.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يفرّق.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أو.
[ 3/ 1 / ٣٦٥ ]
وهذا إذا أخذ ما زاد الصِّباغ على قيمة الثوب أبيضَ، فإنه أخذها (^١) هو أحق به من الغرماء، لكون ما زاد الصباغ في الثمن كعين قائمة هو أدخلها في مال المفلس فيكون أحق بها، ثم يضرب ببقية ما سمي له من الأجرة، فكأنه إنما أمضى عليه عقد الإجارة، واختص منه بقدر ما زادت صنعته دون غيره من الغرماء، وبقي بقية التسمية، تُطلب بها الذمة، فيحاصّ بها.
ولو وقع التفليس في شراء منافع ظهور الدواب أو بطون السفن، فإنه إذا فلس المكتري كان صاحب الدابة وصاحب السفينة أحق بالمحمول على دابته أو في سفينته، سواء كان رب الدابة والسفينة مصاحبًا لدابته أو سفينته أو لم يكن مصاحبًا لها.
فأمّا إذا كان مصاحبًا لذلك فكان جائز (^٢) لما حمله. والصانع قد قدمنا أنه أحق بالمصنوع إذا كان في يده لم يسلّمه إلى ربه، لكونه كالرهن، فكذلك صاحب الدابة يكون أحق بما على ظهرها إذا لم يسلمه إلى ربّه.
وأما كونه أحق، وإن لم يكن مصاحبًا لدابته، فإنه قدر أن ظهر دابته وبطن سفينته نابا عن حَوْز يده، وكأن رب المتاع المحمول لما سلم ذلك إلى الدابة والسفينة فكأنه سلمه إلى مالكها. لكن عبد الملك بن الماجشون ذكر قولًا مبسوطًا محصوله: أنه من سلم إليه شيء انفرد به، وبعُد به عن صاحبه، وفوّض أمره إليه، فإنه يكون أحق به كراعي الماشية إذا سلمت إليه وفوِّض أمرها لتدبيره، وزالت يد صاحبها عنها، أو استؤجر لطلب آبق فحصله في يده، أو على جلب مال من بلد فجلبه وحصل في يديه، فإن هذا، وما كان في معناه، يكون حائزه أحق به. وأجراه مجرى الرهبان لأن (^٣) الحَوز.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أخذ مَا.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حَائزًا.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لأجل.
[ 3/ 1 / ٣٦٦ ]
وهذا القول منه قد يشير إلى أن من حمل متاعًا على دابته ولم يصاحبها، وإنما صحبها صاحب المتاع، فإن رب الدابة لا يكون أحق يعدم (^١) الحوز. وقد أشار ابن المواز إلى قريب من هذا المعنى: من استأجر بقرًا يدرس بهم (^٢) في الأندر فإن صاحب البقر إذا درس بها وانقلب ليلًا وترك الطعام في الأندر فإنه أحق به لأن الأندر لا ينقلب به، ولا هو مما ينتقل. بخلاف صانع يعمل لك نهارًا في بيتك، ثم انصرف ليلًا فإنه لا يكون أحق بالمصنوع مما يصح الانقلاب به، فتركه بيد صاحبه مع القدرة على نقله يشعر بعدم الحوز.
ولو كان المكترى دارًا لم يكن صاحب الدار أحق بما فيها من المتاع إذا وقع التفليس. وذلك أن الساكن بالدار هو الحائز لمتاعه الذي هو فيها، ولا مدخل لرب الدار أن (^٣) في حيازة هذا المتاع فلهذا لم يكن أحق به.
وذهب عبد الملك بن الماجشون إلى كونه أحق بما في الدار، وقدر أن الدار بها صون هذا المال وحفظه، فأشبه ما اتفق عليه المذهب من كون مكري الدابة أحق بما عليها والعلّة في ذلك كون الدواب والسفن إذا حملت المتاع أو الطعام من بلد إلى بلد فما ذلك إلا لطلب الأرباح، فيقدر ما زاد من الربح بسبب هذه النقلة كأن ربّ الدابة أفاده لرب المال وأعطاه إياه، فكان أحق به. ولكن قد يقتضي هذا التعليل الذي ذكروه أنه يكون أحق بالأقل مِمّا زاد السفر، أو سمَّيا في عقد الكراء.
وذهب عبد الملك إلى أن أصحاب الدار أحق بما فيها من المتاع، وإن كان السكان انفردوا بحوزه. قد (^٤) يشير إلى خلاف ما أشار إليه بعض أشياخي من كون صاحب الدابة لا يكون أحق بما على ظهرها إذا لم يصاحبها لأن المتاع
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لعدم.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بها.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذفها.
(٤) أي: وهذا قد
[ 3/ 1 / ٣٦٧ ]
الذي بالدار لم يصاحبه أيضًا صاحب الدار، ولا له عليه حوز ولا يد. فهذا مما ينظر فيه تخريج مذهبه في المتاع المحمول على ظهر الدابة. هذا في تفليس المكتري.
وأما لو كان الذي فلس هو مكري الدابة، وكان الكراء في ذاته (^١) بعينها، فإن المكتري أحق بها من غير خلاف، كمن اشترى سلعة معينة ففلس بائعها قبل تسليمها فإن العقد فيها لا يبطل بتفليس بائعها. وأمّا إنْ كان الكراء مضمونًا، وإنما اكترى منه حمل متاع أو طعام مضمون عليه في ذمته، ووصوله إلى المكان الذي اكترى إليه، فإنه إن لم يسلم إليه دابة يركبها لم يكن أحق بشيء من دوابه. وإن سلم إليه دابته يركبها أو يحمل عليها فذهب ابن القاسم في المدونة على أنه أحق، وفي غير المدونة لم يكن أحق، ولو كان يدير (^٢) الدابة تحت الراكب. والقول الثاني أن الراكب لا يكون أحق.
فكأن المذهب الأول بناه على أنه إذا سلم إليه دابته فكأنه عيّن حقه فيه (^٣)، فصارت كالمكتراة بعينها.
والمذهب الثاني قدّر فيه أن الكراء إنما (^٤) كان مضمونًا فإنه لا يتعين على حال بدليل أن الدابة القياسلمت إليه لو ماتت في خلال الطريق لكان على ربها خلفها، فأشعر ذلك بانها لا تتعيّن بالتسليم. والدابة المعينة إذا اكتريت وهلكت في الطريق فإن الكراء ينفسخ وليس على ربها خلفها.
وأمّا لو كان الكراء في أرض لزرع، فزرعها المكتري ثم فلس، فإن مذهب مالك وأصحابه أن صاحب الأرض أحق بذلك في الفلس لا في الموت.
وفي المذهب قول آخر: أن صاحب الأرض أحق في الفلس والموت.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: دابّة.
(٢) هكذا في النسختين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فيها.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لمّا.
[ 3/ 1 / ٣٦٨ ]
وذهب الشافعي إلى أنه لا يكون صاحب الأرض أحق لا في الفلس ولا في الموت. ورأى أن الحديث الوارد يكون بائع السلعة أحق، قد اشترط فيه: إذا وجدها بعينها، وهذا إنما باع منافع وقد فاتت وليست موجودة، فلا يكون أحق فات (^١) لاستحالة وجود عين يشار إليها بأنه أحق بها.
وكذلك عنده لو اشترى ماء فسقى به الزرع، فإن صاحب الماء لا يكون أحق بالزرع. وكأن مالكًا وأصحابه قدّروا أن صاحب الأرض لما أكراها، ومعلوم أن ذلك الزرع الذي نَبْتُهُ فيها عنها (^٢) يكون وكأنه بعض أجزائها صار صاحب الأرض وكأنه بائع الطعام، وقد وجد طعامه بعينه، فيكون أحق به في الفلس وأسوة في الموت كمن باع سلعة بعينها.
ومن ذهب من أصحابنا إلى أنه يكون أحق في الموت أيضًا كما كان أحق في الفلس قدّر أن الزرع لِمَا يكون من الأرض وصارت الأرض كالحائزة له فحوزها له كحوز صاحبها، فكأن بائع هذا الطعام باعه ولم يخرج من يده، فيكون أحق به في الموت والفلس كما لو باع سلعة معينة ففلس مشتريها وهي في يد بائعها.
وأشار الشافعي إلى الرد على ما ذهب إليه مالك بأن من اشترى طعامًا فعلفه دابته فإن بائع العلف لا يكون له حق في الدابة، وإن كان بعض أجزاء الدابة تولّد عن العلف. وأشار أيضًا إلى أنه لا يوقف على حقيقة ما كان عن الأرض وعن البذر ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله سبحانه، فلما استحال العلم هنا بحقيقة ذلك لم يمكن أن يُعلق الحكم بما لم نعلم حقيقته.
ولنا نحن أن نجيب عن هذا بأنه وإن لم نعلم حقيقة ذلك فإن التغليب في مثل هذا مما جرى في الشرع أمثاله، فنغلب ها هنا حكم الأرض لأن ما نبت
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بما فات.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تولّد عنها.
[ 3/ 1 / ٣٦٩ ]
فيها الغالب أنه مضاف أكثره إليها وأقله إلى الزرع المحصود لرب الأرض تغليبًا لكون المتولد عن بذر الغاصب هو الأقل والمتولد عن أجزاء الأرض هو الأكثر.
فإنما يبقى النظر في صحة هذا التغليب.
وكذلك مذهبنا أن الأجير في خدمة الزرع أحق به في الفلس دون الموت.
وعلى القول الآخر هو أحق به في الفلس والموت.
والتعليل في ذلك كالتعليل الذي قدمناه في كون صاحب الأرض أحق بالزرع في الفلس خاصة، وفي الموت على القولين.
وكذلك لو استدان الزارع دينًا أحيى به زرعه، فإن صاحب الدين يجري مجرى صاحب الأرض ومجرى الأجير في خدمة الزرع.
ولو اجتمع أجراء ولكن استؤجر واحد وانصرف ثم استؤجر آخر لكان الآخر أحق بالزرع من الأجير الذي عمل قبله.
وقيل يُراعى أكثرهما عملًا فيكون أحق بالزرع وقيل يتحاصان.
فكأن من قدَّم الأخير رأى أنه أحيى الزرع ولولاه لم ينتفع بعمل الأول وبطل، فكان لذلك أحق به. فإن فضل عنه شيء كان ذلك الأخير (^١) للذي قبله.
ومن راعى الأكثر سلك مسلك التغليب في هذه الأمور إذا اختلطت كما ذكرناه الآن. ومن قال بالمحاصة رأى أن ذلك مما لا يتميز مقدار المنفعة بعمل أحدهما دون الآخر فكانا شيئين (^٢).
وكذلك لو استدان دينًا يبيح به زرعه ثم استدان دينًا آخر فإن الدين الآخر أحق مما قبله.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذفها.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: شريكين.
[ 3/ 1 / ٣٧٠ ]
ولو اجتمع أجير وصاحب الدين الذي أنفق في الزرع لكان الأجير أحق من صاحب الدين هكذا رأى بعض الأشياخ.
لكن الذي وقع في العتبية أن من استدان دينًا فزرع، ثم استأجر أجيرًا فعجز فاستدان دينًا للزرع، فإن صاحب الدين الأخير أحق لأن به حيي الزرع وتمّ، (وموجير الذي قبله) (^١) ولولاه ما تمّ الزرع كان الأجير أولًا أو آخرًا فإن الآخر يكون أحق.
وقال الشيخ أبو محمَّد: هكذا في أصل الأمهات للأخير. فأصلحته أنا: الأجير. وإصلاحه هذا يصيّر الكلام غير مرتبي بعضه ببعض. وأيضًا ما في الأمهات لا يظهر غلطًا بل يمكن أن يريد: فإن الأخير الذي أخذ منه الدين أوْلى. وإليه أشار بقوله: الآخر مقدم لأنه أحق، وقدم ذكر دين بعد دين، وذكر في السؤال أن بالدين الآخر حيي الزرع. فأشار في أول السؤال إلى أن ربه عجز عن إحيائه. وهذا كله يقتضي أن الذي حيي به الزرع أوْلى وأحق.
ولو اجتمع أجير وصاحب الأرض ومن ارتهن الزرع فإن الأجير وصاحب الدين (^٢) يقدمان على من بيده الزرع رهنًا لكون الزرع بعملهما وجد من مالهما. فإن فضلت كانت للمرتهن.
وعن مالك روايتان في اجتماع صاحب الأرض والأجير في الزرع، فروي عنه أن صاحب الأرض مقدم على الأجير، وإنما يأخذ الأجير مما فضل كراء (^٣) صاحب الأرض تغليبًا لحكم الأرض على حكم العمل في الزرع.
والرواية الثانية عن مالك: أنهما يتحاصان لأن ما نبت من الزرع لا يوقف على حقيقة ما كان من عمل الأجير (وعن الأحق الأرض) (^٤). ولو اجتمع مع
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب:. الأرض.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: [عن] كراء.
(٤) ما بين القوسين هكذا في النسختين، والمعنى من حق صاحب الأرض.
[ 3/ 1 / ٣٧١ ]
صاحب الأرض أجير (^١) وقلنا: إن صاحب الأرض والأجير يتحاصان، وأن الأجير الأخير مقدم على الأجير الذي قبله، لكان المنصوص في الرواية أن صاحب الأرض والأجير الأخير يتحاصان.
وقد يتخرج على طريقة أخرى أن الأجير يحاص صاحب الأرض بالأجير الذي قبله؛ لأن صاحب الأرض لو انفرد مع الأجير الذي قبله لحاصه، فإنما منع من محاصة الأجير السابق لرب الأرض هذا الأجير المتأخر، فلهذا المتأخر أن ينفرد بسهم هذا الأجير الذي قبله ويحاص به رب الأرض، كما تقول في جد وأخ شقيق: إنهما يقسمان المال نصفين، فلو كان مع الأخ الشقيق أخ لأب أخذ الشقيق ثلث المال وأخذ الجد ثلثه لأن الشقيق يقول للجد: لو انفرد معك الأخ للأب لقاسمك في المال، وإنما عصمك من أن يقاسمك المال وجودي أنا فتكون أحق بما منعك هذا الأخ للأب أن يأخده منك (^٢).
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ﵀: وإذا جمع الحاكم مال المفلس ليبيعه، فتلف قبل بيعه، فتلفُه من المفلس. فإن باعه فتلف ثمنه فالتلف من الغرماء، وقيل من المفلس.
وإذا ادعى المديان الفلس، ولم يعلم صدقه ولا ظهرت أمارة بصدقه (^٣)، لم يقبل منه، وحبس إلى أن يتبين (^٤) أمره ومدة الحبس غير مقدرة، وهي موكولة إلى اجتهاد الحاكم. فإذا ثبتت عسرته خلّى سبيله، ولم يكن للغرماء مطالبته، ولا إجارته ولا أخذه بعمل صنعة يكتسب منها، ولا استئناف (تملك إلى أن ييْسر) (^٥). وكل دين ثابت في الذمة يستحق المطالبة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أجيران.
(٢) هي من مسائل المعادّة: يحاسب الشقيق الجدّ بالأخ للأب، فيستحق الجد الثلث، ويعود الشقيق على سهم الأخ للأب فيأخذه، لحجبه.
(٣) في (م): تصدّقه. وفي الغاني: لصدقه.
(٤) في (م) والغاني: ينكشف.
(٥) في الغاني: بملك إلى أن يوسر.
[ 3/ 1 / ٣٧٢ ]
به (^١). (^٢).
قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة، منها أن يقال:
١ - ممن يكون ما ضاع مما وقف من مال المفلس.
٢ - وما حكم الاستدانة: هل هي جائزة أم لا؟
٣ - وهل إذا ثبت عسر الغريم ومنع القاضي من مطالبته: فهل يمنع الغرماء من ملازمته؟
٤ - وهل لهم أن يستأجروه في ديونهم؟
٥ - وهل تقبل دعواه الفقر أو لا؟
٦ - وما حكم الغلط في القضاء للديون؟
٧ - والغلط في بيع الورثة لتركة المديان؟
٨ - وما حكم من سكت من الغرماء عن القيام بالتفليس وقد قام به أصحابه؟
٩ - وما حكم إقرار المريض بالدين؟
١٠ - وما حكم إقرار أحد الورثة بدين على من يرثه؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: روي عن مالك فيه ثلاث روايات: أحدها: أن ضمان كل ما ضاع مما وقف من مال المفلس لغرمائه من المفلس حتى يصل ذلك إلى أصحاب الدين هذه رواية أشهب عن مالك، وأخذ
_________________
(١) (به) ساقطة في الغاني.
(٢) في (م): يستحق المطالبة به لم يحبس فيه وفي الغاني: يستحق المطالبة به فإنه يحبس فيه.
[ 3/ 1 / ٣٧٣ ]
بها ابن عبد الملك وسواء في هذه الرواية كان المال الموقوف عينًا وعرضًا أو غير ذلك من أنواع الأموال.
وروى عبد الملك بن الماجشون أن ضمان هذه الأجناس من الأموال من الغرماء الذين وقفت لهم عينًا كان أو عرضًا، ويضمن، ذلك من حضر من الغرماء أو غاب، ومن علم ومن لم يعلم، يضمن بقدر نصيبه. وبهذا المذهب أخذ ابن المواز.
وروى عنه ابن القاسم أن ما كان من العين دنانير أو دراهم وجدت بعينها فيما وقف عليه، أو صارت ثمنًا لما بيع عليه، فإن ضمان ذلك من الغرماء، وما كان عرضًا أو غيره سوى العين فضمانه من المفلس.
هذه الثلاث روايات مشهوراتٌ عن مالك. وذكر عن المغيرة قولًا رابعًا: إن ما كان من الدنانير يختص بضمانه من الغرماء من كان دينه دنانير، وما كان من الدراهم اختص بضمانه من له الدراهم. وذكره ابن الجلاب عن عبد الملك.
والمعروف الثابت عندنا عن عبد الملك ما قدمنا حكايته عنه، كما ذكرنا عن المغيرة أيضًا هذا المذهب وقد ذكر عنه وعن ابن وهب ومطرف أنهم يقولون بما روان ابن القاسم.
وكذلك اختلف النقل عن أصبغ هل يقول بما رواه ابن القاسم أو بما رواه
ابن الماجشون؟
وجملة الأمر أنه قد تقرر أن الديون في ذمة الغريم، وأن عليه توفيتها بكل ما يكال ويوزن ويصيرها معينة لمستحقها ممكّنًا منها.
وهذا يقتضي تصحيح ما رواه أشهب.
ولكن هذا الوقف لهذا المال لا منفعة فيه للغريم وقد حيل بينه وبينه ومنع منه لأجل الغرماء وتحصيل منفعتهم به، فيجب أن يكون الضمان ممن له
[ 3/ 1 / ٣٧٤ ]
المنفعة. وهذا يقتضي تقوية ما رواه ابن الماجشون. وكان ابن القاسم رأى أن العين مهيأ لتناول الغرماء له، لم يبق فيه من حقهم إلا قسمته بينهم، وتمييز حق من حق، والقسمة ليست ببيع على أحد الطريقتين، فلهذا ضمنوا العين، بخلاف العروض فإنها تفتقر إلى أن تباع وتصير أثمانًا فيقسم بينهما (^١) الثمن.
فكان ضمانها من المفلس لكون العروض لم يستحقوا أعيانها.
فإن قيل: فمن كانت ديونه عروضًا إنما يستحق العروض؟ قيل: إنما يستحق أن يضرب له بقيمة العروض، وقيمتها من العين، ثم يشترى له بما وقع له في المحاصة مثل عروضه التي هي له في ذمة الغريم، فقد صار حقه في الدنانير والدراهم دون العروض، فشارك غيره من الغرماء في ضمان العين. وكأن المغيرة سلك الطريقة التي أشرنا إليها إن ثبت نقلها عنه، ورأى أن من له الدنانير يختص بضمان الدنانير دون من له الدراهم فإنه يختص بضمان الدراهم، لأن كل واحد منهما لا يستحق خلاف العين التي له في الذمة إلا بأن تباع له بالجنس الآخر إن كان دنانير بيعت بالدراهم وإن كانت دراهم بيعت بالدنانير. فإذا افتقر إلى المعاوضة أشبه العروض التي تفتقر إلى البيع. ولهذا قال، فيما حكيناه عنه: وأما العروض فمن المفلس. وكان طرد هذا التعليل يوجب أن يكون من له طعام ووجد من مالي المفلس مثله فإنه يكون ضمانه منه.
وقد حكى ابن المواز أن ابن القاسم فلو (^٢) قيل له: فلو أخذ المفلس من العين الموقوف ما اشترى به سلعة فربح فيها؟ فقال: يكون الربح له يقضي منه دينه، فقيل له: كيف يكون له ربح ما ضمانه من غيره؟ فسكت.
وعندي أن له أن يقول: فإن المال إذا حيل بينه وبينه فتعدى على الدنانير فتَجَر فيها فإنها باقية في ذمته بالتعدي، وإن كانت برئت ذمته منها لو لم يتعد.
ومن تعدى على دنانير أو دراهم فتجر فيها فالربح له لأجل تعديه. وهذا يدفع
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بينهم.
(٢) هكذا في النسختين، والصواب حذفها.
[ 3/ 1 / ٣٧٥ ]
المناقضة التي نوقض بها دفعًا ظاهرًا. ولعله إنما سكت استثقالَا" للمعارضة التي
هي كالمناقضة، والله أعلم.
وإذا تقرر الخلاف ومنشؤه من جهة النظر، فإنه لو بيعت دار على مفلس بمائة دينار ليقضي ثمنها في دين عليه، وهو مائة دينار، فضاع الثمن من يد أمين القاضي، فإن ضمانه، فيما حكاه ابن المواز عن ابن الماجشون وأصيغ، من الغرماء، وعليهم يرجع مشتري الدار إذا استحقت من يديه، ويقدر كأنهم قبضوا الثمن من قبل ضياعه وضاع وهو في أيديهم، فيكون للمشتري الرجوع بثمن ما استحق عليهم. ولو وجدهم فقراء والمفلس قد صار في يديه مال لكان أحق به من الغرماء لكونه إنما يأخذ ذلك من يد المفلس عنهم إذا بقي من ديونهم على المفلس ما يأخذ هذا الثمن الذي دفع منها، ولا يكون أسوة في هذا بل يقدم عليهم لكونه إنما يأخذ ذلك عنهم. فهكذا حكى ابن المواز عن ابن الماجشون.
وفي كتاب ابن حبيب أنه يرجع من استُحِقَّت الدرا من يده على المفلس، فإن لم يجد له مالًا رجع على الغرماء.
وأما على رواية أشهب فإنه إنما يرجع على المفلس لكون الضمان منه حتى يصل الغرماء إلى حقوقهم، وهم ها هنا لم يصلوا إليها.
وقد اختلف قول الشافعي في هذا الفعنى فقال، فيما رواه المُزني عنه: إن المشتري الدار يرجع على المفلس التي بيعت عليه الدار بالثمن الذي دفع، ويقدم على غيره من الغرماء، روى عنه حرملة والربيع أنه يكون أسوة الغرماء.
وهكذا قال أشهب، من أصحابنا، أنه يكون أسوة الغرماء، خلافَ ما ذكرناه عن ابن الماجشون ولكن ابن المواز أشار إلى طريق يرجع بها على الغرماء، وهو كونه يأخذ ذلك من الغريم (قضاء عنهم مما بقي لهم على الغرماء من ديونهم) (^١).
_________________
(١) ما بين القوسين هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٣٧٦ ]
ولكن قول الشافعي: إنه يقدم عليهم، نَحَا به طريقه أخرى، وذلك أن من يتولى بيع مال المفلس بإجارة يقدم في أخذها على الغرماء، لكون ذلك مصلحة لهم، وبسعي هذا الأجير يتوصلون إلى ديونهم وكذلك ها هنا من المصلحة لهم أن يقدم مشتري هذه الدار عليهم، حتى يشق من يشتري شيئًا من مال المفلس على يد القاضي أنه لا يخسر ويقدم على الغرماء. وإذا لم نقل بتقديمه، وجعلناه يحاصّ الغرماء إذا استحق ما في يده، وقف الناس على (^١) شراء ما يبيعه القاضي على المفلس.
وأما القول الآخر الذي ذهب إليه أشهب، وهو أحد قولي الشافعي، من كونه أسوة مع كونه دينًا كالطارئ بعد الحجر، فإنما كان ذلك كذلك لكون هذا الدين يثبت في ذمة المفلس بغير اختياره، ولا دخل على أن يؤخر حقه في الرجوع على صاحب الدار عن حقوق الغرماء الذين سبقوه. بخلاف ما لو عامله رجل بعد الحجر عليه، فإنه لا يحاص الغرماء في المال الموقف ليباع لهم، لأنه عامله باختياره على أن يكون الثمن فيما يكتسبه من مال غير ما حجر عليه فيه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^٢)، فهذا يعم الدين كله، سواء كان من قرض أو بيع، وقد استدان النبي ﵇ ورهن درعه، ولكنه مع هذا شدّد في وجوب القضاء، وخاطب الطائفتين جميعًا:. مَن عليه الدين ومَن له الدين وذكر ما يدل على منع المطل به مع الغنى، وبالغ في التحضيض على القضاء، وذلك أنه كان لا يصلي على من مات وعليه دين، وما ذلك إلا لعلمه - ﷺ - بعظيم موقع صلاته على الميت، وعظيم الانتفاع بها في الآخرة، وشدة التأسف على ترك صلاته على من لم يصل عليه وهذا من أعظم الدواعي لهم إلى أداء الديون التي عليهم. وقد قال - ﷺ -:
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عن.
(٢) البقرة: ٢٨٢.
[ 3/ 1 / ٣٧٧ ]
"إن صاحبكم محبوس دون الجنة بدين عليه" (^١) في رجل استشهد.
لكن أصبغ حمل الأحاديث الواردة في التشديد في الدين على أنها منسوخة، وأنها كانت قبل أن يفرض الله سبحانه الزكاة، ويأمران يقضي بها عن الغارمين، فصار بعد ذلك الإثم على السلطان إن لم يقض عن الميت دينه دون أن يكون في ذلك إثم على من مات معسرًا، إلا مَن ادان في سرف أو فساد. وذكر نحو ذلك عن ابن شهاب، وأكد ذلك بقوله ﵇: "من ترك مالًا لورثته" (^٢) وفي رواية: "من ترك الكل للعيال التقيد ومن ترك دينًا فعلينا دينه" فقال رجل: يا رسول الله فمن لنا بعدك؟ فقال - ﷺ -: يأخذ الولاة بكم بمثل ما يأخذكم به لغرمائكم يوم القيامة" (^٣)، ثم صار رسول الله - ﷺ - بعد ذلك يصلي على من مات وعليه دين.
وروي: أن معاذًا لما خلعه رسول الله - ﷺ - من ماله لغرمائه، وبقي لهم فقالوا: يا رسول الله، كيف بالتباعة؟ فقال ﵇: "لا تباعة في الدنيا ولا في الآخرة" (^٤) يريد بالتباعة الإثم.
وروي: "أن من ادّان دينًا ينوي قضاءه أداه الله عنه وإذا لم ينو قضاءه أتلف الله".
وفي حديث آخر: "إذا مات أخذ من حسناته وإن كان ينوي قضاءه فالله قادر أن يرضي عنه غريمه، وروي: أنه من ادان في غزو أو حج أو كفن ميت لا كفن له أو في صلة رحم أو نفقة على العيال أو في نكاح لخوف العنت فعلى الله سبحانه، وعلى ولاة المسلمين أن يقضوا عنه".
_________________
(١) مسند أحمد: ٤/ ١٣٦ - ٥/ ٢٠٧
(٢) فتح الباري: ١١/ ٤٤٤.
(٣) الطبراني عن سلمان: انظر السيوطي: رواه مختصرًا جامع الأحاديث: ٦/ ٣٣٢ - حد ٢١٦٢٨.
(٤) أقرب صيغة لهذا الحديث ما رواه البيهقي عن جابر. انظر: السنن الكبرى: ٦/ ٥٠.
[ 3/ 1 / ٣٧٨ ]
وفي حديث آخر: "قضى الله عنه يوم القيامة وهذا كله تشديد في الديون وتحذير من ترك قضائه وخاطب أيضًا طالبها من جهة أخرى بالرفق والمسامحة، فقال: "أحب الله عبدًا باع سمحًا، إذا قضى سمحًا، إذا اقتضى سمحًا" وقال: "ليأخذ حقه في عفاف واف" (^١) أو غير ذلك وروي أنه ﵇ قال: "من سره أن يفرج الله كربه ويعطيه سؤله" وفي حديث آخر أن يظله الله في ظله فلينظر معسرًا أو يخفف عنه" إلى غير ذلك مما أضربنا عن ذكره مما تعلق بهذا الحديث.
والجواب عن السؤال الثالث:
قد قررنا أن القاضي إذا رُفع إليه مَن عليه دين كان عليه أن يمكّن غرماءه من استيفاء حقوقهم، فإن تنصل منها الغريم وقضاها فلا مقال (له عليه الدين) (^٢).
وإن امتنع من ذلك باع عليه ما ذكرناه، وكشف عنه، فإذا ثبت عسره أطلقه، ومنع الغرماء من مطالبته، حتى يجد ما يقضي منه دينه، وليس لهم بعد ذلك أن يلازموه عند مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: بل لهم ملازمته واتباعه والتصرف معه حيث يتصرف، ويدورون معه حيث دار، ورأى أن ثبوت إعساره إنما يستوفي عنه مطالبتهم، وأما كل ما يؤدي إلى عشورهم (^٣) على مال يأخذون منهم (^٤) حقوقهم فلا يمنعون منه. وهم إذا منعوا ملازمتها (^٥) أمكن أن يكسب مكسبًا يخفى عنهم، فصار المنع من ملازمته يؤدي إلى إبطال حقوقهم.
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٦: ٥٣.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لمنْ له عليه الدين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عثورهم.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: منه.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ملازمته.
[ 3/ 1 / ٣٧٩ ]
ويحتج أيضًا برواية زياد عن أبيه حبيب أنه قال: أتيت بغريم إلى النبي - ﷺ - فقال لي: "الزمه" ومرّ بي بعد ذلك وأنا معه فقال لي "ما فعلت يا أخا تميم مع أسيرك" (^١) وهذا أمر بملازمة الغريم.
وأجيب عن هذا بأنه لما وافقنا على أنه لا تجب مطالبته فكذلك لا تجب ملازمته، ألا ترى أن الدين إذا كان مؤجلًا فليس للغرماء أن يلازموا الغريم وإن قرب الأجل لما كانوا لا يستحقون المطالبة، فلهذا لم يستحق (^٢) الملازمة وأما حديث حبيب، فهي قضية في عين لم، يذكر سببها، ويمكن أن يكون أراد الملازمة حتى يثبت دينه عليه، أو حتى يخاصمه بين يديه. وإذا احتمل ذلك لم يكن لأبي حنيفة حجة في هذا الحديث مع احتماله.
ولنا عليه ما روي: "أن رجلًا أصيب في ثمار ابتاعها، على عهد النبي ﵇، فأكثر دينه فقال ﵇: "تصدقوا عليه" فلم يبلغ وفاء دينه فقال - ﷺ -: "حذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك" (^٣).
وقد روي "أن معاذًا كثر دينه فلم يزد النبي ﵇ غرماءه على أن خلع لهم ماله" (^٤).
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
قد قدمنا القول فيما يباع على الغريم إذا حكم بفلسه. وكان من حق هذه المسألة أن تذكر هناك، لكن تَوَخَّيْنَا موافقة الترتيب في المدونة.
فعند مالك والشافعي وأبي حنيفة أن المفلس لا يؤاجر في الدين.
_________________
(١) أخرجه البيهقي عن هِرماس بن حبيب عن أبيه عن جده: انظر السنن ج ٦ - ص ٥٢/ ٥٣.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يستحقوا.
(٣) البيهقي: السنن: ٦/ ٤٩ - ٥٠.
(٤) البيهقي: السنن: ٦: ٥٠.
[ 3/ 1 / ٣٨٠ ]
وذهب بن عبد الله قاضي الكوفة وعبيد الله بن الحسين العنْبري وأحمد وإسحاق إلى أنه يؤاجر في الدين إذا كان يكتسب ما يفضل عن نفقته.
ونحن نقول: إن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^١) والمفلس وإن كان قادرًا على الاكتساب بخدمته فهو ذو عسرة، والله سبحانه حكم فيه بأن يؤخر إلى نظرة وجَبْره على أن يؤاجر نفسه ليس هو التأخير إلى نظرة.
وذهب المخالفون في ذلك إلى التعلق بما روي أنه ﵇ "باع سراق (^٢) في دين عليه" (^٣)، وروي أنه "باع حرًا في دينه" (^٤)، وهذا الحديث لا بد للمخالف أن يضمر فيه إضمارًا إذا وقع الاتفاق على أن الحر لا تباع رقبته في الدين.
وإذا ثبت الافتقار إلى إضمار فأضمروا هم في قوله "باع حرا في دينه" أنه أراد: باع منافعه.
ولنا نحن أن نضمر أنه أراد به: باع ماله. وأيضًا فإنا نقول: يمكن أن يكون رضي الحر بأن يؤاجَر في الدين. ونحن لا نمنع من ذلك إذا رضي بها الحر، وإنما نخالف من ذكرنا مذهبه في أنه لا يجبر على ذلك إذا امتنع.
وأما قوله "باع سرقًا في دين" فيحتمل تأويلات ثلاثة، وهو: أن يكون هذا الرجل عبدًا، ونحن نسلم بيع العبد في الدين.
لكن لهم أن يقولوا: أما تأويلك أن يكون المراد أنه آجره برضاه فتعسف لأجل أنه إذا كان رضي ذلك لم يحتج إلى أن يؤاجره النبي ﵇.
_________________
(١) البقرة: ٢٨٠.
(٢) هكذا في النسختين، والصواب: سَرِق. انظر البيهقي السنن: ٦: ٥٠
(٣) البيهقي: السنن: ٦: ٥٠.
(٤) البيهقي: السنن: ٦: ٥٠.
[ 3/ 1 / ٣٨١ ]
قلنا: يمكن أيضًا أن يكون تولّى النبي ﵇ ذلك ليقسم إجارته على غرمائه، إذ المحاصة بين الغرماء يفتقر فيها إلى التحاكم. وقد ذكر في حديث "سرق" تأويل آخر: أنه كان في أول الإِسلام، وكان الحر يباع في الدين حينئذ.
وذكر بعض العلماء أن زيد بن أسل قال: "لقيت رجلًا بالاسكندرية سميَّا بهذه التسمية، فسألته عنها، فقال: إني قدمت المدينة وذكرت لهم أن مالي سيلحقني، فعاملوني، فلم يصل إليهم مال، فدفعوني إلى النبي ﵇ فقال: "أنت سرق" وباعني بأربعة أبعرة، فاشتراني رجل أراد عتقا، فسأله الغرماء عن سبب شرائه لي فأخبرهم أنه يريد عتقي، فقالوا: لست بأرغب منّا في الخير فأعتقوني أجمعون" (^١). هذا معنى هذه الحكاية المروية. وقد انعقد الإجماع على أن الحر لا يباع في الدين فإن ثبت ما ذكر في هذا الخبر فقد كان ثم نسخ.
وكان بعض أشياخي يحمل ما ذكرناه عن المذهب في هذا على أن ذلك في التجار الذين يعاملون على أموالهم وذممهم. وأما إن كان صانعا صعلوكًا يعلم أنه لا يكتسب إلا من عمل يده فإنه إنما يعامل الناس عليه. فإذا استدان دينًا وفضل له من عمل يده ما يجب أن يصرف مثله (بمثله من المفلسين) (^٢) فإنه يجبر على التكسب من عمل يده، وإذا امتنع من ذلك استأجره القاضي ويصير عمل يديه ها هنا كمال التاجر الذي يعامل عليه. هذا إذا عومل بدين وأما لو استؤجر على شيء بعينه، مثل حياكة ثوب. يحوكه بنفسه، فإنه يجبر على عمل ذلك وإن أدى إلى أن يقتات من تكرم الناس. وتصير هذه المنافع كانه باع سلعة معينة فعليه تلسيمها وإن أضر ذلك به، ما. لم يخش عليه منه تلف النفس لعذر
القوت ولو تكفف الناس.
_________________
(١) البيهقي: السنن: ٦: ٥٠.
(٢) ما بين القوسين ساقط من المدنية.
[ 3/ 1 / ٣٨٢ ]
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إذا رفع الغريم للقاضي، وطلبه بقضاء ما عليه من ديون ثبتت عنده عليه، فادعى العجز عنها، فإنه يعتبر في ذلك وجهان:
أحدهما سبب الدين. والثاني: حال الرجل الذي عرف بها.
وأما اعتبار سبب الدين، فإنه إن كان الدين عن معاوضة مالية، كمن اشترى من رجل متاعًا أو ما في معناه من أنواع ما يتجر به، فلما طلب بالثمن وقد قبض المثمون وزعم أنه عاجز عن ذلك فإنه لا يصدق في ذلك بالاتفاق بمجرد قوله، حتى يظهر ما يدل على صدقه. وذلك أن الغِنَى مما يعلم قطعًا، والفقر مما لا يعلمه إلا الله سبحانه، ومَن يدعيه في نفسه. وأما سائر الناس - فتجوز عقولهم أن يكون عند الرجل مال أخفاه، لكن ربما كانت قرائن أحوال تبلغ إلى العلم ولكنها مما لا يمكن تنويعها وتقديرها، وهي أيضًا مما يندر ويشذ. واستصحاب الأصول هو مقتضى الشرع وقد علم أن هذا أخذ المثمونات فإذا ادعى الفقر قيل له: فأين المثمونات؟ فأظهرها لياخذها أصحابها أو يأخذون أثمانها. وقد صار ها هنا كالمعلوم الكذب في ظاهر المظنون، فلهذا قلنا لا يقبل دعواه الفقر إلا أن يثبت ما يدل على صدقه من جوائح طرأت على ما في يده فعلمت بنظر فيها إذا ثبتت.
والنوع الثاني من أسباب الاستدانة أن يكون ذلك عن معاوضة ولكنها ليست بمالية، كمن وجب عليه صداق امرأة، فالصداق ثمن لمثمون ولكن المثمون مما لا يباع ولا يشترى.
ويلحق بذلك نوع ثالث وهو أن يكون الدين عن غير عوض لا مالي ولا غير مالي كنفقة الأبوين والأولاد، وكمن وجب عليه تقويم شِقص في عبد عتق نصيبه منه، فهذا قد يقع فيه إشكال، بخلاف ما كان عن معاوضة. فوقع في المبسوط لمالك ﵁ ما يشير إلى أنه يصدق في دعوى الفقر لأنه قال:
[ 3/ 1 / ٣٨٣ ]
إنما يفلس الرجل التاجر، وأما من كان ليس بتاجر ولا يتهم أن يكون أخفى مالًا فليس يفلس ولا يستحلف. فأشار إلى أن التجار إنما يُطلبون بديون عن معاوضة، فنحن نستصحب ما عرفوا به من المَلإ حتى يثبت خلافه، وإلى مثلهم تطرق التُّهم بأنهم أخفوا المال. وأما من ليس بتاجر وكان مشتهرًا بالصعلكة وقلة ذات اليد، فالظاهر صدقه في دعواه الفقر، فيقبل ذلك منه.
وقد مال بعض الأشياخ الحذاق إلى ما هو المعروف من المذهب من أن دعوى الفقر لا يقبل من الغريم من غير التفات إلى سبب المداينة. وقال: إن الأغلب من الناس اليسار فهذا مسلك آخر وهو رد النادر إلى الأغلب والغالب عنده من الناس اليسار.
والطريقة الأخرى استصحاب الحال في كون من أخذ الأعواض فهي باقية عنده وأثماره أو عُرف بالمال فإنه يستصحب ذلك منه حتى يثبت خلافه.
وبالجملة قد نبهتك على أن المطلوب من ثبوت الفقر غلبة الظن، إذ لا (يحتج القطع) (^١) على باطن الأمر. وغلبات الظنون تختلف وتستمد من الالتفات إلى مجاري العادات في أمثال الأشخاص المدعين الفقر، وقرائن حال كل واحد بعينه، وإن لم يمكن ذلك فيه فيتلقى من مقتضى العوائد في أمثاله. فهذا الذي يجب أن يعتمد عليه.
ومما ينبني على هذا الأصل مما ورد في الروايات ما ذكره في المبسوط عن عبد الملك بن الماجشون من كون (^٢) وجب عليه تقويم بقية عبد قد أعتق هو منه نصيبه، فإنه يقبل منه دعواه عجزه عن القيمة التي وجبت عليه إن لم يكن له مال ظاهر، وقد سئل عنه جيرانه ومن يعرفه فقالوا: لا نعرف له مالًا ويحَفف، وقال سحنون: جميع أصحابنا على هذا إلا اليمين فإنه لا يوجبونه. وقد قدمنا عن مالك في المبسوط أنه من ليس بتاجر ولا يتهم بإخفاء ماله أنه لا يفلس ولا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يحتاج للقطع.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: مَن.
[ 3/ 1 / ٣٨٤ ]
يستحلف. وكأن من استحلفه قدر، أن أقصى أحوال هذه القرائن إن شرطنا بأنه صدق من دعواه الفقر. ولو شهدت بينة بفقره وإعساره فلا بد أن يستحلف خلافًا لأبي حنيفة في ذهابه إلى أن من شهدت بينة بكونه معسرًا فإنه لا يستحلف مع شهادة البينة بذلك.
وبالغ في الإنكار عليه بعض العلماء وقال: إن الشهادة بالفقر إخبار بظاهر الأمر دون باطنه فلا بد من أن يحلّف على صحة ما ادعاه من باطن أمره الذي لا يصح أن يعلمه من شهد بفقره وهذا كمن استحق سلعة بشهادة بينة أنها ملك له، فلا بد أن يحلف: أنه ما باع ولا وهب لكون الشهود لا يعلمون هذا الباطن بل يجوز أن يكون باع أو وهب. ولأجل الالتفات إلى تصحيح ما ادعاه من الباطن أشار مالك إلى الوقف عن قبول شهادة من شهد بفقر رجل وإعساره، وهو معروف بالمال والملاء، وقال: من أين يعرف الشهود ذلك؟ إلا أن يكون اطلعوا على الأسباب التي ذهب ماله لأجلها، يشهدون بأمر يقطعون: وهو ذهاب ذلك المعلوم من المال.
وإلى هذا أيضًا ذهب الشافعي فقال: لا تقبل الشهادة يكون الرجل المعروف بالملاء معسرًا، وتقبل الشهادة إذا ذكر الشهود أسباب ذهاب ماله. إلى هذا المعنى أشار الشافعي، وهو نحو مما أشار إليه مالك. وهكذا أيضًا مذهب الشافعي في مراعاة استصحاب الأصل الذي عليه الإنسان من غنى أو فقر. وهذا الاستصحاب في مثل هذا السؤال أشار إليه الشرع: فمن ذلك ما روي: أن رجلين أتيا إلى النبي ﵇ فسألاه في الصدقة، أعطيكما بعد أن أعلمكما أنها لا حقالغنئ فيهالأولا لذي مكسب فيها (^١)، فاعطاهما الصدقة تعويلًا على ظاهر أمرهما أنه لم يعلم لهما مالًا. وروي عنه أنه ﵇ قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاث" وذكر إلى أن قال: ورجل ذكر أنه أصابته جائحة
_________________
(١) مشكاة المصابيح: ١/ ٥٧ - حد ١٨٣٢.
[ 3/ 1 / ٣٨٥ ]
فاجتاحت ماله لا حتى تشهد بينة من ذوي الحجا من قومه أن جائحة اجتاحت ماله (^١). فاستصحب في الحديث الأول كونه لا يعلم له مالأوالأصل عدم المال وإنما يكتسب بعد ولادة الإنسان وبلوغه الاكتساب. وعول في الحديث الثاني على استصحاب كونه مليئًا على موجب اعترافه بالملاء أو العلم بذلك بغير اعترافه، فإذا كشف عنه فأخبر بعَضِّ جائحة ماله قابل الظن بصدقهم الظن باستصحاب ما كان عليه من حال. وكان هذا الخبر المستفاد من ناحية خبر ثلاثة من قومه أقوى من الظن المستفاد من استصحاب حال ما كان عليه. ولم يطلب في هذا ما طلب من تحديد الأعداد في الشهادات لأن المطلوب ها هنا حصول غلبة الظن بصدقه من كون ماله قد أصابته جائحة. فصار الناس على ثلاثة أقسام: معلوم الغنى: فنحن نستصحب غناه حتى يثبت خلافه.
ومعلوم الفقر بالبيّنة وبقرائن حاله ومقتضى صنعته ومتكسبه. ومجهول الحال.
فهذا المجهول الحال الذي لا يعلم فقره أو غناه، وقد يُلتفت فيه إلى اعتبار سبب المداينة على ما قلناه من المعروف من المذهب على ما حكيناه عن بعض الأشياخ من كون الغالب من الناس اليسار. فهذا المجهول الحال يحبس حتى يستبرأ أمره وينكشف للقاضي ويثبت عنده إعساره فيطلقه من الحبس. وقد قال مالك: لا يحبس في الدين حر ولا عبد إذا لم يتّهم بأنه أخفى ماله. إلا أن يحبس مقدار ما يستبرأ أمره ويكشف عن حاله.
وحبس الغريم عند دعوى العجز عن القضاء ثابت على الجملة عند مالك والشافعي وأبي حنيفة ومدة الحبس غير محدودة بل موكلة إلى اجتهاد القاضي.
ويستعد (^٢) تحديدها في كل شخص من اعتبار ما كان عليه من ظن به أنه لا يعجز
_________________
(١) مسلم: " الصحيح: الزكاة: حد ٢٣٦٦.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يُستمد.
[ 3/ 1 / ٣٨٦ ]
عن قضاء هذا الدين، ومن كونه ممن يتجلد على الحبس، وهو عنده أخف من إظهار ما كتم من مال، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى من قرائن الأحوال.
فلكل نازلة حكمها، هذا هو التحقيق فيها. قال عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا: يحبس في الدريهمات اليسيرة نصف شهر ونحوه، وفي الوسيط من ذلك الشهرين والثلاثة، وفي الكثير من المال الأربعة أشهر وهكذا نقل عن أبي حنيفة: إنما يحبس الشهرين والثلاث قولًا على الإطلاق. ونقل عنه أنه يحبس أربعة أشهر. وبعض أصحابه قال: أربعة أشهر حبس لمن كان غنيًّا، وما سواه لمن لم يكن كذلك. وبالجملة فلا يقوم على التحديد دليل، فإنما يعتبر فيه ما ذكرناه من حصول غلبة الظن بصدقه في فقره، أو يشهد له من يعلم كثيرًا من باطن حاله كالشريك، والصديق، والمخالط.
وقد استدل بعض الناس على حبس الغريم بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (^١) وهذا في معنى الحبس.
ولو استدل بهذه الآية على حبس الغريم ما كنا قدمناه عن أبي حنيفة من كونه يرى أن الغرماء أصحاب الديون أن يلزموا غريمهم ويدورون معه حيث دار، لكان ذلك أولى من الاستدلال بها في حبس الغريم.
وإذا ثبت وجوب الحبس على الجملة بالتشديد فيه والتضييق والتسهيل فيه بحسب أيضًا ما تقتضيه غلبات الظنون، فيضيق في حبس الملك (^٢) المتهم بإخفاء المال المعروف بسوء القضاء ما لا يضيق فيمن كان بخلاف هذا الحال.
وقد اختلف المذهب في تمكين زوجته من الكون معه في الحبس بموضع يسوغ لها أن تكون فيه لتبيت معه أو لتخدمه، ولا يخرج لتمريض قريب إلا الأبوين والولد والأخوة ومن مثلهم في القرابة، ولا يخرج لمن سوى ما ذكرنا من القرابات.
_________________
(١) آل عمران: ٧٥.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: المليّ.
[ 3/ 1 / ٣٨٧ ]
فإذا اشتد مرضهم وخيف عليهم الموت فأراد أن يخرج ليسلم عليهم فإنه يؤخذ عليه كفيل ويمكن من ذلك. ولا يخرج بحج، ولو كان أحرم به لم يمنع ذلك حبسه وهو محرم، ولو كان قد نزل بذلك مكة أو عرفة لم يحبس لقرب الأمر في ذلك، ويؤخذ عليه كفيل ولا يخرج لصلاة الجمعة ولا العيدين.
وقال بعض أشياخي: هذا الذي ذكره محمَّد بن عبد الحكم من أنه لا يترك للخروج لصلاة الجمعة إنما يصح على قول من شذ من الناس ورأى أن صلاة الجمعة فرض على الكفاية. ذكرناه في كتاب الصلاة من كتابنا هذا.
وعندي أن هذا لا يخرج منه كون من ذهب إليه يرى أن صلاة الجمعة فرض على الكفاية لأن صلاة الجمعة عبادة لها بدل، وهي تسقط لأعذار في أحد القولين لشدة المرض، وقد أبيح التيمم والانتقال عن الطهارة بالماء إذا طُلب المتوضئ في الماء بثمن كثير، فكذلك لا يبعد أن يكون الخوف على تلف مال الغرماء إن خرج هذا للجمعة عذرًا في إسقاط فرض الجمعة والأولى عندي ألا يمنع من ذلك إذا كان يقع منه ذلك لا (^١) صفة لا يلحق الغرماء منها ضرر ولا إضاعة لمالهم. ولو فرض (^٢) وهو في الحبس لم يخرج إلا أن يذهب عقله فيخرج حتى يعود إليه عقله، لأنه إذا ذهب عقله لم يعلم حيث هو هل هو محبوس أو مطلق؟ ولا فائدة حينئذ في حبسه.
ولو كانت له أمة واضطر إلى أن تمكن من خدمته في مرضه ويخشى عليه إن لم يمكن من ذلك مكن منه أيضًا على صفة لا يحلق منها الغرماء ضرر أشد من ضرره.
وجميع ما ذكرناه في حبس المفلس يعلم (^٣) كل مفلس إلا مفلسًا له حرمة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: على.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مرض.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يَعُمُّ.
[ 3/ 1 / ٣٨٨ ]
على طالب الدين منه كالأبوين فإنهما لا يحبسان في دين الولد عليهما لأجل حرمتهما عليه ووجوب برهما لديه، وتحريم الباري سبحانه عقوقهما على الولد وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^١) وهذا غاية في المبالغة في النهي عن فعل ما يؤذيهما ويكون عقوقا لهما. وحبسهما لا يخفى عن العقلاء أنه أبلغ في أذاهما من أن يقال لهما: أف. ولكن لا يظلم أيضًا الولد لهما بل يتكلف القاضي من التشديد عليهما ما يؤديه الاجتهاد إليه في تخليص دين الولد عليهما، وإيصال ذلك إليه. لكن لو كان الأب امتنع من الإنفاق الواجب عليه لابنه الصغير ولم يمكن القاضي أخذ ذلك منه إلا بحبسه فإنه يحبسه في ذلك.
وعلل ابن عبد الحكم هذا بأن ذلك إن لم يفعل أدى ذلك إلى ضرر الولد وهلاكه.
وعندي أنه يمكن أيضًا أن يضاف إلى ذلك علة أخرى وهي أن الولد الصغير غير مكلف، وإذا كان القاضي هو الذي حبس والد الصغير فكأن الصغير لم يعق أباه ولا هو الذي حبسه وأنه حبسه من لا حرمة بينه وبينه، وهو القاضي، في حق الله سبحانه الذي طُلب به القضاة في صيانة حياة من لا يعرف صيانتها وصيانة ماله.
ولو كان على هذا التعليل ابنة بلغت بكرًا في حجر أبيها فهي مخاطبة بأن لا تعق أباها، وطلبت هي حبسه في الإنفاق عليها عُدنا إلى التعليل الأول وهو: ما يلحق الولد من الضرر وخوف الهلاك لسبب عدم الإنفاق.
ولو كان في يد الأب مال لولده وعلى الولد دين يحبس الأب، ها هنا حتى يسلم ما في يديه، إن لم يقدر على تخليص ذلك منه بغير الحبس. وكان هذا لِحَقِّ رجل آخر وهو الذي له الدين على الولد وهو أجنبي من الأب،
_________________
(١) الإسراء: ٢٣.
[ 3/ 1 / ٣٨٩ ]
(وهذا أجنبي من الأب) (^١) وهذا مثل ما اتفق أن السيد لا يحبس في دين لعبده عليه لأن له انتزاع ماله، إلا أن يكون على العبد دين فحبس فيه سيده لحق غرماء العبد.
وأما الجد والجدة فإنهما يحبسان في دين ولد ولدهما لنقص حرمتهما عن حرمة الآباء والأمهات.
لي في إطلاق هذا القول الذي وقع في المذهب نظر. وقد يختلف حال الأجداد وتأكد حرمتها على أبناء البنين ويختلف مقدار المال الذي يطالب به ولد الولد.
وقد اختلف في القصاص من الأجداد على ما سيرد ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما إذا طلب الولد تحليف أحد أبويه على مال له عنده جحده إياه، فإن المذهب على قولين:
أحدهما وهو المذكور في المدونة: لا يمكن الولد من تحليف أبيه.
وفي الموازية أنه لا يمنع من ذلك، ولكن يكون ذلك جرحة عليه يوجب رد شهادته وكونه عاقّا.
ولابن الماجشون في ثمانية أبي زيد أنه لا يمنع من ذلك، ولأن (^٢) فعله لم يكن عاقا. فوجه المنع من تمكين الولد من تحليف أبيه ما أشرنا إليه في تعليل منعه من حبس أبيه، لأن التحليف أيضًا في امتهان الأب وهتك لحرمته فيمنع الولد منه.
ووجه القول بتمكينه من ذلك أن التحليف (لا يبلغ في هتك الحرمة) (^٣)،
_________________
(١) هكذا في النسختين، والظاهر أنه تكرار.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وَإِنْ.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف في.
[ 3/ 1 / ٣٩٠ ]
وللولد حق من جهة طلب ماله، فلا يسقط حق الولد لحق الأب لاحترامه. وهذا التعليل يطابق ما ذكره في الثمانية من تمكينة من تحليفه ولا يكون عاقا بذلك.
وأما الذي في الموازية فإنه يسبق إلى النفس تعارضه لأن العقوق منكر، والمنكرات على القضاة تغييرُها والمنع منها.
لكنه أفتى القاضي بما يجب عليه من التمكين، ثم خاطب الولد بالكف عن ذلك لما فيه من العقوق. فكان فرض القاضي التمكين وفرض الولد أن لا يفعل ما مكن منه. فهو خطاب لشخصين.
والذي يختاره أشياخي في هذا الاعتبار حال الأب، وارتفاع قدره، ومقدار ما يحط من نزلته مبادرته إلى اليمين، ومقدار أيضًا ما يحط ذلك من مقدار الولد. ثم الالتفات إلى مقدار الدين: فإن كان الدين حقيرًا والولد موسرًا، وهو رفيع القدر في الناس، ويحط ذلك أيضًا من مقدار الولد، فإنه لا يمكن من ذلك. فالعكس في عكس هذه الأحوال فكأن هذا مبني عند أشياخي على تغليب أحد الضررين لما تقاوم الحقان: حق الأب في أن لا يُعَق، وحق الولد في أن لا يؤخذ منه ماله.
هذا الحكم في الغرماء أقارب كانوا أو أجانب إذا تفالسوا.
وأما إن لم يدع الغريم الفلس وسأل الإمهال حتى يجتمع ما يقضي منه الدين، فإن سحنونا ذهب إلى أنه يمهل اليوم ونحوه، ويؤخذ عليه حميل بمال فإن لم يأت بحميل سجن.
وفي كتاب ابن حبيب أنه يؤخذ بقدر الاجتهاد في مقدار كثرة المال وقلته.
وهكذا في المبسوط من غير تحديد لمقدار التأخير. ولم يذكر في الكتابين أخذ حميل عليه كما قال سحنون.
ورأى بعض أشياخي أن المذهب على قولين في أخذ الحميل وفي
[ 3/ 1 / ٣٩١ ]
الاستحلاف على صحة عذره أنه يتعذر عليه القضاء في الحال.
والخلاف في أخذ الحميل ينبني على الالتفات إلى ما دخل عليه الغرماء على غريمهم في الدين المؤقت بأجل محدود: هل التحديد والتوقيت دخل المتعاملان على أنه لا يتعدى، فيكون تعديه لسبب حدث بخلاف ما دخلا عليه يوجب الحميل، أو يقال إن التوقيت كالمتضمن لزيادته عليه معتادة في حكم الاقتضاء، فيصير كأنها مضافة إلى الأجل فلا يلزم الحميل كما لو طلب من له الدين حميلًا به قبل حلول الأجل. واختلف اختيار الأشياخ: فبعض أشياخي يرى أن لا يؤخذ الحميل، وبعض أشياخي يرى التمكين من طلب الحميل.
والسبب في الخلاف ما أشرنا إليه.
وإذا طلب المفلس أن يثبت فقره ليسلم من الحبس، فهل ينجيه من الحبس أخذ حميل بوجهه أم لا؟
فمذهب ابن القاسم أنه إذا أتى بحميل لا يحبس.
ومذهب سحنون أنه لا ينجيه إتيان حميل بوجه من الحبس.
وسبب هذا الاختلاف أن حميل الوجه إذا أحضر من تحمل بوجهه، وأثبت الغريم المحَمَّل بوجهه فقره، وحلف أنه ما أخفى مالًا ولا يجد ما يقضي، فإن الحمالة تسقط، ولكن بشرطين: إحضار الغريم، وإثبات فقره. وفقره لا يثبت بمجرد الشهادة بكونه فقيرًا حتى يحلف، كما قدمنا ذلك، وذكر مخالفة أبي حنيفة في يمينه. فإذا تحمل رجل بوجه الغريم المفلس فإنه يمكن أن يهرب الغريم فإن أثبت الحميل فقر الغريم في غيبته بقي استقلال (^١) القضاء بفقره يمينه على أنه ما أخفى مالًا، وذلك مما لم يمكن أن يحلفه الحميل عنه.
وكان ابن القاسم يرى أن هذه يمين استظهار وحبسه قد يمنعه من السعي في إثبات فقره فيلحقه الضرر بالحبس، ولا يوقع في هذا الضرر بعد يمين
_________________
(١) هكذا في النسختين، والمعنى على مطالبته بيمين القضاء على عدم الغريم.
[ 3/ 1 / ٣٩٢ ]
استظهار. فلو التزم الحميل أنه إن تعذرت هذه اليمين التي يُطلب بها الغريم إذا حضر لقام (^١) بالمال، ارتفع هذا الخلاف بين ابن القاسم وسحنون. وكان الخليفتان ﵄ يضيفان إلى يمين المفلس على أنه ما عنده ما يقضى منه، وأنه إن وجد مالًا في المستقبل ليقضى منه. فأضافا ﵄ إلى اليمين على صفة الحال اليمين على ما يكون في الاستقبال. وهذا تأكيد في الاحتياط والاستظهار لئلا يقوم الغريم بعد مدة يمكن أن يكتسب الغريم فيها مالًا فيطلب صاحب الدين استخلافه أنه لم يكتسب في هذه المدة مالًا فيتكرر ذلك فتكون تقدمة اليمين عليه كالحاسم لمضرة التكرير.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
قد تقرر في أصول الشرع بناء الأحكام على الاحتياط وصيانة الأموال على أربابها. فإذا وجب تفرقة مال مديان على غرمائه فلا تخلو من أن يكون غير معروف بالمداينة والإكثار منها حتى يغلمب على الظن، ويقتضي ظاهر الحال ألا طالب لماله سوى (من حاول القاضي أو يقضيه دينه) (^٢)، أو يكون مكثرًا للاستدانة حتى لا يغلب على الظن أنه قد أحاط بجميع غرمائه في الحال، وإن كان كذلك، وإنما يفرق القاضي تركته على الغرماء وقد مات، فإنه يجب الاستيناء في قضاء من حضره من الغرماء والبحث عمن سواهم، حتى يغلب على الظن أنه قد أحاط بجميعهم.
وأما إن كان مفلسًا فانه اختلف: هل يستأني بقضاء من حضر من الغرماء كما يُستأنى بتركته أم لا؟ ففي المدونة قولان في هذا المعنى: فذكر ابن وهب عن مالك أن الغائب إذا مات استؤني بقسمة تركته على غرمائه. وكذلك إذا فلس.
وقال غيره لا يستأنى قسمة مال المفلس بين غرمائه كما يستأنى في تركة
_________________
(١) أي: لغرم.
(٢) هكذا في النسختين، والمعنى: من طلب من القاضي إلزام المدعى عليه قضاء دينه.
[ 3/ 1 / ٣٩٣ ]
الميت. (قد انقطعت وخربت بالضرر بالمبادرة بقسمتها على من حضر من الغرماء بعظم موقعه لجواز طريان غريم فلا يجد ما يعلى فيه دينه وإن عدى على الغرماء وهم تفرقوا شق ذلك عليه) (^١).
وأما المفلس فإن هذه العلة موجودة أيضًا في ماله إذا قسم بين غرمائه، فيجب فيه الاستيناء على أحد القولين، ولا يجب على القول الآخر، لأن الضرر في ذلك يتقاصر عن الضرر في قسمة تركة الميت بين غرمائه، فلم يلحق حكمه بحكم من مات مفلسًا مع كون الغرماء استحقوا أخذ ديونهم معجلة، وتأخيرها إضرار بهم. فغلِّب في التفليس ضررهم، بخلاف حال الموت، لعظيم الضرر فيه إذا فرق المال بين من حضر.
فإذا تقرر هذا فقضى الورثة أو الوصي ديون الميت لمن حضر، ثم طرأ غريم آخر، فإن بادروا بالقضاء وقد أمروا بتأخيره والاستيناء فيه إذا كان الميت معروفُ ابالاستدانة كما قدمناه، فقد تعَدَّوْا في المال، وأعطوا من حضر من الغرماء حقوق غيرهم، فيكونون ضامنين لهذا التعدي، فلهذا الغريم الطالب أن يرجع على الغرماء القابضين للمال بما ينويه في الحصاص لكونهم قد أخذوا عين ما استحق، ومن بيده مال استحقه آخر عليه فللمستحق أن يطالب به من هو في يديه.
فإن وجد الغرماءَ القابضين لديونهم فقراءَ فللغريم الطارئ أن يطالب الدافعَ لهم هذا المال الوارث أو الوصيَّ، لأجل تعديه في دفعه كما بيناه.
لكنه لو أراد طلب الوارث أو الوصي مع حضور الغرماء القابضين، وكونه يمكنه أخذه كما يمكن ذلك من الوارث والوصي، فإن بعض الأشياخ -يعني
_________________
(١) ما بين القوسين هكذا في النسختين. ولعل المعنى لأن ذمته قد انقطعت وخربت بالضرر بالمبادرة بقسمتها على من حضر من الغرماء يعظم موقعه لجواز طريان غريم فلا يجد ما يعلى فيه دينه
[ 3/ 1 / ٣٩٤ ]
أبا إسحاق- يشير إلى أنه بالخيار في طلب القابض لكونه في يديه حق الطارئ، أو طلب الدافع لكونه تعدى عليه بتسليم حقه لغيره وبعضهم يشير إلى أن المسألة على قولين في طلب الدفع. وفي المدونة كلام فيه إشكال حمله بعضهم على التخيير وحمله بعضهم أنه اختلاف. وقد اشتهر الخلاف في الغاصب إذا غصب شيئًا فوهبه لأحدٍ، ثم أتى المغصوب ذلك منه طالبًا له، وقد فات في يد الموهوب له، هل تكون البداية بطلب الغاصب المتعدي في الدفع لهذا المال، أو طلب القابض المنتفع به، أو يكون بالاختيار في طلب من شاء منهما؟ لكن قد قيل إن الذاهبين إلى القول بالبداية بالغاصب إنما صاروا إليه لأنه إذا غَرم لم يرجع له غرمه على الموهوب له لكونه سلطه على الإتلاف على ألَاّ عِوَضَ عليه، كما قيل فيمن أثاب (^١) في صدفته ظنًّا منه أن الكفارة تلزمه، فأكلها قابضها فإنه لا يرجع عليه الدافع إليه، لأنه هو الذي سلطه على إتلاف عَين شبيه (^٢) على ألَاّ عوض عليه غلطًا منه على ماله. وفي التفليس إذا رجع الغريم الطارئ على الوارث أو الوصي كان للوارث أو الوصي أن يرجع بما غرم على الغريم القابض بما دفعه إليه لأنه لم يسلّم ذلك على جهة الهبة، بل في معنى المعاوضة عمّا على أبيه الذي ورثه وإبراء لذمة أبيه. "فإذا غرم الغريم الطارئ رجع بذلك على من دفع إليه، فلا فائدة في تمكين الغريم الطارئ من طلبه وعدوله عن الغريم القابض من غير عذر ولا فائدة له، ولا للقابض في ذلك) (^٣) بخلاف مسألة الغاصب فإن في العدول عن تغريم القابض فائدة له في أنه لا يرجع عليه بما أتلفه مما وهب له. وقد قررنا أن الطارئ إذا استغرم الوارث أو الوصي الدافعين لهذا المال فإن لهما أن يرجعا على من دفعا إليه لما ذكرناه. فقد يقال في هذه إنه قد يتخرج فيه خلاف من مسألة الوكيل إذا تعدى، والسلعة التي وكل على بيعها قائمة، إنه يضمن ما تعدى فيه، ويكون تعديه
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين ولعلها عين شيئه.
(٣) ما بين القوسين هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٣٩٥ ]
التزامًا لغرمائه ما رسم، كوكيل أُمِر أن يبيع سلعته بعشرة فباعها بثمانية فإنه يغرم العشرة إذْ حال بين الموكل وبين أخذ سلعته بتعديه فيعد ذلك منه التزامًا لما سماه من الثمن. لكن الدافع للغرماء إنما سلطهم على عين مال، فإذا أتى من يستحقه لم تلزمه غرامة، ولا يعد ملتزمًا لذلك، مع احتمال فعله للالتزام، أو قصد إلى مجرد التعدي خاصة.
هذا حكم المرجع في هذا التعدي.
وأما حكم ضمان القابض له فإنه إذا قدم غريم لم يعلم به وقد قسم المال بين الغرماء الحاضرين، وجعلنا له طلمب الوارث الدافع بما بقي في يديه من مال الميت فإنه إن أكله ضمنه لهذا الطارئ، لأنه أكل مال غيره، عمدًا أو خطأ، فيضمنه له. وإن ادعى تلفه، وهو مما يغاب عليه، لم يصدق في ذلك، لأنه أمسكه لمنفعة نفسه أو لاعتقاد تمَلكّه، فلم يصدق في ضياعه، كما لا يصدق في ضمان العواري والبرهان، ولو قامت له بيّنة بضياعها من غير سبب له في ذلك فإن ابن القاسم أسقط عنه الضمان. ولم يسقطه عنه أشهب مرورًا على أصله في العواري والبرهان أن الضمان فيها لا يسقط بإقامة البينة على الضياع.
واختار بعض أشياخي مذهب ابنْ القاسم رواه (^١) مبنيًا على أصول المذهب لأن كل مستحق عينًا في يد غيره فإنما له أخذ العين من يد غيره فإن أنفقها غيره محمدًا ضمنها، وإن أتلفها خطأ ففي ضمانه قولان: إذا وضع يده عليها بوجه جائز، كمن اشترى عبدًا من سوق المسلمين فقتله عمدًا، ثم استحق، فإن قاتله يضمنه. وإن قتله خطأ ففي غرامته القيمة لمستحق العبد قولان.
وإسناد هذه المسألة للأصل الذي قال، قد يقع إشكال من ناحية أن من غصب له عبد فاستحقه من يد مشتريه بوجه شبهة، فإنه إنما يستحق العين لا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ورآه.
[ 3/ 1 / ٣٩٦ ]
أكثر. والوارث إذا مسك مالًا فالغريم لم يستحق عينه، وإنما استحق مقداره، فلو قضاه الوارث دينه من مال آخر لم يكن له مقال. ففارق ذلك استحقاق العين لا غيرَها.
هذا حكم ضمان الوارث لما بقي تحريره (^١) من تركه الميت المفلس.
وأما ضمان الغريم القابض إلى (^٢) قبضه، فالمعروف من المذهب أنه يضمنه على أي حال كان تلفه، إذا قام عليه غريم طارئ طلبه في المحاصة، حتى ذكر ابن المواز أنه لو وقف لغريم غائب نصيبه من تركة الميت فضاع كان ضمانه منه. ولو طرأ غريم وقد ضاع مال الموقوف لغرم من وقف له المال لهذا الطارئ حصته التي تجب له في المحاصة بدينه حتى كأن هذا المال الموقوف قبضه من وقف له فيجب الرجوع عليه بما قبض.
وعارض بعض الحذاق من الأشياخ هذا وقال: إنما ينبغي أن يضمن الغريم الموقوف له المال ما وقف له، بمعنى أنه يبرأ المفلس من دينه الذي قبض منه ما أوقف له لا غير ذلك. وأما أن يكون يضمن ذلك في حق غيره فلا وجه له، كما نقول فيمن اشترى عبدًا من سوق المسلمين فاستحقه من يده رجل فإنه يأخذه، ولو وجده مستحقه قد مات في يد المشتري لم يكن له أن يغرّمه قيمته وإنما له تغريم الغاصب له، وأما مشتريه وإن كان ضامنًا له فإنما معنى ضمانه له أنه لا يرجع بالثمن على الغاصب الذي قبضه منه. وإن كان الغيب قد كشف أنه أخذ منه ثمن ما لا يستحق أن يأخذ ثمنه فكذلك إنما يضمن هذا الغريم بما نابه في الحصاص، بمعنى أنه يسقط دينه به بمقدار ما قبض. وأما أن يضمنه لغيره فلا يجب ذلك كما لم يضمن المشتري المغصوب منه العبد قيمتَه، وإن كان ضمانه منه لما مات في يديه.
وإذا طرأ غريم على الغرماء فقد ذكرنا أنه يقضى له عليهم بالمحاصة على
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تحت يده.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لما.
[ 3/ 1 / ٣٩٧ ]
حسب ما يقضى له لو كان حاضرًا حين قسمه مال الغريم.
هذا إذا لم يبق في يد ورثة المفلس الميت شىء من التركة، بل نزع جميعًا (^١) فقضي ذلك للغرماء الحاضرين.
فأمّا إن بقي شيء من تركة المفلس بيد ورثته، فإنه يحسب ذلك من دين هذا الطارئ، حتى كأنه أخذه من جملة دينه، فإنما تكون له المحاصة لما فضل من ذلك وبمقدار ذلك يرجع على الغرماء الذين اقتسموا التركة. وهذا لأجل أن الغريم لو كان حيّا وقضى غرماعه وبقي في يديه ما يقضى آخرين (فأبيح فيه) (^٢) فإنه لا يرجع الغرماء الذين لم يقبضوا من دينهم شيئًا على الغرماء الذين قبضوا دينهم لكون غريمهم بقي في يديه ما يأخذه الأخ (^٣) فكذلك ورثته.
فلو مات رجل وترك ثلاث مائة دينار (لرجع) (^٤) فأخذا جميع دينهما من التركة، وبقي في يد الورثة مائة دينار، فإن من طرأ، وله دين على الميت جملته مائة دينار، لا يرجع على الغريمين القابضين للمائتين لكون غريمه قد ترك ما يأخذ هذا الطارئ في دينه منه بأسره.
ولو كانت التركة مائتين وخمسين دينارًا فقبض الغريمان الحاضران المائتين وبقي بين الورثة خمسون دينارًا".ثم طرأ رجل استحق على الميت مائة دينار، فإنه إنما يحاص الغريمين القابضين للمائتين بخمسين دينارًا؛ لأن الخمسين الباقية بيد الورثة يقدر أن هذا الطارئ قد قبضها وصارت إليه من جملة دينه فإذا لم يجب له أن يحاص إلا بالخمسين دينارًا فإذا وجبت المحاصة بما صار كان الغريم الطارئ كالمحاص معهم فتقسم المائتين وخمسين على
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: جميعها.
(٢) هكذا في النسختين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الآخرون.
(٤) هكذا في النسختين، والمعنى يقتضي: ولدائنين عليه مائتا دينار.
[ 3/ 1 / ٣٩٨ ]
الثلاثة رجال الحاضرين والرجل الطارئ، فينوب كل واحد منهم ثلاثة وثمانون دينار وثلث دينار. فهذا الطارئ يحسب عليه من ذلك ما في يد الورثة وهو الخمسون دينارًا ويبقى له ما ينوبه في الحصاص ثلاثة وثلاثون دينارًا (^١) يرجع بذلك على الغريمين القابضين للمائتين، فيرجع (كل واحد منهما بسبعة دنانير إلا ثلث) (^٢).
فإن طرأ للميت مال فإنه يرجع فيه هذا الغريم بالخمسين دينارًا التي بقيت بيد الورثة التي قررنا أنه كالقابض لها في حكم الحصاص بينه وبين من سواه من الغرماء، ولم يقدر أنه كالقابض لها في حكم براءة ذمة غريمه حتى يصل ذلك إليه أو يوقعه له قاضٍ، فتكون يد القاضي في قبضه كيده، ويرجع أيضًا بسبعة عشر دينارًا غير ثلث التي أوجبت له المحاصة (ويقصر التركة لا يأخذها) (^٣) ويرجع الغريمان القابضان للمائتين بما أديا من هاتين المائتين عن الميت، وذلك ثلاثة وثلاثون دينارًا وثلثا دينار حتى يكمل دين سائر الغرماء.
هذا الحكم في المحاصة في تركة الميت إذا طرأ غريم لم يعلم به.
وأما لو كان ذلك في فلس غريم حيّ ذمته باقية، فإن ابن حبيب ذكر عن عبد الملك أنه إذا فلس رجل لقوم لهم عليه ديون، فوجد في يده ألف درهم ومائة درهم، فأخذ الغرماء ألف درهم، وأوقفت المائة الفاضلة عما أخذه الغرماء، أو رُدّت إلى الغريم فأنفقها، ثم طرأ غريم له مائة درهم فإنه يضرب مع الغرماء الذين قبضوا الألف بجزء من أحد عشر جزءا فينوب على هذا الذي ذكره أحد وتسعون درهمًا إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم.
وعارض بعض الأشياخ الحذاق هذا وقال: إنما يجب أن يضرب هذا الغريم بجزء من اثني عشر جزءا. وذلك أنه يستحق في التركة مائتي درهم،
_________________
(١) هكذا في النسختين، والصواب زيادة: وثلث.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: على كل واحد منهما بسبعة عشر دينارًا إلا ثلثا.
(٣) هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٣٩٩ ]
وديون الغرماء غيره ألف درهم فله سدس المال، لكون المائتين هي سدس الألف ومائتي درهم هي جملة الديون. فإذا حاص في المائة التي قصرت التركة عنها كان عليه في الحصاص سدسها لكون دينه من جملة الديون هو السدس، فإنه سقط عنه بالحصاص سدسها صار له مائة درهم وخمسة أسداس المائة الأخرى، وهو ثلاثة وثمانون وثلث، فيحسب عليه المائة التي أوقفت أو ردت إلى المفلس فأنفقها حتى كأنه قبضها في حكم المحاصة، ويرجع على الغرماء بخمسة أسداس المائة التي قصر الموجود بين الغريم عنها، وبقيت لسائر الغرماء في ذمة هذا الغريم.
فكأن ابن حبيب قدّر أن المائة الموقوفة لما جعلت (في حكم المحاصة) (^١) في حكم المقبوض وقدر أن هذا الغريم الطارئ قبضها صار كأنه لم يكن له من الدين إلا مائة درهم، هي التي لم يعلم بها الغرماء، فأضربوا عنها في القسمة لما تحاصّوا، فيكون على هذا الطارئ إنما يضرب بهذه المائة التي لم يقبضها حسّا ولا تقديرا، حتى كأنه لم يكن له دين سواها.
وقدر من ذكرناه من الأشياخ أنه إذا لم تبرأ منها ذمة الغريم كانت المحاصة بجملة دينه المائة الموجودة التي لم يبرأ منها الغريم، والمائة الأخرى العاجزة (^٢) من مال المفلس. وكذلك لو ظن أن الغريم في يده ما يفي بجميع ديونه فقضى ما في يده لغرمائه وفضلت فضلة، ثم طرأ غريم، فإنها تحسب عليه في دينه.
وذكر ابن حبيب أن هذا مذهب عبد الملك ومطرف. قال: وخالفهما أصبغ ورأى أن الفضلة عما أخذه الغرماء الحاضرون و(^٣) إنما تحسب على الطارئ في باب المحاصة في فلس ميت لكون ذمته قد انقطعت فصار ما بقي
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: في المحاصّة.
(٢) هكذا في النسختين، والمعنى: الناقصة عن الدين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف الواو.
[ 3/ 1 / ٤٠٠ ]
منها بعد ما أخذه الغرماء كأن الغريم الطارئ استحق عينه فيحسب عليه في حكم المحاصة خاصة.
وأما المفلس الحي فإن ذمته باقية، فلا يحسب ما فضل عن غرمائه للذين لم يقوموا بتفليسه كمديان فلسه بعض غرمائه ولم يقم بعضهم بتفليسه ولا طلب منه دينه، فيكون الدين باقيًا في ذمته في حق من لم يرض بتفليسه، حتى كأنه لم يفلس لأحد من الناس.
هذا حكم ما يكشفه الغيب من الغلط في المحاصة.
وأما البيع للتركة فإنه قد تقرر في الشرع ألا ميراث إلا بعد قضاء الدين.
قال تعالى بعد أن ذكر الفرائض وما ترثه البنت والبنتان والأبوان والأزواج: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^١). فإنما ملك البارئ سبحانه من ذكر من الورثة ما سماه لهم في كتابه بعد أن تخرج ديون الميت ووصاياه. فإن باع الورثة سلعة الميت، وهم يعلمون بأن له غرماء أو يظنون ذلك، لكونه مشهورًا بالاستدانة فإنهم قد تعدّوا في البيع لأنفسهم ليرثوا ما ترك ميّتهم من غير أن يقضوا ديونه، ولا يختلف في كونهم منهيّين عن هذا البيع، ولكن لحق غيرهم من المخلوقين وهم الغرماء، فإن فعلوا كان للغرماء نقض ما باعوه لأن الغرماء استحقوا ذلك دون الورثة. فصار الورثة في بيعهم كمن باع سلعة غيره، فلصاحب السلعة أن يفسخ بيعه هذا إذا لم يقدر على قضاء الديون إلا بفسخ البيع في هذه السلع.
فأمّا إن قضيت الديون من غير حاجة إلى فسخ البيع، مثل أن يقبضها (^٢) الورثة من أموالهم أو يسقط الغرماء حقوقهم، فإن المذهب على قولين: أحدهما: أن البيع لا يفسخ. وهو الأشهر من المذهب، لأن النهي عن
_________________
(١) النساء: ١١.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يقضيها.
[ 3/ 1 / ٤٠١ ]
هذا البيع لحق المخلوقين وهم الغرماء فإن سقطت حقوقهم فقد ارتفعت العلة
الموجبة لفسخ البيع، فيرتفع الحكم الذي هو الفسخ بارتفاعها وهكذا النهي الواقع لحق المخلوقين ألا ترى أن النبي ﵇ نهى عن التصرية لأجل التدليس على المشتري، فإذا اطلع المشتري على هذا العيب ورضي به لم يجب فسخ البيع لزوال حق المخلوق الذي هو علة. النهي.
وروى أشهب عن مالك في ورثة عزلوا من التركة أضعاف الدين، وباعوا ليرثوا: إن البيع يفسخ ولو قضيت الديون. فكأنه على هذه الرواية قدر أن هذا البيع سلم من الغرر والتحريم في ثمنه ومثمونه، فتعلق به حق الله سبحانه ففسخ. وإن سقط حق المخلوق فيه، كبيع عند صلاة الجمعة، وبيع التفرقة بين الأم وولدها.
فإن قلنا بارتفاع الفسخ عند ارتفاع الديون ففي الموازية أن المشترين لهذه السلع إذا دفعوا قيمة ما فما أو نقص عندهم يوم قبضوه لم يكن للغرماء فسخ البيع. وهذا لأجل أن الغرماء لم يملكوا أعيان سلع الميت وإنما ملكوا مقدار هذا (^١) كان كمقدار ديونهم. ألا ترى أن الورثة لو قضوا ديونهم لم يكن للغرماء أخذ شيء من السلع التي تركها الميت، فكذلك المشترون إذا دفعوا قيمة ما قبضوه فكأنه هو الذي استحقه الغرماء في تركة الميت فأشبه ذلك قضاء الديون.
وترجح بعض الأشياخ في هذا الذي قلنا أن للغرماء نقض البيع فيه لو كانت أمة باعها الورثة، على الصفة التي ذكرنا من كونهم تعدوا في البيع، فأعتقها المشتري أو اتخذها أم ولد، وهو لم يعلم، فقام الغرماء طالبين لديونهم هل من حقهم أن يردوا عتق هذ واستيلاده لكون البائع كأنه باع سلعة غيره، أو يمضي ذلك لكون الغرماء ها هنا لم يستحقوا عين هذا المبيع وإنما استحقوا مقداره، ولو دفع إليهم هذا المعتِق أو المستولد قيمة الأم لم يكن لهم انتزاعها من يده، على ما ذكرناه في الموازية.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مقدارها إذا
[ 3/ 1 / ٤٠٢ ]
فإذا أبقوه (^١) حين قيامهم بديونهم فقيرا (^٢) لم ينقضوا ما فعل من عتق أو استيلاد لكونه قادرًا على صرفهم عن انتزاع ذلك من يديه إذا كان مليئًا يمكن (^٣) من دفع قيمة ذلك إليهم.
وأمّا إن باع الورثة بيعًا لم يتعدوا فيه لاعتقادهم ألا دين على ميتهم، ثم طرأ غرماء فإن المطالبة إنما تتوجه للغرماء على الورثة البائعين القابضين للأثمان دون المشترين سواء كانت السلع قائمة في يد المشترين أوفائتة كون (^٤) الغرماء لم يستحقوا الأعيان المعينة وإنما يستحقون أثمانها، وأثمانها قد صارت في أيدي الذين باعوها بوجه جائز، فإنما تتوجه المطالبة على الورثة خاصة لكون ما استحقه الغرماء في أيديهم لا في يد من اشترى.
وأشار بعض أشياخي إلى تخريج الخلاف في هذا النوع إذا كان المبيع جارية فأعتقها المشتري أو اتخذها أمّ ولد، ففي كتاب الخيار من المدونة لغير ابن القاسم: إنها إذا فاتت بعتق أو استيلاد لم يكن للغرماء أخذها، بدليل هذا الخطاب عنده إذا (^٥) لم تفت بشيء من هذا المعنى فإن للغرماء أخذها. ولأن هذا القول ينبني على أن العتق والاستيلاد لهما حرمة تمنع من نقض البيع.
وأما إذا لم يقع الفَوت بشيء من هذا المعنى فإن الغرماء وإن لم يستحقوا أعيان هذه السلع فإن الورثة أيضًا لم يستحقوها إلا بعد قضاء الدين. فكأنهم باعوا ما لم يستحقوا، وكان الغرماء أولى باستحقاقه من الورثة فلهذا نقض البيع فيه إذا طلب ذلك الغرماء.
وذكر ابن القاسم في العتبية في ميت مات وترك مائتي دينار، وعليه
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ألْفَوْهُ.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل في الكلام نقصًا.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يتمكن.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لِكون.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الخطأ عنده فإذا.
[ 3/ 1 / ٤٠٣ ]
أضعافها، وترك ورثة صغارًا فتجر الوصي لهم بها، ثم طرأ غرماء، فإنهم يأخذون ما في يد الوصي في ديونهم وأرباحه إن كان فيها ربح، ولا يضمنون هذا المال إذا تلف ولا يُرجع به عليهم، بخلاف ما لو كان الورثة كبارًا فإن الربح لهم إذا تجروا، فيه وهم ضامنون لما قبضوه إذا أنفقده أو أتلفوه، فلم يكن للغرماء في ربح ما يضمنه غيرهم، بخلاف الورثة إذا كانوا صغارًا فإن الربح للغرماء لكونهم لا يطلبون هذا المال من ذمة الصغار إذا كبروا.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
إذا قام رجل واحد من جملة الغرماء طالبًا لتفليس غريمه، وإيصاله إلى حقه، وتفليسه وحبسه إن لدّ وعجز عن القضاء، فإن ذلك له. ولا يسقط حقه في ذلك إضراب الغرماء الآخرين عن مساعدته عن ذلك، إذا لا يلزم إتلاف حقه إذا رضي الآخرون في إتلاف حقوقهم أو الصبر بها. وهذا واضح، لكنه إذا مكن من القيام بذلك فمن ساعده من الغرماء على ذلك أُعطي نصيبه أيضًا من الحصاص كما يُعطى هذا القائم نصيبه في الحصاص، أو جملة حقه إذا لم يظهر عجزه عن قضاء حقوق الآخرين. ومن لم يقم من الغرماء طالبًا لحقه فهل يعذر أيضًا بتسليم حقوق الطالبين إليهم حتى لا يكون له بعد ذلك مرجع عليهم؟ فيه قولان في المدونة:
ذهب ابن القاسم إلى أنه ذلك منه علم أنه أسقط حقه في مشاركة أصحابه.
وقال غيره: ليس ذلك رضا بتسليم حقوقهم إليهم دون مشاركتهم إلى أن يظهر ما يدل على أنه غير (^١) مسقط لحقه.
وجملة الأمران مجرد السكوت عن. مشاركة هؤلاء الغرماء ومحاصته هل هو في العادة كقرينة دالة على رضا الساكت بإسقاط حقه بمحاصة، أو ليس ذلك بدليل في العادة؟
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف غير.
[ 3/ 1 / ٤٠٤ ]
وحمل بعض الأشياخ هذا الخلاف المذكور في المدونة على أن المُراد به إذا كان الغرماء الساكتين حاضرين بالبلد، ولم يشاهدوا القسمة بين الغرماء القائمين بالتفليس، وقدر أن مشاهدتهم للقسمة لمال الغريم كالتصريح بإسقاط حقه فلا يحسن الخلاف فيه.
وكأن هذا المتأول للاتفاق على أن مشاهدة القسمة علم على إسقاط الحق يرى أنها في الدلالة على إسقاط الحق في المحاصّة أقوى من الدلالة على مجرد السكوت.
وكأن الغَيْرَ إلى هذا أشار في كلامه.
وهذا منشأ الكلام فيه الاستشهاد بالعادات على المقصود مثل (^١) هذه الأوجه للخلاف المذكور سوى اعتبار هذا من جهة العادات.
وكأن ابن القاسم وغيره اختلفا في شهادة بعادة.
وكان سحنون يشير إلى قصر الخلاف في هذا في مال المفلس إذا قام به بعض غرمائه طالبًا تفليسه.
وأما لو كان ذلك في مال ميت فُلِسَ بعد موته وأخذ بعض غرمائه حقوقهم فإنه لا يسقط حق من سكت عن القيام معهم، وله أن يرجع على الغرماء القابضين فيحاصّهم، لأجل أن ذمة الميت خربت وانقطعت، فلا يظن أن من له حق فيها مسقط لحقه على الإطلاق وواهب له. بخلاف المفلس الحي فإنه بقيت ذمته فيقول: الغرماء في الصبر على طلب (^٢) بقاء ذمتهم واكتسابه، والرجوع على الغرماء فيما قبضوه، فلا يكون سكوتهم كالهبة لحقهم على الجملة بخلاف الميت الذي انقطعت ذمته، والرجاء في اكتسابه.
وقد قال بعض الأشياخ: إن قول ابن القاسم في المدونة في سكوت بعض
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: من مثل.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الطلب.
[ 3/ 1 / ٤٠٥ ]
الغرماء عن المفلس الحيّ إشارة إلى أن الميت بخلاف ذلك، كما قال سحنون لتقييده كلامه بحياة المفلس.
وقد قال ابن القاسم: إن الغريم إذا شاهد الورثة يقتسمون المال ولم يطلب دينه ولا عذر له في سكوته على الطلب، فإن ذلك علم على أنه أسقط حقه في طلبهم. وهذا كله من التفرقة بين الحيّ والميت في حق بعض الغرماء أو التفرقة بين الميت إذا سكت، عند قسمة ماله، غريم، وقد قسم ماله وارث، أو غريم، وقد قاسم ماله غرماء، لا وجه له إلا الاستشهاد بمقتضى العادات في الدلالات على المقصود. فمتى اتضحت قرينة حال تدل أن القصد إسقاط الحق سقط ومتى كانت قرينة الحال فيها التباس وإشكال لم يسقط الحق بالاحتمال.
وقد يستظهر باليمين على الساكت فيما يدغيه من قصده.
هذا الحكم من (^١) الساكت من الغرماء وبين من قبض منهم دينه. وأما إذا أوضح (^٢) التفليس وحكم به، ثم عامل الغريم قومًا آخرين فإن المفلِّسين القابضين لدينهم وما نابهم في الحصاص منه لا طلب لهم فيما في يده مما اكتسبه في المعاملة الثانية الحادثة بعد التفليس، لأن ما في يديه الآن مال الغرماء الذين عاملوه بعد التفليس، فليس للغرماء الأولين أن يأخذوا حق غريمهم من حقوقهم السابقة التفليس.
وأما الساكتون عن التفليس فقد ذكرنا حكمهم مع الأولين الذين فلسوه.
وأمّا حكمهم مع الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس، فإن في الموازية أن لهم مشاركة الآخرين إذا فلسوه. وكأنهم لما لم يفلسوه هم جملة غرمائه.
ولو كان الغريم طالبون (^٣) جماعة لم يقوموا بتفليس واختلفت تواريخ
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وضح.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: طالِبوهُ.
[ 3/ 1 / ٤٠٦ ]
معاملتهم له، واختلف به الحال بي استغناء وفقر، فإنه إذا قام عليه الغرماء تحاصّ جميعهم في ماله، مَن عامله وهو مُثرٍ ومن عامله وهو معدم.
فكذلك هؤلاء الساكتون الذين سبق دينهم التفليس مع الذين عاملوه بعد التفليس، لكون العلة في منع التفليس الدخول مع الآخرين كونَ ما في يديه بعد التفليس، معلوم أنه مال الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس.
وهذه العلة تتصور في الساكتين عن تفليسه كما تصورت في القائمين بتفليسه.
وكأن مطرفا رأى أن الذين لم يفلسوه وسكتوا عن طلبه لم يسلموا كونه مفلسًا. ولو قاموا كما قام أصحابهم لأظهروا له مالًا خفيًا فلا يثبت في حقهم حكم التفليس الدال على أن ما في يديه من المعاملة الثانية.
وقد وقع لابن القاسم في كتاب السرقة: إذا كانوا (^١) أحد غرماء المفلس غائبًا فقدم بعد الحكم بتفليسه ومعاملته لقوم آخرين، فإن هذا الغائب القادم لم يدخل مع الآخرين بدينه، على نحو ما حكيناه عن مطرف في سكوت بعض الغرماء الحاضرين عن تفليسه.
ولو قام جميع الغرماء بتفليسه وتحاصوا في ماله فأبقى بعضهم ما نابه في الحصاص في يد غريمه، ومكنه منه، بعد أن حيل بينه وبينه، فإن هذا كمعاملة ثانية يضرب بها مع الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس ويكون الضرب بعدد ما أعادوه (^٢) عليه لأن ذلك كاستئناف معاملة ثانية. وقد وقع في كتاب ابن حبيب أن هذا الذي أبقى نصيبه في المحاصة في يد هذا الغريم يُغْرَم بدينه كله، وقدّر أن الزائد على مقدار ما أعادوه إليه مما بقي من دينه عليه كأنه لم يقم بتفليسه فيه ولا في ما نابه من الحصاص لكونه أبقى ما نابه في يد غريمه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: كان.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أعاده.
[ 3/ 1 / ٤٠٧ ]
وقد قلنا: إن في الموازية تمكين الساكت من الغرماء على التفليس من دخوله مع الذين عاملوه بعد التفليس، على حسب ما تقدم بيانه.
ولو أن هذا الذي فلس وعامله قوم آخرون طرأ له مال في فائدة يُعلم أنها ليست من مال الآخرين، كميراث ورثه أو أرش جناية أخذها، أو ربح حصله في المعاملة الثانية، لكانت المحاصة تجب في هذه الفائدة للغرماء الأولين
والآخرين إذا قام الأولون بتفليسه، لارتفاع العلة التي ذكرنا أنها هي المعاملة المانعة لدخول الأولين فيما عامله به الآخرون وهي العلم بما في يديه هو من مال الآخرين لا حقّ للأولين فيه. فإذا طرأ على الآخرين انتقاصٌ في ديونهم ضربوا بما انتقص لهم في الفائدة الطارئة واشترك فيها الأولون والآخرون.
وإذا لم يفلسه الآخرون وطرأت فائدة فقام الأولون طالبين لأخذ بقية حقوقهم منها مكّنوا من ذلك، ولم يمنعهم الذين عاملوه بعد التفليس من ذلك، لأنه ما دام قائم الوجه، للمبيع (^١) ويشتري ويعامل. الناس، فهو محمول على أن ما داينه به الآخرون باق في يديه. لكن لو تبين انتقاصىُ ديونهم من يده لكان من حقه (^٢) الكشف على ذلك حتى ينكشف ما يوجب مشاركتهم في هذه الفائدة الطارئة.
وقد ذكر في الموازية عن أشهب في رجل مات وعليه لرجلين ألفا درهم: لكل واحد منهما ألف درهم وترك الميت المديان عبدًا قيمته ألف درهم وألف في رهم ناضة فرفعت (^٣) الألف الناضة إلى الغريم الحاضر وبقي العبد، فإن العبد إذا هلك أو طرأ الغريم الغائب، فإنه لا يرجج على الغريم الذي قبض الألف بشيء، على ما كنا قدمناه أن ما بقي عند الورثة يحسب على الغريم الغائب، ويمنعه ذلك من الرجوع على الغريم الحاضر الذي أخذ حقه. ولو كان العبد قيمته خمس مائة درهم يوم موت سيده، ولكنه مضى عليه ما بين سيده وموته
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يبيع.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حقهم (أي الآخرون).
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فدُفعت.
[ 3/ 1 / ٤٠٨ ]
في نفسه (ومن) (^١) كان يساوي فيه ألف درهم يحسب ذلك على الغريم الغائب وكأن سيده مات عن عبد قيمته ألف لما كان لا يمر يوم إلَاّ ومن حق الغريم الغائب أن يأخذ العبد فيه بدينه، ومن حقي الورثة أن يبيعوه ويسلموا ثمنه إلى الغريم، فما طرأ بعد ارتفاع قيمته من موت أو نقص سوق فهو محسوب على الغريم الطارئ كما تقدم بيانه فيما سلف.
ولو بيع العبد وقُضي ثمنه ألف درهم للغريم الحاضر، وبقيت الألف الناضة فضاعت لحسبت على الغريم الطارئ كما حسب العبد، إذا بقي ثم هلك، على الغريم الطارئ.
ولو بيع العبد للغريم (^٢) الحاضر ودفع ثمنه إليه ثم رد بعيب البيع (^٣) ثانية فما نقص من ثمنه من حق القابض لثمنه أن يرجع، على الغريم الطارئ إذا قبض الألف الناضة، بما ينوبه من الحصاص في مقدار ما نقصه العيب، وهذا الذي ذكره ها هنا من اعتبار أعلى قيمة مرت بالعبد من يوم مات سيده إلى يوم موت هو فحوى أحد القولين فيمن غصب عبدًا قيمته مائة دينار ثم صار بعد ذلك يساوي ألفا، ثم مات فإن الغاصب يضمن أعلى قيمة مرت به، لأنه كلَّ يوم مخاطب بأن يرد العبد على سيده، فيُعدُ كل يوم غاصبًا مبتدئًا للغصب فيمن (^٤) قيمته التي هي ما مرّ به.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى أن هذه المسألة التي ذكرنا عن الموازية قول ابن المواز عزل العبد للغائب: إن ذلك لأجل أنه مال مفلس مات، وأنه بخلاف المفلس الحي. وقد قدمنا نحن فيما قبل مسألة مطرف وابن الماجشون وذكرنا أنهما يريان أن ما فضل بيد الورثة أو الغريم المفلس يحسب على الغريم
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: زمن.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: من الغريم.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فبِيع.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: في.
[ 3/ 1 / ٤٠٩ ]
الطارئ، وذكرنا مخالفة أصبغ لهما في الفلس خاصة، وأنه لا يحسب ما بقي في يديه بعد أن يغرم إليه الغريم الطارئ. وكذلك لا يحسب عليه ما وقف بعد قضاء الدين، فمتى طرأ غريم لم يعلم به على غرماء فإنه يطالب كل واحد منهم بمقدار ما ينوبه في الحصاص، ولو طرأ وارث على ورثة ففيه قولان:
مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أنه كغريم طرأ على غرماء، إنما له أن يطالب كل واحد من أصحابه بما ينويه في الحصاص خاصة، ولا يرجع عليه بأكثر من ذلك ولو غاب بقية أصحابه.
ومذهب أشهب وغيره أنه يقاسم الوارث القادم من وجد من الورثة فيما في يديه على مقتضى الفرائض التي فرضها الله تعالى في مال الميت لورثته، ثم يرجعان جميعهم على من لقياه من الورثة على هذا الأسلوب حتى يعتدلوا في المال الاعتدال التي (^١) توجبه أحكام الفرائض والمواريث.
وأما طروء غريم على وارث أو موسى لهم فإنه يستوفي حقه منه لكون البارئ سبحانه قدم حق أصحاب الديون عني الورثة والموصى لهم فقال ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٢). وسنبسط هذا في كتاب القسم إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إقرار المريض بدين لرجل يقع على وجوه، منها أن يقر بدين لأجنبي أو يقر بدين لوارث أو صديق ملاطف أو يقر بدين لأجنبي ووارث أو لأجنبي وصديق ملاطف.
وكان مقتضى الترتيب عندنا أن يجمع ذلك كله بعد ذكر فصل تذكر
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الذي.
(٢) النساء: ١١.
[ 3/ 1 / ٤١٠ ]
فروعه، ولكنا قدمنا العذر عن سبب الاخلال بالرتبة الواجبة عندنا في حكم التأليف، وأنا قد توخينا ترتيب المدونة. وقد تقدم كلامنا في كتاب التفليس على إقرار المريض بدين لوارث أو لأجنبي وصديق ملاطف. وذكر في المدونة في كتاب المديان حكم إقرار المريض بدين لأجنبي أو لوارث.
فأما إقرار حكم المفلس الصحيح بعد الحجر فقد تقدم بيانه في كتاب التفليس. وكذلك إقراره بعد الحجر وقد تبين فلسه وأقرّ لمن لا يتهم أولمن يتهم في إقراره وذكرنا الخلاف في ذلك في المذهب. وكذلك ذكرنا قضاءه لبعض غرمائه دون بعض وقد أحاط الدين بماله.
وأمّا المريض فإنه إذا قضى دينًا لبعض غرمائه ثم مات من مرضه، فالمنصوص في المذهب أن ذلك لا ينفذ لأن قضاءه حينئذ يحمل على التوبيخ (^١) لمن قضاه دينه وإيثاره على من سواه من الغرماء. بخلاف قضاء من تبين فلسه فإنه يمضي على أحد القولين لأجل أن ذمته باقية يطلبها من لم يقض دينه من الغرماء ويضايقونه في طلب حقوقهم ولا يقصد التوبيخ (١) والإيثار إلا مع إضرار نفسه بطلب من لم يقض حقه من غرمائه.
وأمّا المريض فإنه إذا قضى بعض كرمائه ثم مات ارتفع عنه بموته ضرر طلبهم فتقوم التهمة بقصده إيثار قوم من غير ضرر يلحقه من قوم آخرين. لكن ذكر سحنون في المدونة عقيب قوله: إن قضاء المريض لا يجوز، أن غيره قال: المريض لم يحجر عليه في بيعه وشرائه أو إقراره.
فحمل هذا القول بعض الأشياخ على أن ظاهره يقتضي جواز قضائه لبعض غرمائه. وإنما أورد هذا القول استدلالًا بجواز معاملته وإقراره على جواز قضائه، فيكون على هذا في المدونة قولان في قضاء المريض الذي أحاط الدين بماله أيضًا.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: التوليج.
[ 3/ 1 / ٤١١ ]
وإلى إمضاء قضاء دينه ذهب سحنون.
وأما لو كان عنده ما يوفي سائر الديون التي عليه (وليس بتصريح في إجازة القضاء لبعض الغرماء دون بعض) (^١). ويمكن أن يكون أراد التنييه على مذهب المخالف الذي يمنع إقرار المريض وعليه ديون استدانها في الصحة شهد بها عليه بينة. فإن هذه المسألة مما اختلف فيها فقهاء الأمصار:
فمذهب مالك والشافعي أنه إذا أقر بدين في مرضه لأجنبي ليس بصديق ملاطف ولا تتطرق إليه تهمة في إقراره له فإنه يحاصّ الغرماء الذين داينوه في الصحة ولهم بديونهم بينة.
ومنع ذلك أبو حنيفة ورأى أن الديون الثابتة عليه في الصحة ببينة مقدمة على حق هذا الذي أقر له كما لو أقر بعد الحجر والتفليس بدين لم يحاص هذا المقر له الغرماء الذين حجروا عليه بسببهم (^٢)، بهذا الدين الذي أقر به بعد الحجر. لكنه يبقى للمقر له ذمة المفلس المحجور عليه حتى يكتسب ما يقضيه منه الذي أقر له به. والعلة في ذلك أن حقوق الغرماء المحجَّر على المديان بسبب ديونهم كأنها تعلقت بعين المال الذي حيل بينه وبينه، فليس له أن يتلفه عليهم بالإقرار.
وكذلك إقرار المريض بدين وعليه ديون استدانها في الصحة تشهد بها بينة فإنه أيضًا إنما يكون للمقر له المطالبة فيما يطرأ للميت من مال لا فيما تعلق به حق الغرماء.
ودافعه أصحابنا عن هذا القياس بأنه لو قامت بينة المقر له بعد التحجير بصحة ما أقر (له به الغريم) (^٣) لقضي له بذلك وحاصّ به الغرماء الذين وقف
_________________
(١) ما بين القوسين، هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين.
(٣) ما بين قوسين في النسختين، ولعل الصواب: به للغريم.
[ 3/ 1 / ٤١٢ ]
لهم المال. ولو قامت بينة بأنه عامل بعد الحجر واستدان لم تنفع إقامة البينة هذه في وجوب المحاصة لهذا الذي عامله بعد الحجو.
وأمّا المريض لو قامت بينة على معاملته في مرضه لقضي بصحة هذا الدين وحاص به مستحقه الغرماء الذين عاملوه في الصحة. فقد افترق حكم البينة إذا عامل المفلسُ المحجورُ عليه بينة (^١) من حكم معاملة المريض بالبينة، فإذا ثبت أن البينة إذا قامت على معاملةٍ في مرضه واستدانتها وجب أن (^٢) على حسب ما يقضى لمن داينه في الصحة. فإذا أقر لمن يتهم عليه وجب أيضًا أن يقضى له ذلك، ويقام (^٣) البينة على إقراره كقيام البينة على معاملته في المرض، لأنه لا يمنع من الإقرار ولم يحجر عليه فيه. ويمكن أن يكون ما ذكرناه من (^٤) غير ابن القاسم في المدونة إلى هذا المعنى أشار.
وإن استدل المخالف على أن من ارتهن رهنا فإنه أحق بعين رهنه من غيره من الغرماء الذين لا رهن لهم، فكذلك يجب أن يكون غرماء الصحة إذا كانت ديونهم ببينة مقلَّمين على الدين الذي أقر به في المرض، ويرجح الدين السابق في الصحة على هذا الذي أقرّ به في المرض، لكون تصرف الصحيح في ماله أبسط وأمضى لأنه له أن يهبه وليس للمريض أن يهب جميع ماله مع كون غرماء الصحة قد تعلق حقهم بعين المال فوجب أفي يقدَّموا كما قُدم المرتهن في الرهن على غيره من غرماء صاحب الرهن.
أجيب عن هذا بانا لا نسلم أن غرماء الصحة تعلق حقهم بعين مال المريض؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان ضياع مال المريض منهم، ولكان لهم أن يمتنعوا من أخذ ديونهم إلا من عين ما ترك. ولو بذل لهم أحد الورثة أو
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ببيّنة.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل هناك سقط، والصواب: [أن يُقضى].
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: قيام.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عن.
[ 3/ 1 / ٤١٣ ]
أجنبي ديونهم لم يتعلق لهم حق في عين المال. وكذلك الرهن لا يتعلق الحق بعينه بدليل أن صاحبه له أن يدفع الدين من غير ثمن الرهن، وأنه إذا ثبت ضياعه يسقط حقه في ضمانه. وإنما للغرماء أن يمنعوا المريض من الإتلاف لماله المضرِّ بهم من غير معاوضة. وأمّا ما سوى ذلك من تصرفه فيه بالمعاملات والإنفاق منه فإنهم ليس لهم منعه. فالترجيح الذي ذكروه ما بين غرماء الصحة المقر له في المرض غير مسلم لهم بما ذكرناه.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
وأما ما ذكرناه من إقرار المريض لأحد ورثته وسقناه في خلال التقسيم فإنه أيضًا مما اختلف الناس فيه:
فذهب أبو حنيفة إلى أن إقرار المريض بدين لأحد ورثته مردود على الإطلاق. وإطلاق القول فيه كما أطلقه في إقراره في موضعه بدين وعليه ديون ثبتت في الصحة ببينة.
وأفا الشافعي، فالمشهور عند أصحابه أن مذهبه (^١) إقرار المريض لأحد ورثته بدين. ومنهم من يحكي فيه قولين. ومن أصحابه من ينكر الخلاف عنه في هذا، ويرى أن مذهبه إمضاء هذا الإقرار على الإطلاق.
وأما مذهب مالك وأصحابه فإنهم يعتبرون التهمة في هذا الإقرار، فمهما ظهر ارتفاعها مضى الإقرار، ومهما ظهر حصولها ووقوعها رد الإقرار.
فكأن أبا حنيفة يرى أن المريض (^٢) له أن يغيّر حدود الفرائض التي سماها الله سبحانه بين الورثة ولو صرح بأن مراده تغييرها لم يلتفت إلى قوله وقسم ماله على فرائض الله سبحانه بين ورثته. فإذا لم يصرح بها ولكنه قال قولًا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: [إمضاء].
(٢) هكذا في النسختين، ولعل هناك كلمة سقطت فيصير: [ليس] له.
[ 3/ 1 / ٤١٤ ]
يؤدي إلى تغييرها ردّ قوله. وإذا أمضينا إقراره بدين لأحد ورثته فقد صار ذلك تفصيلًا له فيما يأخذه من ميراثه على سائر الورثة، وهو ممنوع من التصريح بالتفضيل فكذلك إذا لم يصرح به، وقال قولًا يؤدي إليه.
وكأن الشافعي رأى أنه لو أقرّ بدين لأجنبي لا يتهم في الإقرار به، ولا دين عليه لأحد، فإن إقراره ماض، وكذلك إذا أقر لأحد ورثته بدين فإنه ماض ولا يتحقق تهمة في هذا الإقرار، فيفارق حكم. الوارث حكم الإقرار للأجنبي ومن هو كالمنصرف عن الدنيا، ومقبل على الآخرة تبعد عنه التهمة، ألا تراه لو استلحق ولدًا لقبل ذلك منه، ولحق به، ولم يتهم على أنه قصد إلى إبطال حق من سواه من الورثة، فكذلك إقراره بالدين.
ونحن نجيب عن هذا بأنه لو صرح بأن قصده أن يفضل وارثًا على وارث لم يتم مراده في ذلك، فكذلك إذا دلت قرائن الأحوال على قصده التفضيل.
وأما استلحاق الولد فأحد القولين عندنا أنه يعتبر فيه التهمة. وعلى القول (^١) الإعراض عن الالتفات إليها، فإن التهمة في استلحاق الإنسان تبعد ممن هو سائر إلى الآخرة عن قرب. فكذلك لا يبعد أن يفترق مع قوة التهمة من قصد التفضيل وتبعد التهمة في استلحاق نسب ليس هو منه.
فإذا تقرر منشأ الخلاف، فاعلم أن المسطور في الروايات في هذه المسألة فيه اضطراب ولكن إنما يقع الاضطراب فيما التهمة فيه، وينبغي أن يعرض ما وقع في هذه المسألة من وقائع عند أصحابنا واختلاف على الالتفات إلى شهادة العوائد بالتهمة وحصولها في الإقرار، وشهادة العوائد في ارتفاعها. ومهما اضطربت العوائد وأشكل أمرها فإلى هذا يصرف منشأ الخلاف. فكأن من أمضى الإقرار اعتقد ارتفاع التهمة، ومن أصرفها (^٢) اعتقد حصولها ووقوعها، فيفتقر
_________________
(١) لعل هناك سقطًا، ولعله [الآخر].
(٢) هكذا في النسختين، ولعلها: أقرّها.
[ 3/ 1 / ٤١٥ ]
حينئذ إلى النظر هل الأصل إمضاء الإقرار حتى يثبت ما يدفعه من التهمة، أو الأصل ردّه كما قال أبو حنيفة حتى يثبت ما يمضيه؟
وقد وقع في المدونة في هذا ما يوهم في هذا النوع تنافرًا. فقال في إقرار الرجل في مرضه بدين لزوجته وله ولد: إن إقراره لها نافذ إلا أن يعرف بالميل إليها، وإبعاد لولده، فيردّ إقراره. وهذا لأن في طباع البشر ومقتضى الجبلات الميل إلى الأبناء أكثر من الميل إلى الزوجات. فاستدل بالعوائد ها هنا على إمضاء الإقرار إلا أن يثبت الحال ما يناقض هذا الاستدل الذي كونه عوف منه ضد مقتضى العادات في هذه الزوجة وهذا الولد. ثم قيل له بعد ذلك: فغير الزوجة والولد من القرابات؟
فقال: لم أسمع من مالك في هذا شيئًا، وأشار إلى رد الإقرار مع التساوي في القرب.
وقد اختلف في شهادة رجل لأحد ولديه على الآخر وهما متساويان في المنزلة عنده: هل تمضي شهادته لأن التهمة في المشهود له يدفعها بعد التهمة في المشهود عليه. ولم يذكر اختلافًا في إقراره بدين لأحد ولديه ويرث مع هذا الولد ولد آخر مساويه في المنزلة. ولا يبعد تخريج الخلاف في الإقرار بالدين من الشهادة لأحد الولدين على الآخر إلا أن يقال: إن الشهادة للولد مردودة من ناحية السنة والشريعة فلا ينفصل القول فيها.
وقد اختلف في إقراره بدين لولد عاقّ، وله ولد سواه غير عاق، بإمضاء هذا الإقرار لارتفاع التهمة لأجل عقوق المقر له، ورُدّ لأجل أنه يمكن أن يكون يحنو على العاق ويرحمه، ويخشى عليه الفقر يعد موته لسبب سوء سيرته وتدبيره.
وقد اختلف أيضًا في الإقرار إذا تطرقت إليه التهمة من جانب وارتفعت من جانب آخر. مثل أن يقر بدين لزوجته ووارثه ابن عمه، فإن العادات تشهد بإيثار الزوجة على ابن عمه .. ولو أقر لابن عمه لمضى ذلك له، لكون الزوجة آثر
[ 3/ 1 / ٤١٦ ]
عنده من ابن عمه. فلو انضاف إلى هذ ابن ت للمقر فإنه اختلف في نفوذ إقراره لزوجته. فقيل: يرد إقراره لأن الإقرار لها ينقص ميراث ابن عمه فيتهم بقصده تفضيلها على ابن عمه.
وقيل: بل يقضي هذا الإقرار لكون ابنته التي هي آثر عنده من زوجته يلحقها من هذا الإقرار انتقاص من حقها أيضًا ومن مقدار ميراثها. فما يلحقها من الضرر في هذا الجانب يرفع التهمة من الجانب الآخر وهو قصد الضرر بابن عمه.
وكذلك لو أودع ولده وديعة ببينة ثم أقر في مرضه أنه أخذها منه من غير بينة تشهد للودد بالردّ، فإنه قد قيل: إقرار الأب مردود لأن دعوى ردّ الوديعة المأخوذ ببينة لا يقبل إلا أن يقيم الذي ردها بينة تشهد بردها فكانه أبرأه مما لا يصدقه الشرع في البراءة منه. وقيل: بل ينفذ هذا الإقرار لأن الولد لو ادّعى ضيعها لقبل ذلك منه بغير بينة، فترتفع التهمة في هذا الجانب الآخر أيضًا وإن ثبت من جانب سواه كما صورناه. وهذا على إحدى الطريقتين لأن قول المودع مقول (^١) في الرد بغير بينة لقدرته على ادعاء الضياع فيصدق على ما يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
وهذا كله يشير إلى إشكال في كون الأصل إمضاء الإقرار حتى يتضح ما يوجب ردّه، أو الأصل ردّه حتى يتضح ما يوجب إمضاءه. وقد ذكر في المدونة أن أصل قول مالك والذي يعتمد عليه في هذا اعتبار التهمة فإذا ظهرت ردّ الإقرار.
وظاهر بعض الروايات كون الإقرار ماضيًا حتى تظهر تهمة فيه. وكذلك الإقرار في المرض بدين لصديق ملاطف تعتبر فيه أيضًا التهمة. وهي تتصور بأن يكون عليه دين ببينة لقوم أباعد من القرابات فيتَهم أيضًا أن يؤثر صديقه عليهم.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مقبول.
[ 3/ 1 / ٤١٧ ]
ولكن ذهب ابن عبد الحكم إلى إمضاء إقراره للصديق الملاطف وإن كان ورثته أباعد.
وذهب أحمد بن ميسر في هذه المسألة إلى اعتبار حال المقرّ في اعتقاده ودِينه: فإن كان يعتقد التأثيم في ذلك فقصده التوليج (^١)، وهو من أهل الدين والصلاح، فإن إقراره نافذ.
ولو كان من (^٢) الأباعد بنت لهذا المقر لجرى ذلك على الاختلاف الذي قدمناه من كون التهمة تتصور من جانب هروبه بماله من عصبته الأباعد، وترتفع من جهة ما يلحق ابنته من انتقاص فرضها.
وقد اختلف في أحد الأبوين إذا. أقر بدين لصديق ملاطف: هل يتهم لإيثار الصديق عليهما بماله، على حسب ما ذكرناه في كتاب الوصايا الأول من المدونة أو لا يتهم في ذلك، كما ذكره في الموازية، وهو الأشبه في مقتضى العادات.
وإذا رددنا إقراره لصديقه الملاطف لتصور التهمة التي بناها (^٣) فإنه يجري في ذلك مجرى اختلاف من وجه آخر وهو ارتفاع التهمة يكون ما أقرّ به للصديق الملاطف يقدر على أن يعدل عن الإقرار به ويجعله وصية له، فلا يكون لأحد رذه. فإذا تصورت التهمة من جانب وارتفعت عن هذا الجانب اللاحق وهو قدرة المقر على أن يجعل ذلك وصية لصديق فلا ترد. وهذا كما ذكرناه في المكاتب إذا أقر في مرضه أنه قبض كتابته واتهم في ذلك فإنه إذا كانت الكتابة تخرج من ثلثه نفذ إقراره، وعجل عتقه، لارتفاع التهمة في هذا الإقرار بالقبض، أن يجعله وصية فلا يرد.
_________________
(١) هكذا في النسختين، والأوْلى إضافة: بعيد.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب تعويض (من) بِـ: مَعَ.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بينّاها.
[ 3/ 1 / ٤١٨ ]
ويتخرج أيضًا على قول آخر: إن هذا الإقرار، وإن لم يحمل جميعَه الثلث، فينفذ منه مقدار ما حمله الثلث. ويكون ذلك على التخريج الأول من رأس المال لأن الديون إنما تقضى من رأس المال. وهذا التخريج الثاني مما ذكره في المدونة في كتاب العتق في إقراره بتعيين من أعتق أن فضلة قيمته تكون في الثلث، فلا يخرج هذا إلا من الثلث.
وجميع ما صورناه من التهمة في إقرار بدين في المرض يتصور في إبراء المريض من ديون له أيضًا وجميع أيضًا (^١) ما ذكرناه مما يوجب رده التهمة فإنه إذا ظهر ما يدل على صدق المقر له على الجملة دون التفصيل نفذ الإقرار، كما قال في الأخت المقرَّ لها بدين فرد إقراره، قال: ألا يعلم أنها كانت تقتضيه منه في صحته.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
إذا أقر أحد ولدي الميت على أبيه بألف درهم، ولم يترك الميت الألفي (^٢) درهم ولا وارث له سوى ولده المقر بهذا وولد آخر وهو منكر لهذا الإقرار، فعن مالك في هذا روايتان:
إحداهما أن هذا المقر لا يلزمه إلا إذا (^٣) نصف هذا الدين الذي أقر به، يدفع ذلك للمقر له مما ورثه عن أبيه، وقد ورث ألف درهم، وورث أخوه الألف الآخر. فماذا سقط الدين على الألفين ناب كل ألف منها خمس مائة درهم، والمقر إنما في يده نصف التركة وهو ألف درهم، فعليه منها نصف الدين وهو خمس مائة درهم، ويبقى في يده خمس مائة درهم يرثها، ويُحيل
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ما ذكرناه أيضًا.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إلَاّ ألْفَيْ.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذفها.
[ 3/ 1 / ٤١٩ ]
المقر له على أخيه فيستحلفه على الخمس مائة درهم التي بقيت من دينه إن تمادى على جحوده.
هذه رواية ابن القاسم عن مالك وبها أخذ ابن القاسم وإليه ذهب أبو حنيفة.
وروى أشهب عن مالك أن المقر له يأخذ جميع دينه من الألف التي هي جميع ما ورثه المقر. وبهذه الرواية أخذ أشهب. وإليه ذهب الشافعي.
ومشاهد (^١) الخلاف اعتبار الموجود من هذه التركة الذي أخذه الولد المنكر للدين: هل يقدر ذلك كالجوائح التي تطرأ على بعض التركة، كغصب بعضها، أو ذهابها بأمر من الله سبحانه. فإن الدين ينحصر إلى ما بقي منها، فلا ميراث إلا ما فضل عن الباقي منها بعد الجوائح. فيقدر أن ما أخذ الولد المنكر للإقرار لما ظلم في أخذه، صار كذهاب بعض التركة بالغصب، فتعين قضاء الدين مما فضل عن الغصب، ولا يستحق أحد فيها ميراثًا إلا بعد قضاء الدين كله.
ألا ترى أنه لو قامت بينة بالدين، ووجد الغريم الذي له الدين بعض التركة في يد بعض الورثة، وبقيتها قد أتلفه من أخذه من الورثة، وهو فقير، فإنه لا خلاف أن يؤخذ الدين كله من جميع الموجود في يد الوارث الحاضر، ويصير ما أخذه الوارث الآخر كأن الميت لم يتركه، فيتعين قضاء الدين من الموجود الذي اختص به الوارث الحاضر المليء. فكذلك يجري حكم الإقرار مجرى حكم إقامة البينة.
وأما الرواية الأخرى فقد أشار إلى تعليلها بأنه لو أخذنا المقر بجميع الدين، ونزعنا جميع ما في يديه، لم يقر أحد من الورثة بدين على أبيه، لأجل أنه يؤخذ منه جميع ميراثه فيه ويبقى بلا ميراث دون غيره من الورثة. فاقتضت
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مَنْشَأ هذا.
[ 3/ 1 / ٤٢٠ ]
المصلحة على هذا المذهب تسهيل باب الإقرار بالحقوق على الورثة، فإذا علم الوارث أنه لا يؤخذ منه إلا مقدار ما ينوب ميراثه من الدين إذا قسط الدين على ما في يد المقر ويد غيره خف عليه الإقرار وانتصل (^١) من هذا الحق. وإذا علم أنه يؤخذ من يديه ما يُستحق عليه منه وما يستحق على بقية الورثة هرب من هذا الإقرار وكان هذا من الدواعي المعينة على جحد الحق. وهذا كما يقال: إن شاهد الزور إذا أقر أنه شهد بالزور لم يعاقب، إذ لو عوقب لم يرجع أحد عن شهادة شهد فيها بالزور، فكانت المصلحة تقتضي رفع حق الله سبحانه ها هنا في العقوبة على شهادة الزور، كما كانت المصلحة تقتضي ألا يؤخذ المقر من الورثة إلا بما ينوبه ويسقط حق المقر له لأجل هذه المصلحة أيضًا. وإن كان الموجود من المال بيد الوارث الذي يعتقد أنه ليس بغاصب له ولا ظالم في جحوده الدين، على ظاهر ما يقول يقدر كأنه موجود لم يقسم فيكون قضاء الدين مقسطا على جميع المال، وعلى ما في يد كل وارث إذا كان جميعهم حضورًا أملياء.
وإذا وجد التقسيط كان الجاحِد من الورثة كأنه انفرد بالظلم من إمساك حق هذا المقرّ له. وقد اعتمد بعض البغداديين من أصحابنا على القياس على الوصية فقال: اتفق على أن أحد الورثة إذا أقر بوصية من أبيه لرجل فإنه لا يؤخذ بجميعها مما في يديه، بل من ثلث ما في يديه، حتى كأن التركة حاضرة لم تقسم، فيكون الثلث مقسطًا على جميعها. وسنتكلم نحن إن شاء الله تعالى على طروء موصىً له على أحد الورثة وكيف تكون مقاسمته له في كتاب القسم.
وعلى هذا الاختلاف جرى الأمر بين ابن القاسم وأشهب في مسألة وارثين شهدا بأن أباهما أعتق عبدًا له معيَّنًا، وهو مقدار ثلث التركة، فردّت شهادتهما للتهمة في جرّ ولأنه، إن كان ممن يرغب في ولأنه، وجازت شهادة الأجنبيين
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وتنصل.
[ 3/ 1 / ٤٢١ ]
بالوصية بالثلث، فأخذ الثلث الموصى له بثنث المال، وصار العبد بالمقاسة إلى الوارثين.
فمذهب ابن القاسم أنه يعتق ثلثا العبد عليهما، وثلثه الباقي قد طرأ الغصب عليه فيه، وقد أخذ المشهود له بثلث المال بناء على أن الموجود من المال كأنه باق لم يقسم.
وذهب أشهب إلى أنه يعتق عليهما جميع العبد، بناء على أصله الذي قدمناه من وجوب أخذ الدين كله من يد المقِرّ من الورثة.
وسنبسط الكلام على هذه المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكرناه من إقرار أحد الولدين على أبيه، والولد الآخر منكر، إنما يكون الحكم فيه ما ذكرناه إذا كان المقر غير مقبول الشهادة، لعدم العدالة، أو لكونه سفيها في ماله لكنه عدل، على أحد القولين في منع قبول شهادة السفيه وإن كان عدلًا. وأما على القول بقبول شهادة السفيه إذا كان عدلًا في غير ما فيه إتلاف ماله فإن المقر له يحلف مع شهادة الولد، ويستحق جميع الدين، لأن من قام له شاهد بمال على ميت حلف مع شهادته واستحق جميعه. وإذا كان الشاهد سفيهًا لكنه عدل، وقُضي بأحد القولين في قبول شهادته، فإنه ها هنا إذا حلف المقرّ له مع شهادة المقر أخذ جميع دينه من الأخ الجاحد للدين، ويصير ذلك كالدين: إذا ثبت ببينة فإنه لا يختلف في أخذ الدين كله مما في يد أحد الورثة، سواء كان جاحد للدين أو مقرًا به. فكذلك ها هنا إذا حلف مع شهادة الولد العدل السفيه استحق جميع الدين. ولكن لا يؤخذ ذلك من يد هذا الشاهد السفيه العدل؛ لأنه كالإتلاف لماله بإمضاء إقراره لما يؤدي إلى تلفه. واليمين ها هنا مع شهادة المقر تتضح فائدته (^١) عندي على طريقة ابن القاسم في أنه لا يؤخذ من المقر إذا كان مردود الشهادة إلا مقدار ما ينوبه من الدين، وإذا كان
_________________
(١) هكذا في النسختين.
[ 3/ 1 / ٤٢٢ ]
ممن تقبل شهادته أفاد المقرَّ له اليمينُ مع شهادة المقر بأن يأخذ دينه كله ويرجع على الوارث الجاحد.
وأما على طريقة أشهب، الذي يرى أنه يأخذ الدين كله مما في يد المقر فإن هذا مما ينظر فيه لكون هذا المقر له لا فائدة في يمينه إذا وجد طريقًا إلى أخذ جميع دينه من يد المقر. فكانه إنما يحلف لإفادة غيره، وهو هذا المقرّ يفيده أن يرجع إلى أخيه، وينفي عن نفسه المطالبة بما وجب عليه.
وهذا بيان الحكم في إقرار أحد الورثة بدين في ذمة أبيه.
وأمّا لو أقر باستحقاق رجل عرضا من تركة أبيه مثل أن يترك عبدًا فيقول أحد الولدين: هذا العبد لفلان وليس لأبي .. فإن نصيب هذا المقر يُقضى به للمقر له، لكون المقر يعتقد أنه لا يحلِ له أن يرثه عن أبيه لكون هذا المقر له يستحقه. ولا يقضي إقراره هذا في نصيب أخيه إذا لم يكن عدلًا ممن يحلف المقر له مع شهادته، ويصير العبد نصفين بين الولد الجاحد لهذا الإقرار، وبين المقر له.
ولو كان الأب ترك عبيدًا جماعة، فقد قيل: الحكم ما ذكرناه، وليس للمقر له سوى نصف العبد المقر له به. وهو ظاهر كتاب الوصايا في المدونة، لأنه ذكر أن الميت ترك عبيدًا كثيرة، وأطلق الجواب بما ذكرناه.
وقيل: إذا لم يسلم المنكر لهذا الإقرار فإنه يكون جميعه له، ويرجع المقر له على المقر بمقدار ما زاد نصيبه في القسمة، عوضًا عن نصيبه في هذا العبد سلم، ويصير كمن باع عبدًا لغيره، فإن عوض العبد المبيع عليه العبد وإن صار بالقسمة إلى المقر أخذ جميعه المقر له لاعتراف من صار له بالقسمة أنه قد صار إلى يديه جميع العبد، وليس لأبيه فيه ملك ولا شركة في ملك، وإنما ملك جميعه هذا المقر له) (^١).
_________________
(١) الفقه واضح، وفي الكلام اضطراب.
[ 3/ 1 / ٤٢٣ ]
ولا يلزم أن يتخرج في هذا الخلاف المشهور فيمن فدى من أيدي اللصوص شيئًا أنه يستحق على مالك الشيء المفدى ما فداه به، إن شاء ربه أخذه، لأنه لولا الفداء ما وصل إليه رَبُّه إن (^١) الفادي لمال غيره دخل في ذلك باختياره، وقدر أنه من حسن النظر لرب المال، وهذا الولد المقر إذا صار إليه جميع العبد الذي أقر أنه لغير أبيه فنصفه الذي يستحق ميراثه أخوه المنكر لهذا الإقرار، وإن كان هذا المقر قد دفع عنه عوضًا من ماله حتى خلص جميعه إليه فإنما هذا إنما هو بالجرّ، وحكم الشرع يوجب القسمة ولم يدفع عوضًا باختياره ليفديه لصاحبه، بل أخوه عنده في حكم الغاصب الذي غصبه نصف هذا العبد بدفعه لأخيه المقر، وأخذ من مال أخيه عوضه. والغاصب إذا غصب للإنسان سلعة، ودفع إليه سلعة أخرى عوضها، وجبره على ذلك كله، فإن السلعة المدفوعة لهذا المغصوب منه سلعة يستحقها صاحبها إذا كانت مغصوبة أيضًا من غير أن يدفع عنها عوضًا، فيبعد الخلاف في هذا الذي يقدر أنه فدى لما كان بالجبر والإكراه، ويحسن الخلاف فيما كان بالاختيار. ولو فدى فاد شيئًا مما كان في يد أهل الحرب، وأخذوه في غنائم المسلمين، لرجع بما فداه لأنه كالمشتري له من قوم يستحلون في شرعهم تملكه، على ما بسطنا حكمه في كتاب الجهاد.
والجواب عن السؤال الحادي عشر (^٢) أن يقال:
إقرار الوصي على من في ولأنه بحق فيما تولى المعاملة لهم فيه، فيقبل قوله فيما أخذه من غرمائه أو باع منهم أو اشترى؛ لأن الشرع أقامه مقام أبيهم، وأبوهم أقام الوصي مقام نفسه. وكذلك أقام الشرع آباءهم مقام أنفسهم، لو كانوا بالغين رشداء لعجزهم عن النظر لأنفسهم، فجعل ذلك لأبيهم، وليس لأبيهم ولا لوصيهم أن يدعي على أحد بدعوى توجب لليتامى مالًا لم يثبت.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعله: لأن.
(٢) هذا السؤال من تعداد الأسئلة.
[ 3/ 1 / ٤٢٤ ]
والوصي والأب كالأجنبيين لا علاقة بينهما وبين اليتامى. لكن ما تولى الوصي المعاملة فيه فله المطالبة به والدعوى، لأن فعله يقوم مقام فعل اليتامى بأنفسهم. ولو ادعى اليتامى لأنفسهم، وهم رشداء لمكنوا من ذلك. وكذلك من أحله الشرع في محفهم ونائبًا عنهم. فلو قال الوصي: قبضت مالًا من الغريم لليتامى من سلف أسلفه أبوهم في حياته، أو ثمن سلعة باعها في حياته، لم يقبض بذلك على اليتامى، وإنما يكون شاهدًا لمن عليه الدين، من سلف أو بيع، فإن كان عدلًا حلف معه الغريم، وبرىء من الديون التي كانت للأب. وإن لم يكن عدلًا، وردت شهادته، لم يبرأ الغرماء من الديون التي كانت للميت عليهم. وكذلك لو كان الوصي عدلًا، ونكل الغرماء على اليمين مع شهادته، لم يبرأوا أيضًا من الدين.
واختلف هل يلزم الوصي إذا قبض هذا المال من الغرماء لليتامى أن ينظر فيه كما ينظر في غير ذلك من أموالهم أم لا؟ فقال: ليس ذلك عليه، لاعتقاده أنه أخذ ظلمًا وعدوانًا، ممن هو برىء منه. فمقتضى قوله: يبرأ الغريم، أنه لا يحل له النظر لليتامى فيما أخذلهم من ذلك.
وقيل: بل يَنظر فيه كما ينظر فيما سواه من أموالهم التي هي على ملكهم بالوجه الواضح، لأنه قد التزم النظر في مإل هؤلاء اليتامى وصيانة مالهم فليس له التخلص من ذلك بعد التزامه وموت أبيهم الموصي عليهم، بل يتهم في هذا الاعتراف ببراءة الغريم أن يكون أراد التخفيف عن نفسه، وإسقاط المشقة عنه، في تكلف صيانة هذا المال وحفظه والنظر فيه.
وأما إقراره بأنه باع لهم سلعة كذا واشتراها، وأخذ أثمان ما تولى بيعه من أموال اليتامى فإن قوله في ذلك مقبول ما دام اليتامى في ولايته لم يرشدوا ويكون هذا الإقرار كإقرار اليتامى على أنفسهم وهم رشداء كما قدمناه. وأما لو كان إقراره بقبض هذه الديون التي عامل بها من أموال اليتامى، فإن المذهب على قولين في الاكتفاء بمجرد إقراره:
[ 3/ 1 / ٤٢٥ ]
ففي الموازية أنه لا يكتفي بذلك دون أن يحلف الغرماء الذين أبرأهم الوصي مع شهادتهم بإبرائهم إن كان عدلًا. وهذا كنحو ما ذكر في المدونة في إقرار أحد الشريكين المتفاوضين بعد موت شريكه وانقطاع المعاوضة بالموت:
أن السلعة التي في يد فلان رهناها في كذا وكذا دينًا استدناه، فإنه جعل الشريك ها هنا شاهدًا أيضًا، مع كونه أضاف هذا الإقرار إلى من كان مقبول القول فيه على شريكه، ولكنه وقت إيقاع هذا القول لم يكن مصدقًا على شريكه. وهذا على نحو ما اختلف في شهادة الحميل وعلى نحو ما اختلف في الوكيل على بيع سلعة إذا أقر بعد بيعها بفساد البيع، لأنه أضاف هذا الإقرار وأسنده إلى زمن كان فيه وكيلًا، ولكنه لم يُسمع منه إلا الآن في زمن انقطعت وكالته فيه. وكذلك الوصي وقع منه هذا القول مسندًا إلى زمن كان مقبول القول فيه، ولكنه وقع منه هذا القول في زمن صار غير مقبول القول فيه.
وذهب سحنون إلى أن الوصي مصدق في ذلك. هذا المذهب بناء على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما. وقد اختلف في العامل بالقراض إذا قال بعد المعاملة: نسيتُ النفقة. هل يصدق أم لا؟ وهو لو قال ذلك في زمن لم ينفصل فيه من رب المال لصُدِّق أيضًا (^١). وإذا ادعى الوصي أنه دفع ما على الأيتام من ديون وخالفه مستحقوها، وأنكروا أن يكون دفع إليهم شيئًا، فإن القول قولهم، إذ لا يبرأ من عليه دين بمجرد قوله: إني قضيته، إلَاّ ببيّنة أو دلالة عادة.
ويضمن ذلك لليتامى، لكونه فرض (^٢) إذا قضى ديونهم بغير إشهاد على مستحقها. فإن اعتذر بأنه قد أشهد ولكن الشهود غابوا أو ماتوا أو قسموا (^٣).
فإن أشهب لم يقرره (^٤)، ورأى أن الأصل عدم الإشهاد، وإنما يبرأ الوصي بالإشهاد. فظاهر فعله التعدي، ودعواه رفع التعدي لا يقبل منه بإثباتٍ
_________________
(١) هكذا، والأوْلى حذفها.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فرَّط.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: نَسُوا.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يعْذرْه.
[ 3/ 1 / ٤٢٦ ]
استصحابًا لحال الأصل في عدا (^١) الشهادة.
ورأى سحنون أن الزمن إذا طال حتى يمكن ما قال، فإن قول الوصي مقبول. ورأى أن الأصل براءة الذمة فنحن نستصحب حال براءة ذمته ولا نعمرها بالشك، هل صدق أم لا؟ وإذا كان الوصي عالمًا بان على الميت دينًا وخفي، له أن يقضيه ويسدده من غير أمته (^٢)، إذ لا بينة تشهد بصحة الديون سواه، فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى أن يفعل ذلك فإن شهد به عدول عند قاض وحكم به، وجب عليه الدفع، وإن أراد الاقتصار على سماع الشهادة بنفسه وقبولها لتحققه عدالة الشهود دون الرفع إلى القاضي، فإن أشهب يسوغ له ذلك، قال: والثقة أن يرفع إلى القاضي. وهذا لأن اليتامى لو بلغوا وجرحوا الشهود وسقطت شهادتهم، ووجب لهم استرجاع هذا المال، كان للوصي أن يسترجعه أيضًا إن ضمنّوه إياه. وبعض الأشياخ مال إلى أنه لا يجب على الوصي ضمان في هذا المال؛ لأن القاضي لو رفعت إليه الشهادة لم يعذر فيها إلا الوصي، فإن سلمها أنفذ القضاء إذا كان الشهود عدولًا. فلأجل انحصار هذا الأمر إليه، وإن رفع إلى القاضي، ينبغي ألاّ يتعلق به ضمان ما دفعه على هذا الوجه. وقد ذكرنا في كتاب المديان مسائل تتعلق بأحكام الهبة واشتراط الحوز في إمضائها، وذكر منها أنه من استقرض دنانير ثم وهبها قبل قبضها لآخر، وذكر الخلاف في هذا إذا وقع الموت قبل الحوز. وسبب الخلاف كون هذه الهبة يتعلق بها حق لغير الموهوب.
كما اختلف فيمن وهب سلعة فلم تقبض منه حتى باعها الموهوب له ثم مات الواهب: هل تبطل أم لا؟ وسبب الخلاف كون هذه الهبة يتعلق بها حق المشتري بها (^٣) بعوض، والمعاملات بعوض لا يبطلها عدم الحوز. وكذلك لو
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عدم.
(٢) هكذا في (و)، وفي (مد): إذنه. والأوْلى: إذْنٍ.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لها.
[ 3/ 1 / ٤٢٧ ]
كان الأول مستقرها (^١) والثاني مستقرضًا أو كان الأول موهوبًا له والثاني موهوبًا له، فإن الخلاف جار على ما ذكرناه. لكن في فروع هذا الباب ما ينبغي أن يلتفت فيه إلى حلول القرض بموت من هو عليه وإن كان مؤجلًا، حتى يؤخذ من تركته، إلى غير ذلك مما سنبسط أصوله في كتاب الهبة إن شاء الله تعالى وذكر في المدونة أيضًا أن من ضمن عن ميت دينًا لزمه الضمان. قال: وإن علم أنه فقير ثم طرأ له مال فإنه لا يرجع عليه". لأن الضمان عن هذا المعتقد فقده على جهة الحسبة. ولو كشف الغيب أن له مالًا خفي عن الضامن، فإن بعض الأشياخ اختار تمكينه من الرجوع فيه، لأنه لو علم به لما ضمن ذلك عنه على أن لا يرجع عليه به. ولو أتى المديان من عليه (^٢) الدين ببعض دينه، وهو معسر ببقيته، للزم صاحب الدين قبوله منه. ولو كان موسرًا فامتنع من له الدين من أخذه إلا كاملًا، فإن ظاهر إطلاق قول مالك في هذه المسألة خير (^٣) من له الدين على قبول ذلك. وقال ابن القاسم: إنه لا يجبر على ذلك. وهذا يلتفت فيه إلى هذا التبعيض في القضاء: هل يلحق من له الدين فيه ضرر أم لا؟ ويلتفت أيضًا إن ثبت الضرر إلى ما جرت به العادة في مثل هذا.
والله أعلم.
تم كتاب الحجر والتفليس بحمد الله تعالى.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مستقرضًا.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: له.
(٣) هكذا في (و). والصحيح ما في (مد) وهو: جبر.
[ 3/ 1 / ٤٢٨ ]
للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري
٤٥٣ - ٥٣٦
١٠٦١ - ١١٤١
الجزء الثالث
المجلد الثاني
تحقيق
سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي
دار الغرب الإِسلامي
تونس
[ 3/ 2 / ١ ]
دار الغرب الإِسلامي
جميع الحقوق محفظوظة
الطبعة الأولى- ٢٠٠٨ م
دار الغرب الإِسلامي
العنوان: ص. ب: ٢٠٠ تونس ١٠١٥
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسحيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
[ 3/ 2 / ٢ ]
للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري
الجزء الثالث
المجلد الثاني
[ 3/ 2 / ٣ ]
كتاب الإقرار
[ 3/ 2 / ٥ ]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
وصلى الله على سيدنا محمَّد وسلم
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ﵀:
المقَرّ به ضربان: حق الله (^١) تعالى، وحق الآدمي. فأما حق الآدمي.
فليس للمقِر الرجوع فيه.
وفي حقوق الله تعالى كالزنى والسرقة وشرب الخمر روايتان، إلا (^٢) أن يكون رجوعًا إلى الشبهة (^٣) أو أمر يشبه فإنه يقبل.
وإذا أقرّ بدراهم أو دنانير، أو جمع من أي الأصناف كان، لزمه ثلاثة، إلاّ أن يفسره بزيادة عليها. وسواء أورده بصيغته أو بصيغة التصغير، كقوله: دريهمات.
وإن أقر بمال لزمه ما يفسره به، [إلا] (^٤) ما لا ينطلق [عليه] (١) في العرف اسم مال لندارته.
وفي وصفه بالكثرة والعظم تلزمه زيادة على ما يلزمه بمطلقه (^٥).
_________________
(١) في المغربية حق لله
(٢) في النسختين: أو، والصواب ما في غ، والغاني: إلَاّ
(٣) في غ، والغاني: شبهه
(٤) الإكمال من غ، والغاني
(٥) في (غ): لمطلق
[ 3/ 2 / ٧ ]
ويصح استثناء الكثير من القليل، والقليل من الكثير، ومن الجنس وغيره.
والتهمة مؤثرة في منع الإقرار. وذلك في حالين: حال المرض والإفلاس (^١).
ففي الموض يقبل إقراره للأجانب أو من لا يتهم عليه من صديق (^٢) ووارث. ويردّ فيما تقوى فيه التهمة من ذلك.
وفي الإفلاس لا يقبل إقراره لغريم سوى غريمه (^٣)، وإذا أقر أحد، إلابنين بثالث لم يثبت نسبه، وأعطاه (^٤) ثلث ما في يده.
وكذلك الإقرار بزوجة أو بدين أو بوصية. وفي ثبوت الحكم بلفظ الإقرار على وجه المدح والشكر خلاف.
قال الفقيه الإِمام ﵀:
كان الترتيب عندنا يقتضي أن شرح كلام القاضي عبد الوهاب على هذا الترتيب الذي أوردناه عنه، ولكن قدمنا العذر مرارًا عن مخالفة هذا الرأي عندنا، وهو أنّا سئلنا أن نتوخى رتبة المدونة وإن خالف رتبة كحّاب التلقين.
فاعلم أن هذا الفصل يتعلق به اثنان وعشرون سؤالا. منها أن يقال.
١) ما الضابط لمن يجوز إقراره؟ ولمن لا يجوز إقراره؟
٢) وما الضابط لمن يجوز الإقرار له؟
٣) وما الحكم في الإقرار إذا سيق مساق الاعتذار؟
_________________
(١) في (غ): الغاني: وحال الافلاس
(٢) في (غ): أو.
(٣) ما بين القوسين ساقط من الغاني. وفي غـ: غرمائه
(٤) في الغاني ويلزمه إعطاءه.
[ 3/ 2 / ٨ ]
٤) وما حكم الشك في المقَر له؟
٥) وما حكم الشك في المقَر به؟
٦) وما حكم الإضراب عن الإقرار الأول وصرفه إلى الثاني؟
٧) وما حكم الإستثناء في الإقرار؟
٨) وما حكم الاستثناء إذا تكرر؟
٩) وما حكم تقييده بالمشيئة أو بالظن؟
١٠) وما الحكم في الإقرار بشيء يتعلق به غيره: هل يدخل ما تعلق به في الإقرار أم لا؟
١١) وما الحكم في الإقرار بما لا يكون دعاء (^١) للمقَرّ به؟
١٢) وما الحكم فيمن قال: أخذت كذا من كذا؟
١٣) وما الحكم في الإجمال والإضمار في ألفاظ الإقرار؟
١٤) وما الحكم في الإقرار إذا دخل فيه حرف الابتداء وحرف الغاية؟
١٥) وما الحكم في الإقرار على جهة الكناية؟
١٦) وما الحكم في الإجم الذي مقادير الأجناس؟
١٧) وما الحكم فيما أطلق من عموم الإقرار؟
١٨) وما الحكم في الإقرار على جهة المجاوبة والاستفهام؟
١٩) وما الحكم في الإقرار بشرط الخيار فيه؟
٢٠) وما الحكم في تكرار الإقرار؟
٢١) وما الحكم في الإبراء من الديون؟
٢٢) وما الحكم في إقرار أحد الورثة؟
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب: وعاء.
[ 3/ 2 / ٩ ]
والجواب عن السؤال الأول أن يقال:
قد تقرر أن الناس نوعان: منهم من لا يتوجه عليه التكليف.
ومنهم من يتوجه عليه التكليف.
فالذي لا يتوجه عليهم ذلك (^١) لم يبلغوا الحُلُم، ومن فقد عقله بجنون أو إغماء أو سكر، على اختلاف في السكران.
فأما من لم يبلغ الحلم ولا بلغ كمالِ التمييز، كالأطفال الذين لا يميزون المصالح من المضار ولا يكفون عما يضرهم ولا يعلمون ما ينفعهم، فإن إقرارهم لا يختلف في أنه غير لازم.
وأما المراهق منهم، ومن استقلّ بتدبير نفسه، فكذلك أيضًا عندنا، وعند الشافعي أنه لا يلزمه إقراره، قولًا مطلقًا.
وألزمه أبو حنيفة إقراره بشرط أن يأذن له وليه في ذاك. وتعلق أصحابه بما روى (ابن عمر: أن أبا سلمة) (^٢) قال له النبي - ﷺ -"قم يا غلام فزوج أمّك" الحديث (^٣).
وقد قيل: إنه كان عمره ست سنين أو سبع سنين.
وأجيبوا عن هذا بأنهم غلطوا بين اسم واسم، فإذا قيل: إن عمر المخاطَب الذي ظنوه ابن ست سنين ونحوها هو عمر بن سلمة كان يصلي بقومه وهو صغير، وبه يحتج الشافعي على جواز إمامة الصبي الصغير في الفرائض.
وأما من خاطبه النبي ﵇ بأن يزوج أمه فيمكن أن يكون بالغا.
وقد علم أن إقرار الوصي لما لم يتولّ المعاملة فيه له لا ينعقد، ولا يلزم
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعل الصواب إضافة: مَن.
(٢) هكذا في النسختين، والصواب: ابن عمر بن أبي سلمة. ٧/ ١٣١.
(٣) روي هذا الحديث بروايات مختلفة. انظر: البيهقي وابن التركماني ٧/ ١٣١ قارن: الطحاوي: شرح معاني الآثار: ٣/ ١١ - ١٣ الزيلعي: نصب الراية: ٣/ ١٨٦، ١٨٧
[ 3/ 2 / ١٠ ]
اليتيم. فإذا كان قوله عن يتيمه لا يلزم اليتيم. فأحرى أن لا يلزم ما أقرّ به اليتيم في أن يقول ما يؤدي في الظاهر إلى ماله.
وأما المجنون والمغمى عليه فواضح ردّ إقرارهما؛ لأن الواقع منهما من القول إنما ينبعث عن النفع (^١) الذي يحركها الطبع، لا على النفس التي يحركها العقل والقصد.
فأما السكران فقد بسطنا القول فيه في موضعه مما سلف، وذكرنا أن في طلاقه في المذهب قولين.
الأشهر منهما إلزامه الطلاق. ولكون الطلاق من ناحية الحدود يلزمه.
وفي إلزامه بيعَه وشراءَه قولان أيضًا. وهذا لأن في بيعه وشرائه، يجريان (^٢) في إقراره، فيكون المذهب على قولين في سقوط إقراره قياسًا على المجنون لفقد عقله، وإمضاء اقراره لكونه عاصيًا في شربه ما أذهب العقل.
وأما من خاطبه الشرع وكلفه، وهو البالغ الرشيد، فالأصل إلزامه إقرارَه. ودليل ذاك الكتاب والستة وإجماع الأمة.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (^٣) فنص ها هنا على التقرير على الإقرار فنبّه بذلك على إلزام المقرّ ما أقر به.
وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (^٤). وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين: ولعل الصواب: يجري ما
(٣) آل عمران: ٨١
(٤) غافر: ١١.
[ 3/ 2 / ١١ ]
لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (^١).
وكذلك قوله تعالى:
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ (^٢)
وهذا تنييه أيضًا على تأكيد إلزام المعترف باعترافه وأنه حكم عليه بما اعترف به من ذنب.
وكذلك قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (^٣) والمعترف شاهد على نفسه. فلولا أن شهادته على نفسه تقبل ما كان لهذا الأمر فائدة. وقد قال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (^٤)، فأمر ولي اليتيم أن يملي في إثبات الشهادة على من في ولأنه. وهذا يتضمن جواز إقرار وليه عليه.
وقد علم أن تصرف الإنسان في مال نفسه (أو بيع من تصرفه في مال غيره) (^٥)؛ لأنه يتصرف في مال نفسه بالمجاملات والهبات، ولا يتصور (^٦) في مال اليتيم بالعطايا والهبات. فإذا جاز إقراره على من في ولأنه، فأحرى أن يجوز إقراره على نفسه.
وأما السنة فقد قال - ﷺ -: "واغدُ يا أنيس على امرأة الآخر فارجمها" (^٧) فأباح - ﷺ - القتل بالاعتراف بما يوجبه مع أكيد حرمة النفس ودرء الحد بالشبهات، فأحرى في المال أن يكون الاعتراف قد يقضى به على المعترف.
_________________
(١) الملك: ١١
(٢) التربة:١٠٢
(٣) النساء: ١٣٥.
(٤) البقرة: ٢٨٢
(٥) هكذا في النسختين، وفي الكلام سقط واضح، ويمكن تقديره: بهبة أو بيع يختلف عن تصرفه في مال غيره،
(٦) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ولا يتصرف
(٧) طرف من حديث. انظر: فتح الباري ٥/ ٣٩٧.
[ 3/ 2 / ١٢ ]
وكذلك رجم ماعز لما اعترف.
وأمّا الإجماع فلا خلاف في إلزام المقر به عن نفسه ما لم يمنع من ذلك مانع.
والموانع ها هنا سفه المقر: فإقراره لا يلزمه وإن كان بالغا مليئا؛ لأنه إنما حجر عليه صيانة لماله، فلو ألزمناه إقرارهْ في ماله لأتلفه، وهذا نقض لحكمة الشرع في منع الله سبحانه أن يؤتى السفهاء أموالهم. وإنما وجب رد إقراره في حال سفهه لم (^١) يلزمه ولو (^٢) رشد؛ لأن ذلك لم (^٣) ألزمناه إياه بعد رشاده لم يفد الحجر عليه.
وأما لو أقرّ السفيه بحق يتعلق ببدنه لا بماله، كاعترافه بشرب خمر فإنه يضرب الحد، ويؤخذ باعترافه. وكذلك اعترافه بالزنى وبالسرقة، فإنه يؤخذ باعترافه أيضًا بما يتعلق ببدنه.
والفرق بين اعترافه بما يوجب الحد عليه أو القصاص أنه إذا كان عاقلًا فلا يتهم العاقل أن يوقع نفسه في قتله، أو قطع عضو من أعضائه، أو ضرب يؤلمه، ويتهم في المال أن يتلفه بهواه في نفسه وعمايته، من كون فقده يضرّبه. وهذا في حق من حجر عليه لحق نفسه.
وأمّا من حجر عليه لحق غيره كالمفلس. فقد ذكرنا حكم إقراره بعد استقرار الحجر عليه، وأن ذلك لا يوجب أخذ شيء مما وجب عليه فيه من ماله. ولكنه يبقى في ذمة (^٤) المقرّ له.
وذكرنا إقراره قبل الحجر عليه وقد أحاط الدين بما له لمن يتهم عليه ومن لا يتهم عليه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وَلم
(٢) هكذا في النسختين، ولعك الصواب: حذف الواو
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لو
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: في ذمته للمقرَ له
[ 3/ 2 / ١٣ ]
وكذلك المريض تعلق به حجرٌ ما لِحق ورثته. فقد تكلمنا على إقراره في مرضه بدين لأجنبي، وعليه دين ببيّنة. وكذلك إقراره بدين لوارث. وذكرنا في كتاب المديان ما بين فقهاء الأمصار: مالك والشافعي وأبي حنيفة من الاختلاف، في هذا، وما وقع فيه أيضًا في المذهب من الاختلاف، فيستغنى بمطالعته هناك عن إعادته ها هنا.
وأمّا من حجر عليه لحقّ سيده، فسنتكلم على إقراره في كتاب المأذون له في التجارة إن شاء الله تعالى.
وقد أوضحنا حكم الإقرار بحقوق الخلق مجردة من حق الخالق، وحقوق الخالق مجردة من حق الخلق.
وقد يقع ما هو مشترك بين هذين الحقين مثل الإقرار بأنه سرق مالًا، فإن السفيه والعبد يؤخذان بإقرارهما فيما يتعنق بأبدانهما من قطع أيديهما إذْهما عاقلان، ولا يتهم العاقل في اقراره باطلًا بما يوجب قطع يده، ويتهم في المال، فيقطعان، ولا تلزمها غرامة لما ذكرناه، وإن كان للشافعية قولان في إلزامهما الغرامة:
أحدهما: ما حكيناه عن مذهبنا من أن الغرامة لا تلزمهما.
والثاني أن ذاك يلزمها لكون هذا الإقرار بلفظ واحد يتضمن شيئين أحدهما مرتبي بالآخر. فإذا وجب أحدهما وهو القطع ارتبط به الآخر الذي لا ينفك عنه في الشرع وهو غرامة المال.
وأمّا تمكين المقرّ من الرجوع عن إقراره في حقوق الله سبحانه، على خلاف فيه، إذ لم يتعذر (^١) عن إقراره (^٢) يجب قبوله، فإن ذلك مبني على أن حقوق الله مبنية على المسامحة، إذ هو سبحانه يتقدس من أن يلحقه الضرر
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يعتذر
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: [بما] يجب قبوله.
[ 3/ 2 / ١٤ ]
والأذى بمعصية العاصي إذا. وجب حده. وحقوق المخلوقين يلحقهم الضرر في تمكين المقرّ من الرجوع عن إقراره، فلهذا اتفق على أن المقرّ بحق المخلوقين لا يقال فيه ولا يفيده الرجوع عنه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
إذا أقرّ الرجل بمال لمن يستحيل أن يكتسب المال ويضاف إليه، كقوله: لهذا الحجر عندي مائة دينار، فإن هذا الإقرار ساقط، بإسناد الملك لمن يستحيل أن يملك على حال من الأحوال، لكن لو أسند ذلك إلى من يصح أن يملك على صفة، ويستحيل أن يملك على صفة أخرى، كقوله: لهذا العمل عليّ مائة دينار، فإن ذلك لا يخلو من أن يقيد هذا الإقرار بصفة يصح أن يضاف الملك إلى العمل، كقوله: لهذا العمل عليّ مائة دينار من وصية أوصي له بها، أو سبب ميراث. فإنه إن قيد الإقرار بذلك صحّ؛ لأنه العمل يصح أن يملك الوصية بمال وبالميراث.
وإن أطلق ذلك، ولم يذكر سبب إضافة هذا الملك إليه، وتعذر استفساره، فهل يمضي هذا الإقرار أم لا؟
ذكر ابن سحنون أن هذا الإقرار يمضي، ولو أضافه إلى سبب يستحيل، كقوله: لهذا العمل عندي مائة دينار. أسلفها لي. وتعد هذه الزيادة ندما.
وهكذا ذكر ابن عبد الحكم أن الإقرار يلزم فيمن قال: لهذا العمل عندي مائة دينار، ولم يذكر سببا.
وهكذا قال أصحاب أبي حنيفة: إن هذا الإقرار (^١) بالحمل لا يلزم. لكنهم قالوا: يلزمه إذا أقرّ له حين ولد. قال محمَّد بن عبد الحكم: ولا فرق بينهما.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: للحمل
[ 3/ 2 / ١٥ ]
ذكر هذا في مناقضته لهم. وللشافعي قولان في لزوم هذا الإقرار إذا أطلقه ولم يذكر سببا.
وعندقي أن الذي يتخرج من المذهب إبطال الإقرار مع الإطلاق؛ لأن في الموازية فيمن قال: لرجل عليّ مائة دينار، أو على فلان، أن هذا الإقرار لا يلزم، ولا يوجب غرامة على المقرّ؛ لأنه لا يتحقق غرامة ذمته بشيء لهذا المقرّ له، وإنما شك في ذاك فلا تعمر ذمته بشك.
قال ابن المواز: إلا أن يكون تشكك المقر بين نفسه وبين صبي ابن شهر بأن يقول: لك عندي مائة دينار، أو عند هذا الطفل، الذي هـ وابن شهر، فإن المائة تلزمه لكون ابن شهر ممن لا يصح أن يُمَلِكّ ولا يكتسب. فإذا رأى ابن المواز هذا التردد في الإقرار بين المقرّ وبين رجل آخر يصح أن يملِكّ يُبِطل الإقرار، ورأى أن ابن شهر بخلاف ذلك، وأنه كالقائل: لك عندي مائة دينار أو عند هذا الحجَر. فدل ذلك على أن ابن المواز يحمل إطلاق هذا القول على نفى اللزوم. وإذا قال ذلك في ابن شهر وراَه، كالحجَر مع خروجه إلى وجوب وتيقنِ حياته. فأحرى أن يقول ذلك فيمن كان حملًا لا يدرى أحيّ هو أم ميت.
هذا الذي يتخرج عندي من المذهب، وإن كان قد اختلف في إطلاق قول له وجهان: أحدهما يصححه والآخر يفسده. على ماذا يحمل منهما؟ كمن أكرى داره سنة بثوب معين، فإن شرَط انتقاده صح الكراء. وإن شرط تأخيره إلى انقضاء السنة بطل الكراء، وإن أطلق القول، ولم تكن عادة تقتضي أحد الوجهين، فإن ظاهر المدونة حمل هذا الإطلاق على الفساد، وأن الكراء فاسد حملا لمطلق هذا القول على الوجه الذي يفسده. وفي كتاب ابن حبيب إن الكراء صحيح حملا لمطلق هذا القول على الوجه الجائز الصحيح في الشرع، وهذا قد ينظر إلى ما نحن فيه.
وأمّا لو قيد هذا الإقرأر بوجه يستحيل عقلا، كقوله، لهذا العمل عندي مائة دينار من معاملة عاملني بها. ومعلوم قطعا استحالة معاملة العمل. فهذا إن
[ 3/ 2 / ١٦ ]
قلنا: إن الإقرار المطلق يفسد، فأحرى أن يفسد هذا بلا خلاف، على هذا القول؛ لأنه إذا فسد القول مع إطلاقه، واحتماله لأن يراد به الوجه الصحيح فأحرى أن يفسد مع تقييده بما يحيله ويفسده. وإن قلنا: إن القول المطلق يُحمل على ما يصح ويثبت، فإن ابن سحنون ها هنا ألزم هذا الإقرار، ورأى أن ذكر ما يستحيل كالعدم على ما قدمناه عنه.
ومذهب الشافعية هذا على قولين، وذلك في كل إقرار صدر من المقر، ولكنه أضاف إليه المقر من القول ما يفتضيه ويرفعه، حتى طرد ذلك في مسألة ليحر عندنا فيها اختلاف. منصوص. وهو إذا قال الإنسان لرجل آخر: لك عندي مائة دينار، وقضيتك إياها. فإن هذا لا يقبل منه دعواه القضاء إذا لم يكن على جهة الشكر أو الذم، بل في مجلس الخصام.
وأما نحن فلا يبعد أن يكون هذا مما يجري على قولين:
أحدهما أن هذا الإقرار لا يلزم لأنه لفظ واحد آخره يحيل أوَّلَه ويرفعه، فكأن المقر لم يحصل منه إقرار، ولا يؤاخذ بأكثر مما أقرّ به.
وعلى طريقة ثانية يكون الإقرار لازمًا، ويتعلق الحكم بصدر الكلام الذي ليس فيه إحالة، وَيعد ما أضاف إليه، بعد استقلال معناه، كالندم منه، واستدراك رفع ما يلزم بإقراره.
وعندنا خلاف فيمن قال: أنت طالق إن شاء هذا الحجر، فقيل: إن ذلك لا ينفعه فيه هذا الشرط، والطلاق واقع، ويعد نادما بهذا الشرط الذي اشترط بعد صدور الكلام منه مفيدٍ مستقبلٍ (^١) بنفسه، وهو قوله: أنت طالق. فكأنه لما ثب عليه الطلاق بهذا القول ندم على وقوعه منه فأراد أن يرفعه بقوله: إن شاء هذا الحجر.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مستقلّ
[ 3/ 2 / ١٧ ]
وكذلك اختلف عندنا فيمن قال لرجل: تسلفت منك مائة دينار، وكنت لم أبلغ، أو كنت سفيها لم أرشد، على ما يبسط القول فيه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. فقد قيل: إنه يعدّ هذا الاستدلال منه: كنت صبيًا، أو سفيهًا، كالندم على ما أوجبه عليه إقراره بالدين.
فإذا تقرر الحكم فيمن أقر لحمل بمال، وتبين الحكم في تقييده بما يمكن أن يسند الملك فيه إلى العمل، وما يستحيل أن يسند إليه، وتبين إطلاق القول من غير تقييد، فإنه يجب أن ينظر وضع هذا العمل: فإن خرج ميتًا لم يثبت الإقرار؛ لأن الميت كالعدم، ولا يُدرى هل كان حيّا في البطن حين هذا الإقرار، أو حين السبب الذي أضيف إليه الإقرار، أو لم يكن حيّا. هكذا ذكر ابن سحنون. وإن خرج حيّا في زمن يعلم فيه أنه كان موجودًا حين ثبت الملك له، وذلك أن يولد حيّا في دون ستة أشهر، علمنا أن هذا الملك صادف كونه مخلوقا، فإن وُضع بعد سنين تجاوز أقصى العمل، وهو أربع سنين، أو أكثر منها على الخلاف المعلوم، علمنا أنه لم يكن مخلوقا حين ثبوت هذا الملك، فلا يصح أن يحكم له بهذا الملك. وإن كان ما بين هذين الوقتين اللذين هما أقلّ أمد العمل وأقصاه، وكانت الحامل ليست بذات زوج، ولا سيد يطأها، فإن ذلك يحمل على أنه كان مخلوقا، إذ يحل إضافة الزنى لها، وكون هذا الولد زنت به.
ولو ولدت ولدين: أحدهما حي، والآخر ميت، لكان المال كله للحي منهما خاصة.
وإن وضعتهما جميعًا حيّين لقسم المال بينهما نصفين، ذكرين كانا أو أنثيين أو أحدهما ذكر والآخر أنثى. إلا أن يذكر المقر سبب استحقاق هذا المال: صار إليهما عن مال لأبيهما عندي. فيكون للذكر سهمان وللأنثى سهم واحد، على حسب ما توجبه الفرائض.
ولو قال: وجب لهما عن أخيهما الذي من الأب، لقسم أيضًا للذكر مثل ما للأنثيين.
[ 3/ 2 / ١٨ ]
ولو قال: عن أخيهما، ومات ولم يبين، فذكر محمَّد بن عبد الحكم في هذه المسألة قولين: أحدهما: أنه يقسم على السواء.
والثاني أن ينقسم أثلاثا، فيكون لكل واحد منهما سهم. ويبقى السهم الثالث، فيعلم أن الأنثى تسلم نصفه للذكر فيعطاه، ويبقى النصف من هذا السهم الثالث فيدعيه كل واحد منهما، فيقسم بينهما نصفين فتصح الفريضة من اثنى عشر: للذكر سبعة أسهم وللأنثى خمسة.
ومما ينخرط في هذا السلك قول القائل لرجل: لك على مائة دينار، زورا وباطلا. فإن المقر له إن صدّقه في كونها باطلا وأن القول كذب، لم يختلف في سقوط هذا الإقرار، وإن كذبه في قوله: إنها باطل، وطلبه كلامَه، قال (^١) فإن المنصوص أيضًا أن المقر لا يصدق في هذا، ويقضى عليه بما أقرّ به، ويعد قوله باطلًا كالندم ورفع ما ثبت عليه من الإقرار. وحكى بعض أصحابنا أن هذا متفق بيننا وبين المخالف. وإسناوإلاتفاق على هذا مما ينظر فيه.
ولو قال له: لاحق لك على، وصدّقه المقَرّ له، ولكنه بعد القول كما قال: لا حق لك عليّ، وصدقه المقر له، أشهد لي على نفسك بمائة دينار. فإن ذلك يحمل على أن ذلك هبة، إنما يقضى بها على المقر ما لم يمت أو يفلس أو يمرض لا تفاقهما على أنه لاحق عليه، يقتضي أن قوله بعد هذا: لك عليّ مائة دينار، المراد به الهبة، والمخالف أسقط هذا القول ولم يقض به على حال، وكأنه يرى أنه لم يلفظ بلفظة الهبة، وقد تقدم من اتفاق المقرّ والمقرّ له: أَلَّا حق له عليه إبطال هذا الإقرار أصلًا، كما لو قال: لك عندي مائة دينار باطلًا وزورا، واتفقا على تصديق هذا القول، فإن هذا القول لا يقضى به.
وكذلك لو أقر أنه باع منه داره، ووصل اقراره فإن (^٢) ذلك توليجا زورا (^٣)
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعلها زائدة
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بأن
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: توليج زور
[ 3/ 2 / ١٩ ]
فإن الحكم فيه ما قدمناه من تصديق المقَر له وتكذيبه لقوله: إنه توليج وزور.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
اعلم أن الإقرارات الأصل فيها أن تؤخذ على ظواهرها وما تفيده في اللغة أو العرف. لكن ربما اقتضت قرينة الحال ونساق المقال، ما يخرجها عن مقحضاها وينقلها عن هذا الحكم الذي أصلنا فيها. فقد كنّا قدمنا في كتاب الشهادات فيمن أقرّ لرجل بدين ووصل إقراره بأنه قضاه إياه، وأورد ذلك في (أنثى دحته الرجل وشطره أو أنثى ذمه له) (^١). وذكر تسلطه وتعايظه (^٢) في الحقوق، وهو من هذا السلك الذي نحن فيه. ولكن ما يرد أيضًا من الإقرار مورد الاعتذار فإنه يسقط حكمه.
وقد روى أشهب عن مالك فيمن اشترى سلعة فسأله البائع في أن يقيله فقال له: تصدقت بها على ابنتي. ومات الأب فقامت الابنة تطلب هذه السلعة بمجرد اعتذار الأب وإقراره بأن الملك لها. فقال مالك: لا يقضى لها بذلك. وليس بقاطع. وكذلك روى أيضًا عن مالك فيمن سئل أن يكري داره فقال: هي لابنتي حتى أشاورها، فقامت الابنة طالبة بهذا الإقرار، فإن ذلك لايقضى به. وكذلك سئل مالك: من يسأله أحد من بني عمه أن يسكنه دارا، ثم سأله ثان من بني عمه، فقال: هي لزوجتي، ثم سأله ثالث من بني عمه، فقال: هي لزوجتي، فقامت هذه الزوجة بهذا الإقرار والتكرر، فإنه لا يقضى عليه به.
وكذلك لو أضاف الملك إلى أجنبي، فقال: الدار لفلان، معتذرا بذلك لمن سأله في بيعها منه، ووافق أصبغ مالكا وأصحابه على هذا. وسواء طلب المقرّ له أخذ هذه الدار بدعواه أنه يملكها، (فربما قبل هذا الإقرار، أو أراد
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أثناء مدْحَتِه الرجل وشكره وأثناء ذمه له.
(٢) هكذا في النسختين.
[ 3/ 2 / ٢٠ ]
طلبها بمجرد هذا الاعترإف فإنه لا يقضى بها) (^١). ولكن أصبغ ألزم المقر اليمين على أنه لاحق للمقَر له فيها. فإن نكل عن هذه اليمين نظرت في المقَر له: فإن كان يدعي ملكها بحق قديم قبل وقوع هذا الإقرار من المقر، فإنه يحلف ويستحقها. وإن كان إنما أراد أن يملكها بهذا القول، فإنه لا يقضى بهذا القول إذا أنكر (^٢) المقر عن اليمين.
وظاهر ما نقلنا، عن مالك وما رواه الأكثر من أصحابه يقتضي أن هذا المقر لا يستظهر عليه باليمين بناء على أن هذه قرينة حال تقوم مقام الشهادة على أنه لم يقصد التمليك وإنما أراد الاعتذار ومدافعة من سأله.
وكأن أصبغ رأى أن هذه قرينة لا تفيد القطع ولكنها أفادت الظن، فأكدها باليمين على صحتها. ولكن ظاهر كلامه تعلق اليمين في دعوى المقر له أنه يملكها قبل الإقرار وطلبه بملكها بمجرد الإقرار. لكن قوله لا يقضى على المقر بالنكول عن هذه اليمين إذا طلب المقر له تملكها بمجرد الإقرار يقتضى ألا تجب اليمين أولًا في هذا الوجه لأن اليمين الذي إذا نكل الإنسان عنها لم توجب عليه شيئًا لم يتعلق عليه ابتداء. وكأنه إذا قال: ملكتها قديما صحّ رجوع اليمين لدعوة اليقين. فإذا أراد طلبها بمجرد هذا القول فإنه لا يتيقن ملكها فلهذا لم ترجع اليمين عليه. وكذلك أيضًا قال أصبغ لو سليم (^٣) سلعة ليبيعها فقال: كنت بعتها من فلان بكذا أو كذا، أو كنت تصدقت بها عليه أو وهبتها له، فإنه يؤاخذ بهذا الإقرار. بخلاف قوله: هي ملك لفلان. واعتذر بأنه إذا قال: كنت بعتها من فلان أو وهبتها له فقد أقرّ بفعل يجب امضاؤه وهو البيع والهبة، وإذا قال: هي ملك لفلان، فلم يقر بفعل.
وهذا الذي فرق به لا يتضح، لأنه أيضًا يجب أن يقضى على المقر
_________________
(١) هكذا في النسختين.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: نكل
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: في
[ 3/ 2 / ٢١ ]
بإقراره، سواء أقرّ بفعل أو أقر بملك. وقد حكينا عن مالك في صدر هذه المسألة فقال: تصدقت بها على ابنتي وماتت (^١)، فإن الابنة لا يقضى لها بذلك إذا طلبت القضاء به. قال: وليس هذا بقاطع. وهذا ظاهره يخالف مذهب أصبغ، وان الاعتذار بالاقرار بالملك أو بالاقرار بالبيع والهبة سواء في كونه لا يلزم المقَز له ما قاله من هذا وهو الأصل إذا كانت قرينة الحال تدل على أنه إنما قصد بهذا الإقرار المدافعة، وقال الكذب والعذر. لكن ما حكيناه عن مالك وقع فيه أن السائل لمالك ذكر له أن هذا الناطق بالاعتراف بالتهمة مات.
وقد يدافع أصبغ عن هذا بأن يقال: فإن البطلان ها هنا لأجل عدم الحوز في الهبة، ولا يكون ذلك حجة على تفرقتي بين اعتذاره بأنه باع أو وهب وبين اعتذاره بأن الملك لفلان.
لكن ظاهر قول مالك ﵁ أنه أبطل الإقرار لكونه خرج مخرج الاعتذار لا يكون الحوز لم يثبت، ألا تراه قال: وليس هذا بقاطع، ولم يعلل يعدم الحوزة ولكنه مع هذا ليس كالنص الجلي
وكذلك قال أصبغ: ولو سأل رجل رجلًا أن يزوجه ابنته، فقال: زوّجتها من فلان، فقام فلان طالبا لهذا المقر بأنه زوجه ابنته فإنه يقضى له بتزويجها، سواء قال هذا المضاف إليه التزويج: إني كنت تزوجتها قبل أن يقول أبوها هذا المقر ما قال، أو طلب كونها زوجا بمجرد هذا الإقرار الخارج مخرج الاعتذار.
واعتل بأن الهزل واللعب يثبت في النكاح والطلاق والعتاق، كما ورد في الأثر "ثلاث هزلهن جد " (^٢).
وهذا الاعتلال منه بعيد على أصله، لأنا قدمنا عنه أن الاعتذار بأنه باع أو وهب يقضى به عليه. ولا يرجع حكم هذا الإقرار مخرجه مخرج الاعتذار.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مات.
(٢) الحديث بتمامه أخرجه الترمذي بسنده إلى أبي هريرة. انظر الجامع الكبير ٢/ ٤٧٦ - حد ١١٨٤.
[ 3/ 2 / ٢٢ ]
بخلاف أن يعتذر بالاقرار بالملك مطلقا. فإذا كان هذا أصله، كما حكيناه عنه، فلا حاجة إلى أن يعتذر عن هذا في النكاح ويقول: إن النكاح هزله جد، والنكاح كالمعاملات والبياعات، فهذا التعليل منه ينافي ما قاله أوّلا من (^١) المعتذر بأنه باع لا يقبل اعتذاره ويلزمه إقراره. ولم يفرق أصبغ بين أن يطلب هذه الزوجة المقر بها بدعواه انه تزوجها قبل الإقرار، وبين أن يطلبها بمجرد هذا الإقرار.
وخالف ابن كنانة في هذا: إن طلبها بمجرد هذا الإقرار لم يقض له بها، وإن طلبها بدعواه أن أباها زوجها منه قبل هذا الإقرار الخارج مخرج هذا الاعتذار فإنه يقضى له بتزويجها. وهذا يبسط القول فيه في كتاب النكاح بأوسع من هذا إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
الشك يقع من المقرّ في محلين:
أحدهما: من يستحق عليه ما أقر به مع علمه بجنس المقر به.
والثاني: أن يشك في المقر له مع علمه بالمقر به.
فأما إن شك فيمن يستحق ما أقرّ به مثل قوله: لزيد على ألف درهم أو لعمرو. فإن ظاهر هذا اللفظ يتقثد بعمارة ذمته بألفء درهم وتشكيكه من يستحقها: زيد أو عمرو. فالذي وقع لأشهب وسحنون في هذا فيما حكاه ابن سحنون عنهما أن الألْف لزيد وهو المنطوق به أوّلا في الإقرار فيستحقها كلها، ولكن بعد أن يحلف: إني أستحقها عليك أنها المقر، وإني لا أعلم لعمرو فيها شيئًا. ولو قال: أتحقق ما أقر لي به، ولكنه (^٢) أطلبه بموجب إقراره، فإن من
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: من [أَن] المعتذر
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لكن
[ 3/ 2 / ٢٣ ]
حته ذلك، ولكن إنما يحلف لعمرو: إنه لا يعلم له فيها حقا. وكذلك يحلف المقر لعمرو: إنه لا يستحق قِبَله شيئًا. ولا يكون لعمرو مطالبةٌ على المقرَ. فإن نكل المقر عن اليمين لعمرو حلف عمرو واستحق عليه الألْف مثل ما استحق صاحبه الذي هو زيد.
وقال ابن عبد الحكم: إن اتفق زيد وعمرو وقسصت الألف فذلك لهما، ولا يمكّن المقر من امتناعه من أدائها لهما، لأنه تضمن إقراره تيقنه بعمارة ذمته بالألف درهم، وإنما وقع شكه: هل يستحقها زيد أو عمرو؟ وإذا رضي زيد وعمرو بقسمتها فلا مقال للمقر.
وإن ادعى الألف كل واحد من زيد وعمرو لنفسه وحلفا عليها اقتسماها. وإن نكلا عن اليمين اقتسماها أيضًا لتساويهما في الدعوى، وتساويهما في طرق الترجيج بينهما في اليمين أو في النكول. وهذا إذا كان المقر يجحد الإقرار وينكر دعواهما.
وقال ابن عبد الحكم، في موضع آخر من كتابه،: هذا إذا كان يحلف المقِرّ لهما لتسقط عنه غرامة ألف ثانية. فإن نكل عن اليمين عنه. ولم يسقط ابن عبد الحكم عن المقر الغرامة أصلًا ولو حلف لهما، ولكنه حكى عن أبي حنيفة أنه إذا حلف لهما سقط عنه حكم الإقرار الذي شهدت به البينة.
وقال ابن عبد الحكم: هذا فاسد، أرأيت لو كان اقراره هذا في دنانير بأعيانها أو دار بعينها؟ ومذهب ابن عبد الحكم أن المقر لو رفع التشكك عنه، وقال: هي لزيد وحده، أو لعمرو وحده، لقبل منه ذلك، وحلف لمن أنكر أن يكون له. ذكر ذلك فيمن قال: لزيد عندي مائة دينار، ولعمرو أو خالد عندي ألف درهم، أن الدنانير يختصّ بها زيد، إذ مقتضى اللفظ أنه لا يشك في استحقاق زيد عليه ما أقر له به من دنانير، وإنما الشك في الدراهم: هل هي لعمرو أو لخالد. وذكر ابن سحنون هذه المسألة، فقال: أمّا الدنانير فإنه يقضى بها لزيد في إجماعهم، وأما الدراهم فيقضى بها لعمرو، ويسقط حق
[ 3/ 2 / ٢٤ ]
خالد فيها. وقال غيرنا: بل يسقط في الدراهم حق عمرو وخالد جميعًا.
والذي ذكره ابن سحنون في إثبات الدراهم لعمرو لكونه المنطوقَ به أولًا في لفظ التشكيك، في سقوط حق خالد، هو الذي حكاه فيما ذكرناه عنه أوَّلا عن أشهب وسحنون.
وذكر ابن المواز فيمن أقرّ أنه تسلف مائة دينار من زيد أو عمرو، أو صارت إليه وديعة من زيد أو عمرو، وأنه يقوم لكل واحد منهما ما شك في كونه مستحقا له عليه من سلف أو وديعة، من غير يمين تلزم كل واحد من المسلّفين أو المودعين. كما لو ادعى رجل على رجل بمال فشك المدعَى عليه في صدق المدعي، فإن المدعي يقضى له بما ادعاه من غير أن يستحلف. لكنه ذكر أن المقرّ على جهة التشكيك لو مات لم يقض في هذا في تركته إلا بعد إليمين على زيد وعمرو. وأشار إلى أن الفرق بين حياته وموته كونه إذا مات يجوز -لو بقي حيا- ان يرفَع التشكيك عن نفسه وينكر الإقرار، فلهذا استظهر باليمين على من طلب تركته. وإذا كان حيا وتمادى على تشككه فقد أمن من رجوعه عن الشك إذا قضي عليه وهو لم يرجع عن الشك. وذكر أيضًا أن هذا الذي أقر على جهة التشكك لو بقي حيا وأكذب عمروًا وزيدًا في دعواهما عليه بما أقرّ على جهة التشكك، فإنه يحلف لهما، ويرد اليمين، ويغرم لمن رد اليمين عليه. ومقتضى أهل المذهب أن يكون إنما يقيده (^١) ألا يغرم لكل واحد منهما الجملة التي أقر بها، كما يلزمه لو بقي على تشككه. لكن ما قدمناه مما حكيناه عن أبي حنيفة يسقط حكم الإقرار الأول إذا حلف لهما ولا يغرم لهما شيئًا. فأنت ترى هذا الاضطراب في شك المقر فيمن يستحق ما أقرّ به.
وتلخص منه أربعة مذاهب:
أحدها: إثبات الغرامة لكل واحد ممن شك المقرّ في كونه يستحق عليه ما
_________________
(١) هكذا في النسختين ولعلها يقيده
[ 3/ 2 / ٢٥ ]
أقرّ به. ورأى أنه لا يسوغ له التمسك بمال يشك فيه: هل يستحقه غيره عليه.
ورأى ابن عبد الحكم أن اقراره إنما يتضمن الشك فيمن يستحق ما أقر به.
ولكن مقتضى قوله: إنه يتيقن عمارة ذمته بالألف التي أقر بها لا أكثر منها، ويشك في مستحقها فيقضى عليه بما تيقنه، ولا تلزمه الغرامة مع الشك، على ما ذكرناه أيضًا عن أبي حنيفة.
لكنه لخص من مضمون الإقرار جملة متيقنة، وإنما وقع الاشكال فيمن يستحقها، فيقسم بين المتشكك فيه، فتبرأ ذمته مما اقتضاه قوله من المتيقَّن.
وكأن أبا حنيفة أفرد كل واحد من زيد وعمرو معه، وكل واحد منهما لا يستحق المقر أنه يستحق قبله شيئًا، فلا تلزمه غرامة له بالشك، فلهذا أسقط الإقرار على الجملة والتفصيل.
ولكن هذا المذهب الذي حكيناه عن أبي حنيفة نقله عنه ابن عبد الحكم فيما إذا أنكر المقر أن يكون لواحد منهما قِبله شيء، وأنكر ذلك عليه وقال: هذا فاسد. أرأيت لو كان هذا الإقرار تبقي له ما أدري ما يقول أبو حنيفة في هذا. فإن التزمه لم يكن لابن عبد الحكم -بما ذكرنا- مناقضة له. وأطرد ما علل مذهبه به. وابن عبد الحكم لم يسقُطه على الجملة فيسقط ذلك حكم التيقن.
وقد قال، فيما حكيناه عنه،: إنه يخرج المُقرّ الألف يقسمها زيد وعمرو، ليبرأ مما تيقن استحقاقه عليه. قال: ولو أبرأه زيد أو عمرو من هذا الإقرار وقال: لا استحق قِبَل المقر شيئًا لم يلزم المقر غرامة الآخر الذي لم يُبْرِه لإمكان أن يكون الحق لمن أبرأه منه، وقد أسقط عليه، فإن عدم التيقن مع إبراء أحد الرجلين، وهو إنما تثبت الغرامة إذا حصل التيقن على الجملة أو هو لا يحصل مع اعتراف أحدهما المقر (^١) أنه لا يستحق قبله شيئًا.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: للمقر
[ 3/ 2 / ٢٦ ]
فهذا تلخيص المذاهب الأربع والاشارة إلى الأصول التي بنيت عليها.
فإذا تقررت المذاهب الأربع فإن طريقة أشهب وسحنون إسقاط حكم اللفظ الواقع بعد حرف الشك.
وما أراهما صارا لذلك إلا حملًا منهما ما وقع بعد حرف الشك يعدّ ندما من المقر، فكأنه لما قال: لزيد عليّ ألف درهم، ندم على ما فرط منه مما يوجب عمارة ذمته، فاستدرك هذا بأن قال: أو لعمرو، ليرفع حكم ما اقتضاه اللفظ الأول من كون قائله متيقنا أن لزيد عنده ألفَ درهم.
وابن عبد الحكم يرى أن الألف عمرت ذمته بها، ولكن لا يدرى من يستحقها، قسمت بين من يشك في إستحقاقه لها.
وابن المواز يرى أن شك المقر لا يرفع عنه المطالبة بما شك في كونه في ذمته لمن أقر له به ولم يُلزم المقر له يمينا لأنه لا يُمكّن من ردّها على الشاك.
والمذهب الرابع الذي قدمناه إسقاط حكم الإقرار مع الشك بأسره.
ونحن نضرب لهذا مثالا حتى يرسخ في النفس تصور التفريع على هذه المذاهب:
فإذا قال القائل: لزيد عندي مائة دينار، أو لعمرو. فهذا (^١) اللفظ الذي صورنا فيه المذاهب الأربع.
فلو زاد زيادة فقال: لزيد عندي مائة دينار، أو لبكر وخالد، فإن مقتضى هذا اللفظ كون هذا المقر متيقنا أن في ذمته مائة دينار، وهو يشك: هل جميعها لزيد، المسمى أوّلا، أو لا شيء له فيها وجميعها لخالد وبكر جميعًا، فتقسم نصفين بين المشكوك فيها وهو زيد فيأخذ نصفها، وبكر وخالد يأخذان النصف الآخر. وهذا مذهب ابن عبد الحكم في هذه المسألة.
_________________
(١) في مد: بهذا
[ 3/ 2 / ٢٧ ]
ومذهب سحنون فيها أن المائة كلها لزيد، ويسقط ميت سماه بعده على جهة الشك فيه، كما قدمناه.
وعلى مذهب ابن المواز يغرم مائتين: مائة لزيد ومائة يقسمها بين بكر وخالد، لكونه شاكًّا في كون بكر وخالد يستحقانها عليه. وأصله التغريم بالشك.
وعلى المذهب الرابع، الذي حكيناه، تسقط عنه الغرامة للجميع: زيد ومن ذكر بعده.
ولو قال: لزيد ولعمرو عندي مائة دينار، أو لبكر وخالد، فهذا أيضًا مقتضى لفظه كونه متيقنا أن في ذمته مائة دينار لا يدري من يستحقها عليه: هل زيد وعمرو أو بكر وخالد فإن سماها بعد ذلك للأوليْن: زيد وعمرو، وتحقق أنها لهما سقط حق بكر وخالد بعد يمينه لهما إن أنكرهما، وإن لم يعينها لزيد وعمرو وبكر وخالد قسموها أرباعا، وإلى هذا ذهب ابن عبد الحكم.
وذهب ابن سحنون: بل تكون لزيد وعمرو، ويسقط حق بكر وخالد بناء على أصله الذي ذكرناه في إسقاط ما بعد حرف الشك. وعلى أصل ابن المواز يغرم مائتين: مائة لزيد وعمرو يقتسمانها، ومائة لبكر وخالد يقتسمانها أيضًا.
وعلى المذهب الرابع يسقط الإقرار كله.
ولما ذكر ابن سحنون هذا المذهب في هذا قال: وقال غيرنا: يكون ثلث هذه المائة لأول من سماه وهو زيد، ويكون ثلثها أيضًا الآخر لآخر من سماه وهو خالد، ويسقط حق بكر.
وهذا المذهب الذي حكاه لم يظهر لي وجهه إلا أن يقدر أن الشك إنما وقع في رجل واحد وهو بكر الذي جعله ثالثا فيمن سماه، ويكون المراد أنها لزيد وعمرو، ولما ذكر زيدًا بحرف التمليك وهو اللام في قوله: لزيد، وذكر عمروا بحرف العطف والتشريك الذي هو الواو، وذكر بكرا بحرف التشكيك
[ 3/ 2 / ٢٨ ]
وهو قوله: أو، وعطف على حرف الشك بالواو فقال: وخالد، وحرف الواو قد أوجب أولًا في عمرو المشاركة لزيد، وكذلك خالد لما عطف بالواو وجب أيضًا أن تكون له مشاركة في المائة الباقية، لكنه لما عطفه بحرف الواو وعلى حرف الشك لم يعطه شيئًا، ولكنه أفاد فيه. عطفُه بحرف الواو انتقاض ثلث المال عن زيد وعمرو لعطفه عليهما بحرف الواو، ولكنه لم يعطه هذا الثلث لوقوع هذا العطف بعد حرف شك. ولم أقف لهذا المخالف على تعليل في هذا، ولكن ذكر ابن سحنون فيمن قال: لزيد علي مائة درهم أو لعمرو وخالد. أن مذهبه كون المائة كلها لزيد، ويسقط حق عمرو وخالد فيها، لكون عمرو إنما سمّاه بعد حرف الشك وعطف خالدًا عليه فصار عمرو وخالد مشكوكا في استحقاقهما لهذه المائة. ومن مذهبه تقدير ما بعد الشك ندما لا يؤاخذ به المقر كما قدمناه، لكن ذكر عن نفسه أنه كان يقول: إنما يسقط حق عمرو خاصة لأنه هو الذي باشر اسمه حرف الشك، وتكون المائة بين زيد وخالد. فقرر أن خالدًا معطوف على زيد فيكون شريكًا له في المائة، ولم يجعله معطوفا على عمرو، وقال: لم يتبين لي أن الشك بين الثاني والثالث وهو عمرو وخالد فيسقط حكمهما.
وهذا المذهب الذي رجع عنه. كأنه يلاحظ التعليل الذي عللت به مذهب المخالف. وقد قدمنا يمين المقر لمن طلبه بها (فمن يسقط) (^١) حقه في الإقرار.
لكن ابن عبد الحكم قال: لو قال: عليّ مائة دينار لزيد أو لغلام عمرو، وغلام عمرو غير مأذون له في التجارة، فإن الحكم أن تكون نصفين بين زيد وغلام عمرو بناء على أصله الذي قدمناه.
لكنه ذكر أن زيدا الحر إذا حلف أخذ النصف وإن نكل أخذ العبد جميع المائة من غير يمين عليه، لأنه لو أقر بكونها لزيد دونها (^٢) لم يلزمه اقراره لحق
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ممن سقط
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: دونه
[ 3/ 2 / ٢٩ ]
سيده في مال أوجبه الحكم لعبده. واقرار العبد بما يتلف مال سيده (^١) ولا ينفذ له ولا يلتفت إليه. فإذا تقرر الحكم في تحققه في ذمته مالًا معلومًا وتشكك فيمن يستحقه عليه، فلو أضاف إلى هذا الشك في جنس ما استحق عليه، مثالُه أن يقول: لفلان عليَّ مائة دينار أو لفلان علي مائة درهم، فإنه إذا أنكر أن يكون لكل واحد منهما عليه بأقل الجنسين اللذين أقر بهما وهذا الدينار فيكون بين الرجلين المقر لهما إذا اتفقا على أخذه.
وكذلك إذا قال: لزيد علي مائة دينار ولعمرو عليّ مائة قفيز قمح، أو لخالد عليّ مائة قفيز شعيرا. فإن زيدا يقضى له بالمائة دينار، ويبقى الشك في الإقرار ما بين عمرو وخالد، فإن أقر لأحدهما وانكر الآخر حلف له، وسقط حق من حلف له صاحبه، وإن نكل عن اليمين وحلف المنكول له عن اليمين غرم المقر، وإن حلف لهما قضي عليه بالأقل ثمنا من القمح أو الشعير وكان بين زيد وخالد اللذين أقر لهما على جهة التشكيك. هذا مذهب ابن عبد الحكم كما قدمنا ذكره.
ومذهبه انه تثبت المائة دينار لزيد وتثبت المائة قفير لعمرو، وسقط حق خالد، لما قدمناه لكونه يرى أن ما وقع بعد حرف الشك فإنه كالندم والقصد إلى رفع ما ثبت عليه بحكم ما قبله من الإقرار لعمرو. وقد ثبت الأمر في هذا أيضًا على ما قدمناه من التخريج على المذاهب الأربع.
وإن كان الإقرار في شيء معين فقال في عبد في يديه: هذا العبد غصبته من زيد أو من عمرو ونسيت الآن ممن غصبته منهما (^٢). فإنه يدفع العبد إليهما جميعًا إذا ادّعاه كل واحد منهما. ويغرم مع ذلك قيمته أيضًا، لأنه أتلف على أحدهما عبدا بنسيانه له. ثم يكون له (^٣) العبد بين زيد وعمرو نصفين. وكذلك
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف الواو
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: منه
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذفها
[ 3/ 2 / ٣٠ ]
تكون القيمة بينهما نصفين، إذ ليس أحدهما أحق بأن تقبل دعواه في العبد من الآخر، فصار كمالٍ يدعيه رجلان لا يدفعان عنه، وليس أحدهما أرجح في دعواه من الآخر، والحكم أن يقسم بينهما بعد ايمانهما. وكذلك هذا العبد وهذه القيمة.
فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان العبد للذي حلف منهما، وسقط حق الآخر لنكوله عن اليمين لصاحبه. ولم يسقط حق الناكل في نصف القيمة لكون المقر شاكا في استحقاق الناكل لها. وقد تقدم اللفظ (^١) بالحكم على هذا المقر بإخراجها من يده.
ولو كان مثل هذا التشكيك في وديعة معينة فقال: أودعني هذه الوديعة زيد (^٢) وعمرو ونسيت من أودعنيها منهما. فإن فيها قولين:
هل يضمن لأجل نسيانه فيقضى بها لزيد ويقضى عليه لعمرو بمثلها، ويقسم (٢) بينهما نصفين بعد أيمانهما أولًا يضمن لأجل نسيانه شيئًا لكونه مغلوبا عليه فصار كأنه تلف بغير اكتسابه ولا جنايته؟
فإذا تقرر الحكم في تحقق المقر أن في ذمته جنسا من المال وشك في أحد رجلين يستحقانه فأضاف إلى الشك في المستحقيْن الشك في جنس المستحَق عليه، كما قدمنا الأمثلة في الوجهين، فلو كان التشكيك ها هنا من المقر، هل تجب عليه مطالبة لشخص سماه أولًا تجب؟ مثل أن يقول: لزيد علي مائة دينار، أو هي له على عمرو، أو يقول: لزيد عليّ مائة دينار، أو ليست له علي، أوله عندي وديعة، أو ليست له، أو غصبته مالًا أو لم أغصبه إياه. فإن المذهب على قولين في هذا النوع من التشكيك:
فمذهب ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم أن هذا ليس بإقرار يؤخذ به
_________________
(١) في مد: الغلط
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أو
[ 3/ 2 / ٣١ ]
المقر. وقدَّره لما كان غير متيقّن بعمارة ذمته على حال كقول ملغى مطّرح، إلا أن يضيف هذا الشك إلى من يستحيل أن يضاف إليه، كقوله: لزيد عندي مائة دينار أو هي له على هذا وأشار إلى رضيع ابن أيام، أو هي له على هذا الحجر.
فإن هذا الإقرار يؤاخذ به، وتكون المائة عليه وحده لأنه لم يصرفها عن ذمته إلى من يمكن أن تكون عليه.
ومذهب ابن سحنون أن هذا الإقرار لازم يطلب به المقر وحده دون ما (^١) أضافه إليه على وجه الشك فيه، ويعد ما وقع بعد أحرف الشك كالندم منه، كما قدمنا ذكر طريقته في غير هذا من الشكوك. وكذلك مذهب أبيه سحنون.
وقد قال ابن سحنون إن غيرنا خالفنا في هذا. قال: وقد جامعونا إلا أبا يوسف أن القائل: لزيد على مائة دينار أو على هذا الحجر، أن المائة تلزمه دون الحجر، ويعدّ كالنادم. وكذلك فيمن (^٢) ذكرناه من الشكوك. وكذلك قال فيمن قال: لزيد عليّ مائة دينار أو لعمرو على خالد مائة دينار، فإن المائة تلزمه ويكون ما بعد إقراره على نفسه من الشهادة على خالد إن تيقن صحتها شهد بها. وقال: قال غيرنا: لا يلزمه هذا الإقرار.
وهذا كله إذا حقق هذا الأصل الذي قدمناه سهل بناء هذا كله عليه.
وأستلوح منه أن من ذهب في هذه المسألة التي ذكرها ابن سحنون ان اقرار هذا على نفسه ليس إقرارا بيقين يتيقنه، وإنما هو على جهة الشك، هل يلزمه ذلك أم لا؟ وإنما تلزم عمرًا لخالد.
ومما يتفرع على مذهب ابن عبد الحكم على هذا الأصل ما ذكره بنفسه في رجل قال: لزيد علىّ مائة دينار أو انما هي له على ولدي، فإن هذا ليس بإقرار كما قدمناه على أصلّ ابن عبد الحكم، لكن ابن عبد الحكم قال: لو مات الولد وترك مائة درهم فورثها أبوه وزوجته، فإن الزوجة تأخذ ربعها، ويبقى ثلاثة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مَن
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فيما
[ 3/ 2 / ٣٢ ]
أرباعها للأب فيسلمها لمن أقر له بذلك، فإن المائة له عليه وعلى ولده الميت، لكون اقراره المتقدم تضمن أنه لا يحل له أن يمنعها منه، لأنها إن كانت الدنانير دينا عليه فلا يحل له منع المقر له بها منها، وإن كانت على ولده فلا يحل له، أن يرث ولده قبل أن يؤدي الدين الذي عليه.
لكن ابن عبد الحكم قال: لو كان ترك الولد مائتي دينار فإن الأب لا يلزم أن يؤدي إلا ثلاثة أرباع إحدى المائتين التي ورثها. وكأنه رأى أن المقر له إنما يستحق من المائتين التي ترك الولد مائة واحدة، فغصبت الزوجة ربعها من هذا المقر له وظلمته في إمساكه عنه، فتكون جائحة ذلك منه، ولا يلزم الأب أن يغرم ما أخذته الزوجة من هذه المائة، وإنما عليه قدر نصيبه من المائة التي أقر بها. وقد فرضنا نحن الكلام في ولدين ورثا أباهما، وأقر أحدهما بدين على أبيه: هل إنما يلزمه ذلك منه ما ينوبه فيما ورث خاصة، وما أخذ الولد المنكر للدين جائحته على الغريم لا يطالب به المقر. وقد بسطنا القول في ذلك، وهذا منه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إذ الأصل ما أصلناه في السؤال الذي فرغنا منه الآن وهو شك المقر فيمن يستحق عليه، علم منه ومما أصلناه فيه، الحكم إذا شك المقر فيما يُستحَق عليه.
وقد يشك فيما يستحق عليه وهو متجانس أو مختلف.
ومثاله في المجانس قوله في ثوبين بيده: لفلان هذا الثوب، أو هذا الثوب. أو عبدين: لفلان هذا العبد، أو هذا العيد الآخر. فقال ابن القاسم في المستخرجة في هذا: إن المقر يحلف أنه لا يعلم أيّ الثوبين للمقرّ له، فإذا حلف المقر له أنه ما يعلم هو أيضًا أي الثوبين له، فإن حلفا كانا شريكين.
وإذا عين المقر أجودهما حيث سلمه للمقرّ له من غير يمين. وكذلك إن طلب
[ 3/ 2 / ٣٣ ]
المقر (^١) أدناهما أخذه بغير يمين، ورأى أن التهمة ترتفع عن المقر إذا عين الأجود، وعن المقر إذا عين الأدنى.
ورأى أشهب أنهما إذا نكلا جميعًا قضي للمقر له بأدنى الثوبين.
ونحن نؤصل لك سبب هذا الاختلاف، وما تدور عليه أكثر فروع أنواع شك المقر فيما أقر به.
فاعلم أن ما يتيقنه المقرّ فإنه لا محيص له عنه، وما شك فيه وأيقنه المقرّ له أخذه، على خلاف في أخذه له: هل يأخذه بيمين أو بغير يمين؟
وإن شكّا جميعًا: المقرّ والمقرّ له، ففي هذا قولان:
أحدهما: أن الذي شكّا فيه تسقط غرامته ولا تجب مطالبة المقر من أجله استصحابا لبراءة الذمة.
والقول الثاني: أنه يقسم بين المقر والمقرّ له لتساويهما في إمكان كون المشكوك فيه لهذا أو لهذا: فيقسم بينهما نصفين، كمالٍ تداعياه رجلان، فإن بنينا على القول بقسمة المشكوك فيه فقد صار أدنى الثوبين كالمتيقن استحقاق المقر له. وإنما يتعرض الشك إلى الأجود من الثوبين: هل يستحق هذه الجودة المقر أو المقر له؟ فيقسم نصفين بين هذين الرجلين. فيخرج من هذا ما ذهب إليه ابن القاسم من كونهما يشتركان في الثوبين حتى يكون أدناهما بينهما وأجودهما بينهما أيضًا فتقع القسمة في المشكوك فيه.
ورأى أشهب أن الأدنى هو الذي يتحقق على المقر والأعلى من الثوبين يشك فيه فلا يستحقه المقر له مع الشك فيه.
ومن أصحاب مالك من سلك طريقة أشهب وبناه على ما بني عليه مذهبه إلى أنه لا يستحق عين الثوب الأدنى وإنما يستحق قيمته، وهو اختيار
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: المقَرّ له
[ 3/ 2 / ٣٤ ]
محمَّد بن عبد الحكم، وأشار إلى تعليل ذلك بأنهما لو كانا (^١) جاريتين لم يحسن أن تسلم أدناهما بعينها إلى المقر له فيستبيح فرجها من غير اعتراف ملكها ولا من هي في يديه أنها لمن أقر له. وإلى هذا المعنى أشار ابن المواز. ولكن الشيخ أبا محمَّد بن أبي زيد أشار إلى حمل هذا الاعتلال على أن الطالب لا يعلم أيضًا عين من يستحق، كانه إذا علم أنه يستحق الأدنى من الجاريتين صار القول قوله، ولم يستبح الفرج على شك بل على يقين أنه له.
وقد كنا نحن تكلمنا في كتاب البيوع على من تبايعا جارية واختلفا في ثمنها وتحالفا وتفاسخا، وعادت إلى يد بائعها: هل يطؤها لأن المشترى لما حلف فكأنه وإن كذب في اليمين كالراضي بدفعها عوضا عن الثمن، فيحل للمشترى وطؤها، ولا يحل للبائع وطؤها لاعتقاده أن المشتري ملكها، وإنما ظلمه في جحوده بعض الثمن وردها عليه ظلما وعدوانا.
وهذه تلاحظ المسألة التي تكلمنا عليها الآن.
وقد قال ابن المواز في مثل هذا التشكك من المقرّ فيما يُستَحَق عليه إذا شهدت على إقراره البينة، وهو يجحد: إنه يحبس حتى يأتي بإحدى الجاريتين، وإن أدى الاجتهاد إلى ضربه ليقر فعلنا.
وهذا التفاوت (^٢) إلى ما أشرنا من كون المقَر له لا يستبيح شيئًا بالشك.
وذهب ابن عبد الحكم إلى أنه لو قال: غصبت فلانا هذا العبد أو هذه الجارية، ثم أنكر وطلب استحلافه، فنكل عن اليمين، وادعى المقَر له العبدَ والجاريةَ، وحلف عليهما فإنه يقضى له بهما جميعًا. وكأنه رأى أن المقر إذا طلب منه أن يحلف على العبد أو الجارية ليُعتن حق المقَر له، فنكل عن اليمن وحلف المقر له لمّا ادعاهما جميعًا، صار كل شخص من المملوكين العبد
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: كانتا
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: التفات.
[ 3/ 2 / ٣٥ ]
والجارية طلب مدعيهما جميعًا أن يحلف المقر على كل واحد منهما أو على أحديث فلم يفعل، صار كمن ادُّعِي عليه بشيء ونكل عن اليمين، فإن المدعي يحلف ويستحقه. وهكذا قال سحنون فيمن قال: لفلان عندي مائة درهم أو دينار، فإنه تلزمه المائة درهم ويحلف على الدينار ويسقط عنه. فإن نكل عن اليمين، وادّعى الطالب الجميع: المائة درهم والدينار، يحلف ويستحق الصنفين جميعًا. وهكذا أصل سحنون، فيما قدمناه مما حكاه في السؤال الذي قبل هذا أن ما بعد حرف الشك ساقط، ويعد كالندم من المقر فقال: إذا قال: لفلان عندي مائة دينار أو ذكر (^١) حنطة، فإن المائة دينار تلزمه والكر يسقط إذا حلف المقر على أنه لا يستحقه عليه. وإن نكل وادعاه المقَر له حلف واحدة.
وفرع على هذا فروعا مبنيّة على هذا الأصل فقال لمن قال: لفلان عليّ مائة درهم ودينار (^٢) وكُرّ حنطة، فإن المائة تلزمه بإجماعنا والدينار يلزمه عند سحنون، ويسقط عنده ما بعد حرف الشك وهو كرّ الحنطة إذا حلف عليه فإن نكل وادعاه الطالب حلف وأخذه. وكذلك لو قال: لفلان عندي مائة درهم ودينار (٢) وكر حنطة وكر شعير، فإن المائة درهم تلزمه في اجماعنا وكذلك الكر الشعير، ويلزمه الدينار عند سحنون، ويسقط عنه كرّ الحنطة، ويلزمه الشعير في اجماعنا. وقال غيرنا: تلزمه المائة درهم والكر الشعير، وهو أول اللفظ وآخره، وأمّا ما بينهصا وهو الثاني والثالث فإنه يقضى عليه بأقلها قيمة.
فأنت ترى كيف أشار (^٣) سحنون ها هنا إلى الاتفاق على لزوم كر الشعير لما وقع عقيب حرف العطف وهو الواو. فكأنه إنما عطف بحرف الواو على الأمرين المتقدمين ولهما (^٤) المائة درهم والدينار، وخص ما بعد حرف الشك
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: كُرُّ
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أو
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: سحنون بحذف ابن
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وهما
[ 3/ 2 / ٣٦ ]
خاصة وهو الحنطة التي ذكرها في ثالث مرتبة. وقد قدمنا عنه ما حكاه عن نفسه من اختلاف قوله إذا قال: لفلان عندي مائة درهم، أو لفلان، وفلان، أنه كان يذهب إلى الأول والثالث هما اللذان يستحقان هذه المائة، وقدر أن الثالث المذكور بخلاف العطف إنما عطف على الأول الذي الاقرار له لازم قال وكتب هذا وأشار إلى رجوعه عنه إلى الشك وقع بين الثاني والثالث، وكأن المائة درهم لازمة، فلما قال بعدها: أو لفلان دينار ومائة درهم، صرف هذا الشك إلى الثاني والثالث، خلاف ما أشار إليه ها هنا من الاتفاق. وهذا ينبغي أن يتأمل كلامه.
وجميع ما تفرع من هذه المسائل مبني على ما قدمنا تأصيله لك. وقد كئا قدمنا مذهب ابن عبد الحكم في الشك في الإقرار: المتيقنُ به من الإقرار هو الألزم ويقسمه المتداعيان فيه المستويان في شك المقر فيهما جميعًا. وهكذا قال: إذا قال: لفلان عندي مائة درهم أو مائة دينار، فإنه يكون للمقرّ له أقلهما، جريا منه على الأصل الذي ذكرناه.
فاحتفظ بما أصلنا ذلك في هذه المسائل فعليه يدور جميعها مع التفاتك إلى مقتضى عبارة المقرّ في اللغة أو في الحرف. فإذا تحصل لك معناها عرضت المعنى على المذاهب التي أصلناها لك.
ولو قال في عشر: فلان عنده لفلان أحدها لطُلب بتعيينها، فإن عيّنها لم يقض عليه بخلاف ما عتن، وإن لم يعيّنها وشك أفي واحدة هي من العشرة عاد الأمر إلى ما عقدناه لك في هذا السؤال الذي نحن فيه وهو شك المقر في أحد ثوبين، وفي هذا ممتنع (^١).
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مَقْنَع.
[ 3/ 2 / ٣٧ ]
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
إذا وقع في الإقرار اضراب عنه بعد النطق به فإن ذلك لا يخلو أيضًا من أحدهما: أن يكون إضرابا عن ذكر من يستحق.
والثاني: أن يكون إضرابا عن الجنس المستحَق. فأمّا إن كان إضرابا عن من يستحق، مثاله قول القائل: لزيد عندي مائة دينار بل هي لعمرو. فإن هذا الحرف الذي هو "بل" عند النحاة وضع للإضراب عن الأول المذكور، وصرف ما نسب إليه من ذكر بعد حرف "بل". فأما المذكور أوّلا فإنه يغرم له ما أقر به وهي المائة دينار في قوله: مائة دينار عندي لزيد بل لعمرو. ولا خلاف في استحقاق زيد لهذه المائة على المقر. ويغرم لعمرو مائة أخرى باعترافه بها له.
ولا يسقط حق زيد في استحقاقه على المقر المائةَ دينار بإقراره لعمرو بمائة دشار. ويحمل ذلك على أن عليه مائتين: إحداهما لزيد والأخرى لعمرو، كما لو قال: لزيد عندي مائة دينار ولعمرو عندي مائة دينار أخرى.
ولو قال غصبت هذا العبد من زيد بل من عمروة لكان لزيد، ويقضى عليه لعمرو بقيمته.
وأشار ابن سحنون إلى مخالفة أشهب في حكم عمرو. فقال: قال أشهب قولًا أباه سحنون وذلك أنه قال فيمن قال: غصبت هذا من زيد أو عمرو، بل من خالد: إن العبد لزيد، ويحلف لمن شك فيه. ولم يعجب هذا سحنونًا لإجماع العلماء على من قال: غصبت هذا العبد من زيد بل من عمرو إن العبد لزيد، ويقضى لعمرو بقيمته.
وقد اتفق سحنون وأشهب فيمن قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمرو (^١)
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بل من زيد. (كما سيأتي)
[ 3/ 2 / ٣٨ ]
من زيد أنه يقضى بالعبد لزيد وعمرو نصفين بينهما، ويغرم لزيد نصف قيمة العبد إن أراد ذلك زيد. وإن أراد زيد أن يغرم له قيمة العبد كله فذلك من حقه لكونه لما قال: بل من زيد. أضاف غصبه لجميع العبد إلى ملك زيد، فليس له أن يغصبه عبدًا كاملًا. ويرد عليه نصف عبد. وهذا لما كان بالخيار بين أن يأخذ النصف على ما فيه من عيب الشركة وبين أن يرده على المقر ويغرمه قيمة جميع العبد، قال: وهذا يدل على قول سحنون: وكذلك لو قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمرو، بل غصبت جميعه من عمرو. فإن العبد يكون بين زيد وعمرو نصفين، ويطالبه عمرو بنصف قيمة العبد إذا شاء، لكونه استهلك هذا النصف عليه لاقراره به لغيره، ولكن بعد أن يحلف كل واحد من زيد وعمرو لصاحبه: أنه ليس له فيه حق. فإن حلفا كان الحكم ما ذكرناه. وكذلك إذا نكلا. وإن نكل زيد، الذي لم يقض له إلا بنصف العبد، عن اليمين، وحلف عمرو، فله أخذ جميع العبد على مقتضى إقرار المقر لقوله: بل هو لعمرو، ونكولِ زيد عن اليمين لعمرو. ولكن يكون نصف القيمة لزيد لاعتراف المقر أنه قد غصبه نصف العبد لمّا قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمرو. فقد يتضمن هذا القول أن زيدا يستحق نصف العبد، فإذا اتلفه عليه بإقراره أن جميعه لعمرو استحق قيمة ما تلف عليه.
ولو كان الناكلَ عن اليمين عمرو، وقد حكمنا له بنصف (قيمة العبد) (^١) كله لزيد إذا ادعى جميعه وحلف عليه ونكل عمرو. ويبقى لعمر نصف القيمة التي أوجبها على المقر اقرارها (^٢) بأن جميعها (٢) لعمرو. قال: وقرأت على سحنون قول أصبغ: لو قال: مائة دينار عندي لزيد من دين أو تعدّ أو وديعة، بل هي لعمرو. لغَرِم لكل واحد منهما مائة، ولو كان ذلك في سلعة فقال: هذا العبد غصبته من زيد بل من عمرو. فإن كان ذلك قاله قبل أن يقبض زيد العبد كان العبد بين زيد وعمرو نصفين.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: القيمة، والعبد
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إقرارهُ - جميعه
[ 3/ 2 / ٣٩ ]
ولو قال: غصبته من زيد، ثم قال بعد ذلك: من عمرو، وقد قبض زيد العبد: فإن. العبد يكون لزيد، ويغرم لعمرو قيمته. قال سحنون: أصاب إلا في الذي قاله في العبد فإن الحكم أن يكون العبد لزيد ويقضى عليه لعمرو بقيمته، سواء قال: بل هو لعمرو بعد أن قبضه زيد (^١) وقبل أن يقبضه؛ لأنه إذا قبضه صار كالمستهلك له.
وهذا الذي ذكره عند أصبغ قد أشار إليه أيضًا أشهب فقال: لو مات رجل ولم يترك وارثا سوى ولده، فقال ولده: هذه وديعة عندي لفلان وفلان معه.
فإن قال ذلك نسقا وكلاما متصلًا قضي بالوديعة لهما. وإن قال: هذه وديعة لفلان، ثم بعد حين قال: أو لفلان معه، أو لفلان دونه، وكان عدلا، فهو كالشاهد على أبيه: يحلف المقَز له آخرأً عني ما شهد به، ويقضى له بموجب الشهادهّ.
وإن لم يكن الولد عدلا أو نكل المقر له (^٢) آخرًا عن اليمين معه قضي بذلك للمقر له أوّلا، ولا غرامة على الوارث إلا أن يدفع ذلك إلى المقر له أوّلا، فيضمن للثاني لاستهلاكه حقه بالدفع.
وهذا ينظر فيه إلى طريقة أصبغ. ولعل الذي أنكره ابن سحنون على أشهب فيما قدمنا ذكره عنه محمله على ان العبد لم يقبض أوّلا، فيكون ذلك مطابقا لما حكيناه عن أشهب في هذه المسألة، في اقراره (^٣) الوارث بهذه الوديعة لإنسان ثم أقر بعد ذلك لآخر. ولا شك أن مذهب أشهب أن مجرد الإقرار الثاني بعد أن أقر للأول ليس بإتلاف على الثاني يوجب على المقر القيمة. وقد ذكر سحنون فيمن قال في عبد في لديه: هو بيني وبين فلان، وسمى رجلًا ثالثا: أنه قيل: إن الذي سماه في الإقرار أوّلا له نصف العبد، لاعتراف المقر أنه بينه
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أو
(٢) من هنا انقص. بـ مد
(٣) هكذا، ولعل الصواب، إقرارِ
[ 3/ 2 / ٤٠ ]
وبينه، (ويكون لمن أقر له ثانيا، أنه بينه وبينه، نصف العبد الذي بقي في يد المقر، ويكون المقرّ له ثالثا نصف الربع الذي وقع في يد المقر وهو الثمن، ويبقى للمقر الثمن) (^١). قال: وسمعت بعض أصحابنا يقول: يقضى للمقر له أوّلًا بنصف العبد، ويغرم بقيمة هذا النصف لمن أقر له به بعد ذلك.
ولو قال: هذا العبد كله لزيد بل لعمرو ولم (^٢) يكن لعمرو على المقر شيء. قال أشهب: إلا أن يدفعه المقر إلى من أقر له به أوّلا. وهذا نفس ما حكيناه من الخلاف في إثبات الغرامة على المقر لكونه أتلف بالقول لا بالفعل.
وكأن أصحاب هذه الطريقة رأوا أن الاستهلاك الموجب للضمان هو دفع الملك لمن لا يستحقه. وأما استهلاك بالقول الذي أقتضى الشرع من أجله الاستهلاك فلا يوجب الضمان وكأن قوله: هذا العبد لزيد، وقوله بعد ذلك: بل لعمرو، وَإِذَنْ حصل منه اتلافه على عمرو بقول قاله لا بفعل فعله.
وقد اختلف المذهب عندنا في الشهود بزنى المحصن، فرجم بشهادتهم، ثم رجعوا عنها وقالوا: تعمدنا الكذب: هل يقتلون كما لو قتلوه بأيديهم، ويكون قولهم هذا الذي ألجأ القاضي إلى قتله كقتل بأيديهم أم لا؟
وأمّا ما ذكرنا عن أصحاب هذه الطريقة من التفرقة بين المقر له أوّلا: هل قبض أو لم يقبض، فإنهم قدروا أن القبض له تأثير يمنع من الشركة. وقد قيل في المذهب الأشهر عندنا: إن من اشترى سلعة من وكيل بائعها فباعها بائعها من آخر بعد أن باع الوكيل، ولم يعلم الوكيل بذلك: إن المشتري الثاني أحق بها إذا قبضها، فإن لم يقبضها كان الأول أحق بها. وقدّر من ذهب إلى هذا أن القبض شبهة توجب الترجيح على من هو أحق بالملك على الحقيقة وهو المشتري الأول. وهذا مما يطول استقصاؤه، ولعلنا أن نورد استقصائه في الموضع الذي يتعلق به الكلام على هذا الأصل. هذا الحكم في الإضراب عمن يستحق.
_________________
(١) ما بين القوسين هكذا. وهو غير واضح
(٢) هكذا، ولعل الصواب حذف الواو.
[ 3/ 2 / ٤١ ]
وأما الاضراب عما يستحق المقر له مثل أن يقول: له عندي كذا، بل له عندي. فإنه لا يخلو من أن يكون رجع في الإقرار الثاني إلى زيادة عما أقرّ به أوّلا، والنوع واحد، أو إلى أنقص منه، والنوع واحد. فإن رجع إلى زيادة عمّا أقر به أوّلا قضي عليه بالزيادة التي رجع إليها، مثل أن يقول: لزيد عندي مائة دينار، بل ألف دينار. فإنه يقضى عليه بألف دينار لا أكثر، لكونه أضرب عن المائة ورجع إلى الاعتراف يكون المائة ألفا. وهذا الحرف الذي هو حرف "بل" يسميه النحاة حرف إضراب في قول العرب: جاء زيد بل عمرو. فكأن المراد أن زيدًا لم يجىء وإنما جاء عمرو.
ذكر ابن سحنون عن المخالف أنه يقول: إن القياس إلزام المقر الجملتين جميعًا ما أقرّ به أوّلا وهو مائة دينار، ثم ما رجع إليه وهو ألف دينار، فيغرم الألف ومائة دينار. قال: ولكنا نستحسن أن لا يُلزمَ المِقر الألف دينار.
وانكر ابن سحنون هذا القول، وقال: كيف يخالَف القياس بغير أثر، ولا قول سلف. والكلام في الحكم بالاستحسان للمخالف للقياس يتسع، وموضعه كتاب الأصول، وللأصوليين في تأويل الانشحسان المتبع دون القياس تأويلات مبسوطة في كتاب الأصول.
وكأن من رأى أن القياس أن يغرم المقر الجملتين يقول: فإن قول المقر: لزيد عندي مائة دينار، أوجب استقرار مائة في ذمة المقر، فليس له إسقاطها، وقوله: بل له ألف دينار، إقرار بجملة ثانية، فيؤخذ بالجملتين.
ولو كان الاضراب عن الأول إلى ما هو أقل منه، مثل أن يقول: لزيد عندي ألف دينار بل خمسمائة، والكلام متصل بعضه ببعض، لم تلزمه إلا خمسمائة دينار، ويقدر ما أضرب عنه كأنه استثناء بالقول الثاني. ولو قال: لزيد عندي ألف دينار إلا خمس مائة لم يقض عليه إلا بالخمس مائة، وكذلك إذا بدّل حرف الاستثناء وهو "إلا" بحرف "بل" فقال: بل خمسمائة دينار. ولو قال: بل خمسمائة دينار، بعد انقضاء القول الأول، واستئناف هذا الاضراب بعد زمن
[ 3/ 2 / ٤٢ ]
لم يقبل ذلك منه كما لا يقبل الاستثناء المتراخى عن النطق بالمستثنى منه.
هذا في الإضراب عن المقدار بأقل أو بأكثر.
وأما لو كان الإضراب عن الصفة لجرى ذلك مجرى الإضراب عن المقدار مثل من يقول: لزيد عندي مائة درهم سودٍ بل مائة درهم بيضٍ. فإنه يقضى له بالبيض لكونه زاد في الإقرار، فهو كزيادة المقدار.
ولو قال: له عندي مائة درهم بيض بل سود. لقضى بالسود لأنه كالمستثني مقدار ما بين السود والبيض.
وأجرى أصحابنا الدنانير والدراهم هذا المجرى وقدروه كاختلاف الصفات. فإذا قال له: لك عندي درهم بل دينار. فإن الدرهم يسقط ولا يلزم المقر إلا الدينار، وكأنهم رأوا أن الدينار كالعبارة عن عشرة دراهم. ولو قال له عندي درهم بل عشرة دراهم لقضي عليه بالعشرة دراهم كما قدمنا.
وذكروا عن المخالف لنا أنه يرى إلزام المقر الدرهم والدينار جميعًا لكونهما كالنوعين.
وناقضوه بأنه يرى أنه من قال: له عندي دراهم بيض بل سود، أنه يلزمه أفضلهما. وكذلك ينبغي أن يلزم المقر الدنيار ويسقط عنه الدرهم لكون الدينار أفضل.
ولو اختلف النوع مثل أن يقول: لزيد عندي قفيز قمح بل قفيز شعير فقال محمَّد بن عبد الحكم من أصحابنا: إن في المسألة قولين: أحدهما: يلزمه الشعير لكونه أقل قيمته من القمح، فكأنه استثنى من القمح مقدار ما بينه وبين الشعير فلا يلزمه (^١) الشعير. قال: والقول الآخر، وهو قول عندنا: إنه يلزمه القمح والشعير جميعًا.
_________________
(١) هكذا ولعل الصواب: فلا يلزمه [إلا] الشعير.
[ 3/ 2 / ٤٣ ]
وكذلك لو قال: له عندي رطل دهن بنفسج بل دهن خيري. للزمه دهن الخيري لأنه إن كان أفضل فهو كالزيادة في الإقرار، وإن كان أدنى فهو كالاستثناء من الإقرار، كما قلناه في الدراهم البيض والسود.
وكذلك قوله: له عندي سمن بقري بل غنمي. لجرى الأمر على هذا الأسلوب، يلزمه الجميع، كما حكيناه في الدرهم والدينار.
ولو كان على المقر وثيقة بمائة درهم وعشرة دنانير فقال: قبضت دينارًا بل درهما، لجرى الأمر على القولين في النوعين على ما ذكره بعض أصحابنا.
على أن هذا قد تقدم إثبات النوعين في ذمته، ثم بعد هذا صدقوه في أنه لم يرد قبض النوعين جميعًا.
وكل ما ذكرناه ها هنا في إضرابه عن نوع إلى نوع أدنى، وقلنا: يقبل منه ولا يلزمه إلا أدنى، فإنه يحلف على ذلك عند الذاهبين إلى هذا المذهب.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
اعلم أن الاستثناء نوع مما قسمته النحاة في أقسام الكلام. وهو في الشرع يدل في أكثر الكلام في الأحكام في الإقرار بالمعاملات والطلاق والعتاق والحدود وغير ذلك. وله عند النحاة أحرف تختص به كقوله: له عندي كذا إلا كذا، بحرف الأصل في حروف الاستثناء. وكذلك قوله: "غير" و"خلا" و"حاشا" و"عدا"، إلى غير ذلك مما ذكرته النحاة في كتبهم. وهو يقع على قسمين:
أحدهما. الإستثناء من جنس المذكور.
والثاني: أن (^١) الاستثناء من غير الجنس.
فأما الاستثناء من جنس المذكور فكقوله: له عندي مائة درهم إلا درهما.
_________________
(١) هكذا والأولى حذفها
[ 3/ 2 / ٤٤ ]
وأمّا الاستثناء من غير الجنس فكقوله: له عندي مائة درهم إلا قفيز حنطة، أو إلا ثوبا.
فأمّا إذا كان الاستثناء من الجنس فإنه يقع على ثلاثة أضرب:
أحدها، استثناء قليل من كثير، كقوله: مائة درهم، إلا درهما أو إلا عشرة. والثاني: استثناء يساوي المستثِني ما استثنى منه كقوله: عندي مائة درهم إلا خمسين درهما.
والثالث أن يستثني أكثر عدد من أقله، كقولك له عندي مائة درهم إلا تسعين، أو إلا ثمانين.
فأفا إذا استثنى أقل العدد فإنه جائز. ولم يذكر فيه خلاف عند، عامة العلماء والنحاة. وذكر عن قوم شذّوا فقالوا باستقباح ذلك إلا أن تدعُوَ ضرورة إليه، كاستثناء الكسور. كقولك: عليّ مائة درهم إلا (^١) عشرة دراهم أو إلا نصف درهم.
أن قول القائل: عندي مائة درهم إلا عشرة دراهم يعني عنه قوله: له عندي تسعون درهما. والكلام الصحيح ما استغني عنه (١) عن الإطالة والحشو إلَاّ (^٢) يفيد.
ونقضوا ذلك عليهم بقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (^٣)، وهذا استثناء أقل من أكثر (^٤) من غير أن يكون كسرا في العدد.
وأجابوا عن هذا بأن هذا في معنى الكسر لأن التجزئة المفتوحة (^٥) من
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إلا عشر درهم.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: إلا [أن] يفيد
(٣) العنكبوت: ١٤
(٤) إلى هنا ينتهي النقص من (مد).
(٥) هكذا، ولعل الصواب: مفتوحة
[ 3/ 2 / ٤٥ ]
النصف إلى العشر، وهذا كالكسر، لأن الخمسين من الألف كنصف العشر، فصارذلك في معنى استثناء الكسر.
وهذا الذي قالوه مستنكر عند جميع العلماء من أهل الفقه واللسان.
وأمّا استثناء الأكثر من الأقل، فالمشهور عند سائر الفقهاء جوازه. وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل اللسان.
وخالف فيه من الفقهاء عبد الملك ببن الماجشون من أصحاب مالك، فلم يجزه، ومن النحاة ابن درستويه فلم يجزه أيضًا، وذكر أنه ناظر على ذلك أبا علي بن أبي هريرة وهو من كبار أصحاب الشافعي.
واعتذر بعض الأشياخ عن ابن الماجشون بأنه لم يخالف في الحكم، وإنما خالف في استعمال العرب لذلك، فرأى أنها لم تستعمل استثناء الأكثر من الأقل، ولكنها وإن لم تستعمل ذلك فلا يسقط حكم الإستثناء في إقرار المقر إذا قال: له عندي مائة درهم إلا تسعين درهما. ويعتمد في ذلك على أن الاستثناء إنما يتبع فيه لسان العرب، وفي غيره من أنواع الكلام، ولم ينقل عنها استعمال استثناء الأكثر من الأقل، فوجب ألا يدخل ذلك في أحكام اللسان. واعتمد الجمهور على قوله تعالى: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ في الْأَرْضِ﴾ (^١) إلى قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١) فاستثنى في هذه الآية المخلصين تارة، واستثنى تارة الغاوين ولا بد أن يكون أحدهما أكثر من الآخر في الظاهر والأغلب. فتحصل من ذلك جواز استثناء الأكثر من الأقل. فانفصل بعضهم عن ذلك بأن قال: المخلصون ها هنا الملائكة والنبيون، وهم المراد بذلك إذ لم يذكر في صدر هذا الكلام لفظ سائر العباد، ومعلوم أن الملائكة والنبيين وجميع من في السماوات هم أكثر من الغاوين.
وهذا إذا حمل الكلام عليه كان استثناء من النوع الذي أجزناه وهو استثناء
_________________
(١) الحجر: ٣٦، ٤٢
[ 3/ 2 / ٤٦ ]
الأقل من الأكثر، مع أنه أيضًا إذا لم يُعلم من (^١) الأقل السامع جاز ذلك. وإنما يقبح إذا استثنى ما يعلم السامع أنه أكثر مما أبقاه. وتعلقوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿قمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ (^٢) وهذا لما ذكر الزيادة اقتضى ذلك الاستثناء (^٣) الأكثر من الأقل لأن قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء جار على الأصل وهو استثناء القليل، وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ﴾ كأنه بدل من قوله تعالى: ﴿قَلِيلًا﴾ وعطف عليه قوله: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. وأنشدوا أيضًا في ذلك قول الشاعر:
أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكمًا بالحق قواّلا
وهذا استثناء الأكثر من الأقل وإن لم يكن بحرف الإستثناء لكنه بكلمة ثابت مناب حرف الاستثناء، وهو قوله: التي نقصت تسعين من مائة. وأيضًا فإن التخصيص للعموم هو بيان مراد المتكلم، ويجوز التخصيص وإن كان ما خصص أكثر مما بقي في العموم، وكذلك يجب أن يكون في الاستثناء.
وهذا إنما يحسن الحجاج به على مذهب من قال من الأصوليين: إن اللغة تؤخذ قياسًا. وأما من أنكر القياس على اللغة فإن هذا لا يلزمه. وكثيرًا ما يتحد المعنى وتختلف أحكام إعرابه عند العرب، فلا يبعد أن يكون إخراج الأكثر من العموم يحسن عند العرب إذا كان بغير لفظ الاستثناء ويقبح إذا كان بحرف الاستثناء متصلًا بالكلام.
وقد أشبعنا هذا الفصل فيما أمليناه من أصول الفقه في إيضاح المحصول من برهان الأصول.
وأمّا إن كان الإستثناء مساويا للمستثنى منه فإن المانعين لاستثناء الأكثر
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يُعلَم الأقلُّ [من].
(٢) المزّمِل: ٢، ٣.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: استثناء.
[ 3/ 2 / ٤٧ ]
من الأقل قد اختلفوا في ذلك: هل يلحق بالأقل أو بالأكثر؟ فظاهر كلام ابن القصار إلحاقه بالأقل. وابن درستويه نص على المنع منه وألحقه بالأكثر.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
قد فرغنا من حكم الاستثناء إذا انفرد. ولكنه قد لا ينفرد ويلحق به استثناء آخر مثل أن يقول: له عندي عشرة دنانير إلا ستة إلا اثنين، فإن هذا يجب أن تعلم أن الاستثناء الثاني إنما يكون مما يليه من الخطاب، والذي يليه الاستثناء الأول، فإذا قال: له عندي عشرة دنانير، إلا أربعة، صار الباقي ستة.
فإذا قال بعد قوله: إلا أربعة إلا اثنين، فالإثنان ها هنا مستثناة من الاستثناء الذي قبلها وهو أربعة. فقوله: أربعة إلا اثنين يصير الباقي من أربعة اثنين فهي المستثناه من العشرة، فيكون عليه ثمانية دنانير، لأن الإستثناء لا يكون أبدا إلا ضد المستثنى منه. فإذا كان الكلام إيجابًا كقولك: له عندي عشرة دراهم، كان قوله، عقيب ذلك: إلا درهمين نفيا لإيجاب الدرهمين عليه، والنفي ضد الإثبات. ولو كان افتتاح الكلام نفيا لكان الاستثناء اثباتا، كقولهم: ما جاء أحد إلا زيدًا، فكل أحد لم يجىء وزيد قد جاء، فهو ضد ما قيل في أحد.
فإذا تقرر هذا فتسهيل معرفة هذا إذا كثر أن تُبقي من العدد الاستثناء الأولَ، وما بعد الاستثناء الثاني تثبته، وما بعد الاستثناء الثالث تنفيه، وما بعد الاستثناء الرابع تثبته، هكذا أبدًا. فلو قال رجل: لفلان عندي عشرة دراهم إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحد! لكان للمقَرّ له على المِقر خمسة دراهم، لأنك تنفي التسعة من العشرة فيبقى واحد. فإذا قال: إلا ثمانية، فذلك إسقاط الثمانية من التسعة، وهو إثبات، لكون التسعة نفيا، فيضيف الثمانية إلى الدرهم فيصير معك تسعة. فإذا قلت:
إلا سبعة فذلك أيضًا إسقاط لبعض ما أثبت من الثمانية، وقد كانت الثمانية اثباتا فتكون السبعة نفيا فيبقى اثنان، فإذا قلت: إلا ستة، فيكون ذلك اثباتا لكون
[ 3/ 2 / ٤٨ ]
السبعة نفيا، فيضير معك ثمانية. فإذا قلت: إلا خمسة، كان ذلك نفيا، لكون الستة إثباتا، فيبقى معك ثلاثة. فإذا قلت: إلا أربعة، أكان ذلك نفيا، لكون الأربعة إثباتا، فإذا قلت: إلا ثلاثة، كان ذلك نفيا لكون الأربعة إثباتا، (^١)، فإذا قلت: إلا اثنين كان ذلك إثباتا، لكون الثلاثة نفيا، فتبقى معك ستة. فإذا قلت: إلا واحدًا، كان ثفيا لكون الاثنين إيجابا، فتبقى معك خمسة.
هكذا وجه العمل في تكرير الاستثناءات بعضها من بعض.
واعلم أنه بقي من تقسيم الاستثناء:
استثناء الكل من الكل، مثل أن يقول: له عليّ ألف درهم إلا ألف درهم.
واستثناء أكثر من الجملة كلها فيقول إلا ألفي درهم.
فإن هذا الاستثناء باطل باتفاق، فيصير في معنى قوله: "له عندي ألف درهم لكنّ ذلك كذب وباطل". فلا يقبل ذلك منه. وذكر ذلك ابن سحنون وقال: هذا الحكم في اجماعنا. وذكر غيره أيضًا الاتفاق على من قال: امرأتي طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، فإن الطلاقَ الثلاثُ، لكونه أثبت الكل ثم رفع الكل.
وقد فرع العلماء مسائل في تكرير الاستثناء في الطلاق، فإذا قال القائل:
امرأتى طالق ثلاثًا إلا ثلاثا لزمه الثلاثة، كما قلنا. ولو قال: امرأتي طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا اثنين. لم يلزمه سوى طلقة واحدة، لما أصلناه لك من كون الاستثناء مضافًا لمقابله. فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا، فقوله: إلا ثلاثًا، نفي الثلاثة، وقوله، عقيب ذلك،: إلا اثنين، نفي من الثلاثة التي قبلها. فهذا مما
للعلماء فيه ثلاثة مسالك:
أحدها: يلزمه الطلاق الثلاث.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب كان ذلك إثباتًا فيصير معك سبعة فإذا قلت إلا ثلاثة كان ذلك نفيًا لكون الأربعة إثباتًا فيصير معك أربعة ..
[ 3/ 2 / ٤٩ ]
والثاني: يلزمه طلقتان.
والثالث: أنه تلزمه طلقة واحدة.
وسبب الخلاف في هذه المسالك أن قوله: أنت طالق ثلاثًا (^١)، قد قدمنا أن هذا الاستثناء لا يلتفت إليه ولا يعتد به، والطلاق الثلاث لازم باتفاق.
وقوله، عقيب ذلك: إلا اثنين، مستخرج مستثنى من قول باطل لا يعتد به، فإذا كان الأصل باطلا كان ما أخذ منه باطلا أيضًا، وبقي حكم اللفظ الأول، وهو قوله: أنت طالق ثلاثًا، ثابتا لازما، لكون الاستثناءين الواقعين بعده ساقطين.
وأمّا المسلك الثاني، وهو إلزامه طلقتين، فإنه مبني على أن قوله: إلا ثلاثًا، إنما أُجمع على سقوطه إذا اقتصر عليه؛ لأنه نفي للكل بعد أن أثبته، وهاهنا لم يقتصر عليه بل عقّبه ووصله لما يرفع الاستحالة، وهو قوله: إلا اثنين، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا، لكن أنت طالق إلا (^٢) اثنين؛ لأنا قدمنا أن الاستثناء من النفي إيجاب.
والمسلك الثالث، وهو الزامه طلقة واحدة، مبني على أن الاستثناء الأول ساقط، والساقط كأنه لم ينطق به، فكأنه قال: طالق ثلاثًا إلا اثنين فتبقى واحدة.
وإنما يبقى النظر فيما قد يشكل، وهو أن يزيد في الأول على الثلاث، فيقول: أنت طالق أربعة إلا ثلاثة، فإنه يلزمه الثلاث لكون الطلقة الرابعة لم يَرِدْ بها الشرع، فالنطق بها كالعدم. يحصل من هذا إذا كانت كالعدم أنه كالقائل: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، وقد، قدمنا الاتفاق على كون هذا الاستثنا، لا ينفع، فلو قال: أنت طالق مائة إلا طلقتين أو طلقة، لزمه الثلاث.
وقد يتصور أن ما قلناه من كون ما زاد على الثلاث لا يعتد به وكأنه لم
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إضافة: إلا ثلاثًا إلا اثنين:
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف إلا.
[ 3/ 2 / ٥٠ ]
ينطق به أنه لا يلزمه إلا طلقتين، إذا قال: أنت طالق مائة إلا واحدة ويكون الاستثناء من الثالث (^١) لكون الزائد عليه كالعدم.
ومَن قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، فإنما تلزمه طلقتان. لكن هذا لما أبقى الاستثناء عددًا هو: ثلاثًا، أُخِذ بما أبقى بعد الاستثناء. فالقائل: أنت طالق (إلا مائه واحدة) (^٢) قد أبقى من المستثنى منه ثلاث طلقات وأكثر منها، فأُلزِم الثلاثة، فيعتبر في هذا المعنى ما أبقى بعد الاستثناء، فإن أبقى ثلاثًا فأكثر لزمه الطلاق الثلاث بحكم قصده إلى ما أبقى من المستثنى منه، بخلاف قوله: أنت طالق خمسًا إلا ثلاثًا، للزمه (^٣) الثلاث لكون حكم ما زاد على الثلاث إلى الخمس في اللفظ الأول ساقط فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا.
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ستًا، للزمه الطلاق الثلاث على الطريقتين جميعًا، إن راعينا ما أبْقي بعد الاستثناء فقد أبْقي ثلاث. فإن لم يراع الباقي، وراعينا كون ما زاد على الثلاثة كالعدم وكأنه لم ينطق به، صار كالقائل: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، وكأن الستة عبارة عن الثلاث، فتدبر ما قاله أصحابنا في هذا من التفاتهم إلى عدد ما أبقى من المستثنى منه، فإن أبقى ثلاثًا فأكثر أحدثهما (^٤)، فإن لم يبق ثلاثًا ولكنه طلق أولًا زيادة على الثلاثة صارت الزيادة على الثلاثة كالعدم.
فإذا قال: أنت طالق خمسًا إلا ثلاثًا لم يعتبر الباقي، واعتبر حكم إسقاط ما زاد على الثلاثة وهي الطلقة الرابعة والخامسة. فإذا أُسقطَتَا في النطق صار كالقائل: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا.
ومما يشكل في مسائل الاستثناء قول الرجل: له عندي درهم ودرهم
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الثلاث
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مائة إلا واحدة
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تلزمَه
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أُخِذَ بهما.
[ 3/ 2 / ٥١ ]
ودرهم إلا درهم. فإن هذا أيضًا فيه مسلكان للعلماء:
أحدهما: أنه يعتد بهذا الاستثناء، ولا يلزمه سوى درهمين، لأن قوله: له عندي درهم ودرهم ودرهم المراد ثلاثة دراهم، ولا فرق عند العرب والناطقين بين قولهم ثلاثة دراهم وبين العبارة بدرهم ودرهم ودرهم؛ لأن النحاة قد جعلوا أن قولهم: جاءني الزيْدون بدلًا من قولهم: جاءني زيد وزيد وزيد. فإذا كان ذلك بدلًا نفع الاستثناء كما ينفع في قوله: ثلاثة دراهم إلا درهما.
والمسلك الآخر: أنه لما فضل ها هنا، وأتى بلفظ الآحاد عاد الاستثناء إلى الدرهم الأخير، فيصير إذا عدناه (^١) إلى الدرهم الأخير كمستثني الكل من الكل، فكان قوله: إلا درهمًا، راجعًا إلى الدرهم الأخير خاصة فيبطل الاستثناء.
هذا حكم الاستثناء إذا كان من الجنس انفرد أو تكرر.
وأما إذا كان الاستثناء من غير الجنس مثل أن يقول: له عندي مائة دينار إلا مائة درهم، أو إلا عشرة أقفزة قمحًا، أو إلا عشرة ثياب، أو إلا عشرة أعبد، إلى ما يشبه ذلك مما يتقدر بالكيل (^٢) أو وزن أو عدد. فهذا مما اختلف الناس فيه على ثلاثة أقوال على الجملة:
فمذهبنا ومذهب الشافعي صحة هذا الاستثناء والاعتداد به.
ومذهب محمَّد بن الحسن وزفر اطّراح هذا الاستثناء وكونه لا يعتد به ولا يُسقط من الجملة التي استثنى هذا منها شيئًا.
وفصل أبو حنيفة فذهب إلى أن كل ما يقدر بكيل أو وزن أو عدد. مثال العدد أن يقول: له عندي مائة درهم إلا مائة بيضة، أو إلا مائة جوزة. فإن الاستثناء يؤثر ويعتد به ويسقط مقداره من الجملة الأولى التي كان الاستثناء منها. وإذا كان مما لا يقدر بكيل أو وزن أو عدد اطرح حكمه، ولزمته الجملة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصوابْ: أَعَدْناه.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب بكيل.
[ 3/ 2 / ٥٢ ]
الأولى التي استثنى منها بأسرها. وحكى هذه المقالة عنه محمَّد بن عبد الحكم وأنكرها فقال: لا فرق بين ما يقدر وما لا يقدر بكيل أو وزن أو عدد.
وذكر ابن سحنون أن استثناء الدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير مما يعتد به. فإذا قال: له عندي مائة دينار إلا فائة درهم طرح من المائة دينار مقدار صرف المائة درهم. وكذلك إن قال: له عندي ألف درهم إلا عشرة دنانير طرح من الألف درهم مقدار صرف العشرة دنانير. وأشار إلى الاتفاق على ذلك لكون الدنانير والدراهم كالنوع الواحد فحصل منه استثناء الشيء من جنسه. وقد قدمنا أن استثناء القليل من الكثير إذا كان من جنس واحد لم يختلف في صحة الاستثناء.
وأما إن قال: له عندي مائة دينار إلا عشرة أقفزة قمحًا، فذكر ابن سحنون أن فيه قولين:
أحدهما: الاعتداد بهذا الاستثناء واطراح قيمة العشرة أقفزة قمحًا.
والقول الآخر: إن الاستثناء باطل. وهكذا ذكر ابن المواز في استثناء الدنانير من الدراهم أن ذلك يعتد به ولم يذكر فيه خلافًا. وكذلك لو استثنى ما لم يقدر بكيل أو وزن أو عدد مثل أن يقول: له عندي مائة دينار إلا ثوبًا أو عبدًا، فإن فيه القولين المتقدمين:
أحدهما أن هذا الاستثناء لا يعتد به.
والثاني أنه يعتد به. ويقال للمقِرّ: صف الثوب أو العبد، وتحط قيمة ذلك مما أقرّ به من دنانير أو دراهم. فكذلك لو قال: له عندي عبدًا (^١) إلا ثوبًا، لكان في ذلك القولان اللذان ذكرناهما عن حكايته بعض أصحابنا كما تقدم:
أحدهما: اطراح هذا الاستثناء وإلزام المقر عبدًا. والثاني: الاعتداد به واطراح قيمة الثوب من العبد. والقول قول المقر في صفة ذلك كله: المستثنى والمستثنى منه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عبد.
[ 3/ 2 / ٥٣ ]
وذكر بعض الأشياخ الحذاق أن في الاستثناء من غير الجنس قولين.
واختار القول باطراحه، وصرف إلى كونه ندمًا من المقر.
وهذا المذهب الذي حكيناه من اطراح الاستثناء من غير الجنس قولًا على الإطلاق وجهه أن حقيقة الاستثناء بيان المراد بالخطاب وإخراج بعض ما يشتمل عليه الخطاب أو يصلح أن يشتمل عليه فإذا قال: له عندي مائة درهم، اشتمل ذلك على المائة كلها، فقوله: إلا درهما إخراج لبعض ما اشتمل عليه اللفظ الأول وبيان المراد به. فالقائل: له عندي مائة درهم إلا حمارًا أو إلا عبدًا لا يفيد هذا الاستثناء إخراج ما اشتمل عليه اللفظ الأول ولا بيان المراد به، فصار من الكلام اللغو المطرح الذي لا يفيد، فلهذا لم يعتد به، لأن الاعتداد به يبطل حقيقة ما ذكرنا من حقيقة الاستثناء وفائدته.
وأمّا الذاهبون إلى الاعتداد به فإنهم يقولون: المرجع في حكم العبارات ومقتضاها إلى اللغات، ولغة العرب يقع فيها كثير الاستثناء من غير الجنس فإبطاله إبطال لفظ جرى على ألسنة العرب وجاء به القرآن.
فأما القرآن، وهو أصدق شاهد على إثبات اللغة، فقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (^١) والظن ضد العلم وليس من جنسه.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢) والتجارة حلال وأكل المال بالباطل حرام. فقد استثنى الشيء من غير جنسه لكون التجارة مباحة، وليست من أكل المال بالباطل.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى *إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (^٣) وابتغاء وجه الله بالصدقة والصلاة ليست من النعم التي يجزي بها الإنسان صاحبه.
_________________
(١) النساء ١٥٧.
(٢) النساء:٢٩.
(٣) الليل: ١٩، ٢٠.
[ 3/ 2 / ٥٤ ]
وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (^١) وإبليس ليس من الملائكة، بدليل قوله في آية أخرى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (^٢).
وأما ألسنة العرب فقد ذكر سيبويه أن أهل اللغة يثبتون الاستثناء من غير الجنس. قال: وإنما اختلفوا في إعرابه إذا كان منفيً: هل هو بالنصب أو بالرفع؟.
وأمّا الأشعار فقد قال الشاعر وهو النابغة:
وقفت فيها أصيلًا (^٣) أسائلها عيّت جوابا وما بالرَّبع من أحد
إلا الأُوَاريَّ لَأْيامَّا أباينها (^٤) والنواك الحوض المظلومة الجلد (^٥)
والأواري ها هنا ما يحسن (^٦) بها الخيل من وتد وحبل. واحدها آرِيٌّ وسيماخية (^٧) والجمع أواخي. والوتد والحبل لا ينطق عليه اسم "أحد" فصار ذلك استثناء من غير الجنس.
وفي هذا البيت روايات منها:
وقفت فيها طويلًا كي أسائلها.
ومنها: وقفت فيها أصيلانا.
كما ذكرنا، فقيل: إنه جمع أصيل كرغيف ورغفان.
_________________
(١) الحجر:٣٠.
(٢) الكهف:٥٠.
(٣) هكذا في النسختين، والصواب: أصَيْلانًا.
(٤) هكذا في النسختين، والصواب: أُبَيّنُها.
(٥) هكذا في النسختين، والصواب: والنُّوي كالحوْض بالمظلومة الجَلَد. انظر بالنسبة للتعاليق - ٣ - ٤ - ٥ - ديوان النابغة صنعة ابن السكيت ٢، ٤٦٣.
(٦) هكذا في النسختين، والصواب: يُحْبس.
(٧) هكذا في النسختين، والصواب: وتسمى آخيّهُ تاج العروس ٢٧/ ٤٢، ٤٣.
[ 3/ 2 / ٥٥ ]
ويروى: أصيلًا كي أسائلها.
والأصيل العَشِيّ.
وكذلك اختلفوا في إعرابها: فيروى إلا الأوارَيَّ بالنصب، ويروى إلا الاوارِيُ بالرفع.
قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو لِمَ. رفعوا الاواري في هذا الاستثناء؟
قال: لاعتقادهم أنها من جملة البيت. فكأنه يقول: وما بالرّبْع إلا الأُواريُّ.
والربع: المنزل في الربيع، ثم كثر استعمالهم له حتى صار كل منزل يسمى (^١) ولأيًامَّا: مَعناه طويلًا. والنُّوْيُ ما يحفر حول البيت.
والمظلومة الأرض التي حفر ذلك بها. كأنهم وضعوا الحفر في غير موضعه.
والجَلَد: الأرض التي لا حجارة فيها.
وبالنصب في مثل هذا جاء القرآن. قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (^٢) اتباع (^٣) بعد حرف الاستثناء، وإن كان من غير الجنس كما قدمناه
وقال الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
واليعافير والعيس ليسا من الإنس.
وقد بسطنا القول في هذا الفصل فيما أمليناه من أصول الفقه في كتابنا المترجم: بشرح المحصول من برهان الأصول.
_________________
(١) هكذا في النسختين، وفي الكلام نقص لعله: رَبْعًا.
(٢) النساء: ١٥٧.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: اتباعَ [بالنصب].
[ 3/ 2 / ٥٦ ]
وإذا تقرر كون ذلك لغة، بدل ما أوردناه من الشواهد، وجب ألا يطرح وأن يعتد به. ولهذا أشار بعض الفقهاء من أصحاب مسائل الخلاف إلى أنه استثناء على الحقيقة لأنه إذا قال: له عندي مائة دينار إلا ثوبًا، وطرحنا قيمة الثوب، وهي دينار من المائة دينار صار استثناء من الجنس.
وذكر عن بعض العلماء قيل له: كيف يتصور معنى هذا اللفظ من هذا الاستثناء؟ فقال: يمكن أن يكون المقر (^١) له على المقر مائة دينار فأعطاه منها ثوبًا له شبه بثمنه من المائة دينار، فلما طلب بالإقرإر عبر عنها بالذي جرى، أن قال: له عندي مائة دينار إلا ثوبًا، يعني دفعته إليه قَضَاء على بعض المائة، عند الذي قال: يصح أن يتصور معناه ويصح ويقع في الوجود دعواه أنه قضى ثوبًا أم لا؟ هذه مسألة أخرى.
وذكر ابن سحنون لو قال: لزيد عندي ألف درهم ولعمرو مائة دينار إلا عشرة دراهم. فإن هذا الاستثناء لا ينفع ولا يعتد به لأنه ردّه إلى الجملة الأولى التي هي ألف درهم بعد أن حال بين الاستثناء والمستثنى منه بجملة أخرى، فلم يصح رجوع ألاستثناء إلى جملة، وتكلم، بعد جملة أخرى، كما لو استثنى بعد أن سكت سكوتًا انفصل به حكم الخطاب الأول، فإنه لا يقبل. وكذلك نطقه بجملة أخرى يقدر كالسكوت، ولكن لو قال: لزيد عندي ألف درهم ولعمرو مائة دينار إلا عشرة درإهم لصرف هذا الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وحط من المائة دينار صرف عشرة دراهم على ما قدمنا بيانه، ويصير كأنه ملحق بما قدمناه من إلاستثناء من غير الجنس لكون ذلك من التقدير كالجنس الواحد.
وقاعدة المذهب في هذا الاستثثاء بعد الإقرار بمالين إن كان الإقرار لرجل واحد فإن الاستثناء يصح كقوله: لزيد عندي مائة دينار وعائشة درهم إلا دينارًا واحدًا. واختلف هل يحط الدينار من المائة دينار أو يحط من المالين؟
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لِلمُقَرِّ له.
[ 3/ 2 / ٥٧ ]
وكقوله: لزيد عندي ألف درهم ومائة دينار إلا ألف درهم. هذا مما اختلف فيه على قولين: هل يبطل هذا الاستثناء لكونه ذكر ألف درهم ثم استثناها كلها، واستثناء الكل باطل باتفاق لو تجرد، فكذلك يكون ها هنا: يقضى عليه بألف درهم والمائة دينار. وقيل يقضى عليه بالمائة دينار خاصة لأن الاستثناء يعود إلى الجملتين جميعًا. ولا شك أن المستثنى أقل من الجملتين فيصح الاستثناء إذا صرفناه للجملتين، فتبطل الألف التي استثناها وتصح المائة دينار، كما لو قال: عندي (^١) كُرّ حنطة وكُرّ شعير إلا كر حنطة وقفيز شعير. فإن المذهب على قولين: أحدهما إبطال (^٢) الكر القمح ويقضى عليه به لكونه استثناه بعد إقراره به. ويصح استثناؤه في الشعير.
وقيل يصرف الاستثناء إلى الجملتين فيحط منهما الكر القمح والقفيز الشعير، ويلزمه ما بقي من الشعير.
وهذه مناقشة في صرف الاستثناء المتعقب للجمل: هل يصرف إلى جميعها وتكون كالجملة الواحدة استثنى بعضها، وإنما ينصرف الاستثناء ها هنا إلى الجملة المجانسة لما استثناه.
ولو كان الإقرار لرجلين، فقال: لزيد، عندي مائة دينار ولعمرو ألف درهم إلا مائة دينار، فإنه إن قال: صرفت الاستثناء للجملة الأولى، أبطلنا استثناءه وألزمناه الجملتين، وإن قال: صرفته للأخرى صح استثناؤه، إذا لم يستغرق استثناؤه جميع الجملة الأخيرة. وإن قال: صرفته للجملتين فُضِّ عليهما هذا المستثنى، فما ناب الجملة الأولى أبطلناه، وما ناب الجملة الثانية صححناه.
وقد قدمنا أن من شرط الاستثناء أن. يكون متصلًا بالمستثنى منه، وانقطاع
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: له عندي.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إبطال [اسثثناء] الكرّ القمح.
[ 3/ 2 / ٥٨ ]
ذلك بالسكوت يبطل الاستثناء، فكذلك إن قطعه بكلام لا تعلق به (^١) بالجملة الأولى (^٢): لزيد عندي مائة دينار، أسرجْ لي يا غلام دابتي، إلا ألف درهم، فإن هذا الاستثناء ساقط مطرح. وإن قال: لزيد عندي مائة دينار، أستغفرُ الله، وأراد الاستغفار من الذنوب، لم يؤثر هذا الاستثناء وكان باطلًا، ولو أراد الاستغفار من نسيان هذا المستثنى لصح الاستثناء.
وكذلك لو قال: لزيد عندي مائة دينار، اشهدوا عليّ، إلا دينارًا. فإن في هذا قولين:
أحدهما: صحيح الاستثناء لكون قوله: اشهدوا عليّ، له تعلق بالجملة الأولى.
والقول الآخر: إن هذا الاستثناء باطل.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
إذا علق الإقرار بمشيئة الله سبحانه، فقال: لفلان عليّ مائة دينار، إن شاء الله. على (^٣) قولين:
أحدهما -وعليه الأكثر من أصحاب مالك -: أن هذا التقييد بالمشيئة لا يؤثر، ويلزم المقر مائة دينار، ولا يسقط عنه قوله -عقيب الإقرار- إن شاء الله.
حتى إن ابن سحنون ذكر أن أصحابنا أجمعوا على ذلك.
ولعله أراد من تقدم من أصحاب مالك، لأن محمدًا (^٤) بن عبد الحكم قالا جميعًا: إن هذا الإقرار غير لازم. وذكر ابن سحنون هذا المذهب عن أهل
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: له.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: كَأنْ قال.
(٣) هكذا في النسخسّين، ولعل الصواب إضافة: فقد اختلف فيه.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة ت واو العطف، فيصير الكلام: محمدًا وابن عبد الحكم. أي محمَّد ابن المواز.
[ 3/ 2 / ٥٩ ]
العراق، وأن أباه سحنون أنكر هذا المذهب، وأشار إلى حجة أهل العراق على سقوط هذا الإقرار أن الشاهد لو شهد فقال: لفلان على فلان مائة دينار، إن شاء الله. فإن هذه الشهادة ساقطة.
ورد عليهم سحنون بأن قال: لو قال: له عندي ألف درهم إلا ألف درهم، أو قال: له عندي ألف درهم بل لا شيء له عندي، فإنهم قد جامعونا على أن هذا الاستثناء أو الاستدراك لا يؤثّر ولا يسقط الإقرار، وإن أسقطوا ذلك؛ لأنه يشعر بالشك، والشك في الإقرار لا يبطله. وقد قالوا: لو قالوا (^١):
لزيد عندي مائة دينار، وعقب ذلك بقوله: شككت في ذلك، وكان قوله متصلًا، فإن ذلك لا يسقط الإقرار. فأشار سحنون إلى أن الإقرار إنما يصح إن ورد عقيبه ما يسقط بعضه كاستثناء قليل من كثير. وأما إذا أورد بعده ما يسقطه كله، فلا يؤثر ما أورد من ذلك، والإقرار لازم. وقد هجس في نفس ابن سحنون هذا المعنى، فقال لأبيه سحنون: هلاّ كان قوله: إن شاء الله، يؤثر في الإقرار ويُسقطه كما أثّر قول الحالف: والله إن فعلت كذا، إن شاء الله، أن اليمين ينحل. فقوله: إن شاء الله، يحل جميعَ اليمين، فكذا يجب في الإقرار.
فقال له سحنون: لم تأت بنظير، وقد أجمعَ العلماء على الفرق بين الإقرار واليمين، ألا ترى أن القائل: عبدي حز، وسكت، أن العتق يلزمه. ولو قال:
والله، وسكت فإنه لا يلزمه في هذا القول شيء. فأشار إلى قوله لعبده، أنت حر، إن شأء الله، لا يؤثر لكون قوله: أنت حر، كلام مستقل بنفسه فلا يؤثر فيه الاستثناء بمشيئة الله تعالى، ولا يرفع الاستثناء حكم لفظ قد استقلّ. ولو قال: والله لا فعلت هذا، إن شاء الله. لأثر هذا الاستثناء لكون قوله: إن شاء الله، إنما يرجع إلى رفع القسم الذي هو قوله: والله، ولا يرجع إلى الفعل المحلوف عليه. وإنما أثر ذلك في اليمين لرجوع هذا الاستثناء إلى لفظة لا تفيد إذا تجردت مما يضاف إليها. وقوله: له عندي ألف دوهم، يفيد، وإن تجرد هذا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: قال.
[ 3/ 2 / ٦٠ ]
الكلام مما وصل به من قوله: إن شاء الله. فهذا تعليل القول بأن هذا الإقرار لازم، ولا يسقطه تقييده بقول المقر، إن شاء الله. وقد ذكره سحنون بنفسه.
وأما مذهب ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم فإنما صارَا إليه، لأنه قول المقر: إن شاء الله، تشعر بالشك. وهكذا أيضًا أشارا إلى هذا التعليل فقالا أو أحدهما: لا يلزم ذلك، لأن المقر أدخل بهذا شكا.
وبالجملة فإن محصول هذا يتعلق بشك المقر في إقراره: هل يقضى عليه أم لا؟ وقد قدمنا نحن، فيما سلف، أن المقَرّ له إذا أيقن بما شك فيه المقر قضي له على المقر لكونه موقنًا وكون المقر شاكًا. واختلف: هل يقضى له بيمين أو بغير يمين؟
فلو كانا جميعًا شاكين لسقط الإقرار في أحد القولين. وقد صرح سحنون بأن الشك في الإقرار لا يبطله، كما حكينا أعنه في هذه المسألة. وصرح من خالفه من أصحابنا بأن علة سقوط هذا الإقرار كونه مشعرًا بالشك. لكنه يمكن أن يعلل أيضًا طريقة سحنون يكون تعقيب الإقرار بما يسقطه كله يعد ندمًا، ولا يلتفت إليه، كما قدمنا هذا عنه في مسائل ذكرناها.
لكن يقتضي هذا التعليل أنه لو ابتدأ القول بلفظ الشك لكان بخلاف كونه يؤخر القول حتى يصله بعد حصول الإقرار. لكن مطلق قوله الذي حكينا عنه أن الشك لا يبطل الإقرار يقتضي خلاف هذا التعليل.
وقد حكى ابن حبيب عن عبد الملك بن الماجشون أن المقر لا يلزمه إقراره، وإن افتتحه بلفظ الشك، فقال عنه، فيمن قال لرجل: أظن أن لك عندي كذا وكذا،: فإن هذا الإقرار لا يلزمه، ويحلف المقر على أنه لا يحقق ذلك.
فهذا تصريح بسقوط الإقرار ولو صدّر به الكلام حتى يمتنع صرف الشك إلى كونه ندمًا. فأنت ترى سحنونًاكيف علل في رده أهل العراق هذا بعلتين:
إحداهما: أنه كالاستثناء الرافع للكل فلا يقبل.
[ 3/ 2 / ٦١ ]
والثاني: أنه كالشك، على ما اقتضاه التقسيم الذي ذكرناه عنه في رده على المخالف.
وقد ذكر ابن سحنون فيمن كتب على نفسه ذكر حق، وقال فيه: ومن قال بهذا الذكر فهو ولي ما فيه إن شاء الله، أن بعضهم قال: فإن هذا الإقرار ساقط.
قال: وقال أبو يوسف: بل هو لازم. مثلَ قولنا. وأشار إلى أبي يوسف كأنه نقض بهذا أصلهم.
وهذه المناقضة قد لا تلزم لأن مذهبنا أنه إذا قال: لك عندي ألف درهم أقضيك إياها الآن، أو إلى شهر إن شاء الله، إن هذا الإقرار لازم، ولا يذكر في مذهبنا في هذا اختلاف، لكون هذا الاستثناء راجعًا إلى القضاء لا إلى الإقرار.
فيمكن أن يكون أبو يوسف قال عقيب الإقرار: قول المقر: ومن هذا الذكر فهو ولي ما فيه. المراد أنه يَقبضه (^١). جعل هذا الإقرار صريحًا لصرفه قوله: إن شاء الله إلى قول القائل: فهو ولي ما فيه.
ولسنا نقصر هذا الخلاف الذي ذكرناه عن المذهب على هذه اللفظة، وهي قول: إن شاء الله، بل الخلاف جار. ني كل لفظة تسد مسدها كقوله: لك عندي ألف درهم إن شاء الله، وإن أراد الله، وإن قضى الله أو رضي الله. فإن هذه الألفاظ ترجع إلى الإرادة.
وبذلك قال أصحابنا في قوله: لك عندي ألف درهم إن أوجب الله ذلك، أو إن يسر الله أو رزقني الله مالًا. وكذلك: عندي (^٢) ألف درهم إن كان ذلك حقًا. وهذا صحيح كله إذا جرى العرف بأن المراد به الإشعار بالشك فيما سبق من القول، ولكن بعضه أوضح بالإشعار بالشك من بعض.
وقوله: إن يسّر الله، أو رزقني الله مالًا، هذا فيه إشكال واحتمال فيما يراد به.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب يفضيه.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: له.
[ 3/ 2 / ٦٢ ]
وإذا تُصور سبب الخلاف وعلته، فالمتَبَع في ذلك حكم الألفاظ في اللغة أو العرف، وقد يختلف عرف الناس في ذلك باعتماد على ما أشرنا إليه من قول القائل.
هذا بيان تعليق الإقرار بمشيئة الله سبحانه.
وأما تعليقه بمشيئة مخلوق (^١) عندي مائة دينار إن شاء زيد، فإنه لم يختلف المذهب في أن هذا الإقرار ساقط، وإنما اختلف في تعليل سقوطه: فأما ابن سحنون ومحمد بن عبد الحكم فإنهما عللا سقوطه يكون ذلك مخاطرة وتقرير (^٢) بالمال. وذلك مما لا يجوز، لأن مشيئة زيد لا يعلمها هذا
القائل: هل يشاء إثبات هذه المائة على هذا المقر فتثبت أم لا يشاء فتسقط؟
فصار ذلك مخاطرة وتقريرًا (٢). وقد اتفق على أن: لك عندي مائة دينار إن هبت الريح، أو تكلم زيدٌ. أو دخل فلان الدار، أن ذلك ساقط غير لازم، لكون ذلك مخاطرة وإضاعة للمال.
وأما ابن المواز فإنه علل ذلك بكونه على ثقة بأن زيدًا لا يشاء أمته (^٣) إتلاف ماله، فيعتذر عن قول زيد: قد شئت، بأنه إنما ظن به أنه لا يشاء فكأنه اشترط في الإقرار هذا القدر، كما لو قال رجل لمن ادعى عليه بمال: أنا أرضى بشهادة فلان عليّ. فشهد علمِه، فإن الشهادة لا تلزمه لكونه يعتذر عما التزم بأن يقول: أنا قلت ذلك والتزمته لاعتقادي وظني به أنه لا يقول إلا حقًا.
وكذلك هذا في الإقرار المعلق بمشيئة زيد.
ومذهب الشافعي أن الإقرار المعلق بمشيئة الله سبحانه، أو بمشيئة زيد، ساقط، كما ذكرنا عن أصحابنا. وعلل أصحابه سقوط الإقرار إذا علق بمشيئة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: كقوله: له.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تغريرًا.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: منه.
[ 3/ 2 / ٦٣ ]
زيد بتعليل ثالث ما ذكرناه عن أصحابنا، فقالوا: إن كان هذا المعنى (^١) يعلم أن (^٢) ذمته ما أقربه، فلا يثبت ذلك عليه مشيئةُ زيد، ولا يُسقط ذلك عنه كون زيد لم يشأ، وإن كان ليس في ذمته شيء فلا يثبت ذلك عليه قول زيد: قد شئت أن يكون في ذمتك مال.
ومما يلحق بهذا المعنى الذي نحن فيه من الألفاظ المشعرة بالشك، وإن لم يكن لّعليقا بمشيئة، قول الإنسان: لفلان عندي مائة دينار في علمي، أو ظني، أو فيما أحسبه، أو فيما أرى، إلى غير ذلك من هذه الألفاظ المستعملة في هذا المعنى.
فذكر ابن سحنون أن هذا الإقرار لازم. وذلك ينبني على ما ذكرناه عنه في كونه يرى أن الشك في الإقرار لا يبطله، كما كررنا ذكر ذلك عنه.
وذهب محمَّد بن عبد الحكم ومحمد بن المواز إلى سقوط هذا الإقرار بهذا اللفظ الذي وصل به، كما يسقط ذلك الشهادة إذا وقع اللفظ من الشاهد، فقال: أشهد أن لزيد على عمرو مائة دينار في ظني، أو في علمي، أو في حسبانِي.
ولو قال: لفلان عندي مائة دينار في "علم فلان، أو في شهادة فلان، فإن القولين في ذلك أيضًا.
وذهب ابن سحنون ثبوت الإقرار.
وذهب محمَّد بن المواز ومحمد بن عبد الحكم إلى سقوط هذا الإقرار.
واتفق الثلاثة (محمَّد (^٣) بن علي) أنه لو قال: عندي مائة دينار بشهادة فلان. لكان إقرارًا صحيحًا ثابتًا، لأن إدخال حرف الباء ها هنا يشعر بتصحيح
_________________
(١) هكذا، ولعل الصواب: المَعْنيُّ.
(٢) هكذا، ولعل الصواب: أْنّ [في] ذمته.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: المحمّدون على
[ 3/ 2 / ٦٤ ]
الإقرار، وقصدِ المقرّ إلى تأكيده بقوله: عندي كذا بشهادة فلان، أو بعلم فلان.
وأمّا الحرف الآخر وهو قوله: في شهادة فلان، أو في علم فلان، فلا يتضح تأكيدًا بل يحسن حمله على تأكيد الإنكار، وكأن المراد أنه: لا شيء له على، وإنما يزعم ذلك فلان في شهادته، أو في علمه. ولو قال: في قول فلان أو بْقول فلان، لاتّضَحَ كون ذلك يجري مجرى الإنكار لأن يكون عليه.
وعلى هذا يجري قوله: في قضاء فلأن أو فتيا فلان، أو في فقه فلان لكون هذا الحرف يشكل أَمرُه: هل المراد به تكذيب فلان المضاف إليه القضاء والفقه والفتيا (^١).
وقوله: في قضاء، يمكن أن يكون المراد أنهما تحاكما إليه فقضى بما قال المقر، لكون العبارة عن هذا تختلف، ويجري الأمر فيها على حسب ما قلناه.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
قاعدة هذا الباب النظر في حكم لفظ المقر من جهة اللغة أو من ناحية العرف المستعمل في الخطاب بين الناس، فيقضى عليه بموجبه. وما أشكل واحتمل قبل قوله أنه لم يرده بإقراره، وينظر في يمينه على ما ادعاه من قصده.
والمسائل المتعلقة بهذه القاعدة لا تكاد تنحصر. ومثل هذا ما ذكر في الروايات أن عن قال: هذه الدار لزيد. بهانت الدار للمقز له بأبنيتها وبيوتها.
وكذلك لو قال: هذا البستان لفلان. لكان ذلك له بشجره، ولو قال: هذه الأرض لفلان. وفيها زرع، لم يدخل الزرع في الإقرار، لكونه مما لا يتأبد مقامه في الأرض، ويتكرر إحداثه فيها، وازالته منها، يخلاف البناء في الدار والشجر في البستان، وهذا واضح في مقتضى عرف الناس وخطابهم.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أوْلا؟.
[ 3/ 2 / ٦٥ ]
وكذلك لو قال: هذا الجبّة، وهذه الوسادة لفلان، لكان ذلك له ببطانة الجبة وحشوها، وكذلك الوسادة تكون له بحشوها.
ولو قال في راوية حَمَلَهَا على دابته: هذه الراوية لفلان فيها ماء أو عسل أو زيت. وقال: أردت ما في الراوية من ماء أو زيت، ولم أرد الجلد لصدق في ذلك.
ولو قال: استعرت منه هذه الراوية وقال: أردت الماءَ الذي فيها. لم يصدق. لأن ذلك لا ينطلق عليه في العوف اسم العارية إذ لا يستعار الماء والزيت.
ولو قال: (هذا المزاد (^١» لفلان. لصدق في قوله: إنما أردت الجلد الذي هو الظرف خاصة.
ولو قال: هذه الصرة لفلان. ثم قال: إنما أردت الخرقة لا الدنانير التي فيها. لم يصدق لأنه لا تستعمل هذه اللفظة في خرقة منفردة فتسمى سورة.
ولكن لو قال: هذا المِصَرّ، وقال: لم أرد ما فيه من ذهب. لصدِّق؛ لأن هذه اللفظة في المصرّ دون ما يصر.
ولو قال رجل، في وصيته عند موته،: لفلان الزير الذي بمكان كذا.
وكان مملوءًا قمحًا أو زيتًا، لسلّم ذلك إليه بما فيه، لكون العادة أن الزير إنما يكسب لما يجُوز (^٢) فيه من زيت أو قمح. ولو كان فيه ما جرت العادة بأنه لا يخزن فيه كالثياب لم تكن الثياب داخلة في هذا اللفظ، إلا أن يكون الموصي عليه (^٣) علم بهذا وبكونه تخزن في هذا الزير. فقد اتضح بهذا (^٤) المُثُل ما ينبني
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: هذه المَزَادَة.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب:. لما يجوز
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: على.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بهذه.
[ 3/ 2 / ٦٦ ]
على القاعدة التي قدمنا. ووجه ما وَقع في الروايات من ذلك مما ذكرناه ويستغنى به عما لم نذكره.
ولو وقع في هذا المعنى استثناء، أو ما هو في معنى الاستثناء، لكانت القاعدة في ذلك أيضًا أن ينظر فيما ألحقه بالخطاب مما استدركه: هل يبطل حقيقة التسمية وما أقرّ به فلا يقبل ذلك منه، أو لا يبطل ذلك؟ فقيل فيه: إذا كان نسقًا قولًا متصلًا مثل أن يقول: هذا البناء لزيد ولكن الأرض لي. فإن ذلك يقبل منه عندنالأولا يقبل منه عند المخالف.
وكذلك لو قال: هذه الأرض لفلان. وبناؤها لي، وهذا البستان لفلان ونخله لي، (والبستان لفلان) (^١) لقبل ذلك منه عندنا؛ لأن هذا الاستدراك لا يبطل حقيقة ما تقدم من القول الأول ولا يناقضه. لكن وقع في العتبية لابن القاسم فيمن قال: هذه البقعة بيني وبين فلان وبناؤها لي. إن البناء تابع للأرض، فيكون يقضى له بالبقعة. وخالفه أصبغ في ذلك ورأى أن الإقرار يمضي على ما هوعليه، ويكون البناء للمقر.
وكأن ابن القاسم رأى أن قوله: (هذه البقعة لي) (^٢)، ينطلق عليها وعلى بنائها. فإذا قال: البناء لي، فكأنه كالراجع عما أقر به أولًا.
ولو قال: هذه الأمة لفلان؛ ولها أولاد، لم يدخل أولادها في هذا الإقرار لكونهم لا تشتمل عليهم تسمية أمهم التي هي قوله: فلانة ولم يكن ذلك إقرارًا، ولكن وقعت به شهادة. لكن أولادها بائعين (^٣) لها في الملك .. وكذلك يكون للمقَرّ له بها ما عليها من كسوة، وما في يدها مما تحوزه بحكم إطلاق الإقرار بالملك، لكون العبد عندنا يَمْلِك، وحوزُه حوزٌ، وكأن المالك هو الحائز لما حازه مملوكه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: والبستان [لي، والنخل] لفلان.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: هذه البقعة بيني وبين فلان.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تابعين.
[ 3/ 2 / ٦٧ ]
ولو قال: هذا سرج دابة فلان. ذكر ابن عبد الحكم وغيره أن في هذا إشكالًا، ووجه هذا الإشكال أن الإضافة تكون للملك، وتكون للاختصاص.
والتمليك كقولك: المال لزيد. والاختصاص دون التمليك كقولك: هذا السرج للدابة. لأن الدابة مما لا يعقل ولا يصح أن تملك. فيمكن أن يكون المراد بقوله: هذا سرج دابة فلان هو الذي أركب به عليها.
ولو قال أو أشار إلى باب خشب، وقال: هذا الباب لي ومساميره لفلان، أو مساميره لي وخشبه لفلان. لمضى الإقرار على ما هو عليه، وكانا شريكين في الباب بمقدار قيمة ما لكلّ واحد.
ولكن لو قال: هذا الباب لفلان، ومساميره (^١)، لكن في ذلك قولان.
وسبب الخلاف ما قدمناه من النظر في هذه التسمية: هل هذه اللفظهَ، التي هي بابُ، اسم لخشب مركبة بمسامير فيكون استثناء المسامير كالمبطل لحكم هذه اللفظة أم لا؟
وكذلك لو قال: غصبته هذا الخاتم، وفصُّه لي، لكان فيه قولان: أحدهما: إن هذا الاستدراك لا يقبل منه، لأنه لما قال: غصبت هذا الخاتم كالمقر لغصب فصه، ثم نفى ذلك، فلا يقبل منه ما ذكره من نفي ما أقرّ به، ويكون في هذا إشكال فلا يخرج عن ملكه بالشك.
ولو قال: هذا الخاتم لفلان إلا فصه لي ولكن (^٢) فضته لي. أو قال: هذه الجبة لفلان لكن بطانتها لي، فإن ذلك يقبل منه عندنا. وخالف في ذلك غيرنا، فقال: لا يقبل منه. وسبب هذا الخلاف ما قدمناه من كون الاستثناء يبطل حقيقة اللفظ الأول أوْ لا يبطله. وعلى هذا تجري سائر المسائل التي لم نذكرها للاستغناء عن ذكرها بما قدمناه.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ومساميرهُ [لىِ].
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أو.
[ 3/ 2 / ٦٨ ]
ومما ينخرط في هذا المسلك: إذا أقرّ بشيء هل يدخل وعاؤه في الإقرار أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقر بما لا يستقل بنفسه دون وعاء يكون فيه كالزيت.
والسمن، والعسل. مثل أن يقول: غصبته زيتًا في زقّي أو سمنًا في قلتي. فإن هذا يقضى به على المقر: بالزيت والزق، وبالقلة والسمن، للعلم بأن الزيت والسمن وما أشبههما من المائعات لا يوجد أبدًا إلا مختزنًا في ظرف ووعاء.
هذا المشهور من المذهب. ونص عليه محمَّد بن عبد الحكم وقال: إذا (^١) غصبت ثوبًا في منديل، أو قمحًا في غرارة، لم يلزمه المنديل ولا الغرارة، ولا يؤخذ بأكثر مما أقر به من ثوب أو قمح بخلاف قوله زيتًا في زق. قال: والفرق بينهما أن الزيت لا يوجد إلا في ظرف، والثوبُ قد يدخل يده في عَيْبة هو فيها، أو منديلًا هو فيه، فيؤخذ وحده دون وعائه.
وقد نقل ابن عبد الحكم ما يقتضي ظاهره أنه لا فرق بين قوله: زيتًا في زق أو ثوبًا في عيبة. ويرى أن اللازم في هذا الإقرار الزيتُ دون ظرفه والثوب دون العيبة.
وهكذا قال الشافعي: إنه لا يقضى بالوعاء.
ولو قال: غصبته زيتًا في زق لكن الصحيح (^٢) النص الذي هو. صحيح ما حكيناه عن محمَّد بن عبد الحكم وغيره مما ذكر عنه قد يناول (^٣).
والقسم الثاني: أن يكون الوعاء مما قد يستغنى عنه مما هو حال فيه ولكن قد ينقل بما هو فيه حالّ، كقولك غصبته ثويًا في عيبة أو ثوبًا في منديل أو قمحا في شكارة. فهذا عندنا فيه قولان منصوصان:
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إذا [قال].
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذفها.
(٣) هكذا قىِ النسختين، ولعل الصواب: يُتَأَوّل.
[ 3/ 2 / ٦٩ ]
أحدهما: أنه يقضى عليه بالثوب وبالعيبة وبالثوب والمنديل وبالقمح والشكارة. وإلى هذا ذهب سحنون وهو مذهب أبي حنيفة.
والقول الآخر: إنه لا يقضى عليه إلا بالثوب دون العيبة وبالقمح دون الشكارة. وبهذا قال الشافعي.
ويحتج من ذهب إلى مذهب سحنون وأبي حنيفة بأن قوله: غصبته ثوبًا، كلام فيه احتمال، فإذا فسر هذا الاحتمال أخذ بالتفسير أيضًا فقوله: غصبته ثوبًا، يحتمل أن يكون وحده ويحتمل أن يكون معه غيره. فإذا قال: غصبت ثوبًا في عيبة، صار ذلك كقوله: غصبته ثوبًا وعيبة، وكان قوله: ثوبًا في عيبة، تفسيرًا لما أجمله مما غصبه.
وحجة الشافعي وابن عبد الحكم أن قوله: غصبت ثوبًا، كلام مستقل.
وقوله: في عيبة يحتمل أن يكون إنما أراد الإخبار يحمل الثوب الذي أخذه منه لا أنه غصبه. وإذا احتمل ذلك لم يقض به، لأن الذمم لا تعمّر بأمر محتمل.
والقسم الثالث: أن يكون أقر بشيء ذكر محله، ومحله مما يستغني عنه الشيء الذي أقر بأخذه ولا ينتقل بانتقاله، كقوله: غصبت قمحًا في بيت. فإن القمح قد يستغني عن البيت، والبيت أيضًا لا ينتقل بنقل ما وضع فيه. وقد قال في كتاب ابن سحنون: يلزم مَن ضمَّنَه البيت وجَعلَه مقِرّا به أن يضمّنه القصْرَ إذا قال: غصبته في قصر، أو يضمّنه السفينةَ إذا قال: غصبت قمحًا في سفينة، أو يضمّنه الغلامَ (^١) إذا قال غصبته دابة عليها سرج أو عليها لجام، أو جمل عليه عِدْل، ألزمه الدابة بسرجها أو لجامها، والجمل بعدله.
وهكذا كله إنما مداره على اعتبار ما يقتضيه اللفظ في اللغة أو في
_________________
(١) هكذا في النسختين، وفيه نقص بين "الغلام" و"إذا قال ".
[ 3/ 2 / ٧٠ ]
حرف (^١) الاستعمال كما قدمناه، وهو سبب الخلاف فيما ذكرنا الخلاف فيه.
وإذا قال: غصبته سرجًا على دابة، لم يتضمن ذلك دخول الدابة في هذا الإقرار. وإذا قال: غصبته دابة عليها سرج، فقد تضمن هذا القول دخول السرج في الإقرار.
ولم ير الشافعي قوله: غصبته منديلًا فيه ثوب، وزِقًّا فيه زيت، يتضمن الإقرار بما ذكر أنه فيه، ورأى أنه لا يؤخذ بأكثر من المنديل ولا بأكثر من الزق.
وهذا كأنه خلاف لما حكيناه عن المذهب كقوله: غصبت دابة عليها سرج.
ولو قال غصبت عبدًا مع عبد، لكان قولًا محتملًا: هل المراد: غصبتُه عبدأومعي عبدٌ شاركني في الغصب، أو المراد أنه غصب عبدين؟ فيقبل منه ما ذكر أنه مراده مع يمينه.
ولو قال: غصبته عبدًا ومعه عبد، لم يؤخذ بعبدين لأنه قد يكون مع العبد المغصوب هذا العبد المشار إليه يُماشيه ويصاحبه ولا يكون في يده. بخلاف قوله: غصبته عبدًا ومعه ثوب لأن الثوب لم (^٢) يستقل بنفسه، وإنما يكون بيد أحد.
ولو قال: غصبته ثوبًا أنا ورجل سماه فإن ابن عبد الحكم قال: لا يلزمه إلا قيمة نصف ثوب بناء منه على مذهبه في اللصوص الغُصّاب، إذا تشاركوا، أن كل إنسان منهم لا يطلب بما أخذه صاحبه. وأشار هو إلى هذا فقال: وبعض أصحابنا يرى أن المشتركيْن في الغصب يضمن كل واحد منهما على صاحبه من ذلك.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عُرْف.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لا.
[ 3/ 2 / ٧١ ]
والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال:
قد ذكرنا حكم من أقر بشيء في وعاء: هل يدخل الوعاء في الإقرار أم لا، وهذا الفصل: إذا أقر بشيء في شيّء لا يكون وعاء له مثل: إن له درهم (^١) في درهم، أو دينار (١) في دينار أو درهم (١) في عشرة دراهم أو في عشرهّ دنانير أو عشرة دنانير في درهم أو مائهّ درهم في عشرة دنانير. فان هذا معلوم أن أحدها لا يكون ظرفًا للآخر، وإن كان اللفظّ وهذا الحرف الذي هو قوله: في كذا، يدل على الوعاء والظرفية.
وقد اختلف في هذا: فمذهب سحنون حمل هذا على أن المراد يضرب الشيء في الشيء، فيكون اللازم ما خرج من الضّرب. وهذا الذي يسميه الحساب التجربة، ومعناه إجراء العدد في عدد، كقوله: أربعة في أربعة بستة عشر، وعشرة في عشرهّ بمائة، إلى غير ذلك منا سائو العدد المضروب منها العدد في مثله. فإذا قال: له عندي دينار في دينار ودرهم في درهم، لم يلزمه عند سحنون سوى درهم واحد. وإذا قيل: له عندي عشرة دراهم في عشرة دراهم، لزمه مائة درهم.
ومذهب ابن عبد الحكم أنه لا يلزمه إلا العدد الأول، ويسقط ما ذكر بعده من قوله: في كذا، إذا حلف المقر أنه لم يرد بذلك التضعيف، وصرف الحساب.
وسبب هذا الاختلاف ما قدمناه مرارًا من كون الاعتماد في هذا على ما يفيده لفظ المقر من ناحية اللغة أو من ناحية عرف الاستعمال.
وكأن سحنونًا رأى أن الظرفية لما استحالت وامتنع أن يكون الدرهم وعاء للدرهم، بخلاف ما قدمناه في السؤال الذي قبل هذا من قوله: له عندي زيت في زق، وجب حمل ذلك على معنى آخر مستعمل في العرف وهو ضرب
_________________
(١) هكذا بالرفع في النسختين، ويصع الكلام بالنصب أو حذف إنّ.
[ 3/ 2 / ٧٢ ]
الحساب، فألزمه العدد الخارج من المضروب فيه فقال: إذا قال: له عندي عشرة دراهم (^١)، لزمه مائة درهم، لكون فذا اللفظ يستعمل في ضرب الحساب فوجب العمل عليه لكونه الظاهر فيه.
وكأن محمَّد بن عبد الحكم لم ير ذلك كالصريح في ضرب الحساب بل هو محتمل لأن يريد معنى غير ضرب الحساب، مثل أن يكون المراد به عشرة دراهم في مائة درهم أخذتها منه. فلا يجب حمل هذا اللفظ، مع احتماله لهذا المعنى الثاني، على ضرب الحساب إذا حلف أنه لم يرد ضرب الحساب. فهذا سبب الخلاف بين هذين المذهبين.
ولو كان ما ذكره كالجنسين مثل قوله: له عندي عشرة دراهم في عشرة دنانير، لم يكن فيه خلاف عندنا في أنه لا يحمل ذلك على ضرب حساب لاختلاف الجنسين، ولكون العادة في الاستعمال إنما جرت بضرب الشيء في مثله في الجنسية، كقوله: عشرة دراهم في عشرة دراهم. وأمّا مع اختلاف الجنسية فذلك مما لا يستعمل، فلا وجه لحمل لفظ المقر على ما لا يستعمل في الخطاب. وهكذا لو قال: له عندي درهم في قفيز قمح، لكان ذلك اعترافًا بالسلَم، فكأنه قال: أسلم إليَّ فلان درهمًا في قفيز قمح، فيكون المقر له بالخيار في قبول هذا الإقرار فيبقى الدرهم سلمًا في القمح، أو تكذيب المقر في ادعائه من السلم، ويطالبه بالدرهم، ويصير هذا داخلًا في باب التداعي في السلم. وقد تقدم حكمه في كتاب البيوع وينطبق أيضًا في هذا النوع متى حمل على أنه لم يرد ضرب الحساب، وإنما أراد عقود معاوضة: هل أقر بما يجوز أن يؤخذ بعضه عن بعض، فيكون إقراره لازمًا له، أو يكون مما يحرم فيفسخ ما ادعاه من المعاوضة ويرجع إلى رأس المال؟
ولو قال: له عليَّ درهم فوقه درهم وتحته درهم للزمه ثلاثة دراهم، لأن هذا اللفظ يستحيل معناه.
_________________
(١) أي: في عشرة دراهم.
[ 3/ 2 / ٧٣ ]
وكذلك لو قال: له عليّ درهم ومعه درهم، للزمه درهمان لكون هذا اللفظ إحالة (^١) فيه.
ولو كرر القول فقال: له علىّ درهم درهم، للزمه درهم، لكون هذا اللفظ يصلح للتأكيد ويصلح للتعداد، وْقد قال النحاة قد يؤكّد الشيء بتكرير لفظه كقوله: جاء زيد زيد، ويؤكد بغير صِفة (^٢) لفظه كقوله: جاء زيد نفسه، أو جاء القوم كلهم أجمعون أكتعون أبصعون.
فإذا كان هذا التكرير يستعمل في اللسان للتأكيد فلا وجه لإلزام المقر غرامةَ ما الأصلُ براءةُ ذمته منه مع احتمال لفظه في الإقرار.
وقد اختلف أهل الأصول في تكرير الأمر بالصفة (٢) بعينها: هل يحمل على التعديد أو على التأكيد كقول الله سبحانه: "صلِّ، صلِّ" هل يلزم المكلفَ صلاتان حملًا لكل لفظة على أنها تفيد غير ما أفادته الأولى، أو يحمل ذلك على التأكيد، وهذا الباب منه في المدونة: إذا قال لها: أنت طالق طالق، فإنه يسأل عما أراد: هل التأكيد أو التعديد؛ وهذا لكون اللفظ محتملًا للوجهين.
ولو قال: له عليَّ درهم على درهمين، ففي ذلك قولان: هل يلزمه ثلاثة دراهم، ويكون "على" ها هنا بمعنى "مع" أو لا يلزمه إلا درهم واحد، وكأنه قال: أعطاني درهم (^٣) بعوضه درهمين. وهذا الباب يتسع القول فيه، والنكتة فيه ما قدمناه في صدر هذه المسألة من اعتبار إفادة اللفظ في اللغة أو في العرف.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: [لا] إحالة
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الصيغة.
(٣) هكذا
[ 3/ 2 / ٧٤ ]
والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال:
إذا (^١) أخذت هذه الدراهم أو هذا الطعام أو هذا الثوب أو هذه الدابة من دار فلان أو من فدان فلان أو من فندقه أو من حمامه أو من مسجده. وزعم أن الشيء الذي أخذه هو له دون صاحب المحل الذي كان فيه الشيء. فإن النكتة في هذا أن ينطق (^٢) إلى الحوز، فإنه دليل الملك؛ ويد الإنسان إذا كان فيها شيء فهو له في ظاهر الحكم، وكذلك ما أحله محل يده من بيت سكناه أو مما يحوزه يغلق عليه أو حائط أو زرْب. فإن هذا كله يحل محل يده. فإذا قال المقر: أخذت هذا الثوب أو هذه الدابة من بيت فلان، والبيت يسكنه المقَرّ له ويمنع منه الناس ولا يُدْخل إلا بإذنه فإن ذلك يحل محل يده.
فلو قال إنسان: أخذت هذه الدراهم من يد فلان أو من كُمّه، لكنها لي؛ فإن ذلك لا يقبل منه لكونه يدعي (^٣) الظاهر كونه لمن في يده. لكن لو قال: أخذت ذلك من فندق فلان أو من مسجده أو من حمّامه، وهي لي، لمن (^٤) يكن ذلك للمقر له لكون الحمام والفندق يُدخلان بغير إذن، فليسا بحائزين لمالك (أرهما وبناهما) (^٥) ولا يحل ما كان فيهما مجل ما كان في يده لكونه أباح لسائر الناس الدخول في هذه الأرض فلم ينفرد بحوزها دونهم. فإذا ادعى أن ذلك الشيء المأخوذ له لم يكن أحق به ممن صار في يده، لكونه والرجل الذي صار في يده هذا الشيء يستويان في إباحة المكان لهما كالطريق، فكذلك الأرض إذا كان منع منها الناس صاحبها فحازها ببناء أو غلْق أو زرب قضيئ بما فيها له. وإن كانت مرعىً لسائر الناس لم يترجح على ما (^٦) أخذ ما كان فيها من ثوب أو دابة.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إذا [قال:].
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يُنْظر.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يدعي [ما] الظاهرُ
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لم.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أرضهما وبنائهما.
(٦) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مَن.
[ 3/ 2 / ٧٥ ]
وكذلك لو قال: أخذت هذا السرج من على دابة فلان، وهذا اللجام أو هذا الحيل. فإن ذلك يكون لفلان صاحب الدابة، لكون دابة الإنسان كالحائز لسرجها ولجامها والحوز دليل الملك.
ولو كانت الدابة في يده ويتصرف فيها ويركبها فقال: أخذت سرجًا من على سرجها فهو لي، لكان ذلك له، لكونه إذا كانت في يده ولا يد لربها عليها صار هو الحائز لسرجها الذي يركب عليه دون ربها.
وعلى هذا الأسلوب تجرى مسائل هذا الباب. لكن اختلف على قولين في دار بين رجلين شركة بينهما، فقال أحدهما: أخذت هذا، لثوب منها. وادعى الآخر أنه له. فقيل: هو لآخذه لكونه مباح له دخولها والتصرف فيها، فصار ذلك كدار يحوزها.
وقيل: بل ذلك نصفين بينهما، كما كانت الدار نصفين بينهما، فكذلك ما فيها.
ولو انفرد أحدهما بسكناها وحيازتها ومنع الآخر منها لكان ذلك له دون صاحبه الذي لا يحوزها معه.
ومما يلحق بما نحن فيه من تعليق الإقرار بشرط أو ما في معناه، قول الإنسان: لزيد عندي مائة درهم إن حلف عليها، أو إن شهد له فلان بها.
فحلف زيد أو شهد له فلان، فإن ذلك لا يلزم المقر؛ لأنه يتعذر (^١) بأن يقول: ظننت أنه لا يحلف ثقة بدينه وبوَرَعه على إليمين الكاذبة. وكذلك: ظننت أن فلانًا لا يشهد عليّ.
ولو قال: إن حكم بها فلان عليّ. فتحاكما، للزمه ذلك، لأن الرجلين إذا تحاكما إلى رجل فقضى لأحد حيث على الآخر، فإن القضية تلزم المقضي عليه، وليس له الرجوع عنها.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يعتذر.
[ 3/ 2 / ٧٦ ]
والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال:
مراتب الإجمال يتفاضل فيها الإشكال في ما يقع من المقال. وقد بسطنا في ما أمليناه في أصول الفقه حقيقة الإجمال والظاهر والنص ومذاهب الناس في ذلك.
فإذا قال المقر: لفلان عندي شيء، أو قال: له عندي حق. فإن هذا في غاية الإجمال؛ لأن قوله: "شيء" ينطلق على ما لا يحصى من الأجناس والمقادير وقد مثل المحصلون المجمل في الخطاب بقوله تعالى: ﴿آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^١) لأن الحق المفروض أداؤه يوم الحصاد لم يبين ما هو حتى بيّنه - ﷺ -، وذكر المراد بما أنزل الله، فكذلك إذا قال إنسان: لزيد عندي حق أو قال: له عندي شيء، فإنه يقال له: بيّنْ ما أردت بقولك "حق" وبقولك "شيء"، فيقضى عليه بما يبين من ذلك ويفسّره قلّ أوْ جلّ، إذا أمكن أن يريد بما أجمل ما فسره به.
(ولو قال: له عندي حق في هذا الغنم، ثم فسر ذلك بأنه عشر شياه منها، لقبل منه ذلك إذا فسر بجزء من مائة جاز من الجنس الذي يذكر في تفسيره، وهو عشر العشر لقبل منه ذلك) (^٢) ويجلف إن طلب استحلافه المقرّ له، ويتهم بأنه أراد أكثر مما أقر به.
وذكر ابن سحنون فيمن وصى لزيد بحق في هذه الدار أنه يقبل منه ما فسر به الحق ما لم يذكر ما لا يشبه ولا يمكن أن يوصي به، كقوله: وصّى له بإصبع من هذه الدار. لأن هذا مما لا يوصَى به في غالب العادة، فلم يقبل من المقر ما تكذبه فيه العادة.
وإن امتنع من التفسير ولجّ في الامتناع سجن، ولم يخرج من السجن حتى يقر.
_________________
(١) الأنعام: ١٤١.
(٢) هكذا في النسختين.
[ 3/ 2 / ٧٧ ]
لكن ابن المواز قيّد ما وقع في المدونة من إطلاق هذا الجواب بأن قال: إذا كان المقرَ له لا يدعي علم ما أقر له به، فإن ادعى علم ذلك، وطلب من المقر أن يفسر ما ذكر ويحلف عليه، فامتنع صار ذلك كمن وجبت عليه يمين فنكل عنها، فإن الطالب يحلف ويستحق ما حلف عليه.
ولو قال: لزيد معي سهم في هذه الذار، أو جزء أو نصيب أو حق أو طائفة. فإنه يقبل منه ما زعم أنه أراده بهذه الألفاظ لانطلاقها على ما يقل ويكثر من الأجزاء والسهام.
لكن أشهب ذهب إلى أن القول قوله في هذه الدار حتى لا يقبل منه تفسيره بأقل من الثمن.
وتحديد أشهب هذا بالثمن لا يكاد يظهر له وجه يتضح .. وليس كون الفرائض التي لم يذكر الله سبحانه فيما (^١) أقل من الثمن للزوجة إذا كان معها ولد فالذي (^٢) يدل على إطلاق القول بأن: له معي في هذه الدار حق يقتضي أنه أراد الثمن.
ولو قال: له معي في هذه الدار حق، وفسر ذلك بأنه أراد بابها أو جدعها (^٣)، فقد اختلف قول سحنون في قبول ذلك منه.
وكذلك لو قال: له حق في هذه الشجرة، وقال: أردت ثمرها، أو كان في الدار وقال: أردت بقولي هذا القمح الذي فيها. فإن ذلك كله مما اختلف فيه قول ابن القاسم: هل يصدق المقرّ في ذلك أم لا؟
ومما يلحق بهذا الباب إذا قال: لفلان معي في هذه الدار شرك، أو قال: له في هذه الدار شرك ولم يقل: "معي". فإن هذا أيضًا من الألفاظ المحتملة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فيها.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بالذي.
(٣) هكذا في النسختين.
[ 3/ 2 / ٧٨ ]
المشكلة. فيقبل تفسيره هذه الشركة بأنها بالربْع أو بالثُّمن أو بغير ذلك من الأجزاء التي يمكن أن تسمّى شركة.
وذكر ابن سحنون أن بعض أصحابنا قال: يحمل ذلك على النصف، وهو ظاهر مذهب أشهب.
وذكر ابن سحنون أن غيرنا فرّق بين أن يقول: له فيها شرك معي، وبين أن يحذف قوله: "معي". فإذا قال: "معي"، قبل منه ما فسره من الأجزاء. وإن لم يقل "معى" عمل على النصف.
وهذا أيضًا لا يكاد يظهر له وجه.
وكذلك إذا قال: هذه الدار بيني وبين فلان، فإنه يقبل منه ما ذكر أنه لفلان من الأجزاء فيها، وهو اختيار الحذاق من أصحاب مالك من المحمدين كابن سحنون وابن عبد الحكم وابن المواز.
والقول الآخر: أنه لا يقبل منه تفسيره بأقلّ من النصف.
وإذا قال: أشركت فلانًا بنصف هذه الدار.، فهو شريكه بالنصف.
ومقتضى اللفظ أنه إنما الشركة في نصفها، فيكون له ربعها، على أحد القولين، في إطلاق الشركة، لكون الرواية أنه يقضى له بالنصف. وحملوا لفظة "في" على حكم "الباء"، وقوله: أشركته في النصف، كقوله: أشركته بالنصف.
ويجب أن تعلم ما قدمناه مرارًا من المعتبر في هذا الباب على كثرة ما ذكر فيه من الروايات، فالاعتماد على إعطاء اللفظ حقه في اللغة أو في عرف الاستعمال، وما احتمل رُجع فيه إلى تصير المقِرّ، ويقبل منه ما يذكر إذا أمكن ذلك.
وقد أكثر ابن عبد الحكم وابن سحنون في تتبع ألفاظ المقرين، ولا فائدة في التطويل بها، وقد أخبرناك الأصل الذي اعتمدوا عليه. ألا تراهم قالوا: إذا قال: لزيد عندي بقرة. أن ذلك ينطلق على الذكر والأنثي. قالوا فيه خلاف.
[ 3/ 2 / ٧٩ ]
ولا وجه للاختلاف في هذا إلا ما صرفته العادة في الاستعمال. فمنهم من رأى أن القول "بقرة" ينطلق على الذكر والأنثي، كقوله في بني آدم: هذه نسمة (^١). إن ذلك لا ينطلق إلا على الإناث من البقر.
(ولو قال: له عندي طير. ثم سئل عنه فقال: مذبوح، لم يقبل منه، لكونه لو وصل الكلام المجمل بالتفسير لقبل منه كونه مذبوحًا إذا قال: له عندي طائر مذبوح) (^٢)، فلو فسّر ذلك بدجاجة حية لقبل منه، ولو فسر بنعامة لم يقبل منه. وهذا كله شهادة بعادة مرادةٍ بهذه الألفاظ.
ومما هو من جملة هذا النوع الذي أجمل فيه الإقرار قول الإنسان: لزيد عندي مال. فإنه لا يخلو أن يَقتصر على هذا القول، أو يقيّده بأن يقول: مال عظيم. فإن أطلق القول واقتصر على قوله: لزيد عندي مال، فقد اختلف المذهب في ذلك. والأشهر فيه أنه يقضى عليه في الجنس الذي أقرّ به بمقدار نصاب الزكاة لا أقل مثله. قال ابن المواز فيمن أوصى بأن: لفلان عندي مالًا: إنه يقضى في تركته بنصاب الزكاة من المال وهو عشرون دينارًا إن كان من أهل الذهب ومائتا درهم إن كان من أهل الورِق. وهكذا ذكر في التعليل أصبغ عن ابن وهب فيمن قال: لفلان في هذا الكيس، أنه يقضى عليه فيه بنصاب الزكاة.
والقول الثاني: انه يرجع في تفسير ذلك إلى المقِر، فيقبل منه ما فسر قوله به، ولا يقضى عليه بزيادة على ما فسر إقراره به. ذكر هذا ابن سحنون، واختاره الشيخ أبو بكر الأبهري، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.
وقال ابن القصار: ليست هذه الصبحألة منصوصة لمالك. والذي يجري عندي على مذهبه إلزام المقر نصاب القطع في السرقة وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل في الكلام نقص هو: [ومنهم من رأى].
(٢) هكذا في النسختين.
[ 3/ 2 / ٨٠ ]
وسبب هذا الاختلاف أن الضابط لطرق النظر في هذه المسألة (درهمًا إلا) (^١) مقتضى اللغة ومقتضى الشرع أو عرف الاستعمال.
فمن ذهب إلى مذهب أبي حنيفة والشافعي واختيار أبي بكر الأبهري، من أصحابنا، عرض هذه المسألة على هذه الثلاثة أنواع، فلم يجد في اللغة لهذا الاسم الذي هو "مال" تحديدَ المقدار، ولا وجد ذلك في الشرع، ولا وجده في عرف الاستعمال، فأبقاه على حكم الإجمال، وقضى بما يفسره المقر من هذا الذي أجمله.
ومن حدّ ذلك بما ذكرناه عنه (وما حدوا واحدًا) (^٢) وهو اتباع إشارة الشرع لكن لما وجد في الشرع تحديدين أحدهمأوهو الأقل وهو قطع يد السارق في ربع دينار ومنع النكاح بأقل من المال من ربع دينار استشعروا من هذا أن هذا المقدار له حرمة فلهذا استبيحت به هذه الحرم من فروج أو قطع أيد. فوجب أن تحمل ألفاظ المقرين بمال على هذا المقدار الذي حده الشرع. وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "لم يكن النبي - ﷺ - يقطع في التافه وإنما يقطع في ربع دينار" (^٣) فأشارت إلى أن ما قل عن ربع دينار في حكم التافه المحتقر، وما كان محتقرًا تافهًا لم تحمل هذه التسمية عليه. وقد قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (^٤) فأطلق المال على نصاب الزكاة فاقتضى هذا حمل إطلاق "مال" على هذا المقدار.
ويقول الآخرون: وقد قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (^٥) وهذا يقتضي أن ما يستباح به فرج المرأة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مردّها إلى.
(٢) هكذا في النسختين. وهو غير واضح.
(٣) البيهقي، السنن الكبرى: ٨/ ٢٥٥، ٢٥٦.
(٤) التوبة: ١٠٣.
(٥) النساء: ٢٤.
[ 3/ 2 / ٨١ ]
وهو ربع دينار يسمى "مال". ورد هؤلاء مذهب الأبهري من أصحابنا وأبي حنيفة والشافعي في قولهم فيمن قال: لزيد عندي مال، وفسّر ذلك بقيراط أو حبّة: أن ذلك يقبل منه. بأن قالوا: معلوم في العادة أنه لا يطلق غنيّ ولا فقير على القيراط أو الحبة اسم "مال" على حال من الأحوال، فلا يصح أن يقبل من المقر تفسيره بذلك، لأنه (^١) بأنه أراد حبَّة أو قيراطًا. وأما إن فسره بربع دينار فإن هذا التفسير قد يليق بعرف الفقراء من الناس، وإن بعد ذلك في عرف الأغنياء. فإذا كان صنف من الناس يطلقون قول "مال لأ على الربع من دينار لم يقض على المقر بأكثر منه، بخلاف القيراط والحبة فإن هذا لا يطلقه أحد من فقير أو غني على هذا المقدار تسمية "مال". فلو قيد هذا الإطلاق بأن قال: له عندي مال عظيم، فقد اختلف فيه أيضًا: فاختار الشيخ أبو بكر الأبهري من أصحابنا أن هذا التقييد والوصف لا يؤثر، وأنه يقبل من المقر بهذا ما فسره به، ولا يقضى عليه بأكثر مما فسره وهو مذهب الشافعي.
وذكر ابن سحنون عن أبيه وأهل العراق أنه لا يقبل منه تصير ذلك بأقل من ظ ب الزكاة. وهذا اختيار ابن القصار.
وكأن الشافعي والأبهري رأيا أن "العظم" لا حدّ له، ويتفاوت تفاوتًا كثيرًا، كما أن المال لا حدّ له، ويتفاوت تفاوتًا كثيرًا، وما تفاوت هكذا من وصف أو موصوف لم تفد الصفة فيه زيادة على ما أفاده الإطلاق من غير تقييد، فيرجع في ذلك لاحتماله، أطلق أو قيد ووصف، إلى تصير المقر له (^٢) لا سيما ولا يشك أحد في أن هذا الوصف بالعظم لا يصح التحديد فيه لا بإسناده إلى لغة أو شرع أو عرف أو استعمال.
وكأن من ذهب إلى التحديد بنصيب الزكاة يرى أن هذا الوصف لا بد أن يفيد فائدة، وإلا يكون الكلام لغوًا لا فائدة تحته، ومعلوم أن المال يكون عظيمًا
_________________
(١) هكذا في النسختين، والكلام أوضح مع حَذفها.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: المِقرّ.
[ 3/ 2 / ٨٢ ]
ويكون حقيرًا، فلولا أن قوله "عظيم" أفاد رفع هذا الاحتمال وهو كون المال حقيرًا قليلًا، ما حسن النظر به. ألا ترى أن قولهم: رأيت رجلًا طويلًا، أفاد هذا الوصف زيادة فائدة لم تكن في الإطلاق، إذ (^١) قال: رأيت رجلًا، وهو رفع الاحتمال أن يكون رأى رجلًا قصيرًا. فكذلك إذا قال: له عندي مال عظيم، يجب أن تكون لهذه الزيادة فائدة، وإلا فيكون قوله: "عظيم" كقوله حقير، ويكون هذا من جنس ما لا ينطلق (^٢) به عاقل.
هذا حكم إقراره بمال مطلقًا أو مقيدًا موصوفًا.
وأما إن وقع الإجمال من ناحية العدد لا من ناحية الجنس، مثل أن يقول: لزيد عليّ دراهم، أو يقول: لزيد عندي دينار (^٣).فإن هذا أيضًا لا يخلو من أن يكون الناطق بهذا اللفظ نطق به مطلقًا، أو نطق به مقيدًا، بأن يقول: له عندي دراهم كثيرة.
فأما إن أطلق القول فقال: لزيد عندي دراهم، فإن ذلك يحمل على ثلاثة دراهم. وكذلك إن قال: له عندي دينار (١)، فإنه يحمل على ثلاثة دنانير لأن ذلك هو العرف في الاستعمال عند الناس. قال ابن سحنون: وهذا إجماع فيما علمت.
وكذلك لو صغر الجمع فقال: له عندي دنينرات، فإنه يقضى عليه بثلاثة، لحصول صيغة الجمع، ولا يبالَى بصيغة الجمع إذا حصلت، كانت مصغرة أو غير مصغرة.
وأما إن قال: له عندي دراهم كثيرة، أو قال: له عندي دنانير كثيرة. فإنه اختلف في هذا الوصف: هل له زيادة فائدة على ما أفاده الإطلاق فيقبل منه تفسيره أنه أراد ثلاثة لا أكثر منها؟ هذا مما اختلف فيه أيضًا مذهب الشافعي
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إذًا.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ينطق
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: دنانير.
[ 3/ 2 / ٨٣ ]
والشيخ أبو بكر الأبهري من أصحابنا إلى أن هذه الزيادة وهي الوصف بالكثرة لا تفيد أكثر مما يفيده الإطلاق، ويحمل ذلك على ثلاثة دراهم أو ثلاثة دنانير، ويقبل منه تصير ما أجمله بعدد لا يتقاصر عن الثلاثة.
وتوجيه هذا المذهب مأخوذ مما قدمناه من أن لفظ الجمع وهو قوله: دراهم، يقع على الدراهم الكثيرة والدراهم القليلة، فلم يفد التقييد زيادة على ما أمكن دخوله في القول: له عندي دراهم. وإنما تكون الزيادة لها حكم في هذا المعنى إذا أفادت ما لم يفده القول الأول، ولا أمكن دخوله فيه.
ومَن سوى هؤلاء الرجلين: الشافعي وأبي بكر الأبهري رأوا أن هذا التقييد بالوصف فيه زيادة فائدة على الإطلاق. واختلفوا في تحديد هذه الزيادة: فقال محمَّد بن عبد الحكم: لا يقبل منه التفسير بثلاثة إلا أن يزيد عليها، فإذا زاد عليها قبل تفسيره ولم يحدّ هذه الزيادة.
وذهب ابن المواز إلى تحديد هذه الزيادة فقال: إذا قال: هي أربعة درأهم، قبل منه ذلك.
فكأنه رأى أن هذه الزيادة لا تكون بالكسر والجزء من الدرهم، وإنما تكون بواحد كامل، فلهذا قال: يحد ذلك بأربعة.
وذكر محمَّد بن عبد الحكم أنه قيل: يحذ ذلك بخمسة دراهم. وكأنه رأى ثَمّ عدداَّ بَين الكثرة والقلة، فلو قال: له عندي دراهم لا كثيرة ولا قليلة لقضي عليه بأربعة دراهم لأن هذا العدد يرتفع عن القليل وهو ثلاثة دراهم وينحط عن الكثير وهو ما زاد على أربعة. فإذا كان سلْب هذا الجمع الوصف بالقلة والكثرة يقتضي أربعة وجب أن يكون ما زاد على ذلك يوسف بالكثرة وهو خمسة.
وذكر أيضًا أنه قيل: تسعة دراهم. قال: ولا وجه لقول النعمان: يحدّ ذلك بعشرة دراهم، ولا لقول أبي يوسف: يحد ذلك بنصاب الزكاة مائتي درهم.
[ 3/ 2 / ٨٤ ]
وهذا الذي ذكره محمَّد بن عبد الحكم عن أبي يوسف من التحديد بنصاب الزكاة هو الذي ذكره ابن سحنون في كتابه وقال: يقضى عليه بنصاب الزكاة.
وذكره أيضاَّ اَبن القصار عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن واختارا ذلك.
وقال يقضى بنصاب الزكاة. وذكر أنه ما رأى لمالك. في ذلك نصًا، ولا لأصحابه سوى محمَّد بن عبد الحكم فنقل عنه بعض ما نقلناه عنه مما ذكره في كتابه.
وتوجيه هذه المذاهب مأخوذ مما تقدم سوى من قال: يقضى بخمسة دراهم، فإنا ذكرنا ما قيل في توجيهه.
وأما مذهب أبي حنيفة، وهو التحديد بعشرة دراهم، فإنه رأى أن أهل اللسان ذكروا أن المجموع على قسمين: جموع قلة وجموع كثرة. فما تقاصر عن العشرة سموه جمع قلة، والعشرة فأكثر منها يسمى عندهم جمع كثرة.
وأما من ذهب إلى التحديد بتسعة، فإنه رأى أن القول: له عندي دراهم، يفيد أقل الجح وهو ثلاثة دراهم، فإذا قال: كثيرة، فإن (^١) ذلك تضعيف الجمع الذي أشار إليه، وتضعيفه يكون بتكريره ثلاث مرات أيضًا، فكأنه قال: له عندي ثلاثة مضروبة في ثلاثة، وذلك تسعة.
هذه جملة المذاهب في هذه المسألة، وهي سبعة مذاهب قد ذكرناها إلى توجيهها وفي هذا مقنع.
ومما ينخرط في هذا السلك إذا قال رجل: لزيد عندي جُلّ مائة أو عُظْمها، أو أكثرها، أو نحوها، أو قريب منها. فإن هذا مما اختلف فيه المذاهب أيضًا على قولين:
أحدهما أنه لا يقبل منه دعواه، بأنه قصد بهذه العبارة أقل من ثلثي المائة.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أفاد.
[ 3/ 2 / ٨٥ ]
والقول الثاني: أنه يقبل منه إذا زعم أنه أراد نصف المائة وزيادة دينار واحد عليها.
وكذلك لو أقر بجُلّ ألف دينار، لقبل منه عند هؤلاء تفسيره لذلك بأنه أراد خمس مائة وزيادة دينار واحد. وذكر ابن سحنون عن رجل من أصحابنا ناظر أباه سحنونًا في المسألة، وذهب إلى أنه يقبل منه في قوله: جل المائة، ما فسر قوله به ولم يحدّ ذلك بِحَذً فيما حكاه عنه.
وهذا الاختلاف لا حدّ له ولا سبب سوى إسناده لما ذكرناه مرارًا من النظر في المعتاد في إطلاق هذا اللقظ، فالذين قالوا: يحمل على ثلثي المائة فأكثر، قدروا أن الثلث في حيز القليل، فإذا سقط من المائة فالثلثان الباقيان هما جلها وأكثرها.
والذين قالوا: يحمل على نصف الجملة وزيادة دينار واحد عليها، اعتقدوا أن هذا المقدار من المائة يطلق عليبما اسم الجُل والأكثر. وهذا بعيد في عرف الاستعمال عندنا.
وعلى هذا النوع من الاختلاف أجروا الاستثناء المجمل أيضًا في هذه الجملة، وهو أن يقول: له عندي مائة دينار إلا شيئًا، أو مائة دينار إلا قليلًا.
فإن القولين المذكورين قبلت (^١) في هذه المسألة وهي إلزامه ثلثا (^٢) المائة فأكثر، أو نصفها وزيادة واحد، وتصديقه فيما فسّر به. هكذا ذكر ابن سحنون عن الذي ناظر أباه في المسألة.
وذهب إليه أحمد بن ميسر فقال: إذا قال: له عندي عشرة إلا شيئًا، قبل منه ما يدعيه أنه أراد من مقدار ما استثناه.
وذكر عبد الملك في هذه المسألة معنىً أشرنا إليه في حكم الاستثناء الذي
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: قيلا.
(٢) مكذا في النسختين، ولعل الصواب: ثلثي.
[ 3/ 2 / ٨٦ ]
قدمناه، وقال: قوله: إلا شيئًا، يصرف إلى لحسن (^١) في الكلام، فإذا قال: له عندي مائة إلا شيئًا، أسقط من المائة تسعة، وإذا قال: ألف إلا شيئًا، أسقط من الألف تسعة وتسعون. وأشار في هذا إلى أن الاستثناء إنما يحصل بالكسور كقوله تعالى: ﴿ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ (^٢) قال: ولا تجد أحدًا يعبر عن الألف بألف إلا مائة، بل هو يقول: تسع مائة.
وذكر أيضًا أنه قال: له عندي ألف وشيئًا (^٣)، ومات قبل أن يفسر ذلك، فإن ذلك الشيء ساقط لا حكم له لجهلنا بما أراد به من الأجناس والمقادير.
وهذا أيضًا توجيه الخلاف فيه على حسب ما تقدم.
وإذا قال رجل: لزيد عندي نيف وخمسون دينارًا. لكان القول قولَه فيما أراد بالنيف، فيقبل ما ادعاه وكثر (^٤) حتى لو قال: أردت بالنيف جزءًا من الدينار لصدق.
وإذا قال: له عندي بضع عشرة درهمًا. فإن مالكًا نصّ على أن البضع يحمل على ثلاثة دراهم، وهي أقل ما ينطلق عليه هذا الاسم، ورآه منطلقًا على الثلاثة إلى التسعة.
وقد اختلف الناس وأهل اللغة في هذه التسمية فبعض أهل اللغة صار إلى ما حكيناه عن مالك، وبعضهم صار إلى أنه إنما يطلق على الواحد إلى الخمسة.
وقد ذكرنا هذا في كتابنا المترجم بالمعلم.
وهذا الذي ذكرناه في الإقرار المحتمل المتردد بين أعداد كاليضع، فإنه (^٥) شك المقِر في مقدار البضع الذي عليه وشك المقَر له في هذا المقدار أيضًا، فإنه
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ما يحسن.
(٢) العنكبوت: ١٤.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: شيء.
(٤) هكذا في النسختين، ولعك الصواب: قَل أو كَثُر.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فإنه [إنْ]
[ 3/ 2 / ٨٧ ]
يقضى بالأقل، ويسقط ما زاد على ذلك، لكون الأقل متيقنًا، وما زاد عليه مشكوك فيه، فلم تثبت في الذمة غرامة بالشك.
والقول الآخر أنه يقسَم المشكوك فيه بين المقِر والمقَر لهما (^١) لتساويهما في الشك في ثبوته ونفيه.
ولو أيقن أحدهما وشك الآخر، لكان القول قول الموقِن منهما، سواء كان المقِرَّ أو المقَرَّ له.
وأختلف في تحليف الموقن على ما ادعاه ما دام المقِر حيًا، فلو مات قبل أن يسأل عما أراده لم يصدق المقر له، لجواز أن يكون المقر لو بقي حيّا لفسر ما أراد فيبْقى الأمر على ما حكيناه من الأخذ من تركته الأقل خاصة، أو يؤخذ الأقل ويُقسَم ما شك فيه.
ولو وقع الإقرار (^٢) منهما في الأجناس لا في المقدار مثل أن يقول: لزيد علي ألف، فإن المقر يسأل عن هذا الألف: ما هي من الأجناس؟ فيقبل قوله في الجنس الذي أراد هل هو دينار أو دراهم أو طعام أو ثياب؟ لكن لو عطف على هذا الإبهام عددًا للسرج (^٣) فيه بالجنس مثل أن يقول: له عليّ (^٤) ألف درهم، فإن هذه المسألة مما اختلف الناس فيها:
فذهب الشافعي إلى أنه يقبل قوله في بيان الجنس الذي أجمل، ولا يكون ما أجمل (^٥) عليه تفسيرًا للعدد المجمل، سواء كان ما عطف على المجمل مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد، كالدنانير والدراهم والطعام [أ] وغير ذلك مما (^٦)
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: له.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وقع الأختلاف.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: صرّح.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: له عليّ [ألف] وألف درهم.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عطف.
(٦) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مِمّا [لا]
[ 3/ 2 / ٨٨ ]
يوزن أو يكال أو يعد، وإلى هذا ذهب ابن القصار من أصحابنا. وذهب أبو ثور ومحمد بن عبد (^١) الحسن أنه يقضى عليه فيما أجمل بجنس ما عطف عليه من المفسر، سواء كان ما بعد حرف العطف مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد أو لا يقدر.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كان ما بعد حرف العطف مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد فإنه يكون تفسيرًا لما أجمل قبله من العدد، مثل أن يقول: له عليّ ألف ودرهم، أو: ألف وقفيز قمح، أو: وألف أقفزة قمح. وإن مال: ألف ورمانة، كانت الألف رمانًا. بخلاف أن يقول: له عنبي ألف وثوب، أو: ألف وعبد، فإنه لا تكون الألف ثيابًا ولا عبيدًا، وإنما يُقضى فيها بما يفسره من الأجناس. وإلى هذا ذهب سحنون، وكأنه رأى أن ما يقدر بكيل أو وزن أو عدد مما يثبت في الذمة بغير عقد معاوضة، (فإنه إذا ذكر وكان مقدر لكون ما تقدم في ذمة المقر أيضًا لكونه يستقر مثله في الذمة بالاستهلاك وإن لم يكن ذلك عن معاوضة) (^٢). وإذا قال: ألف وثوب، لم يكن ذكر الثوب تفسيرًا للألف لأن من استهلك ثوبًا فإنما تلزمه قيمته، ولا تعمر ذمته بمثله، فلم يحسن أن يكون (^٣) ذكره تفسيرا لما تقدم من اللفظ المجمل.
وهذا الذي يعول عليه أصحاب هذا المذهب من أصحاب أبي حنيفة استدلال لا يتضح تعلقه بما نحن فيه، بل تجد العرب تعطف الشيء على مثله وعلى خلافه، فتقول رأيت زيدًا ومحمدًا من غير الهتفات في هذا العطف إلى ما يقدر أو لا يقدر.
ولكن أضطرب أصحاب الشافعي في فرع من فروع هذا الباب وهو إذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، أو ألف وخمسون درهمًا. هل يقبل قوله في تصير الألف في هذه المسألة، أو تكون هذه المسألة بخلاف ما تقدم، ولا يقبل
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف عبد.
(٢) هكذا في النسختين.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الأوضح إضافة: ما.
[ 3/ 2 / ٨٩ ]
تفسيره لما أجمل من العدد، لكونه أراد ما بعد حرف العطف بل سقط عليه إذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، لكون الألف دراهمَ أيضًا. وكذلك إذا قال: ألف وخمسون درهمًا تكون الألف دراهم أيضًا. فذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أنه يقبل تفسيره لما أجمل، ورأى ألاّ فرق بين قوله: ألف ودرهم، وبين قوله: له ألف وثلاثة دراهم أو ألف وخمسون درهمًا. ورأى أبو إسحاق وغيره من أصحاب الشافعي، وهو المشهور من مذهب الشافعية، أن هذه المسألة بخلاف ما ذكرناه من أخواتها لأنه إذا قال: له ألف درهم فقد ذكر بعد حرف العطف وهو الواو لفظة أفادت زيادة على العدد المتقدم، فكان ذلك هو المراد بها وقصرها على هذه الإفادة خاصة.
وإذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، كانت الألف والثلاثة من قبيل المجمل في سائر الإجمال (^١) وقوله "دراهم" (^٢) وقوله "درهم" لفظ فيه بيان الجنس، ولكنه ما أفاد زيادة في العدد، فتصرف إفادته إلى أنه أراد بيان جنس ما تقدم من الجملتين اللتين هما الألف والثلاثة أو الألف وخمسون. وأيضًا فإن الإعراب يختلف فيهما: فإذا قال: له عندي ألف درهم ودرهم، بالرفع، فبالرفع فكذلك (^٣) معطوف على قوله (^٤):. وإذا كان معطوفًا عليه حتى استحق إعرابَه، لم يستحق بيان الجنس. وإذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، فذكر الدراهم ها هنا ليس معطوفًا على إعراب الألف التي في مجملة فكانت تفسيرًا لها.
وذكر ابن القصار من أصحابنا هذه المسألة وكأنه تردد بين المذهبين: مذهب الاصطخري الذي حكيناه، ومذهب أبي إسحاق وكأنه مال إلى مذهب أبي إسحاق.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعله: الأحوال.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أو.
(٣) هكذا في النسختين، والكلام يستقيم بحذفها.
(٤) هكذا في النسختين، والكلام يستقيم بإضافة: ألف.
[ 3/ 2 / ٩٠ ]
والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال:
إذا قال رجل: لزيد عندي من مائة درهم إلى عشرة دراهم، أو من درهم إلى مائة درهم، فبدأ بأقل العدد فجعل الغاية أكثر منه، أو عكس ذلك فقال: له عندي من عشرة دراهم إلى درهم واحد، فإنه لم يختلف المذهب عندنا، فيما علمت، في أن حرف ابتداء الغاية يقتضي دخول البداية في النهاية، فالدرهم الأول، في قوله: له عندي من درهم إلى عشرة دراهم، داخل في الإقرار ولازم للمقِر، كما يلزم الدرهم الثاني والثالث إلى التاسع.
وإنما اختلف المذهب إلزامه ما بعد حرف الغاية وهو الدرهم العاشر، فاختلف في ذلك قول سحنون ﵁، فقال بإسقاطه، في أحد قوليه، ولم يلزم المقرَّ إلا تسعة دراهم، وهو مذهب أبي حنيفة. وقال مرة أخرى بل يلزم المقر الدرهم العاشر فيقضي عليه بعشرة دراهم كلها. وجعل ما بعد الغاية داخلًا في الجملة، كما جعل أهل المذهب الدرهم المذكور بعد حرف ابتداء الغاية لازمًا داخلًا في الجملة. وهذا (^١) إذا قال: له عندي من عشرة دراهم إلى درهم، يلزمه الدرهم العاشر إلى بقية الجملة ويختلف في الدرهم الذي جعله غاية: هل يدخل في الإقرار فتلزمه العشرة دراهم أو لا يدخل في الإقرار فتلزمه تسعة دراهم؟
وكذلك لو اختلف نوع ما بدأ به المقر وما جعله غاية، مثل أن يقول: له عندي من درهم إلى دينار، ينبغي أن يجري على ما أصلناه لك من هذا الاختلاف. ومقتضاه أن يلزمه الدرهم ويختلف في الدينار.
وإلى هذا أشار محمَّد بن عبد الحكم في رده على أبي حنيفة، فقال: إنه يقول: إذا قال: له عندي من عشرة دراهم إلى عشرة دنانير، إنه تلزمه العشرة دراهم وتسعة دنانير، فقال ابن عبد الحكم: هذه مناقضة، والإشارة إلى أنه إذا كان مذهبه أن ما بعد حرف الغاية غير داخل في الإقرار فإنه ساقط، فكذلك يجب أن تسقط العشرة
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وهكذا.
[ 3/ 2 / ٩١ ]
دنانير كلها؛ لأن ابن سحنون أجرى اختلاف قول أبيه، فيما حكيناه عنه، في قول المقر: له عندي من درهم إلى عشرة، إنه يلزمه التسعة، واختلف قوله في الدرهم العاشر، فيمن (^١) قال: له عندي مائتا كُرّ حنطة إلى كر شعير، إن الحنطة تلزمه من غير خلاف، وأما الشعير الذي جعله غاية فإنه يلزمه جميعه على أحد قولي سحنون، وعلى القول الآخر يلزمه كر (^٢) القمح ويحط من كر الشعير قفيز شعير، وهذه منه إشارة إلى أنه وإن اختلف النوع فلا بد أن يسقط مما ذكر بعد حرف الغاية شيئًا حتى يُجري على الأصل مقتضى حرف الغاية أن ما بعدها لا يدخل فيه، وكان (^٣) الكرُّ: له أجزاء يحط منها جزءًا واحدًا وهو قفيز. وهكذا ذكر عن أبي حنيفة فيمن قال: له عندي مائتا كر حنطة وكر شعير، أنه يَلزمه كل الحنطة والشعير، لكنه يحط من الشعير مقدار ما ذكرناه وهو قفيز.
وقال محمَّد بن عبد الحكم: إنما يجب أن يقضى عليه بفضل ما بين كر الحنطة وكر الشعير.
وهذا الذي قاله هو مقتضى اللفظ في حكم اللغة، وهو الذي ذكره من التفريع في هذه المسألة ظاهر المذهب عنده أنه بني قول الإنسان: لزيد عندي مائتا درهم إلا (^٤) عشرة دراهم وبين قوله: عندي من درهم إلى عشرة دراهم، إلى (^٥) حكم الغايتين حكم واحد يثبت الدرهم ويختلف في الدرهم العاشر المذكور بعد حرف الغاية. لكن ظاهر مذهب الشافعية التفريق بين العبارتين إذا قال: له عندي مائتا درهم إلى عشرة فإنما تلزمه ثمانية دراهم وهو جملة ما بين المبدأ والمنتهى. وإذا قال: له عندي من درهم إلى عشرة، قالوا: فيه قولان: أحدهما أنه تلزمه ثمانية، مثل ما قالوا في العبارة الأولى.
_________________
(١) الجار والمجرور يتعلق بقول المازري: لأن ابن سحنون أجرى
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: كل.
(٣) هكذا في النسختين، والأوْضح إضافة: لَمّا.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إلى.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: [أنَّ] بعد إلى.
[ 3/ 2 / ٩٢ ]
والقول الثاني، عندهم، وهو الصحيح في مذهبهم: إلزامه تسعة دراهم، كأحد قولي سحنون عندنا. ومذهب (^١) أبي حنيفة. فلم يختلف القول عندهم في مذهبهم في هذه المسألة أن ما بعد حرف الغاية وهو الدرهم العاشر. وإنما اختلف القول عندهم في ما بعد حرف ابتداء الغاية وهو الدرهم الأول فيثبت أو يسقط، فأما الدرهم العاشر فإنما حكوا القول بإلزامه عند محمَّد بن الحسن.
والذي حكوا عن ابن الحسن هو أحد قولي سحنون عندنا كما ذكرناه.
واعلم أن المذهب عندنا في هذا الأصل على مسلكين:
أحدهما صرف هذا اللفظ إلى يقين القائل بما ذكره لا إلى الشك فيما قاله، فيجري الأمر فيه على هذه الطريقة كما بيناه.
والمسلك الثاني صرف ذلك إلى أن القائل أشعر تشككه فيما قال، وهو مذهب محمَّد بن عبد الحكم ومحمد بن المواز.
قال محمَّد بن عبد الحكم قال: لو قال قائل: في هذا الشيء من رطل إلى رطل ونصف، لكان الرطل متيقنأونصف الرطل مشكوكًا فيه. وقد قال النبي ﵇ في مخرجه إلى بدر: "القوم ما بين سبع مائة إلى ثمان مائة" (^٢).
وهكذا قال ابن المواز فيمن قال: لفلان عندىِ (مائتي عشرة دراهم إلا عشوين درهمًا) (^٣): إن هذا المقر إن رجع عن شكه وأيقن بسقوط العشرة الثانية قُبِل ذلك منه، ولم يلزمه إلا العشرة الأولى، ولكنه يحلف إن ادعى المقَر له تحقيق استحقاقه عليه عشوين دينارًا (^٤)، وأقا إن كان المقر له لا يحقق ماله عنده، وإنما يطلب بمقتضى إقراره، فإنه لا يمين على المقر إذا قال: تيقنت ما
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: و[أما]
(٢) في سيرة ابن هشام: "بين التسعمائة والألف،: ٢/ ٢٥٦.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: ما بَيْن عشرة دراهم إلى عشرين درهمًا.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: درهمًا.
[ 3/ 2 / ٩٣ ]
كنت شاكًا فيه، وتحققت سقوط العشرة. فلو تمادى على شكه في العشرة الثانية وتيقن المقر له بكونه يستحقها عليه لأخذها، على اختلاف في يمينه.
ومذهب ابن المواز ألاّ يمين عليه كما قدمناه عنه فيما سلف. فإذا ثبت أن مذهب هذين الرجلين من أصحابنا حمل هذه العبارة على الشك من المقِر فيجري الأمر فيها على ما قدمنا بسطه من كون المقر له إذا كان موقنًا أخذ بيمين أو بغير يمين على الخلاف، هل يسقط الشك ولا يكون له حكم، إذ لا تعمر الذمم بالشك وتُقسَم بأن المقر والمقر له لتساويهما في هذا بين كون هذا ثابتًا أو ساقطًا. وقد ذكر ابن المواز فيمق قال: فلان سلفني ما بين خمسين دينارًا (^١)، أن هذا المقر إن زعم أن شكه ارتفع، وتحقق. أنه ليس له قبله أكثر من خمسين دينار ان ذلك يقبل منه ولا يمين عليه، إلا أن يحقق عليه الدعوى المقر له في هذه الزيادة على الخمسين فيحلف له، وإن تمادى على شكه وأيقن بثبوتها المقر له أخذها من غير يمين. قال: وإن امتنع هذا المقر من الإقرار بهذه العشرة الزائدة والتصريح بالإنكار لها فإني أجبره على الإقرار أو الإنكار، قال: وقال لي عبد الملك: إنه يحبس حتى يقر أو ينكر. قال: وهذا صواب لأن مالكًا قال هذا: فيمن ادُّعِي عليه شيء ولم يقر ولم ينكر.
قال ابن المواز: لكن الاستحسان عندي أن يحلف أنه ما وقف على اليمين عليها إلا لشكه، لم نغرمه العشرة الزائدة على الخمسين.
وعارضه الشيخ أبو إسحاق على هذا الذي ذهب إليه، وقال: إذا كان لا بد له من غرامة هذه العشرة الزائدة على الخمسين فما فائدة تحليفه على أنه إنما وقف عنها لكونه شاكًا؟
وهذا الذي اعترض به اعتراض صحيح إذ اليمين إنما تجب إذا كانت
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل في الكلام نقص بإتمامه: والستين. كما سيظهر فيما بعد.
[ 3/ 2 / ٩٤ ]
طالبها (^١) مفيدة وللمطلوب بها مدافعة عنه حقًا. وهذا إذا كان لا بد ميط الغرامة واليمين لا يفيد في هذه الغرامة فلا معنى لها.
ولكن إن بنَيْنا هذه المسألة على أحد القولين في أن المقر له إذا أيقن بهذه العشرهَ أنه يستحقها، وتمادى المقر على شكه، أن المقر له لا يأخذها إلا بيمينه، أفادت هذه اليمين التي استحبها ابن المواز لكون المقر له يتهم المقر في إظهار الشك نطقًا بلسانه، وكونه في باطنه غير شاك، بل يعرف ثبوت هذه العشرة عليه، فيقول: المقر له فائدة في استحلافه على كونه شاكًا وأنه وقف عن ذلك لأجل شكه لأنه متى صَرّح بالإقرار أخَذْتُ هذه العشرة من غير يمين أَحْلِفُها، وإذا صرح بالإنكار طلبتُه باليمين.
لكن قد يقال في هذا: إذا صرح بالإنكار فلزمته اليمين، فله ردها عليه، فإن لم يحلف لم يستحق شيئًا، فلم يتحقق لك في يمينه على شكه فائدة واضحة، إلا أن يقال: قد لا يختار التصريح فزَدّ اليمين عليه، بخلاف يمين تجب عليه من غير أن يكون له ردها عليه. فهذا مما ينظر فيه. وقد أشار الشيخ أبو إسحاق إلى ظاهر الموازية كون الشك في مثل هذا على قول هل يسقط المشكوك فيه ولا يجب إلا المتيقَن لكون براءة الذمة هي الأصل، أو يُقسَم المشكوك فيه نصفين فتقسم هذه العشرة الزائدة على الخمسين، نصفين إذا شكا جميعًا: المقر والمقر له.
وقد أفادت هذه المسألة أيضًا كون ابن المواز يذهب إلى أن ما بعد حرف الغاية داخل فيها لقوله: نغرمه الستين كلها.
والجواب عن السؤال الخاص عشر أن يقال:
إذا أقر بعدد لم يصرح به ولكنه كنّى حسنه، فلا يخلو من أن يكون قرنه بتفسيره، أو لم يقرنه يتفسيره.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: [في] طلَبِها.
[ 3/ 2 / ٩٥ ]
فإن لم يقرنه بتفسيره رُجع في تفسيره إليه. فإذا قال: له عندي كذا، فهو كقوله: له عندي شيء، أو: له عندي واحد، فيقال له بتن ما الذي له عندك مما ينطلق عليه اسم شيء، أو اسم واحد. فيقبل ذلك منه. فإذا قال: له عندي كذا، فسره بثوب واحد، قبل ذلك منه.
وإن قال: له عندي كذا، ولم يكرر هذا اللفظ، أو كرره مرة، أو مرتين وهو في تكريره مكرر له بحرف عطف أو بغير حرف عطف، فإن ظاهر ما نص عليه محمَّد بن عبد الحكم من أصحابنا، وغيره من البغداديين المالكيهّ، استفادة المراد بهذه الكناية من إعراب ما وقع بعدها من التفسير. فإذا قال: له عندي كذا دراهم، قضي عليه بأقل الجمع وهي ثلاثة دراهم، على ما تقدم بيانه قبل هذا.
وإن كان قال: كذا درهمًا، فظاهر مقتضى الإعراب إلزامه عشرين درهمًا لأن العشرة وما انخفض عنها إلى أقل الجمع لا يقال فيه "درهم" وإنما يقال فيه "دراهم"، وكذلك تسعة دراهم، وثمانية دزاهم، إلى ثلاثة دراهم. وما زاد على العشرة فهو عدد مركّب من قولك: أحد عشر إلى تسعة عشر فينتصب ما بعدها من التفسير كما قاله النحاة، فإذا بلغت إلى عشرين قلت: عشرين درهمًا، وقضيته. فصار مقتضى الإعراب في دوله له عندي كذا درهمًا، إلزامه عشرين درهمأوذلك أقل ما ينتصب عليه قوله: درهمًا، موحد الأعداد الغير مركبة.
وإن قال: له كذا درهمٍ، بالخفض، فقد قال ابن القصار: لا إعراب فيه نصًا، وذكر أنه يحتمل أن يراد بهذا اللفظ "درهمًا" لأنه إذا ذكر الدرهم موحدًا باللفظ فإنما يطلق على: "جزء من درهم" و"ربع درهم"، فإذا كان هذا الجزء أقل ما ينطلق ما فسر بهذا الإعراب لم يجب أن يتحرى فيه أقل ما ينطلق عليه. إلى هذا أشار ابن القصار.
ولما رأى بعضَ أصحاب الشافعي احتجوا على مذهبهم في إلغاء حكم الإعرأب وإلزام الناطق بكذا درهمًا واحدًا، فقال: لا خلاف بيننا وبينهم. يشير إلى من خالف الشافعي، بأنه إذا قال: له كذا درهمٍ، أنه لا يلزمه مائة درهم،
[ 3/ 2 / ٩٦ ]
وكان مقتضى الإعراب إلزامَه مائة درهم؛ لأن النطق بـ"درهمٍ" بالخفض، تفسير لعدد كنّى عنه أقل (^١) مائة درهم، وما قصر عن المائة درهم إنما ينطق به بالنصب، فيقال: تسعون درهمًا وثمانون درهمًا. ولما أشار ابن القصار إلى مافعة (^٢) هذا الحجاج فإنه لا يسلم حمل هذا اللفظ على مائة درهم لاحتمال أن تكون عبارة عن بعض درهم، فقال: إن بعض النحاة قال لي: إن هذا اللفظ يحمل على مائة درهم. هكذا حكى عن بعض النحاة، وأهل اللغة. ولكنه أشار إلى أنه لا يسلم ذلك. وذكر الطحاوي أيضًا عن بعض العلماء أنه يحمل ذلك على مائة درهم.
هكذا مقتضى حكم إعراب الدرهم بالنصب والخفض.
وأمّا لو قاله بالرفع فإني لا أعرف أنا فيه نصًا، ويمكن أن يكون يحمل على درهم واحد، ويكون خبرًا عن مراده بكذا، فكأنه قال: له عندي كذا وهو درهم. فيكون الرفع إخبارًا عن (^٣) المقِر عنْ مراده بقوله "كذا".
وقد ذكر سيبويه في كتابه أصل هذه المسألة فقال: إنها من الألفاظ المبهمة، والكناية عن العدد كقولهم: قال: كيت وكيت (^٤)، كناية عن الحديث، وكذلك ذيت وذيت (١).
وذكر عن الخليل أن "كذا" يحلّ محل القول كالعدد وذكر بعض أئمة النحاة أن الكاف ها هنا للتشبيه واللى إلا فاصلة بينها وبين الجنس المذكور بعدها، فينتصب ذلك على التمييز في قولهم: كذا وكذا درهمًا، كقوله: أحد وعشرين درهمًا. وإن "كذا" لَمَا يدل بمجرده على عدد، وإنما يدل عليه الجنس الذي يبيِّن، واختلاف إعرابه أوجب اختلاف العدد على ما ذكرناه وما سنذكره.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أقلُّه.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: متابعة.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: من.
(٤) راجع تاج العروس: ٤/ ٥٢٢.
[ 3/ 2 / ٩٧ ]
فقال: إذا أعرب بالرفع، فقال: له عندي كذا وكذا درهمٌ، فإن اللازم فيه درهم واحد، لكونه لا يدل على عدد معلوم، فاقتصر على دلالة النطق بدرهم، وهو اسم مفرد فلا يلزم المقِرَّ أكثرُ منه. ولو نصب لزمه أقل عدد يُنصَب بعده الدرهمُ المفردُ، وذلك، على ما قلنا نحن، عشرون درهمًا. هذا إذا أفرد هذا اللفظ فقال: كذا، مرةً واحدة.
وأمّا إن كرره فقال: له عندي كذا وكذا، فهو محمول، عندنا وعند أبي حنيفة، على أحد عشر درهمًا، لأن أوّل عدد منصوب في المركبات من الأعداد هو أحد عشر درهمًا، فلا يقضى إلا بما أفاده الإعراب يقينًا، وما زاد عليه مما يشك فيه، لم يقض به على هذا المقر.
ولم يختلف قول الشافعي في هذا أنه يلزمه درهم واحد.
فأما نحن فبينّا وجه قولنا وقول أبي حنيفة، وصرفنا ما يستفاد من ذلك إلى مقتضى النطق باللسان العربي، قال تعالى: ﴿أنزلناه حكمًا عربيًا﴾ (^١) وأضاث الأحكام إلى لسان العرب.
فأفا الشافعي يعتمد (^٢) على أن مجرد القول: له عندي كذا، لا يفيد جنسًا ولا عددًا معلومًا أكثر من واحد، فعلى المقر بيان جنس هذا الواحد لا أكثر.
فإذا ثبت أن مجرد القول "كذا" إنما يفيد واحدًا، وتفسيره بالدرهم يفيد بيان جنس هذا الواحد لا أكثر من ذلك، ولم يفد زيادة عدد ولا يقضى (^٣) منه، صارت لفظة "كذا" إنما تفيد واحدًا، ولفظة الدرهم إنما تفيد بيان جنس هذا
الواحد. فإذا كرر "كذا" مرتين، وكانت الأولى منهما إنما تفيد واحدًا، فالثانية كذلك، وتكون مؤكدة لها. وإذا صلحت أن تكون مؤكدة للواحدة، لم يقض عليه بزائد على ذلك بالشك والاحتمال، والعرف يُؤكد الشيء بلفظه فتقول:
_________________
(١) الرعد: ٣٧.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فيعتمد.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: نقصا.
[ 3/ 2 / ٩٨ ]
جاء زيد زيد، وتقول: الطريق الطريق، احذرْ احذر، إلى غير ذلك مما اشتهر في لسانهم. فهذا معتمد الشافعية في هذه المسألة. وقد صار بعضهم وهو أبو إسحاق إلى اتباع مذهبهم في هذا، وهو إلزام المقر درهمًا واحدًا إذا كانت المقر عامّيًا لا يعرف مقتضى الإعراب، فإن كان غير عامي عَدَل عن مذهبهم وألزَم المقِرَّ ما قلناه أحد عشر درهمًا. ولم يذهب إلى هذا التفصيل سواه.
وأما إن كرر ذلك بحرف العطف فقال: له عندي كذا وكذا درهم. فإنه حكي عن الشافعي ما ظاهره أنه اختلف قوله، فقال مرة: يلزمه درهمان وقال مرة: يلزمه درهم واحد. فمن أصحابنا من سلم أنه اختلف قوله في ذلك، ومنهم من لم يسلم ذلك، وتأول عليه أنه إنما قال بإلزام درهمين إذا أعرب بالنصب، فقال: كذا وكذا درهمًا؛ لأنه لا يحسن التأكيد مع دخول حرف العطف، وإنما يقع التأكيد مع عدم حرف العطف فإذا قال: كذا كذا، بغير واو، حسن أن تكون "كذا" الثانية مؤكدة لـ"كذا" الأولى كما بيناه. فإذا دخل حرف العطف فقال: كذا وكذا، ارتفع حكم التأكيد، وحمل قوله "كذا" على درهم، وقوله بعد ذلك: وكذا، على درهم آخر. فأما إن رفَع الدرهم، فإنما يلزمه درهم واحد، لأنه كالقائل: له عندي كذا وكذا، وهو درهم، فأخبر عن نفسه أن مراده ب "كذا وكذا" درهمٌ واحد؛ لأنه يجوز أن يكون أراد بقوله أولًا "كذا" نصفَ درهم، وقوله بعد ذلك بـ"كذا" نصف درهم فأخبر عن الجميع فقال: وهو درهم، وإذا احتمل ذلك لم يقض عليه بأكثر منه. ومنهم من صرف اختلاف قول الشافعي إلى اختلاف حالين، لا اختلاف إعرابين، فقال: إذا لم يكن للمقر نية صرف ذلك إلى درهمين لأنه مقتضى ظاهر الإعراب، على حسب ما بيناه، فإن زعم أنه أراد درهمًا واحدًا صدّق في ذلك لأنه لم يخالف نصًا، وإنما خالف ظاهرًا محتملا. ومذهبنا نحن ومذهب أبي حنيفة إلزامه في قوله: كذا وكذا درهمًا، أحد وعشرون (^١) درهمًا، لأن ذلك أول عدد مركب يعطف فيه
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: واحدًا وعشرين.
[ 3/ 2 / ٩٩ ]
الثاني على الأول، فقال: أحد وعشرون (١) دينارًا، وما زاد على ذلك، وإن كان يقال، فإنه مشكوك فلا تعمر الذمم بالشك.
وذكر عن أبي يوسف أنه ألزمه في هذا أحد عشر درهمًا، وعن محمَّد بن الحسن أنه ألزمه، في أحد قوليه في هذا، عشرون درهمًا.
وهذه المذاهب لا تسند إلى أصل، وإنما تسند إلى ما بيّنّا ما حدّه من جهة الآحاد أو من جهة الاعتياد.
والجواب عن السؤال السادس عشر أن يقال:
إذا ذكر عددًا مشتملًا على جنسين ولم ينسب بعضها إلى بعض مثل أن يقول: لزيد عندي مائة دينار ودراهم، أو مائة ذهب وفضة أو مائة قمح وشعير، إلى غير ذلك مما اختلف أجناسه وأنواعه، فإن مذهبنا قبول قول المقِرّ في تقدير كل جنس من هذا العدد، فيصدّق إن قال: الدراهم تسعون والدنانير. عشرة. وكذلك إن قال: القمح عشرة أقفزة والشعير تسعون قفيزًا.
وذهب أهل العراق إلى أنه يقضى عليه بالتَّسوية بين الجنسين، فتكون الدنانير خمسين والدراهم خمسين. وكذلك. يكون القمح خمسين قفيزًا والشعير خمسين قفيزًا. ورأى (^١) أن هذا مقتضى هذه العبارة، وأن عطف أحد الجنسين على الآخر يوجب الشريك (^٢) في المساؤاة في المقدار، وفروا (^٣) على هذا الأصل حتى محوا (^٤) عقود النكاحات والبياعات، وإن أطلق بهذا اللفظ مثل أن يقول: تزوجتك بمائة قفيز قمح أو (٤) شعير أو مائة ذهب أو (٤) فضة، أو يعتك هذا العبد بمائة قفيز قمحًا أوشعيرًا، فإن النكاح والبيع ينعقدان على الصحة، وإن لم يبين حين العقد مقدار كل واحد من الجنسين.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: رَأَوْا.
(٢) هكنا في النسختين، ولعل الصواب: التشْريك.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وَجَرَوْا صَحَّحُوا
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وَ.
[ 3/ 2 / ١٠٠ ]
ومذهبنا نحن أن هذا لا يوجب التشريك في المساواة في المقدار. وإنما يوجحت التشريك في المساواة في الإعراب، فيرجع إلى تفسير المقر ويصدّق في بيان ما أراد. ولو وقع بهذا عقد نكاح أو بيع لكانا فاسدين فسخا لكون مقدار كل جنس لا يعرف من هذه العبارة فصار العقد وقع بثمن مجهول.
لكن ابن المواز أشار إلى سلوك طريقة أهل العراق إذا مات المقِر ولم يبيّن، فقال في مريض أوصى بأن لفلان مائة ذهب وفضة. فإنه يجبر على أن يبين المقادير، فإذا مات قبل أن يبين كان القول قول ورثته، كما كان القول قوله.
وإن لم يعلموا المقدار الذي أراد الموصي، وعلم ذلك المقَرّ له قبلت دعواه من غير يمين عليه، إذ لا أحد يدافع دعواه بيقين. وإن لم يعلم ذلك لا من جهة الورثة ولا من جهة المقر له حُمِل ذلك على التسوية، وقُضي للمقَر له في مال اليتيم (^١) بخمسين ذهبًا وبخمسين فضة.
وهذا الذي أشار إليه ابن المواز بَناهُ على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما أن المشكوك فيه في الإقرارات يقسم نصفين، كمالٍ يدعيه رجلان على القول الآخر، إنما يقضى بما يتيقن من حق له في الإقرار.
وقد ناقض ابن سحنون ومحمد بن عبد الحكم أهل العراق وقالا: هم يسملمون لنا أن من قال: لزيد عندي ثلاثة أثواب، وذكر أن القول قول المقر في مقدار كل واحد من الجنسين فيلزمهم أن يقولوا بما قلنا: إن القول قول المقر في تقدير الأجناس.
وهذا عندي لا يلزمهم؛ لأن هذا العدد إن قضي فيه بالتنصيف قصرت العبارة وخرجت عن مقتضاها، ويكون القضاء بثوب ونصف من كل واحد من
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الميّت.
[ 3/ 2 / ١٠١ ]
الخمسين (^١) وهو قد قال: ثلاثة أثواب، وهذه العبارة تقتضي أن يكون كل ثوب كَاملًا فلا يلزمهم ما ألزمهم أصحابنا في هذا السؤال.
هذا حكم إجمال الأجناس مع تساوي العدد.
وكذلك لو كثرت الأجناس فقال: له عندي مائة قفيز من قمح وشعير وأرُز وسمسم، لقبل منه بيان مقدار كل جنس عندنا، ولم يقبل منه ذلك عند أهل العراق.
ولكن إذا ذكر أربعة أجناس قضي عليه بخمسة وعشرين قفيزًا من كل جنس حتى تكمل المائة. ولو وقع ها هنا استثناء مع ذكره جنسين لكانت المسألة على قولين. مثل أن يقول: له عندي قفيزان قمحًا وشعيرًا إلا ربع قفيز فإنه:
قيل: يحط ربع قفيز بالسوية بين القمح والشعير، فيسقط من المكيلة ثمن قفيز قمح وثمن قفيز شعير، ويوكل إلى أمانته بيان مقدار ما يقدره في باقي الجنسين.
وقيل: بل يوكل إليه التقدير في الاستثناء والمستثنى منه. وهذا يقوى على القول يأنّ الاستثناء إذا تعقب الجمل صلح أن يكون عائدًا لجميعها.
هذا إذا أقر بعدد من جنسين والإقرار لرجل واحد.
وأما إن كان الإقرار بجنس واحد لرجلين، مثل أن يقول: لزيد وعمرو عندي ألف درهم. فإن المذهب أن يكون ذلك بينهما نصفين على المساواة.
ولو عاد بعد ذلك وقال: لزيد من هذه الألف ست مائة درهم ولعمرو أربع مائة درهم، لقبل ذلك منه، وقضي عليه بغرامة المائة الزائدة على النصف لمن أقر له بهالأولم يحطّ للآخر من النصف شيئًا.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الجنسين.
[ 3/ 2 / ١٠٢ ]
وكأن أصحابنا رأوا أن ظاهر هذه العبارة الواقعة يُلازم التمليك، وعطف الثاني على الأول يُوجب التسوية.
وهذا أيضًا قد يناقضنا به أهل العراق ويقولون: هلاّ قلتم: إنه يقبل قول المقر في بيان مالك ل واحد من الرجلين.
والتحقيق في هذا يقتضي المساواة. بين السؤالين إلا أن يكون عرف الاستعمال فرق بينهما فيصار إليه.
وتقدم بيان مذهبنا في مقتضى قول القائل: شريكي في هذه الدار فلان، هل يحمل على المساواة أم لا؟
وهذا كله إذا وقع الإقرار مطلقًا، ثم بعد حين بيّن المقادير.
وأمّا إن كان البيان متصلًا من غير صُمات مثل أن يقول: لزيد عندي مائة ذهب وفضة ثلثاها فضة، فإن ذلك يقبل منه بغير خلاف. وكذلك إذا قال: لزيد وعمرو ألف درهم ثلثاها لزيد، فإن ذلك يقبل منه بغير خلاف.
والجواب عن السؤال السابع عشر أن يقال:
إذا أقر بدنانير أو دراهم وقيد إقراره بوزنها وسكّتها وغير ذلك من صفاتها، فإنه لا يؤخذ بغير ذلك، إلا أن يبهون إقراره قد (^١) فيه كونها في ذمته ثمنًا للبيع فيخالفه المقَر له فيما قتد به من سكة أو وزن فإن ذلك ينتقل حكمه إلى ما قدمناه في كتاب البيوع من اختلاف المتبايعين في الثمن الذي تبايعا به.
وإذا ادعى أحدهما ما لا يشبه كونه ثمنًا للمبيع المذكور فإن ذلك، مع قيام السلعة، جار على القولين المذكورين في كتاب البيوع.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: قيَّدَ.
[ 3/ 2 / ١٠٣ ]
وأما إن قيد ذلك يكون ما أقرّ به في ذمته من مرض (^١) فإن ذلك يقبل منه إذا قيد ذلك بما يقرضه الناس بعضهم لبعض. وأما إن قيد بما الغالب أنه لا يقرضه الناس بعضهم لبعض فقد ذكر ابن سحنون فيمن أقرّ بفلوس وقيدها بأنها الفلوس الكاسدة، وقد ذكر المقر أنجها من قرض فإن أهل العراق وأصحابنا اختلفوا، فقال بعضهم من هؤلاء وهؤلاء: لا يقبل ذلك من المقر، وقال بعضهم: بل يقبل ذلك من المقر. فأطلق هؤلاء قبول الإقرار ولم يشترطوا فيه كون القرض مِمّا يشبه أو لا يشبه. وهذا لأن الأصل براءة الذمة للمقر، والقرض ليس بمعاوضة تجري العوائد بضبطها بأجناس وصفات، ولهذا قبل ذلك منه.
ولو وصل الإقرارَ بقوله: وديعة، ثم ذكر بعد ذلك أنها زيوف وبهارج لقبل ذلك منه، بخلاف لو قيد الإقرار بكونها غصبًا ثم ذكر أنها زيوف أو بهارج فإنه لا يقبلَ ذلك منه. واعتل ابن سحنون بأن المقر بغصب الدنانير ذكر وجهًا يوجبها في ذمته، بخلاف المقر بوديعة لأن الأصل براءة ذمة المودعَ مما أقر به، والأصل في الغصب وغيره من قرض أو بيع كون ما أقر به في الذمة، فلهذا يقبل من المقر بالوديعة ما فسر إقراره به من كون الدنانير المودعة من الدنانير الزائفة أو البهارج، ولا يقبل قوله إن فسرها رُصاصًا أو ستوقة. وحكى عن أبيه أنه لا فرق في هذه الأوصاف من قول المقر: إنها ستوقة أو رصاص أو زيوف أو بهارج، إلا أن يصفها بما لا ينطلق عليه اسم دراهم، مثل أن يقول: إنها رصاص محض غير مخلوط بفضة، فإن ذلك لا يقبل منه لإبطاله حقيقة الاسم الذي أقر به.
ولو كان تقييد المقر بما أقر به غيرَ متصل بإقراره، بل بعد فَتْرة، فزعم أن الدنانير التي أقر بها زيوفًا أو بهارج أو ناقصة عن الوزن المعتاد في البلد الذي أقر به، فإن ذلك لا يقبل منه لكونه عاري الذمة، فيستصحب براءة ذمته وعُرُوّها عن المطالب فلا يثبت عليه إلا بأمر لا إشك الذيه، على حسب ما حكيناه مما
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: قَرْض.
[ 3/ 2 / ١٠٤ ]
ذكره عن أبيه، ما لم يقيده (^١) إقراره بما يبطل الحقيقة التي أقر بها. لكن ذكر محمَّد بن عبد الحكم أنه إذا أقر بدراهم وديعة ثم قال: هي مغشوشة، فإنه اختلف قول ابن القاسم: هل يقبل ذلك منه أم لا؟ ولعله أراد في القول: لم يقبل ذلك منه إن الدراهم المغشوشة لا ينطلق عليها تسمية دراهم، فيكون ذلك موافقا لما ذكرناه عن سحنون.
ولو أقر بدنانير بلد، ثم بعد ذلك نسبها إلى سكة بلد آخر، لم يقبل ذلك منه، بل يحمل إقراره بأن المقَرّ عليه كذا وكذا، على أن المراد به سكة اليلد الذي أقر وهو به ..
ولو قال: لفلان عندي دينار في منزل. ثم مات المقر، لحمل إقراره على دينار جيّد. ولو قال: له دينار في منزل لا أعرف هل هو جيد أم دنيء ولا أعرف وزنه. ثم مات، لم يتضمن إقراره إلا أقل فا ينطلق عليه تسمية دينار.
ومما يلحق بهذا النوع من دعواه تخصيص العام لو كانت للمقر أجناس الديون على رجل فقال: الدين الذي لي على فلان هو لفلان، ثم بعد ذلك إنما أردت أحد الأجناس الذي لي عليه، وله عليه دنانير ودراهم وطعام وعروض، فقال: إنما أردت الدراهم أو الطعام، فإن ذلك لا يقبل منه. وهذا إنما يحسن على قول بعض أهل الأصول:. إن العموم ظاهر قوي في الاستيعاب والشمول، فيكون المقر على هذه الطريقة قد ادعى ما يبطل ما هو الظاهر من كلامه، ومقتضى إقراره. وهذا أيضًا بناء على أن الألف والسلام ها هنا تقتضي الإيعاب على ما ذكرناه فيما أمليناه في كتاب الأصول.
ولو كان من عليه الدين مقرًا لرجل: أن من له الدين أقر له عنده بأن هذا الدين له أو أنه أمره بدفعه إليه، وصاحب الدين غائب، لم يثبت إقراره بما ذكر عنه من عليه الدين، فإن في جبى على دفع ذلك لهذا الذي أقر أنه له قولين:
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعك الصواب: يُقيّد.
[ 3/ 2 / ١٠٥ ]
فذهب ابن المواز وابن عبد الحكم أنه لا يجبر على ذلك، ولا يلزمه الدفع إلى من أقر له بالدين الذي عليه، لأن ذلك لا يبرئه.
وذهب محمَّد بن سحنون إلى أن القاضي يجبر هذا المقر على دفع هذا المال الذي عليه.
وإن كان الغائب الذي نه الدين بوثيقة وإشهاد إذا قدم فأنكر ما حكم عنه من عليه الدين فإنه يصدق ويطالب الغريم بدينه، والقول قوله فيه: إني لم أقر عندك ولم آمرك به، وكأنه رأى من عليه الدين معترفًا أن الذي عليه قد استحق هذا الذي أقر له تملكه، فلا يحل له أن يمنع رجلًا ملكه، لجواز أن يأتي رجل آخر فيظلمه ويغرمه مئل ذلك.
والجواب عن السؤال الثامن عشر أن يقال:
أما المجاوبة بنعم، فهو صريح في الإقرار، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ (^١). وكذلك المجاوبة ببلى، قال الله تعالبى. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (^٣). ولكنها تستعمل في إنكار البقاء (^٤) فيكون إنكار البقاء (٤) إثباتًا، ولهذا قال بعض النحاة: لو كان جوابهم لله سبحانه لما قال لهم: ألست بربكم، فقالوا: نعم، لكان ذلك كفرًا، وكأنهم صدقوا بقولهم "نعم" أنه ليس بربهم.
وكذلك قول "أجل" فإنها بمعنى نعم، فإذا قال إنسان لآخر: لي عندك مائة دينار، فأجابه بأن قال له: أجل، كان ذلك إقرارًا بالمائة دينار. وكذلك قوله:
_________________
(١) الأعراف: ٤٤.
(٢) المُلك: ٩،٨.
(٣) الأعراف: ١٧٢.
(٤) هكذا في النسختين، والصواب: النفي.
[ 3/ 2 / ١٠٦ ]
نعم. وكذلك إن قال له: أليس لي عندك مائة دينار؟ فقال: بلى. فهو إقرار بها.
ولو أجابه على قوله: أعطني مائة دينار التي لي عندك، فقال له مجاوبًا عن هذا: سأعطيكها، سأبعثها إليك، وسأدفعها إليك، وليست عندي مهيأة كلها. فإن هذا إقرار بها.
ولو قال له: اجلس فأزن (^١)، أو فاتزّنها.، أو قال له: فأنقدها أو انتقدْها (^٢)، فإن المذهب على قولين في هذه الألفاظ:
فمذهب سحنون إن هذا إقرار بها.
ومذهب ابن عبد الحكم أن هذا ليس بإقرار بها، واعتلّ بأنه لم يضف ذلك إلى نفسه، وإنما قال: اتزن أو اتزنها، وليس بتصريح بمن يزنها له.
لكن لو قال: اتزنها منِّي، أو اتزن منّي، أو تنقد مني، لكان ذلك اعترافًا لإضافة هذا الفعل إليه.
وذكر عن أصحاب أبي حنيفة أنهم يفرقون بين ذكر ضمير يعود إليها، وبين ألاّ يذكر ضميرًا. فيجعلون ذلك إقرارًا إذا قال: أتزنها. ولم يجعلوه إقرارًا إذا قال: أتزن، أو إذا قال: أنتقد.
وذكر ابن سحنون فيمن قال لآخر؛ غصبتني هذا الغلام، فادفعه إليّ، فقال: غدًا. قال: أقر له به، في إجماعهم. وهذا يرد على أصحاب أبي حنيفة فيما ذكرناه عنهم من أنهم إذا تقاضى غريمه فقال له: اتزن؟ أنه لا يلزمه بهذا القول شيء. قال: فكذا يجب على قوله "غدًا" ألا يكون إقرارًا حتى يقول غدًا أدفعهُ إليك.
ولو قال زيد لعمرو: أخبر بكرا بكذا، أن له على ألف دينار، أو قال (^٣):
_________________
(١) هكذا في النسختين، وكلام ابن عبد الحكم الآتي يقتضي: اتزن.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف لك.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: قل.
[ 3/ 2 / ١٠٧ ]
له ذلك أو أعلمه بذلك. لكان هذا إقرارًا على ما ذكره ابن سحنون في كتابه.
وكذلك لو قال زيد لعمرو: أخبرْ بكرا، أو أعلمْ بكرا، أو قم (^١) لبكر: إن لي عليك ألف دينار، وقال: نعم، فإن هذا إقرار.
وأما إن قال زيد لعمرو: لا تخبر بكرا أن له عليَّ مائة دينار، لكان في هذا قولان:
أحدهما أن هذا (١) لبكر بالمائة دينار وكأنه أقر بها ونهى عمرًا عن إظهار هذا الإقرار وأمره بإخفائه وكتمانه.
والقول الآخر إنه ليس بإقرار.
فكأن من ذهب إلى هذا ورأى أن هذا القول لا يضمن (^٢) أكثر من النهي عن أن يحكي عنه هذا لكونه ليس بصدق، أو نهى عن ذكره لغرض آخر لا لكونه حقًا أمره بكتمانه عنه.
وكذلك لو قال زيد لعمرو: أعطني لجام دابتي أو سرجها، أو اعطني باب داري، أو ثوب غلامي، فقال: نعم. فإن في ذلك على (^٣) قولين: هل يتضمن قوله "نعم" الإقرار بكونه سلمه ملك الدابة، وملك الدار، وملك العبد (^٤) ولم يسلم له ذلك، وإنما سكت عن إنكار إضافة هذا الملك له.
ومما يلحق بهذا الذي ذكرنا الاختلاف فيه السكوتُ عن إنكار الدعوى.
فقد وقع في العتبية عن ابن القاسم فيمن قال لرجل: لِمَ سَكنت فلانًا في دارك، هل بإجارة أو باطلًا؟ فقال: باطلا. والساكن يسمع ذلك فلا ينكره، فإنه لا يكون ذلك منه تسليمًا لكون الدار ملكًا للقائل: أسكنتُه باطلا، لأنه قد يعتذر بأن
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: أن [إقرار] لبكر
(٢) هكذا في النسختين، والصواب: يتضمن.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف على.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أو.
[ 3/ 2 / ١٠٨ ]
يقال: ظننت أنه يداعبه، ويحلف.
وقال أيضًا فيمن سئل عند موته: هل لأحد عندك شيء؟ قال: لي (^١)، قيل له: ولامرأتك؟ قال: لا. والمرأة تسمع لا تذكر حقها. فإنها تحلف أن حقها عليه ولا يضرها سكوتها.
وذكر فيمن أتى إلى رجل جالس في جماعة فقال: اشهدوا أن لي على هذا الجالس مع هؤلاء مائة دينار، وانصرف، إن سكوت المدعى عليه بهذا يكون كالإقرار بها. وقد ذكرنا في كتاب التفليس إذا شاهد رجل تركة رجل تقسم بين ورثته، وتقضى منها الديون التي عليه، ولم يطلب دينًا فإن سكوته عن ذلك كالإقرار بسقوط دعواه عن الميت وسقوط حقه.
وكذلك الحكم في ميت ترك ولدين: أحدهما مسلم والآخر نصراني، فزعم كل واحد منهما أن أباه مات على دينه، وجُهِل حال الأب، لكنه صُلّي عليه ودفن في مقابر المسلمين، والولد النصراني لا ينكر ذلك فإن هذا تسليم في كون أبيه مات مسلمًا.
وكذلك إذا قال الزوج لزوجته المطلقة: راجعتك، فسكتت عن إنكار ذلك، ثم بعد ذلك زعمت أن عدّتها انقضت قبل قول الزوج: راجعتك، فإن ذلك لا يقبل منها، وسكوتها عن إنكار قوله كالتصديق له أن عدتها لم تنقض.
وكذلك قال سحنون في موص قال، عند موته، بأن جاريتي هذه تعتق بعد موته، والجارية تسمع ذلك ولا تنكره، فلما أن مات زعمت أنها حرة في الأصل، فإن ذلك لا يقبل منها.
فهذه مسائل جعل السكوت فيها عن الإنكار كالنطق بالتصديق.
وما ذكرناه من ترك إنكار المدعى عليه بمائة دينار قولَ المدعي: اشهدوا عليه بها، أن ذلك كالتصديق للدعوى، ممكن أن يقدر هذا أن العادة في مثل
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لا.
[ 3/ 2 / ١٠٩ ]
هذا مع ذكر الإشهاد أنه لا يشبه السكوت عن إنكار هذا.
وبالجملة فقد ذكرنا ما وقع في هذا وأضربنا عن ذكر ما سواه من أمثاله.
والتحقيق فيه الالتفات إلى قرائن الأحوال، فمتى دلت على كون السكوت مصدقاَّ قَضي بذلك عليه، وإن دلت على كونه منكرًا لم يقض عليه بالتصديق، وإن أشكل الأمر لم يقض عليه بالتصديق مع الاشكال والاحتمال، وقد يستظهر عليه باليمين على صدقه فيما لا يعتذر به من سكوته إذا أدى الاجتهاد لتحليفه.
وهذا هو المعتمد في الفتوى في هذا الأصل وفي غيره عندي، وعند بعض أشياخي المحققين.
وأما الإقرار على جهة الاستفهام ففيه قولان: مثل أن يقول زيد لعمرو: أَلَكَ عندي مائة دينار؟، فيقول المسؤول: نعم، فيرجع المستفهم عن استفهامه وينكر كونها عليه، فمذهب محمَّد بن المواز ومحمد بن عبد الحكم أن ذلك لا يكون كالتصريح بالإقرار بالمائة دينار. وذهب ابن سحنون أن ذلك إقرار بها.
وكأن ابن سحنون قدّر أن استفهامه كالشك في كونها في ذمته، لمن استفهمه عنها، والمسؤول عن ذلك يحقق أنها له قِبَل المستفِهم، فكان من حقه طلبه بها.
وكأن من لم يجعل ذلك إقرارأ قدر أن الشاك قد يرتفع شكه ويعود إلى اليقين، فيصدق في ارتفاع شكه، ويحلف على ذلك.
ولو قال: لك عندي مائة دينار ولم أقضك إياها؟ على جهة الاستفهام له، فإنه يطالَب بالمائة دينار من غير اختلاف، لأنه إذا أقر بها ثم ادعى قضاءها لم يصدق، فأحرى إذا لم يدع القضاء بل شك فيه ألَايبرَأ مما أقر به.
قال ابن المواز: ويقضى بها للمقر من غير يمين لأن المستفهِم لمْ يدّع القضاء وإنما شك فيه، والمقَر له موقن بأنه لم يأخذ من المقِر شيئًا.
وذكر ابن سحنون أن رجلًا قال لآخر: أليس قد أقضيتني أمس ألف
[ 3/ 2 / ١١٠ ]
درهم فقال الطالب: بلى أو نعم، ثم جحد المقِر، فالمال يلزمه. وسوَّى ها هنا بين الجواب بنعم وببلى، وقد ذكر بعض أئمة النحاة أن الجواب بنعم في حرف النفي بخلاف الجواب ببلى، فقال في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾: لو قالوا "نعم" بدل قولهم "بلى" لكفروا.
وقد قدمنا هذا. وساوى ابن سحنون ها هنا في الجواب في قوله: أليس لي عليك ألف درهم، بين أن يقول السؤول "بلى" أو "نعم". وهذا. خلاف ما ذكرناه عن بعض النحاة، وكان بعض النحاة أجراها مجرى الإنكار للقول، فإذا قال:
"ألست بربكم" فوقع الاستفهام على حرفٍ نَفَى به أن يكون ربهم؛ فإذا قالوا "نعم" فقد صدّقوا النفي وكفروا. وإذا قالوا "بلى" فقد أنكروا النفي، وإكذاب النفي إثبات. فعلى مقتضى هذا يكون الجواب في مسألة ابن سحنون إذا قال الطالب "نعم" فقد أقر بأنه لا يستحق قِبَل المستفهم، وإذا قال "بلى" فقد أثبت بأنه يستحق قبله ألف درهم لأنه نفى ما نفاه المقر وإذا نفى النفي كان مثبتًا كما بينّا.
وقد ذكر محمَّد بن عبد الحكم في هذه المسألة: أن المستفهم لا يلزمه شيء. قال ابن عبد الحكم: ويحلف المقر.
وقد يقع المجاوبة عن القول ما (^١) يشكل أيضًا مثل لو قال رجل لآخر: أقرضتك ألف درهم، فقال: لا أعود لها، فهو إقرار فيما ذكر ابن سحنون. ولو قال: غصبتني مائة، فأجابه: ما غصبت قبلها، فقال سحنون (^٢): هو إقرار بها.
ولو قال: أقرضتك مائة، فقال: ما استقرضت من أحد بعدك أو غيرك أو قبلك.
فذكر ابن سحنون أنه إقرار، وذكر عن أبيه سحنون، وعن أهل العراق أنه ليس بإقرار. وكذلك لو أجابه: لا أعود لها، فإنه إقرار عند ابن سحنون وليس بإقرار عند أبيه سحنون. وقال ابن عبد الحكم: لو قال اقضني المائة التي لي عليك،
فقال: إن أخرتني بها سنة أقررت لك بها. فليس بإقرار، ويحلف. وكذلك لو
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بِما.
(٢) هكذا في النسختين.
[ 3/ 2 / ١١١ ]
قال: إن صالحتني عنها أقررت لك، فليسر هذا أيضًا بإقرار.
وقد قدمنا ما تضبط به هذه الأجوبة وما يستدل على المراد به من قرائن الأحوال ومن سياق الخطاب.
والجواب عن السؤال التاسع عشر أن يقال:
قد تقرر أحكام سقوط الخيار في عقود البياعات. وأمّا اشتراطه في الإقرار مثل أن يقول: لزيد عندي ألف درهم على أني بالخيار. فإن ابن سحنون ذكر أن في هذا قولين:
أحدهما: أن هذا الاشتراط يقع وهو ثابت.
والآخر: أنه ساقط لا تأثير له.
ولكنه نقل الأول نقلًا يدل على الاتفاق في ثبوت الدين الذي أقر به، وإنما صرف الخلاف هل يؤخذ المقِر بالدين الذي أقر به حالاّ ولا ينفعه قوله: على أني بالخيار ثلاثة أيام، أو تكون الثلاثة الأيام كالأجل المضروب لقضاء الدين، فلا يؤخذ به إلا بعد انقضاء الثلاثة أيام، كما لو قال: له عندي ألف درهم، إلى أجل سماه، فإنه لا يؤخذ به إلا بعد انقضاء الأجل باتفاق، وإن كان بعض من شذّ من أصحاب الشافعي خرج فيه قولين عندهم في أن المقر بأن لزيد عليه مائة درهم إلى سنة، فإنه لا يقبل في دعوى التأجيل.
وأنكر هذا التخريج بعض حذاق أصحاب الشافعي.
وإنما دعانا إلى صرف ما حكاه ابن سحنون من الاختلاف إلى كونه اختلافًا: هل يؤخذ بما أقر به حالّا أو يكون شرط الخيار ينفعه في تأجيله مقدارَ الأيام التي ذكر أن له الخيار فيها. وذلك أنه قال في المسألة قولان:
أحدهما: أن ذلك يكون كالأجل المضروب فإن بانقضاء الأجل يلزمه ما
[ 3/ 2 / ١١٢ ]
أقر به. ولم يقل: إن لم يرجع عن إقراره، ولا قال أيضًا: إن لم يختر سقوط هذا الدين عنه.
واتبع ابن سحنون الخلاف الذي ذكرناه بمُثُل لا يحسن الخلاف فيها، مثل أن يقول: له عليّ ألف درهم غصبتها، أو كانت وديعة استهلكتها. فإنّ شرط الخيار في هذا غير لازم ولا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه أسند الجواب إلى سبب يلزمه به الإقرار من غير خيار له في ذلك بإجماع. ولم. يصرح ابن سحنون بذكر الخلاف في هذا المثال، وإنما أبرزه عقيب المسألة الأولي التي ذكرناها عنه إيرادًا قد يسبق إلى قارئ كلامه تصور الخلاف في هذه المسألة أيضًا. وكذلك أيضًا عطف على هذا الإقرار بالكفالة بشرط الخيار مثل أن يقول: تكفلت لزيد بمائة دينار على أني بالخيار. فذكر أن المكفول له إن صدقه في اشتراط الخيار كان له الخيار فيما أقر به بين أن يتمادى على التزام الكفالة أو يرجع عنها. فإن أنكر المكفول له شرط الخيار وادّعى أنه تكفل من غير شرط، فإن من شرط دعوى الخيار ها هنا لا تقبل.
وهذا الذي ذكره ابن سحنون في هذه المسألة لا وجه له عندي، إلا أن يجريه على أصل ابن القاسم فيمن أقر ببيع وزعم أنه اشترط الخيار فيه، فإن ابن القاسم يرى أن القول قول من ادعى رفع الخيار، وأنه يشترط بين المتبايعين. فإن كان أراد هذه الطريقة (فلها ذكر وجه وإن لم يرده فيما أعلم له وجهًا على أصل هذا المذهب) (^١).
وقد أَتْبع كلامه على هذه المسألة بما يدفعنا بما ظننا به. وذلك أنه قال: ولو ادعى البائع أنه باع على الخيار لم يصدق. وهذا الذي ذكر في البيع هو مذهب ابن سحنون كما حكيناه، فكأنه بهذا يشير إلى التفرقة بين دعوى الخيار في الكفالله ودعوى الخيار في البيع. وهذا لا يظهر عندي للتفرقة فيه وجه واضح، ولو صرف بصرف الخيار إلى الرجوع عما أقر به فلا يختلف أن ذلك اشتراط ساقط، مثل أن يقول لرجل: قتلت ابنك، أو استهلكت مالك، وأنا
_________________
(١) هكذا في النسختين. ولعل الصواب وان لم يردها فما أعلم
[ 3/ 2 / ١١٣ ]
بالخيار في رجوعي عن إقراري. فإن هذا الاشتراط ساقط، لأن الإقرار إخبار عن أمر لازم سبق وجوبَه التصريحُ بالإقرار له، وما تقضّى لا يُقدّر الآن موجودًا حتى يُخيَّر الإنسان فيه.
فهذه النكتة توضح طريق الصواب في هذه المسائل، فإن صرف الخيار إلى الرجوع عن الإقرار (في حقوق إلى الخلق لا ينفع إلى حقوق الخالق ينفع اشتراطه) (^١) إذا كان ذلك مما يجوز فيه الخيار.
وعندنا أن اشتراط الخيار في الكفالة يجوز.
ومنعه أصحاب الشافعي ورأوا اشتراط الخيار في الكفالة باطلًا. فلو قال: أتكفل بما لزيد على عمرو على أني بالخيار. لكانت هذه الكفالة ساقطة ذهابًا منهم إلى أن الخيار عذر وإنما رخص في اشتراطه في البياعات لمسيس الحاجة إليه لكون المشتري يفتقر إلى اختيار ما اشتراه والمشورة في بيعه، وكذلك البائع قد يفتقر إلى المشورة في ثمنه، فرُخّص لكل واحد منهما اشتراط الخيار لأجل هذه الضرورة، ولا ضرورة في اشتراط الخيار في الكفالة إذا كانت لا يرجع بها على المكفول لكون ذلك كالهبة منه والواهب لا ضرورة به إلى اشتراط الخيار.
وقد قدمنا أن مذهبنا جواز اشتراط الخيار في الكفالة. وإليه ذهب أبو حنيفة، ورأى أن البياعات إذا جاز اشتراط الخيار فيها عن كونها عقود معاوضة والغرر يجب أن ينفى عن عقود المعاوضة، فأحرى أن يجوز اشتراط الخيار فيما لا معاوضة فيه.
وإن وقع الاختلاف بين الكفيل والمكفول له هل وقعت الكفالة بشرط الخيار أم لا؟ فإن لأصحاب الشافعي في هذا قولين:
أحدهما: تصديق من ادعى وقوعها بغير شرط.
والثاني: تصديق المُكفِّل في أنه اشترط الخيار.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: في حقوق الخلق لا ينفع، وفي حقوق الخالق
[ 3/ 2 / ١١٤ ]
وقد قدمنا نحن في كتاب البيوع الكلام على اختلاف المتبايعين في مثل هذا المعنى، وعلى اختلافهما في دعوى الخيار في عقود البيع.
وبالحملة فإن المقر بشيء إذا وصل قولَه بصفة لا تحل (^١) الصفة إمّا أن تكون تقييدًا ببعض أوصافه، أو رفعًا لبعض عدد جملته، أو رفعًا للكلية من الجهة التي منها ثبت أو دفعا له بالكلية من غير الجهة التي منها ثبت. فمثال الصانة في الإقرار بتقييد بعض أوصافه قول الإنسان: لزيد عندي مائة دينار من سكة كذا. فإن هذا لا يختلف في قبول هذا التقييد منه.
ومثل رفع بعض عدد الجملة كقوله: له عندي مائة دينار إلا عشرة، أو استثنى أكثر العدد كقوله: له عندي مائة إلا تسع وتسعون.
ومثال رفع الجملة من الجهة التي فنها ثبت الإقرار كقوله: عندي ألف درهم إلا ألف درهم، وأنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا. فإن الاتفاق على أن الاستثناء في الطلاق لا ينفع لكونه رفع جملة ما أثبت، فيصير الكلام متناقضًا غير مقيد.
وكذلك في استثناء جملة المال.
وإن كان الإقرار يرفع الكل من غير جهة ثبوته مثل قوله: له عندي مائة دينار قبضتها (^٢) له. فإن أصحاب الشافعي صرحوا بأن مذهبهم على قولين في هذا.
وعندنا أنه لا يقبل دعواه القضاء من غير خلاف منصوص. وإن كان بعض الأشياخ حاول تخريج خلاف فيه على أصل أشهب، وتردد في ذلك. وقد تقدم كلامنا عليه.
وكذلك عند أصحاب الشافعي قولان منصوصان أيضًا فيمن قال: له عندي مائة درهم من ثمن خمر أو خنزير. فإن هذا كله باب واحد عندهم، وهو يرفع جملة ما أقر به من غير جهة ثبوته. وهذه المسائل قد تكلمنا نحن عليها وعلى أصولها في كتاب البيوع.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: تخلُو.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أقبضها.
[ 3/ 2 / ١١٥ ]
والجواب عن السؤال العشرون أن يقال:
لا يخلو المقر بعدد إذا كرر الإقرار: إما أن يكرره بمثل العدد الأول، أو بخلافه. فإن كرره بمثل العدد الأول، مثل أن يقول: لزيد عندي مائة دينار، يقول هذا يوم السبت، ثم يصبح فيقول: لزيد عندي مائة درهم (^١) فهل يحمل هذا على تكرير العدد فيلزم بمائتي دينار: المائة الأولى التي أقر بها يوم السبت والثانية التي أقر بها يوم الأحد، أو يلزمه مائة واحدة، ويلزم (^٢) التكرير على التأكيد؟
عندنا أنه يحمل على التأكيد دون التعديد إذا زعم المقر أن ذلك مراده.
ولم يقع في المذهب عندنا تصريح بخلاف هذا القول. وقد أشار ابن سحنون إلى ما ذكرناه من اتفاق أهل مذهبنا على هذا، وهو الذي ينصره البغداديون من أصحابنا ويضيفونه إلى مالك رحمه الله تعالى. وإن كان قد ذكر ابن سحنون ما رمز به إلى أن هذا مختلف فيه عندنا فقال، في غير كتاب الإقرار من كتابه،:
اضطرب قول مالك في هذا وآخر قوله: إنه إنما تلزمه مائة دينار واحدة، وحمل (^٣) على التكرير على قصد التأكيد لا على قصد التجديد.
وهذا الذي أشار إليه ابن سحنون من اضطراب قول مالك يقتضي أنه أشار مرة إلى حمل ذلك على التعديد وإن المقر تلزمه مائتان، وهو مذهب أبي حنيفة. لكن أبا حنيفة استثنى في مذهبه نوعأواحدًا من الإقرار وهو أن يقع التكرير في مجلس الحكم، مثل رجل أشهد على نفسه يوم السبت بأن لزيد قِبَله مائة دينار، ثم رفعه زيد إلى القاضي فأقر عند القاضي بمائة دينار، ثم زعم أنه إنما أراد بما أقر به المائة التي كان أشهد بها. فإن أبا حنيفة صدق المقِر في هذا
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: دينار.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يحمل.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذف على.
[ 3/ 2 / ١١٦ ]
النوع من الإقرار خاصة، وحمل ما سواه من تكرار الإقرار على أن المراد به عددان اثنان، ولم يصدقه في قصد التكرير إلى التأكيد. وصاحباه محمَّد وأبو يوسف صارا إلى ما صرنا إليه، وخالفاه في مذهبه هذا. وهو إنما استثنى هذه المسألة من الإقرارات استحسانًا، وإلا فهو يسلم أن القياس أن تجري مجرى أخواتها. وكأنه رأى أنه مضطر إلى الاعتراف بين يدي القاضي لما سأله المَاضي، فصارت ضرورة إلى ذلك، وإكرامه (^١) على أن يجيب عن السؤال كقرينة حال تصدقه في أنه إنما أقر بما تقدم إشهاده به. ونحن لا نفرق بين سائر المجالس في هذا سواء كانت عند الحاكم أو عند غيره، بناءً على أن الأصول تقتضي حمل كل لفظة على فائدة مجدَّدة، وعلى هذا أتى لسان العرب أنها إنما تتكلم بالكلام المفيد ولا تجدد كلمة واحدة إلا لفائدة مجَدّدة. وهذا يقتضي أن قوله: يوم السبت مائة دينار، يفيد عمارة ذمته بمائة دينار، ثم قوله بعد ذلك:
لزيد عندي مائة دينار تفيد مائة أخرى، وإلا لو أفادت الأولى بعينها لم تكن لهذه اللفظة فائدة.
وهذه المسألة تنظر إلى اختلاف أهل الأصول في تكرير الأمر بالفعل الواحد، مثل أن يقول الباري سبحانه لرجل "صلّ صلّ" فإن الأصوليين مختلفون هل يحمل ذلك على صلاتين، أو صلاة واحدة ويكون التكرير للتأكيد. ومنهم من وقف بين هذين. المذهبين ورأى أن هذا اللفظ محتمل لهما. وكذلك إذا قال لزوجته: أنت طالق طالق، وأشهد رجلين على قوله لها: إنها طالق. ثم أشهد آخر بمثل هذا اللفظ، ثم أشهد آخر بمثل هذا اللفظ، فإن ذلك يحمل على ثلاثة تطليقات.
وقد اختلف إشارات أهل المذهب إلى هذا الذي ذكرناه في مسألة الطلاق: هل يجري تكرير الإقرار بالمال مجرى التكرير بالطلاق أم لا؟ فظاهر ما أشار إليه ابن القاسم أنهما شيئان وحكمهما واحد. وأشار ابن القصار إلى خلاف
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: وإكراهه
[ 3/ 2 / ١١٧ ]
هذا الرأي، ورأى أن الطلاق، وإن حمل. على التعديد، فإن الإقرار بالمال لا يجب حمله على التعديد. واعتل بأن الطلاق إيقاع لا إخبار، والإقرار بالمال إخبار، والإخبار يصلح فيه التعديد والتأكيد. وإذا احتمل ذلك لم يلزم التعديد بأمر محتمل. والطلاق إيقاع، وحكم الإيقاع يقتضي التعديد. وقد ذكر ابن شعبان في مختصره عن مالك فيمن أشهد رجلًا بأن قال: امرأتي طالق، ثم آخر، ثم آخر، فإنه يصدق في دعواه إرادة التأكيد. وبعض أشياخي يميل إلى ما ذكره ابن القاسم، ويرى أن قوله: أنت طالق ليس بإيقاع بل هو كالإخبار، والمراد بقوله: أنت طالق أي أنت ذات طلاق. هكذا يقول أهل اللغة إن قول الرجل: امرأتي طالق، المراد به أنها ذات طلاق كما قالوا: رجل لابن، أي ذو لبن، رجل تأمر، أي ذو تمر. وهذا، إذا ثبت عن اللغة صار الطلاق معنى الإخبار، فلم يفترق الحكم كما أشار إليه ابن القاسم. وهكذا على ما ذكرناه عن ابن القصار يجري القول في تكرير الأمر بفعل واحد، فإن قوله "صلّ" يقتضي إيقاع الفعل، وكذلك قوله الثاني، فلا بد من إيقاعين بخلاف قوله: له عندي مائة دينار، ثم بعد ذلك قال: له عندي مائه دينار.
والجواب عن السؤال الحادي والعشرين أن يقال:
قد قدمنا في صدر كتاب الإقرار جملة، منها يؤخذ حكم هذه المسألة وأخواتها. وذكرنا أن الألفاظ الواقعة من المقر تؤخذ معرفة معناها من اللغة أو عرف الاستعمال.
وهكذا الأمر ها هنا في البراءة، إذا وقعت، فإنه يعتبر لفظ الذي أبرأ هل هو تصريح في سائر المطالب أو محتمل؟
فما كان تصريحًا لم يصدق في دعواه خلافَ ما اقتضاه النصر والتصريح.
وما كان محتملًا فالقول قوله فيه وفيما أراد بما قال.
فإذا قال رجل: مالي قِبَل زيد حق. فإن ذلك يحمل على أنه أبرأه من سائر
[ 3/ 2 / ١١٨ ]
الحقوق، وكانت الديون في ذمته أو أمانة عنده.
وإذا قال: مالي عنده حق، فالأمر عندنا كذلك يحمل على (^١) هذا القول على الإبراء من الديون والأمانات كقوله: مالي قبله حق.
وإن قال: مالي عليه حق. فاختلف سحنون واينه في هذه المسألة.
فرأى سحنون أن هذا الإبراء يعمّ سائر المطالب، ديونًا كانت أو أمانات، وحكمها حكم اللفظين المتقدمين، وهي قوله "قِبَله" أو "عنده".
ورأى محمَّد ابنه أن ذلك إنما يحمل على ما كان مضمونًا كالديون والعواري المضمونة.
وعندي أن سحنونًا إنما عول على أن لفظة "على" تقتضي ما وجب؛ والذي يجب هو المضمونات والوديعة والقراض، يلزم (^٢) ردها. فصار ردها لما أن كان واجبًا على الإنسان دخل ذلك في قوله: "لي عليه".
ورأى ابن سحنون أن هذا اللفظ إنما ينصرف إلى نفس المال لا إلى رده، فقيس (^٣) الوديعة ليست على المودَع، وإن كأنه عليه أن يردّها. فوجب عنده حمل هذا القول على الديون والمضمونات، دون ما سوى ذلك من الأمانات كالوديعة والقراض.
ومذهب أبي حنيفة كمذهب ابن سحنون في أن قوله: "لي عليه" إنما يحمل على الديون دون الأمانات. وخالفَنا في قوله: "لي عنده"، فحمَله على الأمانات خاصة، وهذا الذي دعاه إلى التفرقة بين قوله "لي عنده" و"لي عليه" فحمل قوله: لي عنده، على الأمانات، وحمله قولَه: لي عليه، على
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف على.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب إضافة: [فـ]ـيلزم.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فنفْس.
[ 3/ 2 / ١١٩ ]
المضمونات، إنما رأى لفظة "عندي" لا يشار بها إلا إلى معتن، والديون غير وعندنا أنه يشار بها إلى ما كان حاضرًا عند المطلوب، وإلى ما كان في ذمته.
والحق في هذا اتباع ما قدمناه من الالتفات من المراد بهذه الألفاظ في حكم اللغة أو في حكم الاستعمال أو عرف التخاطب.
والجواب عن السؤال الثاني والعشرين أن يقال:
كان مقتضى الترتيب عندنا أن يجمع إقرار المريض بحق لأحد ورثته، وإقرار المفلس لغريم، مع هذه المسألة وهي إقرار أحد الورثة بوارث، لأنها إقرارات تتضمن سقوط من ثبت له حق. ولكنا لما كنا توخينا ترتيب المدونة تكلمنا على إقرار المريض لأحد ورثته، وإقرار المفلس لغريم، فمِما أمليناه من كتاب التفليس والمديان. وكذلك ما تقدم كلامنا على إقرار أحد الورثة بدين على الميت الموروث.
فاعلم أن إقرار الوارث بوارث آخر، لا يخلو هذا الإقرار من أن يكون يمَطابق عليه جميع الورثة، وهم واحد أو جماعة، أو مختلفون فيه: فمنهم المصدق للمقر بزيادة وارث يدخل معهم، ومنهم المكذب.
وإحدى الصُّوَر في ذلك أن يموت رجل ويخلف ابنين، فيقول أحد الابنين لرجل آخر إنه ابن لأبيهما وإنه أخوهما، ويخالفه في ذلك الابن الآخر.
فهذا يتعلق به حكمان:
أحدهما: ثبوت نسب هذا الطارئ الذي أقرّ له أحد الولدين بحكم (^١)
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: حذفها.
[ 3/ 2 / ١٢٠ ]
بكونه ابنا للميت، كما أن الولدين الثابتي النسب أباه (^١) جميعًا.
والحكم الثاني: مشاركة المقَرّ له لهذا المقِر ما في يده من المال الذي أخذه بالميراث.
فأفا إثبات النسب حتى يُقضى بكونه ابنًا للميت فلا سبيل إليه، ولا خلاف وأمّا المشاركة في المال للمقر فذلك مما اختلف الناس فيه.
فمنع ذلك الشافعي وأصحابه وبه قال ابن سيرين. ولم يختلفوا في هذا.
وأثبت المشاركة مالك وأبو حنيفة. وبذلك قال عثمان البتي وابن أبي ليلى.
وينبغي أن نستفتح النظر في هذه المسألة، بأن نلحظها بكونها من المعاوضات المشكلات عند بعض الحذاق من أئمة أهل النظر.
والنكتة التي وقع الإشكال بسببها أن إقرار أحد الولدين يكون هذا الرجل الثالث ابن أبيهما إقرار بلفظ وبمعنى واحد وهو ثبوت النسب.
وأمّا الحكم الآخر، وهو المشاركة في الميراث للمقر، فهو فرع عن ثبوت النسب، وكأنّ النسب مقدمة ونتيجتها الميراث. فإذا كان النسب مما لا يجري أو (^٢) لا يقبل التبعيض حتى يكون نسبا من جهة وليس بنسب من جهة أخرى، ويبطل ثبوت النسب بهذا الإقرار باتفاق، وجب أن يبطل ما تفرع عنه وكان نتيجة له. ولا شك في أن بطلان الأصل يبطل به الفرع. وكذلك بطلان المقدمة ييطل النتيجة. وهذا أصل مقرر معقول. ومقتضاه صحة ما قال الشافعي من أن هذا المقر لا يُنزع من يده شيء مما ورث للمقَر له، لبطلان ثبوت نسب هذا المقر
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أبُوهم.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لا يُجزّأ وَ
[ 3/ 2 / ١٢١ ]
له، وهذا يقتضي بطلان ما تفرع عنه وهو الميراث. فهذا المعنى هو الذي يلحظه من صَار إلى مذهب الشافعي.
فأمّا من صار إلى مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة فإنهم يلحظون المسألة من جهة أخرى. وذلك أنه قد تقرر أيضًا في أصول الشرع أن من أقر على نفسه أُخِذ بما أقر به بغير خلاف، ومن أقر على غيره لبم يؤخذ الغير بإقرار هذا عنه.
فإذن حكم كل واحد من هذين الإقرارين متفق عليه، فيجب أن يجري الإقرار الواحد الذي يتعلق به حكمان مجراهما لو انفرد كل واحد منهما وتجرد عن صاحبه، فلا يقتضي ثبوتَ النسب لأنه إقرار على الغير. وهذا المقر إنما قال: إن أبي وَلَدَ هذا، فذلك إقرار على أبيه فلا ينفذ إقراره على غيره. وقد تضمن هذا الإقرار أنه معترف بأن هذا المقَر له يستحق مشاركته في ما في يده، وذلك إقرار منه على نفسه، فوجب أن يقضى عليه به، كما لو انفرد هذا الإقرار. فكأن المذهب أعطى كل واحد من الإقرارين المرتبطين حكمَه لو انفرد دون ما قُرِن به.
والمذهب الأول بناه على أن الإقرارين المرتبطين إذا بطل أحدهما بطل ما اقترن به مما لا يصح إلا بصحته. فهذا سيب الإشكال لما أريناك ..
وصور الشافعي هذه النكتة بصورة أخرى فقال: إذا قُضي على المقر بحق عليه، لأجل هذا الإقرار، وجب أيضًا أن يقضى بمالَه من حق تضمنه هذا الإقرار.
والمراد بهذه الإشارة أن إقراره هذا إذا ألزمه ذلك أن يسلم يعض ما في يده فيجب أيضًا أن يقضى له بأخذ ما في يد غيره بمقتضى هذا الإقرار، حتى إذا مات المقَر له وله أخوة ثابِتُو النسب فيجب أن يشاركهم هذا المقر فيما في أيديهم من المال الذي ورثوه عن هذا المقر له. وليس لأحد أن يورّث رجلًا بالنسب وله نسب ثابت يقتضي رفع حكم هذا الإقرار.
ويرجح مذهبه من صار إليه (^١) تبعيض هذا الإقرار، وأعطى كل واحد من
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: إلى.
[ 3/ 2 / ١٢٢ ]
الإقرارين حكم نفسه، لو انفرد، بمُثلُ يقر بها فيقول: لو قال رجل لزوجته: طلقتك على مائة دينار التزمتِها. فأنكرتْ المرأة ذلك، فإن الطلاق واقع، والمال ساقط. فقد تبعّض هذا الإقرار، وهو شيء واحد، فسقط منه دعواه على غيره.
بالمائة دينار، وثبت منه إقراره على نفسه بالطلاق.
وكذلك يجب ثبوت المشاركة في الميراث للمقر وإن سقط النسب.
وكذلك في العتق لو أقر بالعتق وادعى على العبد بأنه أعتقه على مال.
وكذلك لو أقر بأنه باع عبدًا من رجل سلمه إليه فأعتقه مشتريه وأنكر المدعى عليه الشراء والعتق، فإن العتق لا يرد (للاعتراف ومالك) (^١) العبد بأنه صار حرًا وذلك إقرار على نفسه، ولا يقبل قوله في دعواه البيع لأنه إقرار على غيره ودعوى عليه.
وكذلك لو أقر بأنه ضمن لرجل دينًا له على رجل فأنكر المدعى عليه بالدين أن يكون عليه دين، فإنّ الضمان لا يِسقط، عن (^٢) بعض من صار إلى هذه الطريقة.
وكذلك لو أقر لامرأة بأنها أخت له فإن نسبها لا يثبت من أبيه لكونه إقرارًا على غيره، ولكن هذا النسب وإن سقط فإن التحريم ثابت عليه، ولا يحل له أن يتزوجها طردًا للأصل فإنه يؤخذ بإقراره على نفسه ولا يؤخذ غيره بإقراره عليه. فقد علم: التحريم إنما يثبت في هذه المرأة فرعًا عن ثبوت النسب، والنسب لم يثبت وهو أصل التحريم، والفرع عنه وهو التحريم ثابت، فكذلك يجب أن يكون الحكم في إقرار أحد الولدين بولد ثالث.
وكذلك لو ادعى رجل على رجل أنه اشترى منه شِقصًا في دار فأنكر المدعى عليه الشراء، فطلب الشفيع الشفعة بمقتضى إقرار المدعي أن ملكه انتقل
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لاعتراف مالك
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: عند.
[ 3/ 2 / ١٢٣ ]
انتقالًا يوجب الشفعة، (فيطلب دعواه على المشتري وثبت عليه الشفعة) (^١) لكون ذلك إقرارًا على نفسه بحق الشفيع، على رأي بعض أصحاب الشافعي، وهو الأصح عندهم في هذه المسألة. وإن كان أبو العباس بن سُريج من الشافعية طرد الأصل، وأسقط الشفعة ها هنا فلا تلزمه مناقضة. وكذلك طرد الأصل من الشافعية القاضي حسين فلم يحرم على المقر المرأة التي أقر بأنها أخته، فرد إقراره بنسبها، فتبع ذلك التحريم فلم تلزمه.
واعتذر بعض أصحاب الشافعي عن هذه المناقضات بهذه المسائل بأن الطلاق والعتاق (يجوز أن يغير عوضًا) (^٢)، ويثبتان. فصار العوض فيهما غير مرتبي بالطلاق كارتباط الميراث بالنسب. فإذا لم يثبت الارتباط في الطلاق والعتاق مع العقد، صار المقر بالطلاق والعتاق مدعيًا في مال ليس من شرطه أن يرتبط بغيره.
وكذلك دعواه على رجل أنه اشترى منه عبدًا فأعتقه، فإنه أقر بأن هذا المشتَرَى قد أتلفه مشتريه بالعتق، والتألف لا سبيل إلى رده، بخلاف الولد أقر بثالث فإنه لم يتضمن إقرارخ أمر به قد تلف.
ومسألة الشفعة يعتذر عنها من أصحاب الشافعي من قال بثبوتها بأن المقصود في دعوى البائع حصول الثمن وإلا فمالك الشقص قد أقر أنه خرج من يده، فإذا دفع له الشفيع الثمن حصل على غرضه فلا وجه لمنع الشفيع من الشفعة.
ونحن، وإن قلنا بسقوط الشفعة، فإنا نعتذر أيضًا على المناقضة بها وبما ذهبنا إليه من مشاركة المقر له بالنسب للمقر فيها بيده بأن المدعي لبيع النصيب إذا حكم القاضي باستحلاف المدعى عليه، فقد حكم بإبطال الدعوى، وإذا حكم بإبطال هذه الدعوى سقطت الشفعة المبنية على الدعوى، ألا ترى أن الولد لو قال لرجل: أنت ابن أبينا. ومعلوم ضرورة أن الرجل المشار إليه بأنه أخوهم
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: فتبطل ، وتثبت
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يجوزان بغير عوض.
[ 3/ 2 / ١٢٤ ]
أسن من أبيهم وأمهم، فإن هذا الإقرار باطل ولا تجب مشاركة المقر للمقر له لتبيّن كذبه، والحكم بإبطال إقراره ودعواه. وقد أشار في المدونة إلى هذا التعليل في اختلاف المتبايعين في ثمن الشقص إذا تحالفا وتفاسخا، فإن الشفع لا يأخذ بالشفعة وإن دفع الثمن الذي ادعاه البائع. وأشار إلى أن التحالف يوجب رد البيع وما قُضِي برده فلا شفعة فيه.
وممّا يرجح به مذهبه من قال بالمشاركة أيضًا أن من ادعى على رجل بدنانير أنه غصبه إياها، وقال المدعى عليه: بل هي وديعة عندي فخذها، فإنه يقضى عليه بتسليمها لمدعي الغصب، وإن كان مدعي الغصب قد أبطل الجهة والسبب الذي أوجب على المدعى عليه التسليم.
ومما يعتمدون عليه أيضًا أن القضاء برد السبب (^١) حكم في الظاهر. وإذا كان المقر يعلم قطعًا صحة ما أقر به لكونه عاين الولادة. وهذا الباطن لو صار ظاهرأوخرج إلى الوجود لوجبت المشاركة في الميراث بإجماع الأمة. فإذا كان
يعلم صدقه باطنًا قطعًا. فصدقه بقطع منه على وجوب المشاركة، لم يسقط وما وجب وجوبًا قطعيًا، لما اقتضاه الحكم الظاهر الذي يعتقد مَنِ المال في يده أنه حكم باطل.
وقد أشار بعض حذاق الأئمة النظار، إلى كشف سرّ من هذه الأسرار، وهو أن مجرد السبب (١) وإن قطع عليه، أنه لا يوجب بمجرده التوارث حتى تنضم إليه الموالاة التي يقتضيها السبب (١). ألا ترى أن الأخ الكافر لا يرث أخاه المسلم، وإن كان يُعلم قطعًا أنهما أخوان، لأن اختلاف الدينين أوجب التقاطع. وكذلك العبد المملوك لا يرث أباه، لاستحقاق سيده جملة منافعه، فصار ذلك كالمعدوم في حق أبيه، والعدم لا يتصور فيه موالاة. وكذلك لو كان أبوه عبدًا قد خلع رقُّه الموالاةَ، فلم يكن للنسب تأثير في وجوب الميراث.
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: النسب.
[ 3/ 2 / ١٢٥ ]
وهذا المقر وإن علم في الباطن أن هذا المقر له أخوه فإن كون الظاهر بخلاف ذلك يوجب عدم الموالاة.
فحصل من هذا أن مجرد النسب والقرابة لا يوجب التوارث إلا أن تنضم إليه علة أخرى وهي الموالاة. فلهذا لم نغلب ها هنا حكم الباطن على الظاهر لعدم العلة الأخرى وهي الموالاة.
وأما التخريج بطريقة ثبوت النسب، ولا يشترط فيه الموالاة، ولهذا تحرم على المسلم ابنته الكافرة، وإن لم يكن بينها وبينه موالاة. وهذا يرد ما حكيناه عن القاضي حسين من اقتحامه على تحليل المقر لها بأنها أخت.
وإذا تقرر حكم إقرار بعض الورثة بوارث، وخالفه من سواه من الورثة، وتقرر ما ذكرناه من الاتفاق على أن نسب المقر له لا يثبت، وأن الشافعي لما رأى الاتفاق على نفي النسب ألحق به نفي المشاركة في الميراث للمقر. وأن مالكًا وأبا حنيفة، وإن لم يثبتا النسب، فإنهما أثبتا المشاركة في الميراث. ولكن اختلفوا في صفة المشاركة فعند أبي حنيفة أنها تكون للمساواة (^١)، فيعطي المقر للمقر له نصف ما في يده، حتى كأنه لم يرث أباهما سواهما. ويقدر من ذهب إلى هذا المذهب أن الذي أخذه الجاحد النسب كأنه لم يكن من التركة، وكأنه جائحة وظلمه على المقر والمقر له نصفانْ، والذي في يد المقر يكون بينهما نصفين. وأشار بعض أصحابنا إلى هذه الطريقة. والمشهور من مذهبنا أن المقر يعطي للمقر له العدل. ويقر أن الولدين إذا أقر أحدهما بولد ثالث وجحد الآخر فإن المقَر له إنما يستحق ثلث التركة، وثلثها نصف ما في يد المقر ونصف ما في يد الجاحد، فالذي في يد الجاحد كأنه إنما غصبه للمقَر له فلا يلزم المقَر أن يغرَمه عن الغاصب. وقد قيل: إن هذا النصيب الذي هو نصف الثلث يكون نصف (^٢) المقر له والنصف الآخر لبقية الورثة الجاحدين. وكأن من ذهب إلى
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بالمساواه.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: نصفه للمقَر.
[ 3/ 2 / ١٢٦ ]
أن (^١) هذا يرى أنه إذا كان الواجب أن يقضى على المقر بما فضل في يده على نصيبه الذي يستحقه لو قسمت التركة أثلاثًا فكأن محصول إقراره التبري منه، واعتقاده أنه لا يستحق فيه ميراثًا. فإذا أنس عن نفسه مِلك هذا النصيب صار المقَر له يدعيه، وبقية الورثة الجاحدين يقولون: ليس لك فيه شيء، قيقسم ذلك بين المقرَ له وبين الورثة الجاحدين. وهذا أضعف المذاهب، ولا يتُصوّر له عندي وجه سوى ما ذكرته.
ويرد الجميع على الشافعي في إنكاره أن يستحق المقَر له شيئًا بما قدمناه من أنه إقرار يتبعض، بعضه يجب أن يمضي، كقول بعض (^٢) المقر: يعض هذا المال الذي في يدي لزيد، فلأنه يقتضي إبطال الإقرار لزيد كما لو أقر لزيد على أبيه وأنكر ذلك بقية الورثة، وقد قدمنا جوابه عن هذا أيضًا. هذا حكم إقرار بعض الورثة لرجل بالنسب وإكذاب بقيتهم له.
وأما القسم الثاني وهو أن يتفق جميع من يستحق التركة على الإقرار بالنسب، فلا يخلو أن يكون المستحق للتركة جماعة، اثنان فصاعدًا، أو واحد.
فإن كانوا جماعة فلم يختلف عن الشافعي وأبي حنيفة في ثبوت نسب المقَر له باتفاقهم على الإقرار.
وأما نحن فلا نحفظ عن مالك نصًا نجليًا في إثبات النسب، ولكنه تجب المشاركة في المال، على حسب ما قدمناه.
لكن ابن القصار، من أصحابنا، لما ذكر المذاهب، وحاج المخالفين، (يكون تكرر كلامه هذا السؤال) (^٣) في أثناء معاريض تعرض إليها، فاقتضى
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف أن.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: بعض.
(٣) هكذا في النسختين.
[ 3/ 2 / ١٢٧ ]
كلامه أنه سلّم أن مذهبنا كما حكيناه عن الشافعي وأبي حنيفة من كون النسب يثبت بإقرار من يحيط بجميع التركة إذا كان المحيط بها اثنين فصاعدًا.
وأشار بعض الأشياخ إلى إبعاد هذا عن أصول المذهب. وسلم ابن القصار أن المحيط بالتركة إذا كان رجلًا واحدًا فإنه يشارك في الميراث ولا يثبت نسبه. ومَرّ في ذلك على أصل المذهب الذي قدمناه في الفصل الأول، وإليه ذهب محمَّد بن الحسن فرأى أن المشاركة تثبت بإقرار الواحد المستحق لجميع التركة، ولا يثبت النسب. ولكنه تثبت (^١) النسب وإذا (^٢) كان المقرون جماعة استحقوا جميع التركة. وهذا المذهب المشهور عن أبي حنيفة، وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى وهي إثبات النسب والمشاركة في الميراث إذا أقر من يحيط باستحقاق التركة كلها، واحدًا كان هذا المستحق لجميع التركة أو جماعة. وبه قال صاحبه أبو حنيفة (^٣). وإليه ذهب الشافعي وذهب بعض الناس إلى أنه لا يثبت النسب كان المقر بهذا النسب واحدًا أو جماعة. وهذا المذهب لا أحفظ الآن من ذهب إليه. فيعتمد الشافعي وأبو حنيفة، في الرواية المشهورة عنه، التفرقة بين إقرار الواحد المحيط بالتركة وإقرار الجماعة بأن شهادة الواحد بالنسب لا تقبل، فإقراره على غيره أحرى ألا يقبل، لكون الشهادة على الغير أقوى من الإقرار عنه. فلو شهد رجلان على رجل، وهما عدلان، لقضي عنيه. ولو ذَكَرَا ذلك على جهة الخبر عنه لم يقض بذلك عليه. وإذا شهد عدلان فأكثر منهما قضي بشهادتهما، فكذلك إذا أقر (^٤) بالنسب جرى إقرارهما مجرى شهادة العدول، فقبل ذلك من إقرارهما، وإن لم يكونا عدلين، إذا أحاطا بالتركة، لأنهما إذا أحاطا بها حلاّ
_________________
(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يَثْبت.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب حذف الواو.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: صاحبه أبو يوسف.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أقرَّا.
[ 3/ 2 / ١٢٨ ]
محل الميت المضاف إليه الميت (^١)، والميت الذي أضاف (^٢) إليه النسب إذا استلحق ولدًا ثالثًا قُبِل ذلك منه، فكذلك تقبل من ولديه المستحقين لجميع ما ترك.
وسلم أصحاب الشافعي ما قلناه عن كون الشهادة عن الغير أقوى من الإقرار عنه إلا في هذا السؤال فإنهم قالوا: الإقرار ها هنا آكد من الشهادة، لأن جميع الورثة يقبل منهم إذا أقروا، ولا يقبل في ذلك شهادة غير العدول، ممن لا يرث وتقبل شهادة جميع الورثة، وإن لم يكونوا عدولًا.
ويعتمد من ينكر إلحاق النسب بمجود إقرار من يحيط بالتركة على أن الولاء كالنسب، كما تقرر في الشرع. ثم إقرار الورثة بالولاء يوجب ثبوتَه في حق غيرهم، فكذلك الإقرار بالنسب. ويطعن في قياس إقرار الوارث الواحد المحيط بالتركة على استلحاق الميت بنفسه، فإن للميت أن يستلحق النسب، وله أن ينفيه عن نفسه باللعان، وليس ذلك لورثته.
ويُنفَصل عن هذا بأن استلحاق جميع الورثة يُتصور، ولا يتصور نفي جميعهم لأن الورثة إذا نفوا حمل امرأة، فليسوا حين النفي بجميع الورثة، لكان (^٣) ما في بطن الزوجة أحد الورثة، فيستحيل مع هذا أن يتصور تطابق جميع الورثة على النفي والمنافي أحدهم، فلا يقبل دعواهم عليه. والأب يتصور فيه الاستلحاق والنفي فلهذا تساويا في حقه.
واعتمد الشافعي في نصرة مذهبه في إلحاق النسب بإقرار من يحيط بالتركة، واحدًا كان أو جماعة، بحديث عبد بن زمعة، وذلك: أن زمعة كانت له وليدة، فلما أن مات تحاكم فيه ابن سيد هذه الوليدة واسمه عبد فقال: هو أخي ولد على فراش أبي، وقال سعد بن أبي وقاص: أخي عتبة بن أبي وقاص عهد أنه أَلمّ بهذه الوليدة في الجاهلية، وأن الولد ولده. فقال - ﷺ - لما تحاكما إليه:
_________________
(١) هكذا في النسمختين، ولعل الصواب: النسب.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أضافا.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لأنّ.
[ 3/ 2 / ١٢٩ ]
"هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر" (^١) فاعتمد الشافعي على هذا الحديث وجعله حجة في ثبوت النسب باستلحاق الواحد المحيط بالتركة، كما ألحقه ﵇ ها هنا بزمعة، ولم يدّعه إلا وحده.
ودُوفِع عن هذا بمدافعات: أحدها: أن النبي - ﷺ - لم يعول في القصة على مجرد استلحاق هذا الواحد الذي هو عبد. وإنما عوّل على الفراش، فذكر أن الحكم أنه لعبد، وأشار إلى علة الحكم فقال: "الولد للفراش" يريد: ولأجل هذا قضيت لك به يا عبد.
ويجاوب عن هذا بأن الفراش لم يكلف النبي ﵇ عبدًا إثباتَه، بل ظاهر الحديث أنه عوّل فيه على مجرد قوله، ولا فرق بين أن ينفرد الواحد بالإقرار بسبب النسب وهو (^٢) الفراش.
والانفصال عن هذا: إلا أن يدعى أن الفراش اشتهر اشتهارًا استغني به عن طلب إثباته.
ودفع الشافعي أيضًا عن احتجاجه بهذا الحديث لم يرد على قوله: "هو لك يا عبدبن زمعة" بيان هل لعبدبن زمعة ملك، لكونه ولدته أمة أبيه فهي وولدها عبيد لمن ورث زمعةَ وهو ولده عبدٌ، أو أراد هو لك أخ. والأظهر أنه أراد: هو لك عبد لأن هذه اللأَمَ تقتضي الملك، كما يقال هذا الغلام لزيد.
وأجيبوا عن هذا الاعتذار بأن أبا داود قال في رواية هذا الحديث: ليس هو لك بأخ (^٣). فلا يلتفت إلى روايتهم: ليس هو لك بأخ (^٤). قال أصحاب الشافعي: لم يَرْوِ هذه الرواية عدْل ولا ضعيف، مع أن التعليل يقتضي إن (^٥)
_________________
(١) الموطأ: كتاب الأقضية: القضاء بإلحاق الولد بأبيه: ٢/ ٢٨٣، حد: ٢١٥٧.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أو.
(٣) مختصرًا بي داود: ٣/ ١٨٣، باب: الولد للفراش، حد: ٢١٧٨.
(٤) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: هو لك.
(٥) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أنّه.
[ 3/ 2 / ١٣٠ ]
أراد: هو لك أخ، ولم يُرد: أنه لك ملك، لأن الفراش لا يدل على الملك، ألا ترى أن رجلًا لو تزوج أمة رجل فولدت، فإن الولد ملك لسيدها لا لزوجها الذي هو صاحب الفراش، وإنما لزوجها النسب لأجل الفراش ورواية من روى "هو لك عبدٌ" لا يجب حملها على أن المراد: أنه لك يا عبدُ بن زمعة عبدٌ مملوك. ولأن المخاطَب لم يصرح - ﷺ - باسمه، وإنما أراد إخباره بأن هذا الوليد لك عبدٌ مملوك، لأنه لا يصح أن يكون المراد: هو لك يا عبدٌ، بحذف حرف النداء، وهو شائع في لسان العرب، قال الله تعالى خبر عن مخاطبٍ: ﴿يوُسُفُ أَعْرِض عَن هَذَا﴾ (^١) والمراد: يا يوسف. ودُوفع الشافعي أيضًا عن هذا الحديث، بأن عبدًا لم يكن جميعَ ورثة زمعة، بل كانت أخته سودة تشاركه. وإذا أقر بعض الورثة فلا يختلف في أن النسب لا يلحق.
ويجاوب عن هذا بأن سودة كانت مسلمة، وكان زمعة أبوها مات كافرًا ووُلد عبدٌ حينئذ على دين أبيه، فلا تستحق سودة مشاركته في الميراث، إذ لا يرث المسلم الكاَفر، فصار عبدٌ هو المحيط بجميع التركة.
ودوفع الشافعي أيضًا، عن احتجاجه بالحديث بأنه ﵇: أمرها أن تحتجب من عبد (^٢) فلو قضى بأنه أخوها لم تحتجب منه، إذ لا تحتجب المرأة من أخيها. فدلّ ذلك على أنه لم يقض بلحوق ابن زمعة نسبًا.
وأجاب الشافعي عن هذا بأنه قد كانت آية الحجاب قد نزلت، وحكمه مشهور، فلو كان الحجاب الذي أمرها به لكونه (احسا منها) (^٣) لما احتاج إلى إعادته.
_________________
(١) يوسف: ٢٩.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: من أخ عبد.
(٣) هكذا في النسختين. ولعل الصواب أجنبيا منها.
[ 3/ 2 / ١٣١ ]