والدعاء للميت
مسألة
قال ﵀: والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: هذا قولنا وقول كافة فقهاء الأمصار.
وروى عن عمر وعلي ﵄، وابن مسعود وأنس وابن عمر وابن عباس، وابن أبي أوى، وأبي هريرة، وعمير بن سعيد، وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين.
وحكى عن [عبد الرحمن] بن أبي ليلى أن التكبير [ق/٢٣] على الميت خمس، وإليه ذهب الشيعة.
وعن بعض المتقدمين أنه ثلاث، وعن آخرين أن أقله ثلاث وأكثره سبع.
والدليل على ما قلناه السنة والإجماع.
فأما السنة: فروى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى
[ ١ / ١١٤ ]
المصلى فصفهم، وكبر عليه [أربع] تكبيرات.
وروى مالك عن أبي أمامة بن سهل، ووصله غير مالك عن أبيه سهل ابن حنيف أن رسول الله ﷺ صلى على مسكينة، فكبر أربعا.
وروى أحمد بن حنبل عن هشيم عن عثمان بن حكيم الأنصاري عن خارجة بن زيد بن ثابت [عن يزيد بن ثابت] قال: خرجنا مع النبي ﷺ فلما أوردنا البقيع فصفنا خلفه فكبر أربعا.
وروى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أمه قال: شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة فكبر عليها أربعا.
ورواه ابن عباس وجابر وغيرهم.
وروى ابن وهب وابن عبد الحكم جميعا عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: صلوا على الميت أربع تكبيرات في الليل والنهار سواء.
وروى بعض من وافقنا عن ابن عباس وابن أبي أوفى أنهما قالا: آخر
[ ١ / ١١٥ ]
ما كبر رسول الله ﷺ على الجنازة أربعا.
وهذا ينسخ كل ما تقدمه مما يخالفه. هذا من السنة.
وأما الإجماع: فما روى عامر بن شقيق عن أي وائل قال: جمع عمر ﵁، الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة؛ فقال بعضهم. كبر النبي ﷺ سبعا، وقال بعضهم: خمسا، وقال بعضهم: أربعا. فحملهم عمر- رضوان الله عليهم- على أربع كأطول الصلاة.
وفي حديث آخر أنه قال: [انظروا] أمرا نجتمع عليه، فاجتمعوا على هذا.
وروى الأعمش عن إبراهيم قال: سئل عبد الله عن ذلك فقال: كل ذلك قد صنع، ورأيت الناس قد اجتمعوا على أربع.
وفي هذا أشياء:
أحدها: أنه توقيف على الإجماع وأخبار ثبوته.
والثاني: أن ما روي مما يخالف هذا إنما كان قبل الإجماع.
وأما الاعتبار: فقال أصحابنا: لأن التكبير على الجنازة جعل بإزاء عدد ركعات الصلاة، فلما كان أكثر ذلك أربعا كان التكبير على الجنازة مثلها.
وهذا متى سئلنا عن دلالته لم يكن لنا طريق إليه إلا ما رويناه عن عمر
[ ١ / ١١٦ ]
-رضوان الله عليه- أنه جعله أربعا كأطول الصلاة، وذلك بمحضر الصحابة ﵃ فلم ينكر أحد عليه؛ فيعود الأمر إلى الإجماع الذي قلناه.
واستدل من خالفنا بما رواه شعبة عن [عمرو] بن مرة عن ابن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وغنه كبر على جنازة خمسا، فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها.
وروى عن علي- رضوان الله عليه- أنه كبر على سهل بن حنيف خمسا.
ولأن حكم جملة الصلاة على الجناة حكم الركعة الواحدة؛ فوجب أن يكون فيها من عدد التكبير مثل ما في الركعة. ولأن الأخبار لما اختلفت وجب الأخذ بأزيدها.
فالجواب أن ما رووه عن زيد بن أرقم لا تعلق فيه من وجهين:
أحدهما: أنا قد روينا أن آخر فعله ﷺ كان الاقتصار على أربع، وهذا ينسخ المتقدم.
والآخر: هو أنه إذا روى أمران وتقرر الإجماع على أحدهما كان ما استقر الإجماع عليه مسقطا لما عداه.
وقد بينا الإجماع على ما قلناه.
وما رووه عن علي- رضوان الله عليه- فقد روينا عنه خلافه، وأنه صلى على يزيد بن المكفف فكبر عليه أربعا؛ فتعارضت الروايتان؛
[ ١ / ١١٧ ]
فسقطتا. وعلى أن ما رووه مقدم، وما رويناه هو المتأخر؛ لما روي عن عبد خير أنه قال: (قبض علي- رضوان الله عليه- وهو يكبر أربعا) فكان هذا ناسخا لما قبله. وعلى أنه لو لم يثبت عنه رجوعه لكان غيره من الصحابة بإزائه في الخلاف؛ فيجب النظر.
وقولهم: إن حكم حمله الصلاة على الجنازة حكم الركعة الواحدة باطل؛ لأنه دعوى لا دليل عليها بل حكمها حكم عدد ركعات أطول الصلوات، وهذا الاعتبار أولى؛ لأنه اعتبار الصحابة ﵃ على ما بيناه.
وقولهم: إن الأخذ بأزيد الأخبار أولى.
فهذا إذا لم يكن منسوخا، ولا في مقابلته إجماع، والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: يرفع يديه في أولهن، وإن رفع في كل تكبير فلا بأس.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: قد اختلف قول مالك في ذلك؛ فروى ابن عبد الحكم عنه أنه استحسن أن ترفع الأيدي في الصلاة على الجنائز.
قال ابن القاسم: وصليت معه على جنازة فلم أره رفع يديه لا في تكبيرة الإحرام، ولا في ما عداها.
[ ١ / ١١٨ ]
وروي عنه أن اليدين ترفع في تكبيرة الإحرام دون ما سواها.
فوجه قوله: "أنها ترفع في كل التكبيرات". ما روي أن رسول الله ﷺ [ق/٢٤] كان يرفع يديه في كل تكبيرة، ولأنها تكبيرة في القيام؛ فأشبهت تكبيرة الإحرام، ولأنها تكبيرة متوالية؛ فأشبهت تكبيرات العيد.
ووجه قوله: "أنه لا يرفع يديه أصلا". قوله ﷺ: "كفوا أيديكم في الصلاة"، وقوله في حديث ابن عباس: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن"، ولم يذكر تكبيرات الجنازة.
ولأنها تكبيرات في صلاة لا ركوع فيها؛ فأشبهت التكبير في سجود التلاوة.
ووجه قوله: "أنه يرفعهما في تكبيرة الإحرام دون ما سواها". هو أنها صلاة شرعية تشتمل على تكبيرة الإحرام وغيرها من التكبيرات؛ فكان المستحب رفع اليد مع تكبيرة الإحرام، وترك ذلك فيما بعدها، واعتبارا بسائر الصلوات.
مسألة
قال ﵀: وغن شاء دعا بعد الأربع ثم [يسلم] وإن شاء
[ ١ / ١١٩ ]
سلم بعد الرابعة مكانه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: هذا لأن القيام كله موضع للدعاء في صلاة الجنازة، فإن شاء دعا بعد الرابعة، وإن شاء سلم ولم يدع؛ لأنه قد دعا [فيما] تقدم.
مسألة
قال ﵀: ويقف الإمام في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها. [وهذا على جهة الاستحباب، فلو عكس صحت الصلاة].
قال القاضي أبو محمد﵀: وهذا لأن ذلك مروي عن جماعة من الصحابة والسلف ﵃؛ فاستحب الاقتداء بهم فيه. وقد رويت فيه أخبار مرفوعة مختلفة بهذا وغيره، إلا أن المستحب ما ذكرناه.
مسألة
قال ﵀: والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفيفة للإمام والمأموم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: قوله: "إنها واحدة" فلأنها تحليل من الصلاة؛ فأشبهت سائر الصلوات.
وأما استحباب إخفائها فكذلك روى عن الصحابة ﵃،
[ ١ / ١٢٠ ]
وروي أن عليا﵁- صلى على يزيد بن المكفف بتسليمة خفيفة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى، وخلق كثير من الصحابة ﵃ والتابعين.
مسألة
قال ﵀: وفي صلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا.
قال القاضي أبو محمد بعد الوهاب﵀: روى ذلك أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "من اتبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان؛ أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد".
ولا خلاف أن وقت استحقاق القيراط الأول هو الفراغ من الصلاة.
وأما وقت استحقاق القيراط الثاني فيجب أن يكون بالفراغ من الدفن وما يتبعه من صب الماء وغير ذلك.
ولأصحاب الشافعي في ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يستحق بوضع الميت في اللحد.
والثاني: أنه يستحق بدفنه، وضم التراب عليه.
والثالث: أنه يستحق بالفراغ [الكلي] منه ومن أموره.
والدلالة على ما قلناه قوله ﷺ: "ومن تبعها حتى تدفن فله
[ ١ / ١٢١ ]
قيراطان"، وظاهر هذا يقتضي الفراغ من الدفن وتوابعه، والله أعلم.
مسألة
قال ﵀: ويقال في الدعاء على الميت [محدود] غير شيء وذلك كله واسع، ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيى الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شيء قدير.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كلما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه، وأنت أعلم بسره وعلانيته، [جئنا] شفعاء له فشفعنا فيه. اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له؛ إنك ذو وفاء وذمة. اللهم قه [من]، فتنة القبر ومن عذاب جهنم. اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه. اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز [عن سيئاته].
اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه. اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا [تبتليه] في قبره بما
[ ١ / ١٢٢ ]
لا طاقة له به. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
نقول هذا بإثر كل تكبيرة، [ونقول] بعد الرابعة: اللهم اغفر لحينا، وميتنا [وحاضرنا]، وغائبنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا، ولوالدينا، ولمن سبقنا بالإيمان، وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت واجعل فيه راحتنا [ومسرتنا]. ثم يسلم.
وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك ثم [يتمادى] بذكرها على التأنيث، غير إنك لا [تقل]: وأبدلها زوجا خيرا من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجة [في الجنة] لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبقين بهم بدلا. والرجل يكون له زوجات كثيرة [ق/٢٥] في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: أما سقوط التوقيف في الدعاء فلأن الأدعية المروية عن النبي ﷺ وأصحابه رضي الله
[ ١ / ١٢٣ ]
عنهم في ذلك مختلفة، ولم يرد توقيف على شيء منها معين، بل ورد الأمر بالدعاء والإخلاص فيه مطلقا؛ قروى أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء"، وإذا كان الأمر كذلك وجب أ، يكون أي ذلك فعل حسنا.
والأدعية المروية في هذا هي التي ذكرها صاحب الكتاب ونحوها. ونحن نذكر جملة منها إن شاء الله، فروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال صلى النبي ﷺ على جنازة فقال: "اللهم أغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وكذلك وأنثانا وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده".
وروى علي بن شماخ قال: شهدت مروان سأل أبا هريرة كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة: اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بشرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها.
وروى حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك قال:
[ ١ / ١٢٤ ]
رأيت رسول الله ﷺ، صلى على ميت فقال: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خير من زوجه، وأدخله الجنة، ونجه من النار، وقه عذاب القبر".
وروى هشام بن عروة عن أبية عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في الصلاة على الميت: "اللهم اغفر له، وصلى الله وبارك له، وأورده حوض نبيك".
وروى الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح قال: سمعت يونس بن مسيرة قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على رجل: "اللهم إن فلانا في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار؛ إنك أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم".
هذا بعض ما روى عن النبي ﷺ في ذلك.
فأما ما روي عن الصحابة ﵃: فروى أن أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- كان إذا صلى على جنازة قال: (اللهم عبدك أسلمه الأهل والمال والعشيرة، والذنب عظيمي [وأنت] غفور رحيم).
[ ١ / ١٢٥ ]
وروى سعيد بن المسيب قال: كان عمر- رضوان الله عليه- يقول في الصلاة عليه إن كان مساء: أمسى عبدك، وإن كان صالحا: أصبح عبدك قد تخلى من الدنيا وتركها لأهلها، واستغنيت عنه وافتقر إليك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك ﷺ فاغفر له ذنبه.
وروى أبو الأحوص عن منصور عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى قال: كان علي- رضوان الله عليه- يقول في الصلاة على الميت: اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيتنا، واجعل قلوبنا على قلب خيارنا، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ارجعه إلى خير ما كان عليه.
وروى عن مالك عن سعيد المقبري أنه سأل أبا هريرة كيف يصلي على الجنازة؟ فقال: أنا- لعمر الله- أخبرك؛ أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله جل وعز، وصليت على نبيه ﷺ، ثم أقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
وروي ذلك عن عبد الله لن أبي أوفى وغيره، والألفاظ تتقارب.
وإنما لم نقل في المرأة: وأبدلها زوجا خير امن زوجها؛ لما ذكر من أن نساء الجنة مقصورات على أزواجهن، والرجل تكون له زوجات كثيرة، وقوله: إنه يسوق لفظ الدعاء لها على التأنيث؛ فلأن الخبر بذلك ورد،
[ ١ / ١٢٦ ]
وقد ذكرناه، ولأنه لما كانت الإشارة بالدعاء إليها وجب أن يكون بكنايتها كما كان الدعاء للرجل بكنايته. وبالله التوفيق.
مسألة
وقد ذكرناه، ولأنه لما كانت الإشارة بالدعاء إليها وجب أن يكون بكنايتها كما كان الدعاء للرجل بكنايته. وبالله التوفيق.
مسألة
قال ﵀: ولا بأس أن [يجمع] بين الجنائز في صلاة واحدة، ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء، وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام، وجعل من دونه أو الصبيان والنساء من وراء ذلك [إلى القبلة] ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا ويقرب الإمام أفضلهم.
قال القاضي﵀: أما جواز الجمع بين الجنائز في صلاة واحدة فلأنه لا فضل بين ذلك وبين أفراد كل واحدة بالصلاة؛ لأن سائر الشروط التي تفعل في الإنفراد في الصلاة تفعل في حال الاجتماع؛ وقد روي عن [ق/٢٦] جماعة من الصحابة ﵃ والتابعين أنهم جمعوا بين جماعة جنائز في صلاة واحدة.
فأما استحبابه أن يلي الإمام الرجال ثم الصبيان ثم النساء إلى القبلة، فهذا قولنا وقول كافة الفقهاء.
وحكى عن الحسن البصري أن الرجل يجعل مما يلي القبلة والمرأة مما يلي الإمام.
قال: لأن من سنة الرجال أن يقرب من القبلة؛ ألا ترى أن الرجال والنساء إذا اجتمعوا خلف الإمام جعل الرجال مما يلي الإمام لقربهم من
[ ١ / ١٢٧ ]
القبلة، والنساء أبعد؟
والدلالة على ما قلناه الإجماع والنظر.
فأما الإجماع: فما روي عن عثمان﵁- وعمار أنهما كانا يجعلان الرجل مما يلي الإمام.
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي- رضوان الله عليه- وابن عمر وأبي هريرة أنهم كانوا يجعلون الرجل مما يلي الإمام.
وروى سفيان الثوري عن عثمان بن وهب قال: شهدت ابن عمر وأبا هريرة صليا في جنازة رجل وامرأة، فجعل الرجل مما يلي الإمام.
وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد عن نافع مولى ابن عمر قال: وضعت جنازة أم كلثوم وابنها زيد والإمام سعيد بن العاص- فوضع الغلام مما يلي الإمام، وفي الناس ابن عباش وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة؛ فقالوا: هي السنة وروى إسماعيل بن عياس عن عمر بن مهاجر قال: صليت مع واثلة بن الأسقع على ستين جنازة من الطاعون فجعل صف الرجال مما يلي الإمام.
هذا ما روي عن الصحابة ﵃، ولا مخالف لهم.
وروى أبو الزناد عن المشيخة السبعة وغيرهم من نظرائهم أنهم كانوا يقولون: يقدم النساء إلى القبلة، ويجعل الرجال مما يلي الإمام.
[ ١ / ١٢٨ ]
وروى ابن وهب عن القاسم وسالم وعمر بن عبد العزيز ﵃ مثله.
وأما من وجهة النظر: فلأن كون النساء أبعد من الرجال أستر لهن، وهذا أمر معتبر في النساء؛ فوجب أن يكون ذلك هو السنة فيهن.
ولأنه لا خلاف أن الحال التي تلي الإمام أشرف وأفضل؛ فيجب أن يكون الرجال أولى بها من النساء؛ لفضيلتهم عليهن.
ولأن الرجال والنساء إذا اجتمعوا في الصلاة خلف الإمام كان الرجال أولى مما يلي الإمام؛ كذلك إذا اجتمعوا للصلاة عليهم.
وبهذا ينتظم الجواب عما قالوه، والله أعلم.
[ ١ / ١٢٩ ]
مسألة
قال ﵀: وأما [في] دفن الجماعة في قبر واحد فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي﵀: هذا لما روي جابر﵀- أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويسأل أيهما كان أكثر أخذا للقرآن فيقدمه في اللحد.
ولأنه لما كان القرب من القبلة أشرف وجب أن يكون من هو أفضل أولى به كما أنه كان في الصلاة القرب من الإمام أشرف كان أفضلهم أقرب إليه.
[ ١ / ١٣٠ ]
مسألة
قال ﵀: ومن دفن [و] ووري ولم يصل عليه فإنه يصلى على قبره.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: هذا لأنه لا يجوز أن يدفن بغير صلاة، ولا يجوز نبشه بعد دفنه، فإذا فاتت الصلاة عليه بدفنه صلى على قبره؛ لأن هذا حكم من لم يسقط الفرض بالصلاة عليه حتى يدفن.
والأصل في ذلك ما روي في حديث المسكينة التي ماتت، وأمرهم النبي ﷺ بإعلامه بها، فخرجوا بها ليلا وكرهوا أن يوقظوه، فلما أصبح ﷺ صف بالناس على قبرها، وكبر أربع تكبيرات.
أرسل هذا الحديث مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل. ووصله غيره عن أبيه سعل بن حنيف. وقد ذكرناه. فيما تقدم.
[ ١ / ١٣١ ]
مسألة
قال ﵀: ولا يصلى على من قد صلي عليه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: هذا قولنا وقول أهل العراق.
وقال الشافعي: تعاد الصلاة على الميت قبل الدفن وبعده.
والدلالة على ما قلناه: أن الصلاة على الميت من فروض الكفايات؛ فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين، وإذا ثبت ذلك سقط الفرض بهذه الصلاة؛ فكان ما بعدها نفلا، والنفل غير جائز على الميت.
وأيضا: فإن الميت إذا غسل غسلا واحدا لم يغسل ثانية؛ فكذلك الصلاة؛ لأن كل واحد منهما حكم وجب فيه بالموت، ولا يلزم عليه التكفين إذا كفن في ثوب أنه يكفن في ثان؛ لأن ذلك كله كفت واحد.
ونفرض الكلام في أنه لا يصلى على القبر، والدلالة على ذلك أنه لو جاز ذلك لكان أولى من فعل به رسول الله ﷺ؛ لأن في الصلاة عليه من الفضل والبركة ما ليس في الصلاة على غيره، وفي ترك المسلمين الصلاة على قبره دلالة على منع ذلك.
وأيضا فلو لم يكن دفن الميت مانعا من الصلاة عليه لم يكن لذلك غاية ينقطع إليها؛ لأنه ليس بعض الأوقات في ذلك بأولى من بعض.
[ ١ / ١٣٢ ]
واحتج من خالفنا بأن الناس صلوا على رسول [ق/ ٢٧] الله ﷺ أفواجا؛ فدل ذلك على جواز إعادة الصلاة على الميت.
وما روى أن رسول الله ﷺ صلى على قبر امرأة مسكينة.
ولأنه قول عمر وعلي رضوان الله عليهما، وأبي موسى وابن عمر وعائشة ﵃، ولا مخالف لهم.
ولكن من جاز أن يصلى على الميت قبل دفنه، فإذا لم يصل جاز أن يصلى عليه بعد الدفن.
أصله إذا صلى عليه غير الولي.
فالجواب: أن ما ذكروه من الصلاة على النبي ﷺ لا حجة لهم فيه؛ لأن كل واحد كان مسقطا للفرض عن نفسه؛ لأن الصلاة عليه كانت واجبة على كافتهم.
ولأن خلافنا في الموضع الذي يتعلق به حكم الولاية، وهذا غير موجود في الصلاة على النبي ﷺ؛ لأنه لم يكن في الصلاة عليه ولاية.
وما رووه من صلاته ﷺ على القبر لا دلالة فيه؛ لأنه مخصوص بذلك لعلة لا توجد في غيره؛ وهو قوله: "إن هذه القبور مملوءة ظلما حتى أصلي عليها"، وهذا معلوم في غيره ﷺ.
وأيضا: فإنه ما دام موجودا متمكنا من الصلاة فالفرض لا يسقط بصلاة غيره.
[ ١ / ١٣٣ ]
وما رووه عن الصحابة ﵃ فينظر فيه ولا يسلم ما قالوه من أنه لا مخالف فيه.
فأما إذا صلى عليه غير الولي، فإن قلنا: إن الصلاة لا تعاد فسقط السؤال.
وإن قلنا: إنها تعاد؛ فلأن الغرض لا يسقط إلا بقيام من له الحق، وهذا الموضع الحق فيه للأولياء؛ فلا يسقط بقيام غيرهم. والله أعلم.
[ ١ / ١٣٤ ]
مسألة
قال ﵀: ويصلى على أكثر الجسد، واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب﵀: لا خلاف في أنه يصلى على أكثر الجسد؛ لأن حكم الأكثر حكم الجميع، وإنما الخلاف في العضو الواحد كالأصبع واليد والرجل.
فعندنا وعند أبي حنيفة لا يصلى عليه.
وعند الشافعي أنه يصلى عليه. قال عبد العزيز بن أبي سلمة: يصلى على ما وجد منه، وينوى بذلك الميت قليلا كان الموجود أو كثيرا.
واستدل من نصر ذلك بأنه قال: إجماع الصحابة ﵃ لما روى أن طائرا ألقى يدا في وقعة الجمل فعرفت بالخاتم فصلى الناس عليه- قيل: كان أصبع طلحة- رضوان الله عليه، وقيل: عتاب بن أسيد ﵁، وذلك بمحضر الصحابة ﵃ والمهاجرين فلم ينكر أحد منهم ذلك.
وروى أن أبا عبيدة بن الجراح- رضوان الله عليه- صلى على رؤوس
[ ١ / ١٣٥ ]
بالشام، وعمر- رضوان الله عليه- صلى على عظام بالشام.
قالوا: ولأنه بعض من خلقة الأصل من جملة يصلي عليها؛ فوجب أن يصلي عليه اعتبارا بأكثر البدن.
قالوا: ولأن حرمة الجزء القليل كحرمة الجزء الكثير؛ ألا ترى أنه ممنوع من إتلاف القليل كما هو ممنوع من إتلاف الكثير.
والدلالة على ما قلناه: أن هذه المسألة مبنية على أن الصلاة على الميت لا تعاد، وإذا صح هذا كنا لو قلنا إن اليد والرجل يصلى عليها قائلين بما منعنا منه لا به إذا وجد باقي أعيدت الصلاة.
وأيضا: فلأنه جزء من البدن يسير؛ فوجب ألا يصلى عليه بانفراده.
أصله: السن والظفر والشعر.
فإن قيل: يصلى على هذا عندنا.
قيل له: لا يحفظ هذا عن أحد؛ فهو خرق الإجماع.
فإن قيل: المعني في الأصل أنه ليس بخلقة الأصل، وليس كذلك هذا؛ لأنه من خلقة الأصل.
قيل له: هذا لا يؤثر في منع الصلاة عليه؛ ألا ترى أنه يصلى عليه إذا كان مع أكثر البدن وإن لم يكن خلقة الأصل؟
فأما دعواهم الإجماع فباطل؛ لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال:
[ ١ / ١٣٦ ]
(لا يصلى على عضو من الميت)؛ فسقط ما قالوه، على أنه لم يذكر أن الذين صلوا على اليد التي ألقاها الطائر من الصحابة ﵃؛ لأن المدينة إذ ذاك خالية من الصحابة ﵃ بتفرقهم مع علي ومعاوية، والأقرب أن يكون الذين صلوا عليه من غير الصحابة؛ فلا يكون فعلهم حجة.
فأما أذا وجد أكثر البدن، فإنه إذا صلى عليه لم يؤد ذلك إلى الصلاة على الميت مرتين، وليس كذلك في الجزء اليسير.
وأيضا: فلأن اعتبار الأكثر بالأقل لا يصح؛ لأن حكم الأكثر حكم الجملة في غالب الأصول، وقياسهم على ذلك ينتقض بالسن والظفر. والله أعلم.
[ ١ / ١٣٧ ]