* [٩٥٤ - ١] قَالَ مِقْدَامُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الضَّحِيَّةَ، أَسُنَّةٌ هِيَ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أُمِرْتُ بِالنَّحْرِ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ».
قُلْتُ: وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟
قَالَ: عَلَى كُلِّ مَنْ وَجَدَ إِلَيْهَا السَّبِيْلَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ: مِنْ أَهْلِ المَدَائِنِ، وَأَهْلِ القُرَى، وَأَهْلِ العَمُودِ، وَأَهْلِ الحَضَرِ، وَأَهْلِ السَّفَرِ، إِلَّا الحَاجّ الَّذِيْنَ بِمِنَى، فِإِنَّهُ لَا ضَحِيَّةَ عَلَيْهِمْ (^٢).
•••
* [٩٥٤ - ٢] وَالسِّنُّ التِي تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيّ مِمَّا سِوَاهُ، وَالثَّنِيُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا (^٣).
•••
_________________
(١) هذا العنوان وما بعده من المسائل مفقود من شب، والمثبت من عز ٤/أ.
(٢) عز ٤/أ، المختصر الصغير، ص (٣٧٧).
(٣) عز ٤/ب، المختصر الصغير، ص (٣٧٨).
[ ٢ / ٧٩ ]
* [٩٥٤ - ٣] وَأَفْضَلُ الضَّحَايَا: الفُحُولُ مِنَ الضَّأْنِ، وِإِنَاثُهَا خَيْرٌ مِنْ فُحُولِ المَعزِ، وَفُحُولُ المَعزِ خَيْرٌ مِنْ إِنَاثِهَا، وَإِنَاثُ المَعزِ خَيْرٌ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ (^١).
•••
* [٩٥٤ - ٤] قُلْتُ: فَمَا الذِي يُتَّقَى مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: العَيْبُ كُلُّهُ، وَالسَّلَامَةُ مِنْهُ أَفْضَلُ، وَلَا يُضَحِّي بِعَوْرَاءَ وَلَا عَمْيَاءَ وَلَا مَرِيْضَةٍ وَلَا عَرْجَاءَ، وَلَا بَأْسَ بِالظَّلْعِ الخَفِيْفِ التِي تَلْحَقُ بِهِ الغَنَمَ (^٢).
(^٣) «لا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ».
ورَوَى زهيرٌ، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن شريح بن النعمان (^٤) - وكان رجل صدقٍ - عن عليٍّ ﵁ قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا شَرْقَاءَ.
قَالَ زُهَيْرٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَذَكَرَ عَضْبَاءَ؟، قَالَ: لَا، قَالَ فَمَا المُقَابَلَةُ؟، قَالَ: قَطْعُ طَرَفِ الأُذُنِ، قُلْتُ فَمَا المُدَابَرَةُ؟، قَالَ: يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الأُذُنِ، قُلْتُ: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟، قَالَ: تُشَقُّ الأُذُنُ، قُلْتُ: فَمَا الخَرْقَاءُ؟، قال: تَخْرِقُ أُذُنَهَا السِّمَةُ» (^٥).
•••
_________________
(١) عز ٤/ب، المختصر الصغير، ص (٣٧٨).
(٢) عز ٤/ب، المختصر الصغير، ص (٣٧٨).
(٣) يشبه أن تكون المسألة التي يشرحها الأبهري، ما في المختصر الصغير، ص (٣٧٨): «ولا يجوز فيها العوراء البين عورها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العرجاء البين ظلعها، ولا العجفاء التي لا تنقي، ويتقي العيب كله، والسلامة في ذلك أفضل»، وينظر: مختصر أبي مصعب، ص (٣٩٥).
(٤) شريح بن النعمان الصائدي الكوفي، صدوق، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٤٣٥).
(٥) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٦٤]، والترمذي [٣/ ١٦٣]، وابن ماجه [٤/ ٣١٧]، وهو في التحفة [٧/ ٣٨٣].
[ ٢ / ٨٠ ]
[٩٥٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُضَحِّي بِعَجْفَاءَ لَا شَحْمَ فِيْهَا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَالعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (^٢)، يعني: التي لا شحم فيها؛ لأنّها إذا كانت كذلك فهي أكثر ضررًا على المساكين على العمياء والعوراء؛ لأنهم لا ينتفعون بها كذلك كبير منفعةٍ.
•••
[٩٥٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالجَمَّاءِ (^٣)، وَالمَكْسُورَةِ القَرْنِ إِذَا كَانَ لَا يدْمَى (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ القرن ليس مما يؤكل، فإذا أعدم جازت الأضحية بها، فأمّا إذا كان مكسورًا يدمى فلم يجز؛ لأنَّ ذلك عيبٌ فيها.
•••
[٩٥٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالشّقِّ اليَسِيْرِ مِنَ (^٥) المَسْمِ (^٦) (^٧).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، التفريع [١/ ٣٩١].
(٢) أخرجه مالك [٣/ ٦٨٧]، وأبو داود [٣/ ٣٦١]، والترمذي [٣/ ١٦٢]، وابن ماجه [٤/ ٣٢٠]، والنسائي في الكبرى [٤/ ٣٣٨]، وهو في التحفة [٢/ ٣١].
(٣) قوله: «بالجَمَّاءِ»، هي الشاة التي لا قرن لها، ينظر: النهاية لابن الأثير [١/ ٣٠٠].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، المدونة [١/ ٥٤٦]، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٦]، التفريع [١/ ٣٩١]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٤٠].
(٥) قوله: «من»، كذا في شب، وفي عز: «مثل»، وكتب فوقها: «من».
(٦) قوله: «المسمِ»، كذا رسمها في شب، وفي عز: «الميسم»، ونحوه في المدونة [١/ ٥٤٨]، وفي المطبوع: «الجسم».
(٧) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، المدونة [١/ ٥٤٨].
[ ٢ / ٨١ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا لا يضرها ولا يؤثر فيها، وتحتاج إلى السمة لتُعْرَف.
•••
[٩٥٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنِ انْكَسَرَتْ أُضْحِيَةٌ فَجُبِرَتْ، فَلَا بَأْسَ بِهَا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العيب قد زال منها وهو الكسر إذا جُبر، فلا بأس بها، كالمرض إذا زال.
•••
[٩٥٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالضَّحِيَّةِ بِالهَرِمَةِ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الهرم ليس عيبًا يمنع من الأضحية، فجاز أن يُضَحَّى بها.
•••
[٩٦٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنَ الوَحْشِ فِي أُضْحِيَةٍ، وَلَا عَقِيْقَةٍ، وَلَا نسكٍ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النسك في الواجبات والقرب، وكذلك الهدايا،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، البيان والتحصيل [٣/ ٣٥١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٧]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٤٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، وقد نقل الباجي هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في المنتقى [٣/ ١٠٣]، وينظر: النوادر والزيادات [٤/ ٣١٨]، التفريع [١/ ٣٩٠]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٥١].
[ ٢ / ٨٢ ]
إنّما يجعل في بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم، دون غيرها من الوحش والطير؛ قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، فلا يجوز أن يكون الهدي والنسك من غير بهيمة الأنعام.
وبذلك وردت السنة عن النبيِّ ﷺ وأصحابه ﵃.
•••
[٩٦١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُضَحِّي بِالسَّاقِطَةِ الأَسْنَانِ، إِلّا مِنْ كِبَرٍ، إلَّا مِنْ حَفَاءٍ (^١) مِنْ غَيْرِ كِبَرٍ (^٢) (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان من غير كبرٍ فهو من مرضٍ، فلا يجوز أن يضحِّي بها؛ لأنَّ ذلك عيبٌ فيها، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن المريضة أن يُضحَّى بها.
وإذا كان من كبر، جاز أن يضحَّى بها؛ لأنَّ ذلك غير مرضٍ فيها.
•••
[٩٦٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا أَصَابَ الشَّاةَ الحَمَر (^٤) الشَّدِيْدَ، فَذَلِكَ مَرَضٌ (^٥).
_________________
(١) قوله: «حفاء»، هو الإجهاد، والمراد به المرض كما في كلام الشارح، ينظر: لسان العرب [١٤/ ١٨٨].
(٢) قوله: «إلَّا من حفاءٍ من غير كِبَرٍ»، كذا في شب، وفي عز: «أو حفاءٍ من كبرٍ».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٧]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٤٠].
(٤) قوله: «الحمر»، هو التخم، والشاة الحمرة، هي التي أصابها التخمة من الأكل، ينظر: المدونة [١/ ٥٤٧]، الكافي لابن عبد البر [١/ ٤٢٢]
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، المدونة [١/ ٥٤٧].
[ ٢ / ٨٣ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحَمَر مرضٌ يحدث فيها، وذلك عيبٌ، ولا تجوز الأضحية بمعيبةٍ.
•••
[٩٦٣] مسألة: قال: ويستحب للرجل أن يضحِّيَ عنه وعن أهل بيته بكبشٍ كبشٍ، وإن ضحَّى بكبشٍ واحدٍ عنهم، أجزأه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية سُنةٌ على ما ذكرناه، فيستحبُّ للإنسان أن يضحِّي عن نفسه، وعن كلِّ واحدٍ من أهله بكبشٍ كبشٍ، كما يُستحبُّ لكل إنسانٍ أن يأتي بالسُّنن التي قد أُمِر بها.
فإن ضحَّى عنه وعنهم بكبشٍ واحدٍ أجزأه، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ.
فرَوَى يعلى (^٢)، حدثنا يحيى (^٣)، عن أبيه (^٤)، عن أبي هريرة قال: «ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجِيَّيْنِ، فَقَرَّبَ أَحَدَهُمَا فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، المختصر الصغير، ص (٣٧٩)، الموطأ [٣/ ٦٩٤]، المدونة [١/ ٥٤٧]، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٠]، التفريع [١/ ٣٩٠]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٤٤].
(٢) يعلى بن عبيد بن أبي أمية الكوفي الطنافسي، ثقة إلّا في حديثه عن الثوري ففيه لين، من كبار التاسعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٩١).
(٣) يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي المدني، متروك وأفحش الحاكم فرماه بالوضع، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٠٦١).
(٤) عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي المدني، مقبول، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٦٤١).
[ ٢ / ٨٤ ]
مِنْكَ وَإِلَيْكَ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ قَرَّبَ الآخَرَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا عَمَّنْ يُوَحِّدُكَ مِنْ أُمَّتِي» (^١).
ورَوَى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ» (^٢).
•••
[٩٦٤] مسألة: قال: ولا يشترك القوم في الأضحية، يخرجون الثمن جميعًا ويقتسمون اللحم على قدره، ولا يجوز ذلك للرفقاء في السفر (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية سُنَّةٌ على كلّ إنسانٍ في نفسه، وأقل ما يجوز فيها الجذع من الضأن والثني من غيره.
وليس يجوز أن يشتركوا في شيءٍ منها؛ لأنَّ على كلّ واحدٍ أن يذبح عن نفسه ذبحًا كاملًا لا شركًا في المذبوح.
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا الإسناد، وقد روى أحمد في المسند [٤١/ ٤٩٧]، من طريق الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن أبي سلمة، عن عائشة، أو أبي هريرة نحوه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق [٤/ ٣٨٠]، من طريق معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: «أنّه كان لا يضحي عن حبل، ولكن كان يضحي عن ولده الصغار والكبار، ويعقُّ عن ولده كلهم».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، المختصر الصغير، ص (٣٧٩)، الموطأ [٣/ ٦٩٤]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٩٥)، التفريع [١/ ٣٩١]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٤٤].
[ ٢ / ٨٥ ]
فإن قيل: إنَّ النبيَّ ﷺ قد ضحَّى عنه وعن أهل بيته بكبشٍ فشركهم فيه (^١) (^٢)؟
قيل: هذا جائزٌ عندنا إذا فعله الإنسانُ مثل ما فعله النبيُّ ﷺ؛ لأنَّ ملك المذبوح لواحدٍ، وإنما شركهم في الثواب، وإنما الذي لا يجوز أن يشتركوا في الثمن، ثمّ يشتركون في الذبح؛ من قِبَلِ أنَّه يصير حينئذٍ كأنه أخرج جزءًا من لحمٍ، لا أنَّه ذبح أضحيةً (^٣).
ولأنَّ الشركة في اللحم توجب القسمة متى طالب أحدهم بذلك، والقسمة بيع، ولا يجوز بيع لحوم الأضاحي، ولا يجوز لهم أن يقتسموا فيؤدِّي هذا الفعل إلى دفع أصلٍ واجبٍ وهي القسمة، وما أدَّى إلى دفع أصلٍ ثابتٍ فهو فاسد (^٤).
فإن قيل: إنَّ مالكًا رَوَى وابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، قال: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» (^٥)، وفي حديث مالكٍ: «وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ»، فقد اشتركوا في الهدي (^٦)؟
_________________
(١) أخرجه مسلم [٦/ ٧٨]، من حديث عائشة، وهو في التحفة [١٢/ ٢٣٢]، وأحمد [٤٥/ ١٦٨] من حديث أبي رافع.
(٢) لم أقف على من اعترض بهذا الاعتراض.
(٣) نقل الباجي هذا الوجه من الاستدلال عن الأبهري في المنتقى [٣/ ٩٦].
(٤) نقل ابن عبد البر في التمهيد [١٢/ ١٥٦]، والقَنَازِعي في تفسير غريب الموطأ [١/ ٣٢٤]، نحو هذا الكلام عن الأبهري.
(٥) حديث مالك في الموطأ [٣/ ٦٩٣]، وحديث ابن جريج عند مسلم [٤/ ٨٨]، وهو في التحفة [٢/ ٣٢٥].
(٦) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [١٩/ ١٤٦]، المغني لابن قدامة [١٣/ ٣٦٤].
[ ٢ / ٨٦ ]
قيل له: معنى هذا الخبر عندنا، هو كذبح النبيِّ ﷺ الكبش عنه وعن أهل بيته، وعنه وعن أمته؛ لأنَّ ملك البدن كان للنبي ﷺ، وإنما فرقها على أصحابه لينحروها، لا أنهم اشتركوا فيها بالشري، وهذا جائزٌ؛ لأنهم متطوعون بالذبح، لا أنهم ذبحوا عن شيءٍ واجبٍ فُرِض عليهم، أو سُنةٍ مؤكَّدةٍ كالأضحية.
وقد اختلف قول مالك في جواز الاشتراك في هدي التطوع (^١):
فأجازه كجواز النبيِّ ﷺ لأهل الحديبية أن يشتركوا في الهدي التطوع.
وكرهه، ووجه كراهته: أنَّ سبيل هدي التطوع في أنّه لا يجوز الاشتراك فيه كسبيل الفرض.
ألا ترى: أنّه لا يجوز فيه من السن والسلامة من العيب إلّا ما يجوز في الفرض، وقصة أهل الحديبية، فإنهم لم يشتروا شيئًا، وإنما دفع النبيُّ ﷺ الهدي إليهم لينحروه فيأكلوه ويتصدقوا منه.
•••
[٩٦٥] مسألة قال: ولا بأس أن يبدل الرّجل ضحيته بمثلها، ويبدلها بخيرٍ منها أفضَلُ، ولا يبدلها بشرٍّ منها، وإن دخلها عيبٌ قبل أن ينحرها، أبدلها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الضحية إنّما تجب بالذبح أو بالقول، فلا بأس أن يبدلها بخيرٍ منها ما لم يوجبها.
_________________
(١) ينظر: المنتقى للباجي [٣/ ٩٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٠٩)، المدونة [١/ ٥٤٧ و٥٤٩]، النوادر والزيادات [٤/ ٣٢٤]، التفريع [١/ ٣٩١]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٧٣].
[ ٢ / ٨٧ ]
ويكره له بدلها بدونها؛ لأنّه قد نوى إخراج شيءٍ لله ﷿، فلا ينبغي له الرجوع فيه.
فأمّا إذا أوجبها قولًا أو فعلًا، أعني: ذبحها، فلا يجوز له إبدالها، كما لا يجوز له إبدال الهدي إذا قلده وأشعره؛ لأنَّ وجوب ذلك كله قد استقر.
وقوله: «إنه يبدلها إذا دخلها عيبٌ»، فلهذا المعنى أيضًا؛ لأنّها إنّما تجب بالذبح أو القول، فإذا لم يستقر وجوبها، ثمّ أصابها عيبٌ كان عليه أن يبدلها؛ لأنَّ العيب لا يجوز في الأضحية.
•••
[٩٦٦] مسألة: قال: وإن باع رجل ضحيةً بثمنٍ، فلا يشتري خيرًا منها بدون ثمنها، ولا يشتري إلّا بثمنها مثلها أو أفضل منها، وإن اشترى بدون ثمنها والفضل له (^١)، فلا يبدلها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد أخرج الثمن لله ﷿، فلا ينبغي له أن يرجع فيه فيشتري بدون ذلك الثمن، سواءً كانت خيرًا مما باعها أو دونها.
وهذا هو على وجه الاستحباب، فأمّا الوجوب فلا؛ لأنّها لم تجب بالشري، وإنما تجب بالذبح أو القول على ما ذكرناه، وإذا كان كذلك، كان له الفضل إذا اشتراها بدون ثمنها الذي باعها به.
•••
_________________
(١) توجد في هذا الموضع في حاشية عز زيادة هي: «أفضل منها».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١٠)، النوادر والزيادات [٤/ ٣٢٤].
[ ٢ / ٨٨ ]
[٩٦٧] مسألة: قال: ولا يذبح للرجل أحدٌ غيره، إلّا من علةٍ أو مرضٍ، فإن فعل فلا إعادة عليه.
وقد قيل: إنه يبدل، والأول أعجب إلينا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ذبح ضحيته بيده، فيجب على الإنسان أن يذبح بيده إذا كان ممن يمكنه ذلك، تأسيًا بفعل النبيِّ ﷺ.
وقد رَوَى ابن وهب، قال: أخبرني حيوة، قال: أخبرني أبو صخر (^٢)، عن ابن قسيط (^٣)، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَضَحَّى بِهِ، فَأَضْجَعَهُ وَذَبَحَهُ وَقَاَل: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» (^٤).
ورَوَى وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ سَبْعَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًَا، وَضَحَّى بِالمَدِينَةِ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ» (^٥).
فلهذا قال مالكٌ: «إنه يجب أن يباشر الإنسان ذبح الهدي والأضحية بيده إذا كان يمكنه ذلك، فمتى لم يفعل ذلك، أعاد».
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢١٠)، المختصر الصغير، ص (٣٨٠)، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٩]، التفريع [١/ ٣٩٢].
(٢) حميد بن زياد، أبو صخر ابن أبي المخارق الخراط صاحب العباء، صدوق يَهِمُ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٢٧٤).
(٣) يزيد بن عبد الله بن قسيط بن أسامة الليثي المدني الأعرج، ثقة، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٧٨).
(٤) أخرجه مسلم [٦/ ٧٨]، وهو في التحفة [١٢/ ٢٣٢].
(٥) أخرجه أبو داود [٢/ ٤٤١]، بهذا الإسناد، وهو في التحفة [١/ ٢٥٥].
[ ٢ / ٨٩ ]
ووجه قوله: «إنَّه لا يعيد»، فلأنَّ ذبح النبيِّ ﷺ بيده إنّما هو على وجه الاختيار له، لا أنَّ ذلك واجبٌ.
ألا ترى: أنّه قد نحر بعض هديه بيده، وأمر علي بن أبي طالب ﵁ فنحر باقيه.
فرَوَى الثوري، حدَّثنا عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵁ قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقُومَ عَلَى البُدْنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًَا» (^١).
وفي غير هذا الحديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ سِتًَّا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، وَنَحَرَ عَلِيٌّ ﵇ بَاقِيهَا، وَكَانَتْ مِئَةً» (^٢)، فقد نحر النبيُّ ﷺ وغيره، وكذلك يجوز للإنسان أن ينحر له غيره.
•••
[٩٦٨] مسألة: قال: وإن ذبح نصراني ضحية مسلمٍ، أعاد في أيام الذبح (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز لمسلمٍ أن يستعين في أمر دينه وما يتقرب به إلى الله ﷿ بكافرٍ، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» (^٤)، فوجب عليه الإعادة لهذه العلة؛ لأنّه أتى بالقربة على خلاف ما أُمِرَ بها.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١٧١٦)، مسلم [٤/ ٨٧]، وهو في التحفة [٧/ ٤٢٧].
(٢) أخرجه مسلم [٤/ ٣٨]، وهو في التحفة [٢/ ٢٧١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢١٠)، النوادر والزيادات [٤/ ٣٢٠]، التفريع [١/ ٣٩٢].
(٤) أخرجه مسلم [٥/ ٢٠٠]، وهو في التحفة [٥/ ٢٠٠].
[ ٢ / ٩٠ ]
وقد رَوَى أهل المدينة عن مالك: «أنّه لا إعادة عليه»، وهو قول أشهب (^١).
ووجه ذلك، قوله ﷿: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥]، فأباحنا الله سبحانه أكلَ ما يذبحونه، وذلك كلحم الأضحية والهدي وغيره.
•••
[٩٦٩] مسألة: قال: ويقول الذابح على ضحيته: «بسم الله والله أكبر»، وإن قال: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم»، فلا بأس (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال ذلك (^٣)، فأيهما قال جاز.
•••
[٩٧٠] مسألة: قال: وينبغي للإمام أن يُحْضِرَ ضحيته بالمصلَّى، فيذبح حين يفرغ من الخطبة، حتى يجوز الذبح للناس (^٤).
_________________
(١) ينظر قول مالك وأشهب في: المنتقى للباجي [٣/ ٩٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١٠)، المختصر الصغير، ص (٣٨٠)، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٩].
(٣) متفق عليه: البخاري (٥٥٦٥)، مسلم [٦/ ٧٧]، من حديث أنس ﵁ قال: «ضحى النبيُّ ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما»، وهو في التحفة [١/ ٣٦٣].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢١٠)، المختصر الصغير، ص (٣٨٠)، المدونة [١/ ٥٤٦]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٩٥)، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٤]، التفريع [١/ ٣٨٩]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٣٩].
[ ٢ / ٩١ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يفعل ذلك (^١)؛ ليَعْلَمَ النّاس ذبحه فيذبحوا بعده، إذ لا يجوز لهم أن يذبحوا الأضحية قبل ذبحه.
•••
[٩٧١] مسألة: قال: ومن ذبح قبل الإمام فليعد ضحيته.
وإن كان الإمام لم يذبح في المصلَّى، فليتوخَّ النّاس قدر انصرافه وذبحه، ثمّ يذبحون.
فمتى لم يكن في دار جماعةٍ، فليتوخَّ صلاة أدنى قريةٍ تليه (^٢)، ثمّ يذبح.
فإن ذبح بعد طلوع الشمس وهو يعلم أنَّ الإمام لم يذبح تلك الساعة، فليعد ضحيته في أيام النحر (^٣).
• إنّما قال: «إنَّ عليه الإعادة إذا ضحَّى قبل أن يُضَحِّي الإمام؛ فلأنَّ الإمام يجب أن يُقتدى بفعله، ويكون فعل المأموم بعد فعله؛ لأنّه مقتدىً به، وكذلك أمر النبيُّ ﷺ بذلك في الصلاة، فالأضحية مثلها، وكلّ عملٍ، إلّا ما قامت الدلالة على جواز الفعل قبل فعله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٨٢)، من حديث ابن عمر: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان ينحر أو يذبح بالمصلى»، وهو في التحفة [٦/ ١٩٤].
(٢) قوله: «تليه»، ساقطة من المطبوع.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢١٠)، المختصر الصغير، ص (٣٨١)، المدونة [١/ ٥٤٦]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٩٥)، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٤]، التفريع [١/ ٣٨٩].
[ ٢ / ٩٢ ]
وقد رَوَى مسدد، حدثنا أبو الأحوص (^١)، حدثنا منصور (^٢)، عن الشعبي، عن البراء، قال: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ، فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ فَتَعَجَّلْتُ فَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ، فَقَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقًَا جَذَعَةً وهِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَهَلْ تُجْزِي عَنِّي، قَالَ: نَعَمْ، وَلَا تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (^٣).
ورَوَى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار (^٤)، عن أبي بردة بن نيار: «أنّه ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى» (^٥).
فإن قيل: إنَّ النبيَّ ﷺ إنّما أمره بالإعادة؛ لأنّه ضحَّى قبل الصلاة، لا لأنّه ضحَّى قبل أن يضحي النبيُّ ﷺ (^٦)؟
_________________
(١) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٤٢٥).
(٢) هو منصور بن المعتمر.
(٣) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٦٠]، بنحو الإسناد الذي ذكره الشارح، وهو في الصحيحين: البخاري (٩٥٥)، مسلم [٦/ ٧٥]، والتحفة [٢/ ٢٠].
(٤) بشير بن يسار الحارثي، مولى الأنصار، ثقة فقيه، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١٧٤).
(٥) أخرجه مالك [٣/ ٦٨٨]، والنسائي في الكبرى [٤/ ٣٤٧]، وهو في التحفة [٩/ ٦٧].
(٦) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [١٩/ ١٠٢].
[ ٢ / ٩٣ ]
قيل له: لا فصل بين أن يضحِّي قبل الصلاة، وبين أن يصلِّي (^١) بعد الصلاة قبل ذبح الإمام؛ لأنَّ ذبحه قبل الصلاة هو قبل ذبحِ الإمام، وكذلك هو بعد الصلاة إذا كان قبل ذبح الإمام؛ لأنَّ عليه أن يقتدي في الصلاة بفعل الإمام، فلو صلَّاها قبله لم تجزه، وكذلك الذبح مثله، إذا ذبح قبل لم يجزه، وقد فُسِّرَ ذلك في حديث مالكٍ، أنَّ أبا بردة ذبح قبل أن يذبح النبيُّ ﷺ.
•••
[٩٧٢] مسألة: قال: ولا يضحِّي أحدٌ ليلًا، ومن ضحَّى بليلٍ فليعد ضحيته؛ لأنَّ الله سبحانه قال: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]، ولم يذكر الليالي (^٢).
• قد احتجَّ مالكٌ لذلك بقوله ﵎: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، أي: اذبحوا الهدي في أيامٍ معلوماتٍ، لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨]، فذكر الله سبحانه الذبح في الهدايا في الأيام دون الليالي، فلا يجوز أن يُذْبَحَ هدي ولا ضحيةٌ ولا شيءٌ مما يُتَقرب به إلى الله ﷿ بالليل؛ لوصف الله سبحانه ذلك كله في النهار، ولفعل النبيِّ ﷺ ذلك كلّه بالنهار دون الليل.
ولو جاز أن يذبح ذلك بالليل مع ذكر الله ﷿ إياه بالنهار، لجاز أن ينفر الإنسان من منىً بالليل، وإن كان الله ﵎ ذكر النفر بالنهار، فلمّا لم يجز ذلك في النفر؛ لأنّه يكون بخلاف ما ذكر الله سبحانه، فكذلك لا
_________________
(١) قوله: «يصلي»، كذا في شب، ولعلها تصحيف، صوابه: «يضحي».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١٠)، المختصر الصغير، ص (٣٨١)، المدونة [١/ ٥٥٠]، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٥]، التفريع [١/ ٣٨٩].
[ ٢ / ٩٤ ]
يجوز ذبح الهدايا والضحايا، وكلّ ذبحٍ متقربٍ به إلى الله ﷿؛ لأنّه يكون بخلاف وصف الله سبحانه.
ولأنَّ الفقراء قد يُفْقدون بالليل؛ لأنهم لا يوجدون، فيخاف أن يأكله غير الفقراء، ويتفسد حتى يصبح.
ولهذا المعنى قيل: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ حَصَادِ اللَّيْلِ وَجَدَادِهِ.
رواه جعفر بن محمد (^١)، عن أبيه (^٢)، عن جده (^٣): «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ جَدَادِ اللَّيْلِ» (^٤).
•••
[٩٧٣] مسألة: قال: ونحب للرجل أن يأكل من ضحيته، فمتى لم يأكل، فلا بأس عليه (^٥).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج:٢٨]، فاستُحِب له أن يأكل من كلّ هدي تطوعٍ أو واجبٍ لا بدل فيه من الطعام.
_________________
(١) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٢٠٠).
(٢) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٨٧٩).
(٣) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي زين العابدين، ثقة ثبت، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٦٩٣).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير [٥/ ٩٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ٧٩].
(٥) المختصر الكبير، ص (٢١١)، المختصر الصغير، ص (٣٨٢).
[ ٢ / ٩٥ ]
ولأنَّ النبيَّ ﷺ قد أكل من الهدي والضحية، فاستحب الاقتداء به ﷺ تسليمًا.
فرُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ بَدَنَهٍ بِضْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ فَيُطْبَخُ، قَالَ: فَطُبِخَ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا ﷺ» (^١).
•••
[٩٧٤] مسألة: قال: ولا بأس أن يُطْعِمَ من الضحية حرًا وعبدًا، أو غنيا أو فقيرًا.
ويستحب له أن يتنكَّب النصارى، وليس بذلك لازمٌ للناس (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية ليست بفرضٍ، فيجوز له أن يُطْعِم منها حرًا أو عبدًا أو غنيًا، وإنما الذي لا يجوز أن يُطْعِمَ منه هو لا (^٣) ما كان فرضًا، فأمّا التطوع فلا بأس به.
ويكره له أن يطعم النصارى؛ من قِبَلِ أنَّ الأضحية شيء يُتَقرب بها إلى الله ﵎، فيُحَبّ أن يصرف ذلك في المسلمين، فإن فعل ذلك جاز، كما يجوز أن يتطوع عليهم بالصدقة.
•••
_________________
(١) أخرجه مسلم [٤/ ٣٨]، وهو في التحفة [٢/ ٢٧١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١١)، النوادر والزيادات [٤/ ٣٢٢]، التفريع [١/ ٣٩٣]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٤٣ و٣٤٥].
(٣) قوله: «هو لا»، كذا في شب، ولعلَّ «لا» مقحمة.
[ ٢ / ٩٦ ]
[٩٧٥] مسألة: قال: ولا يباع من لحم الأضحية، ولا يُعْطَى في جزرها شيءٌ منها، ولا تباع أُهُبُهَا (^١)، ولا يدبغ بعضها ببعضٍ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية هي لله سبحانه، كالهدي أنّه لله ﷿، فلا يجوز بيعها ولا بيع شيءٍ من لحمها؛ لأنَّ ذلك رجوعٌ فيها، فلا يجوز الرجوع فيما قد وجب لله تعالى.
وكذلك لا يعطي الجازر منها شيئًا؛ لأنَّ ذلك بمنزلة البيع؛ لأنّه قد اكتراه على ذبحها باللحم الذي أعطاه.
وكذلك لا يجوز أن يبيع أهبها؛ لأنّه بعضها.
وكذلك لا يدبغ بعضها ببعض، يعني يدفع جلدًا إلى الدبَّاغِ ليدبغ له آخر؛ لأنَّ ذلك بيعٌ؛ لأنّه قد اكترى الدبَّاغ بجلدٍ لِيَدْبَغَ له آخر، وذلك غير جائزٍ.
وقد رَوَى الثوري، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵇ قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى البُدْنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًَا» (^٣).
ورواه الثوري، قال: حدثني ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁ نحوه.
•••
_________________
(١) قوله: «أهبها»، الأهب جمع إهاب، وهو الجلد قبل أن يدبغ، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٣١).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١١)، المختصر الصغير، ص (٣٨٢)، التفريع [١/ ٣٩٣].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة ٩٦٧.
[ ٢ / ٩٧ ]
[٩٧٦] مسألة: قال: وإذا هلك الرّجل وترك لحم ضحيته، أكله ورثته ولم يبع في دينه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية إذا ذُبِحَت أو أُوجِبت بالقول فقد صارت لله ﷿، فلا يجوز الرجوع فيها ببيعٍ ولا غيره، بمنزلة الهدي، ولهم أكل لحمها والانتفاع به.
وكذلك إذا مات فذلك لورثته، ولا يجوز بيعها ولا بيع لحمها في الدَّيْنِ، حيًا كان أو ميتًا، أعني: الذي أوجبها، وذلك بمنزلة أم الولد لا تباع في دينٍ، ولسيدها الانتفاع بها دون بيعها.
•••
[٩٧٧] مسألة: قال: ولا بأس أن يضحي الرّجل عن أم ولده وعبده، ولا يضحي عن جنينٍ في بطن أمه، ويضحي عن المولود يولد له (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية فعل خيرٍ، فلا بأس أن يفعل ذلك بعبده وأم ولده.
ولا يضحي عن جنينٍ؛ لأنَّ الأضحية هي على الأحياء الموجودين، لا على غيرهم ممن قد مات أو لم يولد.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢١١)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات [٤/ ٣٢٥]، والباجي في المنتقى [٣/ ٩١]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: البيان والتحصيل [٣/ ٣٣٦ و٣٤١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١١)، المدونة [١/ ٥٥٠]، النوادر والزيادات [٤/ ٣١١ - ٣١٢]، التفريع [١/ ٣٩١]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٥٤].
[ ٢ / ٩٨ ]
ويضحي عن المولود؛ لأنّه موجودٌ، كما يُخْرِجُ عنه زكاة الفطر ويعقُّ عنه.
•••
[٩٧٨] مسألة: قال: ومن مات قبل أن يذبح ضحيته، فهي مالٌ من ماله، تباع في ميراثه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الضحية تجب بالقول أو الفعل، فإذا مات قبل أن يوجبها بالقول أو الذبح فهي مالٌ من ماله، تباع في دينه وتورث عنه.
•••
[٩٧٩] مسألة: قال: ومن ضلت ضحيته فلم يجدها إلّا بعد أيام النحر، فليصنع بها ما شاء، وإن وجدها في أيام النحر، ذبحها، فإن كان قد ذبح غيرها فليصنع بها ما شاء (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية إنّما تكون في أيام النحر، وهو يوم النحر ويومان بعده، لا ما بعد ذلك، فإذا وجدها في هذه الأيام ضحى بها، وإن لم يجدها إلّا بعدها، لم يضح بها؛ لخروج وقت الأضحى، كما لا يصلي لكسوف الشمس بعد تجلي الشمس، ويوم (^٣)
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢١١)، وقد حكى ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [٤/ ٣٢٥]، وينظر: البيان والتحصيل [٣/ ٣٣٦ و٣٧٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١١)، المدونة [١/ ٥٤٩]، النوادر والزيادات [٤/ ٣٣٠]، التفريع [١/ ٣٩١]، البيان والتحصيل [٣/ ٣٦٣].
(٣) يوجد جزء مفقود بعد هذا الموضع، والمسائل التي بعده مثبتة من عز.
[ ٢ / ٩٩ ]
* [٩٧٩ - ١] ويجزُّ صوف ضحيَّته (^١).
•••
* [٩٧٩ - ٢] ويستحبُّ له ذبح ولدها معها (^٢).
•••
* [٩٧٩ - ٣] ومن خرج بشيءٍ يشتري ضحيَّةً، فوجد بدونه، فلا بأس بالفضل الذي فضل له، يصنع به ما شاء (^٣).
•••
* [٩٧٩ - ٤] ويُستحبُّ للمسافر أن تكون ضحيَّته حيث يكون، ولا يأمر أهله أن يضحُّوا عنه، فإن فعل ذلك أجزأ ذلك عنه (^٤).
•••
* [٩٧٩ - ٥] وإن ذبح رجلٌ أضحية رجلٍ بغير أمره، فلا تجزئ عنه، وهو ضامنٌ أضحيته، إلا أن يكون مثل الولد وعياله، إنَّما ذبحوها على وجه الكفاية له، فأرجو أن يجزئ عنه (^٥).
•••
_________________
(١) عز ٥/ب، وينظر: البيان والتحصيل [٣/ ٣٣٧].
(٢) عز ٥/ب، وينظر: المدونة [١/ ٥٤٧].
(٣) عز ٥/ب.
(٤) عز ٥/ب، وينظر: النوادر والزيادات [٤/ ٣١٢].
(٥) عز ٥/ب، وقد نقل ابن عبد البر في التمهيد [٢/ ١٠٨]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم.
[ ٢ / ١٠٠ ]
* [٩٧٩ - ٦] وإن أخطأ رجلان فذبح كلُّ واحدٍ منهما ضحيَّة صاحبه، فلا أرى ذلك يجزئ عنهما، وكلُّ واحدٍ منهما ضامنٌ لقيمة ضحيَّة صاحبه (^١).
إذا ذبحها قبل ذلك فعليه ضمان قيمتها لصاحبها؛ لأنَّ صاحبها لو أراد الرجوع فيها كان ذلك له.
•••
[٩٨٠] مسألة: قال: وإذا اختلطت الضحايا، فلا بأس أن يصطلحوا فيها، يأخذ كلّ واحدٍ كبشًا ثمّ يضحي به، فيجزيه (^٢).
• إنّما قال ذلك، لأنَّ كلّ واحدٍ منهما:
إن كان ضحى بكبشه، فقد أصاب وجه الحق.
وإن كان بكبش غيره، جاز؛ لأنَّ بدل الضحية بغيرها يجوز، ما لم يوجب بالقول أو الذبح.
•••
[٩٨١] مسألة: قال: والأيام التي يُضَحَّى فيها: يوم النحر ويومان بعده.
والأيام المعلومات: أيام النحر، يوم النحر ويومان بعده.
والأيام المعدودات: أيام التشريق (^٣).
_________________
(١) عز ٥/ب، وينظر: النوادر والزيادات [٤/ ٣٢٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١١)، وقد نقل ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [٤/ ٣٣١]، وينظر: التفريع [١/ ٣٩١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢١١)، المختصر الصغير، ص (٣٨٢)، وقد حكى ابن العربي جزءًا من هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في أحكام القرآن [٣/ ٢٨٣]، وينظر: المدونة [١/ ٥٥٠]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٩٥)، النوادر والزيادات [٤/ ٣١٣]، التفريع [١/ ٣٨٩ و٣٩٠].
[ ٢ / ١٠١ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]، فكان ذلك في أيام النحر، وهي يوم النحر ويومان بعده.
فرَوَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: «أَيَّامُ النَّحْرِ، يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ» (^١).
ورَوَى عبيد الله بن أبي موسى (^٢)، حدثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال (^٣)، عن زر، عن علي ﵁ قال: «النَّحْرُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا» (^٤).
ورَوَى سفيان، عن ميسرة، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله (^٥).
وشعبة، عن قتادة، عن أنسٍ مثله (^٦).
_________________
(١) أخرجه مالك [٣/ ٦٩٥]، بلفظ: «الأضحى يومان بعد يوم الأضحى».
(٢) كذا هو في المخطوط: «عبيد الله بن أبي موسى» وفي مصادر ترجمته: عبيد الله بن موسى، وهو: عبيد الله بن موسى ابن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، ينظر: التاريخ الكبير، [٥/ ٤٠١]، الجرح والتعديل [٥/ ٣٣٤]، تقريب التهذيب، ص (٦٤٥).
(٣) المنهال بن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق ربما وَهِمَ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٩٧٤).
(٤) أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن [٢/ ٢٠١].
(٥) أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن [٢/ ٢٠٥].
(٦) أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن [٢/ ٢٠٦].
[ ٢ / ١٠٢ ]
فيوم النحر عند مالكٍ معلومٌ غير معدودٍ، وثاني النحر معدودٌ معلومٌ، وثالث النحر معدودٌ معلومٌ، ورابع النحر معدودٌ غير معلومٍ.
والدليل على أن يوم النحر معلومٌ غير معدودٍ: وقوع النحر فيه، وامتناع النفر في اليوم الذي يليه، فَعُلِم بهذا أنّه لو كان معدودًا لجاز النفر في اليوم الذي يليه؛ لأنّه الثاني من الأيام المعدودات التي قد أبيح النفر فيها، ولو لم يكن معلومًا، لَمَا جاز النحر فيه.
والذي يدل على أنَّ ثاني النحر وثالثه معدودٌ معلومٌ: جواز النحر فيهما، وأنَّ النفر الأول يقع في الثاني منهما، فلو لم يكونا معدودين لَمَا جاز أن ينفر في اليوم الثاني منهما، ولو لم يكونا معلومين أيضًا، لَمَا جاز النحر فيهما؛ لأنَّ الله سبحانه وصف النحر في أيامٍ معلومات كما وصف النفر في أيامٍ معدودات، فلمّا اجتمع في ثاني النحر وثالث النحر جواز الذبح فيهما والنفر في اليوم الثاني فيهما، دلّ على أنّهما معدودان معلومان.
•••
[٩٨٢] مسألة: قال: ولا بأس بادِّخَار لحوم الضحايا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ذلك مباحٌ ليس شيءٌ يمنع منه، وقد أباح رسول الله صلى الله عليه ذلك، بعد أن كان نهى عنه.
رواه مالك، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «كُلُوا وَادَّخِرُوا» (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢١٢)، المختصر الصغير، ص (٣٨٣)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٩٦)، التفريع [١/ ٣٩٣].
(٢) أخرجه مالك [٣/ ٦٩٠]، ومن طريقه مسلم [٦/ ٨٠]، وهو في البخاري (١٧١٩)، من غير طريق مالك، وفي التحفة [٢/ ٣٤٣].
[ ٢ / ١٠٣ ]
ورَوَى مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة قالت: سمعت عائشة تقول: «دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى فِي زَمَانِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ كَانَ النّاس يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الوَدَكَ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الأَسْقِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَمَا ذَاكَ؟، أَوْ كَمَا قَالَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ نَهَيْتَ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فيكم، فَكُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا» (^١).
•••
[٩٨٣] مسألة: قال: ولا بأس بأخذ الشعر وتقليم الأظفار في عشر ذي الحجة، وترك ذلك إلى أن يكون مع ضحيته أحب إلينا، وذلك واسعٌ لمن فعله (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا رواه مالك، عن عمرو بن مسلم (^٣)، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سلمة (^٤): أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ العَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا مِنْ ظُفُرِهِ شَيْئًَا» (^٥)، فلهذا استحب
_________________
(١) أخرجه مالك [٣/ ٦٩١]، ومن طريقه مسلم [٦/ ٨٠]، وهو في التحفة [١٣/ ٢٦٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢١٢).
(٣) عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة الليثي المدني، صدوق، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٧٤٥).
(٤) قوله: «أبي سلمة»، كذا في شب، وفي مصادر التخريج: «أم سلمة».
(٥) لم أقف عليه في المطبوع من الموطأ برواية يحيى الليثي، وقد قال ابن عبد البر في الاستذكار [١١/ ١٨٥]: «ورواه القعنبي، وأبو مصعب، وأبو بكير عن مالك، وقد ذكرنا الأسانيد عنهم في غير هذا الموضع إلّا أنّه ليس عند أكثر رواة «الموطأ»، والحديث أخرجه مسلم [٦/ ٨٣]، من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد به»، وهو في التحفة [١٣/ ٥].
[ ٢ / ١٠٤ ]
مالكٌ أن لا يأخذ منه شيئًا حتى يضحي، فإن فعل ذلك لم يكن عليه شيءٌ؛ لأنَّ ذلك مباحٌ له.
ألا ترى: أنّه لو أوجب هديًا فقلده وأشعره وهو حلالٌ لم يكن عليه أن يمتنع من أخذ ظفره وشعره، وكذلك فعل النبيُّ ﷺ (^١)، وهو في الأضحية أولى؛ لأنّها أضعف سببًا من الهدي، والله أعلم (^٢).
•••
_________________
(١) أخرجه مالك [٣/ ٤٩٢]، ومن طريقه البخاري (٢٣١٧)، ومسلم [٤/ ٩٠]، من طريق عمرة بنت عبد الرحمن: «أنَّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة زوج النبيِّ ﷺ: أنَّ عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وقد بعثت بهدي، فاكتبي إليَّ بأمرك أو مري صاحب الهدي، قالت عمرة: فقالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثمّ قلدها رسول الله ﷺ بيده، ثمّ بعث بها رسول الله ﷺ مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحلَّه الله له حتى نحر الهدي»، وهو في التحفة [١٢/ ٤٠٩].
(٢) نقل الباجي في المنتقى [٣/ ٩٠] عن الأبهري: «أنّه يستحب لمن أراد أن يضحي إذا رأى هلال ذي الحجة أن لا يقص من شعره ولا يقلم أظفاره حتى يضحي».
[ ٢ / ١٠٥ ]