[٢٨٥٨] قال عبد الله بن عبد الحكم: قلت لمالكٍ: أرأيت من أعتق بعض عبده بعد موته، أَيَعْتَقُ عَلَيْهِ فِي ثُلُثِهِ كُلُّهُ؟
قال: لا يَعْتَقُ عليه إلَّا ما أَعْتَقَ منه، ويكون ما بقي رقيقًا لورثته.
وإن أَعْتَقَ فبتَّ عِتْقَهُ في مرضه، أُعْتِقَ عليه بقيَّته في ثلثه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتقه بعد موته في وصيَّته، لم يعتق منه إلَّا ما أوصى بعتقه؛ لأنَّهُ لم يباشر عِتْقَه في حال حياته، وإنّما تقدَّم في ذلك إلى غيره، فإنما يقع العتق وقد صار سائر ماله لورثته، إلَّا ما أوصى فيه بعتقٍ أو غيره، فلم يجز أن يكمل عتق كلِّه عليه؛ لزوال ملكه إلى غيره في حال عتقه.
ألاترى: أنَّه لو برأ من مرضه، لم يعتق عَلَيْهِ ما أوصى بعتقه.
فأمَّا إذا بتَّ عتقه في مرضه، أعتق عليه كلُّه في مرضه من ثلثه؛ لأنَّهُ قد باشر العتق وأوقعه في حال حياته، وفي وقتٍ هو مالكٌ لماله، فكمل ذلك في ثلثه الَّذِي له التصرُّف فيه، كما لو أعتقه وهو صحيحٌ، لكمل ذلك في ماله كلّه؛ لأنَّ سبيل المريض في ثلث ماله في جواز تصرفه فيه ولزوم الأحكام فيه، كسبيل الصَّحيح في ماله كلّه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٣)، الموطأ [٥/ ١١٢٢].
[ ٤ / ٢٣٥ ]
ألا ترى: أنَّ المريض إذا صحَّ [مـ]ـن مرضه، لزمه عتق العبد كلّه، أعني: الَّذِي كان أعتقه في المرض، ولم يلزمه عتق ما كان أوصى بعتقه بعد موته، فدلَّ ما ذكرناه على افتراق حكمهما.
•••
[٢٨٥٩] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًا له فبتَّ عِتْقَهُ، فليس له أن يجعل عليه خدمةً بعد عِتْقِهِ، ولا شيئًا من الرقِّ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا فعل ذلك، فقد بَقَّى عليه شيئًا من أحكام الرقِّ، ولا يجوز أن يفعل ذلك به بعد عتقه.
•••
[٢٨٦٠] مسألة: قال: وإذا كان عبدٌ بين رجلين، فغاب أحدهما فأعتق الحاضر نصيبه، قُوِّمَ عليه، ولم يُنْتَظَرِ الغَائِبُ.
وقد قيل: إلَّا أن يكون قريبًا لا يُخَافُ في مثل قُرْبِهِ على العبد تغيُّرُ شيءٍ من حاله، فَإِنَّهُ يُنتَظَر، وذلك أحبُّ إلينا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ذلك حقٌّ لازمٌ، - أعني: تكميل حريَّة العبد المُعتَقِ بعضه -؛ لأنَّهُ قد تعلَّق به حقٌّ لله ﷿، من وجوب تكامل الحريَّة.
ولأنَّ في القيمة وصول كلّ واحدٍ إلى حقِّه، فوجب عتقه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٣)، النوادر [١٣/ ٦٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٣).
[ ٤ / ٢٣٦ ]
ولا يجوز إسقاطه ولا تأخيره، كان الشَّريك الَّذِي لم يُعْتِق حاضرًا أو غائبًا؛ لأنَّ في تقويمه تنفيذ حقٍّ قد وجب لله تعالى وحقٍّ لآدميٍّ، فلا يجوز تأخير ذلك عن وقت وجوبه.
فأمَّا إذا كانت غيبته قريبةً، لا يكون في تأخيره مضرَّةٌ على العبد ولا على السيّد الغائب الَّذِي لم يُعْتِق - من تغيير قيمتة ونقصها -، انتُظِرَ به؛ حَتَّى يكون هو الَّذِي يطالب به ويحضر القيمة؛ لجواز أن يعرف من عبده ما يزيد في قيمته، ما لا يعرف ذلك غيره.
•••
[٢٨٦١] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ، فَرَفَعَ إلى الإمام، فلم يُقَوَّم عليه؛ لأنَّهُ لم يكن له مالٌ، ثمَّ أيسر بعد ذلك، لم يُقَوَّم عليه.
وإن لم يُنْظَرْ في شأنه حَتَّى أيْسَرَ، قُوِّمَ عليه.
وقد قيل: إنَّه إن كان يوم أعتق، يُعْلَمُ منه: أن لو قام العبد لم يدرك شيئًا لِعُسْرِه، فلا شيء عليه إذا أيسر، إلَّا أن يكون العبد غائبًا، فيَعْتَقُ عليه إذا أيسر (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُعْتِقَ إذا لم يكن موسِرًَا في الحالين جميعًا: حال العتق والقيمة عند نظر الحاكم، فلا قيمة عليه على كلا القولين.
وإنّما اختَلَفَ قوله إذا كان معسرًا في حال العتق، ثمَّ أيسر قبل القيمة:
فقال: لا يعتق عليه؛ لأنَّ المراعاة في وجوب القيمة يُسْرَه في الحالين
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٣)، المدونة [٢/ ٤١٨]، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٨٧].
[ ٤ / ٢٣٧ ]
جميعًا، وأن يدوم اليسر أيضًا من حين العتق إلى حين القيمة، من قِبَلِ أنَّ العتق إِنَّمَا يجب في المال لا الذمَّة، فمتى كان المُعْتِقُ موسِرًَا فـ[ـي] حال العتق إلى حال القيمة، وجب عليه عتق حصّة شريكه في ماله، ومتى زال يَسَاره بين ذلك، لم تجب عليه القيمة؛ لأنَّا لو أوجبنا ذلك عليه، كنَّا قد ألزمنا ذمَّته قيمة ذلك حين كان مُعْسِرًَا، ثمَّ أخذناها من ماله إذا أيسر، وهذا غير جائزٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إِنَّمَا ألزم القيمة للمعتِقِ إذا كان موسِرًَا، ولم يُلْزِمه إذا كان مُعْسِرًَا (^١).
ووجه قوله الآخر: «إنه يعتق إذا لم يُنْظَر في شأنه حَتَّى أيسر»؛ فلأنَّ المراعاة في اليُسْرِ إِنَّمَا تجب في حال (^٢) الحكم؛ لأنَّ العتق به يقع لا ما قبل ذلك، فإذا كان موسرًا في حال القيمة، وجب عليه عتق حصَّة شريكه؛ لأنَّ اعتبار عسره ويسره حين الحكم لا حين العتق، والله أعلم.
والقول الأوّل كَأَنَّه أقيس وأصحّ على قول مالكٍ.
•••
[٢٨٦٢] قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ وهو معسرٌ، فلم يُقَوَّم عليه، فأعتق شريكٌ آخر بعده، فلا قيمة عليه؛ لأنَّهُ زاده خيرًَا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُعْتِق الثاني لم يبتدئ الفساد في إيقاع الحريّة وإدخال الضَّرر على شريكه، فلم تلزمه القيمة، وإنّما الَّذِي فعل ذلك الشَّريك
_________________
(١) ينظر الحديث في المسألة رقم ٢٨٦٤.
(٢) قوله «في حال»، مثبت من شب، وفي جه: «في وقت».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩٣)، التفريع مع شرح التلمساني [٦/ ١٩٣].
[ ٤ / ٢٣٨ ]
الأوَّل؛ لأنَّهُ لا فرق في الحريَّة إذا كانت في العبد بين أن تكون في ثلثه أو نصفه، وإذا كان كذلك، لم تكن على المعتق الثاني القيمة في حصَّة شريكه؛ لأنَّهُ لم يبتدئ بإدخال الضَّرر على شريكه، وإنّما زاد العبد في جزء الحريَّة الَّتِي فيه، فهذا معنى قول مالكٍ: «[لأنه] (^١) زاده خيرًا».
•••
[٢٨٦٣] مسألة: قال ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ ولا مال له، وللعبد مالٌ، أُوقِفَ مال العبد به (^٢)، فإن عَتَقَ يومًا ما تبعه ماله (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ثبت له بِعتق بعضه حرمةٌ له ولماله، فلا يجوز نزعه منه، كما لا يجوز نزع مال المكَاتَبِ؛ لِمَا قد ثبت له من عقد الحرية.
•••
[٢٨٦٤] قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ ولا مال له، رَقَّ الباقي منه ولم يَسْعَ، إلَّا أن يتطوَّع بذلك سيِّده (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًَا لَهُ فِي عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ
_________________
(١) ما بين [..]، غير ظاهره في شب، وهي في جه.
(٢) قوله: «به»، كذا في شب، وفي جه: «بيده».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩٣)، الموطأ [٥/ ١١٨٧].
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٣)، التفريع مع شرح التلمساني [٦/ ١٨٥].
[ ٤ / ٢٣٩ ]
قِيمَةَ العَدْلِ إِنْ كَانَ مُوسِرًَا، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًَا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».
رواه مالكٌ، وعبيد الله، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاري، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ (^١).
فلمَّا قال النَّبيُّ ﷺ: «فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًَا، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»، لم يعتق على الَّذِي لم يُعْتِقْ حِصَّته.
ولم تجب سِعَاية العبد؛ لأنَّ في سعايته إخراج ملك السَّيِّد عنه بغير فعلٍ كان منه، ولا جنايةٍ، ولا شيءٍ أوجب ذلك عليه، وإلزامًا لذمَّة العبد شيئًا لم يلزمه، ولا كان منه فِعْلٌ أوجب ذلك.
فإن قيل: قد روى قتادة، عن النَّضر بن أنسٍ، عن بشير بن نهيكٍ، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ، اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (^٢)؟
قيل له: لا يُعَارَضُ بهذا الحديثِ حَدِيثُ مالكٍ وعبيد الله عن نافعٍ، عن ابن عمر؛ لأنَّهُ ليس مثله في الصِّحة، ولا هو صحيحٌ في المعنى.
وقد قيل: إنَّ ذكر السّعاية إِنَّمَا هو من قول قتادة، قال همَّام: وقال قتادة: «ويسعى العبد».
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٦٧٨.
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٦٧٨، وينظر الاعتراض والجواب عليه في نفس الصفحة.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
ومما يدلّ على إبطال السِّعاية، ما رواه مسدَّدٌ، قال: حدثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن يحيى بن عتيقٍ (^١) وأيوبٍ، عن الحسن وابن سيرين، عن عمران بن حصين: «أَنَّ رَجُلًَا أَعْتَقَ أَعْبُدًَا لَهُ، سِتَّةً عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» (^٢).
ورواه ابن عليَّة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب (^٣)، عن عمران بن حصين، عن النَّبيِّ ﷺ مثله (^٤)، قال محمَّدٌ (^٥): «لو لم يبلغني ذلك، لكان رأيي».
ففي هذا الحديث: بيان أنَّ السّعاية غير واجبةٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أعتق اثنين من العبيد وأرقَّ أربعةً، ولم يُعْتِقْ من كلِّ عبدٍ حصَّةَ الثّلث، ثمَّ استسعاه في الباقي.
_________________
(١) يحيى بن عتيق الطُّفَاوي البصري، ثقة، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٠٦٢).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [٢١/ ٣٤٧]، بنحو هذا الإسناد، وقد تقدَّم ذكر الحديث في المسألة رقم ١٩٠٨.
(٣) أبو المهلب الجرمي البصري، عم أبي قلابة، اسمه: عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، أو ابن عمرو. وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقة، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (١٢١١).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة [١١/ ٧١١] بهذا الإسناد.
(٥) هو ابن سيرين، وقوله عند البيهقي [٢١/ ٣٤٨].
[ ٤ / ٢٤١ ]
فمن قال: «إنَّ العبد يسعى في بقيَّة ما فيه من الرقّ»، خالف هذا الخبر، وخبر ابن عمرٍ أيضًا، إلى غير خبرٍ صحيحٍ، ولا نظرٍ مستقيمٍ (^١).
•••
[٢٨٦٥] قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ، فلم يكن عنده من المال ما يخلِّصُه كلَّه، وكان عنده ما يخلّص بعضه، عَتَقَ منه بقدر ماله، وكان الباقي منه لسيّده (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذلك إزالة شيءٍ من الضَّرر عن الَّذِي لم يُعْتِقْ وعن العبد أيضًا، فيجب ذلك (^٣) بقدر مال المعْتِقِ؛ لأنَّهُ لَمَّا وجب عِتْقُهُ حصَّة شريكه كلّها إذا كان له مالٌ، وجب عتقها بقدر مَالِهِ؛ ليزول الضَّرر بقدر ذلك عن السيّد الَّذِي لم يعتق، وليتوفّر من حريَّة العبد أيضًا.
•••
[٢٨٦٦] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين المسلم والنَّصرانيّ، فأعتق المسلم نصيبَهُ، قُوِّمَ عليه بقيَّته (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذلك حقًّا للمسلم وعليه، فوجب النَّظر بينهما والحكم فيه؛ لأنَّهُ يجب على الحاكم النّظر في أمر المسلمين.
_________________
(١) ينظر الكلام على هذه المسألة والأحاديث الواردة فيها تحت المسألة [٢٨٧٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، المنتقى للباجي [٦/ ٢٥٨].
(٣) قوله: «فيجب ذلك»، كذا في شب، وفي جه: «فيجب أن يُفْعَلَ ذلك».
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٠٧].
[ ٤ / ٢٤٢ ]
فأمَّا إذا كان العبد بين نصرانيّينِ، فأعتق أحدهما (^١)، لم يُقَوَّم عليه؛ لأنَّ الحاكم لا يحكم بينهم في حقوق الله ﷿ وإن تَعَلَّقَ بها أيضًا حقٌّ لآدمِيّ، وإنّما يحكم بينهم في حقوق الآدميين مجرَّدَةً.
ألا ترى: أنَّه لا يحكم بينهم في شرب الخمر والزِّنا.
•••
[٢٨٦٧] قال: وإذا كان العبد بين النَّصْرَانِيَّيْنِ، فأعتق أحدهما نصيبه، فلا يُقوَّمُ عليه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا قد ذكرناه: أنَّ العتق هو حقٌّ لله تعالى، ولا يجوز أن نحكم بينهم بإقامة حقوق الله سبحانه، كما لا يجوز أن نحدَّهُم في شرب الخمر والزنا، ونمنعهم من الربا وأكل الخنزير، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة:٢٩]، فوجب إقرارهم، مع أنَّهم لا يقيمون حقوق الله تعالى، ولا يجتنبون انتهاك حرمه.
فإن كان العبد مسلمًا، وجب عتقه كلّه على من أعتق بعضه؛ لأنَّهُ قد تعلّق بالعتق حقٌّ لمسلمٍ وهو العبد، فوجب تكميل ذلك له والنَّظر بينه وبين سيّده النَّصرانيّ، كما يجب أن يُنظَر بين المسلم والنَّصرانيِّ في حقوق المال وغيرها.
•••
_________________
(١) قوله: «فأعتق أحدهما»، كذا في شب، وفي جه: «فأعتق أحدهما نصيبه».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٠٧].
[ ٤ / ٢٤٣ ]
[٢٨٦٨] قال ومن وُهِبَ له نصف أبيه (^١) فقَبِلَه، كان عليه استتمام ما بقي له من رِقِّهِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قبوله سبب عتقه، فلزمه استكمال عتقه، كما لو اشترى بعض أبيه، لزمه عتق كلّه.
•••
[٢٨٦٩] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ، وعنده المال الكثير الَّذِي يَسَعُهُ، أنَّه لا عتق له حَتَّى يُقَوَّم، فإن مات قبل ذلك مات عبدًَا (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا يجب بعد وجوب القيمة - أعني: حصَّة الشَّريك الَّذِي لم يعتق -، والقيمة إِنَّمَا تجب بحكم الحاكم، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ العَدْلِ» (^٤)؛ لأن إعطاءه القيمَةَ بمنزلة شرائه، ثمَّ يُعْتِقه؛ لأنَّهُ ليس يقع العتق على الإنسان فيما لا يملكه.
ولهذا قال مالكٌ: «إنَّه إذا أعتق شريكه النِّصف الباقي، أنَّ ذلك له؛ لأنَّهُ أعتق ما يملكه، فجاز عتقه له».
•••
_________________
(١) قوله: «أبيه»، كذا في شب، وفي جه: «ابنه».
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، المدونة [٢/ ٤٢٥]، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٨٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، التفريع مع شرح التلمساني [٦/ ١٨٩].
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٦٧٨.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
[٢٨٧٠] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ، فقال العبد: «لا حاجة لي بِعِتْقِ ما بقِي»، فليس ذلك له (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في العتق حقَّين: حقًّا لله تعالى، وحقًّا لآدميّ، أعني: في تكميل عتق العبد متى أُعْتِقَ بعضه، وإذا كان كذلك، لم يجز للعبد ترك العتق ولا لسيِّده؛ لأنَّ حقّ الله تعالى قد تعلَّق بذلك، ولا يجوز ترك حقٍّ لله ﷿، وعلى الحاكم تنفيذ ذلك.
•••
[٢٨٧١] مسألة: قال: ومن أعتق حصَّةً له في عبدٍ، فأقام شهرًَا، ثمَّ أعتَقَ شريكُهُ، فذلك له، وإنّما يُقَوَّمُ عليه إذا أبى (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغرض في عتق العبد كلّه تكميل حريّته، فإذا أعتقه الشَّريك الآخر، ثَبَتَ عتقه ولم يُقَوَّم على الآخر؛ لأنَّهُ أعتق ملكه، وإنّما يعتق على الأوّل بعد دفع القيمة إلى الثَّاني، فإذا أعتقه الثَّاني قبل ذلك، جاز عتقه.
•••
[٢٨٧٢] مسألة: قال: ومن أعتق حصَّةً له في عبدٍ بإذن شريكه، قُوِّمَ عليه (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٨٥]، الجامع لابن يونس [٧/ ٦٤٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، المختصر الصغير، ص (٤٦٢)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٨٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٨٤].
[ ٤ / ٢٤٥ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذلك استكمال الحريّة، وهو حقٌّ لله جلَّ وعزَّ، فوجب إكمالها، سواءٌ كان ذلك بإذن شريكه أو لم يكن، أو أراد العبد ذلك أو أباه.
•••
[٢٨٧٣] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ، فقُوِّمَ الباقي، فزعم المُعْتِقَ: «أنَّه سارِقٌ آبِقٌ وشريكه يعْلَم»:
• فإن أقرَّ له بذلك الشريكُ، فذلك له.
• وإن أنكر، لم يكن عليه يمينٌ وقوِّم عليه صحيحًا، إلَّا أن يأتي المعتِقُ ببَيِّنَةٍ (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه لا يُقْبَل ذلك منه»؛ لأنَّهُ يريد أن يُنْقِصَ قيمة العبد بما يدَّعيه فيه من السَّرقِ وغيره.
ولم يحلف شريكه؛ لعدم شيءٍ يقوِّي سبب المدَّعِي لهذه الأشياء، وإنّما يَسْتَحْلِفُ مالكٌ المدَّعَى عليه إذا قَوِيَ سبب المدَّعِي في دعواه، من: خِلْطَةٍ، أو شبهةٍ، أو معنىً من المعاني.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٤)، الجامع لابن يونس [٧/ ٦٥٥]، ديوان الأحكام الكبرى، ص (١٦٦)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٥٨].
[ ٤ / ٢٤٦ ]
[٢٨٧٤] مسألة: قال: وإذا كان العبد الذميُّ بين المُسْلِمَيْنِ، فأعتق أحدهما نصيبه، قُوِّمَ عليه ما بقي منه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا حكمٌ وجب على المسلِمِينَ، فوجب الحكم عليهما، سواءٌ كان العبد مسلمًا أو كافرًا، كما لو وجب عليهما حَقٌّ أُخِذَ مِنهُمَا، سواءٌ كان لمسلمٍ أو كافرٍ.
•••
[٢٨٧٥] مسألة: قال: ومن وَرِثَ أحدًَا من قرابته الَّذِينَ يَعْتَقُونَ عَلَيْهِ إذا ملكهم، وَرِثَ ذلك وغيره، فَإِنَّهُ لا يَعْتَقُ عليه إلَّا مصابَتَهُ الَّتي وَرِثَ.
وإن وَهَبَ له بعض من معه مصابَتَهُ فقبلها، أُعْتِقَ عليه ذلك الَّذِي وُهِبَ له مع مُصَابَتِهِ الَّتِي ورِثَ، ولا قيمة عليه فيما بقي (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا سبب له في الميراث وإدخاله في ملكه؛ لأنَّهُ وقع ذلك بغير فعله ولا اختياره، فلم يجب عليه استكمال عتقه.
فأمَّا إذا وُهِبَ له فقبله أو اشتراه، لزمه استكمال عتق الباقي؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا وقع بإدخاله ملكه واختياره لذلك.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٥)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٠٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٥)، التفريع مع شرح التلمساني [٦/ ١٩٤]
[ ٤ / ٢٤٧ ]
فأمَّا إذا ورث شقصًا منه، ثمَّ وُهِبَ له بعد ذلك شقصٌ آخر فقبله أو اشتراه، فأعتق عليه أيضًا، لم يلزمه استكمال عتق الباقي؛ لأنَّهُ لم يبتدئ العتق بفعلٍ اختاره، فلم يجب عليه استكمال عتق باقيه، وإنّما يجب عليه العتق متى كان وقوع العتق عن فعلٍ اختاره - أعني: ابتداء وقوع العتق-.
فَأَمَّا وجوب عتق ما يملكه الإنسان، مثل الوالد وإن علا، والولد وإن سفل، والإخوة والأخوات كلّهم:
(فالدَّليل على عتق الولد: قول الله ﷿: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾، إلى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٣]، فدلَّ هذا على أنَّ الولد لا ينبغي أن يكون عبدًا؛ لأنَّهُ لو كان ولدًا لم يكن عبدًا، ولا خلاف في عتق الولد عليه إذا ملكه الإنسان بين أهل العلم.
(والـ[ـدَّلـ]ـيل على عتق الوالدين: قول الله ﷿: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام:٣٦]، فليس من الإحسان إليهما استرقاقهما؛ لأنَّ في ذلك ذلَّةً لهما، ولا خلاف في هذا أيضًا.
(فأمَّا وجوب عتق الإخوة والأخوات: فلأنَّهم يحجبون الأمَّ، فيجرون مجرى الولد، فيحجبون الأمَّ عن الثّلث إلى السُّدس، فكان سببهم أقوى من غيرهم مِمَّنْ هو أبعد درجةً منهم.
ولأنَّ أنثاهم تأخذ مع الذَّكر كما تأخذ أنثى الولد مع الذَّكر، فجروا مجرى الولد في وجوب عتقهم لهذه العلَّة.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
فإن قيل: قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ» (^١) (^٢)؟
قيل له: هذا حديثٌ رواه الحسن، عن سمرة، عن النَّبيِّ ﷺ، وقد قال أحمد بن حنبل: «إنَّ الحسن لم يسمع من سمرة شيئًا» (^٣).
ولو وجب عتقهم للحرمة، لوجب عتق الأمِّ والأخت من الرّضاعة؛ لحرمتهم.
•••
[٢٨٧٦] مسألة: قال: ومن أوصى بعِتْقِ عبده، فلم يحمل ذلك ثُلُثُهُ، فأجاز له بعض من وَرِثَه نصيبه، فلا قيمة عليه (^٤) (^٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصي بعتقه هو المُعْتِقُ، والولاء له دون الَّذِي أجازه، فلا قيمة على الَّذِي أجازه فيما بقي لشركائه من الورثة.
ولأنَّ الوارث لو كان مُعْتِقًا لحصَّته، لم تجب عليه القيمة؛ لأنَّهُ لم يبتدئ
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٤/ ٣٥٨]، والترمذي [٣/ ٣٩]، وابن ماجه [٣/ ٥٦٥]، والنسائي في الكبرى [٥/ ١٣]، وهو في التحفة [٤/ ٦٣].
(٢) ينظر الاعتراض في: المبسوط [٧/ ٦٩] المغني [٩/ ٢٢٤].
(٣) نقله ابن قدامة في المغني [٦/ ٦٦]، عن الأثرم.
(٤) قوله: «فلا قيمة عليه»، يعني: لا قيمة على من أجاز من الورثة.
(٥) المختصر الكبير، ص (٤٩٥).
[ ٤ / ٢٤٩ ]
بالعتق فيكون مبتدئًا بإدخال الضَّرر على شريكه، وإنّما كان المبْتدِئُ بعتقه الموصِي.
•••
[٢٨٧٧] مسألة: قال: ومن اشترى شَقْصًَا من بَعْضِ من يَعْتِقُ عليه إذا ملكه، استتَمَّ الباقي عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شراءه له سبب عتقه، فوجب تكميله عتقه كلّه.
وكذلك إذا وُهِبَ له فقبِلَه؛ لأنَّ (^٢) بقبوله له ما عتق، فلزمه استكمال الحريَّة.
وليس كذلك الميراث؛ لأنَّهُ لا سبب له في دخوله في ملكه.
•••
[٢٨٧٨] مسألة: قال: ومن أوصِيَ له بثلث رقيقٍ، منهم أخوه، فإن قَبِلَ، عَتَقَ عليه كلَّه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ بقبوله الوصيّة ما عتق بعضه، فهو سبب عتقه، فوجب عليه تكميل العتق كلّه، كما يجب ذلك عليه إذا اشترى بعضه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٥)، المدونة [٢/ ٤٢٥]، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٨٥].
(٢) قوله: «إذا وُهِبَ له فقبِلَه؛ لأنَّ»، كذا في شب، وفي جه: «إذا وُهِبَ له فقبِلَه، أو أوصِيَ له فقبله؛ لأنَّ».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩٥).
[ ٤ / ٢٥٠ ]
[٢٨٧٩] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في جاريةٍ، فلم يُقَوَّم ذلك عليه حَتَّى ولدت، فإنَّ ولدها بمنزلتها، يقوَّمون عليه جميعًا، وإنّما تكون القيمة قيمتهم يوم يُقَوَّمون ويَعْتَقُونَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلّ من ثبت لها عقد حريّةٍ من الإماء لا سبيل إلى رفعه، فذلك ثابتٌ لولدها الَّذِي هي حاملٌ به، أو حدث من بعد العقد.
ألا ترى: أَنَّهُ لو أعتق أمَةً حاملًا، لعتق ولدها.
وكذلك أمّ الولد، ولدها يعتق بعتقها، وكذلك ما يحدث لها من ولدٍ بعد كونها أمَّ ولدٍ يعتق بعتقها، وكذلك المدبَّرَة.
فوجب أن تُقَوَّم هذه الأمة وولدها قيمةً واحدةً؛ لأنَّ حكم ولدها حكمها، ثمَّ يعتقون على السيّد الَّذِي أعتق بعضهم بعد دفع قيمتهم إلى الشَّريك الَّذِي لم يُعتِق.
•••
[٢٨٨٠] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبد بَتْلًَا، وأعتق شريكه إلى سنةٍ، فليس ذلك له، إمَّا أعتَقَ بتلًا، وأمّا قُوِّمَ على شريكه كلّه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق البتل أوكد من العتق إلى سنةٍ؛ لأنَّ حرمته قد ثبتت في الحال، والعتق إلى سنةٍ إِنَّمَا تثبت حرمته إلى سَنَةٍ، وقد يموت العبد قبلها، فوجب تكميل حريّة العبد في الحال؛ لأنَّ ذلك حقٌّ قد وجب لله ﷿
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٥)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٦٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٥)، البيان والتحصيل [١٤/ ٣٦٥].
[ ٤ / ٢٥١ ]
وللعبد، إلَّا أن يُعْتِقَ الشَّريك الَّذِي أعتق إلى سنةٍ العبد عتقًا منجزًا فيجوز ذلك؛ لأنه أعتق ما يملكه.
•••
[٢٨٨١] مسألة: قال: ومن أوصى بحصَّةٍ من عبدٍ لصبيٍّ يتيمٍ مِمَّنْ يَعْتِقُ عليه إذا ملكه، أُعْتِقَ على الصَّبيِّ تلك الحصَّة وحدها، ولا يلزم استتمام ما بقي، وإن قَبِلَ ذلك له وليُّه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصَّبيَّ لا سبب له في العتق؛ لأنَّهُ لم يقبل ولا يصحّ منه قبولٌ.
وكذلك إن قبله وليّه لم يلزم (^٢) العتق؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يُتلِف مال اليتيم بأن يفعل فعلًا يلزمه منه عتقٌ.
•••
[٢٨٨٢] مسألة: قال: وإذا قاطع الرّجل عبدًَا له فيه شَرِكَةٌ بغير إذن شريكه، فَإِنَّهُ يُرَدُّ العبدُ رقيقًا، ويَرُدُّ السيِّدُ ما قاطع عليه، ولا يُقَوَّمُ عليه فيَعْتَق.
وقد قيل: إنَّه يَرُدُّ، ثمَّ يَعْتَقُ على الَّذِي قاطَعَ، إلَّا أن يكون أراد وجه الكتابة، وإذا كان إِنَّمَا أراد العِتْقَ، رَدَّ ذلك، ويُقَوَّمُ العبد عليه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد بعتقه القربة إلى الله تعالى، وإنّما قصد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٥)، المدونة [٢/ ٤٢٥]، النوادر والزيادات [١٢/ ٣١٧].
(٢) قوله: «يلزم»، كذا في شب، وفي جه: «يجز».
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩٦)، الموطأ [٥/ ١١٥٤].
[ ٤ / ٢٥٢ ]
طلب الفضل والمال، فلم يجز أن يُلزَم القيمة لتكميل الحريَّة؛ لأنَّهُ لم يقصدها للقربة.
فأمَّا إذا أراد وجه العتق لا الكتابة، فَإِنَّهُ يعتقُ عليه؛ لوجوب تكميل الحريَّة الَّتِي فيها حقٌّ لله ﷿، وحقُّ آدميٍّ.
ولأنَّ المُعْتِقَ إِنَّمَا أراد بالعتق وجه القربة إلى الله تعالى، لا طلب الفضل في العتق كما يطلبه المكاتِبُ للعبد.
•••
[٢٨٨٣] مسألة: قال: ومن أَعْتَقَ ثُلُثُ عبدٍ لَهُ وهو صحيحٌ، فلم يُقَوَّم عليه حَتَّى مات، فلا يَعْتَق منه إلَّا ثلثه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المال قد صار لغيره قبل استكمال (^٢) الحريّة، وذلك أنَّهَا تكون بعـ[ـد] دفع قيمة نصيب الشَّريك الَّذِي لم يعتق إليه، وقد فات ذلك.
وكذلك إذا كان العبد كلّه للمعتِقِ بعضَه، ثمَّ مات قبل حكم الحاكم عليه بعتقه، لم يعتق منه إلَّا ما أعتقه؛ لأنَّ باقي العبد قد صار لورثته وهم لم يعتقوه، فلم يجب تكميل عتقه عليهم، والله أعلم.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٦)، البيان والتحصيل [١٤/ ٥٤٠].
(٢) قوله: «قبل استكمال»، كذا في شب، وفي جه: «قبل وقوع استكمال».
[ ٤ / ٢٥٣ ]
[٢٨٨٤] مسألة: قال: وإذا أعتق الرّجل شَقْصًَا له يسيرًا في جاريةٍ مرتفعةٍ، مضى ذلك عتقًا، وإن لم يكن له مالٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحريّة إذا وقعت فلا سبيل إلى رفعها، وسواءٌ كانت قليلةً أو كثيرةً.
ولو جاز رفع الحريَّة إذا تقرّرت، جاز استرقاق الحرِّ من غير سببٍ أوجب استرقاقه، وهذا فاسدٌ.
•••
[٢٨٨٥] مسألة: قال: ومن أراد أن يُدَبِّرَ عبدًا له بينه وبين يتيمٍ له، فليأت السّلطان حَتَّى يكون النَّاظر لليتيم، ولا يعامِلُ هو نَفْسه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا دَبَّر حِصَّته في عبدٍ، احتيج إلى مقاواته (^٣)، ولا يجوز أن يُقَوِّمَ هو حصَّة يتيمه على نفسه حَتَّى يُقَوِّمَها الإمام؛ لجواز أن يحابي نفسه في القيمة.
•••
[٢٨٨٦] قال: ومن أعتق حصَّةً له في عبدٍ، فلم يُقَوَّم عليه حَتَّى مات، فإن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٦)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٨]، البيان والتحصيل [١٥/ ١٥٥].
(٣) قوله: «مقاواته»، المقاواة هي المزايدة، ينظر: مواهب الجليل [٥/ ١٣٣].
[ ٤ / ٢٥٤ ]
كان موته بحداثة العتق - لم يَطُلْ ولم يُؤَخَّر -، قُوِّمَ عليه في رأس ماله، ولا يكون في الثُّلُثِ.
وقد قيل: إنَّه لا يَعْتِقُ منه إلَّا النِّصف الَّذِي عَتَقَ، والأوّل أحبّ إلينا (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يَعْتِقُ باقي العبد (^٢) في رأس ماله وإن مات»؛ فلأنَّ عتقه من (^٣) قد لزمه في حال صحّته؛ لأنَّه حين أعتق كان موسرًَا، فلزمته قيمة حصَّة شريكه، كما يلزمه أرش الجناية وقضاء الدَّيْنِ وغير ذلك، فيُخْرَج من رأس ماله.
ووجه قوله الآخر: هو أنَّ العِتْقَ إِنَّمَا يلزمه بالقيمة، فمتى بقي ملكه حَتَّى يُقَوَّمَ عليه، قُوِّمَ عليه، ومتى زال إلى غيره مِمَّنْ لم يعتقه، فلا يلزمه عتق حصَّة شريكه.
•••
[٢٨٨٧] مسألة: قال: ومن أَعْتَقَ ثُلُثَ عبدٍ له في صحَّته بَتْلًا، ثمَّ عَلَّمَ به في مرضه، عَتَقَ الباقي منه في ثلثه (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق قد لزمه في كلّ العبد بِعِتْقِ بعضه، فلزمه أن يَنْفُذَ ذلك في ثلثه؛ لأنَّ سبيل المريض في ثلثه وما يلزمه فيه مِمَّا يتصرف فيه على غير معاوضةٍ - من العتق والهبة وأشباه ذلك -، كسبيل الصَّحيح في ماله كلّه،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٦)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٩١].
(٢) قوله: «العبد»، كذا في شب، وفي جه: «العتق».
(٣) قوله: «من»، كذا في شب، وفي جه: «حقٌّ».
(٤) المختصر الكبير، ص (٤٩٦)، البيان والتحصيل [١٤/ ٥١٩ و٥٤٠ و١٥/ ٣٩].
[ ٤ / ٢٥٥ ]
فلمَّا كان يلزم ذلك الصَّحيح في ماله كلّه لو أعتق بعضه، لزم المريض ذلك في ثلثه.
•••
[٢٨٨٨] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين ثلاثة نفرٍ: لأحدهم نصفه، ولآخر ثلثه، وللآخر سدسه، فأعتق صاحب الثّلث والسُّدس في كلمةٍ واحدةٍ، قُوِّمَ عليهما نصيب صاحبهما بقدر أنصبائِهِما منه، ولا يُقَوَّم شطرين.
فإن لم يكن لأحدهما مالٌ، قُوِّمَ ذلك على شريكه كلّه الَّذِي أعتق معه في صفقةٍ واحدةٍ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما قد أدخل الضَّرر على شريكه بسبب عتقه في حالٍ واحدةٍ، فمتى كانت حصَّته أكثر، فالضَّرر الَّذِي أوقعه أكثر، فوجب أن تكون القيمة عليه على حسب ما أدخل من الضَّرر.
وذلك بمنزلة الشّفعة، أنَّهَا على حسب الأنْصِباء لا الرُّؤوس؛ لأنَّهُ يُرَاعى فيها دفع الضَّرر.
وأحسب أنَّ مالكًا قد قال: «إنَّهما يستويان في القيمة»؛ لأنَّ الضَّرر باليسير من العتق في العبد كهو في كبيره؛ لدخول جزء الحريَّة فيه، وهو قول عبد الملك (^٢).
ومنزلة ذلك منزلة نفقة الأبوين، أنَّه يستوي فيها من كَثُرَ ملكه ومن قلَّ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٦)، التفريع مع شرح التلمساني [٦/ ١٩٢]، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٨٨].
(٢) ينظر: النوادر والزيادات [١٢/ ٢٨٨].
[ ٤ / ٢٥٦ ]
وقوله: «إنَّه يَعتق على أحدهما إذا لم يكن للآخر مالٌ»؛ فلأنَّه قد أدخل الضَّرر على شريكه بعتقه حصّته من العبد، فوجب عتقه عليه؛ لأنَّهُ ليس أحد الشّريكين بالعتق عليه أولى من الآخر؛ لأنَّه لم يتقدَّم عتق أحدهما الآخر، كما إذا تقدَّم عتق أحدهما ويكون معسرًَا، فلا يقوَّم على المعتِقِ الآخرِ؛ لأنَّ المُعتِقَ الثَّاني لم يبتدئ الضَّرر، وإنّما ابتدأه الأوَّل، وإذا أَعْتَقَا معًا في كلمةٍ واحدةٍ أو حالٍ واحدةٍ، فلم ينفرد أحدهما بإدخال الضَّرر بعتق حصَّته دون الآخر، فاستويا في وجوب القيمة عليهما للشَّريك الَّذِي لم يُعْتِقْ.
•••
[٢٨٨٩] مسألة: قال: ومن قال لعبده وهو صحيحٌ: «ثلثك حرٌّ»، أُعْتِقَ كُلّه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لوجوب تكميل الحريّة كلّها؛ لأنَّهُ لَمَّا لزمه تكميل حرية العبد كلّه إذا كان بينه وبين شريكه متى أعتق حصَّته، كان ذلك في العبد إذا انفرد بملكه أولى، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
وقد رُوِيَ: «أَنَّ رَجُلًَا أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ عَبْدٍ، فَأَعْتَقَهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كُلّهُ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلهِ شَرِيكٌ» (^٢)، هذا معنى الحديث.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٦)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٦٤].
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ٣٥٣]، والنسائي في الكبرى [٥/ ٣٤]، وهو في التحفة [١/ ٦٥].
[ ٤ / ٢٥٧ ]
[٢٨٩٠] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ، فجُهِلَت القيمة، والمعتِقُ مُوسِرٌ، حَتَّى باع الشَّريك، فالبيع مفسوخٌ، ويُرَدُّ حَتَّى يُقَوَّمَ على المعتِقِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تكميل العتق قد لزم المعتِقَ في العبد كلّه متى أعتَقَ حصَّته، فلا يجوز بيعه، كما لا يجوز بيع أمِّ الولد والمكاتب والمدَبَّرِ.
•••
[٢٨٩١] مسألة: قال: ومن وهب شركةً في عبدٍ لعبده، قوِّمَ عليه الباقي منه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ملَّكه شيئًا من نفسه، وذلك عِتْقُهُ، فوجبت عليه القـ[ـيمة] لشريكه في حصَّته.
•••
[٢٨٩٢] مسألة: قال: ومن أعتق ثلث عبدِهِ، وأخدَمَ ثلثه، وباع ثلثه، ثمَّ مات، فليس يَعْتَقُ من العبد إلَّا ما أعتَقَ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا يلزمه مع بقاء ملكه، فإذا زال ملكه، لم يجز عتق باقي العبد؛ لأنَّهُ قد صار لغيره الَّذِي لم يعتق منه شيئًا.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٧)، المدونة [٢/ ٤١٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٧).
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩٧).
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وكذلك لو أعتقه وهو موسرٌ، ثمَّ أعسر، لم تلزمه القيمة لشريكه.
•••
[٢٨٩٣] مسألة: قال: ومن أعْتَقَ ثلث عبده، ثمَّ رهقه دينٌ، أُعْتِقَ ثلثه، وكان الدَّيْنُ أولى بما بقي (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تكميل حريَّة ما بقي في العبد، إِنَّمَا يكون بأن ينظر الحاكم في ذلك؛ لئلا يكون على المعتِقِ دينٌ، فلم يلزمه العتق في الباقي من العبد إلَّا بعد نظر الحاكم فيه، فمتى رهقه دينٌ، لم يعتق عليه باقيه؛ لأنَّ أداء الدَّيْنِ أولى من العتق على قول مالكٍ كما ذكرناه.
وكذلك المريض يُعْتِقُ عبده ثمَّ يطرأ دينٌ بعد عِتْقِهِ؛ لوجوب تقدمة الدَّيْنِ على العتق.
•••
[٢٨٩٤] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ، وقد كان تصدَّق بخدمته حياته، أُعْتِقَ عليه؛ لأنَّ من تَصَدَّق عليه لم يقبل صدقته (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون المتَصَدَّقُ عليه لم يقبل الخدمة، فجاز عتقه؛ لأنَّهُ لم يتعلَّق فيه حقٌّ لأحدٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٧).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٧).
[ ٤ / ٢٥٩ ]
ولو كان قَبِلَ الخدمة، لم يجز عتقه حَتَّى تنقضي الخدمة، كما لو أجَّره، ثمَّ أعتقه، لم يجز عتقه؛ لثبوت حقِّ المستأجر والمُخْدَمِ في العبد.
•••
[٢٨٩٥] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ وهو زرَّاعٌ، قُوِّمَ في موضعه الَّذِي يُعْرَفُ فيه عَمَلُهُ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في قيمته هناك توفيرًا لحقِّ الَّذِي لم يُعْتِق، فوجب أن يُقَوَّم حيث لا يضرّ به.
•••
[٢٨٩٦] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ بعد موته، وأوصى بعتق ما لشركائه، أُعْتِقَ في ثلثه، وبُدِّئَ على الوصايا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ عِتْقُ عبدٍ بعينه، فوجب تقدمته على الوصايا؛ لحرمة العتق؛ لأنَّهُ حقٌّ يثبت في البدن.
ووجب عتق ما لشركائه؛ لوصيَّته بذلك؛ لا لعتق حصَّته في وصيَّته، وقد فسَّرنا هذا فيما تقدَّم.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٧)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٢٢]، البيان والتحصيل [١٤/ ٤١٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٧)، المختصر الصغير، ص (٤٦٢).
[ ٤ / ٢٦٠ ]
[٢٨٩٧] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ، فبلغ صاحِبَهُ فقال: «لا أُعْتِقُ، ولكن أطلب حقِّي»، وكان صاحِبُهُ موسرًَا، ثمَّ بدا له أن يرجع إلى العِتْقِ، فليس ذلك له، ويُعْتَقُ على الأوَّلِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ثَبَتَ الولاء كلّه للَّذي أعتقه بقوله: «لا أُعْتِقُ»؛ لأنَّهُ قد رضي بالقيمة، فليس له أن يرجع عن ذلك إلى عتقه؛ لأنَّ في ذلك إبطال حقِّ غيره.
•••
[٢٨٩٨] مسألة: قال: ومن أعتق عبيدًَا له عند الموت، ليس له مالٌ غيرهم، قُسِّمُوا أثلاثًا، ثمَّ أُسْهِمَ بينهم، فيَعْتَقُون بالسَّهم، ويَرِقُّ ما بقي، فإن كان فيهم فضلٌ، رُدَّ السَّهم عليهم، فأُعْتِقَ الفَضْلُ، ترك مالًا غيرهم أو لم يترك (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ متعدٍّ بعتق كلِّهم؛ لأنَّهُ أخذ ماله ومال الورثة، فوجب ردُّ تعدِّيه وقصره على ما يجوز له أخذه - وهو الثّلث -، وكذلك فعل رسول الله ﷺ.
فروى ابن عليَّة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين: «أَنَّ رَجُلًَا كَانَ لَهُ سِتَّةُ أَعْبُدٍ، فَأَعْتَقَهُمْ عِنْدَ المَوْتِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَعْتَقَ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٧)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٣٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٧).
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٨٦٤.
[ ٤ / ٢٦١ ]
وروى عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد الله بن المختار (^١)، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ مثله (^٢).
•••
[٢٨٩٩] مسألة: قال: ومن أعتق رقيقًا له عند الموت، وعليه دينٌ يحيط بنصفهم، فإن استُطِيعَ أن يُعْتَقَ من كلّ واحدٍ منهم نصفه، فُعِلَ ذلك بهم (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّه قد أعتق من كلّ واحدٍ من العبيد بعضه بتلًا، فوجب أن يُقْضَى دينه، ثمَّ يعتق من كلّ واحدٍ من العبيد بقدر ما بقي من ثلثه؛ لأنَّهُ لم [يُو] قِعِ الحريَّة على جماعتهم، وإنّما أعتق من كلِّ واحـ[ـدٍ حصَّة الثّـ]ـلث (^٤)، فوجب تقدمة الدَّين؛ لأنَّ المعتَقَ بعضه إذا بيع نقص ثمنه عن ثمن العبد الَّذِي ليس فيه عتقٌ، فقُدِّم الدَّين، ثمَّ الحريّة بعده لِأَنَّهَا الوصيّة، ثمَّ الميراث بعدها.
وهكذا الحكم فيمن أعْتَقَ في مرضه من كلّ عبدٍ يملكه ثُلُثَه، أَنَّهُ يعتق من كلّ واحدٍ من العبيد ما يحمل الثّلث منه، ويكون باقي الثُّلثين لورثته.
•••
[٢٩٠٠] مسألة: قال: ومن أعتق رأسًا من رقيقه بعد موته، وله عشرةٌ، ولم يسمِّه: قُوِّمُوا جميعًا، ثمَّ قُسِمَت القيمة أعشارًَا، ثمَّ أُقْرِعَ بينهم، فمن طار له السَّهم
_________________
(١) عبد الله بن المختار البصري، لا بأس به، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٥٤٤).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٢٠/ ٦٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩٧).
(٤) ما بين [..]، مطموس في شب، والمثبت من جه.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
أُعْتِقَ بتلك القيمة، إن خرج كلّه أو خرج بعضه، فإن كانت قيمته أقلَّ من ذلك، أُقْرِعَ بين من بقي، فيُعْتَقُ ذلك الفضل منه.
وكذلك من أوصى ببعيرٍ من إبله، أو بنخلةٍ من نخلِهِ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا لم يسمّ الرَّأس الَّذِي أعتقه، وكذلك ما أوصى به من بعيرٍ أو نخلٍ، لم يجز أن نُعتِق أعلى ذلك ولا نُنْفِذَه في الوصيَّة؛ لأنَّ في ذلك ضررًا على الوارث.
ولا نُخْرِج أدنى ذلك؛ لجواز أن يكون الموصي أراد أعلاه.
فكان العدل في ذلك: أن نَنْظُرَ إلى جزءٍ واحدٍ من أجزاء الرَّقيق الَّذِي أسمى واحدًا منهم، فنعتقه بالقيمة، أو ندفع ذلك إلى الموصى له على ما فسَّره مالك؛ لئلا يكون في ذلك حملٌ على الفريقين.
وجعلنا قوله: «رأسًا من عشرةٍ»، كأنَّه قال: «جزءًا من عشرةٍ».
فعلى هذا يجري هذا الباب، في العتق والوصيَّة والصَّدقة والهبة.
فإن قيل: إنَّ مال الموصي قد ثبت ملكه عليه، فوجب أن يرثه عنه ورثته، ولا يُنْقَل إلى غيرهم إلا بيقينٍ؟
قيل له: بل الوصيّة مقدَّمةٌ على الميراث، فوجب أن تنفذ الوصيّة، ثمَّ يرث الورثة، وليس يُتَيَقَّن أنَّ الموصي أراد أدنى ما يقع عليه الاسم أو أعلاه، وإذا كان ذلك، لم يُتَيَقَّن بقاء ذلك على ملكه بعد الوصيّة ولا زواله عنه، فكان
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٨)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٤٩٩].
[ ٤ / ٢٦٣ ]
ذلك محتملًا، فوجب أن يُفعل في ذلك ما هو عدلٌ بين الموصَى لهم والورثة؛ لاحتمال ما ذكرناه، وقد قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] (^١).
•••
[٢٩٠١] مسألة: قال: وإذا أعتق الرّجل عبدَهُ وعليه دينٌ: بيع منه بقدر الدَّينِ، وعُتِقَ ثلث ما بقي، إذا لم يكن له مالٌ غيره (^٢).
إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّيْنَ أولى من العتق؛ لأنَّ العتق وصيّة وتطوُّعٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١].
ثمَّ أُعْتِقَ منه ثلثه بعد الدَّيْنِ؛ لوجوب إنفاذ وصيته.
وكذلك إذا أعتق الصَّحيح عبدًا لا يملك غيره وعليه دينٌ، كان للغرماء ردّ ذلك إن شاؤوا؛ لأنَّ أداء الدَّين أولى من العتق؛ لأنَّ أداءه فرضٌ والعتق تطوُّعٌ، فوجب تقدمة الفرض على التَّطوّع.
ولأنَّ الدَّين قد أُخِذَ عوضه، فكان أولى مِمَّا لم يؤخذ عوضه وهو العتق.
ألا ترى: أنَّ الله تعالى قد أوجب تقدمة الدَّين على الميراث؛ لأنَّ الدَّين قد أُخِذَ عِوَضُهُ ولم يؤخذ عوض الميراث، فكان الدَّين لهذه العلَّة مقدَّمًَا على العتق.
•••
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٥٠٠]، شرح المسألة عن الأبهري بتصرف.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٨)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٠٣]، البيان والتحصيل [٤/ ٥١٠].
[ ٤ / ٢٦٤ ]
[٢٩٠٢] مسألة: قال: وإذا أعتق الرّجل عبدَهُ عند موته، قُوِّمَ العبد بماله:
• فإن لم يكن له مالٌ غيره، عَتَقَ ثلثه، وكان ماله موقوفًا بيده، ولا يُحْدِثُ فيه شيئًَا إلَّا ما أكل واكـ[ـتـ]ـسى.
• وإذا كان للسيِّد مالٌ، فإنَّ العبد بماله يُضَمُّ إلى ما ترك الميِّت، ثمَّ يَعْتَقُ من العبد بقدره (^١).
• إنَّمَا قال: «يُقَوَّم العبد بماله»؛ لأنَّهُ لا يجوز انتزاع ماله منه، فوجبت قيمته على أوفر أحواله وصنائعه، فكذلك بماله.
ووُقِفَ بيده؛ لأنَّهُ ملكه، لا يجوز انتزاعه منه، لِمَا قد ثبت له من الحريَّة.
•••
[٢٩٠٣] مسألة: قال: ومن أعتق رقيقًا له في وصيّةٍ في أيَّامٍ مفترقةٍ، فَإِنَّهُ لا يُبَدَّأُ بعضهم على بعضٍ.
وإن أعتق واحدًا بتلًا وآخر في وصيَّته، بُدِئ بالبتل على غيره.
وإن بَتَلَ واحدًا وأوصى بآخر بعد خدمة عشر سنين، بُدِئَ بالمُبَتَّلِ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حرمتهم واحدةٌ، وسببهم واحدٌ في العتق؛ لأنَّ كلّهم إِنَّمَا يعتق بعد الموت إذا أعتقهم في وصيَّةٍ، فلا وجه لتبدئة أحدهم على الآخر.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٨).
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٨)، المدونة [٤/ ٣٥٣].
[ ٤ / ٢٦٥ ]
فأمَّا إذا بَتَلَ عتق أحدهم وأعتق الآخر في وصيَّته، بُدِئ بالمبتَّل؛ لقوَّة سببه؛ لأنَّ المبتول لا يجوز الرّجوع فيه، والوصيَّة بالعتق يجوز فيها الرُّجوع.
وكذلك المُعْتَقُ بعد خدمة عشر سنين، يُبَدَّأُ المعتق بتلًا عليه؛ لقوَّة سببه؛ لجواز أن يموت المخدمُ إلى سنين قبل تقضِّي السِّنين، فوجب تقدمة من تنتجز حريَّته في حالٍ.
وعلى هذا يجري هذا الباب، أَنَّهُ يُبَدَّأ الأوكد فالأوكد؛ لقوَّة سببه، إلَّا أن يقول: «بدُّوا غيره»، فيُبَدَّأُ ما قال وإن كان غيره أوكد منه، ما لم تكن حريّةٌ منجَّزة، فلا يجوز تقدمة غيرها عليها، إلَّا ما كان من الواجبات، مثل: الزكَّاة، والنُّذور، وكفارات الأيمان، وأشباه ذلك، فإنَّهَا أولى بالتَّقدمة من غيرها من الوصايا الَّتِي ليست بواجبةٍ، وإنّما هي تطوُّعٌ، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم.
•••
[٢٩٠٤] مسألة: قال: ومن أعتق رأسًا من رقيقه ليس بعينه، وله عشرون، ثمَّ مات منهم عشرةٌ، فَإِنَّهُ يَعْتَقُ من الباقين عُشْرُهُم بالقيمة، ولا يُنظَر إلى من مات (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من مات منهم قبل موته، فقد سقط من ماله، وإنّما تنفذ الوصيّة من الثّلث الَّذِي يخلفه الإنسان، فأمَّا ما تلف قبل موته أو بعد موته قبل اجتماع المال، فلا يعتبر ذلك في الثّلث ولا الثُّلُثَيْنِ.
ولو جاز ذلك؛ لكان في ذلك إنفاذ الوصيّة قبل موت الموصي، وإعطاء الورثة الميراث قبل موت الموروث؛ لأنَّا لو أدخلنا من مات قبله في القرعة،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٨)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٥٠١].
[ ٤ / ٢٦٦ ]
لكان إذا وقعت القرعة في حيِّز الثّلث، فقد صار حرًّا قبل موت الموصي، وإنّما أوصى أن يكون حرًّا بعد موته، وفي هذا إخراج الوصيّة قبل موت الموصي، أو تكون إذا وقعت في الثُّلُثَيْنِ من الورثة ومات منهم، فقد ورثوا الميِّت قبل موته، وهذا فاسدٌ بإجماعٍ (^١).
ولهذا المعنى قال مالكٌ: إِنَّهُ لا اعتبار لمن مات من العبيد قبل موت المُعتِقِ، وكذلك من مات بعد موته قبل اجتماع المال؛ لأنَّ المراعاة في ماله والعتق فيه إِنَّمَا هو وقت حصوله واجتماعه، لا ما قبل ذلك، فوجب عتق ما سمَّى من العُشر أو غيره من الجزء فيما بقي من رقيقه بالقيمة على ما بيَّنَّاه، كان ذلك في رأسٍ أو أكثر منه أو أقل، على ما تخرجه القرعة.
•••
[٢٩٠٥] قال: ومن قال: «غلامي حرٌّ»، أو قال: «رقيقي أحرارٌ»، فذلك كلّه سواءٌ، يَعْتَقُون كلُّهم (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم هذا اللفظ واحدٌ في وجوب الحريَّة، فاستوى أمر اللَّفظ في ذلك؛ لاتّفاقه في المعنى.
•••
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ٥٠٢]، هذه المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٨)، النوادر والزيادات [١٢/ ٢٦٧]، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٠٥].
[ ٤ / ٢٦٧ ]
[٢٩٠٦] مسألة: قال: ومن قال عند الموت: «ثلث رقيقي حرٌّ»، أُسْهِمَ بينهم، وإن أعتقهم كلّهم، أُسْهِم بينهم.
وإن قال: «ثلث كلِّ رأس»، أو: «نصفه»، لم يُسْهَم بينهم (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتَقَ رقيقه كلّهم، أُعْتِقَ ثلثهم بالقيمة - على ما فسّرناه -؛ لأنَّهُ أَخَذَ ما له أخذه وما ليس له أخذه، فوجب أن يقتصر به على الَّذِي كان له أَخْذُهُ - وهو الثّلث -، كما فعل النَّبيُّ ﷺ ذلك، على ما بيَّنَّاه في حديث عمران بن الحصين.
فأمَّا إذا أعتق من كلّ واحدٍ نصفه أو ثلثه، لم يُقرع بينهم، وأُعتِق من كلّ واحد ثلثه؛ لأنَّهُ قد قرَّر الحريَّة في كلّ واحد من العبيدِ، فلا يجوز رفعها عنه.
ولأنَّه فعل ما يجوز له فعله بعتقه ثلث ماله دون كلّه.
•••
[٢٩٠٧] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًَا له، تَبِعَه مالُهُ، ولم يتبعه ولدُهُ (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ ماله يتبعه في العتق»؛ لتتكامل حرمة العتق بتوابعها.
ولأنَّ العتق خروجٌ من رقٍّ إلى حريَّةٍ ليس فيها تسليطٌ لأحدٍ عليه.
وليس كذلك البيع وغيره؛ لأنَّهُ خروجٌ من رقٍّ إلى رقٍّ، فكان ماله للبائع، إلَّا أن يشترطه المبتاع، كما قال رسول الله ﷺ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٨)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٣٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٩)، الموطأ [٥/ ١١٢٥]، المختصر الصغير، ص (٤٦٣).
[ ٤ / ٢٦٨ ]
وقد روى اللَّيث بن سعدٍ، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشجِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًَا تَبِعَهُ مَالُهُ، إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ» (^١).
وقوله: «لا يتبعه ولده»؛ فلأنَّ ولده ملكٌ لسيّده، وهو خلاف ماله الَّذِ [ي هـ]ـو ملكٌ للعبد، فلم يحب أن يتبعه ولده في العتق؛ لأنَّ سيدهم لم يُعتقهم، وإنّما أعتق العبد وحده.
•••
[٢٩٠٨] مسألة: قال: ومن أعتق عبده إلى سنين، فله أن يأخذ ماله، ما لم يُقَارِبْ عِتْقُهُ مثل الشَّهر ونحوه، أو في وصيِّةٍ؛ لأنَّ ذلك قد تَبَيَّنَ أمره.
فإن قال: «اخْدِمْ فلانًا عشر سنين»، فلا يأخذ ماله (^٢).
• إنَّمَا قال في المُعتَقِ إلى أجلٍ: «إنَّه يؤخذ ماله»؛ لأنَّ أحكامه أحكام العبد ما لم يأت الأجل، فكذلك حكم ماله.
فأمَّا إذا قَرُبَ الأجل لم يأخذه؛ لقرب عتقه.
فأمَّا مال المخْدَمِ فَإِنَّهُ لا يأخذه؛ لأنَّ المخدَمَ له في مال العبد المخْدَمِ حمالٌ وقوَّةٌ على الخدمة، فلا يجوز له أخذه.
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٢٦.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٩)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٤٩ و١٣/ ٥٤].
[ ٤ / ٢٦٩ ]
[٢٩٠٩] مسألة: قال: وإذا أُعْتِقَ العبد وله أمُّ ولدٍ حامل منه، تبعته، ولا يَعْتَقُ ما في بطنها (^١).
• إنَّمَا قال: «تتبعه أمُّ ولده»؛ لِأَنَّهَا ماله.
فأمَّا الولد فَإِنَّهُ ملكٌ لسيِّده، فلا يعتق؛ لأنَّهُ لم يُعْتِقه، وإنّما أعتَقَ الأب.
•• i•
[٢٩١٠] مسألة: قال: وإذا أعتَقَ أمَتَهُ، ولم يستثن مالها، ولها على زوجها صداقٌ، فالصَّداق من مالها.
ويكون ذلك للمشتري لو اشتَرَطَ مالها (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصَّداق عنده مُلكٌ للأمَةِ، بمنزلة مالها، حَتَّى ينتزعه السيِّد منها، فإذا أعتقها، تَبِعَهَا مالُها من الصَّداق وغيره، إلَّا أن يستثني سيِّدُها المعتِقُ مالهَا، فيكون ذلك له، صداقها كان أو غيره.
وكذلك إن اشترط المشتري مالها، فالصَّداق له، بمنزلة مالها، أعني: أنَّ ملكها يتقرَّر عليه، ولا ينتقل إلى البائع، فيكونُ فيه كما كان للبائع قبله.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٩)، البيان والتحصيل [١٥/ ٩٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٩).
[ ٤ / ٢٧٠ ]
[٢٩١١] مسألة: قال: ولا يُنْزَعُ مال العبد المعتق نصفه (^١)، ويأكل ويكتسي ولا يسرف، ولا يتصدَّق ولا يُعْتِق، فإذا مات، وَرِثَه الَّذِي بقي له فيه الرقُّ.
ولا بأس أن يتَّجرَ بماله التّجارة المأمونة، ويعمل في ماله ما شاء (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المعتَقَ بعضه قد ثبتت له حريَّةٌ، فلا يجوز أخذ ماله، كما لا يجوز أخذ مال المكَاتَبِ، إلَّا أن يتَّفق هو وسيّده على ذلك فيجوز.
وقوله: «إذا مات فماله للّذي له فيه الرقّ، دون الَّذِي أعتق بعضه»؛ فلأنَّ أحكامه أحكام العبد في الحدود والشَّهادة؛ لأنَّ حرمة الحريّة لم تتمَّ فيه بعد، فوجب أن يكون حكمه في الميراث حكم العبد أنَّه يورث بالرقّ.
ألا ترى: أنَّه لا يورث بالنَّسب بمقدار الحريَّة فيه، والنَّسب أقوى من الولاء، فكذلك وجب أن لا يورث بالولاء بمقدار الحريَّة؛ لأنَّ النَّسب والولاء إذا اجتمعا، كان الميراث بالنَّسب أقوى، فلمَّا لم يورث هذا ببعض النَّسب، فكذلك لا يورث ببعض الولاء.
•••
[٢٩١٢] مسألة: قال: ومن أعتق نصف عبدٍ بينه وبين رجلٍ واستثنى ماله، لم يكن ذلك له، وقُوِّمَ عليه بمالِهِ (^٣).
_________________
(١) قوله: «نصفه»، كذا في شب وهي مهملة، وقد جاءت معجمة في جه: «بصفة»، وسياق الشارح وما في النوادر والزيادات [١٢/ ٤٥١]، وغيرها من الكتب يقتضي ما أثبتُّه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٩)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٦٦].
(٣) المختصر الكبير، ص (٤٩٩)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٦٦].
[ ٤ / ٢٧١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن ينفرد هو بانتزاع ماله دون شريكه، فإذا أعتقه واستثنى ماله، فقد انفرد بأخذ بعض ماله دون شريكه، وذلك لا يجوز.
وقوله: «يُقَوَّم عليه بماله»؛ فلأنَّ بالعتق قد وجب أن يتبعه ماله، فوجب قيمته به.
•••
[٢٩١٣] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًَا بينه وبين رجلٍ واستثنى ماله، لم يجز، وكذلك من أعتق نِصْفَ عَبْدٍ نِصْفُهُ حرٌّ واستثنى ماله، فليس ذلك له، ويتبعه ماله (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ماله قد صار له بعتقه، فلا يجوز لسيِّده استثناؤه بعد ذلك.
•••
[٢٩١٤] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًَا له، وله مالٌ لم يعلم به، فهو للغلام (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق قد ثبت للعبد، فوجب أن يتبعه ماله، وسواءٌ عَلِمَ به سيّده أو لم يعلم، كالأَمَةِ إذا أعتقها سيّدها وهي حاملٌ، تبعها حمْلُهَا، علم سيّدها أو لم يعلم.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٩)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٦٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٤٩٩)، المدونة [٢/ ٥٦٤]، البيان والتحصيل [١٤/ ٥١٦].
[ ٤ / ٢٧٢ ]
[٢٩١٥] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًَا وله جاريةٌ حاملٌ، فأعتق الغلامُ الجاريَةَ، لم يجز ذلك، وكانت في حالها حال أَمَةٍ حَتَّى تَضَعَ ويأخذ السيِّد عبْدَهُ، وتَعْتَق هي بعد الوضع (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأمَةَ ملكٌ للعبد، وما في بطنها ملكٌ لسيِّد العبد، ولا يجوز أن تكون حرَّةٌ في بطنها عبدٌ؛ لأن ذلك مخالف الأصول.
ألا ترى: أنَّ أمَّ الولد إِنَّمَا ثبت لها عقد حريَّةٍ؛ لأنَّ في بطنها حرًّا.
ومعنى آخر، وهو: أنَّ الَّذِي في بطنها بمنزلة عضوٍ منها، فلا يجوز أن يعتق عضوٌ منها دون عضوٍ.
ولهذا قال مالكٌ: إِنَّهُ لا يجوز للغلام عتق الجارية، فمتى أعتقها، كان عتقها موقوفًا حَتَّى تضع، ثمَّ تصير حرَّةً.
•••
[٢٩١٦] مسألة: قال: ومن قال لعبده: «أنت حرٌّ إذا مات فلانٌ»، فله أن يأخذ من ماله ما شاء (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُعْتَقَ إلى أجَلٍ حُكْمُه حكم العبد في حدوده
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٤٩٩)، البيان والتحصيل [١٥/ ٩٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٠)، المدونة [٢/ ٤٣٠].
[ ٤ / ٢٧٣ ]
وشهادته ومواريثه، فكذلك حكم ماله حكم مال العبد، فللسيِّد أخذه ما لم يأت الأجل.
•••
[٢٩١٧] مسألة: قال: ومن مثَّل بعبده، أعتقه عليه السّلطان، وولاؤه له.
والمُثْلَةُ: أن يقْطَعَ يده، أو أذنَه، أو بعض جسده، أو يَسْحَلَ أسنانه، أو يضربه بالنَّار.
فأمَّا ما كان على وجه التَّأديب، فأصاب منه ما لم يُرِدْ: مِنْ فقءِ عينٍ، أو طرح سنٍّ، فلا عِتْقَ عليه، وإنّما يَعْتَقُ عليه من تعمَّده بذلك.
وإذا أُعْتِقَ بالمُثْلَةِ، تبعه ماله (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ الماثِلَ بعبده يعتق عليه»؛ عقوبةً له؛ لأنَّهُ قد فعل به شيئًا محرَّمًا عليه، ولا يمكن ردعه بالقصاص؛ لامتناعه بينهما، فوجب أن يُخْرَجَ عن ملكه بالعتق عقوبةً له؛ لئلا يعود فيمَثِّلَ به ثانيةً، والعقوبة جائزةٌ في المال.
ألا ترى: أنَّ الكفَّارة إِنَّمَا هي إخراج مالٍ.
وهذا إذا قصد التَّعذيب بما فعله به، فأمَّا إذا كان عن غير قصدٍ لتعذيبه، أتى على يده على وجه الأدب له، فلا عتق عليه؛ لأنَّهُ لم يقصد تعذيبه بفعل شيءٍ محظورٍ عليه، فلم يجب عتقه عليه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٠)، المختصر الصغير، ص (٤٦٤)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٤).
[ ٤ / ٢٧٤ ]
وقد روى ليث ابن أبي سليم، عن سلمة بن كهيل، قال: «أَعْتَقَ ابْنُ عُمَرَ غُلَامًَا لَهُ، فَقِيل لَهُ: آجَرَكَ الله، فَقَالَ: مَالِي مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَنْ ضَرَبَ مَمْلُوكَهُ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ، فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ، وَإِنِّي ضَرَبْتُهُ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ» (^١).
حدَّثناه عبد الله بن دينارٍ (^٢) بالكوفة، قال: حدّثنا أبو كريبٍ (^٣)، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن فراسٍ (^٤)، عن أبي صالحٍ، عن زاذان (^٥): «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَعْتَقَ عَبْدًَا، فَقَالَ: مَا لِي مِنْ أَجْرِهِ (^٦)، وَتَنَاوَلَ شَيْئًَا مِنَ الأَرْضِ مَا يَزِنُ هَذِهِ، سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ» (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق [٣١/ ١٣٧]، بهذا الإسناد.
(٢) قوله: «دينار»، كذا في شب، وفي جه: «زيدان»، وهو الصواب، وهو: عبد الله بن زيدان بن بريد بن رزين بن ربيع بن قطن البجلي، قال الذهبي في السير [١٤/ ٤٣٦]: «الإمام، الثقة، القدوة، العابد».
(٣) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة حافظ، من العاشرة. تقريب التهذيب، ص (٨٨٥).
(٤) فراس بن يحيى الهمداني الخارفي الكوفي المكتب، صدوق ربما وَهِمَ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٧٨٠).
(٥) زاذان الكندي البزاز، صدوق يرسل، وفيه شيعية، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٣٣٢).
(٦) قوله: «مِنْ أَجْرِهِ»، كذا في شب، وفي جه: «مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ».
(٧) أخرجه مسلم [٥/ ٩٠]، من طريق وكيع به، وهو في التحفة [٥/ ٣٤٤].
[ ٤ / ٢٧٥ ]
وروى ابن إدريس، عن مُطَرِّفٍ (^١)، عن الحارث: «أَنَّ عَبْدًَا أَتَى عَلِيًّا ﵇، قَدْ وَسَمَهُ أَهْلُهُ، فَأَعْتَقَهُ» (^٢).
فإن قيل: ألا أخرجته عن ملكه بالبيع دون العتق (^٣)؟
قيل له: لو بِيعَ عليه، لم يكن في ذلك ردعٌ له؛ لأنَّهُ يأخذ بدله ثمنه، ولا يلحقه في ذلك ضررٌ ولا عقوبةٌ، فلم يجب بيعه لهذه العلَّة، ووجب عتقه لِمَا ذكرناه.
•••
[٢٩١٨] مسألة: قال: ومن قطع أُصْبُعَ عبده أو طرفَ أنفِه، أُعْتِقَ عليه.
وإن مات العبد قبل يُعْتِقَه السّلطان، مات عبدًَا (^٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يعتق بالحكم لا بنفس المثلة، فإن مات قبل ذلك، مات عبدًا.
•••
_________________
(١) مطَرِّف بن طريف الكوفي، ثقة فاضل، من صغار السادسة. تقريب التهذيب، ص (٩٤٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة [١٤/ ٣٤٣].
(٣) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٠٠)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٩٤].
[ ٤ / ٢٧٦ ]
[٢٩١٩] مسألة: قال: وإذا نزل الحربيون بأمانٍ، فأخصوا رقيقهم، لم يَعْتَقُوا عليهم (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق في المثلة هو من أجل حقِّ الله ﷿، والحربيون، فلا تقام عليهم حدود الله ولا حقوقه.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يقام عليهم حدُّ شرب الخمر والزِّنا، ولا يمنعون من أكل الرِّبا والخنزير.
•••
[٢٩٢٠] مسألة: قال: ومن مثَّل بعبده أو جاريته بالعضِّ الكثير في جسده، حَتَّى يؤثّر ذلك في جسده، فإنَّها تباع ولا تَعْتَقُ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ذلك ليس بمُثْلَةٍ؛ لأنَّ المثلة إِنَّمَا هي بقطع عضوٍ منه أو ما أشبه ذلك من العقل الفاحش به، فَأَمَّا العضُّ فهو أمرٌ خفيفٌ، يجوز أن يكون ذلك من السَّيِّد على وجه الأدب.
•••
[٢٩٢١] مسألة: قال: ويعاقب السُّلطان الماثِلَ بعبده مع عِتْقِهِ عليه (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في المثلة حقَّين:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٠)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٦٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٠)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٩٥]، الجامع لابن يونس [٧/ ٧٧٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٠)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٩٣].
[ ٤ / ٢٧٧ ]
(حقًّا لله ﷿ مفردًا، وهو نهيه عنها.
(وحقًّا للعبد، وهو المنع من قتله وتعذيبه.
فإذا أُعْتِقَ عليه بالمثلة، فإنَّما ذلك من أجل حقّ العبد، وبقي حقُّ الله تعالى، فوجب أن يُضْرَبَ ليرتدع هو وغيره عن فعل مثل ما فعله.
•••
[٢٩٢٢] قال: وإذا كُوِيَتِ الجارِيَةُ بالكيَّة للبول لينقطع عنها، ففَشَا حَتَّى بلغ منها مبلغًا شديدًا:
• فإن كان ذلك إِنَّمَا هو على وجه العلاج للبول أو الأدب عليه، فلا تَعْتَقُ علـ[ـيـ]ـها.
• وإن كانت إِنَّمَا عذبتها، أُعْتِقَتْ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ فعل مثل هذا بالجارية، ليس هو على وجه القصد لتعذيبها، وإنّما هو لضربٍ من العلاج لها والدَّواء، فلا عتق على سيِّدها في ذلك.
•••
[٢٩٢٣] مسألة: قال: ولا تجوز عتاقة الرّجل وعليه دينٌ يحيط بماله.
ولا عتاقة المُوَلَّى عليه وإن كان كبيرًا.
ولا عتاقة الغلام حَتَّى يحتلم أو يبلغ ما يبلغ المحتلم (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٠)، المدوَّنة [٢/ ٤٤٤]، الجامع لابن يونس [٧/ ٧٦٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٠)، الموطأ [٥/ ١١٢٧]، المختصر الصغير، ص (٤٦٥)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٤).
[ ٤ / ٢٧٨ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أداء الدَّينِ فرضٌ، والعتق تطوّعٌ، فكان الفرض أولى من التَّطوّع.
ولأنَّ الدَّينَ قد أخذ بدله، ولم يؤخذ عوض العتق، فكان أداء ما قد أخذ عوضه أولى.
ألا ترى: أنَّ الله تعالى أوجب أداء الدَّين قبل الميراث؛ لأنَّ الميراث لم يُؤخذ عوِضُه، والدَّين قد أُخِذَ عِوَضُهُ، فكان ردُّهُ أولى.
وقوله: «لا تجوز عتاقة الموَلَّى عليه»؛ فلأنَّ الموَلَّى عليه محجورٌ عليه في ماله، لئلا يُتْلِفَ ماله، وليُحْفَظَ عليه، فلو جاز عتقه، لَمَا نَفَعَ (^١) الحجر عليه شيءٌ (^٢).
وكذلك الغلام لا يجوز عتقه؛ لثبوت الحجر عليه؛ لأنَّ في عتقه إتلاف ماله وخيفة الفقر عليه، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، - أراد أموالهم -، بدلالة قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء:٥].
•••
[٢٩٢٤] مسألة: قال: ويجوز عتق السّفيه إذا كان لا يُولَّى (^٣).
_________________
(١) قوله: "نَفَعَ"، كذا في شب، وفي جه: "يقع".
(٢) قوله: «شيءٌ»، كذا في شب، وفي جه: «شيئًا».
(٣) قوله: «إذا كان لا يُولَّى»، كذا في شب، وفي جه: «إذا كان لا يُولَّى عليه».
[ ٤ / ٢٧٩ ]
ويجوز على الموَلَّى عليه عِتْقُ أمِّ ولده، ويتبعُهَا مالها (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّفيه في أفعاله ودِينِهِ، عتْقُهُ جائِزٌ إذا كان غير محجورٍ عليه؛ لأنَّهُ مِمَّنْ يجوز له التَّصرف في ماله.
فأمَّا إذا كان محجورًَا عليه، فلا يجوز عتقه؛ لأنَّهُ ممنوعٌ من التَّصرف في ماله؛ لئلا يُتْلِفهُ.
فأمَّا عِتْقُهُ أمَّ ولدِهِ فجائزٌ عليه؛ لِأَنَّهَا ليست بمالٍ فيتلفه بالعتق.
وكذلك الطلاق يجوز عليه؛ لأنه ليس فيه إتلاف مالٍ.
وقوله: «يتبعها مالها»؛ فلِمَا ذكرنا: أنَّ العبد يتبعه ماله إذا أعتقه سيِّده؛ لوجوب تكميل الحريَّة وتوابعها، وقد روِّينا عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًَا تَبِعَهُ مَالُهُ، إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ» (^٢).
•••
[٢٩٢٥] مسألة: قال: وإذا أعتق المحْتَلِمُ غلامَهُ ولم يدفع إليه ماله، ولا يُعرَفُ منه إلَّا الخير، فلا يجوز ذلك إلَّا بالسّلطان إذا رأى له وجهًا.
وقد قال: إنَّه لا يجوز عتقه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠١)، المختصر الصغير، ص (٤٤٦)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٦٨ و٤٧١].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٠٢٦.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
وإن رُدَّ على الموَلَّى عليه عِتْقُهُ، ثمَّ وَلِيَ نفسَهُ، فليس عليه عتقه، إلَّا أن يحب أنْ يَتَنَحَّى (^١) مِنْ ذَلِكَ.
وإذا أرادَ (^٢) الغرماء عِتْقَ المِدْيَانِ، فلا عِتْقَ له، إلَّا أن يكون في رقيقه فَضْلٌ عن دَيْنِهِ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغلام إذا احتلم فهو في الحَجْرِ بَعْدُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قد آنَسَ رُشْدَهُ، فيُفَكُّ بعد ذلك حَجْرُهُ، فلا يجوز عتقه قبل ذلك.
وإنّما يُعلَمُ هذا بنظر الحاكم فيه، فإن رآه قد آنس رشده، أجاز عتقه، وإلا ردَّهُ.
ووجه قوله: «إنَّه لا يجوز عتقه»؛ فلأنَّه أعْتَقَ في حالٍ هو محجورٌ عليه فيها، وعتق المحجور عليه غير جائزٍ.
وإذا ردَّ الحاكم عتقه، ثمَّ وَلِيَ نفسه، لم يلزمه العتق؛ لأنَّهُ أعتق وهو مِمَّنْ لا يجوز عتقه لصِغَرٍ أو سَفَهٍ، فكان بمنزلة من طلَّق في حال صغره، فإذا بلغ، لم يلزمه ذلك.
وقوله: «لا عتق للمديان، إلَّا أن يكون في رقيقه فضلٌ عن دَيْنِهِ»؛ فَلِمَا
_________________
(١) قوله: «يتنحى»، كذا في شب، وفي جه: «يتمخَّى»، يعني: يخرج منه تأثّمًا، ينظر: تاج العروس [٣٩/ ٥١٣].
(٢) قوله: «أراد» كذا في شب، وفي شب: «ردَّ».
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠١)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤١٢]، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٦٩].
[ ٤ / ٢٨١ ]
ذكرناه: أنَّ أداء الدَّينِ واجبٌ والعتق تطوُّعٌ، فكان أداء الواجب أولى من التَّطوع، فكان للغرماء ردُّ عتقه إذا أحاط الدَّينُ بماله.
•••
[٢٩٢٦] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَتِ العَاتِقُ (^١) - وإن بلغت أربعين سنةً - جاريةً لها، لم يجز عتقُهَا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا في الحَجْرِ حَتَّى تتزوَّج ويدخل بها زوجها؛ لأنَّهُ بذلك يُعلم رُشْدُها وإصلاحها لمالها؛ لِأَنَّهَا تخالط النَّاس وتعرفهم وتعاملهم، فَأَمَّا قبل ذلك فلا يُعرف حالها، فلم يجز عتقها؛ لكونها في حجر أبيها، أو وَصِيِّهَا، أو الحاكم إن لم يكن لها أبٌ أو وصِيٌّ.
•••
[٢٩٢٧] مسألة: قال: ولا يجوز عِتْقُ المِدْيَانِ، ولا هِبَتُه، ولا صدقته - وإن كانت الديون آجِلَةً بعيدَةً -، إلَّا بإذن غرمائِهِ.
وبيعه وابتياعه ورهنه جائزٌ (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز للمديان أن يُخْرِج ماله على غير عوضٍ
_________________
(١) قوله: «العاتق»، هي المرأة الشابة، وقيل: هي البكر التي لم تبن عن أهلها، وقيل: هي التي بين التي أدركت وبين التي عنست، ينظر: لسان العرب [١٠/ ٢٣٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠١)، النوادر والزيادات [١٢/ ٤١٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠١)، المدونة [٤/ ١٢٠].
[ ٤ / ٢٨٢ ]
يأخذه عليه؛ لأنَّ في ذلك إتلاف حقّ الغرماء، ولا يجوز ذلك له؛ لوجوب أداء الدَّين عليه.
فأمَّا على عوضٍ فَإِنَّهُ يجوزُ؛ لأنَّهُ ليس فيه إتلاف ماله؛ لأنَّهُ يأخذ للغرماء مثل ما أخرجه من ماله، فجاز بيعه وشراؤه إذا لم يكن فيه محاباةٌ.
وكذلك يجوز رهنه؛ لأنَّهُ وثيقةٌ، وهو على ملكه، وليس هو إخراج مالٍ على غير عوضٍ.
•••
[٢٩٢٨] مسألة: قال: ولا ينبغي أن يطأ جاريَةً رُدَّ عليه عِتْقُهَا؛ لأنَّ الغرماء إن أجازوا ذلك، مضى، وإن أيْسَرَ قبل أن يُحْدِث فيها بيعًا، أُعْتِقَتْ (^١).
• قد ذكر مالكٌ علَّة منع الوطء، وهو قوله: «إنَّ الغرماء إن أجازوا عتقه مضى، وإن أيسر قبل أن تباع عليه، جاز عتقه».
ولأنَّ عتق المدِينِ لم يُمْنَع من أجل نفسه ونقصها كما مُنِع السَّفيه والصَّغير، وإنّما مُنِعَ من أجل غيره، فأشبه المريض الَّذِي يعتق جاريته بَتْلًَا وهي أكثر من ثُلُثِه، فلا يجوز لها وطؤها.
•••
[٢٩٢٩] مسألة: قال: وإن اتَّخَذَ المِدْيَان أمَّ ولدٍ، مضت أمّ ولدٍ ولم تردّ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠١).
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠١)، المعونة للقاضي عبد الوهاب [٣/ ١٤٤٧].
[ ٤ / ٢٨٣ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حرمتها قد ثبتت بكونها أمَّ ولدٍ، فلا سبيل إلى رفعها؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا ثبتت حرمتها من جهة الفعل لا القول، وكان ما ثبت من جهة الفعل أقوى منه من جهة القول.
ألا ترى: أنَّ المريض إذا وطئ جاريةً لا يملك غيرها فحملت، صارت أمَّ ولدٍ، ولم يرث ورثتُهُ منها شيئًا، ولو أعتقها بتلًا، ثمَّ مات في مرضه، لورثوا ثلثيها وعتق ثلثها.
فثبت بما قلنا أنَّ حرمة الفعل أوكد من حرمة القول، فلهذا قال مالكٌ: «إنَّ المديان إذا وطئ جاريةً فحملت، أنَّها تصير أمَّ ولدٍ، وإذا أعتقها بالقول، لم يجز عتقه إذا كان الدَّيْنُ محيطًا بماله، إلَّا بإذن غرمائه».
•••
[٢٩٣٠] مسألة: قال: ويجوز عِتْقُ السَّكران المُتَلَطِّخ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّكران، القلم عنه غير مرفوعٍ؛ لأنَّهُ أدخل عليه ما أزال عقله، فلم يكن معذورًا بزوال عقله كعذر المجنون والصَّبي والنَّائم الَّذِينَ رُفِعَ القلم عنهم، فوجب أن يؤخذ السَّكران بما يرتكبه من حقِّ الله ﷿ وحقٍّ لآدميِّ، فلهذه العلّة لزمه العتق؛ لأنَّهُ حقٌّ لله تعالى، وكذلك يلزمه الطَّلاق إذا طلَّق، والقَوَدُ إذا قَتَلَ.
ولم يجز أن يُجْعَلَ حُكْمُهُ كحكم مَنِ القلم عنه مرفوعٌ؛ لأنَّ من كان القلم عنه مرفوعًا غير عاصٍ فيما فعله، وليس كذلك السَّكران؛ لأنَّهُ عاصٍ فيما يفعله
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠١)، المدونة [٢/ ٤٣٦].
[ ٤ / ٢٨٤ ]
ويأتيه من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فوجب أن يُلْزَمَ ذلك ويؤخذ بها، سواءٌ كان حقّ حدٍّ أو إتلاف مالٍ.
•••
[٢٩٣١] قال: وإذا كان في العبد الَّذِي يُعتقه المِديَانُ فضلٌ، بِيعَ منه بقدر الدَّين، ثمَّ أُعْتِقَ الفضل؛ لأنَّ العبد إذا بيع بعضه كان أقلّ لقيمته.
ولا يكون له عتقٌ حَتَّى يُقْضَى الدَّين، ربَّما كانت قيمة العبد عشرين، فإذا دخله العتق، كان نصف قيمته خمسةٌ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عِتْقَ المديان إِنَّمَا يُردُّ من أجل الدَّيْنِ، فوجب أن يُرَدَّ بقدره دون ما فَضَلَ عن الدَّينِ.
ويجوز فيما فضل، غير أَنَّهُ يباع من العبد بقدر الدَّين، ثمَّ يعتق بعد ذلك مـ[ـا] فضل عنه.
ولا يُقَدَّم العتق على البيع في الدَّين؛ لأنَّهُ يدخل في ذلك نقصٌ وضررٌ على الغرماء، كما فسَّره مالكٌ.
•••
[٢٩٣٢] مسألة: قال: ومن دَبَّرَ وعليه دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدَّيْنِ، فهو ماضٍ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠١)، المدونة [٢/ ٤٨٤]، النوادر والزيادات [١٠/ ٥١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٢)، وقد تقدَّم كلام الشارح عليها، في المسألة [٢٦٧٩].
[ ٤ / ٢٨٥ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ في حال ما دَبَّرَهُ ليس عليه حقٌّ لأحدٍ، فجاز تدبيره له.
وكذلك لو أعتق عبده قبل أن يكون عليه دينٌ، جاز عتقه.
•••
[٢٩٣٣] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًَا له، فقام غرماؤُهُ، فردَّهُ السُّلطانُ، ثمَّ أفاد مالًا والعبد في يده، فإنَّ العبد يَعْتَقُ عليه، ويأخذ الغرماء ديونهم.
ولو أَمَرَ السُّلطان ببيعه فبيع، ثمَّ أفاد الغريم مالًا بحَدَثَانِ بَيْعِهِ، أخذ الغرماءُ أموالهم وأُمْضِيَ عِتْقُ الغلام إذا لم يفت، ويقتسم الغرماء أموالهم وأُمْضِيَ عتق الغلام، وكان ذلك قريبًا.
ولو ورثه، لم يكن عليه عتقٌ.
ولو أفاد مالًا فاشتراه، لم يَعْتِقْ عليه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا يُرَدُّ من أجل الغرماء، فإذا أفاد مالًا، أخذوا حقوقهم من المال ونفذ العتق؛ لأنَّهُ مِمَّنْ يجوز عتقه، وليس هو بمنزلة السَّفيه والمحجور عليه الَّذِي لا يجوز عتقه.
وقوله: «إنَّه إذا بِيعَ العبد، ثمَّ أفاد الغريم مالًا بحدثان بيعه، أَنَّهُ يُرَدُّ ويعتق»، فيشبه أن يكون هذا إذا كان في أيَّام الخيار أو العهدة أو المواضعة، فأمَّا إذا خرج مِمَّا ذكرناه، فَإِنَّهُ لا يُنْقَض البيع؛ لأنَّهُ قد تقرَّر، فلا يجوز رفعه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٢)، المدوَّنة [٢/ ٤١٤]، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٠٦].
[ ٤ / ٢٨٦ ]
وقوله: «لو ورثه لم يكن عليه عتقه، وكذلك لو اشتراه»؛ فلأنَّ ميراثَه له وشراءَهُ هو استئناف ملكٍ له، لم يوقِع فيه على العبد عتقًا فيلزمه ذلك.
فأمَّا الملكُ الَّذِي كان أعتقه فيه، ثمَّ ردَّ عتقه الغرماء، فَإِنَّهُ إذا أفاد في هذا الملك مالًا مضى عتقه، وقضى الغرماءَ دينَهم من المال الَّذِي أفاده؛ لأنَّ حكم الملك الَّذِي أعتق فيه العبد باقٍ، وما استأنفه من الملك له بالميراث أو الشّراء فحكم الأوّل غير باقٍ.
وذلك بمنزلة الرّجل يطلِّق امرأته ثلاثًا، ثمَّ ترجع إليه بعد زوجٍ، فإنَّهَا ترجع على نكاحٍ مُستأنفٍ؛ لأنَّ حكم النِّكاح الأوّل قد تقَضَّى كلّه، فإن كان طَلَّقَ واحدةً أو اثنتين، ثمَّ تزوَّجَهَا بعد أن تنقضي العدّة، رجعت إليه على حكم النّكاح الأول، أعني: في عدد طلاقه؛ لبقاء أحكامه، فكذلك العتق مثله.
•••
[٢٩٣٤] مسألة: قال: وإذا ابتاع الرّجل الجَارِيَةَ الرَّفيعَةَ بالثّمن الكبيرِ ولا مال عنده، فحملت، كانت أمَّ ولدٍ، ويُتْبَع بالثَّمن.
فإن لم تحمل، أو أعتقها ولا مال عنده، لم يكن ذلك له (^١).
• إنَّما قال: «إنَّ المدين إذا وطئ جاريته صارت أمَّ ولدٍ؛ لقوَّة سبب الوطء»؛ لأنَّهُ فعلٌ لا سبيل إلى رفعه، فثبتت حرمته؛ لأنَّهُ أقوى من القول.
ألا ترى: أنَّه لو وطئ في نكاحٍ فاسدٍ، لثبتت حرمة النّكاح، ولو لم يطأ، لم تثبت بالقول.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٢)، المدونة [٢/ ٥٥٥].
[ ٤ / ٢٨٧ ]
وكذلك المريض، إذا وطئ أمته وهي كلّ ماله، فحملت، صارت أمَّ ولدٍ، ولو أعتقها قولًا، لم يصحّ عتقها كلّها، وإنّما يصحّ من ذلك ثلثها إذا مات.
•••
[٢٩٣٥] مسألة: قال: وإذا كان الشَّيخ به البُهْرُ (^١) والبلغم، لا يستطيع القيام ولا الخروج، أقام كذلك سنين، فعتقه جائزٌ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكِبَرَ ليس بمرضٍ مخوفٍ، وإنّما يُمْنَع الإنسان من التَّصرف في ماله على غير عوضٍ في المرض المخوفِ، وأمّا في الأمراض الَّتِي ليست بمخوفةٍ فَإِنَّهُ لا يمنع من ذلك، فكان الكبير الَّذِي لا مرض به مخوفٌ، أولى أن لا يمنع من التَّصرف في ماله إذا كان صحيح العقل.
•••
[٢٩٣٦] قال: وإذا أعطى العبدُ رجلًا دنانير يشتريه من سيِّدِه فيُعْتِقُه، ففعل، ثمَّ عَلِمَ بذلك سيِّدُهُ، فالثَّمن الَّذِي قَبَضَ له، ويَتْبَعُ المشتري بالثَّمن فيأخذه، وَيَمْضِي العتق.
فإن لم يكن له مالٌ، لم يكن للمشتري عتقٌ، ورجع العبد إلى سيّده.
فإن كان لم يُعْتِقْه، دفع ثمنه، إلَّا أن يكون معسرًا فيرجع العبد إلى سيّده (^٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ مال العبد لسيّده فيه حقٌّ، وإذا باعه سيّده، صار ماله
_________________
(١) قوله: «البهر»، تقدَّم ذكره، وأنه انقطاع الّنفس من التعب، ينظر: لسان العرب [٤/ ٨٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٢)، النوادر والزيادات [١١/ ٣٢٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٢)، المدونة [٢/ ٤٣٧]، النوادر والزيادات [١٢/ ٤٦٠].
[ ٤ / ٢٨٨ ]
للبائع، إلَّا أن يشترطه المشتر [ي]، فوجب أن يؤخذ من المشتري ثمن العبد؛ لأنَّ الثمن الأوّل كان مالًا للبائع.
ويجوز عتق المشتري للعبد؛ لأنَّه أعتق بشبهة الملك، وكلّ من أعتق [بمـ]ـلكٍ صحيحٍ أو شبهة ملكٍ فعتقه جائزٌ.
فإن كان معسرًا لم يجز عتقه؛ لأنَّ البائع إِنَّمَا باع ليأخذ ثمنه في الحال، لا أن يأخذه إلى أجلٍ.
ولأنَّ عتق من عليه الدَّين أيضًا لا يجوز.
•••
[٢٩٣٧] قال: ومن أعتق رقيقًا وعليه دينٌ يحيط بماله، فعلم بذلك الغرماء، فلم يَعْرِضُوا لهم حَتَّى نكحوا الحرائر وكتبوا شهادتهم في الحقوق وقُطِعَ بها، ثمَّ قاموا بعد ذلك يريدون أن يبطلوا عتقه، فليس ذلك لهم، ولو قاموا بحضرة ذلك أو جَهِلُوا، لكان وجهًا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سكوتهم طول هذه المدَّة مع علمهم بعتقه وتصرّفهم تصرّف الأحرار، دلالةٌ على إجازتهم العتق والرضا به، فلا سبيل لهم إلى الرّجوع في ذلك، إلَّا أن يقوموا ويُنكِروا ذلك عند العتق وقربه، فيكون ذلك لهم.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٢).
[ ٤ / ٢٨٩ ]
[٢٩٣٨] مسألة: قال: ولا يشتري الرَّقبة الواجبة بشرطٍ، ولا بأس بها في التَّطوع (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا اشتراها بشرط العتق، فكأنَّ المشتري لم يعتقها عتقًا مُبْتَدَأً؛ لِمَا شرط عليه بائعها من العتق، والعتق في الرِّقاب الواجبة يجب أن يكون مبتَدَأً من غير عقد حريَّةٍ تقدَّمت في العبد، ولا شرطٍ ثبت له للحريَّة.
ألا ترى: أنَّه لا يجوز أن يُعتِقَ أمَّ ولده، ولا مُكَاتَبًَا، ولا من يَعْتِقُ عليه إذا ملكه؛ لوجوب عتق هؤلاء بما قد ثبت لهم من حرمة الحريَّة وعقدها.
فأمَّا في التَّطوّع فذلك جائزٌ، لجواز الاشتراط في العتق التَّطوّع، وامتناعه في العتق الواجب.
•••
[٢٩٣٩] مسألةٌ: قال: ولا يجوز في الرّقاب الواجبة نصرانيٌّ، ولا يهوديٌّ، ولا مُكَاتَبٌ، ولا مُدَبَّرٌ، ولا مُعْتَقٌ إلى سنين، ولا أمّ ولدٍ، ولا أعمى، ولا بأس بذلك في التَّطوع.
ولا بأس بِعِتْقِ ولد الزِّنا فيها.
ولا يُعتِقُ فيها أحدًَا من أقاربه: مَنْ إذا مَلَكَهُ عَتَقَ عليه، ويجوز غيرهم مِمَّنْ يجوز له ملكه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٣)، الموطأ [٥/ ١١٣١]، النوادر والزيادات [١١/ ٥١٧].
[ ٤ / ٢٩٠ ]
ولا نحبُّ أن يُعْتِقَ المُرْضَعَ في كفَّارةِ القتل وما أشبهه، نَسَمَة تامَّة مُصَلِّيَة أحبّ إلينا (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷿ لَمَّا شَرَطَ في كفّارة القتل أن تكون الرقبة مؤمنةً فيها، وجب أن تكون كلُّ كفَّارةٍ واجبةٍ لا يجوز فيها إلَّا مؤمنة.
كما أنَّه لَمَّا اشترط العدالة في الشَّهادة في الرَّجعة، كان كلُّ شهادةٍ مثلها في البيع والإجارة والنِّكاح وأشباه ذلك؛ لأنَّ الشّهادة هي للوثيقة، ولا يُتَوَثَّق بقول غير العدول.
ولَمَّا لم يجز عتق الأعمى والزَّمن - للنَّقص الَّذِي فيهما - في الرِّقاب الواجبة، لم يجز أيضًا عتق الكافر؛ للنَّقص الَّذِي فيه.
ولأنَّ عتق الكافر غير متقرّرٍ على التأبيد؛ لجواز أن يلحق بدار الحرب، ثمَّ يسبيه المسلِمُ فيكون عبدًا له، ويبطل عتق الأوّل إيَّاه.
وقوله: «لا يُعْتَقُ مُكَاتَبٌ ولا مُدَبَّرٌ ولا مُعْتَقٌ إلى سنين ولا أمَّ ولدٍ»؛ فلأنَّ هؤلاء قد ثبت لهم عقد حريَّةٍ لا سبيل إلى رفعها، والله سبحانه، فإنَّمَا ألزم مَنْ عليه عتق رقبةٍ واجبةٍ أن يبتدئ عتقها من غير عقد حريَّةٍ تقدَّمت فيها قبل عِتْقِهِ، فقال جلَّ وعزَّ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣]، هذا في الظّهار، وقال في القتل: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، فأوجب عليه أن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٣)، المختصر الصغير، ص (٤٦٥)، الموطأ [٥/ ١١٣١]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٥).
[ ٤ / ٢٩١ ]
يبتدئ بعتق رقبةٍ يستأنف عتقها، وكذلك قال تعالى في كفّارة اليمين: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩].
وقوله: «لا يجوز فيها أعمى»؛ فلأنَّ العَمَى نَقْصٌ لا يمكنه معه التَّصرُّف في معاشه، وليس يجوز له أن يعتق من لا يقدر على التَّصرّف في معاشه لزَمَانَةٍ به، مثل: العمى، وقطع اليد، أو الرّجل، وما أشبه ذلك.
وقوله: «يعتق ولد الزنا»؛ فلأنَّه رقبةٌ كاملةٌ.
وقوله: «لا يُعْتِقُ فيها أحدًا من أقاربه مِمَّنْ يلزمه عتقه إذا ملكه»؛ فلأنَّه يلزمه عتقه بنفس مُلْكِهِ، سواءٌ أراد عتقه أو لم يُرِدْ، والعتق في الكفَّارات فإنَّما يقع بإيقاع المعْتِقِ لا بِمُلكِهِ الرَّقبة.
وإذا كان كذلك، لم يجز عتق من يَعْتَقْ عليه بملكه إيَّاه؛ لتقدم عتقه عليه بالملك على العتق في الكفَّارة، فيكون كأنَّه أعتق من لا يجوز له عتقه.
وقوله: «لا نحب أن يُعْتِقَ المرْضَعَ»؛ فلأنَّ الله ﷿ لَمَّا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وجب أن يعتق رقبَةً قد عقلت الإيمان وصلَّت وصامت، فإن أعتق غيرها جاز - أعني: الصَّغيرة -؛ لِأَنَّهَا في حكم المؤمنين، فهي مؤمنةٌ بالحكم.
ألا ترى: أنَّ حكم الصَّغير حكم المؤمن في الغُسْلِ له والصَّلاة عليه وأشباه ذلك.
•••
[٢٩٤٠] قال: ومن وجبت عليه رقبتان في كفَّارتين، فأعتق رقبةً عن واحدةٍ
[ ٤ / ٢٩٢ ]
بعينها يسمِّيهَا، ثمَّ أعتق عنها أخرى وهو يظنُّ أنَّها الَّتِي بقيت عليه، فلا تجزئ عنه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد بالعتق الكفَّارة الَّتِي قد بقيت عليه، فلم يجُزْ عِتْقُه عن غيرها عنها، وإن كانت صورة العتق واحدةً.
ألا ترى: أنَّه لو كان عليه صلاة فريضةٍ فصلَّى مثلها في العدد نفلًا، لم يُجْزِه عن فرضه، وإن كانت صورة الصَّلاة واحدةً؛ لأنَّهُ لم ينو بها الصَّلاة الَّتِي عليه.
وكذلك الصَّوم، إذا صام عن نذرٍ أو فرضٍ غير رمضان عدد أيام رمضان، لم يجزه ذلك عن رمضان؛ لأنَّهُ لم ينوه، وإن كانت صورة الصَّوم واحدةً؛ لاختلاف النيَّة في ذلك، فكذلك لا يجزئ عتقٌ في كفَّارةٍ عن كفَّارةٍ، وإن كانت صورة العتق واحدةً، والله أعلم.
•••
[٢٩٤١] مسألة: قال: ومن كان عليه رقبةُ شكرٍ، فغَيْرُ المرْضعِ أحبّ إلينا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ ليكون قد أعتق رقبةً كاملةً قد صلَّت وصامت؛ لأنَّ الوفاء بالعتق في الشُّكر واجبٌ، وهو النَّذر لله تعالى، فكان ذلك بمنزلة ما ذكرناه في الرَّقبة الواجبة في الكفَّارة.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٣)، التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ١٤٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٣).
[ ٤ / ٢٩٣ ]
[٢٩٤٢] قال: ويجوز في الرِّقَابِ الواجبة: الخَصِيّ، والأعرج، والأعور، ولا يجوز المُقْعَدُ، إِنَّمَا العَرَجُ وجعٌ من الأوجاع.
وغير ولد الزِّنا أعجب إلينا في الرِّقاب الواجبة، وهي نَسَمَةٌ تُجْزِئ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذه العيوب يسيرةٌ، لا تمنع من التّصرف في المعاش، فجاز عتقه، أعني: الخَصِيّ والأعرج والأعور.
فأمَّا المُقْعَدُ فلا يجوز عتقه؛ لأنَّهُ لا يقدر على التَّصرف في منافعه ومعاشه.
وكَرِهَ عتق ولد الزنا؛ لأنَّ غيره أفضل منه، فإن أعتقه جاز؛ لأنَّهُ رقبةٌ كاملةٌ.
•••
[٢٩٤٣] مسألة: قال: ومن أعتق عبدًا في رقبةٍ واجبةٍ، ثمَّ ظُهِرَ على عيبٍ، فأخذ قيمته من البائع، فليُعِنْ به في رقبةٍ.
فإن كان تطوّعًا، صنع به ما شاء (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق المعيب في الرّقاب الواجبة غير جائزٍ، فعليه بدل ما أعتق، ويمضي عتق المعيب، لا يُرَدّ، بمنزلة عتق التَّطوّع لا يجوز ردُّه.
ويستعين بما أخذ في أرش العيب في الرَّقبة الَّتِي يشتريها إن أحبّ؛ لأنَّ ذلك كسائر ماله.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٣)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤٨١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٣)، النوادر والزيادات [٥/ ٣٠٤].
[ ٤ / ٢٩٤ ]
فأمَّا التَّطوّع فيصنع به ما شاء، ولا بدل عليه في العتق؛ لأنَّ عتق المعيب جائزٌ في التَّطوّع، ولا يجوز في العتق الواجب.
•••
[٢٩٤٤] مسألة: قال: ولا نحبَّ عتق الأصمِّ في الرّقاب الواجبة (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ عيبٌ خفيفٌ، فكَرِهَ عتقه.
ولم يمنع منه رأسًا؛ لأنَّ الأصم يقدر على التَّصرف في معاشه ومنافعه، كقدرة الأعور عليها، فجاز عتقه في الرَّقبة الواجبة.
•••
[٢٩٤٥] مسألة: قال: ولا يجوز عِتْقُ العبد - يُخْنَقُ في كلّ شهرٍ مرَّةً - في الرّقاب الواجبة (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجنون عيبٌ يمنع من التَّصرّف في المعاش والمنافع لصاحبه في كلّ أوقاته، فلم يجز عِتْقُهُ في الرَّقَبَةِ الواجبة.
وإنَّما يجوز عتق من يقدر أن يتصرَّف في معاشه ومصالحه في كلِّ أوقاته عمره في حال ما يعتقه، إلَّا أن يحدث بعدما يعتقه ما يمنعه، فلا يكون عليه مراعاة ذلك بإجماعٍ، وإنّما يجب عليه مراعاة ذلك في حال ما يريد عتقه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٣)، النوادر والزيادات [١٢/ ٥٠٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٣)، النوادر والزيادات [١٢/ ٥٠٤].
[ ٤ / ٢٩٥ ]
•••
[٢٩٤٦] مسألة: قال: ومن كان عليه رقبةٌ مؤمنةٌ، فغير الأعجمية أفضل، فإن كان من قِصَرِ البِضَاعَةِ (^١)، فأرجو أن يجزئ (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأعجمي غير متكامل الأحوال؛ لأنَّهُ لا يعرف ما عليه من صلاةٍ وصيامٍ.
قال مالكٌ: «من صلَّى وصام أحبّ إليّ» (^٣)؛ لِأَنَّهَا أكمل حالًا.
ولأنَّ الله جلَّ وعزَّ شَرَطَ الإيمان في الرَّقبة الواجبة - أعني: في القتل -، فاستحبّ أن يُعْتِقَ من قد عَرَفَ الإيمانَ.
فإن أعتق غيره جاز - إذا كان مؤمنًا في الحكم -، وإن قصرت معرفته عنه أو إقامته له؛ لِصِغَرٍ أو عُجْمَةٍ.
•••
[٢٩٤٧] مسألة: قال: ومن أوصى بعتق رقبةٍ، فلا بأس أن يَشْتَرِي أباه أو أخاه (^٤)، فإن كانت واجبةً فلا (^٥).
_________________
(١) قوله: «قصر البضاعة»، يعني: أنه لا يملك ما يعتق غير أعجمية.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٣)، النوادر والزيادات [١٢/ ٥٠٧].
(٣) ينظر: المدوَّنة [٢/ ٣٢٩].
(٤) قوله: «يَشْترِي أباه أو أخاه»، كذا في شب، وفي جه: «يُشْتَرى أبوه أو أخوه».
(٥) المختصر الكبير، ص (٥٠٤).
[ ٤ / ٢٩٦ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان العتق تطوّعًا، فاشتراء من يعتق عليه أفضل؛ لأنَّهُ يجتمع فيه ثوابٌ من جهة العتق وصلة الرَّحم.
فإن كان العتق واجبًا، لم يجز ذلك؛ لِأَنَّهَا تعتِقُ على المالك لها بنفس المُلْكِ قَبْلَ عِتْقِهِ عمَّا عليه من الواجب، فلا يجوز ذلك.
•••
[٢٩٤٨] قال: ومن اشترى عبدًَا رَقَبَةً، فلا بأس أن يبدله بخيرٍ منه، ما لم يشترط عِتقَه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شراءه له لا يوجب الحريَّة حَتَّى يُعْتِقَهُ، فإن نوى فيه العتق، جاز أن يبدله بخيرٍ منه.
فإن شَرَطَ عِتْقَهُ، لم يجز له أن يبدله؛ لأنَّهُ قد ألزم نفسه عتقه بالقول، وسواءٌ اشترط هو على نفسه، أو اشترط ذلك عليه البائع له.
•••
[٢٩٤٩] مسألة: قال: ومن أوصى بخمسمئة درهمٍ في رقبةٍ، فَوُجِدَ بخمسمئةٍ بشرطٍ ثَمَنَ سبعمئةٍ، فإن اشترى بخمسمئةٍ بغير شرطٍ لم يشتر (^٢) مثلها، فيشتري بغير شرطٍ - وإن كان دونها - أحبّ إلينا (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٤)، البيان والتحصيل [١٤/ ٤١١].
(٢) قوله: «لم يشتر مثلها»، يعني: لم يجد مثلها، كما في البيان والتحصيل [١٢/ ٤٤٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٥٠٤)، البيان والتحصيل [١٢/ ٤٤٣].
[ ٤ / ٢٩٧ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا اشتراها بشرط العتق، فكأنَّ الموصِي بالعتق لم ينفرد بالعتقِ، وقد شاركه فيه البائع، وإنّما أوصى بعتق رقبةٍ مفردةٍ، فكان الانفراد بالعتق أولى من المشاركة فيه.
•••
[٢٩٥٠] مسألة: قال: ولا يَعْتَقُ على الرّجل من القرابة إذا ملكهم، إلَّا: الولد، والوالدين، والإخوة للأب والأم، والإخوة للأم، والإخوة للأب، وولد الولد، والجدَّات والأجداد، بعُدُوا أوقَرُبُوا.
ولا يَعْتَقُ عمٌّ، ولا عمَّةٌ، ولا خالٌ، ولا خالةٌ، ولا ابن أخٍ، ولا نسبٍ، ولا رضاعةٍ، قَرُبَ أو بَعُدَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق الولد وإن سفل، والوالدين وإن عَلَوَا، واجبٌ على الإنسان إذا ملكهم بإجماع العلماء، لا خلاف في ذلك، وقد ذكرنا الحُجَّة فيه فيما تقدَّم (^٢).
فأمَّا الإخوة والأخوات كلّهم، فَإِنَّهُ يجب أيضًا عتقهم عند مالكٍ؛ لأنَّهُم يجرون مجرى الولد في حجب الأمِّ من الثّلث إلى السُّدس، وليس يحجبها ولد الأخ، فوجب عتق الإخوة والأخوات كلّهم إذا ملكهم، كما وجب عتق الولد إذا ملكهم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٤)، المختصر الصغير، ص (٤٦٦)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٥٥)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٨٣].
(٢) ينظر: المسألة رقم ٢٨٧٥.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
ولأنَّ الإخوة والأخوات قد شاركوا أيضًا في الولادة، وكان قرباهم سواءٌ، وليس كذلك بنو الإخوة.
ألا ترى: أنَّ الإخوة، يرث ذكورهم وإناثهم كما يرث ذكور الولد وإناثهم، وليس كذلك ولد الأخ؛ لبعد ولادتهم، وإنّما يرث بنو الأخ دون البنات، يرث بنو الأخ بالتَّعصيب كما يرث العمُّ بالتَّعصيب دون العمَّةِ، فلهذا قال مالكٌ: إنَّ الإخوة والأخوات يعتقون كما يعتق الولد والوالد.
وقوله: «لا يعتق عمٌّ ولاعمَّةٌ، ولا خالٌ ولا خالةٌ»؛ فلأنَّ سبب هؤلاء أضعف من سبب الولد والوالد والإخوة، فلم يجب عتقهم؛ لقصور حرمتهم عن حرمة الأب والابن والإخوة.
فإن قيل: قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» (^١)؟
قيل: هذا حديثٌ رواه الحسن عن سمرةَ، وهو مرسلٌ؛ لأنَّ الحسن لم يسمع من سمرة شيئًا فيما قاله أصحاب الحديث.
ولَمَّا لم يجب عتق من يملكه من الرَّضاعة مثل أمّه وأخته وإن كان له حرمةٌ، فكذلك لا يجب عتق العمَّة والخالة وأشباههما وإن كانت لهم حرمةٌ.
•••
[٢٩٥١] مسألة: قال: ومن اشترى ممن يَعْتِقُ عليه - مِمَّنْ سمَّيتُ لك -، فهو حرٌّ حين يملكه، بغير سلطانٍ يُنْفِذُهُ، ولا عتقٍ يَبْتَدِئ فيه، إلَّا أن يكون عليه دينٌ يحيط بماله فلا يَعْتَق، ويكون الدَّين أولى به (^٢).
_________________
(١) تقدَّم ذكر الحديث والاعتراض في المسألة رقم ٢٨٧٥.
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٤)، المختصر الصغير، ص (٤٦٧)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٨٤].
[ ٤ / ٢٩٩ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سبب عِتْقِه عليه هو المُلْكُ، فإذا استقرَّ ملكه عليه، عَتَقَ من غير سلطانٍ يحكُمُ عليه بعتقه؛ لأنَّ الحاكم إِنَّمَا يُحْتَاجُ إلى حكمه فيما قد يجوز أن يكون وأن لا يكون، والعتق هاهنا فواجبٌ لا بُدَّ منه، فلا معنى لنظر الحاكم فيه وإيقاعه له.
•••
[٢٩٥٢] مسألة: قال: ومن اشترى العَبْدُ مِمَّنْ يعتَقُ على السَّيِّد إذا مَلَكَه، فَإِنَّهُ يَعْتَقُ حين اشتراه (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ملك العبد لسيِّدِه فيه حقٌّ وشُبْهَةُ ملكٍ مستقرٍّ، فإذا اشترى العَبْدُ من يعتق على سيِّده إذا مَلَكَه، كأبيه وأخيه وابنه، أُعْتِقَ على السيِّد؛ لأنَّ العتق يلزم الإنسان بملكٍ مستقرٍّ وشبهة مُلْكٍ مُسْتَقِرٍّ.
•••
[٢٩٥٣] مسألة: قال: وإذا اشترى العَبْدُ ابْنَ نَفْسِهِ بإذن سيِّده، فلا نرى له أن يبيعه (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم الإنسان أن لا يبيع ابنه، سواءٌ كان عبدًا أو حُرًّا.
فإن أراد سيِّده أن يبيعه باعه؛ لأنَّهُ يكون ببيعه مُنْتَزَعًَا من عبده، فيجوز ذلك، كما يجوز له أن ينتزع ماله؛ للحقِّ الَّذِي له فيه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٤)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٨٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٤).
[ ٤ / ٣٠٠ ]
[٢٩٥٤] مسألة: قال: وإذا اشترت البنت أبَاهَا، فعَتَقَ، ثمَّ مات ولا وارث له غيرها، ورِثَتْهُ النِّصف بالرَّحِم، والنِّصْفَ بالولاء، وكذلك كلّ من اشترى ذا رحمٍ يرثه، ثمَّ مَاتَ (^١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ورِثَت النّصف بالنّسب الَّذِي لها منه، والنِّصف الباقي بالولاء الَّذِي لها عليه، وقد قال رسول الله ﷺ: «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
رواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ (^٢).
وكذلك كلّ من أعتق ذا رحمٍ منه، وَرِثَ حقَّهُ منه بالرَّحم، والباقي يرثه بالولاء؛ لأنَّ الولاء بمنزلة التَّعصيب، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» (^٣).
•••
[٢٩٥٥] مسألة: قال: ومن وَرِثَ عَبْدًَا ذَا قَرَابَةٍ - مِمَّنْ يَعْتَقُ عليه -، أُعْتِقَ عليه، ومن ورِثَ منه شَقْصًَا، عَتَقَ ذلك الشَّقْصُ بعينِه، ولا يَسْتَتِمُّ الباقي عليه (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٥٠٤)، النوادر والزيادات [١٣/ ٢٥٢]، البيان والتحصيل [١٥/ ١٠٨].
(٢) أخرجه مالك [٥/ ١١٣٥]، ومن طريقه البخاري (٢١٦٩)، ومسلم [٤/ ٢٦٣]، وهو في التحفة [١١/ ٤٦٦].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٤٤٤.
(٤) المختصر الكبير، ص (٥٠٥)، المختصر الصغير، ص (٤٦٧)، النوادر والزيادات [١٢/ ٣٨٥].
[ ٤ / ٣٠١ ]
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا ملك من يلزمه عتْقُهُ، وجب عليه عتقه، سواءٌ كان ذلك بميراثٍ أو هبةٍ أو شريٍ.
فأمَّا إذا ورث بعضه، عَتَقَ عليه ما ورثه، ولم يكمل عليه عِتْقُ كلِّه؛ لأنَّهُ لا صنع له في دخول الميراث في ملكه.
فأمَّا إذا وُهِبَ له فَقَبِلَهُ، عَتَقَ عليه باقيه مع ما قَبِلَهُ؛ لأنَّ العتق وقع بسبب قبوله، فوجب استكمال الحريَّة عليه، كما لو اشترى بعض من يعتق عليه، لزمه عتق باقيه، وكما لو أعتق بعض عبده، لزمه عتق كلّه.
•••
[٢٩٥٦] مسألة: قال: ومن أوصى لرجلٍ بأن يُعْطَى ثمن أُمِّهِ (^١) - والثّلث يحملها -، فلا تَعْتَقُ عليه، وتُبَاع ويُعْطَى ثمَنهَا (^٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصى له لم يستقرَّ له مُلْكٌ على أُمِّهِ، وإنّما أُوصِيَ له بثَمَنِها، فلم يلزمه عتقها؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا يجب فيمَنْ يملكه متى مَلَكَهُ، لا قبل ذلك.
•••
_________________
(١) قوله: «أمه»، كذا هي مضبوطة بالشكل في شب، وهو الموافق لسياق المسائل، وفي جه: «أمة»، وفي المطبوع: «أمته».
(٢) المختصر الكبير، ص (٥٠٥).
[ ٤ / ٣٠٢ ]