قيمة أم الولد لسيدها إذا قُتِلت، فكذلك تجب قيمة الولد على أبيهم لسيدهم؛ لأنهم قد أُخرِجوا عن ملكه.
ولم يكن لسيدها أخذهم؛ لأنَّ أباهم وهو الواطئ، دخل على أنَّ ولده حرٌّ، فلم يجز استرقاق ولده.
ويخفف في القيمة كما قال مالك؛ لأنهم ليسوا بعبيدٍ قِنٍّ (^١) فيكون حكمهم في القيمة حكم العبيد؛ لِمَا قد ثبت لهم من عقد الحرية بعقد أبيهم.
فإن تأخرت قيمتهم حتى مات سيدهم، لم يكن لهم قيمةٌ؛ لأنهم قد عُتِقوا بعِتق أمهم، ولا قيمة للحرِّ، والله أعلم.
•••
[١٥١٦] مسألة: قال: وما أفسدت المواشي والدواب من الزرع والحوائط بالليل، فضمان ذلك على أهلها، وما كان بالنهار، فلا شيء على أصحاب الدواب، ويُقَوَّم الزرع الذي أفسدت على الرجاء والخوف (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ على أرباب المواشي حفظها بالليل؛ إذ لا ضرورة
_________________
(١) قوله: «قِن»، القن: هو العبد الذي مُلِكَ هو وأبواه، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٣٩٥).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٩)، المختصر الصغير، ص (٦٦٣)، وقد نقل ابن عبد البر هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في الكافي [٢/ ٨٥١]، والتمهيد [١٢/ ٨٢]، وينظر: النوادر والزيادات [١١/ ٦٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٠٠]، البيان والتحصيل [٩/ ٢١٠].
[ ٢ / ٦٢٢ ]
بهم إلى إخراجها وتسريحها للرعي، فمتى أطلقوها فأفسدت زرع قومٍ، كان عليهم الغُرم؛ إذ هم مُفَرِّطون.
وقد رَوَى سفيان بن عيينة، حدثنا الزهري، أنّه سمع سعيد بن المسيب وحرام بن سعد بن مُحَيِّصَةَ (^١) يحدثان: «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَنَّ عَلَى أَهْلِ الأَمْوَالِ حِفْظُ أَمْوَالِهِم بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَوَاشِيهِمْ بِاللَّيْلِ» (^٢).
ورَوَى الثوري، عن عبد الله بن عيسى (^٣)، عن الزهري، عن حرام، عن النبيِّ صلى الله عليه مثله (^٤).
ورَوَى مالك، عن ابن شهاب، عن حرام: «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ» (^٥).
فأمّا النهار فلا غُرم عليهم فيما أفسدت من الزرع؛ لأنَّ بهم حاجةً وضرورةً إلى إرسالها للرعي، فوجب على أهل الحوائط حفظ أموالهم بالنهار، فمتى لم
_________________
(١) حرام بن سعد بن محيصة بن مسعود الأنصاري، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٢٢٨).
(٢) أخرجه ابن الجارود في المنتقى، ص (٢٩٧)، وأبو داود [٤/ ٢٠٥]، وابن ماجه [٣/ ٤٢٣]، والنسائي في الكبرى [٥/ ٣٤٤]، ومالك [٤/ ١٠٨٢]، وهو في التحفة [٢/ ١٣].
(٣) عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، ثقة فيه تشيع، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٥٣٣).
(٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [٥/ ٣٣٤]، بهذا الإسناد.
(٥) أخرجه مالك [٤/ ١٠٨٢]، بهذا الإسناد.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
يفعلوا ذلك، فهم مفرطون مُضَيِّعون، ولا نعلم خلافًا أنّه لا شيء على أرباب الماشية بالنهار.
وقوله: «إنَّه يُقَوَّم الزرع الذي أفسدت على الرجاء والخوف»؛ فلأنه لمَّا لم يكن بدٌّ من قيمته، ولم تجز قيمته على أنّه يَسْلَمُ لا محالة، ولا على أنّه يتلف لا محالة، وجب قيمته على الرجاء للسلامة، والخوف للتلف.
كما جُعِل ذلك في جنين الأمة، أنَّ فيه عُشْر قيمتها، لا قيمة ما يسوى في الحال، ولا قيمته إذا خرج حيًّا؛ لأنَّ ذلك غير مُتَيَقنٍ.
وكذلك جنين الحرة فيه عُشْر ديتها، لا قيمته في الحال، ولاديته إذا خرج حيًّا، بل جُعِل فيه غرة عبدٍ أو أمةٍ، هي وسطٌ ما بين قيمته في الحال، وديته إذا خرج حيًّا، وكذلك جنين الأمة.
فوجب أن تكون كذلك قيمة الزرع على الرجاء والخوف، لا على التلف لا محالة، أو السلامة. لا محالة.
•••
[١٥١٧] مسألة: قال: وإذا تُقُدِّمَ إلى أصحاب الكلب الضاري أو البعير أو الدابة، فما أفسدت ليلًا أو نهارًا فعليهم غرمه (^١).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠٩)، وقد نقل ابن عبد البر هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في الاستذكار [٢٢/ ٢٥٤]، والتمهيد [١١/ ٨٣]، وفي الكافي [٢/ ٨٥١]: «فإن تُقُدِّمَ إلى ربِّ الجمل الصائل والكلب العقور والدابة الضارية المعتادة للانفلاتات على الزرع نهيٌ فلم ينته، ضمن ما كان من ذلك في ليل أو نهار»، وينظر: المدونة [٤/ ٦٦٦].
[ ٢ / ٦٢٤ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنهم مُتعدُّون بإمساكها (^١) بعد التقدمة إليهم، فلزمهم ضمان ما أفسدوا؛ لأنّه كان عليهم أن لا يمسكوها إذا تقدَّم إليهم.
وذلك بمنزلة الحائط المائل إذا تقدَّم إلى صاحبه في نقضه، فلم يفعل حتى أتلف إنسانًا أو شيئًا، أنَّ عليه قيمة ذلك في ماله، أو الدية على عاقلته.
•••
[١٥١٨] مسألة: قال: والحوائط التي تُحْرَس والتي لا تحرس سواءٌ، والمُحظَّرِ عليها وغير المحظر سواءٌ، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغًا ما بلغ، وإن كان ذلك أكثر من قيمتها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلناه، ولا فرق في غرم ذلك بين المُحَظَّرِ من الحيطان وغيرها؛ لأنَّ ما أتلف منه هو بتفريط صاحب الماشية، فعليه قيمة ذلك كله بالغًا ما بلغ، كما لو أتلف هو شيئًا أو تلف بفعله، لكان عليه قيمته بالغةً ما بلغت، فكذلك هذا.
•••
[١٥١٩] مسألة: قال: ولو انفلتت الدابة بالليل فوطئت على رجلٍ نائمٍ، لم يغرم صاحبها شيئًا، وإنما هذا في الحوائط والزرع (^٣).
_________________
(١) قوله: «بإمساكها»، كذا في شب، ولعلها: «بإرسالها».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٩)، وقد نقل ابن عبد البر هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في الكافي [٢/ ٨٥١]، والتمهيد [١١/ ٨٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٩)، وقد نقل ابن عبد البر هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في الكافي [٢/ ٨٥١]، والتمهيد [١١/ ٨٣].
[ ٢ / ٦٢٥ ]
فيمن وجد في زرعه دابة فربطها حتى ماتت
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النائم قد كان قادرًا أن يتحرَّزَ فيتَنَحَّى عن طريق الماشية، أو ينام في موضعٍ لا تناله الماشية، وليس كذلك الحيطان والزرع؛ لأنّه لا يمكن تنحيتها والاحتراز لها.
وقد رَوَى مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبيَّ صلى الله عليه قال: «العَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» (^١)، فوجب بهذا الحديث أن لا يكون على صاحبها شيءٌ مما جرحتْ أو جنتْ، إلّا ما قامت الدلالة على أنّه يلزمه ذلك، وهو ما ذكرناه مما تفسده من الزرع ليلًا، لوجوب الجمع بين الحديثين واستعمالهما من حيث لا يُسْقِط أحدهما الآخر؛ إذ ليس أحدهما أولى بالاستعمال من الآخر (^٢).
_________________
(١) أخرجه مالك [٥/ ١٢٧٦]، وهو متفق عليه: البخاري (٦٩١٢)، ومسلم [٥/ ١٢٧]، وهو في التحفة [١٠/ ٤١].
(٢) إلى هنا انتهت القطعة الموجودة، ولا أدري هل ينتهي الباب بنهايتها أم لا، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع بعضًا من شرح الأبهري، هو كالتالي: فيمن وجد في زرعه دابَّةً فربطها حتّى ماتت
(٣) - (قال مالكٌ رحمة الله عليه: ومن وجد دابّةً في زرعه فربطها حتّى ماتت، ضمنها) قال في شرح التفريع [٩/ ٢٠٢]: «قال الأبهري ﵀: لأنّه متعدٍّ بربطها، فإذا تلفت فعليه قيمتها؛ لأنّها تلفت بجنايته وفعله». فيمن تعدّى على بهيمة
[ ٢ / ٦٢٦ ]
فيمن خاف حيوانا على نفسه فقتله
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - (ومن جنى على بهيمةٍ جنايةً، فعليه ما نقص من ثمنها، ومن تعدّى على دابّة رجلٍ فقطع ذنبها أو أذنها، أو شانها في محاسنها شينًا فاحشًا، فإن كانت من دوابّ الرّكوب والزّينة، ففيها روايتان: إحداهما: أنّ عليه ما نقص من ثمنها، بالغًا ما بلغ. والأخرى: أنّ ربّها بالخيار بين أخذ قيمتها وتركها للجاني عليها، وبين أخذها معيبةً وأخذ أرش عيبها. وإن كانت من دوابّ الحمل والنّقل، فعليه ما نقص من ثمنها بالغًا ما بلغ، إلّا أن تكون الجناية أذهبت جلّ منافعها، فتكون فيها روايتان على ما بيّناه) قال في شرح التفريع [٩/ ٢١٥]: «اعلم أنّ الجناية على ضربين: جناية تبطل يسيرًا من المنفعة ويبقى جلّ المنفعة، فهذا يجب على الجاني ما نقص قال الأبهري: ولأنّه أتلف على صاحبها شيئًا كان يملكه، فعليه قيمة ما أتلف ذلك، كما لو أتلفها كلّها، لكان عليه قيمتها». وقال أيضًا في [٩/ ٢١٦]: «والضرب الآخر يبطل الغرض المقصود من الدّابة الذي تراد له قال الأبهري ﵀: ولأنّ إتلاف جلّ المنفعة كإتلاف كلّها؛ لأنّ النّاس إنّما يريدون السّلع للانتفاع بها، فإذا أتلف غرضهم في الانتفاع بها، كان على متلف ذلك قيمة ما أتلف، فإن لم يتلف غرضهم بالجناية، كان له ما نقص بالجناية من المنفعة دون القيمة كلّها؛ لأنّ الجناية لم تتلف غرضه من الشّيء المجني عليه». فيمن خاف حيوانًا على نفسه فقتله
(٢) - (مسألة: قال مالكٌ: ومن خاف جملًا على نفسه فقتله، فهو له ضامنٌ، إلّا أن تكون له بيّنةٌ أنّه أراده وصال عليه، فلا يغرم). قال في شرح التفريع [٥/ ٣٣٥]: «قال الأبهري: وإنّما قال ذلك؛ لأنّ القيمة
[ ٢ / ٦٢٦ ]