[١٥٣٥] مسألة: قال: ومن تزوج امرأةً ولها بنتٌ صغيرةٌ، يَعْلَمُ بذلك، ثمّ بنى بها وهي معها، ثمّ قال لها بعد: «أخرجيها عني»، فليس ذلك له (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز له أن يفرق بين الابنة إذا كانت صغيرةً وأمها؛ لأنَّ ذلك حقٌّ لهما جميعًا، وفي ذلك ضررٌ عليهما، وليس له أن يفعل ما يضر بهما، وقد قال النبيُّ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^٢)، وقال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣]، فأخبر سبحانه أنَّ الربيبة تكون في حجر المتزوج بأمها، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا» (^٣)، أي: لا يفرَّق بينهما.
•••
[١٥٣٦] مسألة: قال: ويلزم المرأة رضاع ولدها ما كانت تحته، يعني: تحت الزوج - أم الولد -، فإذا طلقها لم يلزمها.
ولا يكون ذلك عليها وهي تحته إذا كانت الشريفة الموسرة التي ليس لها مثلٌ يُرْضِع، فذلك على الزوج إذا كان قويًا.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٧)، النوادر والزيادات [٥/ ٦٢]، الجامع لابن يونس [٩/ ٥١٤].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١٦/ ٩٣].
[ ٢ / ٦٤٤ ]
وكذلك يكون لها من النفقة بقدر الغنى واليسر؛ لأنّه نكحها وهو يعرف حالها، وينفق على خادمها وإن كانت لا تخدمه (^١).
• إنّما قال: «إنَّ على المرأة رضاع ولدها إذا كانت تحت أبيهم»؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فألزم الله سبحانه بعموم هذه الآية الوالدات يرضعن أولادهن إذا كنَّ تحت أبيهم، إلّا من خرج من هذه الآية بدليلٍ، وهي التي لا تطيق الرضاع؛ لأنَّ مثلها لا يقدر عليه ولا على إمساك الصبيان وتعاهدهم والقيام عليهم، فليس تكلف ذلك؛ لأنَّ في ذلك إضرارًا بها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة:٢٣٣].
ولأنَّ العرف جارٍ بأنَّ مثلها لا تُكَلف مثل ذلك، قال الله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أو لتعذرِ لبنٍ، فليس عليها ذلك؛ لأنّها لا تقدر عليه.
فأمّا إذا كانت ممن يقدر، وجب عليها أن ترضعه أو تكتري له من يرضعه من مالها؛ لأنَّ ذلك حقٌ عليها، فعليها أن تفعله بنفسها أو بمن يقوم مقامها.
فأمّا إذا طلَّقها زوجها، أعني: أبا الولد، فليس عليها أن ترضع ولده، وعلى أبيه أن يُرْضِع له، إمّا بأن يعطي أمه أجرة رضاعةٍ، وإما استرضع له من غيرها.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٧)، المدونة [٢/ ٣٠٤]، التفريع مع شرح التلمساني [٦/ ٤٤٥ و٧/ ٣١٤]، النوادر والزيادات [٥/ ٥٢].
[ ٢ / ٦٤٥ ]
والدليل على أنّه ليس عليها أن ترضعهم بعد الطلاق بأجرةٍ (^١) كما عليها ذلك قبل الطلاق، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وقال جل اسمه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:٦]، وذلك بعد الطلاق، فعُلِم بهذا أنّه ليس عليها أن ترضعهم بعد الطلاق بغير أجرةٍ، إلّا أن يكون أبوهم ممن لا يقدر على أجرة الرضاع، ولا مال للولد، فعليها أن ترضعهم على طريق الإعانة لهم؛ لأنّه لا يجوز لها أن تفعل ما يؤدِّي إلى تلفهم، كما لا يجوز ذلك للمسلمين جملةً أن يفعلوه بمن احتاج إليهم.
وقوله: «إنه ينفق على امرأته حسب ما تحتاج إليه، وعلى قدر حالها من الغنى واليسر»؛ فلأنه على ذلك دخل، فعليه أن يقيم بكفايتها أو يطلقها إن لم يقدر على ذلك.
وليس له أن ينتقصها من قدر كفايتها؛ لأنَّ ذلك يضر بها، كما ليس له أن ينتقص غيرها من مقدار قوتها وما يصلحها؛ لأنَّ كفاية كلّ إنسانٍ على حسب حاله، وقد قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦]، وقال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وليس من المعروف أن يكلفها ما لم تجر عادتها به، ولا أن يقطعها عما دخلت عليه من النفقة على قدر حالها، كما لو دخلت على أنّه لا يقدر على النفقة عليها على حسب حالها، أو لم يقدر على الوطء أو أشباه ذلك، لم يكن لها أن تطالبه بأكثر مما دخلت عليه.
وقوله: «وينفق على جاريتها»؛ فلأنَّ عليه أن يُخدِمها إذا كانت لا تخدم
_________________
(١) قوله: «بأجرةٍ»، كذا في شب، ولعلها: «بغير أجرةٍ».
[ ٢ / ٦٤٦ ]
نفسها والخدمة من كفايتها، فعليه أن يكفيها ذلك وينفق على من يخدمها؛ لأنَّ ذلك لا بد لها منه.
وإن كانت ممن تخدم نفسها، لم يلزمه ذلك (^١).
•••
[١٥٣٧] مسألة: قال: وللمرأة أن تسترضع لولدها إذا لزمها ذلك وهي تحت الزوج، إذا كان لها عذرٌ أو علةٌ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ رضاعها ولدها إذا كانت تحت أبيهم لازمٌ لها إذا كانت ممن يرضع ويتكلف ذلك، فلها أن ترضعهم بنفسها أو من يقوم مقامها إذا اختارت ذلك، أو كان لها عذرٌ من مرضٍ أو غيره.
•••
[١٥٣٨] مسألة: قال: وإذا كان للمرأة الولد الصغير، فأرادت أن ترمي به إلى عمه وتَنْكِح، فليس ذلك لها، إلّا أن يكون له من المال ما يُسْتَرْضَعُ له، فيكون لها أن تلقيه إلى عصبته وتنكح.
وليس لها أن تطرح ولدها مكانها على زوجها حتى يطلب له مُرضعًا.
ولو كان لا يقبل من غيرها وثبت ذلك، أُلزمت رضاعه (^٣).
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٦/ ٤٤٥]، عن الأبهري طرفًا من شرح المسألة.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٠٧)، النوادر والزيادات [٥/ ٥٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٠٧)، النوادر والزيادات [٥/ ٥٣].
[ ٢ / ٦٤٧ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في رميها لولدها وترك رضاعهم ضررًا عليهم، فليس لها أن تفعل ذلك؛ لأنَّ إعانتهم وإحياءهم قد لزمها، فليس لها أن تمتنع منه.
فإن كان لهم مالٌ كان لها ترك ذلك؛ لأنهم يستغنون بمالهم عنها، ويسترضع لهم أبوهم أو عصبتهم، وعليها أن تُرضعهم حتى يجدوا لهم من يرضعهم.
فإن لم يجدوا من يرضعهم أو وجدوا فلم يقبلوا الرضاع إلّا منها، لزمها أن ترضعهم وتجبر على ذلك؛ لأنَّ في ترك رضاعها لهم مضرةً عليهم، ولعلَّ ذلك يؤدي إلى تلفهم؛ وليس لها أن تفعل ما يؤدي إلى تلفهم، وقد لزمها إحياؤهم كما يلزم جملة المسلمين أو أحدهم إذا تعيَّن الفرض عليه أن يطعم الجائع ويسقي العطشان ويكسو العاريَ، وأشباه ذلك، فكذلك هي قد لزمها رضاعهم حتى يستغنوا بغيرها.
وقوله: «إنَّ لها أن ترمي به إلى عمه وعصبته إذا كان له مالٌ، وليس لها أن ترميه إذا لم يكن له مالٌ»، فإنّه يعني بذلك: إذا كان للولد مالٌ، لا العم ولا العصبة؛ لأنّه ليس على العصبة ولا العم أن ينفق عليه؛ لأنَّ نفقة الأصاغر تلزم الأب وحده إذا لم يكن للولد مالٌ، ليس تلزم الجد أبا الأب ولا عمًا ولا غيره من العصبات، ولا ذوي الأرحام من النساء والرجال، وسنذكر حجة ذلك في موضعه إن شاء الله.
•••
[١٥٣٩] مسألة: قال: وولاة الولد بالخيار على الأم، إن وجدوا من يرضعه بدون ما ترضعه انتزعوه منها، إلّا أن ترضعه بذلك.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
فإن وجدوا باطلًا، كان ذلك لهم، إلّا أن ترضعه أمه كذلك.
ولا يُقْبَل في ذلك قول الأب: «إني قد وجدت»، حتى يُعْلَم ذلك، وليس له أن يأتي بمن يضار الأم برضاعةٍ باطلًا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ على أبي الولد وأوليائهم أن يفعلوا بالولد وماله ما هو صلاحٌ لهم، فإذا وجدوا من ترضعه بأجرةٍ هي أقل من أجرة الأم استرضعوا غير الأم؛ لأنَّ في ذلك توفيرًا لمالهم.
وكذلك إن وجدوا من يرضعهم بغير شيءٍ، ارتضعوا له ولم يدفعوا أجرة الرضاع إلى الأم إذا طلبت ذلك، إلّا أن ترضعهم بمثل الأجرة التي ترضع غيرها، أو ترضع بغير شيءٍ، فتكون الأم أولى بهم؛ لأنّه قد توفِّر عليهم مالهم، وهي أشفق عليهم وأرفق بهم من غيرها، فصارت أولى بإرضاعهم لهذه العلة.
وكذلك إذا كان الأب قليل ذات اليد فوجد من يرضع ولده بأجرةٍ قليلةٍ أو بغير شيءٍ، فله أن يدفع ذلك إليهم دون أبيهم (^٢)؛ لأنَّ في ذلك رفقًا به إذا لم يقصد بذلك الضرر بالولد وأمهم.
فأمّا إن كان غنيًا لا تُؤَثِّرُ عليه أجرة رضاعهم، فليس له أن يعدل بهم عن أمهم إلى غيرها وإن كانت ترضع بغير شيءٍ؛ لأنّه يقصد بهذا الضرر بأمهم، وليس يقصد توفير الأجرة عليه، إذا كان يُعْلَم أنَّ مثله لا يؤثر عليه توفيرها
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٧)، المدونة [٢/ ٣٠٥]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٦٠)، النوادر والزيادات [٥/ ٥٣].
(٢) قوله: «أبيهم»، كذا في شب، ولعلها: «أمهم».
[ ٢ / ٦٤٩ ]
إن أخرجها من ماله، وقد قال الله ﷿: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، أي: لا يضار، فليس للأب أن يضر بأمهم في رضاع ولده، وليس للأم أن تَضُرَّ أيضًا بأبيهم في رضاعهم.
والضرر في ذلك كله هو على ما فسرناه: أن يفعل الإنسان فعلًا يَخْرُجُ به عما يعرفه المسلمون بينهم ويَخْرُجُ عن عشرتهم، وقد قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، فمن (^١) خرج عن العشرة المعروفة والعرف الجاري نُهي عنه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]، وقال: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص:١٩].
•••
[١٥٤٠] مسألة قال: وأم الولد تعطى رضاع ولدها إذا مات سيدها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الزوجة إذا طلقها زوجها لم يكن عليها رضاع ولدها؛ لزوال النكاح الذي لزمها معه رضاع ولدها، فكذلك أم الولد إذا زال ملك سيدها عنها بموته لم يكن عليها رضاع ولدها، وكان لها الأجرة في رضاعهم إذا كان للولد مالٌ، وإن لم يكن لهم مالٌ، لزمها أن ترضعهم حتى يستغنوا بغيرها، على ما ذكرناه.
•••
[١٥٤١] مسألة: قال: وقد قيل: إذا كان الرّجل موسرًا فوجد من يرضع
_________________
(١) قوله: «فمن»، كذا في شب، ولعلها: «فما».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٠٨)، النوادر والزيادات [٥/ ٦١].
[ ٢ / ٦٥٠ ]
له باطلًا، فليس ذلك له، ولكن ترضعه أمه ولها أجر رضاعها، وذلك له إذا كان معسرًا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان موسرًا فعدل برضاع الولد عن أمه، كان مضرًا بها، وليس له أن يفعل ذلك؛ لأنّه لم يقصد الرفق إذا كان لا يُؤَثِّرُ عليه توفير أجرة رضاعه، وإنما يريد الإضرار بأمه، وليس ذلك له.
فأمّا إذا كان معسرًا فله ذلك؛ لأنّه إنّما يقصد الرفق به لا الإضرار بأمه.
•••
[١٥٤٢] مسألة: قال: وإذا كانت المرأة موسرةً وزوجها معسرًا فأرضعته، لم تتبعه بشيءٍ مما أرضعته به (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان معسرًا فليس عليه رضاع ولده؛ لأنّه لا يقدر على ذلك، وقد قال الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فولد المعسر هم من فقراء المسلمين، وهو كذلك، وإذا كان كذلك، كان رضاعهم على وجه القربة إلى الله تعالى والحسبة، فليس لها أن تتبعه بأجرة ذلك، إذ ذلك ليس واجبًا عليه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٨)، المدونة [٢/ ٣٠٦]، النوادر والزيادات [٥/ ٥٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٠٨)، البيان والتحصيل [٥/ ١٤٧].
[ ٢ / ٦٥١ ]
ولأنَّ ذلك منها على وجه الحسبة، وقد لزمها أيضًا إعانتهم بالرضاع؛ لأنّها متى لم تفعل ذلك أدى إلى تلفهم.
•••
[١٥٤٣] مسألة: قال: ويُفْرض للمرأة على زوجها إذا كانت ترضع ما تقوى به على رضاعها، وليس المرضع كغيرها (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرضع تحتاج من النفقة والمؤنة إلى أكثر من غيرها، فعلى زوجها أن يعطيها ما يكفيها من النفقة وولدها في رضاعها، على حسب كفايتها وحالها من حاله، وذلك على ما يعرفه النّاس في بلدهم ووقتهم وحالهم، وعلى قدر اجتهاد الحاكم في ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فعليه أن ينفق عليها حسب كفايتها بالمعروف.
وقد رَوَى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أَنَّ هِنْدًَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي بِالمَعْرُوفِ، أَفَآخُذُ مِنْهُ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٨)، النوادر والزيادات [٥/ ٥٢]، المنتقى للباجي [٤/ ١٢٨].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٣١٤.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
فثبت بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه، أنَّ على الرّجل أنْ ينفق على امرأته وولده بقدر ما يكفيهم بالمعروف، لا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ.
•••
[١٥٤٤] مسألة: قال: وإذا هلك الرّجل عن الحامل، فنفقتها عليها.
فإذا وضعت، كان رضاع الصبي من ماله، فإن لم يكن له مالٌ، فليس على ورثته ولا على عصبته رضاعه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الميت قد زال ملكه عن ماله وصار لغيره من الغرماء أو الورثة، فليس تجب للحامل نفقةٌ في مال غير الزوج، فعليها أن تنفق على نفسها من مالها (^٢).
فإذا وضعت الحمل كان رضاعه من ماله؛ لأنّه ليس عليها أن ترضعه إذا كان غنيًا بماله مستغنيًا عنها به.
فإن لم يكن له مالٌ لم يكن على ورثته ولا على عصبته رضاعه؛ لأنَّ رضاع الولد ونفقته على الأب إذا لم يكن للولد مالٌ، دون غيره من العصبة وذوي أرحامه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٨)، المختصر الصغير، ص (٥١٦)، التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ٣٤٥].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٣٤٦]، هذا التعليل عن الأبهري.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
فإن قيل: إنَّ على الوارث أنْ ينفق عليه؛ لقول الله ﷿: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣] (^١).
قيل: معنى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، راجعٌ على أن لا يضار، والنسق عليه رجع لا على النفقة؛ لأنّه لم يتقدَّم ذِكْرٌ لنفقة الولد، وإنما تقدَّم ذِكْرُ نفقة الزوجات، وهو قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أراد الزوجات.
ويستحيل أن يتسق بالوارث على نفقة الزوجات؛ لأنَّ الوارث لا ينوب مناب الزوج في النفقة؛ لأنَّ نفقة الزوجات هو للاستمتاع بالزوجة، وليس يجوز أن تقوم مقامه في المعنى الذي وجب من أجله نفقة الوارث.
وقد قال مخالفنا في هذه المسألة: «إنَّ الصبيَّ إذا كان له ابن عمٍ وخالٌ، أنَّ نفقته على خاله وأن ميراثه لابن عمه إذا مات» (^٢)، فقد ألزموا النفقة غير الوارث وأسقطوها عن الوارث.
فهذا نقضٌ لقولهم، وتركٌ لظاهر ما احتجوا به من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، أنّه النفقة (^٣).
•••
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: المبسوط [٥/ ٢٠٩]، المغني [١١/ ٣٨٢].
(٢) ينظر: المبسوط للسرخسي [٢/ ٢٠٩].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٣٤٧]، شرح المسألة عن الأبهري.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
[١٥٤٥] مسألة: قال: وإذا استرضع الأب لابنه وقد ماتت أمه، ثمّ يموت أبوه قبل تستوفي أجر رضاعها:
(فما أرضعت في حياة أبيه، فذلك لها في مال أبي الغلام.
(وما كان بعد موته، ففي مال الغلام (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما أرضعته في حال حياة الأب فذلك كان واجبًا على الأب، فتؤخذ من ماله أجرة ذلك؛ لأنَّ ذلك كان لازمًا له.
فإذا مات سقط عنه الرضاع والنفقة على ولده؛ لأنَّ ملكه قد انتقل إلى غيره، فصار ما أُرضع به الصبي في ماله دون مال الأب، ودون سائر ورثته؛ لأنّه ليس على ورثته أن يسترضعوا له، ولا على أمه أن ترضعه بعد موت أبيه (^٢)، فصار ذلك في مال الصبي دون غيره.
•••
[١٥٤٦] مسألة: قال: وإذا استرضع الرّجل لابنه فدفع إليها نفقة سنةٍ، ثمّ هلك ابنه بعد شهرٍ أو شهرين، فإنّه يحاسبها بقدر الشهور ويأخذ ما فضل عندها (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أجرة الرضاع إنّما تستحقه المرضعة بالرضاع المدة التي استأجرها، فإذا مات الصبي رجع عليها بما بقي من المدة؛ لأنّها لم تستحقه،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٠٨)، المدونة [٣/ ٤٥٥]، البيان والتحصيل [٥/ ١٥٨].
(٢) المسألة التي ذكرها ابن عبد الحكم مفترضة في صبي ماتت أمه، فكلام الشارح مستأنف.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٠٨)، النوادر والزيادات [٥/ ٥٦].
[ ٢ / ٦٥٥ ]