[١٤٦٤] قال: ومن جحد رجلًا مالًا، فأقر له في السر ودعاه إلى الصلح، ثمّ انطلق فأشهد (^١) أنّه إنّما يصالحه ليقرَّ في العلانية، ثمّ يقوم على حقه، فصالحه في العلانية وأشهد عليه، فلمّا فرغا خاصمه، فالصلح جائزٌ، إلّا أن يأتي بأمرٍ من شهادةٍ أو علمٍ على أصل الحق، أو أمرٍ يُرى أنّه قد ثبت (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصلح قد وقع من ربِّ الحق في الظاهر، فلا يقبل قوله: «إنَّه إنّما صالحه ليقرَّ له في العلانية»؛ لأنّه لو قُبِل ذلك منه، لَمَا شاء أحدٌ أن يُبْطِل ما يلزم نفسه من صلحٍ وبيعٍ وغير ذلك من العقود إلّا فعل ذلك، والصلح فهو فعل مجوَّزٌ إذا كان على ما أذن الله ﷿ فيه ورسوله ﷺ.
فإن أتى بعذرٍ أو وجهٍ يُقبل قوله: أنَّ صلحه إنّما كان ليقر له في الظاهر، كان ذلك له؛ لأنَّ صلحه إنّما كان على وجه الاضطرار لا الاختيار.
•••
_________________
(١) قوله: «فأشهد»، كذا في مك، وفي المطبوع: «فإن شهد».
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٠)، وقد نقل ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [٧/ ١٧٦]، وينظر: الأحكام لابن حبيب، ص (١٨٦).
[ ٢ / ٥٧٥ ]
[١٤٦٥] مسألة: قال: ومن صالح رجلًا من حقه، ثمّ ادَّعى أنَّ عليه يمينًا أن لا يأخذ حقه إلّا جُملةً، فالصلح جائزٌ، وليس ذلك له (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلنا: إنَّ الصلح فعل مجوَّزٌ مندوبٌ إليه، وإذا فعله الإنسان، لم يكن له أن يرجع عنه إذا كان غير مخالفٍ للكتاب والسنة، وذلك لازمٌ له، كعقد البيع والإجارة.
وليس يقبل قوله: في أنّه لا يأخذ حقه إلّا جملةً؛ لأنّه قد ترك بعضه على وجه الصلح، فليس له أن يرجع عنه.
•••
[١٤٦٦] مسألة: قال: ومن ادَّعى على رجلٍ مئتي دينارٍ، وأنكر الآخر أن تكون له إلّا مئةٌ، وذكر ذهاب ذِكْرِ حَقِّهِ، فصالحه على زيادةٍ من المئة، ثمّ وجد كتاب ذكر حقٍّ، فإنّه يغرم له بقية حقه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا لم يختر الصلح، وإنما أحوجه إلى ذلك ذهاب حجته وهو ذكر الحق، فلمّا وجده، كان له أن يرجع الى أصل حقه؛ لأنّه لم يختر تركه على طيب نفسٍ، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (^٣).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٠)، الأحكام لابن حبيب، ص (١٨٥).
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٦٠.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
[١٤٦٧] مسألة: قال: ومن غاب شهوده على حقٍّ، فطلبه فجحده الذي هو عليه، فدعاه إلى الصلح، فأشهد في السر: «أني إنّما أصالحه لجحوده إياي، وإذا حضر شهودي قمت»، فالصلح ماضٍ، ولا ينفعه القيام بشهوده، ولو شاء لم يُعَجِّل حتى يَقْدُمُوا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لم تدعه إلى الصلح ضرورةٌ، لو شاء صبر حتى يقدُم شهوده فيأخذ حقه كله، فلمّا اختار الصلح وترك بعض حقه، لم يكن له الرجوع عنه، كما ليس له الرجوع عن عقود البياعات والإجارات وغير ذلك.
•••
[١٤٦٨] مسألة: قال: ومن صالح رجلًا على دراهم كانت له عليه، على: «أن يدفع إليه خمسة دراهم كلّ شهرٍ على أنَّ الدافع لا يمين له على صاحب الحق إن لم يأت ببيّنةِ غرمٍ»، فلا ينفعه ذلك الشرط (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّ هذا صلحٌ على خلاف ما أُمِر به، وهو مخالفٌ للأصول؛ لأنَّ اليمين على الدافع متى استحلفه صاحب الحق إذا لم تكن له بينةٌ، فمتى عقدا صلحهما على أن لا يمين على المدَّعَى عليه ولا بينة على المُدَّعِي، فصلحهما غير جائزٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠٠)، وقد ذكر ابن أبي زيد في النوادر [٧/ ١٧٦]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدونة [٣/ ٣٨٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٠)، النوادر والزيادات [٧/ ١٧١].
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وقد قال عمر بن الخطاب: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًَا أَحَلَّ حَرَامًَا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًَا» (^١).
وقال النبيُّ ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿ فَهُوَ بَاطِلٌ» (^٢).
•••
[١٤٦٩] مسألة: قال: ومن صالح امرأةً على ثُمُنها من زوجها، وترك مالًا وعَرَضًَا وعليه دَينٌ، فإن كانت العروض معروفةٌ، فلا بأس بذلك (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصلح في هذا الموضع هو بمنزلة البيع، لأنَّ المرأة تترك شيئًا وتأخذ بدله، وإذا كان ذلك كله معروفًا، جاز، وإن كان مجهولًا، لم يجز؛ لأنّها معاوضةٌ على شيءٍ مجهولٍ، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٤٧٠] مسألة: قال: ومن اعْتُرِفَ في يده بعيرٌ، وأتى صاحبه الذي اشتراه منه فأنكر، فصالحه على دينارين كتبهما عليه، ثمّ زعم الذي صالحه أنّه قال: «إن وجدتُ صاحب البعير أعطيتك حقك»، وجحد ذلك الذي عليه الديناران وأراد استحلافه، فليس ذلك عليه إذا لم يكن وضع ذلك في كتابه (^٤).
_________________
(١) هي قطعة من كتاب عمر إلى أبي موسى في القضاء، أخرجها بهذا اللفظ: الدارقطني [٥/ ٣٦٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢٠/ ٤٤٥].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٥٤.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٠)، المدونة [٣/ ٣٧٧]، النوادر والزيادات [٧/ ١٧٠].
(٤) المختصر الكبير، ص (٣٠١).
[ ٢ / ٥٧٨ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا مدَّعٍ يدّعي خلاف ما وقع صلحهما عليه، فلا يقبل قوله.
وهذا إذا كان لهما صلح مكتتبٌ؛ لأنَّ الكتب إنّما تكتب ليُرجع إليها ويُحتج بها على من ادَّعى خلاف ما فيها، فأمّا إذا لم يكن لهما كتابُ صلح، كان عليه اليمين؛ لأنّه منكِرٌ، وعلى الآخر البيِّنة؛ لأنّه مدَّعٍ.
ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الصلح وقع على الإنكار، فلم يجب للمدَّعي على المدَّعى عليه حقٌّ، وإنما أعطاه المدَّعى عليه شيئًا ليزيل دعواه، وليس بينهما خلطةٌ، فوجب عليه اليمين.
•••
[١٤٧١] مسألة: قال: ومن ادَّعى على رجلٍ أنّه وعده إذا خرج عطاؤه أعطاه دينارين، فأنكر وأراد أن يُحَلِّفَه، فلا يمين عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الوعد غير لازمٍ لمن وعد، فمن وعد فلا يمين عليه؛ لأنّه لو أقر بالوعد لم تلزمه العطية؛ لأنَّ الوعد ليس بعقدٍ، وإنما يلزمُ الإنسانَ ما يفعله، أو يعقد على نفسه فعله في ثانٍ، فأمّا إذا لم يكن فَعَلَ - أعني: من عطيةِ شيءٍ، أو عقدٍ بعطيةِ شيءٍ في ثانٍ -، فليس يلزمه ما يَعِدُ به، وإن كان الاختيار له أنْ يفي به.
وإنما تلزم الأفعال وعقودها، كما يلزَمُ الانسانَ الحجَّ إذا دخل فيه، وكذلك الصوم والصلاة، وكذلك الهدي إذا قلده وأشعره، ويلزمه أيضًا إذا ألزم نفسه
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠١).
[ ٢ / ٥٧٩ ]
قولًا، وذلك لأنَّ الله سبحانه قال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].
•••
[١٤٧٢] مسألة: قال: ومن صالح غريمًا له على مالٍ له كان على رجلٍ هو وصيه، فصالحه على رقيقٍ للميت تركهم، على أن يدفع إليه بقية ما صالحه عليه من ثمارٍ لهم وقفًا عليهم، على أنَّه إن كان الرقيق مضت فيهم صدقهٌ أو شيءٌ حال دونهم من أبيهم فلا صلح بينهم، فلا يجوز ذلك، إلّا صلحٌ ثابتٌ ليس فيه: «إن كان كذا وكذا، وإن كان كذا وكذا» (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصلح هاهنا جرى مجرى المعاوضة، فلا يجوز أن يقع على عوضٍ لا يُدرى هل يحصل أم لا؛ لأنَّ ذلك غررٌ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه عن بيع الغرر، والصلح عليه (^٢).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠١).
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٠٦.
[ ٢ / ٥٨٠ ]