[١٣٠٤] قال: ومن استهلك شيئًا من الحيوان أو العروض (^١)، فعليه قيمته يوم استهلكه، ومن استهلك طعامًا فعليه مثله، ومن استهلك ذهبًا أو فضةً فكذلك (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فعلى الإنسان القصاص إذا اعتدى على الإنسان في بدنه بدل ما فعل، وعليه مثله في المال، أعني: غرامة ذلك، وبذلك حكم النبيُّ صلى الله عليه.
فرَوَى مالكٌ، وعبيد الله، وجماعةٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًَا لَهُ فِي عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ العَدْلِ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ» (^٣).
_________________
(١) في موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٣) زيادة: «بغير إذن صاحبه».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٧)، المختصر الصغير، ص (٦٥٢)، المدونة [٤/ ١٧٨]، النوادر والزيادات [١٠/ ٣٣٠]، التفريع مع شريح التلمساني [٩/ ١٥٨].
(٣) حديث مالك في الموطأ [٥/ ١١٢١]، ومن طريقه البخاري (٢٥٢٢)، ومسلم [٤/ ٢١٢]، وحديث عبيد الله عند البخاري (٢٥٢٣) ومسلم [٤/ ٢١٢]، والحديث في التحفة [٦/ ٦١].
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ورَوَى حميدٌ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «طَعَامٌ بِطَعَامٍ وَصَحْفَةٌ بِصَحْفَةٍ» (^١).
فوجب بدليل الكتاب والسنة على الإنسان بَدَلُ ما أتلف على الإنسانِ من ماله، عمدًا كان أو خطأً؛ لأنَّ حكم الإتلاف يستوي في العمد والخطأ في المال.
ألا ترى: أنَّ ذلك يستوي في وجوب الجزاء على قاتل الصيد.
فإذا كان الشّيء المتلف مما لا مثل له، كالحيوان والعروض، فعليه قيمته؛ لأنَّ ضبط مثله بالقيمة أحصر منه في الخلقة.
وإذا كان مما يكال أو يوزن، فعليه مثله في الخلقة؛ لأنَّ رد مثله في الخلقة ممكنٌ.
ولا خلاف في هذه الجملة بين فقهاء الأمصار الذين يرجع إليهم، دون من شذ منهم ولم يُعَدَّ خلافًا (^٢).
•••
[١٣٠٥] مسألة: قال: ومن اغتصب عبدًا، فهلك عنده من غير تعبٍ ولا طول زمانٍ، فقد ضمنه (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي [٣/ ٣٣]، بهذا اللفظ، وهو في البخاري (٢٤٨١) وفي التحفة [١/ ١٩١].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٥٨]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ٣١٥]، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٢)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٩١].
[ ٢ / ٤٣٨ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغصب تعدٍّ، فإذا تلف المغصوب في يد الغاصب لزمه قيمته يوم غصب لتعدِّيه، وسواءٌ تلف بفعل الغاصب أو غير فعله؛ لأنّه متعدٍّ بغصبه، فعليه ضمانه.
ولا خلاف في هذا بين أهل العلم.
•••
[١٣٠٦] مسألة: قال: ومن تسوق بسلعةٍ، فأعطاه بها غير واحدٍ ثمنًا، فاستهلكها رجلٌ (^١)، فهو ضامنٌ لِمَا أُعْطَاهُ، ولا يُنْظَرُ إلى قيمتها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثمن الذي قد أُعْطِي بها يقينٌ، والقيمة اجتهادٌ، وما قد عُلِم من بدلها بيقينٍ أولى من قيمتها التي هي اجتهادٌ.
وهذا إذا كان الثمن يشبه ثمنها، فأمَّا إذا كان أكثر من ذلك فليس على مستهلكها غير قيمتها، أو ثمن مثلها، والقيمة أقيس.
•••
[١٣٠٧] مسألة: قال: وإذا استكره النصراني الأمةَ، غرِمَ ما نقص من قيمتها، بكرًا كانت أو ثيِّبًا.
وكذلك العبد يستكره الأمة، فإن دفع ذلك سيِّده، وَإِلّا أسلمه (^٣).
_________________
(١) قوله: «رجلٌ»، مثبت في شب، وساقط من المطبوع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٧)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٢)، النوادر والزيادات [١٠/ ٣٧٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧٧)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٣).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنهما جانيان جميعًا على مال غيرهما، والنصراني عليه غُرْمُ ما نقص من مال غيره، وذلك في ماله، والعبد فعليه ذلك في رقبته، فإن شاء سيِّده أسلمه بأرش جنايته، وإن شاء افتكَّه.
•••
[١٣٠٨] مسألة: قال: ولا يُضَعَّفُ الغُرْمُ على أحدٍ في شيءٍ استهلكه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فلمَّا لم يجز أن يُتَعَدَّى في القِصَاص إلى أكثر مما وجب، فكذلك في المال.
وكذلك قال النبيُّ ﷺ: «طَعَامٌ كَطَعَامٍ وَقَصْعَةٌ كَقَصْعَةٍ» (^٢)، وكذلك من أعتق شِرْكًَا له في عبدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ العَدْلِ.
فوجب بما ذكرنا من دليل الكتاب والسنة أن لا يُضَاعَف الغُرْمُ على أحدٍ في مالٍ، ولا قَوَدٍ في جنايةٍ.
فأمّا ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب من تضعيفه القيمة على البراء (^٣) في الناقة التي انتحرها غلمانه (^٤)، فإنَّ ذلك يجوز أن يكون له معنى أو سببٌ أَوْجَبَ ذلك
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٧)، الموطأ [٤/ ١٠٨٣]، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٤)، النوادر والزيادات [١٤/ ٤٥٤]، الاستذكار [٢٢/ ٢٥٨].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٣٠٤.
(٣) قوله: «البراء»، كذا في شب، والذي في مصادر التخريج: عبد الرحمن بن حاطب.
(٤) أخرجه مالك [٤/ ١٠٨٣]، وعبد الرزاق [١٠/ ٢٣٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٧/ ٣٥٧]، والطحاوي في مشكل الآثار [١٣/ ٣٦٥] من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، «أن رقيقًا لحاطب سرقوا ناقةً لرجلٍ من مزينة فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثمّ قال عمر: أراك تجيعهم، ثمّ قال عمر: والله لأغرمنك غرمًا يشق عليك، ثمّ قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟، فقال المزني: كنت والله أمنعها من أربعمئة درهم، فقال عمر: أعطه ثمانمئة درهم»، وهو مرسل، يحيى لم يدرك عمر ﵁، وقد جاء في رواية عبد الرزاق: عن يحيى، عن أبيه.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
عليه، لا من أجل الإتلاف، ولا نعلم خلافًا في أنَّ تضعيف قيمة الشّيء المتلف غير جائزةٍ بين الفقهاء، وإنما عاقبه عمر ﵁ بالغرم؛ من أجل إجاعته لعبيده، لا من أجل إتلافهم الناقة، وكذلك قال النبيُّ صلى الله عليه: «مَنْ مَنَعَهَا، يعني الزَّكَاةَ، فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إِبِلِهِ، عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ﷿» (^١)، أي عقوبةً على منعه الزكاة؛ لا أنَّ ذلك زكاةٌ؛ لأنَّ العقوبات قد تقع في الأبدان والأموال، بدلالة وجوب القود والحدود في الأيمان، والكفارات في الأموال.
•••
[١٣٠٩] قال: ومن استهلك زرعًا قبل أن يبدو صلاحه، غرم قيمته على قدر الرجاء والخوف (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد أتلف الزرع وقَطَعَه عند بلوغه إلى حال الانتهاء، فوجب أن يُقَوَّم على حسب ما يرجى من بلوغه، وعلى قدر خوف انقطاعه عن ذلك، كما يُفْعَل ذلك في جنين الحرة والأمة، أنَّ فيه عُشْرُ دية أُمِّهِ إذا كان حرًا،
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٢٣]، والنسائي في الكبرى [٣/ ١١]، وهو في التحفة [٨/ ٤٢٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٧).
[ ٢ / ٤٤١ ]
أو عُشْرُ قيمة أُمِّه إذا كان عبدًا؛ لأنّه قد قطعه عن بلوغه إلى حال الحياة، ولم تراع قيمته في نفسه، فكذلك الزرع يجب أن يُراعى حال بلوغه مع جواز الخوف عليه، ولا يُقَوَّم في حال الإتلاف.
•••
[١٣١٠] مسألة: قال: ومن اغتصب قمحًا في موضعٍ، فليس عليه إلّا غرمه في الموضع الذي استهلكه فيه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ قيمة القمح تختلف في البلاد، فليس على المُتْلِفِ أن يعطي إلّا مثل ما أتلفه في الموضع الذي أتلفه، وسواءٌ كان ذلك مما يُرَدُّ مثله أو قيمته؛ لأنَّ في ردِّه في غير الموضع الذي أتلفه ضررًا عليه.
ألا ترى: أنّه لو أراد ذلك المُتلِفُ وامتنع المتلف عليه، لَمَا كان ذلك له، إلّا أن يتراضيا على ذلك فيجوز.
•••
[١٣١١] مسألة: قال: ومن استهلك عليه رجلٌ متاعه فباعه:
(فإن وجده، أخذه.
(وإن لم يجده، فله ثمنه.
وإن كان ثوبًا فلبسه الذي اشتراه، أخذ قدر قيمة ما لبس له (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٧)، المدونة [٤/ ١٧٨]، النوادر والزيادات [١٠/ ٣١٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٧)، المدونة [٤/ ١٦٩ و١٧١]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٦٨ و١٨٧].
[ ٢ / ٤٤٢ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الشّيء المستهلك على ملك صاحبه بغير منعةٍ، فلصاحبه أخذه إن وجده، وإن لم يجده، فله قيمته إن كان قد تلف، أو ثمنه الذي بيع به إن شاء.
وله أن يأخذ بدل ما قد لبسه ممن وجده عنده؛ لأنّه انتفع بِشيءِ غيره، فعليه بدل ذلك لصاحبه.
•••
[١٣١٢] مسألة: قال: ومن غصب رجلًا أرضه فزرع حتى بلغ، فلصاحبها الكراء.
فإن أدركه وهو لو قلع زرعه زرع مكانه، كان ذلك له (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغاصب متعدٍّ بالغصب وزَرْعِه الأرْضَ، فلصاحب الأرض قلع زرعه وإزالة التعدِّي عنه.
وقد رَوَى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٧)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر [١٠/ ٣٤٠]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وفيها زيادة على ما هو مثبت هنا، هي: «قال: وقد قيل: إن من اغتصب أرضًا فزرعها فلا يعطى شيئًا؛ لأنّه ليس لعرق ظالم حق، فهو أهلك ماله، والأول أحب إلينا»، وينظر: المدونة [٤/ ١٨٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٨٥]، البيان والتحصيل [٩/ ٥١].
(٢) أخرجه مالك [٤/ ١٠٧٦]، من طريق عروة بن الزبير مرسلًا، ووصله أبو داود [٣/ ٥١٠]، وغيره، وهو في التحفة [٤/ ٩].
[ ٢ / ٤٤٣ ]
فإن كان وقت الزرع قد فات ولم يقدر صاحبها على زرعها لو قلع زرعه، لم يكن له قلع زرعه؛ لأنّه لا ينتفع بذلك، ويضرُّ بصاحب الزرع، وليس يجوز أن يضرَّ به من حيث لا ينتفع هو بقلع زرعه، وقد قال النبيُّ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ»، رواه أبو سعيد الخدري عنه (^١).
وقد قال مالك: «إنَّ له قلع زرعه، سواءٌ قدر أن يزرع أرضه أم لا» (^٢)؛ لأنَّ الغاصب هو الذي أتلف ماله وظَلَمَ نفسه، حيث زرع ولم يكن له أن يزرع، والقول الأول كأنه أولى.
•••
[١٣١٣] مسألة: قال: ومن قُطِعَ عليه الطريق، فكان رجلٌ قائمٌ معهم لم يتناول شيئًا، ثمّ اقتسموه فأَخَذَ معهم، فغُرْمُ ما أخذ عليه، وغُرْمُ ما أخذ أصحابه يشبه أن يكون عليه (^٣)؛ لأنهم تعاونوا جميعًا (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ غُرْمَ ما أخذه قد لزمه بأخذه مال غيره على غير حقٍّ، فوجب عليه ردُّه.
فأمّا ما أخذ غيره فعليه ردُّه أيضًا؛ لأنّه سبب إتلافه على صاحبه، فوجب
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
(٢) المدونة [٤/ ١٨٩]، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر [١٠/ ٣٤٠]، عن الأبهري أنّه حكاه عن مالك.
(٣) يعني: إذا لم يظفر بهم، كما في النوادر والزيادات [١٤/ ٤٨٢].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٧٨)، النوادر والزيادات [١٠/ ٣٦٠ و١٤/ ٤٨٢].
[ ٢ / ٤٤٤ ]
عليه ردُّه وإن كان قد شاركه غيره في أخذه، كما يجب عليه القود وإن شاركه غيره في القتل، وتجب عليه الكفّارة والجزاء وإن شاركه غيره في القتل.
والقياس أن لا يكون عليه إلّا غرم ما أخذه دون ما أخذه أصحابه؛ لأنَّ كلّ واحدٍ عليه غُرْمُ ما أخذه، ولا يشبه ذلك القتل ولا الكفّارة؛ لأنَّ القتل ليس يقع فيه تبعيضٌ فيُجْعَلُ على كلّ واحدٍ بقدره، والكفارة والجزاء فإنما جعل ذلك تغليظًا؛ لأنّها حقوق الله ﷿، فأمّا حقوق الآدميين فبخلاف ذلك.
ألا ترى: أنَّ جماعةً لو أتلفوا مال انسانٍ، لكن على كلّ واحدٍ بقدر ما أتلف دون ما أتلف صاحبه، وليس كذلك القتل والكفارة.
•••
[١٣١٤] قال: ومن خانه رجلٌ مالًا وجحده، ثمّ قَدِرَ له على مثل ذلك فأراد أن يغصبه، فلا نأمره بذلك (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإنسان لا يجوز له أن يأخذ حقه بيده ممن وجب له عليه؛ لأنَّ ذلك كالحكم له، ولا يجوز له أن يحكم لنفسه.
وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٨)، النوادر والزيادات [٤/ ٣٠٦]، البيان والتحصيل [٣/ ٢٤٢].
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ١٩٣]، والترمذي [٢/ ٥٤٢]، وهو في التحفة [١١/ ٢٣٧].
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وقد قال مالك: «إنَّ له أن يأخذ بقدر حقه، إذا كان عليه دَينٌ لغيره مما يصيبه في المحاصَّة، لا يزيد على ذلك» (^١).
ووجه هذا القول: هو أنَّ الإنسان له أخذ حق نفسه؛ لأنَّ ذلك فِعْلُ ما يجوز له فعله، فلو قدر على أخذ حق غيره من ظالمٍ لوجب ذلك عليه؛ لأنَّ ذلك فعل خيرٍ ومعونةٌ عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال النبيُّ ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًَا أَوْ مَظْلُومًا، قِيلَ: كَيْفَ يَنْصُرُهُ ظَالِمًَا، قَالَ: بِمَنْعِهِ مِنَ الظُّلْمِ» (^٢)، وقد قال النبيُّ ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (^٣)، فأباحها النبيُّ صلى الله عليه أخذ حقها وحق ولدها بالمعروف من غير علم أبي سفيان ولا إذنه لها في ذلك، فوجب أن يجوز لكل ذي حقٍّ أن يأخذ حقه ممن منعه منه إذا قدر عليه بنفسه وغيره، والله أعلم.
•••
[١٣١٥] مسألة: قال: ومن زرع أرضًا بشبهةٍ، فعليه كراؤها - يعني: ولا يُقْطَع زرعه -، استحقها صاحبها في وقت الزرع أو غير وقته (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ من زرع بشبهةٍ فليس هو متعدِّيًا بالزرع كالغاصب الذي هو متعدٍّ بالزرع، فوجب أن تكون لزرعه حرمةٌ، لا يجوز أن يقلع حتى يبلغ،
_________________
(١) ينظر: النوادر والزيادات [١٠/ ٤٥٤].
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٤)، وهو في التحفة [١/ ٢٠٧].
(٣) متفق عليه: البخاري (٢٢١١)، مسلم [٥/ ١٢٩]، وهو في التحفة [١٢/ ١٤٨].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٧٨)، المدونة [٤/ ١٩٠]، النوادر والزيادات [١٠/ ٣٤١].
[ ٢ / ٤٤٦ ]
كما وجب أن يكون للواطئ بالشبهة لولده الذي هو زرعه حرمةٌ لا يجوز إسقاطها، كما يكون ذلك في الزّنا.
فكان الزارع بالشبهة في أنّه مثل الزارع في ملكه، أنَّ ذلك لا يُقْلع حتى يبلغ، كما كان الواطئ بشبهة ملكٍ أو نكاحٍ كالواطئ بنكاحٍ أو ملكٍ صحيحٍ في أنَّ لولده حرمةً.
وكان الغاصب في الزرع في أن لا حرمة له، كالواطئ زنًا أن لا حرمة لزرعه الذي هو الولد، فوجب قلع زرعه إن أحب ذلك صاحب الأرض.
•••
[ ٢ / ٤٤٧ ]
باب البضائع
[١٣١٦] قال: ومن أرسل رسولًا يشتري له سلعةً أو يستسلف له شيئًا، ففعل، ثمّ تلف من الرسول، فهو على المُرْسِل، فإن جحد ضمن الرسول (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ يد الرسول يد المُرْسِل؛ لأنَّ المُرْسِل قد ائتمنه، فإذا تلف الشّيء منه فهو على المُرْسِل، وعليه رد مثله، إلى صاحبه الذي استسلف منه، وعليه تَلَفُ ما اشتراه الرسول له.
فإن جحد المُرْسِلُ أن يكون أرسل المُرْسَلَ، ضمن الرسول ما قبضه؛ لأنّه إنّما قبضه لنفسه، ولم يثبت له قبضه لغيره فيكون ذلك على غيره.
•••
[١٣١٧] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ بدينارٍ، وأبضع معه آخر باثنين، فهلك أحد الثلاثة، لا يُدْرَى لمن هو، فهما شريكان في المصيبة، على كلّ واحدٍ منهما بقدر نصيبه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أصحاب الدنانير قد صاروا شركاء بملك المال، فإذا تلف منه شيءٌ كان عليهم من التلف بقدر ما لكل واحدٍ منهم.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٩).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٩)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٥).
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وقد قيل في هذه المسألة: «إنَّ تلف الدينار يكون من صاحبي المال» (^١)؛ لأنَّ صاحب الاثنين قد عَلِمَ أنَّ أحد الدينارين الباقي له، ويحتمل أن يكون الذي سلم منه أو من صاحب الدينار، فوجب أن تكون المصيبة منهما نصفين، وكلّ قولٍ محتملٌ، وهذا قول ابن القاسم.
•••
[١٣١٨] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ في شيءٍ، فاشترى له غيره، فهو بالخيار: إن شاء أخذه، وإن شاء ضمَّنَهُ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب المال مُتَعَدَّىً عليه، فوجب أن يكون بالخيار، كالمجني عليه وولي المقتول أنّه بالخيار، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية إذا بُذلت له، فكذلك ربُّ المال المبضِعِ، هو بالخيار بين أن يجيز فعله، ويكون على ما دخلا عليه إن كان ذلك على وجه المضاربة أو غيرها، وإن شاء ضمَّنَه المالَ، الخيار في ذلك لرب المال؛ لأنّه إنّما طلب الفضل بدفعه إليه، فلو لم يكن له الخيار لتَعَدَّى كلّ من دُفِعَ إليه مالٌ لِطَلَبِ الفَضْلِ ليكون له الفضل بمخالفة ربّ المال، فكان يكون في ذلك ضررٌ على أرباب الأموال، فكان لهم الخيار لهذه العلَّة.
وقد أعطى النبيُّ ﷺ عروة البارقي دينارًا ليشتري له كبشًا، فاشترى له كبشين بدينارٍ، ثمّ باع أحدهما بدينارٍ، وجاء بكبشٍ ودينارٍ إلى النبيِّ ﷺ، فأخذ
_________________
(١) ينظر: النوادر والزيادات [٩/ ٤٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٩)، الموطأ [٤/ ١٠٦٢]، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٦)، البيان والتحصيل [٨/ ٢١٨].
[ ٢ / ٤٤٩ ]
النبيُّ صلى الله عليه الكبش والدينار، وبارك له في صفقة يده، وأجاز فعل عروة (^١)، ولو شاء صلى الله عليه، لضمَّنَه الدينار؛ لأنّه خالف ما أُمِرَ به.
فلهذا قال مالكٌ: «إنَّ أرباب الأموال بالخيار على من يُخالف عليهم، بين تضمينهم، أو إجازة فعلهم إذا طلبوا الفضل».
فأمّا إذا كان لحفظها فلهم مثل أموالهم، والربح لمن تعدَّى بترك الحفظ؛ إذ لا غرض لأرباب الأموال غير حفظها، فوجب لهم مثلها دون الفضل الذي حصل للمتعدِّي، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم.
وقد رَوَى مسددٌ، حدثنا سفيان، عن شبيب بن غرقدة (^٢)، قال: حدثنا الحي (^٣)، عن عروة، يعني: ابن الجعد البارقي، قال: «أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ دِينَارًَا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدَهُمَا بِدِينَارٍ وأَتَى بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ» (^٤).
ورَوَى محمد بن الصبَّاح (^٥)،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٤٢)، وهو في التحفة [٧/ ٢٩٤].
(٢) شبيب بن غرقدة، ثقة، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٤٣١).
(٣) يعني: قبيلة عروة البارقي ﵁، ينظر: فتح الباري لابن حجر [٦/ ٧٣٣].
(٤) هو الحديث المتقدم، وهذا إسناد أبي داود [٤/ ١٣٦].
(٥) قوله: «محمد بن الصبَّاح»، كذا في المخطوط، والذي في المطبوع من سنن أبي داود: الحسن بن الصباح، وليس في الرواة عن أبي المنذر من اسمه محمد بن الصباح، كما في التهذيب [٣/ ١٥٥].
[ ٢ / ٤٥٠ ]
حدثنا أبو المنذر (^١)، حدثنا سعيد بن زيد (^٢)، حدثنا الزبير بن الحارث (^٣)، عن أبي لبيدٍ (^٤)، قال: حدثني عروة البارقي بهذا الحديث (^٥)، ولفظه مختلف.
•••
[١٣١٩] قال: وإن اشترى له ما أمره بأكثر مما أمره به، ولم يُعْلِمه حين دفع إليه، ثمّ طلب ذلك (^٦)، فذلك له ما لم تتغير بزيادةٍ أو نقصانٍ، ويحلف الطالب، ويُخَيَّرُ الذي هي عنده.
وإن دخلها فوتٌ، فلا شيء عليه.
وإن علم الزيادة، كان بالخيار: إن شاء قبل، وإن شاء ردَّ (^٧).
• إنّما قال: «إنَّ له الزيادة التي زاد ما لم تتغير السلعة بزيادةٍ أو نقصانٍ أو
_________________
(١) إسماعيل بن عمر الواسطي، نزيل بغداد، ثقة، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (١٤٢).
(٢) سعيد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي البصري، صدوق له أوهام، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٣٧٨).
(٣) الزبير بن الخِرِّيت البصري، ثقة، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٣٣٥).
(٤) لِمَازة بن زَبَّار الأزدي الجهضمي البصري، صدوق ناصبي، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٨١٧).
(٥) أخرجه أبو داود [٤/ ١٣٦]، وقد تقدَّم.
(٦) يعني: طلب ثمن الزيادة، كما في موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٦).
(٧) المختصر الكبير، ص (٢٧٩)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٦)، البيان والتحصيل [٨/ ١٤٣].
[ ٢ / ٤٥١ ]
حملٍ إن كانت جاريةً»؛ لأنَّ المأمور يقول للآمر: إمّا رضيتَ بما زِدْتُ من الثمنِ ودفعتَ إلي ذلك، أو رددتُ ما اشتريتُ لك وأخذتُ المال ولا مردَّ عليك في ذلك، فيكون القول قول المأمور.
فأمّا إذا فاتت السلعة بزيادةٍ أو نقصانٍ أو حملٍ إن كانت جاريةً، فقد فرط المأمور حيث لم يُعَرِّف ذلك الآمِرَ حتى فاتت السلعة، وكان متعدِّيًا بذلك، ولم يكن له شيءٌ؛ لأنّه ضيع ماله ولم يضيعه غيره عليه.
فإن أعلم الآمر بالزيادة وقَبِلَ ما اشتراه له على ذلك، وجبت عليه الزيادة، فإن شاء رضي بها، وإن شاء ردَّ السلعة ما لم تَفُتْ أو تتغيَّر بعد علمه بالزيادة، فلا يكون له ردُّها.
•••
[١٣٢٠] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ بذهبٍ يبتاع بها سلعةً، فزعم أَنَّهَا قد هلكت أو هلكت السلعة، فقوله فيها جائزٌ، فإن اتُّهِمَ حلف بالله ﷿: «ما خان» (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المبْضَعَ معه مؤتمنٌ، فالقول قوله في تلف ما ابتاعه، وكذلك في تلف المال قبل أن يبتاعه، مع يمينه؛ لأنّه مؤتمنٌ، بمنزلة المودَعِ.
وكذلك كلّ من كان في يده شيءٌ على وجه الأمانة، فالقول قوله مع يمينه فيما يذكر من تلفه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٩)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٦)، النوادر والزيادات [٧/ ٢٣١].
[ ٢ / ٤٥٢ ]
وكل من كان في يده شيءٌ على وجه التعدِّي، فعليه غُرْمُ ما تلف في يده بفعله وغير فعله، وذلك كالغاصب.
وكذلك كلّ من قبض الشّيء لمنفعة نفسه، كالمستعير والمرتهن، فهو ضامنٌ إذا ذكر أنّه قد تلف في يده، إلّا أن يأتي ببيِّنةٍ على تلفه، فلا يكون عليه ضمانٌ، وقد ذكرناه فيما تقدَّم.
•••
[١٣٢١] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ بذهبٍ ليدفعها إلى رجلٍ، فأنكر الرجل، فعلى المبضَعِ معه البيِّنة، فإن قال: «رددتها إلى صاحبها» فهو مصدَّقٌ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المأمور بالدفع كان قادرًا على أن يُشْهِد على المدفوع إليه ويتوثق للآمر، فمتى لم يفعل ذلك، فقد ضيَّع على الآمر وفرَّط فيما صنع.
ويجوز أن يكون أيضًا لم يدفع إليه، فلم يقبل قوله إلّا ببيِّنةٍ، وقد قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦]، فأَمَرَ من في يده المال على وجه الأمانة أن يُشْهِد على من يدفع إليه؛ ليكون ذلك حُجَّةً له في الدفع متى ما أنكر المدفوع إليه، فكذلك ما ذكرناه من المبضع معه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٩)، المدونة [٤/ ٤٣٦]، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (١٠٦)، النوادر والزيادات [٧/ ٢٣١]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٥٣].
[ ٢ / ٤٥٣ ]
فأمّا إذا قال: «قد رددته إلى صاحبه»، قُبِلَ قوله مع يمينه؛ لأنّه قد ائتمنه فيما بينه وبينه، ولم يأتمنه في الدفع إلى غيره بغير بيِّنةٍ.
•••
[١٣٢٢] مسألة: قال: وكذلك لو بعث معه نفقةً لأهله، إلّا أن يكون دفع ذلك إليه، أعني: المأمور بالدفع إليه للمساكين وما أشبههم، فيكون في ذلك مُصَدَّقًا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه من قَبْلُ: أنَّ المدفوع إليه إذا كان بعينه، لم يبرأ المأمور بالدفع إلّا ببينةٍ؛ لأنّه يقدر على الإشهاد عليه.
ولأنَّ المدفوع إليه قائمٌ بعينه، مستحقٌّ له.
وسواءٌ كان ذلك نفقةً لأهله، أو دَينًا عليه لأجنبي، أو صلةً له، أو ما أشبه ذلك؛ لقدرة المأمور على الشّهادة عليه.
فأمّا إذا كان ذلك للمساكين، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنهم لا يُعرفون بأعيانهم فيقبل قولهم إذا قالوا: لم نقبض شيئًا؛ لجواز أن يكون غيرهم قد قبض ذلك ودفع إليه.
ولأنَّ الشّهادة عليهم تكثر وتضيق إذا كانوا بغير أعيانهم.
وقد حكي عن مالكٍ أنّه قال: «إذا كان المال الذي أمر بالدفع صلةً للمدفوع إليه أو هبةً، فلا شيء على المأمور وإن لم يُشْهد؛ لأنّه لم يُتلف عليه
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٩)، المدونة [٤/ ٤٣٧]، النوادر والزيادات [٧/ ٢٣١ و٢٣٣].
[ ٢ / ٤٥٤ ]
مالًا، وإن كان دَينًا، فعليه ضمانه؛ لأنَّه قد أتلفه عليه؛ لأنَّ صاحب الدَّين يرجع على الآمر بالدفع بالدَّين الذي له» (^١).
والقول الأول كأنه أصح، والله أعلم.
•••
[١٣٢٣] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه ببضاعةٍ من مكة إلى مصر، فعرضت له إقامةٌ بالمدينة، فلا بأس أن يبعث بها مع ثقةٍ إلى صاحبها يعجلها إليه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثقة يقوم مقام المدفوع إليه الأول، وقد أذن له أن يسافر بها، فجاز أن يدفعها إلى ثقةٍ مثله يسافر بها؛ لأنَّ إقامة الأول عذرٌ يُجَوِّزُ له دفع ذلك إلى غيره ليدفعها إلى أهلها (^٣).
•••
[١٣٢٤] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ ببضاعةٍ على أنّه إن احتاج إليها أنفقها، فلا يجوز ذلك.
فإن اشترى بها سلعةً فربح، فالربح له في القضاء، فأمّا في الحلِّ فإنَّ فيه (^٤).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٩)، النوادر والزيادات [٧/ ٢١٥]، البيان والتحصيل [٨/ ١٢٤].
(٣) نقل التلمساني في باب الوديعة من شرح التفريع [٩/ ١٢٩]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، النوادر والزيادات [٧/ ١٩٩]، البيان والتحصيل [٨/ ١٢٧].
[ ٢ / ٤٥٥ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أخذ البضاعة إنّما هو على وجه المعروف من الآخذ إلى صاحب المال.
فإذا أخذها على أنّه إن احتاج إليها أنفقها، دخل ذلك قرضٌ يجر منفعةً؛ لأنّه إنّما أقرضه إن احتاج إليها لما أبضع معه، فكُرِهَ ذلك لهذه العلة.
فإن ربح فالربح للمُبْضَعِ معه؛ لأنّه لمّا استقرض المال ضمنه، فكان ربحه له.
•••
[١٣٢٥] مسألة: قال: ومن أرسل إلى رجلٍ يشتري له ثوبًا فاشتراه، فقال الرسول: «أذهب به فأريه؟»، فيقول البائع: «نعم»، فينطلق به فيضيع، فضمانه على الذي أرسله (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرسول لمّا اشترى الثوب فقد صار ملكه للمُرْسِلِ، فإذا تلف فمن ماله تلف؛ لأنّه قبضه على وجه البيع لا على وجه الأمانة، والرسول مؤتمنٌ؛ لأنَّ يده يد المُرْسِلِ.
•••
[١٣٢٦] مسألة: قال: ومن دفع إلى رجلٍ بضاعةً ليشتري بها بَزًَّا من الإسكندرية، فيقدم الرّجل فيسأله عن بضاعته، فيقول: «قد رددتها إليك»، فإنّه يحلف ويبرأ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، النوادر والزيادات [٧/ ٢١٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، النوادر والزيادات [٧/ ٢٣٠]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٥١].
[ ٢ / ٤٥٦ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المبْضَعَ معه مؤتمنٌ، والقول قوله في ردِّها إليه مع يمينه.
وكذلك القول قوله مع يمينه إذا قال: تلفت منه، وهو كالمُودَعِ سواءٌ؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما مؤتمنٌ.
•••
[١٣٢٧] مسألة: قال: ومن أبضع معه رجلٌ ببضاعةٍ إلى رجلٍ أو صلةٍ، فيموت الرسول، ويُسْأَلُ الذي بُعِثَ إليه، فيجحد أنْ يكون دُفِعَ إليه شيءٌ، فيحلفُ ورثته - إن كان منهم (^١) -: «بالله ما نعلم لها مخرجًا ولا عندنا بها علمٌ».
ولو قال الرسول قبل أن يموت: «بعث بها معي»، كان كذلك (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لجواز أن يكون قد دَفَعَ ذلك إلى المبعوث إليه قبل موته، فلم يكن على ورثته شيءٌ غير يمينهم بالله ما يعلمون أَنَّهَا في ماله.
•••
[١٣٢٨] مسألة: قال: ولو هلك الرسول قبل أن يبلغ البلد، ضمن (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا مات الرسول قبل أن يبلغ البلد الذي فيه المأمور
_________________
(١) قوله: «منهم»، مهملة في شب، وكذا يمكن أن تكون، وفي المدونة [٤/ ٤٣٧]: «إن كان فيهم كبير»، وفي النوادر والزيادات [٧/ ١٩٧]: «إن كان يظن بهم علم ذلك».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، المدونة [٤/ ٤٣٧]، النوادر والزيادات [٧/ ١٩٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، المدونة [٤/ ٤٣٧]، النوادر والزيادات [٧/ ١٩٧].
[ ٢ / ٤٥٧ ]
بالدفع إليه، عُلِمَ في الأغلب أنّه لم يَدْفَع ذلك إليه، وأنها في ماله، فوجب أن يؤخذ ذلك من ماله.
•••
[١٣٢٩] مسألة: قال: ومن أبضع معه قومٌ في رقيقٍ، فخلط أموالهم، ثمّ اشترى رقيقًا مختلطةً، ليس لكل واحدٍ رأسٌ بعينه، ثمّ أعطى كلّ رجلٍ منهم رأسًا بقدر بضاعته، وأعطى رجلًا منهم جارية مريضةً مرتفعةً ابتاعها وهي مريضةٌ، فهلكت، ثمّ اعترف (^١)، فهو ضامنٌ.
وإن لم يقر، فلا ضمان عليه أن يشتري مريضًا لمن أبضع معه، إذا لم يكن مرضًا مَخُوفًَا ومثله يُجْتَرَأُ عليه، ولا يرجع المبضع معه على الآخرين، وإنما الضمان عليه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المبضع معه بخلطه المال غير متعدٍّ إذا كان المال شيئًا واحدًا؛ لأنّه لا فضل لمالٍ على مالٍ، ومنفعته واحدةٌ، وبغية النّاس فيه سواءٌ، فإذا اشترى الرقيق، ثمّ فرقه عليهم، جاز فعله إذا دفع إلى كلّ واحدٍ منهم بقدر ماله.
فأمّا المريضة، فإن كان مرضًا مَخُوفًَا، فهو متعدٍّ بالشراء، فعليه ضمان
_________________
(١) في النوادر والزيادات [٧/ ٢١١]، من غير رواية ابن عبد الحكم: «ثم أقر بما صنع».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، النوادر والزيادات [٧/ ٢١٠]، البيان والتحصيل [٨/ ١١٠].
[ ٢ / ٤٥٨ ]
ذلك؛ لأنّه فعل ما ليس له أن يفعل، وإذا كان مرضًا غير مخوفٍ ومثله فرصةً عند التجار، فلا شيء عليه؛ لأنّه فعل ما له أن يفعل.
وتلف الجارية ممن دفعها إليه، ولا يرجع على غيره ممن اشترى لهم، ولا على المبضع معه؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم غير جانٍ ولا متعدٍّ، بل أخذ ما له أَخْذُهُ.
•••
[١٣٣٠] مسألة: قال: وإذا بعث قومٌ معه ببضائع في قمحٍ، فجمع بضائعهم فاشترى لهم صفقةً (^١)، فلا ضمان عليه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ خلطه مالهم جائزٌ، إذ لا فضل لمال أحدهم على الآخر، وليس فيه اختلافٌ بعينه، فكان غير متعدٍّ بما فعله، ولا ضمان عليه إذا دفع إلى كلّ واحدٍ ما خصه مما اشترى له بماله.
•••
[١٣٣١] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه بثلاثين في جاريةٍ على صفةٍ، فاشتراها بعشرين على ما وُصِف، فهي لازمةٌ للمُبْضِعِ وقد أحسَنَ.
فإن زاد على ثمنها الدينار والدينارين، فذلك لازمٌ.
وإن كان كثيرًا، فإنّه يُخَيَّر، فإن أحب أن يأخذ السلعة ويعطيه ما زاد، فذلك له، وإن أبى، غرم الذي أُبْضِعَ مَعَهُ ذهبه (^٣).
_________________
(١) في البيان والتحصيل [٨/ ١١٢] زيادة: «ثم يصاب ذلك الطعام».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨١)، النوادر والزيادات [٧/ ٢١١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، النوادر والزيادات [٧/ ٢٠١ و٢٠٤]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٧٠].
[ ٢ / ٤٥٩ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا اشتراها على الصفة بأقل من الثمن الذي سماه له فقد أحسن في ذلك، وعليه قبولها؛ لأنَّ امتناعه من قبولها سفهٌ منه.
فأمّا إذا زاد زيادةً يسيرةً فكذلك؛ لأنّه لا بد من زيادةٍ يسيرةٍ أو نقصانٍ يسيرٍ على الثمن المسمى، ليس يخلو من ذلك النّاس في الأغلب.
فأمّا إذا كانت زيادةً كبيرةً، لم يلزم الآمر قبولها؛ لأنّه يقول: إنّما كان عرض شرائها بثمنٍ ما، فإذا زادت عليه زيادةً بيِّنةً لم أبلغها ولا تسمح نفسي بها، فيكون ذلك له إن شاء.
•••
[١٣٣٢] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه ببضاعةٍ في سلعةٍ، فاشترى غيرها فربح، ثمّ اشترى أخرى فوضع، فالربح لصاحبها، والضمان على من افتات (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ ربّ المال مخيرٌ بين أن يُضَمِّنَ المتعدِّي عليه في ماله إذا خالف ما أمره به من طلب الفضل له، وبين تركه على ما كان عليه، وبين ضمانه المال.
وله الربح فيما اشترى في السلعة الأولى، وعليه ضمان ما اشترى من السلعة الثانية التي خسر فيها؛ لأنّه تعدَّى فيهما جميعًا، فالربح لصاحبه، والضمان عليه بالتعدِّي.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، البيان والتحصيل [٨/ ١٠٣].
[ ٢ / ٤٦٠ ]
[١٣٣٣] مسألة: قال: ومن أُبْضِع معه بسلعةٍ، وقيل: «بِع برأيك»، فباع بما لا يُعْرَف، ضَمِنَ، فإن باع بما يعرف، جاز (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا باع بما لا يعرف من الثمن، فقد تعدَّى بالمحاباة، فضمن ذلك لربِّ المال، وإذا باع بما يعرف ولم يحابِ، فلا شيء عليه.
•••
[١٣٣٤] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه في ثوبٍ، فاشتراه، ثمّ قال لصاحبه: «أذْهَبُ فأريه»، فأذن له، فسُرِقَ، فضمانه على الذي أرسله (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثوب قد ملكه المُرْسِلُ بشراء الرسول إياه، فتلفه منه على ما ذكرناه.
•••
[١٣٣٥] قال: ومن أُبْضِعَ معه بسلعةٍ يُبَلِّغُهَا، فباعها، فصاحبها بالخيار:
(بينها وبين الثمن الذي بيعت به.
(أو قيمتها يوم بيعت ممن باعها إذا كانت عرضًا.
فأمّا الذهب والورق، فله ذهبه أو مثله، كيله أو وزنه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب السلعة متعدَّى عليه في ماله، فله أخذ سلعته
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، النوادر والزيادات [٧/ ٢٠٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٦٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، البيان والتحصيل [٨/ ١٠٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٨٠).
[ ٢ / ٤٦١ ]
إن شاء، أو أخذ ثمنها الذي بيعت به، أو أخذ قيمتها إن كانت قد تلفت ممن أتلفها، إن كانت عرضًا أو حيوانًا.
فأمّا إذا كانت مما يكال أو يوزن، مثل الذهب والورق وغيره من المكيل والموزون، فليأخذ ذلك ممن أتلفه، كما لو تعدَّى عليه إنسانٌ فيما في يده فأتلفه، فعليه مثله في الخلقة أو القيمة على ما بيَّنَّاه.
•••
[١٣٣٦] مسألة: قال: ومن سافر برقيقٍ لنفسه وبضاعةٍ لقومٍ، فأنفق على نفسه، فلا يأخذ من البضاعة شيئًا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أخذه البضاعة هو على وجه المعروف والحسبة، فليس له أن يأخذ لها نفقةً؛ لأنَّ الصدقة لا يجوز له أخذ عوضها، وقد قال رسول الله ﷺ، فيما رواه محمد بن المنكدر، عن جابر عنه: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (^٢).
•••
[١٣٣٧] مسألة: قال: ومن بُعِثَت معه ببضاعةٍ لرجلٍ يدفعها إليه، فأخذها على أن لا يُشْهِدَ (^٣) ويكون القول قوله، ثمّ يُسْأَلُ عن ذلك الذي بُعِثتَ إليه، فيقول: «لم أقبض»، فإن كان للمبعوث معه بينةٌ نفعه ذلك (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، النوادر والزيادات [٧/ ١٩٨]، البيان والتحصيل [٨/ ١٣٣].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٧٢.
(٣) يعني: عند دفع المال إلى الرّجل المبعوث إليه.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٨٠)، النوادر والزيادات [٧/ ٢٣١].
[ ٢ / ٤٦٢ ]
• يعني: تكون للمبعوث معه بينةٌ أنّه شَرَطَ على الدافع إليه: أن لا يُشْهد على المدفوع إليه، فيكون الأمر على ما دخلا عليه، وشرطه على الدافع، ولا يكون على المدفوع إليه الضمان إذا دفع إلى المأمور بالدفع إليه بغير بينةٍ، لأنَّ الآمر له قد رضي بذلك، فلم يفرِّط ولم يضيِّع عليه شيئًا.
فأمّا إذا لم تكن له بينةٌ على ما يدعيه من ذلك، لم يقبل قوله، وكان عليه غرم المال للآمر متى لم يُشْهِد عند الدفع؛ لأنّه قد فرط بترك الإشهاد.
•••
[١٣٣٨] مسألة: قال: ومن دُفِعَ إليه ذهبٌ وأُشْهِدَ عليه ليدفعها، ثمّ يُسْأل عنها، فقال: «إن كُنْتَ دَفَعْتَ إلي شيئًا فقد ضاع»، فليس عليه إلّا يمينه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المأمور بالدفع هو مؤتمنٌ على ما دُفِع إليه من المال، فالقول في تلفه قوله مع يمينه لو صحَّ دَفْعُ المال، إليه وهو بمنزلة المودَعِ في ذلك.
•••
[١٣٣٩] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه ببضاعةٍ، فأراد أن يحسب على صاحبها من النفقة كما يحسب على نفسه، فإن كان كثيرًا، فذلك له (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٢)، وقد حكى ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [١٠/ ٤٤٠]، وينظر: البيان والتحصيل [٨/ ١١٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٢)، النوادر والزيادات [٧/ ١٩٨].
[ ٢ / ٤٦٣ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البضاعة إذا كثرت خرج أمرها عن حدِّ المعروف؛ لشدة تشاغل المبضَعِ معه بها وقيامه عليها، فكانت له النفقة فيها بقدرها.
فأمّا إذا قلَّت فأَخَذَهَا على وجه المعروف فلا نفقة له.
•••
[١٣٤٠] قال: وقد قيل: إنه ليس على البضائع نفقةٌ إلّا أن يُبَيِّنَ (^١).
• ووجه هذا القول هو ما ذكرناه، أنَّ أخذ البضاعة هو على وجه المعروف والحسبة، فليس له عوضٌ على ما أخذه على هذا الوجه إلّا أن يُبَيِّنَ عند الأخذ ذلك، فتكون له النفقة؛ لأنَّه قد بيَّنَ في وقت الأخذ أنّه لم يأخذها على وجه المعروف بغير نفقةٍ.
•••
[١٣٤١] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ دينارٌ، فيقول له: «معي ذهبٌ لا أعرف وزنها، وهذه ثلاثةٌ فاذهب فاستوفِ دينارك»، فيضيع، فمصيبة ديناره منه، وهو في الباقين أمين (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ قبضه للدينار هو على وجه القضاء، فكانت مصيبته منه، وما زاد عليه فهو أمين فيه، فليس عليه ضمانٌ.
•••
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٢).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
[١٣٤٢] مسألة: قال: وإن اشترى لرجلٍ ثوبًا بأمره، فدفع إليه ثمنه فسقط منه، غَرِمَ الذي أمره ولا يغرم الرسول (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ شراء الثوب هو للآمر وملكه له، فعليه دفع ثمنه إلى البائع.
وما تلف من الثمن في يد الرسول فهو من الآمر؛ لأنَّ يد الرسول يد المُرْسِلِ؛ إذ هو أمينه.
وعليه أن يدفع الثمن إلى بائع الثوب؛ لأنَّ ذلك قد لزمه، ولا ينفسخ البيع بتلف الثمن الذي كان مع الرسول.
•••
[١٣٤٣] مسألة: قال: ومن أُمِرَ ببيع بضاعةٍ، فباع، ثمّ وضع عن المشتري، فأنكر ربها، فليس له أن يضع من ذلك شيئًا إلّا أن يَعْلَمَ أنَّ ذلك رأي صاحبها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ثمن البضاعة هو ملك للمُبْضِعِ، أعني: صاحب البضاعة، فلا يجوز للمأمور بالبيع أن يضع منه شيئًا بغير أمره؛ لأنّه إنّما يترك حقَّ غيره، وليس ذلك له.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٢).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٢)، النوادر والزيادات [٧/ ٢١٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٦٢].
[ ٢ / ٤٦٥ ]