[١٥٥٩] (^١) مسألة: قال: ويُقْضَى على الغائب في الدَّين ويُقْسَمُ عليه الرَّبْع (^٢).
ولا يقضى عليه في الرَّبْع إلَّا أن يكون قد خاصم عند القاضي ووقعت عليه البيّنة واستقصى حجته وسأله عما يريد، ثمّ هرب عنه، فليُقْضَ عليه وإن كان غائبًا (^٣).
• إنَّما قال: «إنه يُقضى على الغائب في الدَّين ويقسم عليه الرَّبْع»؛ فلأنَّ الله ﷿ أوجب على الحاكم أن يحكم بالحق على من ثبت عليه ولزمه ببينةٍ تقوم لمدعي الحق، أو إقرارٍ مِنَ الذي عليه الحق؛ لأنَّه لو لم يحكم لصاحب الحق حتى يحضر الذي عليه الحق، لَمَا شاء أحدٌ أن يُبْطِل حق غيره ويؤخِّره عن محله إلَّا غاب، ثمّ لم يَحْكُم عليه الحاكم إلَّا فعل ذلك، فكان يؤدي هذا إلى الإضرار بالناس في حقوقهم وتأخيرها عنهم، وليس على صاحب الحق أن لا يغيب مَنْ عليه الحق؛ لأنَّه لا يمكنه منعه من ذلك وحفظه حتى لا يغيب، ولو كُلِّفَ ذلك، لأضر ذلك به وبالذي عليه الحق.
وإذا كان كذلك، وجب أنْ يُحْكَمَ له بالحق على من ثبت عليه، غائبًا كان
_________________
(١) هذه المسألة جاءت متصلة بما قبلها، في المختصر الكبير والصغير، وقد جعلتها منفصلة، ووضعت لها بابًا مستقلًا في الفهرس، كما هو في التفريغ لابن الجلاب [٢/ ٢٤٩].
(٢) قوله: «الرَّبْع»، هي مفرد رباع، وهي الدُّور والأرضون، كما سيذكر الشارح.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣١٣)، المختصر الصغير، ص (٦٦٥)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٦٥)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٩٧].
[ ٢ / ٦٧٠ ]
أو حاضرًا، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (^١)، والبينة إنّما يقيمها المُدَّعِي ليُحْكَم له بها، لا لتُسْمَعَ من غير حُكْمٍ بها؛ لأنَّه لا يستفيد بذلك شيئًا، فإذَا أقامها المُدَّعِي على غائبٍ أو حاضرٍ سُمِعَت منه وحُكِمَ له بها.
وقد حكم النبيُّ ﷺ على أبي سفيان وهو غائبٌ لهندٍ وولدها بالنفقة عليه في ماله، وأمر هندًا أن تأخذ ذلك من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف.
فرَوَى الثوري وأبو أسامة وابن نمير (^٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (^٣).
ورَوَى معمر، عن الزهري، عن عائشة ذلك (^٤).
وقد قال مخالفنا (^٥): إنه تُسْمَع البيّنة على الغائب في وجوب نفقة امرأته،
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٩٧.
(٢) عبد الله بن نمير، بنون، مصغر، الهمداني، أبو هشام الكوفي، ثقة، صاحب حديث من أهل السنة، من كبار التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٥٥٣).
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٣١٤.
(٤) أخرجه عبد الرزاق [٩/ ١٢٦].
(٥) المخالف في هذه المسألة، هم الحنفية، ينظر: المبسوط [١٧/ ٣٩]، بدائع الصنائع [٦/ ٢٢٢].
[ ٢ / ٦٧١ ]
ويُدْفَع ذلك إليها من ماله إذا كان له مال عينٍ عند رجلٍ، أمره الحاكم يدفع إلى امرأته إذا طالبت بالنفقة وإن كان غائبًا (^١).
وكذلك يقول: في الرّجل يدَّعِي وكالة رجلٍ، وادَّعى رجلٌ قِبَل الموكِّلِ حقًا، أنَّ للوكيل أن يثبت الوكالة على الغائب، ثمّ يتصرَّف في ماله في البيع والشراء من غير حضور المُوَكِلِ (^٢).
فقد قضى على الغائب وألزمه الوكالة، وتَصَرَّفَ الوكيل في ماله من غير حضور المُوَكِّلِ، وقد يجوز أن يكون الشهود كذبوا أو غلطوا في الوكالة والشهادة بها.
فإن قيل: قد قال النبيُّ ﷺ لعليٍ: «إِذَا أَتَاكَ الخَصْمَانِ، فَلَا تَقْضِينَّ لِأَحَدِهِمَا دُونَ أَنْ تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ» (^٣) (^٤).
قيل له: إنّما أراد بذلك إذا حضرا.
ألا ترى: إلى قوله: «إِذَا أَتَاكَ الخَصْمَانِ»، فهما جميعًا حاضران.
ولأنه ليس في هذا ضررٌ أن لا يحكم حتى يسأله، وفي غيبة أحد الخصمين ضررٌ على خصمه إذا لم يحكم عليه.
وقوله: «إنَّه لا يُقْضَى عليه في الرِّبَاع»؛ فلأنَّ الرباع وهي الدُّور وكذلك
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع [٤/ ٢٦].
(٢) ينظر: البحر الرائق [٧/ ١٨].
(٣) أخرجه أبو داود [٤/ ٢١١]، والترمذي [٣/ ١٢]، وهو في التحفة [٧/ ٣٦٩].
(٤) ينظر الاعتراض في: المبسوط [١٧/ ٣٩]، بدائع الصنائع [٦/ ٢٢٢].
[ ٢ / ٦٧٢ ]