[١٤٨٩] قال: وإذا كان للرجل سُفْلٌ وللآخر عُلْوٌ (^١)، فإصلاح السقف والجريد على صاحب السُّفل، وكذلك لو انهدم الجدار، بناه إلى حدِّه، ولو انهدم البيت، بناه وسَقَّفَه.
وكذلك لو كانت عليه غرفتان، واحدةٌ فوق واحدةٍ، بنى صاحب السفل وسَقَّفَ، ثمّ بنى صاحب الغرفة الأولى وسَقَّفَ، ثمّ بنى الثالث، فإذا قُسِّمَ البيت السفل، قُسِّمَ بسقفه (^٢) (^٣).
• إنّما قال ذلك: «إنَّ على صاحب البيت الأسفل أن يبني ويُسَقِّف»؛ لأنَّ البيت لا يكون بغير سقفٍ؛ فلمّا كان صاحب البيت لو انفرد بملك البيت من غير أن يكون عليه حقٌّ لأحدٍ لكان يحتاج إلى سقف بيته، لا بُدَّ له من ذلك، فكذلك إذا كان عليه حقٌّ لغيره، وجب أن يبني هو البيت ويُسَقِّفَه، ثمّ يبني صاحب الغرفَةِ الغُرْفَةَ ويُسَقِّفها؛ لأنَّ الغرفة لو انفرد بها صاحبها من غير أن يكون عليها حقٌّ لأحدٍ، لم يكن له بدٌّ من سقفٍ يُكِنُّه، ثمّ الثالث كذلك.
_________________
(١) في التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٧٧]: «فانهدم السّفل».
(٢) من قوله: «وكذلك لو انهدم الجدار»، إلى هذا الموضع، ساقط من المطبوع.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٤)، المختصر الصغير، ص (٦٦٠)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٧٧].
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فلهذا وجب على كلّ واحدٍ من صاحب البيت والغرفة، أن يبني ويُسَقِّف، ثمّ إذا قُسِّمت أضيف سقف البيت الأسفل إليه، ثمّ كذلك كلّ غرفةٍ وقِسْمٍ كذلك.
•••
[١٤٩٠] مسألة: قال: ومن كان له جدارٌ سِتْرُهُ لدارِ آخرَ، فسقط، فليس يكره على بنائه، ويَسْتُرُ من شاء على نفسه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ من قِبَل أنّه لم يمتنع ببنائه عن حقٍّ لزمه فيُكره على ذلك؛ لأنَّ له أن يستر على نفسه إن شاء أو لا يستر، فإن أراد غيره أن يستر على نفسه كان له ذلك إن شاء.
•••
[١٤٩١] مسألة: قال: وليس للرجل أن يفتح كُوَّةً في جداره فيشرف منها على جاره، وأمّا كواء الضَّوءِ والرَّوْحِ التي يطَّلع منها، فلا بأس (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في اطلاعه على جاره وإشرافه عليه اضرارًا منه به، وليس للجار أن يضر بجاره، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^٣).
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وقد حكاها ابن أبي زيد عن ابن عبد الحكم في النوادر [٦/ ٦٦]، وابن عبد البر في الكافي [٢/ ٤٢]، وينظر: البيان والتحصيل [٩/ ٢٢٠ و٢٥٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٤)، المختصر الصغير، ص (٦٦٠)، وقد حكى ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [١١/ ٤١]، وينظر: التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٧٠].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وأمّا كواء الضوء والروح، فله أن يفتح ذلك إذا كان في ملكه، وليس لجاره أن يمنعه من ذلك، لأنّه لا ضرر عليه فيها وعلى جاره ضررٌ بمنعه من ذلك.
•••
[١٤٩٢] مسألة: قال: وللرجل أن يرفع جداره وإن ستر على جاره، وإن منعه الشمس والرَّوح (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه يبني في ملكه وحقه، فليس لجاره أن يمنعه من ذلك، وإن كان بناؤه يستره من الشمس والرَّوح.
•••
[١٤٩٣] مسألة: قال: ومن أعار جاره خشبةً يغرسها في جداره، ثمّ أغضبه فأراد نزعها، فليس ذلك له، وأمّا إن احتاج إلى ذلك لأمرٍ نزل به فذلك له، وإن أراد بيع داره، فقال: «أنا أنزع خشبك»، فليس ذلك له (^٢).
• إنّما قال: «إنه ليس له نزع خشبه من داره إذا أغضبه»؛ فلأنَّ نزعها ليس هو على وجه انتفاع صاحب الجدار بنزعه إياها، وإنما هو على وجه الغضب منه والإضرار بربِّها، ولا ضرر ولا إضرار، كما قال رسول الله ﷺ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠٥)، وقد نقل ابن عبد البر هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في الكافي [٢/ ٩٤٠]، وينظر: التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٧٠]، النوادر والزيادات [١١/ ٣٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٥)، وقد نقل ابن عبد البر هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في التمهيد [١٠/ ٢٢٢]، وينظر: التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٦٩].
[ ٢ / ٦٠٠ ]
فأمّا إذا أراد نزعها لأنْ ينتفع هو بمكانها، جاز له ذلك؛ لأنَّ نزعها هو على وجه انتفاعه هو بمكانها، لا أنّه على وجه الإضرار بصاحبها.
وكذلك إذا أراد بيع داره لم يكن له نزعها؛ لجواز أن يتركها له المشتري؛ ولأنَّ نزعها له ليس لأنَّ ينتفع هو بمكانها، فليس له ذلك.
•••
[١٤٩٤] مسألة: قال: وليس يُقضى على الرّجل أن يغرس خشبةً لجاره في جداره، وإنما نرى أنَّ ذلك من رسول الله ﷺ على الوصاة بالجار (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز أن يُجبر أحدٌ على أن يفعل في ملكه ما يضر به، من غير أن يجب ذلك عليه بحقٍّ واجبٍ، إلّا بطيب نفسٍ، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (^٢)، وقال: «أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (^٣).
فأمّا قول النبيِّ ﷺ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» (^٤)، فهذا على وجه الوصية بالجار ومعرفة حقوقه، كما أوصى الله تعالى بالجار،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠٥)، المختصر الصغير، ص (٦٦٠)، وقد نقل ابن عبد البر هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في التمهيد [١٠/ ٢٢٢]، وينظر: التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٦٨]، النوادر والزيادات [١١/ ٥٣].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٦٠.
(٣) هي قطعة وردت في عدد من الأحاديث، منها حديث جابر في صفة حج النبيِّ ﷺ، أخرجه مسلم [٤/ ٣٨]، وهو في التحفة [٢/ ٣٠٣].
(٤) متفق عليه: البخاري (٢٤٦٣)، مسلم [٥/ ٥٧]، وهو في التحفة [١٠/ ٢١٥].
[ ٢ / ٦٠١ ]
وكما قال النبيُّ ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (^١)، وكما قال صلى الله عليه: «مَا آمَنَ بِي مُسْلِمٌ، مَنْ بَاتَ شَبْعَانًَا وَجَارُهُ طَاوٍ» (^٢).
وهذا كله إنّما هو على وجه الحثِّ على حقِّ الجار المؤمن، لا على وجه الفرض والحتم، والله أعلم.
•••
[١٤٩٥] مسألة: قال: ومن كان له ممرٌّ في حائط رجلٍ إلى مالٍ له وراء ذلك الحائط، ولم يكن الحائط مُحَظَّرًا، فأراد أن يُحَظِّرَه ويجعل عليه بابًا، فليس ذلك له إلّا برضا الذي الممر له.
وإن أراد أن يُحَظِّرَ ولا يجعل بابًا يغلق، فليس ذلك له؛ خوفًا أن يطول ذلك ويُنسى فيُجْعَل عليه بابٌ، ويقال لصاحب الممر: «ثبت البيِّنة على ممرِّك» (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الممرِّ يلحقه ضررٌ بحظر صاحب الحائط عليه؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى منعه من الدخول إلى حائطه أي وقتٍ أراد إذا حُظِّرَ على الطريق الذي له وقد جُعِل عليه بابٌ إذا طال ذلك كما قال مالك، ويُنْسَى حق صاحب الممرِّ، ويكلف تثبيت ذلك، وفي ذلك كله ضررٌ عليه.
•••
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٦٠١٤)، مسلم [٨/ ٣٦]، وهو في التحفة [١٢/ ٤٢٨].
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة [١٥/ ٥٩٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٥/ ٥٨٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٥)، النوادر والزيادات [١١/ ٥٧]، البيان والتحصيل [٩/ ١٨٨].
[ ٢ / ٦٠٢ ]
[١٤٩٦] مسألة: قال: وإذا كان حائطٌ بين شريكين، فأراد أحدهما يغرس، فدعا صاحِبُهُ أن يحظر معه، فليس ذلك عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الحائط يقدر على الانتفاع به من غير حظار، فليس عليه أن يحظره، يعني: يبني عليه حائطًا ويلزم نفسه نفقةً من غير ضرورةٍ منه إلى ذلك، إلّا أن يحبَّ ذلك، فأمّا أن يجبر عليه فلا.
•••
[١٤٩٧] مسألة: قال: وإذا كان بين الرجلين جدارٌ فانهدم:
(فقد قيل: إنه لا يؤمر ببنائه.
(وقيل: إنه يؤمر به، وذلك أحبُّ إلينا (^٢).
• وجه قوله: «إنه لا يؤمر ببنائه»؛ فلأنَّ هذا لا يُجْبَرُ على بناء مُلْكِهِ إذا لم يختر ذلك، ولا حق لأحدٍ عليه فيه، فأمّا إذا كان في بنائه حقٌّ لغيره فإنّه يجبر على ذلك إذا امتنع.
ووجه قوله: «إنه يؤمر بذلك»؛ فلأنَّ في امتناعه مع حاجته إلى بنائه إضرارًا بنفسه وبشريكه، فلا يُترك وذلك، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^٣)، فليس له أن يدعَ بناء شيءٍ يحتاج إليه ويقصد بذلك الإضرار بشريكه،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠٥)، النوادر والزيادات [١١/ ٥٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٥)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٧٢].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
فإما بَنَى، أو قَاسَمَ إن كان مثله ينقسم، أو باع ممن يبني مع شريكه، وهذا القول أقيس، والله أعلم.
•••
[١٤٩٨] مسألة: قال: وإذا كان شريكان في زُقَاقٍ ليس بنافذٍ (^١)، وباب أحدهما على رأسه، وباب الآخر قريبٌ من أقصاه، ليس يذهب الأول إلى الثاني إلّا لحاجةٍ، فأراد القاصي في الزقاق أن يفتح بابًا يقدمه إلى فم الزقاق في فناء نفسه فيما بين بابه وباب الذي على فم الزقاق، فإن كان ذلك يضر به فليس ذلك له، والناس يقبلون ويدبرون، والسَّرَقُ (^٢) يكون في مثل هذا (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في تقريب بابه من باب جاره إضرارًا بجاره؛ لأنّه يُضيِّقُ فناءَه وموضع بابه ووقوف النّاس على باب جاره، وقد يؤدِّي ذلك إلى السرق؛ لأنَّ جاره يترك التحرز إذا رأى أحدًا بقرب بابه؛ لأنّه يظن أنّه على باب جاره، فليس ذلك له.
فأمّا إذا أراد أنْ يُنَحِّي بابه عنه ويفتحه في فنائه فلا بأس بذلك؛ لأنّه يبعد
_________________
(١) قوله: «زُقَاقٍ ليس بنافذٍ»، الزقاق هو الطريق الضيق، دون السكة، والزقاق النافذ: هو الذي يسلكه عامة الناس، ليس بين قومٍ خاصٍ دون العامة، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٢٠٩)، لسان العرب [١٠/ ١٤٤]، و[٣/ ٥١٦].
(٢) قوله: «والسَّرَقُ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «والسوق».
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٥)، النوادر والزيادات [١١/ ٤٥].
[ ٢ / ٦٠٤ ]
بهذا الضرر عن جاره، وليس يضره بشيءٍ يفعله، فليس لجاره أن يمتنع عليه في ذلك، والله أعلم.
•••
[١٤٩٩] مسألة: قال: وإذا كانت لرجلٍ أرضان متصلتان، ولقومٍ بينهما فيها طريق إلى مالٍ آخر بينهم أيضًا، فغرس في أحد ماليه وَدِيًَّا (^١)، فأراد أن يرفع الطريق إلى الأرض البيضاء (^٢)؛ لرفقه به وبهم، وبُعْدِه من الوَدْيِ، وأسهل (^٣)، فليس ذلك له إلّا برضاهم، إلّا أن يكون عَظْم الذِّرَاعِ (^٤)، فلا مضرة عليهم في ذلك، ولا إثم عليه فيه إن شاء الله، وإن كان بعيدًا، فليستأذنهم (^٥).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا نحَّى الطريق عن موضعه، أضر ذلك بأصحابه، فليس يجوز له فعل ذلك إلّا بإذنهم.
_________________
(١) قوله: «وَدِيًَّا»، الوَدِيُّ هو الفسيل، سمي بذلك؛ لأنّه غصن يخرج من النخلِ، ثمّ يُقطع منه فيُغرس. ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٤٨٠).
(٢) قوله: «يرفع الطريق إلى الأرض البيضاء»، يعني: يرفع الطريق من أرضه التي زرع فيها، ويجعله في الأرض التي ليس بها زرع.
(٣) قوله: «وأسهل»، يعني: أسهل لهم في المرور، والله أعلم.
(٤) قوله: «عَظْم الذِّرَاعِ»، أي: بقدر عظم الذراع.
(٥) المختصر الكبير، ص (٣٠٦)، وقد نقل ابن عبد البر هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في الكافي [٢/ ٩٤٣]، وينظر: النوادر والزيادات [١١/ ٥٥].
[ ٢ / ٦٠٥ ]