فإذا كان شيئًا يسيرًا لا يضر بهم جاز له فعله بإذنهم وغير إذنهم؛ لأنّه لا مضرة عليهم فيه.
•••
[١٥٠٠] مسألة: قال: ومن هارت بئره (^١)، أُكْرِه جاره أن يسقيه فضل مائه؛ لئلا يهلك زرعه أو نخله، حتى يُصْلِحَ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ جاره الذي انهارت بئره به ضرورةٌ إلى أن يسقيه فضل مائه؛ لئلا يتلف زرعه؛ لأنّه ينتفع بذلك ولا يضره هو سَقْيُ جاره بفضل مائه إذا أسقى جاره بدلوٍ أو زرنوقٍ (^٣) أو أشباه ذلك من عنده، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^٤).
ورَوَى مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ» (^٥).
_________________
(١) قوله: «هارت»، أي: انهدمت، ينظر: طلبة الطلبة، ص (١٢٩).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٦)، المختصر الصغير، ص (٦٦٢)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٧٩].
(٣) قوله: «زرنوق»، هي كلمة مفردة، مثناها زرنوقان، وهما منارتان تبنيان على رأس البئر، أو حائطان أو عودان، تعرض عليهما خشبة، ثمّ تعلق منهما البكرة ويستقى بها، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٢٠٨).
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
(٥) أخرجه مالك [٤/ ١٠٧٧]، ومن طريقه البخاري (٢٣٥٣)، ومسلم [٥/ ٣٤]، وهو في التحفة [١٠/ ١٩٠].
[ ٢ / ٦٠٦ ]
ورَوَى مالك والثوري، عن أبي الرِّجَالِ (^١)، عن أمه عمرة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ نَهَى أَنْ يُمْنَعَ نَقْعُ مَاءٍ فِي بِئْره» (^٢).
ورَوَى القعنبي، قال: حدثنا خارجة بن عبد الله (^٣)، عن أبي الرِّجَالِ، عن أمه عمرة، عن عائشة، عن النبيِّ صلى الله عليه: «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُمْنَعَ نَقْعُ مَاءٍ فِي بِئْره» (^٤).
•••
[١٥٠١] مسألة: قال: ولا تُبَاع مياه الماشية (^٥) (^٦).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حفر آبار الماشية إنّما يكون في عفو الأرض، وحيث لا ملك لأحدٍ فيه، وحفرها أيضًا هو على وجه القربة إلى الله ﷿، فلمن
_________________
(١) محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري، ثقة، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٨٦٩).
(٢) أخرجه مالك [٤/ ١٠٧٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٢/ ٢٣٤].
(٣) خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني، صدوق له أوهام، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٢٨٣).
(٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد [١٣/ ١٢٥]، من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن القعنبي، به.
(٥) قوله: «مياه الماشية»، هي التي تكون في بئر الماشية، وبئر الماشية: هي ما حفره الرّجل في غير ملكه، على ما عهده مما يحفره الرّجل لماشيته في البراري وفيافي القفار، ينظر: المنتقى للباجي [٦/ ٣٥].
(٦) المختصر الكبير، ص (٣٠٦)، النوادر والزيادات [١١/ ٦].
[ ٢ / ٦٠٧ ]
حفرها أن يأخذ من الماء قدر حاجته إليه في سقي ماشيته، وليس له أن يبيع ما فَضَل عن ذلك؛ لأنّه ليس ذلك له.
وقد رَوَى وكيع، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ» (^١)، وهي آبار الماشية.
ورَوَى مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ» (^٢).
فأمّا إذا حفر الانسان في ملكه بئرًا للماشية أو الزرع، فله أن يبيع فضل مائه إن أراد ذلك؛ لأنّها مُلكه وله أن يمنع ذلك الناس، إلّا على ما ذكرناه، وهو أن ينهار بئر جاره وقد زرع عليها زرعًا ويخاف على زرعه العطش، فعلى جاره أن يسقيه فضل مائه إذا أسقى صاحب الزرع ماله من عنده؛ لأنَّ الماء إذا استُقِيَ عاد مثله إذا كان نبعًا، فلا مضرة عليه في ذلك، وفي منعه جاره مضرةً عليه في ذلك.
وهذا إذا كان جاره قد زرع على أصل ماءٍ، ثمّ انقطع ماؤه، فأمّا إذا زرع على غير أصل ماءٍ، فليس على جاره أن يسقيه فضل مائه؛ لأنَّ صاحب الزرع لم يجز له أن يتَّكِل على ماء غيره، ومن له أصلُ ماءٍ، ثمّ انقطع فلم يتكل على ماء غيره، فوجب إعانته لضرورته إلى ذلك.
•••
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة [١١/ ٨٥]، ومن طريقه مسلم [٥/ ٣٤]، وهو في التحفة [٢/ ٣٢٢].
(٢) أخرجه مالك [٤/ ١٠٧٧]، ومن طريقه البخاري (٢٣٥٣)، ومسلم [٥/ ٣٤]، وهو في التحفة [١٠/ ١٩٠].
[ ٢ / ٦٠٨ ]
[١٥٠٢] مسألة: قال: وليس يُكْرَهُ صاحب بئر الزرع والنخل أن يسقي فضل مائه غيرَهُ، إلّا أن تهور بئره (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلنا: أنّه قد زرع على أصل ماءٍ، فجاءه ما لم يقدره في انقطاع مائه، فأمّا من زَرَعَ على غير ماءٍ، فهو الذي أتلف زرعه، وليس على جاره أن يسقيه.
•••
[١٥٠٣] مسألة: قال: وأمّا بئر الماشية، فإنّه لا يمنع فضله؛ لأنّه مَنْعٌ للكلأ؛ لأنّه لا يستطيع أحدٌ إذا منع أن يرعى (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلناه، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال فيما رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ» (^٣).
ورَوَى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ» (^٤).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٦)، المختصر الصغير، ص (٦٦١)، النوادر والزيادات [١١/ ٥].
(٣) تقدَّم قريبًا.
(٤) أخرجه أبو داود [٤/ ١٧٢]، بهذا الإسناد، وهو في الصحيحين: البخاري (٢٣٥٣)، ومسلم [٥/ ٣٤]، من طريق الأعرج عن أبي هريرة، وهو في التحفة [٩/ ٣٥٠].
[ ٢ / ٦٠٩ ]
[١٥٠٤] مسألة: قال: ولا بأس ببيع بئر الزرع (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البئر مُلكه، فلا بأس ببيعها وبيع مائها؛ من قِبَل أن الإنسان يجوز له أن يتصرَّف في ملكه ببيعٍ وهبةٍ.
وإنما الذي لا يجوز أن يبيع، ماء آبار الماشية إذا كانت في غير ملكه؛ لأنَّ حفرها هو على وجه السبيل، فجرت مجرى الأحباس والصدقات والمساجد وما أشبه ذلك، أنَّ لأهلها الانتفاع بها دون بيعها، وكذلك لغيرهم الانتفاع بها.
•••
[١٥٠٥] مسألة: قال: ومن كانت له بئرٌ يسقي بها حرثه، فأراد آخر أن يحفر قريبًا منها:
(فإن كان يضر به، مُنِعَ.
(وإن كان لا يضر به، خُلِّيَ بينه وبينها.
وكذلك العيون يُمْنَع من حفرها إذا كان ذلك يضر بجيرانه، وإن كان ذلك في أرضه، إذا كان يجد عن ذلك مندوحةً (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز لأحدٍ أن يفعل شيئًا يضر بغيره، وسواءٌ ما فعله في ملكه أو غير ملكه إذا كان يجد غنًا عنه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٣٠٦)، النوادر والزيادات [١١/ ٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٦)، النوادر والزيادات [١١/ ٢٢]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٦٢].
[ ٢ / ٦١٠ ]
أما في غير ملكه فليس له فعل ذلك، وذلك كبئر يحفرها في صحراءٍ قرب بئرٍ قد تَقَدَّمه إلى حفرها غيره، إذا كان يضر بمن تقدَّمه.
فأمّا في ملكه، فقد قال ابن القاسم عن مالك: «إنه ليس له أن يحفر بئرًا يضرُّ ببئر جاره، وكذلك بجدار جاره» (^١)؛ لأنّه لا يجوز لأحدٍ أن يفعل ما يضر بغيره، سواءٌ كان في ملكه أو غير ملكه.
وحكى ابن نافع وابن عبد الحكم، عن مالك: «أنَّ ذلك ليس له فعله إذا كان يجد مندوحةً عنه، فإن كان لا يجد مندوحةً فله فعله» (^٢).
ووجه هذا القول: أنَّ للإنسان أن يفعل في ملكه ما ينتفع به، وإن أدَّى ذلك إلى الإضرار بغيره، إذا كان لا يقصد الإضرار به، ولا يستغني عن فعل ما يفعله في ملكه، فأمّا إذا استغنى عنه أو وجد موضعًا يبعد الضرر عن جاره، فليس له فعله، وعليه أن يُبْعِد ذلك عنه؛ لأنّه يقدر أن ينتفع بما يريد فعله من حيث لا يضر بجاره، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^٣).
فأمّا حريم الآبار والعيون، فليس فيها حدٌّ يثبت، وإنما ذلك على وجه الاجتهاد، بقدر ما يبعد فيه الضرر من بعضهم لبعض، فأمّا تحديدٌ أو تقديرٌ فليس
_________________
(١) ينظر: المدونة [٤/ ٤٧٤].
(٢) ينظر: النوادر والزيادات [١١/ ٢٢].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
[ ٢ / ٦١١ ]
فيه حديثٌ صحيحٌ يلزم قبوله، فكان الأمر على ما قاله مالك من تنحية الضرر من بعضهم عن بعض.
•••
[١٥٠٦] مسألة: قال: ومن كانت بينهما عينٌ، فزرع عليها أحدهما فقل ماؤها، فأراد أحدهما أن يرفع فيها، فمنعه صاحبه وقال: «أخاف عليها»، فإن كان ذلك يضر بتلك العين عند أهل البصر، فليس ذلك له، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ» (^١)، وهو فضل آبار الماشية، وقوله: «لَا يُمْنَعَ نَقْعُ بئرٍ» (^٢)، وذلك بئر الرّجل ينهار فيقل ماؤها، فلا يمنعه جاره أن يسقي أرضه من بئره (^٣).
• إنّما قال: «إنَّ لأحد الشريكين أن يمنع الآخر من رفع البئر إذا كان يخاف فيما يفعله انقطاع الماء الذي لهما، أو الضرر بالعين»؛ فلأنَّ في فعله ذلك إضرارًا بشريكه، وليس له أن يفعل ما يضر بغيره إلّا بإذنه.
وإن كان فعله ذلك ليس يضر بهما، بل ينفعهما ذلك، فليس له منعه منه، وليس على شريكه أن يفعل ذلك معه إذا كان يصيبه من الماء ما يكفيه.
فأمّا إذا لم يصبه من الماء ما يكفيه، ولم يخف ذهاب ما هو موجودٌ من الماء بالعمل، فعليه أن يعمل مع شريكه، ويكون الماء بينهما، فإن لم يعمل كان
_________________
(١) تقدَّم قريبًا.
(٢) تقدَّم قريبًا.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٧)، النوادر والزيادات [١١/ ١٦].
[ ٢ / ٦١٢ ]
لشريكه أن يعمل ويكون له ما فضل من الماء بالعمل حتى يعطيه شريكه ما يخصه من النفقة، وقد فسر مالكٌ هذا كله في غير هذا الموضع (^١).
•••
[١٥٠٧] مسألة: قال: وإذا كان للرجل الحائط فيه الكلأ، فلا يمنعه أحد، إلّا أن يكون يفسد عليه (^٢).
• هذا هو على وجه الاستحباب منه، فأمّا الواجب فله منعه إذا كان في ملكه؛ لأنَّ للإنسان التّصرُّف في ملكه بالبيع وغيره، فأمّا الاختيار فهو أن لا يبيعه؛ لأنَّ الكلأ شيءٌ يحدث أولًا فأولًا من غير زرعٍ يزرعه، فهو بمنزلة الماء الذي يأتي أولًا فأولًا من غير أصلٍ يضعه صاحب الماء، فيستحب له أن لا يبيعه ويبيحه النّاس ولا يمنعهم، فإن باع ما كان في ملكه، فله ذلك.
•••
[١٥٠٨] مسألة: قال: ولا تورث مياه الماشية، وليس لهم فيها إلّا الشرب سواءٌ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ حفر آبار الماشية إذا كان في فيافي الأرض، وحيث لا ملك للحافر فيها، فهو على وجه السبيل، فله أن ينتفع منها بقدر كفايته، ثمّ ما بقي يكون لجملة الناس.
_________________
(١) ينظر: المسألة رقم ١٥١٢.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٧)، النوادر والزيادات [١١/ ١٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٧)، النوادر والزيادات [١١/ ٦].
[ ٢ / ٦١٣ ]
وليس له بيع ذلك؛ لأنَّ حفره كان على وجه القربة إلى الله تعالى، ولأن ذلك في غير ملكه.
فأمّا إذا حفر في ملكه للماشية وغيرها فله بيع مائها، كما أنَّ له بيع أصل البئر.
وليس له بيع ماء البئر الذي ليس في ملكه، كما أنّه ليس له بيع أصلها.
وقد رَوَى وكيع، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ» (^١)، وهي آبار الماشية.
وإذا كان أصل البئر ليس هو ملكًا لمن حفرها، لم تورث عنه؛ لأنَّ الوارث إنّما يرث ما كان يملكه الموروث عنه، لا ما كان لا يملكه.
•••
[١٥٠٩] مسألة: قال: ومن هارت بئره، فليس على جاره أن يسقيه من ماء بئره إذا لم يكن فيها فضلٌ عنه، وإنما يكون ذلك له إذا كان فيها فضلٌ.
وليس له أن يقول: «أسقي وديي (^٢) حتى يبلغ»، ولكن يسقيه حتى يصلح بئره (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الماء أحق بمائه من غيره، وإنما أُمِر أن
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٥٠١.
(٢) تقدَّم أن الودي هو الفسيل، ينظر المسألة رقم ١٤٩٩.
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٧)، النوادر والزيادات [١١/ ١٠].
[ ٢ / ٦١٤ ]
يسقي جاره فضل مائه؛ لأنّه يستغني عنه وينتفع جاره من حيث لا يضره، فأمّا إذا لم يكن في مائه فضلٌ، لم يكن عليه أن يسقي جاره؛ لأنّه أحوج إليه وأحق به.
وقوله: «ليس عليه أن يسقي وديه حتى يبلغ، ولكن حتى يصلح بئره»؛ فلأنَّ صاحب الودي وكذلك صاحب الزرع ليس له أن يتكل على ماء جاره ويدع إصلاح بئره، بل عليه أن يُصلح ذلك، فمتى ترك إصلاحه، لم يكن على جاره سقيه، كما أنّه ليس على جاره أن يبتدئ بسقيه إذا زرع أو غرس على غير أصل ماءٍ.
•••
[١٥١٠] مسألة: قال: وليس لآبار الماشية حَريمٌ (^١)، إلّا على اجتهاد الإمام في الضرر (^٢).
• قد ذكرنا أنَّ ذلك إنّما هو على تنحية الضرر من غير حدٍّ محدودٍ من أذرعٍ وغيرها، وسواءٌ كانت بئر ماشيةٍ أو زرعٍ، يُبْعِدُ بعضهم الضرر عن بعض، كما قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^٣).
•••
_________________
(١) قوله: «حَريمٌ»، حريم الشيء: هي حقوقه ومرافقه التي حوله وأطرافه، وتسميته حريمًا هو لأنَّ التّصرف به والانتفاع منه لغير مالكه حرام وممنوع، ينظر: شرح مجلة الأحكام [٣/ ٢٨٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٨)، المختصر الصغير، ص (٦٦٢)، النوادر والزيادات [١١/ ٢٢]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٦١].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
[ ٢ / ٦١٥ ]
[١٥١١] مسألة: قال: ومن ترك أرضًا براحًا (^١)، فاقتسمت فبيعت وغُرِسَ فيها وعُمِّرَ، ثمّ باع بعضهم حظه، فقال من يمرُّ عليه بمائه: «لا أدعك تمر علي بمائك»، وذلك الماء منذ أربعين سنةً، ولا يعرف إلّا ذلك، فإنَّه ينبغي له أن يدعو بأَصْلِ قَسَمٍ (^٢) كانوا عليه فيُحملوا عليه، فإن لم يكن لهم قسمٌ، أُقِرُّوا على حالهم (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان لهم أَصْلُ قَسَمٍ، عُرِف مقدار حق كلّ واحدٍ منهم من الأرض والماء وكيف ممره، فحُمِلُوا على ذلك ومُنِعَ بعضهم من التعدِّي على بعضٍ في منع حقه.
وإذا لم يعرف لهم أَصْلُ قَسَمٍ، أُقِرَّت أيديهم على ما هي عليه؛ لأنّه لا يمكن أن يُحْكَم لبعضهم دون بعضٍ؛ لأنَّ الحاكم لا يجوز له أن يحكم بغير بينةٍ ثبتت عنده أو إقرارٍ.
•••
[١٥١٢] مسألة: قال: وإذا كانت عينٌ بين نفرٍ فقَلَّ ماؤها، فلم تَكْفِ بعضًا وكفت بعضًا، فسأل من لم تكفه أن يَرْفَعَ فيها، فأبوا عليه، فإن شاء الذي لم تكفه أن يعمل ويكون ما فَضَلَ من الماء بعد حصتهم التي كانت قبل يعمل له دونهم، فذلك له.
_________________
(١) قوله: «براحًا»، البراح هو المكان الذي لا سترة فيه من شجر وغيره، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٣٩).
(٢) قوله: «بأَصْلِ قَسَمٍ»، أصل القسم هو تمييز بعض الأنصباء من بعض وإفرازها عنها، والمراد: الوثيقة التي كتب فيها، ينظر: المطلع على أبواب المقنع، ص (٤٩٠).
(٣) المختصر الكبير، ص (٣٠٨)، البيان والتحصيل [٩/ ٢٠١].
[ ٢ / ٦١٦ ]
ولا يؤمر من كره الرفع مع صاحبه أن يرفع معه، ولكن الرافع أحق بفضل الماء وبالماء كله إن كانت البئر أو العين خربت، حتى يعطيه نصف النفقة، وليس له في الأرض شيءٌ، إنّما له الماء الذي اعتمل وأحيا.
والبئر والعين في ذلك سواءٌ.
وكذلك النخل ينهار بئرها فيعمرها أحدهما، فيكون له الماء، ولا يكون له في النخل شيءٌ.
وقد قيل: إنه إذا كانت البئر أو العين لم تنهدم وإنما أصابها شيءٌ، كُلِّفَ العمل معه إذا كانت لم تخرب ولكنه يخاف عليها إذا لم يعمر معه ذهب بقيتها؛ لأنَّ ذلك ضررٌ، وقد نُهِي عن الضرر، ولكن يخير على أن يبيع أو يعمر بالشرط، وإنما الذي لا يكلف معه إذا خربت، والأول أعجب إلينا.
وليس عليه إذا أعطى نصف النفقة التي أنفق فيها شُرْبٌ من الماء إلى أن أعطاه شيئًا، ولكن يكون ذلك بينهما فيما يستقبلان (^١) (^٢).
• وجه قوله: «إنَّ الشريك الذي يكفيه من الماء مقدار ما له، لا يُجْبر على النفقة مع شريكه الذي لا يكفيه من الماء مقدار ما له على العمل معه»؛ فلأنَّ الشريك الذي يكفيه ما له من الماء غير مضرٍّ بنفسه وبشريكه بترك العمل؛ لأنّه يستغني بمائه الذي له عما يريد بالعمل، ولعلَّ الماء الذي له يذهب بالعمل.
فأمّا إذا لم يكفه الماء الذي له، فقد قال مالك:
_________________
(١) من قوله: «وكذلك النخل ينهار»، إلى هذا الموضع، ساقط من المطبوع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٨)، النوادر والزيادات [١١/ ١٢].
[ ٢ / ٦١٧ ]
إنه يُجبر مع شريكه على العمل؛ لأنّه مضرٌّ بنفسه وبشريكه بترك العمل؛ لأنّه يحتاج إلى الماء والعمل فيه، وإنما يتركه إضرارًا بشريكه، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^١).
أو يبيع ممن يعمل مع شريكه، لا بد له من أحد الأمرين.
وقد قال: «إنَّ لشريكه أن يعمل وينفق ويكون له الماء كله، وما زاد من الماء بنفقته حتى يعطيه شريكه مقدار ما يخصه من النفقة التي أنفقها، ثمّ تكون له حصته من الماء من المستأنف، ولا شيء له فيما تقدَّم؛ لأنَّ ذلك للشريك الذي أنفق بالنفقة».
وهذا القول كأنه أولى؛ من قِبَل أنَّا نَقْدِرُ على إزالة الضرر عن الشريك الذي يريد العمل من غير بيع ملك الشريك الذي لم يرد العمل، ونصل إلى إزالة الضرر عن كلّ واحدٍ منهما من غير بيع ملكه عليه.
•••
[١٥١٣] مسألة: قال: وإذا كانت بئرٌ بين قومٍ يسقون عليها، فاقتسموها على مناضح خمسةٍ، كلّ واحدٍ يسقي من منضحه مما يليه، ثمّ إنَّ بعضهم انقطع الماء من ناحية منضحه وارتفع التراب، فلا يقدر على أن يستقي شيئًا، يرسل الدلو فلا يُخْرِجُ شيئًا، فأراد أن يسقي في مناضحهم أو يكلفوا العمل جميعًا، فإن لم تكن لهم سُنَّةٌ يُحْمَلون عليها، كُلِّفُوا العمل حتى يسقوا جميعًا (^٢).
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
(٢) المختصر الكبير، ص (٣٠٨)، النوادر والزيادات [١١/ ١٥]، البيان والتحصيل [١٠/ ٢٥٧].
[ ٢ / ٦١٨ ]