[١٢٧١] قال: وإذا وجد العبد اللقطة فاستهلكها قبل السنة، فهي في رقبته، وإن استهلكها بعد السنة، فهي في ذمَّته (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ تصرُّفه في اللقطة قبل السنة جنايةٌ منه؛ لأنّه لم يؤذن له في التّصرف فيها قبل السنة، وإنما أُذِنَ له في ذلك بعد السنة إن شاء الملتقط، وإذا كان كذلك، فقد جنى وتعدَّى، وجناية العبد على مال غيره في رقبته، يفتكه بها السيد إن شاء، أو يسلمه.
فأمّا إذا استهلكها بعد السنة فهي في ذمَّته؛ لأنّه قد أُذِنَ للملتقط في التّصرف فيها بعد السنة إن شاء وغرامتها لصاحبها إذا جاء، فليس هو متعدِّيًا بالتصرف فيها؛ للإذنِ الذي أُذِن له في التصرُّف، فكانت دَينًا عليه، ودَين العبد عند مالكٍ في ذمَّته لا في رقبته.
فلهذا فرَّق بين استهلاك العبد اللقطة قبل السنة وبعدها (^٢).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٣)، الموطأ [٤/ ١٠٩٨]، المدونة [٤/ ٤٥٥]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٧٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٥٣].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٥٣]، شرح المسألة عن الأبهري، بتصرف.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
[١٢٧٢] قال: ومن وجد نعلين أو سوطًا فلم يجد صاحبه فتصدَّق به عنه، فإن جاء غرِمه.
(ولا بأس أن ينتفع بذلك إذا كان محتاجًا.
(وإن كان غنيًا، تصدَّق بقيمته وانتفع به.
ويستلف من ذلك ما كان يؤكل، فيأكله إن كان محتاجًا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا عَرَّف ما التقطه من هذه الأشياء فلم يأت صاحبها، كان له أن يتصدَّق بها إن شاء؛ لأنَّ حفظه لها وتعاهده يشق عليه، ثمّ يخيره إذا جاء بين الأجر أو الغرم، وقد رُوِّينَا في ذلك أثرًا في تخييره عن عمر ﵁ (^٢).
فإن كان محتاجًا انتفع به ولم يكن عليه بذل ذلك للفقراء.
وإن كان غنيًا تصدَّق بقيمته إن احتاج إلى الانتفاع به؛ لأنّه لا يجوز - يعني: أن ينتفع بأموال المحتاجين -، كما لا يجوز له أن ينتفع بالزكاة وكفارة اليمين.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق [١٠/ ١٣٩]، وابن أبي شيبة [١١/ ٢٢٠]، من طريق سويد بن غفلة، عن عمر بن الخطاب، قال في اللقطة: «يُعَرِّفها سنةً، فإن جاء صاحبها وَإِلّا تصدق بها، فإن جاء صاحبها بعدما يتصدَّق بها خيَّره، فإن اختار الأجر كان له، وإن اختار المال كان له ماله».
[ ٢ / ٤٠٨ ]
[١٢٧٣] مسألة: قال: وإذا وجد الرّجل بطريق مكة الإداوة (^١) وما أشبهها، فتَرْكُ ذلك أحبُّ إلينا، إلّا أحدٌ يضطر إليه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا استغنى عن أخذها تَرَكها حتى يأخذها من هو أحوج إليها منه، ثمّ يكون على آخذها قيمتها إن كان غنيًا.
•••
[١٢٧٤] مسألة: قال: ومن وجد ثوبًا فذهب به إلى أصحابه فلم يعرفوه، فلا بأس أن يردَّه إلى موضعه (^٣).
• إنّما قال ذلك، إذا كان اعتقاده في أخذه أنّه يردَّه إن لم يكن لمن ظنَّ أنّه له؛ لأنّه لم يأخذه على أن يحفظه حتى يجد صاحبه.
فأمّا إذا أخذه على ذلك ثمّ ردَّه فعليه قيمته؛ لأنّه قد ضيعه بردِّه بعد أن قد لزمه الحفظ، وقد فُسِّر معنى ما ذكرته عن مالكٍ (^٤).
•••
_________________
(١) قوله: «الإداوة»، هي الإناء الذي يتطهر منه، ينظر: شرح غريب ألفاظ المدونة، ص (١١).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٣).
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧٣)، المدونة [٤/ ٤٥٩]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٥١].
(٤) ينظر: النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦٨]، البيان والتحصيل [١٥/ ٣٥٦].
[ ٢ / ٤٠٩ ]
[١٢٧٥] مسألة: قال: ولا يأكل التمرات ولا الكِسَرَ (^١) إلّا المحتاج (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغني يستغني عن أكلها بماله، فيجب أن يدعها للفقراء.
ولا بأس على المحتاج في أكلها، كما يجوز له أكل الكفّارة والزكاة.
•••
[١٢٧٦] مسألة: قال: ومن عرَّف لقطةً سنةً، فليتصدَّق بها أفضل، ثمّ يُخَيِّرُ صاحبها إذا قدِم، وإن أحبَّ أن يمسكها أمسكها (^٣).
• إنّما قال: «إنه يتصدَّق بها أفضل»؛ لأنَّ الصدقة ينتفع بها الفقراء ويزول عنه تعاهدها، وتركها في يده قد تتلف، فلا ينتفع بها صاحبها ولا الفقراء.
ثم يُخَيِّر صاحبها إذا قدِم بين أن يكون له الثواب أو يغرمها له على ما قلنا (^٤).
•••
_________________
(١) قوله: «الكِسر»، هي جمع كسرة، والمراد كسرة الخبز ونحوها، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٥٣٣).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٣).
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧٣)، المختصر الصغير، ص (٦٥٠)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٤٠ و١٤٥].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٤٤]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٤١٠ ]
[١٢٧٧] مسألة: قال: ومن افتقد دينارًا من كمه، فتبعه به رجلٌ، فإن (^١) استيقن أنّه له، فليأخذه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا استيقن أنّه ماله جاز له أخذه، وإذا شك فيه، تركه، لقول النبيِّ ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (^٣)، وقال صلى الله عليه: «مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» (^٤)، وقال: «مِنَ الوَرَعِ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ» (^٥).
•••
[١٢٧٨] مسألة: قال: ومن الْتقط دنانير فابتاع بها غنمًا فنمت، فليتصدَّق بالدنانير والغنم (^٦).
• وفي بعض النسخ: «والغنم له»، يعني: للملتقط، وهو الصحيح؛ لأنّه بمنزلة المودَعِ، اشترى بالدنانير شيئًا، غنمًا أو غيرها، فالغنم له، وعليه لصاحب الدنانير دنانير مثلها، وهذا مثله سواءٌ.
ومن قال: يتصدَّق بالدنانير والغنم، فإنما قال ذلك؛ لأنَّ نماء الدنانير
_________________
(١) قوله: «فإن»، كذا في شب، وفي المطبوع: «مار».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٣)، البيان والتحصيل [١٥/ ٣٥٣].
(٣) أخرجه الترمذي [٤/ ٢٨٦]، والنسائي في الكبرى [٥/ ١١٧]، وهو في التحفة [٣/ ٦٣].
(٤) متفق عليه: البخاري (٥٢)، مسلم [٥/ ٥٠]، وهو في التحفة [٩/ ٢١].
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(٦) المختصر الكبير، ص (٢٧٣).
[ ٢ / ٤١١ ]
بمنزلتها، فليتصدَّق بها وبنمائها، غنمًا كانت أو غيرها؛ لأنّه إنّما تجر بها لربِّها لا لنفسه، أعني: الملتقط.
ومتى استقرضها وتجر فيها لنفسه، كان الربح له دون ربِّ المال، وذلك بمنزلة الوديعة.
•••
[١٢٧٩] مسألة: قال: ومن وجد مثل المِخْلَاةِ (^١) والدلو والحبل وأشباه ذلك:
(فإن كان في طريقٍ: وضعه في أقرب الأماكن إلى ذلك المكان يُعْرَف.
(وإن كان في مدينة: انتفع به، ويتصدَّق به أحب إلينا، وصاحبه على حقه إن جاء (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحبه إنّما يطلبه في الموضع الذي ضاع فيه وما قاربه من الأماكن (^٣)، فيُحب أن يُتْرَكَ فيه إن كان في المدينة عرف.
_________________
(١) قوله: «المخلاة»، هي كسَاء يُجعَل فِيهِ الخلى والعشب، ينظر: لسان العرب [١٤/ ٢٤٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٣)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٥٠]، البيان والتحصيل [١٥/ ٣٤٩].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٥٠]، هذا التعليل عن الأبهري.
[ ٢ / ٤١٢ ]
ويجوز أن ينتفع به إذا كان ذلك لا يضرُّ به، ويتصدَّق به إن شاء الملتقط، ويكون صاحبه مخيَّرًا إن جاء على ما ذكرناه.
•••
[١٢٨٠] مسألة: قال: ومن وجد لقطةً فكانت ذات بالٍ (^١)، فليأخذها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا ترك أَخْذَهَا أَخَذَهَا من لعلَّه غير ثقةٍ عليها، وذلك يكره له؛ لأنّه يترك حفظها على صاحبها، وفي حفظها عليه فعل خيرٍ ومعونةٍ عليه، وقد قال الله ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] (^٣).
•••
[١٢٨١] مسألة: قال: ومن وجد شَنْفًَا (^٤) في المسجد، فليعطه بعض نساء المسجد تُعَرِّفُه أفضل (^٥).
_________________
(١) قوله: «ذات بالٍ»، يعني: أنَّ لها قيمةً وثمنًا، ينظر: المنتقى للباجي [٦/ ١٣٤]، شرح البخاري لابن بطال [٦/ ٥٥٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦٧]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٤٧].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٤٧]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٤) قوله: «شَنْفًَا»، الشنف هو القرط الذي يعلق في الأذن، وقيل: الشنف في أعلى الأذن والقرط في أسفلها، ينظر: لسان العرب [٩/ ١٨٣] وقد وقع تصحيف طريف في المطبوع من النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦٨]، فجعلت: «سيفًا».
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٧٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦٨]، البيان والتحصيل [١٥/ ٣٥٤].
[ ٢ / ٤١٣ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الشَّنْفَ مما يكون للنساء، فهن بتعريفه أعرف؛ لأنهنَّ يذكرنه للنساء، ولا يقدر الرجال على مثل ذلك.
•••
[١٢٨٢] مسألة: قال: ومن وجد شيئًا فكان لا يقوى عليه، فوجد من يثق به يعطيه يُعَرِّفُهُ فليفعل، وإن كان شيءٌ له بالٌ، فليأخذه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حفظه اللقطة وتعريفها شيءٌ يجب على المسلمين جملةً، ليس يختص أحدهم بذلك دون الآخر، فعليهم التعاون على ذلك، فجاز للملتقط أن يدفعها إلى غيره ليعرفها إذا كان ثقةً مثله.
وليس ذلك كالوديعة:
لأنَّ الوديعة لا كلفة عليه في كونها عنده، ولا يحتاج إلى تعريفها، ويحتاج في اللقطة إلى ذكرها وتعريفها، فينقطع بذلك عن شغله.
ولأنَّ اللقطة لم يختر صاحبها أمانته، فجاز له نقلها إلى غيره، والوديعة قد اختار صاحبها أمانة المودَعِ ويده، فليس يجوز له نقل ذلك إلى غيره إلّا من ضرورة سفرٍ أو غيره (^٢).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٤٧]، البيان والتحصيل [١٥/ ٣٥٤].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٤٧]، شرح المسألة عن الأبهري.
[ ٢ / ٤١٤ ]
[١٢٨٣] مسألة: قال: ولا يُنشِد اللقطة في المسجد، ولو مشى في الحِلَق غير رافعٍ صوته فلا بأس به (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًَا يَنْشُدُ لُقَطَةً فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: لَا وَجَدْتَ» (^٢)، فكأنه كَرِهَ رفع الصوت في المسجد؛ لأنَّ المساجد إنّما جعلت لذكر الله ﷿ والصلاة لا لغيرها، ولهذه العلة كُرِه فيها البيع والشراء وعمل الصنائع.
فأمّا إذا ذكرها من غير رفع صوتٍ فلا بأس، كما يجوز أن يتحدَّث في المسجد، وإنما كُرِه رفع الصوت؛ لأنَّ ذلك يؤذي الناس.
ألا ترى: أنّه كُرِه الجهر بالقراءة؛ لأنَّ ذلك يؤذي الناس (^٣).
•••
[١٢٨٤] مسألة: قال: وإذا وجد في البحر خشبةً، فتَرْكُ أَخْذِهَا أفضل (^٤).
• إنّما قال ذلك: لجواز أن يأتي صاحبها ويأخذها.
ولأنها ليست كسائر الأشياء التي يُخشى فسادها وتلفها بتركها.
ولأنه لا يَتَوصَّل إلى صاحبها، فكان له ترك أخذها.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٤)، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٦٨]، الجامع لابن يونس [١٨/ ١٩٤].
(٢) أخرجه مسلم [٢/ ٨٢]، وهو في التحفة [٢/ ٧٤].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٥١]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٧٤).
[ ٢ / ٤١٥ ]
والفرق بين ما يوجد في البر وبين ما يوجد في البحر: هو أنّه قد يغرق في موضعٍ فيُحَصَّلُ في غير ذلك الموضع، يجرُّه الماء، فلا يُدرى من أين ذهب، وليس كذلك البر؛ لأنّه يمكن أن يُضَم إلى أقرب القرى التي وُجِد فيها.
•••
[١٢٨٥] مسألة: قال: ومن وجد شاةً أو بقرةً في صحراءٍ، فليأكلها ولا غُرم عليه (^١) لصاحبها إن جاء يطلبها.
فإن كانت في قريةٍ، فليضمها إليه أو إلى غنمه ولا يأكلها حتى تمر بها سنةٌ أو أكثر.
وإن كان لها جزازٌ أو لبنٌ، فيبيعه ويرفع ثمنه، ولا بأس أن يصيب من نسلها ولبنها بقدر قيامه، وإن كان تيسًا، فلا بأس أن ينزو في غنمه (^٢).
• إنّما قال: «إنه يأكل الشاة والبقرة إذا وجدها في الصحراء وحيث يخاف عليها وتضيعُ إن تركها»؛ فلأنه إن لم يأكلها هو تلفت أو أكلها الذئب، ولم ينتفع صاحبها بها، فكان أكل هذا الواجد لها أولى من تلفها أو أكل الذئب.
ولم يُكَلَّف سوقها إلى المدن والقرى؛ لمشقة ذلك عليه، وقد قال النبيُّ ﷺ حين سُئل عن الشاة: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» (^٣)، معناه: أَنَّهَا لك إن أكلتها،
_________________
(١) هذه الصفحة مكررة في.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٤)، المختصر الصغير، ص (٦٥١)، المدونة [٤/ ٤٥٧]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٥٣]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٧٨].
(٣) متفق عليه: البخاري (٩١)، مسلم [٥/ ١٣٣]، وهو في التحفة [٣/ ٢٤١].
[ ٢ / ٤١٦ ]
أو لأخيك، أي: لآخر مثلك إن لم تأخذها، أو للذئب يأكلها إن لم تأكلها أنت أو أخوك، ومعنى ذلك: أَنَّهَا تتلف إن لم تأخذها أنت أو أخوك، فجاز لواجدها أكلها لهذه العلة.
ولا غرم عليه لصاحبها؛ لأنّه لم يُتْلِف عليه شيئًا له قيمةٌ في حال ما أتلفه.
فإن قيل له (^١): كيف يجوز للإنسان أن يأكل مال غيره عن غير طيب نفسٍ منه ولا يكون عليه بدله إذا أكله، وقد قال النبيُّ ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إَلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (^٢) (^٣)؟
قيل له: معنى هذا الخبر: إذا كان مال المسلم مما يقدر أن ينتَفِعَ به ويصل إليه أو له قيمةٌ، فأمّا إذا كان لا يصل إليه ولا ينتفع به أو لا قيمة له، فليس يُمْنَع أن ينتفع غيره به، إذ لا ضرر على ربه في ذلك، وينتفع غيره به، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^٤)، وقد وجد النبيُّ صلى الله عليه تمرةً، فقال: «لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» (^٥)، فلم يمتنع النبيُّ صلى الله عليه من أكلها من أجل أَنَّهَا مال غيره؛ لأنَّ ذلك (^٦) لا يؤَثِّر عليه، وإنما امتنع من أجل حق الله ﷿، وهو تحريمه الصدقة عليه.
_________________
(١) قوله: «له»، كذا في شب، ولعلها مقحمة، والله أعلم.
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٦٠.
(٣) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٩/ ٤٣٠].
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٣٨.
(٥) متفق عليه: البخاري (٢٤٣١)، مسلم [٣/ ١١٨]، وهو في التحفة [١/ ٢٤٣].
(٦) هذه الصفحة مكررة في.
[ ٢ / ٤١٧ ]
فإن قيل: كيف يجوز للإنسان أكل شيءٍ لا يملكه، ثمّ لا يكون عليه قيمة ذلك؟ (^١)
قيل له: كما يجوز للإنسان أكل الطعام في أرض العدو، وليس عليه ردُّ قيمته في المغانم، ولو أراد حمله لغير الأكل، لم يجز.
فإن قيل: أليس هذه الشاة لو ساقها إلى قريةٍ، ثمّ وجدها صاحبُها، كانت لصاحبها دون آخذها، فَلِمَ لا تكون عليه قيمتها إذا أكلها؟ (^٢).
قيل له: كما يحمِلُ الطعام من أرض العدو ولا يأكله، فلا يجوز له تملكه، بل يتصدَّق به أو يردُّه إلى المغنم، ولو كان أَكَلَهُ، لم يكن عليه غرم ذلك، فكذلك الشاة مثله.
فأمّا إذا كانت في قرية أو بقرب قريةٍ، لم يأكلها وضمَّهَا إلى القرية؛ لأنّها في غير مضيعةٍ من الأرض، وغير موضعٍ يخاف عليها التلف، فلا يجوز له أكلها.
ولأنَّ سوقها إلى القرية غير شاقٍّ عليه، وليس كذلك ما كان في الصحراء والبادية، فلا يأكلها في القرية حتى تمر بها سنةٌ، ثمّ يكون مخيرًا على ما بيَّنَّاه.
وحكم صوفها ولبنها مثلها؛ لأنَّ ذلك كله ملك غيره.
ويجوز أن يأكل من نسلها بقدر قيامه عليها إذا كان محتاجًا، كما يجوز لإمام المسلمين وحاكمهم وقوَّامهم أن يأكلوا من أموالهم بقدر حاجتهم إلى
_________________
(١) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
(٢) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
[ ٢ / ٤١٨ ]
ذلك، وكذلك قيِّمُ اليتيم إذا كان محتاجًا، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦]، أي: من مال اليتيم (^١).
•••
[١٢٨٦] مسألة: قال: ويأمر الإمام ببيع الضوال، فإذا جاء صاحبها دُفِع إليه ثمنها.
فأمّا الإباق فإنهم يُحْبَسون، فإن جاء طالب وَإِلّا بِيعوا، فإن جاء صاحبه أخذ الثمن ولم يكن له إلى العبد سبيلٌ (^٢).
• إنّما قال: «إنَّ الإمام يبيع الضوال»؛ لأنَّ تركها يضر به وبصاحبها؛ لأنّها تحتاج إلى مؤونةٍ، ويُخَاف تلفها أيضًا، فيجوز له بيعها ودفع ثمنها إلى صاحبها إن جاء.
وكذلك يجوز بيع الآبق إذا طال حبسه؛ خيفة أن يتلف وأن يهرب، فيجوز بيع الإمام له، فإذا جاء صاحبه كان له الثمن.
وليس له أن يأخذ العبد؛ لأنَّ بيع الإمام على الإنسان كبيعه لنفسه، لا فرق في ذلك؛ لأنَّ حكم الحاكم ينفَّذ على المحكوم عليه وإن كره ذلك، فكذلك بيعه عليه.
•••
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٥٥]، شرح المسألة عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٤)، المدونة [٤/ ٤٥٨]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٧٧].
[ ٢ / ٤١٩ ]
[١٢٨٧] مسألة: قال: ولا يبيع ضالةً إلّا الإمام (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإمام هو القيِّمُ بأموال المسلمين - الغُيَّب منهم - والولي عليهم، فيجب أن يبيع الضالة هو لغيبة صاحبها، أو من يأمره الإمام بذلك؛ لأنَّ بيعه لها بمنزلة حكمٍ يحكم به.
•••
[١٢٨٨] مسألة: قال: ومن وجد إبلًا فعرَّفَها فلم تُعترف، فليسَرِّحها حيث وجدها.
وليس عليه إشهاده على إرسالها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز له أخذ الإبل؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لمن سأله: «مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، دَعْهَا تَأْكُلُ الشَّجَرَ وتَرِدُ المَاءَ» (^٣).
ولأنه لا يُخافُ عليها كالخوف على الشاة والبقرة، فعلى من أخذها تركها حيث وجدها (^٤).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٥)، وقد نقل اللخمي هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في التبصرة [٧/ ٣٢١١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٥)، المدونة [٤/ ٤٥٧]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٧٧]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٥٣].
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٢٨٥.
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٥٤]، شرح المسألة عن الأبهري.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
[١٢٨٩] مسألة: قال: ومن وجد شاةً إلى جنب قريةٍ فأكلها، غرمها (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا مؤنة عليه في سَوقِها إلى القرية.
ولأنها في موضع لا يُخاف عليها التلف من أكل ذئبٍ أو غيره.
•••
[١٢٩٠] قال: وتفسير عمر بن الخطاب: «من آوى ضالةً فهو ضالٌّ» (^٢)، يقول: «مخطئٌ»، وإنما يعني بذلك: الإبل (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإبل منهيٌّ عن أخذها، وآخِذُهَا ضالٌّ: أي: مخطئٌ؛ لأنّه فعل ما لا يجوز له فعله؛ لنهي رسول الله ﷺ عن أخذها.
•••
[١٢٩١] مسألة: قال: ومن وجد ضالةً فطال زمانها، فليتصدق بها، فإن جاء صاحبها لم يغرمها؛ لأنَّ المواشي في ذلك ليست كغيرها (^٤).
• إنّما قال: «إنه لا يغرم لصاحبها قيمتها»؛ لأنَّ المواشي لو أكلها في موضعٍ يُخاف عليها التلف لَمَا كان عليه غرم قيمتها لصاحبها، وليس كذلك سائر
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٧٥).
(٢) أخرجه مالك [٤/ ١٠٩٩]، وابن أبي شيبة [١١/ ٢٣٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧٥).
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٧٥).
[ ٢ / ٤٢١ ]
الأموال؛ لأنّها تبقى ولا يخاف عليها تلفها، إلّا أن تكون من الأشياء التي تتفسد من المأكول، فيكون حكمها حكم المواشي (^١).
وإذا كان كذلك، لم يكن عليه غرم قيمتها لصاحبها إذا تصدق بها؛ لأنَّ شبهة ملتقط المواشي فيها وأمره أوكد من سائر الأشياء غيرها، فعليه غرم قيمة ما تصدق بها، وليس عليه غرم قيمة المواشي؛ لأنّه لو أكلها في موضعٍ ما بدل ما تصدق بها، لم يكن عليه غرم قيمتها.
•••
[١٢٩٢] مسألة: قال: ومن صاد ظبيًا أو صقرًا فانفلت منه، ثمّ وجده يباع:
(فإن كان قد طال وصار مع الصيد، فليس له فيه شيءٌ إذا صار إلى حالته الأولى.
(وإن كان بعد ذهابه بيومٍ أو يومين، فهو أولى به (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصيد لمّا كان أصله مباحًا أخْذُهُ بغير عوضٍ ولا دفعٍ من آدمي عنه، كان ملكه لمن هو في يديه ما دامت يده عليه، فإذا خرج عن يده ورجع إلى أصله من الامتناع، ثمّ صاده الآخر كان للثاني؛ لأنّه قد مَلَكَه بالمعنى الذي ملكه به الأول وزوال معنى الأول عنه.
وأشبه ذلك الماء يسقيه الإنسان في قربته من بركةٍ أو بئرٍ معينةٍ غير جاريةٍ، ثمّ يَنْصَبُّ في البئر أو البركة بعد أخذه له، فقد زال ملكه عنه وعاد إلى ما كان عليه
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٥٤]، هذا التعليل عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٧٥)، النوادر والزيادات [٤/ ٣٥٤].
[ ٢ / ٤٢٢ ]
من أصل الإباحة، فهو وغيره من النّاس سواءٌ في ماء البركة أو البئر؛ لأنَّ أصل ذلك كله مباحٌ، ثمّ عاد ما كان في يده إلى أصله.
فكذلك الصيد إذا عاد إلى أصله واستوحش، فهو وغيره سواءٌ.
فإن قيل: إنَّ الصيد يعرف بعينه، وليس كذلك الماء، فافترقا لهذه العلة؟ (^١)
قيل: لو وجب لهذه العلة أن يزول ملك صاحب الماء عنه إذا انصب في البركة أو البئر بعدما ملكه، لوجب إذا انصب له زيتٌ في بركة زيتٍ لغيره أو بئر زيتٍ لغيره، أن يزول ملك صاحب الزيت عنه؛ لأنّه لا يعرف بعينه، فلمَّا كان هذا غلطًا بإجماعٍ وأنهما شريكان في الزيت على مقدار ما لكل واحدٍ منهما ولم يكونا كذلك في الماء، فكذلك يجب أن يكون الصيد مثله؛ للمعنى الذي ذكرناه، وهو أنَّ أصله مباحٌ لا يمنع منه آدميٌّ.
فإن قيل: لو كان كما قلت، لكان العبد إذا لحق بدار الحرب، ثمّ أخذه غير سيده، وجب أن يكون لمن أخذه؛ لأنّه قد رجع إلى أصله، فلمَّا لم يكن كذلك، فكذلك الصيد ليس هو لمن أخذه؟ (^٢).
قيل: لا يلزم ما قلت؛ من قِبَل أنَّ أصل العبيد ليس هو مباحًا كالصيد، إذ لهم من يمنع عنهم، وهم يمتنعون بأنفسهم، وليس كذلك الصيد، إذ لا يمنع منه آدمي.
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [١٩/ ٦٤].
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [١٩/ ٦٤].
[ ٢ / ٤٢٣ ]
ولأنَّ أصل العبد هو ببذلٍ يتركه الغانم، فأشبه ذلك المشتري له إذا استحق من يده أنّه يرجع إلى بائعه، وليس كذلك أخذ الصيد؛ لأنّه لا يأخذه بعوضٍ يتركه.
وكذلك أخذ الذهب من المعادن هو بمنزلة أخذ العبد من بلد الحرب؛ لأنَّ أصل المعدن ليس مباحًا كالصيد؛ لأنّها محوزةٌ للناس يمنعون عنها، وليس كذلك الصيد؛ لأنّه ليس محوزًا لهم يمنعون عنه.
•••
[١٢٩٣] مسألة: قال مالكٌ في الملتقط: إذا جاء من يعرف العِفَاصَ (^١)، والوِكَاءَ (^٢)، أنّه يدفع ذلك إليه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا رواه مالك، والثوري، وحماد بن سلمة، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث (^٤)، عن زيد بن خالد الجهني: «أَنَّ رَجُلًَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، وَعَرِّفْهَا عَامًَا،
_________________
(١) قوله: «العِفَاصَ»، هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة، من جلد أو غيره، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٣/ ٢٦٣].
(٢) قوله: «والوكاء»، هو الخيط الذي تشد به الصرة والكيس، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٥/ ٢٢٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٧٥)، المدونة [٤/ ٤٥٦]، النوادر والزيادات [١٠/ ٤٧١].
(٤) يزيد مولى المنبعث، مدني، صدوق، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١٠٨٥).
[ ٢ / ٤٢٤ ]
فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» (^١)، وهذا لفظ حديث حماد بن سلمة، عن زمعة (^٢).
ورَوَى حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، عن النبيِّ ﷺ مثله (^٣).
ورَوَى سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل (^٤)، عن سويد بن غفلة (^٥) قال: «أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: إني وَجَدْتُ صُرَّةً فِي مُنَاخِ (^٦) قَوْمٍ فِيهَا مِئَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًَا، فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: اعْلَمْ وِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا وَعِدَّتَهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِدَّتِهَا وَوِعَائِهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِلّا فَاسْتَنْفِعْ بِهَا» (^٧)،
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢٣٧٢)، مسلم [٥/ ١٣٣]، وهو في التحفة [٣/ ٢٤١].
(٢) قوله: «زمعة»، كذا في شب، وهو تحريف صوابه ربيعة، والحديث أخرجه مسلم [٥/ ١٣٥]، وهو في التحفة [٣/ ٢٤١].
(٣) أخرجه مسلم [٥/ ١٣٥]، وهو في التحفة [٣/ ٢٤١].
(٤) سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، ثقة يتشيع، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٤٠٢).
(٥) سويد بن غفلة الجعفي، مخضرم، من الثانية من كبار التابعين. تقريب التهذيب، ص (٤٢٤).
(٦) قوله: «مُنَاخِ»، هو الموضع الذي تناخ فيه الإبل، أي: تُبرك فيه، ينظر: لسان العرب [٣/ ٦٥].
(٧) متفق عليه: البخاري (٢٤٢٦)، مسلم [٥/ ١٣٦]، وهو في التحفة [١/ ١٨].
[ ٢ / ٤٢٥ ]
فلمَّا أمره النبيُّ ﷺ بدفعها إلى طالبها إذا عَرَفَ عفاصها ووكاءها، وجب على الملتقط دفعها إليه وإن لم تكن للطالب بينةٌ على ذلك.
فإن قيل: إنَّ الطالب قد يجوز أن يكون غير الذي يَعْرِفُها، فليس يجوز للملتقط أن يدفعها إليه بغير بيِّنةٍ (^١).
قيل له: قد جعل النبيُّ ﷺ بينة الطالب ما يذكره من العفاص والوكاء، وأَمَرَ الملتقط أن يدفعها إليه إذا ذكر ذلك، والبيِّنات فتختلف على حسب الأحوال المشهود عليها.
ألا ترى: أَنَّهَا تجوز في مواضع الضرورة ما لا يجوز في غير الضرورة، من ذلك: شهادة النساء منفرداتٍ، تجوز فيما لا يطلع الرجال عليه؛ للضرورة إلى ذلك؛ لأنّه لا يحضره الرجال.
فكذلك جعل العفاص والوكاء بيِّنَةً في دفع المال إلى الطالب؛ لأنَّ إقامة البيّنة على سقوط ماله يتعذر ويشق، ولو جُعِلَ ذلك، لأدى ذلك إلى ترك انتفاعه بماله؛ لأنّه لا يقدر أن يحرّكه ويغيّر شده، ولو فعل ذلك، لاحتاج أن يشهد عليه ثانيةً، وهو قولٌ بَيِّنُ الفساد؛ لأنّه يؤدِّي إلى ترك انتفاع النّاس بأموالهم؛ ولأنَّ الذي في يده اللقطة لمّا كان لا يدَّعيها لنفسه وليس مدَّعى عليه لعينه.
ألا ترى: أنّه لا يحلف إذا لم تكن للمعتَرِفِ المطالِبِ بيِّنةٌ، فكذلك لا يكلف الطالب البيِّنة؛ لأنَّ البيِّنة تلزم المدَّعي حيث تلزم المدَّعى عليه اليمين.
فإن قيل: لو كانت العلَّة ما ذكرت: «تعذّر الإشهاد في حال سقوط المال،
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: المبسوط [١١/ ٨].
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وأنَّ ذلك قد يؤدِّي إلى ترك انتفاع النّاس بأموالهم»، لكان ذلك فيمن ادَّعى سرقةً في يد زيدٍ، أنَّ قوله يقبل إذا صفة (^١) ذلك من وعاءٍ ووكاءٍ وعددٍ؛ لتعذر الإشهاد على السارق في حال ما سرق، فلمَّا لم تقبل العلامة في ذلك دون الشّهادة، فكذلك اللقطة (^٢).
قيل: لا يلزم ما ذكرت؛ من قِبَلِ أنَّ المدَّعى عليه السَّرِقَ ينكر ذلك، ومن يدَّعي الشّيء لنفسه فهو خصمٌ قائمٌ بعينه، فلا يعطى مدَّعي ذلك عليه إلّا ببيِّنةٍ.
ألا ترى: أنَّ المدَّعى عليه السرقة يُستَحلف إذا أنكر ذلك، وليس كذلك اللقطة؛ لأنَّ الملتقط لا يدَّعيها لنفسه، ولا لإنسانٍ قائمٍ بعينه غيره، ويجوز أن تكون لطالبها، فلا يلزم ما ذكرت على اعتلالنا.
ولو لم يدَّع الذي السرِقَ في يده لنفسه، جاز أن يعطى طالب ذلك بالعلامة، وقد قال مالكٌ: «في قطاع الطريق إذا أُخِذوا ووُجِد في أيديهم مالٌ، فادَّعى قومٌ أنَّ مِنْ دفعِ (^٣) علامة ذلك من عددٍ وعِفَاصٍ، بأنَّه يدفع إليه بغير بيِّنةٍ، كاللقطة سواء» (^٤).
وعلَّة ذلك ما ذكرناه، أنَّ الذي في يده الشّيء ليس يدَّعيه لنفسه ولا لخصمٍ قائمٍ بعينه، فجاز أن يَدْفَعَ ذلك إلى الطالب بما يذكره من العلامة؛ لجواز أن يكون له.
_________________
(١) قوله: «إذا صفة»، كذا في شب، ولعلها: «إذا ذكر صفة».
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٩/ ٤٥٥].
(٣) قوله: «أنَّ مِنْ دفعِ»، كذا في شب، والسياق يستقيم بدونها.
(٤) ينظر: المدونة [٤/ ٥٥٦].
[ ٢ / ٤٢٧ ]
فإن قيل: أرأيت إن اجتمع جماعةٌ على ذكر علامةِ اللقطةِ واستووا في ذلك؟ (^١).
قيل له: يَدفَع ذلك إليهم كلهم بعد أيمانهم، كما يَفعَل ذلك إذا أقاموا بيِّنةً أنّه يدفع إليهم بعد أيمانهم.
فإن قيل: أرأيت لو دَفَع إلى واحدٍ بعلامةٍ، ثمّ جاء آخر يذكر مثل تلك العلامة؟ (^٢).
قيل له: هذا كما يحكم لزيدٍ بها بالبينة، ثمّ يأتي عمرو ببيِّنةٍ أَنَّهَا له، فكلما حكم مخالفنا به من البيِّنة حكمنا بمثله في العلامة.
وقد قال مخالفنا في هذه المسألة (^٣): إنه يفتيه بدفعها إليه، ولا يحكم عليه.
فكيف يجوز للإنسان أن يفتي بما لا يحكم به؛ لأنَّ سبيل العالم أن لا يفتي إلّا بالحق عنده، كما لا يجوز له أن يحكم إلّا بالحق عنده (^٤).
•••
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: مختصر المزني، ص (٢٣٦)، الحاوي للماوردي [٩/ ٤٥٥].
(٢) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
(٣) يريد الشافعي ﵀، وقوله في: مختصر المزني، ص (٢٣٦).
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٤٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٤٢٨ ]