[١٣٥٥] قال: ومن ادَّعَى قِبَل رجلٍ دنانير من ثمن سلعةٍ باعها إياه، وقال الرجل: «بل وديعةٌ وقد ضاعت»، فيحلف بالله ما كانت إلّا وديعةً وقد ضاعت، ولا شيء عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المُدَّعِي أَنَّهَا من ثمن سلعةٍ يريد أن يلزم ذمة المُدَّعَى عليه شيئًا، وينكر ذلك المُدَّعَى عليه ويقول: «إنَّها أمانةٌ في يده»، فالقول قوله مع يمينه.
وعلى المُدَّعِي البيّنة على ما يدَّعيه، وَإِلّا حلف المُدَّعَى عليه أَنَّهَا وديعةٌ وقد ضاعت؛ لأنّه في الأصل بريءُ الذمَّة، ولا شيء فيها حتى يُبَيِّن الآخرُ حجةً أنَّ ذمَّته قد وجب فيها حقٌّ له.
•••
[١٣٥٦] مسألة: قال: ومن ادَّعَى قِبَل رجلٍ وديعةً، فقال: «بل مقارضَةٌ وقد هلك بعض المال»، فإنّه يحلف الذي يدَّعِي أَنَّهَا قِراضٌ، لا يكون إلّا ذلك (^٢).
• إنّما قال: «إنَّ القول قول الذي يدَّعِي القِرَاضَ، لا قول ربّ المال»؛ لأنَّ القِرَاضَ أمانةٌ كالوديعةِ وليس هو دَينًا يتعلَّق بالذمَّة، فكان القول قول المقِرِّ الذي
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٥)، النوادر والزيادات [٩/ ٢٣٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٥)، المدونة [٤/ ٤٣٩]، النوادر والزيادات [٧/ ٢٨٥].
[ ٢ / ٤٧٧ ]
في يده المال؛ لأنَّ حكم الوديعة والقراض في أنهما أمانةٌ واحدٌ؛ فلهذا قال: «إنَّ القول قول الذي في يده المال إذا قال هو قراضٌ»؛ لأنَّ ذلك بمنزلة ما يقول: إنَّهُ وديعةٌ.
•••
[١٣٥٧] مسألة: قال: وقد قيل في رجلٍ يُقِرُّ بقراضٍ عنده في سلعٍ اشتراها، ويقول ربُّ المال: «بل سلفٌ»، فالقول قول ربِّ المال، والبيِّنة على الذي يزعم أنّه قِرَاضٌ (^١).
• وجه هذا القول؛ هو أنَّ الذي في يده المال قد أقر أنَّ المال لربه، وادَّعى فيه حقًا وإذنًا من صاحبه في التّصرُّف فيه، وقد أنكر ذلك صاحبه، فعليه البيِّنة على ذلك؛ لأنّه مُدَّعٍ ذلك على ربِّ المال، وَإِلّا حلف ربَّ المال على ما يذكره من القراض.
ووجه القول الأول كأنه أصحُّ؛ من قِبَلِ أنَّ الذي في يده المال إنّما أقر به على وصفٍ ما، وهو أنَّه في يده أمانةٌ، دون أن يكون في ذمَّته، فالقول قوله مع يمينه.
وعلى ربِّ المال الذي يدَّعِي ذلك في ذمَّته وهو القرض البيِّنة على ذلك؛ من قِبَلِ أنَّ ذمَّة المُدَّعَى عليه القرض بريئةٌ في الأصل، حتى يُعْلَم أنّه قد تعلَّق بها حقٌّ من قرضٍ أو غيره.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٥)، المدونة [٣/ ٦٦١]، النوادر والزيادات [٧/ ٢٨٤].
[ ٢ / ٤٧٨ ]
[١٣٥٨] مسألة: قال: ومن قال: «كان لرجلٍ عليَّ ألف دينارٍ فقضيته»، وأنكر، فهو ضامنٌ (^١).
• إنّما قال ذلك لأنَّه قد أقر أنَّ في ذمَّته مالًا لغيره، فقد وجب ذلك عليه بإقراره، ثمّ ادَّعى خروجه منه وبراءَةَ ذمّته مما وجب فيها، فعليه البيِّنة على ذلك.
وإن لم تكن له بيِّنةٌ، حلف المُقَرُّ له أنّه ما اقتضى منه شيئًا، ثمّ غرم له ذلك.
•••
[١٣٥٩] مسألة: قال: وإن قال: «كانت لك عندي وديعةٌ فرددتها إليك»، فقد برئ، وكذلك كلّ ما كان في أمانته.
وكلّ ما كان في ذمَّته، فالمخرج عليه ولا يقبل قوله (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الوديعة هي أمانةٌ في يده، لا تتعلَّق بذمَّته، فإذا قال: «قد رددتها على صاحبها»، فالقول قوله مع يمينه، كما لو قال: «قد تلفت»، كان القول قوله مع يمينه، وكذلك كلّ ما كان أمانةً في يده لا في ذمَّته فالقول قوله مع يمينه في ردِّ ذلك إلى صاحبه، إذا لم يكن أَخَذَهُ منه بالبيِّنة. وكذلك القول قوله مع يمينه إذا قال: «إنها قد تلفت».
فأمّا كلّ ما كان متعلِّقًا بذمَّته، كالدَّين، والقرض، وَأَرْشُ الجناية، وأشباه ذلك، مثل الصداق والإجارة، فعليه البيِّنة على دفع ذلك إلى ربه؛ لأنَّ ذلك كله
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٥)، البيان والتحصيل [١٠/ ٤٧٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٥)، المدونة [٤/ ٤٣٦]، النوادر والزيادات [٩/ ٣٥٦].
[ ٢ / ٤٧٩ ]
متعلِّقٌ في ذمَّته، لا يخرج عنه إلّا ببيِّنةٍ على دفعه إلى صاحبه، فمتى ادَّعى ذلك من غير بيِّنةٍ، حلف صاحبه أنّه لم يدفع إليه ذلك، وكان عليه دفع ذلك إلى صاحبه.
•••
[١٣٦٠] مسألة: قال: وما وُجِدَ في أيدي اللصوص والسُّراقِ من أمتعة الناس، فيدعيها قومٌ ولا بينة لهم، فَيَسْتَأْنِي بذلك ولا يَعْجَل حتى يكشف، فإن جاء أحدٌ، وَإِلّا دفعه إليه وضمَّنه إيّاه بغير حميلٍ، وما لم يوجد أهله من ذلك تَصَدَّقَ به (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد يجوز أن يكون ذلك لمن يدَّعيه أنّه له، فإذا جاء بعلامةٍ أو شُبههٍ دَفَع ذلك إليه، كما يفعل ذلك في اللقطة؛ لأنَّ الذي في يده الشّيء لا يدَّعيه لنفسه في هذا وفي اللقطة.
ويُضَمنه إياه ولا يأخذ منه حميلًا؛ لجواز أن يكون ذلك لغيره إن لم يره مأمونًا.
فأمّا إذا كان الذي في يده الشّيء يدَّعِيه لنفسه، لم يدفع إلى مُدَّعِي ذلك عَلَيهِ إلّا ببيِّنةٍ عادلةٍ تقوم للمُدَّعِي، وَإِلّا حلف المنكِر أنّه ليس للمُدَّعِي، وقد قال رسول الله ﷺ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (^٢).
وإذا لم يُعْرف صاحب اللقطة والشي المسروق ولم يدَّعِها أحدٌ، تَصَدَّقَ بها
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٥)، المدونة [٤/ ٤٦١]، النوادر والزيادات [٤/ ٤٨٦].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٩٧.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
مَنْ هي في يده، ثمّ يكون لصاحب ذلك الخيار إذا جاء على ما ذكرناه في اللقطة، بين أن يكون الثواب له، وبين أن يغرم الذي تصدَّق بها.
•••
[١٣٦١] مسألة: قال: ومن ادَّعَى على رجلٍ أمرًا (^١) فأنكره، فقال: «إنَّ فلانًا يشهد عليك»، فيقول: «هو عندي مُصَدَّقٌ»، فيَشْهَد عليه، فينكرُ ويقولُ: «ما كنت أظنك تشهد»، فلا يجوز ذلك عليه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه يقول: «كنت أظن أنّه يشهد بحقٍّ لا بغيره»، فأمّا إذا شهد بغيره فليس يلزمه ذلك، والقول قوله.
وهذا بخلاف ما يُحَكِّمُ رجلًا على نفسه في حُكُومَةٍ فيَحْكُم عليه، أنَّ ذلك يلزمه (^٣)، من قِبَلِ أنَّ الحكم طريقه الاجتهاد، فقد يظنُّ المحكوم أنَّ الحاكم يحكم بالشيء ويحكُمُ الحاكِمُ بغيره، وليس كذلك الشّهادة، لأنَّ طريقها ليس هو اجتهاد الرأي، وإنما هي عن علوم المشاهدات والحواس، والله أعلم.
•••
[١٣٦٢] مسألة: قال: ومن أمر رجلًا أن يبيع ثوبًا، فباعه بخمسةٍ وقال: «أمرتني بذلك»، وقال: «لم آمرك إلّا بعشرةٍ»:
_________________
(١) قوله: «أمرًا»، كذا في شب، وفي المطبوع: «أجرًا».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٥)، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٩٣]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: البيان والتحصيل [١٠/ ٦٢].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٩٤]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٤٨١ ]
(فإن كان الثوب لم يَفُتْ، فالثوب لصاحبه ويحلف.
(وإن فاتَ، حلف المؤْتَمَنُ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثوب إذا كان قائمًا، لم يلحق البائع والمبتاع في رده ضررٌ، فكان القول قول الآمر مع يمينه.
وإن كان قد فات، كان القول قول المأمور مع يمينه؛ لأنَّ في رده الثوب بعد فوته والرجوع إلى قيمته ضررًا على المشتري.
والقياس أن يكون القول قول المأمور إذا باع بثمن مثله؛ لأنَّ الآمر قد ائتمنه على ذلك، كان الثوب قائمًا أو قد فات.
•••
[١٣٦٣] مسألة: قال: ومن أرْسَلَ مع رجلٍ بذهَبٍ إلى رجلٍ، فقال (^٢): «أرسَلْتَ بها إلي صدقةً»، وقال الرجل: «بل لترفعها لي»، ويشهد الرسول أَنَّهَا صدقةٌ، فإن حلف مع الرسول كانت له (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المبعوث إليه يدَّعِي أنَّ الباعث قد جعلها له وأخرجها عن ملكه، فعليه البيِّنة على ذلك، فإن شهد له الرسول بذلك حلف مع شهادته وحُكِمَ له بها.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٥)، البيان والتحصيل [٨/ ١٦٢].
(٢) أي: المرسل إليه.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٨٦)، وقد حكى ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [١٠/ ٤٤٥].
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وهذا إذا كان قَبْلَ دفع الرسول إليه المال، فإن كان بعد دفع الرسول إليه المال، لم تقبل شهادة الرسول؛ لأنّه خصمٌ لرب المال، ولأنه إنّما شهد على إجازة فعله الذي قد خالفه فيه ربه وكذَّبَهُ فيه.
فأمّا إذا كان قبل دفع المال فليس هو بخصمٍ لرب المال، وإنما هو شاهدٌ عليه؛ لأنّه لم يخالف ربِّ المال بدفع المال إليه على وجه الصدقة كما يكون ذلك بعد الدفع، وقد فَسَّرْتُ هذه المسألة في غير هذا الكتاب.
•••
[١٣٦٤] مسألة: قال: ومن باع من رجلٍ سلعةً وذَهَبَ يأتي بالثمن، فقال البائع: «بعتك على: إن لم تأتني بالثمن إلى الليل، فلا بيع بيني وبينك»، وأنكر المشتري، فالقول قول المشتري، ولو كانت له بينةٌ، ما جاز - يعني: البيع -؛ لأنّه ليس من بيع المسلمين، فكيف ولا بيِّنة له (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري يدَّعِي صحة البيع الذي قد وقع في الأصل منه ومن البائع واتفقا عليه، والبائع مُدَّعٍ فساده بما يذكره، فالقول قول مدَّعي الصحة على الأصل، وعلى الآخر وهو البائع البيِّنة على ما يذكره، وَإِلّا حلف المشتري على الصحة، إلّا أن تقوم للبائع البيِّنة على ما قال فيكون البيع مفسوخًا.
وفي فسخه بهذا الشرط اختلافٌ من قول مالك، قد ذكرته في كتاب البيوع.
•••
[١٣٦٥] مسألة: قال: ومن دفع إلى رجلٍ ذهبًا برهنٍ، ثمّ قضاه ودفع
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٦)، المدونة [٣/ ٢٨٠].
[ ٢ / ٤٨٣ ]
إليه حقه، ثمّ ادَّعى أنَّه لم يوفه إياه كله وأعطاه رهنه، فيحلف المرتهن ويسقط ما ادُّعي عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن مؤتمنٌ على مقدار الرهن الذي هو في يده، فمتى قال: إنه كيت وكيت، وادَّعى الراهن أكثر منه، كان القول قول المرتهن؛ لأنَّ الراهن قد ائتمنه عليه.
ولأنه منكِرٌ لأكثر ما يدعيه الراهن أو لغيره إن ادَّعى رهنًا غيره، فعليه البيِّنة على ما يدَّعيه، وَإِلّا حلف المرتهن وبرئ؛ لأنَّ البيِّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ.
•••
[١٣٦٦] مسألة: قال: ومن كانت بينهم مُشَارَّةٌ (^٢)، وكان له عنده مالٌ، فزعم أنّه لم يدفعه إليه، وسأل أن يحلف له، وقال: «إنّما تحلفني بالشرّ الذي بيني وبينك»، فعليه اليمين ولا ينفعه ذلك (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي في يده المال مدَّعٍ الدفع للمال إلى ربه، فعليه البيِّنة إن كان في ذمَّته، أو اليمين إن كان في أمانته، إذا ادَّعى دَفْعَ ذلك إلى ربه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٦)، وقد نقل ابن رشد في البيان والتحصيل [١١/ ١٠٢]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم.
(٢) قوله: «مُشَارَّةٌ»، هي المخاصمة، ينظر: لسان العرب [٤/ ٤٠١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٨٦).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وليس تسقط اليمين عنه بما يذكره من الشرّ الذي بينهما؛ لأنَّ ذلك حقٌّ عليه.
•••
[١٣٦٧] مسألة: قال: ومن كان مُخَالطًا لرجلٍ فيدَّعِي عليه حقه، فيقال للمطلوب: «احلف»، فيأبى، فلا يُقْضَى عليه حتى يقال للطالب: «احلف إن كان لك حاجةٌ واستحق حقك» (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز أن يحكم بنكول المُدَّعَى عليه دون أن يَحْلِفَ المُدَّعِي؛ لأنَّ الحكم يجب أن يكون بشاهدين، أو بشاهدٍ وامرأتين، أو شاهدٍ ويمينٍ، أو نكول المُدَّعَى عليه ويمين المُدَّعِي؛ ليكون قد اجتمع أمران يُحْكَمُ بهما، وهو نكول المُدَّعَى عليه ويمين المُدَّعِي، فيكون ذلك كالشاهدين، أو الشاهد والمرتين، إذ ليس في الأصول جواز الحكم بسببٍ واحدٍ دون أن يقارنه سببٌ غيره، أعني: إذا كان الحكم يوجب للمحكوم له حقًَّا يأخذه.
فأمّا أن يُسْقِط عنه حكمًا فإنَّ ذلك يكون لسببٍ واحدٍ، وهي يمين المُدَّعَى عليه؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ ذمّته في الأصل بريئةٌ، فهو أوكد سببًا من المُدَّعِي، فعليه اليمين والقول قوله في ذلك، وعلى المُدَّعِي البينة؛ لأنّه يدّعي ثبوت شيءٍ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٦)، الموطأ [٤/ ١٠٤٥] المدونة [٤/ ٧ و١٠]، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٨٣)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٥٦).
[ ٢ / ٤٨٥ ]
في ذمَّة المُدَّعَى عليه، فهو أضعف حُجَّةً من المُدَّعَى عليه، فكان ما جعل عليه من الحجة أقوى، وذلك هو قول غيره وشهادته، وجعل على المدَّعي قوله مع يمينه.
•••
[١٣٦٨] مسألة: قال: ومن تكارى دارًا سنةً ونقده كِرَاهَا، فيقول له بعد أشهر: «اخرج من الدّار فقد أوفيت»، ويقول الآخر: «لم أسكن إلّا ستة أشهر»، فيحلف الساكن (^١)، فإن أبى، حلف صاحب المسكن (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب المسكن قد أقرَّ للساكن أنَّ له سُكْنَى سنةً وادَّعى نقيضها، والساكن ينكر ذلك، فعلى صاحب المسكن البيّنة على ما يدَّعِي من تقضِّي ما قد وجب للساكن من المدَّة، وَإِلّا حلف الساكن أَنَّهَا لم تنقض وكانت له.
فإن أبى أن يحلف، حلف صاحب المسكن، وكان القول قوله مع يمينه؛ لأنّه قد اجتمع له نكول الساكن مع يمينه.
•••
[١٣٦٩] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ دينارٌ فقضاه وأشهد عليه، ثمّ تقاضاه فقال: «ما قضيتنيه»، فقال له: «احلف وأعطيك» فحلف، وأراد أن يأتي
_________________
(١) قوله: «الساكن»، كذا في شب، وفي المطبوع: «الساعي».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٦)، المدونة [٣/ ٤٠٧]، النوادر والزيادات [٧/ ١٣٦]، البيان والتحصيل [٩/ ٣٢].
[ ٢ / ٤٨٦ ]
عليه بالبيِّنة التي أشهد عليه أنَّ ذلك له - بعد رضاه بيمينه -، فذلك له عليه، فليأت بالبيِّنة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البيّنة أقوى من يمين المُدَّعَى عليه، فوجب أن يُحْكَم بها إذا شَهِدَت بخلاف ما حلف عليه المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الحكم بالبيِّنة إذا وجدت أولى من الحكم بالنكول مع يمين المُدَّعَى عليه.
ولأنَّ المُدَّعِي يقول: «لم أعلم أنّه يحلف، ولا أنّه يجترئ على اليمين، وظننته يتورع عن ذلك».
فهذا وجه هذا القول، وسواءٌ علم المُدَّعِي ببيِّنته أو لم يعلم، في أنّه يُحْكَمُ بها بعد يمين المدَّعى عليه.
وقد قال مالك: «إنَّ المُدَّعِي إذا علم ببيِّنته ثمّ استحلف المُدَّعَى عليه، وكانت بيِّنته حاضرةً، لم تسمع بيِّنته بعد ذلك» (^٢).
ووجه هذا القول: أنَّ المُدَّعِي إذا استحلف المُدَّعَى عليه بعد علمه ببيِّنته وهو يقدر على إقامتها وهي حاضرةٌ معه في البلد، فقد ترك حقه من البيّنة ورضي بيمين المُدَّعَى عليه، فلزمه ذلك، ولم يكن له الرجوع إلى بيِّنته بعد تركه لها وإن كان ذلك حقًَّا لَهُ، كما لو ترك من حقه شيئًا ورضي بأقل منه على وجه الصلح،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٦)، النوادر والزيادات [٨/ ١٧٠]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٦٩]، الجامع لابن يونس [١٧/ ٤٧٤].
(٢) ينظر: المدونة [٤/ ٧]، ديوان الأحكام الكبرى، ص (٤٣١).
[ ٢ / ٤٨٧ ]
لم يكن له أن يرجع إلى أصل حقه بعد تركه إياه، وكذلك إذا ترك بيِّنته ورضي بيمينه، لم يكن له أن يرجع إليها بعد رضاه بتركها.
فأمّا إذا لم يعلم ببينته ولم يقدر على إقامتها؛ لغيبتها أو عذرٍ منعها من الحضور، كان له أن يقيمها بعد ذلك؛ لأنَّ تركه إقامته إياها لم يكن على وجه الاختيار والرضا منه بذلك، وإنما كان على وجه العذر، فكان له أن يرجع إلى حقه من البيِّنة، كما لو ترك من حقه شيئًا على غير رضًا منه وطيب نفسٍ، كان له أن يرجع إلى حقه فيأخذه، والله أعلم.
•••
[١٣٧٠] مسألة: قال: ومن ادَّعَى على رجلٍ دعوى، فأنكره وحلف، ثمّ وَجَدَ بينةً على إقراره بالحق، فإنّه يُقْضَى له به (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا بيّناه في المسألة التي قبل هذه.
•••
[١٣٧١] مسألة: قال: وإذا كان شريكان متفاوضين أو غير ذلك، فيقول أحدهما لشريكه: «قد جَعَلْتُ في المال الذي نعمل فيه مالًا من عندي
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٧)، المدونة [٤/ ٧ و٣٦]، مختصر أبي مصعب، ص (٤٥٨)، النوادر والزيادات [٨/ ١٦٩]، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٧٠]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
عند المحاسبة أو قبل ذلك»، فينكر شريكه، فيحلف شريكه بالله: «ما جعل فيه شيئًا ولا له فيه شيءٌ»، وليس له أن يحلف على علمه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الشريك الذي يذكر أنّه جعل من عنده مالًا زيادةً على ما علم به شريكه مُدَّعٍ لذلك، فعليه البيّنة على ذلك، وَإِلّا حلف شريكه بالله: «ما الأمر على ما يدعيه»، ولا يكون عليه شيءٌ؛ لأنَّ البيّنة على المدعي واليمين على المنكِر.
فأمّا حلفه على العلم فلا يجوز؛ لأنّه يمكن أن يعلم هل طرح أم لا.
•••
[١٣٧٢] مسألة: قال: ومن اشترى سلعةً أو تكارى دابَّةً ونَقَدَ، ويُقِرُّ أنّه إنّما اشترى لامرأته، ثمّ حازت المرأة المنزل أو الدابة، ثمّ يطلب منها الثمن، فتقول: «قد دفعته»، ولا بينة لها.
(فإن كان نَقَدَ الثمن: فيمين المرأة بالله «لقد دفعت ثمنه وما له عندي قليلٌ ولا كثيرٌ».
(وإن كان لم ينقد: حلف الزوج بالله «ما اقتضيت منها من ثمنه شيئًا، ثمّ يأخذه» (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٧)، النوادر والزيادات [٧/ ٣٢٩]، الجامع لابن يونس [١٦/ ٣٣٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٧)، النوادر والزيادات [٩/ ١٠٤]، منتخب الأحكام [١/ ١٦٧]، البيان والتحصيل [٨/ ١٠٦].
[ ٢ / ٤٨٩ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان قد نَقَدَ الثمن فقد قَوِيَ سبب المرأة مع إقرار الزوج أنّه اشترى لها أو اكترى لها، فصُدِّقَت عليه في أَنَّهَا قد أعطته الثمن أو الكراء.
وإن لم ينقد لم يقبل قولها؛ لأنّها لم تقو ببيِّنتها بدفع الزوج ذلك إلى من هو له، فكان القول قوله مع يمينه؛ لأنَّ اليمين في الأصل جُعِلت على أقوى المتداعيين سببًا، وجُعلت البيّنة على أضعفهما سببًا في الدعوى، والله أعلم.
•••
[١٣٧٣] مسألة: قال: ومن كتب على رجلٍ ذِكْرَ حَقٍّ (^١)، وشَرَطَ: «أنّه إن جاء بِذِكْرِ الحَقِّ فهو براءته»، فجاء به، فادَّعى أنّه سرقه، فإنّه يحلف ويبرأ، وذلك مما يجوز بين النّاس إذا جاء بذكر الحق (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأغلب من النّاس والجاري في عُرْفِهم أنهم يدفعون ذِكْرَ الحقِّ والوثيقة به إلى من عليه الحق عند دفعه ذلك إلى صاحبه، فإذا جاء به الذي عليه الحق برئ منه مع يمينه؛ للشرط الذي شرطه صاحب الحق وألزم نفسه، وهو مجيء الذي عليه الحق به، فكان القول قوله مع يمينه أنّه قد برئ من الحق بإلزام ربّ الحق نفسه ذلك، مع ما ذكرناه من عرف الناس.
ولم يقبل قول ربّ الحق إن ادَّعى: أنَّ الذي عليه الحق سرق منه ذكر الحق
_________________
(١) تقدَّم تعريف ذكر الحق، وهو أنّه الصك، وينظر: لسان العرب [٤/ ٣١٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٧)، النوادر والزيادات [٩/ ٣٨٠]، البيان والتحصيل [١٠/ ٣٥٣].
[ ٢ / ٤٩٠ ]
أو ضاع منه؛ لأنَّ هذا ليس هو الأغلب من الناس؛ ولأنه قد ألزم نفسه براءة الذي عليه الحق من الحق متى جاء بذكر الحق مع جواز السرقة والضياع فيه، فهو ألزم نفسه ذلك، فلزمه ذلك.
•••
[١٣٧٤] مسألة: قال: وإذا تحاسب الشريكان، وكتب أحدهما لصاحبه البراءة من آخر حقٍّ له قِبَله، ثمّ جاء يدَّعي حقًا لم يقع في أصل البراءة اسمه، فادَّعى الشريك أنّه قد دخل هو وغيره في البراءة، فيحلف بالله: «لقد دخل في حسابنا»، ثمّ يبرأ منه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البراءة قد وقعت جملةً للمبرأ وثبتت له، فدخل فيها كلّ حقٍّ للمبرِّي على المُبَرَّأ؛ لأنَّ البراءة قد عمَّت ذلك كله، إلّا أن يدَّعي حقًا بتاريخٍ متأخِّرٍ عن تاريخ البراءة فيكون ذلك له؛ لأنّه قد عُلِمَ أنَّ ذلك لم يدخل في البراءة، فأمّا ما كان قبل البراءة فقد دخل بالظاهر في البراءة، فالقول قول المبرأ مع يمينه؛ لقوة سببه.
•••
[١٣٧٥] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ حقٌّ بِرَهْنٍ، وحقٌّ بغير رهنٍ، فاقتضى بعض حقه، فقال الراهن: «قضيتك الحق الذي في الرهن»، وقال
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٧)، البيان والتحصيل [١٠/ ٣٥٤].
[ ٢ / ٤٩١ ]
المرتهن: «بل قضيتني مِنَ الذي ليس برهنٍ»، فيُقْسَمُ ذلك الذي قُضِيَ بين الحقين جميعًا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنهما قد استويا في الدَّعوى، فاحتُمِلَ ما قال كلّ واحدٍ منهما، وليس لأحدهما على الآخر سببٌ يُقَوِّي قوله، فكان ذلك كالمدَّعِيينِ شيئًا في أيديهما، أنَّ ذلك بينهما.
وكذلك إن أقاما بيِّنَةً وكان الشّيء في أيديهما، أو لم يكن في أيديهما، فهو بينهما بعد أيمانهما؛ لاستوائهما في الحُجَّة، فكذلك يجب أن يكون ما قضاه من المال، بين الحق الذي بالرهن والحق الذي بغير رهنٍ؛ لأنّه ليس هاهنا شيءٌ يسند قول أحدهما (^٢).
•••
[١٣٧٦] مسألة: قال: ومن قضى رجلًا حقًا عليه، فمات فطلب ورثته الحق، ولم يكن له بيِّنةٌ على الدفع، فيحلف الورثة: «ما علمناه اقتضى».
ويأخذ الصغير حقه بغير يمينٍ، ولا يمين عليه إذا كبر؛ لأنَّه ممن يُعْلَمُ أنّه لم يُحِط بذلك علمًا (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حق الميت ثابتٌ على الذي هو عليه، فلورثته أَخْذُ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ١٣٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٠٤].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٩/ ١٠٥]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٨٨)، المدونة [٤/ ٦]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٦٧].
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ذلك ممن هو عليه؛ لأنهم قد ورثوه عنه، فإن ادَّعى أنّه دفع ذلك إلى صاحب الحق كانت عليه البيِّنة، لأنّه يدَّعي خروجه منه، وَإِلّا حلف ورثته بالله ما يعلمون أنّه خرج منه، ثمّ يكون لهم.
ولا يحلف الصغير إذا بلغ؛ لأنّه ممن يُعْلم أنّه لم يكن عَلِمَ قضاء ذلك.
وقد يجوز أن يقال: إنه يحلف؛ لأنّه يعلم ذلك بالخبر، وهذا أقيس (^١).
•••
[١٣٧٧] مسألة: قال: وإذا وُهِبَتْ مملوكةٌ متاعًا، ذكرت أنَّ رجلًا أمرها برهنه، وأنكر ذلك السيد، وقال: «المتاع متاعي»:
(فإن أقام الذي ذكرت الجارية أنَّ المتاع له، فعليه البيِّنة.
(وَإِلّا كان للسيد مع يمينه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما في يد العبد:
إما أن يكون هو من مال سيده، فلا يقبل قول العبد والأمة: إنَّ ذلك لغير السيد.
أو يكون ذلك للعبد والأمة، فللسيد فيه حقٌّ.
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٦٨]، هذا الشرح عن الأبهري، وفيه الزيادة التالية: «كما يحلف مع الشّاهد في إثبات حقٍّ لأبيه، وكما يردّ بالعيب إذا وقف عليه، ولا فرق بين النّفي والإثبات في أنّه يعلم ذلك بالخبر».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٨)، المدونة [٤/ ٤٤٦ و٥٤٧].
[ ٢ / ٤٩٣ ]
ألا ترى: أنَّ له انتزاع ذلك من أيديهما، وأنه ليس لهما التّصرُّف فيه بعتقٍ وهبةٍ وصدقةٍ إلّا بإذن السيد.
فلا يقبل قولهما: «إنَّ ذلك لأجنبيٍ»؛ لأنَّ ذلك إقرارٌ منهما على سيدهما، إلّا أن تقوم لمدَّعي ذلك بيِّنةٌ، وَإِلّا حلف السيد أنَّ ذلك ليس له؛ لأنَّ البيّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر.
•••
[١٣٧٨] مسألة: قال: ومن أسلف رجلًا سلفًا برهنٍ ووضعه على يدي رجلٍ، وحمل له ما نقص من رهنه (^١)، وأسلف سلفًا آخر برهنٍ ووضعه على يدي الأول (^٢)، فحل أجلهم، فقضاه بعض حقِّه (^٣) وزعم أنّه قد أعلمه عند القضاء أنَّ الذي قضاه من الحق الذي بالرهن المتحمل به، فأنكر ذلك الرّجل وقال: «بل من الآخر»، فيُقتسَم الذي اقْتُضِيَ بينهما بالحصص (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه يحتمل أن يكون القول كما قاله الذي عليه الحق، ويحتمل أن يكون كما قاله الذي له الحق، وليس هاهنا شيءٌ يُقَوِّي قول أحدهما،
_________________
(١) يعني: أنَّ الذي وضع المال على يديه، ضمن للرجل ما نقص من الرهن، كما في النوادر والزيادات [١٠/ ٢٣٩].
(٢) في النوادر والزيادات [١٠/ ٢٣٩]، من غير رواية ابن عبد الحكم: «بلا حمالة».
(٣) أي: أن الحميل قضى المرتهن بعض حقه.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٨٨)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ١٠٤]، النوادر والزيادات [١٠/ ١٣٨ و٢٣٩]، البيان والتحصيل [١١/ ٢٦].
[ ٢ / ٤٩٤ ]
فوجب أن يكون ما قضاه من الحق الذي برهنٍ والحق الذي ليس برهنٍ (^١) على ما ذكرناه فيما تقدَّم.
•••
[١٣٧٩] مسألة: قال: ومن ابتاع حائطًا فاسْتُحِقَّ نصفه، فهو (^٢) بالخيار، إن أحب أن يرده ويأخذ ماله، وإن أحب، أخذ نصف الثمن وحبس نصف الحائط (^٣).
• إنّما قال: «إنَّ المبتاع بالخيار فيما ذكره»؛ لأنّه متعدَّى عليه مَغْرورٌ (^٤)، وقد جُعِل المُتَعَدَّى عليه مُخَيرًا، إن شاء أخذ حقه، وإن شاء ترك.
من ذلك المجني عليه، جُعِلَ له أن يعفو، أو يقتص، أو يأخذ أرش الجناية إذا بُذِلَ له ذلك.
وكذلك المبتاع، له أن يرُدَّ ما اشتراه إذا اسْتُحِقَّ من يده شيءٌ كبيرٌ؛ لأنّه خرج على خلاف غرضه؛ لأنَّ غرضه كان فيه كله، أو في أكثره، وذلك كما لو وجد فيه عيبًا، كان له رده أو إمساكه؛ لأنَّ الحُجَّة له في ذلك لا للبائع، فكذلك
_________________
(١) ليس في كلام ابن عبد الحكم أن أحد الحقين بدون رهن، وإنما المراد بدون حمالة، والله أعلم.
(٢) هذه الصفحة مكررة في.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٨٨)، النوادر والزيادات [٦/ ٣١٠].
(٤) قوله: «مَغْرورٌ»، المَغْرور هو المخدوعُ، ينظر: التعريفات الفقهية للبركتي، ص (٢١٢).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
إذا استُحِقَّ من يده شيءٌ كبيرٌ، كان له ردُّ ما بقي وأخذ الثمن، أو الإمساك وأخذ ثمن ما استُحِقَّ من يده.
وإن كان الذي استُحِقَّ من يده شيئًا يسيرًا، لم يكن له رد ما لم يُسْتَحَق؛ لأنَّ غرضه في المبيع قائمٌ، وله أن يرجع بمقدار ما استُحِقَّ من يده من الثمن.
وكذلك الحكم إذا وجد عيبًا، مثله سواءٌ، وقد ذكرناه في البيوع.
•••
[١٣٨٠] مسألة: قال: ومن انتَهَبَ صُرَّةً من رجلٍ فاستهلكها، ثمّ اختلفا في العدة، فاليمين على المنتهب (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المنتهب مُدَّعَى عليه لِمَا يذكر صاحب المال من الزيادة، وهو منكِرٌ لها، فعلى صاحب المال البيِّنة على ما يدَّعيه، وعلى المنتهب اليمين؛ لأنّه منكِرٌ، والبينة على المدعي واليمين على المنكِر.
•••
[١٣٨١] مسألة: قال: ومن كان من المدينة على ليالٍ، فلا يُجْلَب إلى المدينة ليحلف على المنبر، وليحلف هو بمكانه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في حمله إلى المدينة من البعد ضررًا عليه، ولو جاز
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٨)، النوادر والزيادات [٦/ ١٦٧ و١٠/ ٣٥٧]، الجامع لابن يونس [١٨/ ٢٩٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٨)، المدونة [٤/ ٦]، النوادر والزيادات [١٤/ ١٨٥]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٣].
[ ٢ / ٤٩٦ ]
ذلك، لجاز أن يُحمل من البلاد البعيدة، وإنما يُحمل إلى المدينة مَنْ قَرُبَ منها من أعمالها وأعراضها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: وَإِنْ كَانَ يَسِيرًَا؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ سِوَاكًَا مِنْ أَرَاكٍ» (^١).
فيُجْلَبُ مَنْ قَرُبَ من المدينة إلى المنبر ومن كان بالمدينة؛ ليرتدع ويتهيَّب أن يحلف غير (^٢) صادِقٍ إذا علم ما تواعده به رسول الله ﷺ (^٣).
•••
[١٣٨٢] مسألة: قال: ومن تزوج امرأةً، فدُخُوله براءةٌ من الصداق العاجل، ومن الآجل الذي قد حلَّ قبل دخوله.
وما حلَّ عليه بعد دخوله عليها، فالبراءة عليه، وَإِلّا غرم (^٤).
• إنّما قال: «إنَّ الدخول بَرَاءَةٌ من الصداق»، يعني: بالمدينة؛ لأنَّ عُرْفَ النّاس قد جرى عندهم بتقدمة الصداق قبل الدخول بالمرأة، هذا هو الغالب عندهم والمعروف منهم، فوجب حملهم على عرفهم وعادتهم الجارية بينهم إذا اختلفوا، كما وجب حمل المتبايعين في النقد إذا اختلفوا على عرف بلدهم، وكذلك في الحمولة والزاد والسير، وغير ذلك من الأمور إذا وقع الخلاف بين المتداعيين، أنّه يُرجع إلى عرف بلدهم الذي هما فيه، فيكون القول قول مدَّعي
_________________
(١) أخرجه مالك [٤/ ١٠٥٢]، وأبو داود [٤/ ٧٤]، وهو في التحفة [٢/ ٢١٣].
(٢) هذه الصفحة مكررة في.
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٨٨)، وقد تقدَّمت هذه المسألة برقم ٧٨٥.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
العرف فيه دون من خرج عن العرف؛ لأنَّ قوله نادرٌ والنادر لا يحكم به؛ لأنّه ليس هو الأصل المعروف.
والسنَّة عند أهل المدينة تَقْدُمة الصداق قبل الدخول، وكذلك فعل علي بن أبي طالب ﵁ ذلك، قَدَّمَ صداق فاطمة ﵍ قبل دخوله بها، وبذلك أمره النبيُّ ﷺ حين قال له: «أَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ» (^١)، الحديث.
فأمّا إذا كان ببلدٍ لم يجر عرفهم بتقدمة الصداق قبل الدخول، فادَّعى ذلك الزوج، لم يقبل منه، وكانت عليه البيّنة على ما يدعيه، وَإِلّا حلفت المرأة أنّه لم يعطها الصداق، ثمّ يكون لها ذلك؛ لأنَّ قولها أقوى وقوله أضعف؛ لأنّه يخرج عن العرف الجاري في بلده.
وكذلك إذا كان بلدًا يُقَدَّمُ فيه بعض الصداق ويُؤَخر بعضه، أو يُقَدِّمُ بعض النّاس ويُؤَخِّرُ بعضهم، رُجِع في ذلك إلى الأغلب من حال البلد وعُرْفِ النّاس فيه، فيُحْمَل المتداعيان عليه.
فعلى هذا قول مالكٍ: «إنَّ الدخول براءةٌ من الصداق إذا كان قد حلَّ قبل الدخول».
فأمّا إذا حلَّ بعد الدخول فعليه البيِّنة على الدفع؛ لأنّه معلومٌ أنَّ ذلك كان عليه بعد الدخول، فلا يخرج منه إلّا ببيِّنةٍ على الدفع، أو إقرار المرأة بذلك.
فكذلك إذا كان لها عليه كتابٌ بالصداق، فقال: «قد دفعته قبل الدخول»، لم
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٩]، والنسائي في الكبرى [٥/ ٢٤٢]، وهو في التحفة [٥/ ١١٤].
[ ٢ / ٤٩٨ ]
يقبل منه ذلك؛ لأنَّ مع المرأة حُجَّةً هي أقوى من دخوله بها؛ ولأنَّ تركه الكتاب معها بعد دفع الصداق على ما يذكر دلالةٌ على بطلان قوله، فعلى هذا أصل قول مالكٍ في الصداق، وأنَّ الزوج يبرأ بالدخول.
وقال إسماعيل بن إسحاق: «لم يذهب على مالكٍ ولا على من دونه، أنَّ الزوج مُقِرٌّ بالصداق مُدَّعٍ للدفع، فعليه البيِّنة؛ لأنَّ هذا لا يذهب على أهل العلم ومن منزلته فيه قليلةٌ، فضلًا عن مالكٍ وأصحابه، ولكنهم نزَّلُوا الأمور منازلها، وردوا الأمور إلى أصولها، كما يفعل ذلك غيره من العلماء في أشياء إذا وقع التداعي فيها، أنهم يَرْجِعُون إلى أقوى المتداعيين سببًا، فيكون القول قوله مع يمينه، من ذلك ما ذكرناه من غيره يكثر ذكرها.
وما قال مالك في الصداق، فهو قول الفقهاء السبعة، وقول غيرهم من التابعين.
•••
[١٣٨٣] مسألة: قال: ولا يحلف الرّجل للرجل، إلّا أن تكون بينهما مخالطةٌ فيحلف.
فإن نكل ورَدَّ اليمين، حلف الطالب (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ اليمين يثقل أمرها على أكثر الناس، وخاصةً أهل الدِّين منهم، وكذلك التقدمة إلى الحكام، فلو مُكِّنَ النّاس من ذلك، لادَّعَى كلّ إنسانٍ على
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: الموطأ [٤/ ١٠٥١]، المدونة [٤/ ٢٧٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٥٨].
[ ٢ / ٤٩٩ ]
من يريد ممن بينه وبينه شيءٌ، فجَرَّهُ إلى الحاكم واستحلفه وابتذله وامتهنه، وفي ذلك ضررٌ على الناس، فوجب أن يستعلم الحاكم، هل بينهما مخالطة، أو يليق بالمدَّعى عليه ما ادَّعاه المدَّعي، فإن لم تكن بينهما مخالطةٌ ولم يلق بالمدِّعي ما ادَّعاه، لم تُسمع الدعوى؛ لأنَّ المُدَّعِي في الأغلب غير مُحقٍّ في دعواه.
وقد رُوِّينَا عن حسين بن عبد الله بن ضمرة (^١)، عن أبيه (^٢)، عن جده (^٣)، عن علي ﵇ قال: «اليمين مع الشّاهد» (^٤).
فإن لم تكن بيِّنةٌ، فاليمين على المُدَّعَى عليه إذا كان قد خالطه، فإن نكل حلف المدَّعِي.
وهو قول عمر بن عبد العزيز، رواه مالك، عن جميل بن عبد الرحمن (^٥)، عن عمر بن عبد العزيز (^٦).
_________________
(١) الحسين بن عبد الله بن ضميرة الحميري، مولى آل ذي يزن، كذبه مالك وأحمد وأبو حاتم وغيرهم وضعفوه، وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة. تعجيل المنفعة [١/ ٤٥٠].
(٢) عبد الله بن عمرو بن ضمرة، روى عن عبد الله بن أبي سليط، وعنه ابن إسحاق، مجهول. تعجيل المنفعة [١/ ٧٦٥].
(٣) ضميرة بن أبي ضميرة الضمري الليثي، من أهل المدينة، له صحبة. الثقات لابن حبان [٣/ ١٩٩].
(٤) أخرجه الدارقطني [٥/ ٣٨١]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢٠/ ٥٥١].
(٥) جميل بن عبد الرحمن المؤذن المدني، سمع سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، روى عنه مالك. تعجيل المنفعة [١/ ٣٩٦].
(٦) أخرجه مالك [٤/ ١٠٥٠].
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وهو قول السبعة الفقهاء (^١)، أنهم لا يستحلفون الا من كانت بينه وبين المدَّعي خلطةٌ، فإذا كانت خلطةٌ استُحْلِفَ، فإن حلف برئ، وإن لم يحلف، حلف المدَّعي واستحق ما ادَّعى؛ لأنَّ المدَّعي قد اجتمع له أمران، نكول المُدَّعَى عليه ويمينه، فوجب أن يُحكَم بذلك، ولم يجز أن يُحْكَم بنكول المدَّعَى عليه وحده، إذ ليس في الأصول ثبوت حقٍّ بسببٍ واحدٍ على الانفراد، على ما ذكرناه فيما تقدَّم (^٢).
•••
[١٣٨٤] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ ذِكْرُ حقٍّ وهو آخر ما عليه، ثمّ مات الرّجل فوُجِدَ في كتبه: «قبضْتُ من فلانٍ كذا وكذا دينارًا»، فقال الغريم: «قد قضيته بعد هذا الذكر الحق»، فعلى الورثة اليمين: «ما علمناه اقتضى بعد هذا الكتاب»، ويُحَقُّوا حقوقهم.
ولا يلزم الغريم شيءٌ مما في كتب الميت قد ذكره عليه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحق قد ثبت على الغريم، فلا يقبل قوله فيما يدعيه من القضاء.
وعلى الورثة أن يحلفوا ما يعلمون صاحبهم اقتضى شيئًا؛ لأنَّ صاحبهم لو كان حيًا كان ذلك عليه.
_________________
(١) ينظر: المنتقى للباجي [٥/ ٢٢٤].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٥٨]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: البيان والتحصيل [١٠/ ٣٦٠].
[ ٢ / ٥٠١ ]
وقوله: «لا يلزم الغريم شيءٌ مما في كتب الميت قد ذكره عليه»؛ فلأنَّ النّاس لا يلزمهم الحق بقول غيرهم عليهم أو كتابة غيرهم عليهم، حتى تقوم عليهم بينةٌ على أخذهم الشّيء أو إقرارهم به.
وكذلك لا يجوز الحكم على خط الانسان إذا أتى به المدعي وإن قامت له البيّنة على ذلك؛ لأنَّ الخط يُعْمَلُ على الخط ويُشَبَّهُ به.
وهذا آخر قول مالك الذي استقر عليه، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الشهادات.
•••
[١٣٨٥] مسألة: قال: ومن أتاه غَسَّالٌ بثوبٍ، فأنكر أن يكون ثوبه، فالغسال يحلف ويبرأ، فإن نكل حلف ربُّ الثوب: «ما هذا ثوبي وأنَّ قيمته لكذا وكذا»، ثمّ يحقُّ ذلك له (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغسال مُؤتمنٌ على عين الثوب الذي دُفِعَ إليه، وكذلك كلّ صانعٍ، أعني: إذا وقع الخلاف بينه وبين ربّ الشيء، في عين الشّيء المدفوع إليه لا في تلفه، فإنَّ القول قول الصانع في ذلك؛ لأنّ ربه قد ائتمنه على عينه مع يمينه.
فإن نكل حلف ربّ الشّيء واستحق ما يدَّعيه؛ لأنَّ الغسال بامتناعه من اليمين قد اتهم نفسه، وضَعَّفَ أمانته، وقَوَّى سبب ربّ الشيء، فوجب أن يحكم له بيمينه مع نكول الصانع، ثمّ يستحق ما يدَّعيه.
•••
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: النوادر والزيادات [٧/ ٨٢].
[ ٢ / ٥٠٢ ]
[١٣٨٦] مسألة: قال: ومن قامت عليه بينةٌ أنّه أخذ لرجلٍ ثوبًا، وأنكر ذلك، فليُجعل من وسط الثياب، ويحلف المدَّعى عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشهود عليه قد لزمه ثوبٌ ما بقيام الشّهادة عليه، كما لو أقر بثوبٍ ما.
ثم يُرْجَع في ذلك إلى الوسط من الثياب بأهل البلد الذي هم فيه.
ويكون القول قول المُدَّعَى عليه مع يمينه؛ لأنَّ ما زاد على ذلك لم تَقُم به بينةٌ ولا ثبت بإقرارٌ، فالذي يذكر أكثر منه مدَّعٍ، فعليه البينة.
•••
[١٣٨٧] مسألة: قال: وإذا جحد الرّجل أنَّ عليه حقًا، فأقيمت عليه البينة، فقال: «عندي البيّنة أني قضيته»، قال: «لا يجوز ذلك» (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أمر هذا يُحْمَل على العنت ورفع ما قد ثبت عليه من الحق ووجب عليه ببينةٍ؛ لأنّه غير ثقةٍ فيما يدّعي من القضاء، كما كان غير ثقةٍ في جحوده الحق.
•••
[١٣٨٨] مسألة: قال: ومن أسلف رجلًا ذهبًا، وأمره بقبضها من صرّافٍ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٨)، النوادر والزيادات [٨/ ٣٦٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٩)، النوادر والزيادات [٩/ ٩٨]، البيان والتحصيل [٨/ ١١٤].
[ ٢ / ٥٠٣ ]
فقبضها، فلمّا تقاضاه ذلك، قال: «قد دفعتها إلى الصراف وحسبته وكيلك»، فإنَّ ذلك عليه يلزمه.
ولا يحلف الصراف له إن جحده إذا لم يكن مُتَّهمًا، فإن اتُّهِم حلف (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي عليه الذهب قد أخطأ في قضائه ما عليه من القرض للصراف إذا لم يُوَكِّلُهُ الذي له الحق بذلك، فكان عليه دفع ذلك إلى صاحبه.
•••
[١٣٨٩] مسألة: قال: ومن كانت له على رجلٍ دنانير، فزعم أنّه قد قضاه، فإنّه يحلف: ما اقتضى حقه ويأخذ، فإن نكل، حلف المطلوب (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحق قد وجب على الذي عليه بإقراره أو بيِّنَةٍ، وادَّعى أنّه قد قضى ذلك وخرج منه، فلا يقبل قوله إلّا ببينةٍ على ما يذكره، وَإِلّا حلف صاحب الحق ما اقتضى شيئًا وأخذ حقه، فإن نكل حلف المطلوب، وسقط عنه الحق بنكول الذي يدَّعي الحق مع يمين الذي ادُّعي عليه.
•••
[١٣٩٠] مسألة: قال: ومن وهب هبةً، ثمّ طلب ثوابها، فقال: «قد أثبتك»، فعليه البينة، وَإِلّا حلف الواهب وإن لم يكن يشهد على الهبة.
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: النوادر والزيادات [٧/ ٢٣١ و٨/ ١٤٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٩)، المختصر الصغير، ص (٦٥٣)، النوادر والزيادات [٨/ ١٥٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٦٧].
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وهي مثل البيع، يقول: «بعتك هذا الثوب»، فيقول: «نعم وقد أوفيتك»، فعليه البيّنة وإن لم يكن على أصله البينة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الموهوب له مقرٌّ بالهبة، مُدَّعٍ أنّه قد أثاب منها، فعليه البيّنة على ما يدّعي من ذلك، وَإِلّا حلف الواهب ما أثابه وكان له الثواب من هبته، وذلك قيمتها.
وذلك مثل البيع والشراء وسائر الحقوق إذا ذكر الذي عليه الحق أنّه قد خرج منها، وأنكر ذلك الذي له الحق، فعليه البيّنة وَإِلّا حلف صاحب الحق ما اقتضى ما ذكره ويستحق حقه.
•••
[١٣٩١] مسألة: قال: ومن وهب لرجلٍ شاتين، ثمّ أقام أربعة أشهرٍ، ثمّ جاء يطلب الثواب، فيحلف ما أثابه، ويكون مثل البيع (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الموهوب له مدعٍ أنّه قد أثاب صاحب الهبة وهو الواهب، وينكر ذلك الواهب، فعلى المدَّعي البيّنة وعلى المنكِر اليمين.
•••
[١٣٩٢] مسألة: قال: ومن كانت له على رجلٍ مئة دينارٍ، فاقتضاها حتى بقيت له عشرون دينارًا، فكتب بها عليه كتابًا وأُرِّخَتِ البينة، ثمّ تقاضاه العشرين
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٩)، البيان والتحصيل [١٣/ ٤١٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٨٩)، البيان والتحصيل [١٣/ ٤١٢].
[ ٢ / ٥٠٥ ]
فأخرج عليه براءةً بعشرة دنانير ليست بمؤرخةٍ ولا منسوبةٍ إلى شيءٍ، فقال: «هي من العشرين»، وقال: «بل هي من المئة»، فإن كانت بينَةٌ تشهد أَنَّهَا كانت له عليه مئة، أحلف بالله «ما هذه البراءة من العشرين» وأُخِذت (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي عليه الحق يدَّعي أنّه قد برئ أيضًا من عشرة باقيةٍ عليه بعد البراءة؛ لأنَّ الباقية عشرون بعد البراءة، فالقول قول صاحب الحق؛ لأنَّ حقه قد ثبت ببينةٍ، والذي عليه الحق مدَّعٍ لدفع ذلك إليه وخروجه منه، فلا يقبل ذلك منه بغير بينةٍ، وَإِلّا حلف صاحب الحق ما اقتضى منه ما يقول.
•••
[١٣٩٣] مسألة: قال: ومن اشترى زبيبًا بدينارٍ، فبعث (^٢) معه رسولًا يدفعه إليه، فجحد الرسولَ (^٣)، فإنَّ الرسول يحلف ويبرأ، إلّا أن يكون صغيرًا لا يحلف مثله، فيحلف البائع ما وصل إلي ولا علمته أعطاه، ثمّ يأخذه.
فإن أقرَّ الرسول وكان من الرسل الذين لا يجوز إقرارهم، فعلى المعطي البينة، وَإِلّا غرم الدينار (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٨٩)، النوادر والزيادات [٩/ ٩٠]، البيان والتحصيل [١٥/ ٢٩٣].
(٢) يعني: أن البائع أرسل رسولًا ليدفع المشتري الثمن إليه، كما في النوادر والزيادات [٧/ ٢٣٣].
(٣) في النوادر والزيادات [٧/ ٢٣٣]: «فأنكر البائع أن يكون الرسولُ أوصل إليه شيئًا».
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٨٩)، النوادر والزيادات [٧/ ٢٣٣].
[ ٢ / ٥٠٦ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه كان يجب على المشتري أن لا يعطي الرسول الدينار بغير بيِّنةٍ، فإذا لم يُشْهِد عليه فقد أتلف على نفسه الدينار، وحق البائع باقٍ عليه.
وعلى الرسول اليمين للدافع أنّه لم يدفع إليه ويبرأ؛ لأنّه مؤتمنٌ، فالقول قوله مع يمينه.
فإن كان صغيرًا مثله لا يحلف ولا يجوز إقراره، لم يكن عليه شيءٌ وإن أقرَّ؛ لأنَّ صاحب الدينار، وهو المعطي، ضيَّع ديناره بدفعه إلى من لا يُدفع إلى مثله.
•••
[١٣٩٤] مسألة: قال: ومن أُمِر أن يدفع إلى رسولٍ، فليُشْهد عليه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ ليحفظ ماله ويتوثق له وللآمر بالدفع، وقد قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦]، فأمر من في يده المال أن يدفع إلى من يجوز له دفعه إليه ببيِّنَةٍ؛ ليبرأ بالدفع، فإن لم يُشْهِد لم يُقْبل قوله على ما يذكره من الدفع.
•••
[١٣٩٥] مسألة: قال: ومن ابتاع طعامًا فحُمِل إليه وخَلَطَه بغيره، ثمّ إنَّ البائع فقد طعامًا من طعامه، فأتاه فقال: «انظر (^٢) أن يكون الحمالون حملوا إليك شيئًا من قمحي»، فكاله فوجده يزيد غِرَارَةً فردَّها عليه، فأراد أن يستحلفه الذي ذهب قمحه، فعليه أن يحلف، فإن أبى أن يحلف، غرمه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٠).
(٢) قوله: «انظر»، كذا في شب، وفي المطبوع: «أتظن».
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ولا يمين (^١) على الآخر؛ لأنّه لا يدري وصل إليه أم لم يصل، فلا يحلف على ما لا علم له به؛ لأنَّ الحمالين تولَّوا حمله (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ سبب البائع قوِيَ بوجود الزيادة عند المبتاع، فكان له أن يستحلفه، فإن نكل غرم المبتاع بالنكول مع قوة السبب.
والبائع لا يحلف؛ لجواز أن يكون قد وصل إليه ما لا يدري، هذا الاحتياط لا الحكم.
فإن حلف المبتاع سقط عنه الغرم.
وإنما لم يحلف البائع؛ لأنّه لا يدري هل وصل ما افتقده من الطعام إلى المشتري أم لا، فليس يجوز أن يحلفه على ما لا يعلمه.
•••
[١٣٩٦] قال: ومن ترك دينًا وترك فضلًا فيه عشرة، فكفَّنه الورثة بخمسةٍ، وأبت المرأة أن تجيز، وادَّعَوا أَنَّهَا أذنت ورضيت، فلا يمين لهم عليها، ويُقَوَّم ويُنْظَر في ذلك (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الورثة فعلوا ما لم يجز لهم من تكفين الميت بسَرَفٍ
_________________
(١) قوله: «يمين»، كذا في شب، وفي المطبوع: «شيء».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٠)، النوادر والزيادات [٨/ ١٦٦]، منتخب الأحكام [١/ ١٠٦]، البيان والتحصيل [٧/ ٣٤٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٩٠)، النوادر والزيادات [٨/ ١٥١].
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وهو بنصف ما فضل عن الدَّين، وذلك غير جائزٍ، فعليهم غُرم ما زاد على كفن مثله للمرأة بقدر ما يخصها من ذلك.
ولا يمين عليها أَنَّهَا ما رضيت بذلك؛ لأنّها في الأصل غير راضيةٍ، وعليهم بيانه.
وقد يحتمل أن يكون مالكٌ قال هذا في امرأةٍ بعينها سُئل عنها، كانت مأمونةً عنده في قولها إنها لم ترض، فرأى أن لا تُستحلف، فأمّا غيرها إذا وقع مثل هذا فإنها تُستحلف، وهو القياس؛ لأنّها مُدَّعى عليها، وعلى المُدَّعَى عليه اليمين إذا أنكر ولم يكن للمدعي بيِّنَةٌ، كما قال رسول الله ﷺ.
•••
[١٣٩٧] مسألة: قال: ولا يحلف أحدٌ عند منبر النبيِّ ﷺ في أقل من ربع دينارٍ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ربع دينارٍ هو أقل مالٍ ثبتت له حرمةٌ في استباحة يد السارق، وكذلك يستباح به البُضْعُ على وجه النكاح، لا بأقل منه؛ فلهذا المعنى جاز أن يُستحلف الإنسان عند المنبر على هذا المقدار، فأمّا في دون ذلك فلا يُستحلف لقلَّته، ولا خلاف في ذلك نعلمه (^٢)؛ لأنَّ أهل العلم على قولين:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٠)، المختصر الصغير، ص (٦٥٤)، الموطأ [٤/ ١٠٥٤]، المدونة [٤/ ٥]، موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٨١)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٥٨)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٦١].
(٢) إلى هذا الموضع من شرح المسألة، نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٦٤]، عن الأبهري.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
منهم من لم يَرَ اليمين عنده على القليل والكثير.
ومنهم من رأى أن يُستحلف على مقدارٍ ما، وهو ربع دينارٍ، على قول مالكٍ وأهل المدينة.
ومنهم من رأى أكثر من ذلك، وهو عشرون دينارًا أو مئتا درهمٍ.
فأمّا أحدٌ يقول: إنه يحلف في أقل من ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم، فلا نعلمه قولًا لأحد.
•••
[١٣٩٨] مسألة: قال: وتحلف المرأة في المسجد، تخرج بالليل إن كانت ممن لا تخرج بالنهار (^١).
• إنّما قال ذلك؛ من قِبَل أنَّه لا فصل بين الرجال والنساء فيما يلزمهما من اليمين، فعليها أن تحلف عند المنبر، وتخرج ليلًا إن كانت لا تخرج نهارًا؛ لأنَّ ذلك أستر لها.
•••
[١٣٩٩] مسألة: قال: ولا بأس أن يفدي الرّجل يمينه (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٠)، المختصر الصغير، ص (٦٥٤)، المدونة [٤/ ٦]، موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٨٢)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٥٨)، النوادر والزيادات [٨/ ١٥٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٠)، المختصر الصغير، ص (٦٥٥)، موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٨٢)، النوادر والزيادات [٨/ ١٦٧].
[ ٢ / ٥١٠ ]
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «مَا وَقَى بِهِ المَرْءُ عِرْضَهُ، فَهُوَ صَدَقَةٌ» (^١)، رواه محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ.
فجاز لهذا المُدَّعَى عليه أن يزيل عن نفسه البذلة والمهنة بما يبذل من ماله، فلم يُمْنع منه، ولم يجز للمدَّعي أن يأخذ ذلك إذا كان غير مستحقٍّ.
ورَوَى القاسم بن عبد الرحمن (^٢): «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا أَتَى أَرْضَ الحَبَشَةِ، أُخِذَ فِي شَيْءٍ، فَأَعْطَى دِينَارَيْنِ حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ» (^٣).
ورَوَى هشيم، حدثنا حجاج، عن عطاء، عن عمرو (^٤)، عن جابر بن زيد والشعبي قالوا: (لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ إِذَا ظُلِمَ) (^٥).
وعن يونس عن الحسن مثله (^٦).
•••
[١٤٠٠] مسألة: قال: ويحلف النصراني في الكنيسة، ويحلف بالله ﷿ (^٧).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني [٣/ ٤٢٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢١/ ٢٠٥].
(٢) القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، ثقة عابد، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٧٩٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١١/ ٣١٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢٠/ ٤١٥].
(٤) قوله: «عن عمرو»، كذا في شب، وصوابه: «وعن عمرو»، كما في التخريج.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة [١١/ ٣١٤]، وحكاه ابن المنذر في الأوسط [٦/ ٦١٢].
(٦) ينظر: المرجع السابق.
(٧) المختصر الكبير، ص (٢٩٠)، المختصر الصغير، ص (٦٥٥)، المدونة [٤/ ٥ و٧]، موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٨٤)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٥٨)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٦٦]، النوادر والزيادات [٨/ ١٥٣].
[ ٢ / ٥١١ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنْ يرتدع الحالف ويمتنع من اليمين إن كان كاذبًا متى كان في موضع يُعَظِّمُهُ ويشَرِّفه.
وإن كان نصرانيًا، حلف في البيعة، وإن كان يهوديًا، ففي الكنيسة، وإن كان مسلمًا، ففي المسجد.
وقوله: «يحلف بالله»، فلأنَّ اليمين هي بالله تعالى أو بصفاته، فلا يجوز أن يستحلف حاكم المسلمين بغيرها، وقد قال النبيُّ ﷺ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًَا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ ﷿ أَوْ لِيَصْمُتْ» (^١).
•••
[١٤٠١] مسألة: قال: ولا يُحْلَفُ عند مِنْبَرٍ، إلّا منبر رسول الله ﷺ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ منبر رسول الله ﷺ له من الحرمة والتعظيم ما ليس لغيره، فاستُحلِفَ الإنسان عنده؛ ليرتدع عن الظلم ويمتنع أن يحلف إن كان كاذبًا عنده، وليس كذلك سائر المنابر؛ لأنّه لا حرمة لها كحرمة منبر رسول الله ﷺ، وقد قال النبيُّ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٨٨٩، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٦٧]، هذا التعليل عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٠)، المختصر الصغير، ص (٦٥٦)، المدونة [٤/ ٥]، موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٨٢)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٦١].
[ ٢ / ٥١٢ ]
النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًَا يَسِيرًَا؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَلَى سِوَاكٍ مِنْ أَرَاكٍ» (^١).
•••
[١٤٠٢] مسألة: قال: ويُحْلَف في مساجد المدائن، وتُغلظ الأيمان في الدماء واللعان في دبر الصلاة (^٢).
• إنّما قال ذلك كله؛ لأنْ يرتدع الحالف عن اليمين على غير حقٍّ، وليعترف بالحق إذا ادُّعِي عليه؛ لأنَّ من شأن أهل الدِّين من أي دِينٍ كان، أن يتخوَّف ويرتدع في الأوقات الشريفة والمواضع المعظمة، هذا هو الغالب من أمر أهل الدِّين، فلهذا أوجب أن يُستحلفوا في المواضع التي يعظمونها والأوقات التي يشرفونها، وخاصَّة في الدماء واللِّعان.
ويكون ذلك في دُبر الصلاة؛ لأنَّ ذلك الوقت هو وقتٌ يجتمع فيه الناس، فلعله أن يرتدع عن اليمين على الكذب خيفة العقوبة وحياءً من الناس، وقد قال الله سبحانه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:١٠٦]، فأمر باستحلافهما بعد الصلاة (^٣).
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٣٨١، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٦٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٠)، المدونة [٤/ ٥]، مختصر أبي مصعب، ص (٤٥٨)، النوادر والزيادات [١٤/ ١٨٣]، البيان والتحصيل [٩/ ١٨٤].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٦٥]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٥١٣ ]
[١٤٠٣] مسألة: قال: ومن كان يقتضي دينه ويقتضيه أيضًا عبدُهُ، فإنَّ كلّ واحدٍ منهما إذا وجبت عليه اليمين، حلف على ما اقتضى وحده، ولم يحلف على ما اقتضى غيره (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحالف إنّما يحلف على ما يعلمه من فعله لا فعل غيره، فوجب أن يحلف كلّ واحدٍ من السيد والعبد على ما اقتضاه وحده؛ لأنَّ ذلك فعله دون فعل غيره الذي لا يعلمه حقًا فيحلفه عليه.
•••
[١٤٠٤] مسألة: قال: وإنما يحلف الحالف بالله الذي لا إله إلّا هو فقط (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ اليمين إنّما هي بالله ﷿، وهو أن يذكر الله ويوحِّده وينفي غيره، وذلك هو التوحيد، لا غير ذلك من ذكر صفاته؛ لأنّها تكثر، فوجب أن يقتصر على ذكر اسم الله ﷿ وأسمائه وحده دون غيره، من غير ذكر صفاته، والله أعلم (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، النوادر والزيادات [٨/ ١٦١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، المدونة [٤/ ٥]، النوادر والزيادات [٨/ ١٥٢]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٦١].
(٣) ينظر الاختلاف في اليمين بصفات الله عند المالكية، في التبصرة للخمي [٤/ ١٦٧٤]، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٦٢]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٥١٤ ]
قال أبو بكر: وقد كان النبيُّ ﷺ يحلف، يقول: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» (^١)، وما أشبه ذلك.
•••
[١٤٠٥] مسألة: قال: وربع الدينار الذي يحلف فيه عند المنبر: ثلاثة دراهمٍ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ثلاثة دراهمٍ لها حرمةٌ تُقْطَع يد السارق فيها، ويُتَزَوَّجُ عليها، فحرمتها كحرمة ربع دينارٍ.
ألا ترى: أنَّ عشرين دينارًا بمنزلة مئتي درهم في وجوب الزكاة فيها، فكذلك كلّ جزءٍ من مئتي درهمٍ بإزاء كلّ جزءٍ من عشرين دينارًا في الحرمة، والله أعلم.
•••
[١٤٠٦] مسألة: قال: ومن جحد رجلًا حقًا، فأراد أن يُحَلِّفَه: «ما أسلفتك شيئًا»، وأبى الآخر أن يحلف إلّا: «ما لك عندي شيءٌ»، فيحلف (^٣): «ما كان لك عندي حقٌّ وما الذي ادَّعيتَ عليَّ إلّا باطل (^٤)»، فإن أبى أن يحلف، حلف صاحب الحق (^٥).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٦٤٤)، مسلم [٢/ ١٢٣]، وهو في التحفة [١٠/ ١٩٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، الموطأ [٤/ ١٠٥٤]، النوادر والزيادات [٨/ ١٥٥].
(٣) قوله: «فيحلف»، كذا في شب، وفي المطبوع: «فحلف».
(٤) قوله: «إلّا باطل»، كذا في شب، وفي المطبوع: «ألّا يأكل»!
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، النوادر والزيادات [٨/ ١٥٨]، البيان والتحصيل [١٠/ ٣٩٤].
[ ٢ / ٥١٥ ]
• إنّما قال ذلك؛ لجواز أن يكون كان على المُدَّعَى عليه حقٌّ للمُدَّعِي فقضاه، فليس عليه أن يحلف ما أسلفه، ولكن يحلف: «مالك عندي حقٌّ، وما الذي ادَّعيته إلّا باطلٌ».
وفي الكتاب: «ما كان لك عندي حقٌّ» وأحسب «ما كان» غلطًا، وإنما هو: «ما لك عندي حقًا»، لجواز أن يكون كان له عنده حقٌّ فقضاه.
فإن امتنع المُدَّعَى عليه عن اليمين، حلف المُدَّعِي واستحق حقه بنكول المُدَّعَى عليه مع يمينه.
•••
[١٤٠٧] مسألة: قال: ومن كان لولده عنده مالٌ، فيموت ولده، فطالبت جدته بميراثها، فيقول: «قد أنفقْتُ عليه» - من أمورٍ سمَّاها: من رضاعٍ وغيره -:
(فإن كان مقلًا مأمونًا، لم يحلف.
(وإن كان مكثرًا، حلف؛ لأنَّ الآباء هم ينفقون على الأبناء.
فلا (^١) نرى لأحدٍ أن يُحَلِّفَ أباه (^٢).
• إنّما قال: «إنَّ قول الأب يقبل فيما يذكر من النفقة من مال ابنه»؛ لأنَّ الابن لا بد له من نفقةٍ ومؤنةٍ في قوته وكسوته وما يصلحه، فإذا أتى الأب بما يشبه، قُبِل قوله وعُلِم أنَّ ذلك من مال ابنه إذا كان الأب فقيرًا.
_________________
(١) قوله: «فلا»، كذا في شب، ولعلها: «ولا».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، النوادر والزيادات [٥/ ٦٩].
[ ٢ / ٥١٦ ]
وإن كان مكثرًا، كان ذلك من مال الأب؛ لأنَّ ظاهر نفقته عليه أنّه من ماله، والأصل كذلك، ولا يُعلم أنَّ ذلك قد أزاله عن نفسه، إلّا بأن يَظْهَر ذلك عند الحاكم، أو يُشْهَد على ذلك، فيكون ذلك له.
وقوله: «لا نرى لأحدٍ أن يُحَلِّفَ أباه»، فهذا هو على وجه الكراهة لا الواجب؛ لأنَّ استحلافه أباه مما يؤذيه به ويمتهنه بذلك، وذلك مكروهٌ للابن أن يفعل بأبيه؛ من أجل حقوق الأب على الابن، فأمّا الواجب فله ذلك؛ لأنّه لا فرق في الحقوق إذا وجبت للإنسان أنَّ له أنْ يأخذها، سواءٌ كان ذلك أباه أو غيره.
ألا ترى: أنّه لو داين أباه لكان له أخذ الدَّين منه.
ومالكٌ فيكره أيضًا حبس الابن لأبيه في حقٍّ يكون عليه (^١)، فأمّا الواجب فله أن يحبسه حتى يخرج من حقه، كما يحبس غيره، والله أعلم.
•••
[١٤٠٨] مسألة: قال: ويحلف النّاس في الأيمان قيامًا، ويحلفون في المسجد في أعظم مواضعه عند الناس (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حلفهم قيامًا أرهب لهم وأشهر، فلعلهم أن يرتدعوا عن اليمين إن كانوا غير محقين، وقال الله ﷿: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:١٠٦]، أراد، والله أعلم:
_________________
(١) ينظر: المدونة [٤/ ٤٩٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، النوادر والزيادات [١٤/ ١٨٣]، البيان والتحصيل [٩/ ١٨٤].
[ ٢ / ٥١٧ ]
أنهما يقومان مقام الأولين، ويشبه أن يكون ذلك في اليمين قائمًا، أو بدل الأولين، والله أعلم (^١).
وقوله: «يحلفون في المسجد، في أعظم مواضعه»، فذلك أيضًا ليرتدع الحالف أن يحلف على غير حقٍّ؛ لأنَّ من سبيل أهل الدِّين الارتداع عما لا يجوز في المواضع والأوقات الشريفة، على ما ذكرناه.
•••
[١٤٠٩] مسألة: قال: وإذا كان لقومٍ ربع دينارٍ بذكر حقٍّ واحدٍ، لم يحلفوا (^٢).
• يعني: عند المنبر؛ لأنّه يصير حالفًا على أقل من ربع دينارٍ، وإنما يُحْلَف عند منبر النبيِّ صلى الله عليه على ربع دينارٍ فصاعدًا، أو ثلاثة دراهمٍ فصاعدًا، على ما بيَّنَّاه.
•••
[١٤١٠] مسألة: قال: ويحلف النّاس في المساجد في الأيمان كلها، ويُحْلَف فيما دون ربع دينارٍ في مواضعه، ولا يحلف في مساجد العشائر في ربع دينارٍ (^٣).
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٦٤]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، النوادر والزيادات [٨/ ١٥٤ - ١٥٥]، البيان والتحصيل [٩/ ١٨٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، النوادر والزيادات [٨/ ١٥٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٤٦١]، الجامع لابن يونس [١٧/ ٥٤٠].
[ ٢ / ٥١٨ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المساجد معظمةٌ عند المسلمين، فيجب أن يحلفوا فيها ليرتدعوا عن اليمين على غير حقٍّ.
وهذا إذا كان ما يُحْلَف عليه شيئًا له قيمته، وهو ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهمٍ، فأمّا أقل من ذلك فإنهم يحلفون حيث كانوا؛ لأنَّ ذلك يسير الحرمة والمقدار.
ألا ترى: أنّه لا يُحْلَف عند المنبر على أقل من ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم؛ لِمَا ذكرناه، فكذلك لا يحلفون في المساجد، أعني ليس عليهم أن يأتوا إلى المساجد؛ لأنَّ ذلك يشق عليهم ويضر بهم، إلّا في مالٍ له قدرٌ وحرمةٌ (^١).
•••
[١٤١١] مسألة: قال: ولا يُجْلَب إلى المدينة من بَعُدَ، إلّا في الدماء والقسامة (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدماء لها حرمةٌ ليست لغيرها من الأموال؛ لأنَّ حرمة النفس أعظم من حرمة المال، وقد غُلِّظَت الدماء بجعل القسامة فيها؛ حفظًا لها، وليست كذلك الأموال، فجاز أن يُجْلَبوا من أعمال المدينة وإن بَعُدَ ذلك، وكذلك من عمل مكة وبيت المقدس إلى مساجدها ليحلفوا في الدماء؛ لغلظها، دون الأموال.
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٤٦٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، المدونة [٤/ ٦]، المدونة [٤/ ٦]، التفريع مع شرح التلمساني [١٠/ ١٢]، وستتكرَّر في المسألة رقم ٢٠٦٣.
[ ٢ / ٥١٩ ]
فأمّا مِنْ غير أعمالها فلا يجلبون إليها؛ لأنّ ذلك يضر بالناس، ولو جاز ذلك، لجلبوا من إقليمٍ إلى إقليمٍ، وهذا لا يقوله أحدٌ (^١).
•••
[١٤١٢] مسألة: قال: ولا يُستحلفُ عند المصحف (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ موضع المصحف وكونه فيه، ليس هو موضعًا ثابتًا يعرفه النّاس عند اليمين كثبوت المنبر ومعرفة موضعه.
ولأنه لم يرد أيضًا في اليمين عنده أثرٌ، كما ورد في اليمين عند المنبر وتعظيمها.
•••
[١٤١٣] مسألة: قال: وإذا اختلف البائعان في ثمن السلعة، فقال المشتري: «بخمسةٍ»، وقال البائع: «بعشرةٍ»؟
فإن شاء البائع أعطى المشتري بما قال، وإن شاء حلف على ما ادَّعى.
فإذا حلف قيل للمشتري: «إما أن تأخذ بما قال، وإما أن تحلف على ما قلت»، فإن حلف برئ منها (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ من البائع والمشتري مُدَّعٍ ومُدَّعى عليه،
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [١٠/ ١٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩١)، النوادر والزيادات [٨/ ١٥٥]، المنتقى للباجي [٥/ ٢٣٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٩٢)، المختصر الصغير، ص (٦٥٦)، المدونة [٣/ ٩٣]، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٥٣)، مختصر أبي مصعب، ص (٤٥٧)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٠٨].
[ ٢ / ٥٢٠ ]
فالمبتاع مُدَّعٍ لاستحقاق السلعة بشيءٍ ما، والبائع منكِرٌ أن يكون استحقها بذلك، ومُدَّعٍ لثمنٍ هو أكثر مما أقر به المشتري، فبُدِئَ البائع باليمين؛ لقوة سببه، ثمّ استَحْلَفَ المشتري بعد ذلك وفَسَخَ الأمر بينهما، إلّا أن يتفقا على شيءٍ، فيجوز ذلك بينهما، وبذلك ورد الخبر عن النبيِّ ﷺ.
فرَوَى ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله (^١)، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ، فَالقَوْلُ مَا قَالَ البَائِعُ، أَوْ يَتَتَارَكَانِ» (^٢).
ورَوَى ابن وهبٍ، قال: أخبرني إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن أمية القرشي، عن عبد الملك بن عبيدة (^٣)، عن ابنٍ لعبد الله بن مسعود، حدثه عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذَا؟اخْتَلَفَ؟المُتَبَايِعَانِ، اُسْتُحْلِفَ البَائِعُ، ثُمَّ كَانَ المُبْتَاعُ بِالخِيَارِ، إنْ شَاءَ؟أَخَذَ؟وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» (^٤).
_________________
(١) عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، ثقة عابد، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٧٥٨).
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ١٨٤]، والترمذي [٢/ ٥٤٨]، وابن ماجه [٣/ ٣٠٦]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٧٤]، وهو في التحفة [٧/ ١٣٢].
(٣) عبد الملك بن عبيدة، مجهول الحال، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٦٢٥).
(٤) هو الحديث المتقدِّم، وهذا الإسناد ذكره سحنون كما في المطبوع من المدونة [١٠/ ١٨٨]، عن ابن وهب، وليس فيه سماع ابن وهب من إسماعيل بن عياش كما أورده الشارح، وإنما: «قال ابن وهب: وقد ذكر إسماعيل بن عياش ».
[ ٢ / ٥٢١ ]
وعن عطاء وشريح والشعبي مثله (^١)، وهذا قول جملة أهل العلم.
•••
[١٤١٤] مسألة: قال: وإذا بان (^٢) بالسلعة، فالقول قول المشتري ويحلف، ما لم يكن أمرٌ يُعْرَف به كذبه، يقول: «أخذت العبد بدينارٍ أو بدرهمٍ أو ما أشبهه».
وقد قيل: إنَّ ذلك بمنزلة ما لم تَغَيَّرْ، ما إذا كان قريبًا لم تتغير السلعة، فإن تغيرت فالقول قول المبتاع، وهذا أحب إلينا (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري إذا قبض السلعة من البائع فقد قَوِيَ سبَبُهُ، فكان القول قوله مع يمينه؛ لأنَّ البائع قد ائتمنه على مبلغ الثمن بتسليم السلعة إليه، وقد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ القول قول من يدَّعِي الأشبه من المتداعيين مع يمينه، وأنَّ اليمين أيضًا جُعِلت على أقوى المتداعيين سببًا، فلمّا قوي سبب المشتري بقبضه السلعة، كان القول قوله مع يمينه في مقدار الثمن، وكان على البائع البيّنة فيما يذكره من الزيادة على الثمن الذي أقر به المشتري؛ لأنَّ البيّنة على المدعي واليمين على المنكِر.
وبهذا المعنى ورد الخبر عن النبيِّ ﷺ الذي ذكرناه، وهو قول النبيِّ صلى الله عليه: «أَوْ يَتَتَارَكَانِ البَيْعَ»، فدل قوله: «أَوْ يَتَتَارَكَانِ»، أنَّ ذلك قبل القبض، فهذا أصل قول مالكٍ، وهو القياس.
_________________
(١) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة [١١/ ٣٤] وما بعده.
(٢) قوله: «بان»، أي: فارق، من المباينة وهي المفارقة، ينظر لسان العرب [١٣/ ٦٣].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٩٢)، المدونة [٣/ ٩٣ و٤٠٥]، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٥٣)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٠٨].
[ ٢ / ٥٢٢ ]
ووجه قوله: «إنهما يتفاسخان وإن كان المشتري قد قبض السلعة وبان بها، ما لم تتغيَّر بزيادة سوقٍ أو بدنٍ؛» فلأنَّ كلّ واحدٍ من البائع والمشتري لا ضرر عليه في فسخ البيع مع بقاء السلعة على حالها؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما يرجع ماله إليه من غير تغيُّرٍ، وأمّا إذا تغيَّر أضرَّ رجوعه إليه متغيِّرًا عما باعه؛ لاختلاف غرضه في ذلك.
وهذا القول هو استحسانٌ من مالكٍ لا واجبٌ، كذلك قال ابن القاسم: «إن مالكًا استحسن ذلك» (^١).
•••
[١٤١٥] مسألة: قال: وقد قيل: إنَّ العبد إذا اشتراه الرّجل فمكث حينًا، ثمّ اختلفا في الثمن (^٢) وقد فات العبد، تحالفا ورُدَّ العبد إلى القيمة، ولا نأخُذ بهذا (^٣) (^٤).
• وجه هذا القول: هو أنَّ الاختلاف لمّا وقع في الثمن، وجب فسخ البيع بعد أن يحلفا، كما قال النبيُّ ﷺ، ثمّ وجب أن يرجع البائع إلى عين المبيع فيأخذه إن كان قائمًا، وَإِلّا إلى مثله إن كان له مثلٌ في الخلقة، كالمكيل والموزون، أو إلى قيمته إن لم يكن له مثلٌ في الخلقة يُقْدَر عليه، وذلك كالعروض والحيوان.
_________________
(١) ليس في المدونة [٣/ ٤٠٥]، والنوادر والزيادات [٦/ ٤٠٨]، ما حكاه الأبهري عن ابن القاسم.
(٢) قوله: «الثمن»، كذا في شب، وفي المطبوع: «اليمين».
(٣) قوله: «بهذا»، كذا في شب، وفي المطبوع: «ثمنًا».
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٩٢)، المدونة [٣/ ٩٣]، النوادر والزيادات [٦/ ٤٠٩].
[ ٢ / ٥٢٣ ]
ألا ترى: أنَّ ذلك حكم البيع الذي يجب رده لفساده إذا كان عينه باقيًا، فإن تلف رُجِع إلى قيمة المبيع أو إلى مثله في الكيل والوزن، فكذلك يجب أن يكون مثله فيما يختلف المتبايعان في ثمنه، والله أعلم.
•••
[١٤١٦] وقد قيل: إنَّ قول أحد الرجلين إذا كان يشبه الحق فيما يراه، فالقول قوله إذا فاتت بنماءٍ أو نقصانٍ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ من ادَّعى ما يُعلم كذبه في الأغلب، لم يقبل قوله، وقُبِل قول مدَّعي الأشبه بما يعرفه النّاس مع يمينه؛ لأنَّ عرف النّاس أصلٌ يُرجع إليه، كما يرجع في النقد إذا اختلف فيه المتبايعان، وفي الحمولة إذا اختلف فيها المُكرِي والمُكْتَري، وكذلك السير وأشباه ذلك.
وهذا يجب أن يكون على كلّ قولٍ لمالكٍ، أنَّ القول قولُ مُدَّعي الأشبه؛ لأنَّ من ادَّعَى أنّه اشترى عبدًا بدرهمٍ أو دارًا بدرهمٍ، فهو خارج عن عرف النّاس وقوله مردودٌ.
وليس هذا قولًا مفردًا، وقد جعله ابن عبد الحكم قولًا مفردًا، وليس الأمر عندي كما ذكره؛ لأنَّ قول مُدَّعي غير الأشبه مما يعرفه النّاس مردودٌ.
•••
[١٤١٧] مسألة: قال: وإذا ادَّعى أحدهما أنّه باع بنقدٍ، وقال الآخر: «بنظرةٍ»:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٢)، المدونة [٣/ ٩٣]، النوادر والزيادات [٦/ ٤٠٩].
[ ٢ / ٥٢٤ ]
(فإن بان بها فالقول قوله ويحلف.
(وإن لم يحزها، فالقول قول البائع مع يمينه، والمبتاع بالخيار في أن يحبس، أو يحلف ويرد (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الاختلاف في أجل الثمن كالاختلاف في مقداره؛ لأنَّ بائع السلعة يقول: «أنا استحق الثمن عليك نقدًا»، والمشتري ينكر ذلك.
وكذلك إذا اختلفا في الأجل، فقال البائع أقل من أجل المشتري، تحالفا وتفاسخا؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه كما ذكرناه في اختلافهما في مبلغ الثمن، فوجب أن يتحالفا في اختلافهما في الأجل كذلك.
فإن كان قد قبض المشتري السلعة، فالقول قوله مع يمينه؛ لقوة سببه وائتمان البائع إياه.
وفي الاستحسان أنهما يتحالفان ويتفاسخان ما لم تتغير في بدنٍ أو سوقٍ، كما ذكرناه في الاختلاف في مقدار الثمن.
•••
[١٤١٨] مسألة: قال: ومن ابتاع سلعةً فقبضها، ثمّ جاء يطلب ثمنها، فيقول: «قد قضيتك»:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٢)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٥٤)، النوادر والزيادات [٦/ ٤١٩].
[ ٢ / ٥٢٥ ]
(فأمّا السلع التي تباع بالنقد، مثل: الحنطة والزيت واللحم وما أشبهه، مما النقد فيه مع البيع كهيئة (^١) الصرف، فإنَّ المشتري يحلف ويبرأ.
(وما كان من الدور والرقيق والأرضين والثياب وما أشبه ذلك، فإنَّ البائع يحلف ويأخذ حقه، وإن لم يحلف، حلف المبتاع (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلناه فيما تقدَّم: أنَّ اليمين جُعِلت في الأصل على أقوى المتداعيين سببًا من المُدَّعِي أو المُدَّعَى عليه، وإذا كان كذلك، وكان عرف النّاس جاريًا أنهم ينقُدون في السلعة التي اشتراها المشتري مع عقد البيع، ولا يبيعونها إلى أجلٍ ولا يتأخر نقد ثمنها عن عقد البيع، كان القول قول المشتري مع يمينه؛ لقوة سببه؛ ولأنَّ قوله يشهد له عرف النّاس في البلد الذي هما فيه، كما يُرْجَع في كيفية عقد هذه السلعة إذا اختلفا إلى عرف البلد، وكذلك في الحمولة والسير إذا اختلفا، فكذلك يجب أن يُرْجع في هل دَفَعَ الثمن أم لا إلى عرف النّاس فيه.
وهذا إنّما قاله مالكٌ بالمدينة؛ لأنَّ عرف النّاس كان جاريًا بذلك، أنهم يشترون الحنطة والزيت واللحم في الأغلب بالنقد؛ لعزة ذلك عندهم وشدة حاجتهم إليه، فأمّا إذا كان بلدًا لم يَجْرِ عُرْفُهم بالنقد مع العقد، لم يكن القول قول المشتري مع يمينه.
فأمّا ما كان من السلع كالرقيق والثياب والأرضين التي تباع نقدًا ونسيئةً؛
_________________
(١) قوله: «كهيئة»، كذا في شب، وفي المطبوع: «كثمن».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٢)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٥٥)، النوادر والزيادات [٦/ ٤١٥].
[ ٢ / ٥٢٦ ]
فإنَّ القول قول البائع مع يمينه أنّه لم يقبض الثمن، وعلى المشتري البيّنة في دفع ذلك إليه، فإن لم يحلف البائع حلف المبتاع أنّه قد دفع ذلك الى البائع وبرئ من الثمن، بنكول المُدَّعَى عليه عن اليمين وهو البائع، مع يمين المدَّعِي وهو المشتري.
•••
[١٤١٩] مسألة: قال: ومن باع حائطًا واستثنى ثلاثة أعذقٍ، فقال البائع: «استثنَيْتُ خيارها»، وقال: المبتاع: «لم تُسَمِّ ذلك»، فيحلف المشتري ويُعْطِي البائِعَ ثلاثَةَ أعذقٍ من أوسط المال، إلّا أن يتحالفا جميعًا فيُفْسَخُ البيع (^١).
• القياس في هذه المسألة أن يتحالفا ويتفاسخا؛ لأنَّ الخلاف قد وقع بينهما في مقدار البيع لَمَّا اختلفا في المستثنى من النخل، فإن اتفقا على شيءٍ ما من الاستثناء جاز إذا رضيا به، كما لو تراضيا في البيع على شيءٍ جاز إذا لم يكن غررًا ولا مجهولًا.
•••
[١٤٢٠] مسألة: قال: وإذا ابتاع الرّجل المتاع بالدراهم، ثمّ اختلفا في الوزن، فإنَّ للبائع وزن تلك السلعة التي تبتاع بها في ذلك البلد (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ قول أقوى المتداعين سببًا هو المقبول مع
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٢)، المدونة [٣/ ٩٢]، النوادر والزيادات [٦/ ٤٠٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٣)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٥٤)، النوادر والزيادات [٩/ ١٣٣].
[ ٢ / ٥٢٧ ]
يمينه؛ لقوة سببه على سبب صاحبه، ومُدَّعي الوزن الذي يعرفه النّاس في البلد الذي تعاقدا فيه هو أقوى سببًا من الآخر الذي يَدَّعِي خلافه؛ لأنَّ العرف أصلٌ يُرجع إليه في النقد والحمولة والسير وغير ذلك.
فإن ادَّعَى كلّ واحدٍ منهما خلاف نقد البلد، تحالفا وتفاسخا؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما يدّعي ما لا يُعْلم صدقه، ولا يشهد له العرف بتصديق قوله.
•••
[١٤٢١] مسألة: قال: ومن تكارى من مصر إلى المدينة، فله بالمدينة نقد مصر (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النقد يكون حيث وقع عقد البيع والإجارة؛ فلهذا قال: «إنَّ له نقد مصر»؛ لأنَّ عقد الإجارة بها وقع.
•••
[١٤٢٢] مسألة: قال: ومن تكارى من المدينة إلى مصر، فله بمصر نقد المدينة (^٢).
• وهذا لِمَا ذكرناه؛ لأنَّ عقد الكراء وقع بالمدينة، فله نقد المدينة، كما يكون له نقد المدينة إذا باع بها.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٣)، المدونة [٣/ ٤٩٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٣).
[ ٢ / ٥٢٨ ]
[١٤٢٣] قال: ومن ابتاع عبدًا أو مسكنًا، ثمّ مكث حينًا، ثمّ ادَّعى الثمن (^١)، حلف وأخذ حقه، إلّا أن تقوم بينةٌ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثمن قد وجب على المشتري؛ فعليه البيّنة على دفعه إلى البائع وخروجه منه، وعلى البائع اليمين إن أنكر قبضه؛ لأنَّ البيّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ.
•••
[١٤٢٤] مسألة: قال: ومن باع رأسًا في السوق، ونَقْدُ السوق المثاقيل (^٣)، وأُعْطِي المثاقيل فقال: «ما بعت إلّا بالقائمة» (^٤)، فليس له إلّا المثاقيل، ولو شاء، لبيَّنَ (^٥).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنّه يُرْجع في ذلك إلى نَقْدِ النّاس في ذلك البلد، وما جرى عرفهم عليه في نقد السلعة المبيعة، فيُحملوا عليه؛ لأنَّ العرف
_________________
(١) قوله: «الثمن»، كذا في شب، وفي المطبوع: «اليمين».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٣).
(٣) قوله: «المثاقيل»، هي جمع مثقال، والمثقال نقدٌ مقداره درهم وثلاثة أسباع درهم، وكلّ سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ينظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير [١/ ٨٣]، معجم لغة الفقهاء، ص (٤٠٤).
(٤) قوله: «بالقائمة»، المراد بها الدنانير القائمة، وهي الدنانير الكاملة التي لا نقص فيها، ينظر: شرح غريب ألفاظ المدونة، ص (٦٩).
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٩٣)، البيان والتحصيل [٧/ ٢٧٣].
[ ٢ / ٥٢٩ ]
أصلٌ يُرجع إليه كما ذكرناه، فليس يقبل قول من يدَّعي نقدًا خلافه أو يزيده، إلّا أن يقيم بيِّنةً على ما يدعيه.
والمثاقيل: المكسرة، والقائمة: الدنانير الوزن الصحاح.
•••
[١٤٢٥] مسألة: قال: ومن سلف في قمحٍ، فقال البائع عند الأجل: «إنّما بعتك شعيرًا»، تحالفا وتفاسخا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنهما قد اختلفا في الغرض من الشّيء المبيع، فهو كاختلافهما في الجنس، ومتى اختلفا في الجنس، تحالفا وتفاسخا عند مالكٍ.
فإن كان أجل السلم قد حلَّ، فإن اختلفا في المقدار، وكان أجله قد حل لم يتحالفا ويتفاسخا، وكان القول قول البائع لقوة سببه.
فإن كان عند العقد واختلفا في المقدار، تحالفا وتفاسخا؛ لاختلافهما في مقدار المبيع قبل قبض البائع له، تحالفا وتفاسخا.
وذلك كله، لِمَا ذكرنا لاختلافهما في السلعة المبيعة عينًا أنهما يتحالفان ويتفاسخان، والقول فيها وفي السَّلَمِ واحدٌ إذا كان قبل القبض أو قبل حلول الأجل.
وقال عبد الملك: «إذا اختلفا في الحنطة والشعير، كان القول قول البائع مع يمينه عند حلول الأجل»؛ لأنَّ الحنطة والشعير جنسٌ واحدٌ عنده.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٣)، المدونة [٣/ ٩٢]، النوادر والزيادات [٦/ ٤١٧]، الجامع لابن يونس [١١/ ٢٦٧].
[ ٢ / ٥٣٠ ]
والصحيح قول مالكٍ، وهو اختلاف الغرض فيهما، وقول عبد الملك محتملٌ أيضًا.
•••
[١٤٢٦] مسألة: قال: ومن أرسل رسولًا يبيع غلامًا له، فاختلفا في الثمن، فقال المشتري: «أربعون»، وقال الرسول: «خمسون»، فإنهما يتحالفان، فإن أبى الرسول أن يحلف، فُسِخ البيع، ولم يُقَل لصاحب الغلام: «احلف».
وقال ابن القاسم: إن نكل الرسول، حلف المشتري على الأربعين وكانت السلعة له، ولا يُفسخ البيع (^١).
• إنّما قال ذلك: «إنَّ الرسول يحلف»؛ لأنّه هو البائع الذي تولى العقد، فيجب أن يحلف على فعله.
ولا يحلف صاحب الغلام؛ لأنّه لم يل العقد ولم يباشره، فوجب أن لا يحلف هو على فعل غيره؛ لأنَّ الحالف إنّما يحلف على فعله.
وقوله: «إنه يُفسخ»، يريد أنَّ امتناع الرسول من اليمين ويمين المشتري على ما يقوله لا ينقل السلعة عن ملك البائع؛ لأنَّ هذا ليس ببيعٍ، وإنما وُكِّلَ بالبيع حسب، فهو وجه قوله يفسخ.
ووجه قول ابن القاسم؛ فلأنَّ الرسول هو الذي تولى عقد البيع، فإذا امتنع من اليمين وجب أن يحلف المشتري؛ لأنَّ المشتري قد قَوِيَ سببه بامتناع رسول
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٣)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٣٥]، البيان والتحصيل [٨/ ٩٨].
[ ٢ / ٥٣١ ]
البائع أن يحلف، فجاز له أن يحلف على ما يقوله؛ لأنّه مباشرٌ لعقد البيع ويكون القول قوله، فوجب أن يُحكم له بالشراء على ما يذكره من اليمين؛ لأنّه قد اجتمع له نكول رسول البائع مع يمينه؛ ولأنَّ البائع قد أقام الرسول مقام نفسه.
ويحتمل أن يقال: إنَّ البائع هو مالكٌ للعقد، فله أن يحلف على ما يذكره من الثمن الذي باع به الرسول؛ لأنَّ الإنسان يعلم الشّيء بالخبر كما يعلمه بالمشاهدة.
ألا ترى: أنّه يجوز له أن يحلف مع شاهده على حق أبيه ويستحقه، وإن كان حين مات أبوه صغيرًا؛ لأنّه يعلم ذلك بالخبر كما يعلمه بالمشاهدة، وهذا القول أقيس.
•••
[١٤٢٧] مسألة: قال: ومن ابتاع رُطَبًا بدرهمٍ، فكال الرطب وحازه، ثمّ طُلِبَ الثمن، فقال: «قد دفعت»، فالقول قول الرطَّابِ ما لم يفارقه، وكذلك الطعام يكتاله في وعائه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري إذا لم يفارق البائع عند عقد البيع، ففي الأغلب أنّه لم يدفع إليه الثمن، فالقول قول البائع مع يمينه، وعلى المشتري البيّنة على دفع ذلك إليه.
فإن افترقا كان القول قول المشتري مع يمينه على دفع ذلك إلى البائع، إذا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٤)، النوادر والزيادات [٦/ ٤١٥]، البيان والتحصيل [٧/ ٣٥٧].
[ ٢ / ٥٣٢ ]
كان عرف البلد جاريًا بدفع الثمن في تلك السلعة قبل أن يتفارقا، على ما ذكرناه فيما تقدَّم.
•••
[١٤٢٨] مسألة: قال: وإذا اختلف المتكاريان (^١): فقال الكَرِيُّ (^٢): «إلى المدينة»، وقال المُكتري: «بل إلى مكة»، فقد اختُلِف فيه:
(فقيل: • إن كان لم يركب: فالقول قول الكَرِيِّ وعليه اليمين.
• وإن ركب (^٣): فالقول قول المتكاري، فإن بلغا المدينة سُئل عن كراء المدينة، ثمّ حملا عليه، والقول قول المتكاري، ويحلف صاحب الدابة: «ما أكريتك إلّا إلى المدينة» ولا شيء عليه.
فإن انتهيا إلى مكة، ثمّ اختلفا، فإن الكري يحلف للمتكاري: «ما تكارى إلّا إلى المدينة».
(وقد قيل: إذا اختلفا في المدينة بعد أن يبلغا المدينة، فالقول قول صاحب الظهر، إلّا أن يكون في زمان الحاج (^٤).
_________________
(١) المسألة متصورة في رجل يكتري من مصر أو المغرب أو غيرها من البلدان إلى مكة، فيختلفان في المدينة، ينظر: البيان والتحصيل [٩/ ١٢٢].
(٢) قوله: «الكَرِيُّ»، هو المؤجر الذي يؤجر عليك الدابة، ينظر: تاج العروس [٣٩/ ٣٩٢].
(٣) يعني: ولم يقبض الكري الكراء، كما في البيان والتحصيل [٩/ ١٢٢].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٩٤)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٩٧)، البيان والتحصيل [٩/ ١٢٢].
[ ٢ / ٥٣٣ ]
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه في اختلاف المتبايعين في السلعة المبيعة عينًا، أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا اختلفا في مقدار ثمنها أو مقدار عينها في الكيل والوزن، أو غير ذلك؛ لأنَّ الكراء هو بيع منافع الأعيان، كالبيع هو بيع رقاب الأعيان، فمتى قبض المتكاري ما اكتراه وركبه، فالقول قوله مع يمينه؛ لقوة سببه بقبضه الشّيء الذي اكتراه، كما يكون القول قول المشتري فيما قبضه.
فأمّا ما بقي من المسافة، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، ويكون القول قول المكتري في الكراء مما قد ركب إذا كان يشبه ما قال مع يمينه، فإن لم يشبه فالقول قول المُكْرِي مع يمينه؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ قول مدعي الأشبه أولى بالقبول مع يمينه؛ لقوة سببه وشهادة العرف له.
فأمّا إذا كان في وقت الحاج لم يقبل قول من يدَّعِي مسافةً دون مكة؛ لأنَّ الأغلب في وقت الحاج أنهم إنّما يكترون إلى مكة، فلا يقبل قول المُكري أنّه إلى غير ذلك من الطريق؛ لقوة سبب المكتري، وشهادة العرف له.
وقد قيل: «إذا اختلفا وقد بلغا المدينة، نُظِرَ إلى الكراء، فإن كان الذي أعطاه كراء المدينة، أُحْلِفَ على ذلك صاحب الظهر أنّه إنّما أكرى إلى المدينة ولم يجاوز به المدينة، وإن كان الكراء أكثر من كراء المدينة، أُعطِيَ الذي تكارى فضل الكراء ويحلف المكري، فإن أبى أن يحلف، حلف المتكاري ومضى به إلى مكة» (^١).
وجه هذا القول: هو أنَّ مقدار الكراء فيه دلالةٌ على قدر المسافة وما اكترى
_________________
(١) ينظر: البيان والتحصيل [٩/ ١٢٧].
[ ٢ / ٥٣٤ ]
منها؛ لأنَّ النّاس إنّما يعطون الكراء على حسب مسافة الطريق في القرب والبعد، فإذا كان يشبه قول المكري، كان القول قوله في مدة المسافة أنَّ ذلك إلى المدينة، وإن كان في وقت الحاج؛ لجواز أن يكون الأمر كما قال، وقوة سببه بمقدار الكراء أنّه إلى المدينة، وكان له كراء مكة (^١)؛ لقوة سببه؛ لامتناع المكتري عن اليمين، ويمينه هو على ما يقوله.
•••
[١٤٢٩] مسألة: قال: فإن اختلفا في الكراء، فقال المتكاري: «بكذا وكذا»، وقال المكري: «بكذا وكذا»:
(فإن كان الكري (^٢) لم يبعد أو لم يبرح، فالقول قول الكَرِيِّ مع يمينه، ثمّ المكتري بالخيار، إن رضي وَإِلّا حلف وبرئ.
(وإن كان قد أبعد، فالقول قوله، إن جاء بما يشبه وعليه اليمين.
وإن كان قد حمل وسار بعض الطريق أو جُلِّها ولم ينقد الكراء، فالقول قول المتكاري وعليه اليمين؛ لأنّه قد انتقل حمولته وائتمنه على الكراء، إلّا أن يأتي بما لا يعرف.
_________________
(١) قوله: «مكة»، كذا في شب، ولعلها: «المدينة»، والله أعلم.
(٢) قوله: «الكري»، كذا في شب، ولعلها: «المكتري»، كما يدل عليه قوله بعد ذلك: «وإن كان قد أبعد»، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وكذلك لو اختلفا في شيءٍ من الوزن والحمولة أو نقصان الذهب، إلّا أن يكون خروجه حين اختلفا من قُرْبٍ، ليس في رجوعه كبير مؤنةٍ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ قبض المكتري ما اكتراه وركوبه له، بمنزلة قبض المشتري للسلعة، فالقول قوله مع يمينه في مقدار الكراء والمسافة، إذا كان يشبه ما يقوله؛ لائتمان المكتري (^٢) له على ذلك كله، إلّا أن يكون لم يبعد في السير، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان؛ لأنّه ليس في ذلك ضررٌ على المكتري في الرجوع، وذلك بمنزلة ما لم تتغير السلعة في يد المشتري، أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وهذا هو استحسانٌ من قول مالكٍ، والقياس أنَّ القول قول المشتري بعد قبض السلعة، وقول المكتري بعد قبض ما اكتراه؛ لأنَّ البائع والمكري قد ائتمناهما على ذلك.
وكذلك لو نقد المشتري البائع الثمن، والمكتري للمكري الكراء، ثمّ اختلفا في مبلغه، كان القول قول البائع والمكري في ذلك، إذا كان يشبه ما يقول، لائتمان المشتري والمكتري لهما على الثمن والكراء.
وكذلك إذا اختلفا في الوزن والحمولة، الحكم فيه كاختلافهما في مسافة الطريق ومقدار الكراء، يُرجع في ذلك إلى مُدَّعي الأشبه منهما، ويكون القول قوله مع يمينه، فإن ادَّعَى أحدهما ما لا يشبه، كان القول قول مدعي الأشبه، فإن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٤)، البيان والتحصيل [٩/ ١٢٢].
(٢) قوله: «المكتري»، كذا في شب، ولعلها: «المكري».
[ ٢ / ٥٣٦ ]
خرجا جميعًا عما يشبه، رجع إلى كراء المثل فيما قد ركب، وقيمة السلعة إن كانت قد تغيرت أو فاتت في يد المشتري، والله أعلم.
•••
[١٤٣٠] قال عبد الله: والذي نأخذ به من ذلك، أنَّ الرّجل إذا تكارى دابَّةً بعينها، ثمّ اختلفا في البلد قبل أن يرحلا من البلد وفي الكراء، انتقدا أو لم ينتقدا، فإنَّ المكري يحلف، ثمّ يقال للمتكاري: «إن شئت فخذ، وإن شئت فاحلف وينفسخ أمركما».
وإن اتفقا على الكراء واختلفا في البلد فكذلك.
وإن كان إنّما أسلفه في كراءٍ مضمونٍ، واختلفا بقرب ذلك ولم يتطاول، تحالفا وتفاسخا، فإن طال حتى يمضي شهران أو نحو ذلك، كان القول قول الكَرِيِّ فيما ادَّعى من البلدان وإن لم يرحلا؛ لأنَّ ذلك قد طال.
وإن تكارى منه ونقده وركب وسار السير القريب، أو لم ينقده، واختلفا في الثمن والمسير، تحالفا وتفاسخا، والقريب مثل: الجيزة وبئر عميرة (^١)، فأمّا إذا أبعد فليس ذلك بقريبٍ.
فإن كان قد سار رجلٌ الطريق ولم ينتقده، ثمّ اختلفا، فالقول قول المتكاري، ويَبْلُغُ حيث أقر له به المكري، ويفسخ عنه ما بقي، يُنظر إلى الذي أقر به من الكراء، وكم الذي أقر به المكتري، وكم الذي أقر به الكَرِيُّ، وكم ذلك من الطريق:
_________________
(١) قوله: «وبئر عميرة»، هو موضع بين القاهرة وبلبيس بمحافظة الشرقية بمصر، ينظر: تاج العروس [٢/ ١٢١].
[ ٢ / ٥٣٧ ]
فإن كان نصفها، دفع نصف ما أقر به من الكراء وفسخ ما بقي مما لم يقر به الكري، ولم يلزم الكري أن يحمله بما ادَّعاه.
وإن كان قد انتقد الكراء، فالقول قول المكري في الطريق وفي الكراء بعد الأيمان، إلّا أن يكون في أيام الحاج، فإنَّ الحاج إنّما يكترون على مكة (^١).
• قد ذكرت وجه ما قاله عبد الله واختاره من ذلك، وهو قول مالكٍ الذي هو القياس دون الاستحسان الذي ذكرناه، وأنَّ حكم الكراء في ذلك كحكم البيع إذا اختلفا فيه بعد قبض السلعة وبعد قبض الثمن وقبل قبضه.
وكذلك إذا كان المُكْرَى مضمونًا إلى أجلٍ، فحكمه حكم السلم المضمون إلى أجلٍ إذا اختلفا فيه:
إذا كان عند حلول الأجل، فالقول قول البائع وهو المسلم إليه مع يمينه.
وإن كان عند عقد السلم، تحالفا وتفاسخا.
والكراء مثله سواءٌ، لأنَّ الكراء بيع منافع الأعيان، والبيع هو بيع رقابها، فإذا وقع الخلاف في بيع المنافع أو ثمنها عُمِل فيها كما يعمل في وقوع الخلاف في بيع الأعيان وأثمانها، والله أعلم.
•••
_________________
(١) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: النوادر والزيادات [٧/ ١٢٦]، البيان والتحصيل [٩/ ١٢٧].
[ ٢ / ٥٣٨ ]
[١٤٣١] مسألة: قال: وإذا تكارى الرّجل إلى بلدٍ، ثمّ اختلفا في الكراء بعد البلوغ، فالقول قول المتكاري (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المتكاري هو أقوى سببًا بقبضه ما اكتراه واستيفائه له، فالقول قوله مع يمينه، كما يكون القول قول المشتري مع يمينه في مبلغ الثمن إذا كان قد قبض السلعة، فأشبه ما قال من الثمن.
•••
[١٤٣٢] مسألة: قال: ومن تكارى إلى بلدٍ، فلمّا قدم، زعم أنّه لم ينقده، فعلى المتكاري البيّنة على الدفع (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المتكاري مدَّعٍ لدفع الكراء إلى المُكْرِي، فعليه البيّنة على ذلك، وَإِلّا حلف المكري أنّه لم يدفع إليه وكان له ذلك؛ لأنَّ البيّنة على المدعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ.
•••
[١٤٣٣] مسألة: قال: ومن تكارى إلى بلدٍ، ثمّ جاء بعد ذلك يطلب منه الكراء:
(فإن كان بعد قدومه باليوم واليومين، فإنّه يحلف على ذلك ويكون ذلك له.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٤)، البيان والتحصيل [٩/ ١٢٢].
(٢) هذه المسألة ساقطة من المطبوع، وينظر: موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٩٧)، الجامع لابن يونس [١٦/ ٨١].
[ ٢ / ٥٣٩ ]
(وإن تركه حتى مرَّ قابلٌ أو شيءٌ قد طال، فيحلف المتكاري.
وكذلك كراء البيوت والصناع، وكراء الظهر على هذا.
والخياط يطلب حقه أو بعض الأعمال:
(فإن طلب ذلك عند فراغه أو قريبًا منه، كان ذلك عليه.
(وإن كان قد تقادم، أُحْلِف الرّجل ما له عنده شيءٌ (^١).
• إنّما قال: «إنه إذا طلب المُكرِي الكراء بعد قدومه بالمدة التي تشبه تأخير الكراء إليها، فعلى المُكتري البيّنة على الدفع»؛ لأنّه مدَّعٍ لذلك، وليس معه حُجَّةٌ على المكري في رد قوله من طول المدة التي لا يترك الإنسان الكراء إلى مثلها في الأغلب.
فإذا تَرَكَ إلى مثلها كان القول قول المتكاري مع يمينه أنّه قد دفع إليه الكراء؛ لأنَّ الأغلب والعرف أصلٌ يرجع إليه في تصديق المدعي ما يشهد له عرف النّاس وعادتهم.
وكذلك أمر الصناع على هذا، يُرجع في دفع الكراء إلى عرف النّاس فيه، فإذا لم يؤخّروا إلى مثله كان مُدَّعِي تأخير ذلك خارجًا عن عرف الناس، فلا يقبل قوله، وإذا لم يخرج عن العرف، قُبِل قوله مع يمينه، وكان على صاحبه البيّنة على دفع ما يذكر من الكراء، إذ ليس هاهنا عُرفٌ بخلاف قول الآخر.
فإن قيل: قد قال النبيُّ ﷺ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرٍ» (^٢)،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٤)، المدونة [٣/ ٤٩٣]، الجامع لابن يونس [١٦/ ٨١].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٩٧.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
فوجب بعموم هذا القول أن تكون البيّنة على مدَّعي دفع [] (^١) المال [] (^٢) الكَرِيِّ، طالت مدة ذلك أم قصرت؛ لأنّه يدَّعي خروجه مما قد وجب عليه، وعلى المنكِر اليمين؟
قيل له: هذا الحديث ليس على عمومه في كلِّ مدعٍ.
ألا ترى: أنَّ من ادَّعَى على رجلٍ له زنا، لم يكن على المُدَّعَى عليه يمينٌ أنّه لم يزنِ، وكذلك إذا ادَّعى الوصي أنّه قد أنفق على اليتيم نفقةً تشبه، أنّه لا بيِّنة عليه وأنَّ القول قوله.
فثبت بما قلنا أنَّ الخبر ليس على عمومه.
على أنّه يجب علينا استعمال العرف والرجوع إليه، إذ هو أصلٌ، كما يجب الرجوع إلى الخبر، فلمّا كان العرف أصلًا يُرجَع إليه في بعض الأماكن ويُصَدَّق له قول مدعي الأشبه بالعرف من غير بينةٍ تقوم له غير العرف، وكذلك يجب أن يكون ذلك فيما ذكرناه من دفع الكراء وأجرة الصانع وغير ذلك، والله أعلم، كما يُفعل ذلك في النقد إذا اختلفا فيه، والحمولة والسير.
•••
[١٤٣٤] مسألة: قال: ومن استعمل صائغًا حليًّا بدينارٍ، فلمّا فرغ قال: «عَمِلتُ بدينارين»؟
فيُسأل عن ذلك أهل العلم بذلك العمل، فإن كان شبيهًا بما قال الصائغ،
_________________
(١) ما بين []، كلمة مطموسة، ولعلها: «الكراء و».
(٢) ما بين []، كلمة مطموسة، ويشبه أن تكون: «للبائع و».
[ ٢ / ٥٤١ ]
لا يُستيقن أنّه قال باطلًا، كان أولى باليمين؛ لأنَّ المتاع بيده، فيأخذ حقه، فإن نكل حلف الآخر إذا لم يأت بما يستنكر (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ أقوى المتداعيين سببًا هو من يدَّعي الأشبه بما يقوله في عرف النّاس وعادتهم في البلد الذي هما به، فيُرجع إلى ذلك، فكذلك يُرجع في أجرة العمل إذا اختلفا فيه إلى من يقول ما يَعْرِفُهُ الناس، دون من يقول ما لا يعرفه الناس، ويكون القول قوله مع يمينه؛ إذ العرف أصلٌ يُرجع إليه كما ذكرنا.
فإن نكل عن اليمين حلف الآخر وكان القول قوله؛ لأنَّ صاحبه قد أضعف قوله بامتناعه عن اليمين؛ لأنَّ النّاس في الأغلب لا يمتنعون من اليمين على الحق، وقد قال الله ﷿: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣]، فكان القول قول الآخر مع يمينه مع نكول صاحبه، واستَحَقَّ ما يذكره من الأجرة، وكلّ ذلك إذا كان يشبه ما يقول.
•••
[١٤٣٥] مسألة: قال: وإذا هلك رجلٌ وترك ابنين، ثمّ أقرَّ أحدهما: «أنَّ أباه أقرَّ أنَّ فلانًا ابنه»، أَنَّ النسب لا يثبت، ولا يجوز إقراره إلّا على نفسه، ويعطيه ثلث ما في يديه، وهو نصف ميراث المستَلْحَقِ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٥)، موطأ ابن وهب، القضاء في البيوع، ص (٨٩).
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وكذلك المرأة تُقرُّ بالدَّين على زوجها وينكر الورثة، فتدفع إلى الغريم ثُمُنَ (^١) حقه إن كانت ورثت الثُمُن.
وإن كانت ابنةٌ، ورثت النصف ودفعت إلى الغريم نصف حقه.
فإن شهد على ذلك ابنه، حلف صاحب الحق مع شاهده، وإن لم يحلف، أُخِذ من ميراث الذي أقر له من ذلك؛ لأنّه أقر له به وأنكر غيره (^٢).
• إنّما قال: «إنَّ اقراره لا يجوز في النسب»؛ فلأنه إنّما يُقِرُّ على غيره ويُلْزِمه نسبًا لا يُعْلَم ثبوته بغير قوله، فلا يقبل قوله؛ لأنَّ إقرار الإنسان على غيره غير مقبولٍ، وإنما يقبل إقراره على نفسه إذا كان ممن يجوز إقراره عليها، قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤].
ويعطيه ثلث ما في يده؛ لأنّه قد أقر على نفسه لغيره بمالٍ يستحقه في يده، فيلزمه ذلك، ووجب أن يعطيه ما أقر له به؛ لأنّه يقول: «أنت مستحقٌّ لثلث ميراث أبي، وأنا مستحقٌّ لثلثه، وأخي مستحقٌّ لثلثه»، فيلزمه أن يعطيه من الميراث ثلث ما في يده، وهو سدس جميع المال؛ لأنَّ أخاه لو أقر به لأعطاه أيضًا ثلث ما في يده، وتكامل للمُقَرِّ له جميع الميراث.
فإن قيل: كيف يجوز أن يلزَمَ المُقِرُّ أن يعطيه الميراث من غير ثبوت نسبٍ،
_________________
(١) قوله: «ثُمُن»، ساقطة من المطبوع.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٥)، المختصر الصغير، ص (٦٥٦)، الموطأ [٤/ ١٠٧٣]، المدونة [٤/ ٦٧]، النوادر والزيادات [١٣/ ٢١٤].
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وإنما أقر أنَّ له مالًا على وصفٍ ما، فإذا لم يثبت ما ذَكَرَ لم يثبت المال؛ لأنّه مأخوذٌ به؟ (^١)
قيل له: ليس يمنع أن يثبت المال وإن لم يثبت نسبه الذي أقر به، أو قامت به الشّهادة.
ألا ترى: أنَّ الرّجل والمرأتين إذا شهدا على رجلٍ أنّه سرق مالًا، وأنكر ذلك الرّجل المشهود عليه، كان عليه غُرْمُ المال ولا قطع عليه، وليس يخلو ثبوت السَّرِقِ الذي كان أخذ به المال أو لا، فإن ثبت فالقطع واجبٌ وإن لم يثبت، فالغرم غير واجبٍ.
وإذا كان هذا قول مخالفنا في المسألة (^٢)، فكذلك يجب أن يقول في الإقرار بالنسب.
وكذلك يقول: لو أقر رجلٌ أنَّ امرأته أخته، لحرمت عليه ولم يثبت نسبها من أبيه، سواءٌ كانت معروفة النسب أو مجهولةٌ (^٣)، فقد ثبت تحريمها عليه وإن لم يثبت نسبها، وإن كان التحريم متعلقًا بالنسب.
فإن قيل: لمّا كان التحريم للزوجات يكون بضروبٍ، قُبِلَ قوله في التحريم ولم يثبت نسبها (^٤).
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الأم للشافعي [٧/ ٥٥٤]، الحاوي للماوردي [٨/ ٣٦٠].
(٢) المخالف المقصود هنا هو الشافعي، ينظر: الأم [٧/ ٣٨٨]، الحاوي للماوردي [١٧/ ٢١٤].
(٣) ينظر: الحاوي للماوردي [٨/ ٣٦٠].
(٤) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
قيل له: وكذلك يجب المال بوجوهٍ، فوجب أن يثبت له أخذ المال بإقراره بالنسب، وإن لم يثبت النسب، وكذلك لو أقر العبد بسرقة مالٍ في يديه، يقبل قوله في القطع، ولم يقبل في دفع المال إلى المسروق منه، فعُلِمَ بهذا أنَّ الشّيء يثبت وإن لم يثبت سببه.
فإن قيل: لمّا كان المُقِرُّ بالبيع لا يلزمه دفع سلعته إلى المشتري، دون أن يدفع المشتري إليه الثمن إذا أنكر ذلك المشتري؛ لأنَّ البيع معاوضةٌ، فكذلك يجب أن يكون الإقرار بالنسب مثله؛ لأنّه كما لا يرث هو المُقَرَّ، فكذلك لا يجب أن يُورَثَ المُقَرُّ لَهُ بالنسب (^١).
قيل له: ما ذكرته غلطٌ؛ من قِبَل أنَّ النسب والإقرار به لا يجري مجرى المعاوضات؛ لأنَّ النسب يثبت وإن لم يكن بينهما ميراثٌ؛ ولأنه لا يُدرى من يموت قبل صاحبه، فليس فيه وجوب معاوضةٍ ولا تعلُّق فيها لا محالة.
والبيع فوضعه على المعاوضة؛ لأنّه إخراج شيءٍ عن ملك البائع بإخراج شيءٍ عن ملك المشتري، لا يصح أحدهما دون الآخر؛ إذ كلّ واحدٍ منهما متعلقٌ بالآخر، فيجب قول البائع: «بعت سلعتي من زيدٍ إلى أبي إسحاقٍ» عليه ثمنها؛ لأنَّ البيع لا يكون إلّا بثمنٍ.
ولو لزمنا ما قاله في البيع، للزمه أن لا يُقْبَل قوله: «إنها أخته» في وقوع التحريم عليه إذا كانت زوجته؛ لأنَّ التحريم وثبوته متعلقٌ بثبوت الأُخُوَّةِ، فإذا لم تثبت، لم يجب أن يثبت التحريم على قوله، وإذا ثبت بذلك عنده وإن لم يثبت
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الأم [٨/ ٥٥٤].
[ ٢ / ٥٤٥ ]
النسب، فكذلك يجب أن يثبت وجوب المال في الإقرار بالنسب وإن لم يثبت النسب، ومخالفنا في هذه المسألة وهو الشافعي، فالكلام عليه.
فأمّا أبو حنيفة، فإنّه يقول: «إنه يدفع إليه نصف ما في يده» (^١)، قال: لأنَّه يقول: «أنت أخي، تستحق مثلما أستحقه أنا»، فلا يجب أن يفضل عليه في الميراث.
فالجواب: أنَّ المُقِر يقول للمُقَرِّ له: أنا إنّما يلزمني أن أعطيك ما يزيد على حقي الذي أرثه من أبي، وليس عليَّ أن أدفع إليك من حقي شيئًا، وليس إذا منعك غيري من حقك، وجب عليَّ أن أدفع إليك من حقي شيئًا.
فهذه حُجَّةٌ صحيحةٌ للمُقِرِّ على المُقَرِّ له، فوجب لهذا أن يعطيه ثلث ما في يده.
وقد قالوا: إذا أقر بوصيَّةٍ وأنكر ذلك أخوه، أنّه يعطي ثلث ما في يده إذا كان الإقرار بثلث المال.
وأمّا إقرار الوارث بالدَّيْنِ، فإنَّ عليه أن يعطي من مقدار الدَّين قدر ما أخذ من الميراث، على ما قاله مالك (^٢)، إن كانت ابنةً فنصف الدَّين، وإن كانت زوجةً فثُمُن الدَّين أو رُبعه؛ مِنْ قِبَل أنَّ الدَّين يُقضَى من جملة المال قبل الميراث، فعلى كلّ واحدٍ أن يدفع من حصته من الميراث ما يخص الدَّين دون ما يخصُّ غيره.
_________________
(١) ينظر: المبسوط [٢٨/ ١٩٠]، بدائع الصنائع [٧/ ٢٣٠].
(٢) ينظر: المدونة [٤/ ٦٧].
[ ٢ / ٥٤٦ ]
والحجة فيه ما ذكرنا: أنَّ الوارث المقرّ بالدَّين يقول لرب الدَّينِ: «ليس إذا جحدك غيري وظلمك ومنعك من حقِّك، جاز لك أن تمنعني من حقِّي وتظلمني»، وإذا كان كذلك، وجب عليه أن يعطيه ما يخصُّه من الدَّين، لا كلّ ما في يده، إلّا أن يكون الدَّين مثل الميراث الذي أخذه الورثة، أو يكون محيطًا به، فعليه دفع ذلك كله إلى المُقَرِّ له بالدَّيْنِ؛ لأنَّ أحدًا من الورثة لا يرث مع الدَّين شيئًا، وإنما يرث ما فضل عن الدَّيْنِ، والله أعلم.
فإن كان المُقِرُّ ممن تجوز شهادته، حلف المُقَرُّ له مع شهادته واستحق حقه؛ لوجوب الحكم بالشاهد واليمين على ما ذكرناه، وإن كان ممن لا تجوز شهادته ولا إقراره، لم يُحْكم بشهادته ولا إقراره؛ لأنَّ إقرار السفيه والمحجور عليه غير جائزٍ على نفسه وماله، والله أعلم.
فإن قيل: فيجب أن يَدْفَع المُقِرُّ المالَ إلى المُقَرِّ له وإن كان غير (^١) معروف النسب، على ما ذكرت من أنَّ المال يثبت وإن لم يثبت النسب؟
قيل له: لسنا نحفظ عن مالكٍ ولا عن أصحابه القدماء شيئًا في هذا، والذي كان يقوله شيوخنا ممن أدركنا، والذي أقوله أنا: «إنَّ عليه أن يعطيه المال، معروف النسب كان أو مجهولًا»؛ لأنَّ ذلك إنّما هو إقرارٌ بالمال من غير ثبوت نسبٍ، فلا فصل بين أن يكون المُقَرُّ له معروف النسب أو مجهولًا، ولو لزمنا ذلك، للزمه أن لا يُحَرِّمَ زوجة المُقِرِّ بأنها أخته إذا كانت معروفة النسب، وهو فيُحَرِّمُهَا بهذا القول، كما يُحَرِّمُ عليه مجهولة النسب وإن لم تثبت الأخوَّة،
_________________
(١) قوله: «غير» مثبتة فوق السطر، ولعلَّ الصواب عدم إثباتها، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
فكذلك يثبت إقراره بالمال وإن لم يثبت نسب المُقَرِّ به، معروف النسب كان أو مجهولًا، والله أعلم.
•••
[١٤٣٦] مسألة: قال: ومن باع جاريةً حاملًا، فتَبَرَّأَ من حملها، فتلد عند مشتريها ويقيم الولد سنين، فإذا حضرته الوفاة ادَّعاه وقال: «هو ابني»، فإنّه يُصَدَّقُ، إلّا أن يُتَّهَم بأن لا يكون له وارثٌ وقد كان تُعْرَفُ من المستلحق ناحيةٌ (^١) منه، فإن اتُّهِم فليس ذلك له، وإن لم يتهم، أُلْحِقَ به ووَرِثَهُ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا الذي استلحقه إذا كان حَمْلُ جاريته التي ملكها أو وُلِدَ في ملكه، قُبِل قوله في النسب إذا احتمل ذلك ولم يُعلم كذبه؛ لأنّه مقرٌ على نفسه بنسبٍ وذلك لازمٌ له؛ لأنَّ إقرار الإنسان مقبولٌ على نفسه، سواءٌ كان في نسبٍ أو حق غيره، إلّا أن يتعلق ذلك الإقرار بغيره فلا يلزم غيره.
فأمّا إذا لم يولد العبد في ملكه، ولا كان حَمْلًَا في ملكه، لم يقبل قوله؛ لأنَّ ليس هاهنا ملك نكاحٍ ولا ملك يمينٍ فيُلْحَقُ به الولد، إلّا أن يدَّعِي وطأً بشبهةٍ في ملك غيره، فيكون صاحب الملك أولى بالولد إلّا أن ينفيه، فيَلْحَق بمدَّعي الوطء بالشبهة إذا ثبتت شبهته.
وكذلك إذا ادَّعَى نسب ولدٍ يُعْلَم أنَّ مثله لا يولد لمثله، لم يقبل قوله.
_________________
(١) قوله: «ناحية»، كذا استظهرتها، وهي مهملة، والمقصود، أن يعرف أنّه كان له ميل للمستلحق.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٥)، المدونة [٢/ ٥٤٥]، النوادر والزيادات [١٣/ ١٤١].
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وكل مُتَّهَمٍ في إقراره فإقراره غير مقبولٍ، كان ذلك في نسبٍ أو مالٍ؛ لأنّه يريد بهذا الإقرار إسقاط حق غيره، وذلك غير جائزٍ.
فإن كان المشتري أعتق العبد ثمّ استلحقه البائع، لحق به؛ لأنَّ حرمة النسب أوكد من حرمة الولاء، فكان الإقرار بالنسب مقدمًا على الولاء الذي قد ثبت للمشتري عليه.
ألا ترى: أنَّ الميراث بالنسب لمّا كان مُقَدَّمًا على الميراث بالولاء؛ لقوة أمر النسب، فكذلك يجب أن يكون ثبوت النسب مقدمًا على ثبوت الولاء.
فأمّا أم الولد، فقوله مقبولٌ أيضًا أَنَّهَا أم ولده، أعني: قول البائع إذا كان معها ولدٌ، وإن كان المشتري قد أعتقها؛ لأنَّ إقراره بنسب ولدها أثبت لها حرمةً ولا يجوز له بيعها، فلمّا قُبِل قوله في نسب ولدها إذا وُلِد في ملكه، فكذلك قُبِل قوله في ثبوت حرمتها التي تتعلق بحرمة الولد.
فإن لم يكن لها ولدٌ وأقر بأنها أم ولدٍ، فإن ابن القاسم قال: «لا يقبل قول البائع في ذلك إذا كان المشتري قد أعتقها، ورجع على البائع بالثمن» (^١)؛ لأنّه يقر بأنه لا يجوز له أخذ ثمنها ولا بيعها.
ومما يدلُّ على قبول قول البائع أَنَّهَا أم ولده إذا كان معها ولدٌ، أنَّ حرمة النسب لها كانت أوكد من حرمة العتق بغير نسبٍ، فكذلك حرمة العتق الذي تعلَّقَ بالنسب.
ألا ترى: أنَّ المريض إذا وطئ جاريةً لا يملك غيرها فحملت أَنَّهَا تصير أم
_________________
(١) ينظر: النوادر والزيادات [١٣/ ١٤٢].
[ ٢ / ٥٤٩ ]
ولدٍ، ولم يجز بيعها في دَيْنٍ ولا يرثها ورثته، ولو أعتقها بالقول، لبيعت في الدَّين، وورث ورثته ما زاد على الثلث؛ من قبل أنَّ العتق بالقول لا يتعلَّق بالنسب، والوطء إذا حدث عنه ولدٌ فقد تعلَّق حرمة الموطوءة بحرمة النسب، فصار حرمتها أقوى من حرمة المعتقة بالقول دون الفعل، فلهذا قُبِلَ قول البائع بعد البيع أَنَّهَا أم ولدٍ، ولم يقبل قوله أنّه كان أعتقها بالقول، والله أعلم.
•••
[١٤٣٧] مسألة: قال: ومن تزوَّج امرأةً وشرط إن تَسَرَّى عليها فامرأته طالقٌ البتَّةَ، فلمّا حضرته الوفاة، استلحق ابنًا لجاريته، فإنّه يلحق به ويرثه، وترثه المرأة (^١).
• أمّا لحوق الولد به؛ فلأنه قد أقر على نفسه بنسب ولدٍ وُلِد على فراشه، فذلك يلزمه على ما بيَّنَّاه، ويرثه؛ لأنّه ابنه بثبوت نسبه منه.
وقوله: «ترثه المرأة التي كان حلف بطلاقها أنّه لا يتسَرَّى عليها»؛ فلأنَّ الولد قد يحدث من غير التسري، وهو أن يطأ أمَةَ غيره على فراشه، أو امرأةَ غيرِهِ يجدها على فراشه، فإذا نفى صاحب الفراش الولد الحادث، لحق ذلك بالواطئ بالشبهة، فورثت امراته لهذه العلة؛ لأنّه لا يُعْلم أنّه تسرَّى عليها لا محالة.
ووجهٌ آخرٌ، وهو أنَّ الطلاق كأنه لزمه في حال مرضه إن كان تسرَّى عليها؛
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٥)، البيان والتحصيل [٥/ ١٩٣]، البيان والتحصيل [٤/ ٢٩٢].
[ ٢ / ٥٥٠ ]
لأنّه إنّما يلزمه الطلاق في حال إقراره بالولد الحادث عن التسري، وذلك في حال مرضه، والمريض إذا طلق امرأته أو أقر أنّه طلق في صحته، ورثته زوجته إذا مات في مرضه، وإن كان طلاقًا بائنًا.
•••
[١٤٣٨] مسألة: قال: ومن قال لغلامه: «هذا ابني»، والغلام معروفٌ أنّه سِنْدِيٌّ، والرجل فارِسِيٌّ، هل يصير حرًّا - لِمَا استُوقِنَ من ذلك أنّه ليس بابنه ولا ولده -؟
فهو غير لاحقٍ به (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المقر إذا عُرِف كذبه في الأغلب، لم يقبل إقراره في نسبٍ كان أو غيره، وكذلك إذا تُيُقِّنَ كذبه فيما أقر به، وإن كان بإقراره ملزمًا لنفسه حقًا من نسبٍ أو حدٍّ أو غيره.
ألا ترى: أنّه إذا أقرَّ بنسبِ مَنْ هو أكبر منه أنّه ابنه لم يُقبل إقراره؛ لأنّه يُعلم كذبه في ذلك، وكذلك إذا أقرَّ المجبوبُ (^٢) أنّه زنا بعدما جُبَّ، لم يقبل إقراره؛ لأنّه يُعْلم كذبه، وكذا إذا أقرَّ بنسب ولد جاريةٍ في أرضٍ، يعلم أنَّ المُقِرَّ لم يدخلها، عُلِم كذبه ولم يلزمه ما أقر به، وكذلك كلّ ما كان في هذا المعنى مما يُعلم كذبه لا محالةَ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٥)، النوادر والزيادات [١٣/ ١٨٩]، البيان والتحصيل [١٤/ ٢٣٣].
(٢) قوله: «المجبوبُ»، هو مقطوع الذكر، وقيل: مقطوع الذكر والخصيتين، ينظر: شرح غريب ألفاظ المدونة، ص (٨٥)، المغرب للمطرزي، ص (٧٤).
[ ٢ / ٥٥١ ]
فإن كان الأغلب أنّه كاذبٌ في إقراره، لم يقبل منه؛ لأنّه يريد بذلك إلزام نفسه شيئًا لا يلزمه، ولعله يُخرِج بذلك حقًا لورثته إلى غيرهم.
•••
[١٤٣٩] مسألة: قال: ومن أنكر حمل أمته وزعم أنّه كان يعزل عنها، أُلحِقَ به الولد (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الولد قد يكون عن العزل، فليس يَسْقُط عنه الولد للعزلِ.
ألا ترى: إلى ما رواه أبو سعيدٍ الخدري، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال حيث سألوه عن العزل: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ مَا مِنْ نَسَمَةٍ قَدَّرَ اللهُ ﷿ أَنْ تَكُونَ إِلَّا كَانَتْ» (^٢)، وقد قال عمر بن الخطاب: «لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ قَدْ أَقَرَّ سَيِّدُهَا أَنَّهُ قد أَلَمَّ بِهَا إِلَّا أَلْزَمْتُهُ الوَلَدَ» (^٣).
ولَمَّا كان الوطء بملك اليمين بمنزلة الوطء في النكاح، ثمّ كان الولد يلزم بعقد النكاح مع إمكان الوطء إذا وُلِدَ لمدةٍ يجوز أن يكون للزوج، فكذلك يجب أن يلزم الواطئ بملك اليمين الولد إذا وطئ وأتت به لمثل ما تلد له النساء.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٦)، المختصر الصغير، ص (٦٥٧)، المدونة [٢/ ٣٨٦]، النوادر والزيادات [٥/ ٣٣٤]، البيان والتحصيل [٤/ ١١٧].
(٢) أخرجه مالك [٤/ ٨٥٧]، وهو في الصحيحين: البخاري (٤١٣٨)، مسلم [٤/ ١٥٨]، وهو في التحفة [٣/ ٣٧٨].
(٣) أخرجه مالك [٤/ ١٠٧٥]، وعبد الرزاق [٧/ ١٣٢].
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ألا ترى: أنَّ الأمة تحرم على أبي الواطئ وابنه إذا وطئ بملك يمينٍ أو شبهة ملكٍ، كما تحرم امرأة الابن على أبيه وابنه بعقد النكاح إذا كان صحيحًا.
فلمّا كان الوطء في ملك اليمين بمنزلة العقد في النكاح، ثمّ لحق الولد بعقد النكاح مع إمكان الوطء على ما ذكرنا، وجب أن يلحق بالوطء بملك اليمين وإن لم يُقِرَّ به الواطئ، كما يلزم الولد الواطئ بعقد النكاح وإن لم يقر بالوطء.
وأصل هذا، هو أنَّ الولد للفراش، كما قال رسول الله ﷺ: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» (^١)، فلمّا كانت الأمة تصير فراشًا للواطئ إذا كانت ملكًا له، لزمه الولد الحادث عن هذا الفراش وإن لم يقر به، كما يلزمه ذلك في عقد النكاح وإن لم يقر به، والله أعلم.
•••
[١٤٤٠] مسألة: قال: ومن تبرَّأَ من حمل أم ولده وزعم أنّه قد استبرأها، فذلك له، ولا لعان عليه ولا يمين (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ اللعان إنّما يكون في الزوجات في نفي ولدهن إذا وُلِد على فراش الواطئ - وهو الزوج - دون ملك اليمين؛ لأنَّ حرمة الوطء بعقد النكاح أوكد من حرمته بملك اليمين، وكذلك حرمة الولد الحادث بعقد النكاح
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢٠٥٣)، مسلم [٤/ ١٧١]، وهو في التحفة [١٢/ ٨٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٦)، المدونة [٢/ ٢٠]، النوادر والزيادات [٣/ ١٢٣ و٥/ ٣٥٠].
[ ٢ / ٥٥٣ ]
هي أوكد من حرمة الولد الحادث بملك اليمين، لذلك لم يكن اللعان في الولد الحادث بملك اليمين.
وقوله: «لا يمين عليه إذا قال: إنه ليس مني وقد استبرأها»؛ فلأنه لمّا كان قوله مقبولًا إذا قال: «قد استبرأتها»، ثمّ باعها، فكذلك قُبِل قوله: «إنه قد استبرأها، وأنَّ الولد ليس منه»؛ لأنّه مؤتمنٌ على ذلك، وله أن يسقطه من غير لعانٍ أو يمينٍ، وهذا قول مالك ﵀، حكاه ابن القاسم وغيره عنه (^١).
قال (^٢) عبد الملك: إنه يحلف يمينًا واحدًا أنّه قد استبرأها؛ لأنّه مؤتمن على ما يقوله، والقول قول المؤتمن مع يمينه فيما يدعيه، وقول مالكٍ أقيس؛ لِمَا ذكرناه.
•••
[١٤٤١] مسألة: قال: ومن ادَّعى عبدًا أعجميًا قدم به من الديلم (^٣)، فقال الرجل: «إنَّه ولدي»:
(فإن كانت أرضًا قد دخلها وكان بها، لَحِقَ به.
(وإن لم يكن دخلها ولا كان بها، لم يلحق به.
_________________
(١) ينظر: المدونة [٢/ ٢٠]، النوادر والزيادات [٥/ ٣٥٠].
(٢) قوله: «قال»، كذا في شب، ولعلها: «وقال».
(٣) قوله: «الديلم»، هي بلاد واسعة، ذات ألسنٍ وصورٍ مختلفةٍ، تنسب جميعها إلى بلاد الديلم، يحيط بها من شرقيها بلاد خراسان؛ ومن جنوبيها مدن الجبال؛ ومن غربها أذربيجان؛ ومن شماليها بحر الخزر، ينظر: حدود العالم من المشرق إلى المغرب، ص (١٥٣).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
فإن ألحقه به فأنكره عند موته وساعده المُدَّعَى عليه، فليس ذلك لهما، ويلحق به (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلنا: إنَّ كلّ من ادَّعَى ولدًا يُعلم كذبه لا محالة، وهو أن يكون أكبر من المُدَّعِي، أو يكون كاذبًا في الأغلب، لم تُقبل دعواه، ولم يلزمه نسب المُقَرِّ به، من ذلك أن يُقِرَّ بنسب غلامٍ قدِم به من أرضٍ لم يدخلها المُقِرُّ، يُعلم ذلك لا محالة، فهذا في الأغلب أنّه كاذبٌ، وإذا كان كذلك، لم يكن يلزمه الإقرار.
فأمّا إذا كان يشبه أن يكون كما قال، ولم يعلم كذبه لا محالة أو في الاغلب، قبل إقراره وثبت نسب المقر به، ثمّ لم يُقبل قوله بعد ذلك في إسقاطه.
وكذلك لو صدَّقه على ذلك المُقَرُّ به؛ من قِبَل أنَّ النسب إذا ثبت تعلَّقَ به حقٌّ لله ﷿، فلا يجوز أن يُتَّفَقَ فيه على رفعه؛ لأنَّ في ذلك إسقاط حقٍّ قد وجب لله تعالى.
•••
[١٤٤٢] مسألة: قال: وإذا باع الرّجل جاريةً حاملًا فتلد، ثمّ ادَّعى الوَلَدَ وزعم أنّه منه:
(فإن كان موسرًا، رُدَّ عليه.
(وإن كان لا شيء له، فلا أرى ذلك (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٦)، المدونة [٢/ ٥٤٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٦)، المدونة [٢/ ٥٣١ و٥٤٥].
[ ٢ / ٥٥٥ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان مُعسرًا فإنّه يريد إبطال حق غيره بغير بدلٍ يعطيه، فلا يقبل قوله.
فأمّا إذا كان موسرًا قُبِل قوله؛ لأنّه يُخْرِجُ ملك المشتري من يده ببدلٍ يعطيه إياه، فلا ضرر عليه في ذلك.
وأحسب أنَّ مالكًا قد قال: «إنَّ قوله في الولد يقبل وإن كان معسرًا، وأنَّ النسب يلحق به، ويتبعه البائع بثمن الولد دَينًا في ذمَّته» (^١).
ووجه هذا القول ما ذكرناه من وكود حرمة النسب، فقبل قوله موسرًا كان أو معسرًا.
•••
[١٤٤٣] مسألة: قال: ومن طلب منه ذو قرابةٍ له مسكنًا ليسكنه، فقال: «هو لامرأتي»، ثمّ طلبه آخر، فقال مثل ذلك، ثمّ قامت المرأة عليه، فقال: «إنّما قلته تنجِّيًَا منهما»، فذلك له ولا شيء لها على هذا الوجه.
وقد يَطْلُبُ السلطانُ العبدَ أو الأمةَ من الرجل، فيقول: «هو مُدَبَّرٌ»، «وقد ولدت الأمة مني»؛ مخافة أن يأخذ ذلك منه، فليس عليه شيءٌ، وليس مثل هذا شهادة (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ إقراره لغيره على هذا الوجه؛ انما هو ليدفع الظلم
_________________
(١) ينظر: المدونة [٢/ ٥٣١ و٥٤٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٦)، النوادر والزيادات [١١/ ٥٨٦]، البيان والتحصيل [١٤/ ١٤٢].
[ ٢ / ٥٥٦ ]
عن نفسه ممن يريده، لا أنّه أراد بذلك الإقرار له، وهو بمنزلة إقرار المضطر، أنَّ ذلك غير لازمٍ له؛ لأنّه لم يكن منه على وجه الاختيار بما يُعرف من حاله، فكذلك هذا المقرُّ لغيره إذا أراد إزالة ظلمٍ أو منع من يطلب ذلك منه، ممن يثقل عليه ردُّه.
•••
[١٤٤٤] مسألة: قال: ومن أقرَّ لامرأته بدَينٍ، فعليه المخرج بالبيِّنة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإقرار بالدَّين متعلقٌ بالذمَّة.
(وكلّ شيء تعلق بالذمَّة، ثمّ ادَّعى خروجه منه فإنَّ قوله غير مقبولٍ، إلّا أن يقيم بينةً على ذلك.
(وكلّ من أقر بشيءٍ في يده على وجه الأمانة، ثمّ ذكر الخروج منه، فالقول قوله مع يمينه، إذا ذكر أنّه قد رده على صاحبه، أو ضاع ذلك منه، وقد بيَّناه فيما تقدَّم.
•••
[١٤٤٥] مسألة: قال: ومن قبض لها زوجها شيئًا بوكالةٍ، أو باع لها أو اشترى لها، فالقول قوله في ذلك مع يمينه إذا ادَّعى أنّه دفعه إليها (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٦)، منتخب الأحكام [١/ ١٧٩]، البيان والتحصيل [١٠/ ٣٨٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٦)، النوادر والزيادات [٧/ ٢٢٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٣٥٥].
[ ٢ / ٥٥٧ ]
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: وهو أنَّ هذه الاشياء أمانةٌ في يده لا في ذمَّته، فالقول قوله مع يمينه في دفع ذلك إلى امرأته.
•••
[١٤٤٦] مسألة: قال: ومن أتى إلى رجلٍ فقال: «إنَّ أباك أسلفني مئة دينارٍ، وَبَقِيَتْ لَهُ عشرةٌ»، وقد هلك الأب:
(فإن كان ذلك قد طال، فهو مُصدَّقٌ.
(وإن كان حديثًا، فعليه البينة.
وقد قيل: إنه يغرم ذلك كله، إلّا أن يأتي بالبينة، وهو أحب إلينا (^١).
• وجه قوله: «إنَّ قوله يقبل فيما ذكر من دفع ذلك»؛ فلأنه لم يقصد الإقرار بالمئة، وإنما ذكر ذلك على وجه الحمد لمن فعل ذلك به، ولم يحصل إقراره بغير العشرة.
ووجه القول الآخر؛ فلأنه قد أقَرَّ بالمئة وادَّعى الخروج من تسعين، فلا يقبل قوله بغير بينةٍ؛ لأنَّ كلّ من أقر بشيءٍ في ذمّته، ثمّ ادعى الخروج منه، لم يقبل قوله بغير بينةٍ.
•••
[١٤٤٧] مسألة: قال: ومن أقرَّ لرجلٍ بمالٍ عليه، وقال: «دفعته إليه»، لزمه المخرج منه بالبينة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٦).
[ ٢ / ٥٥٨ ]
وإنما يُقبل ما ذَكَر: عَلَيْهِ وَلَهُ، في الحساب والشركة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ من أقرَّ بشيءٍ في ذمَّته، ثمّ ادَّعى الخروج منه، لم يقبل ذلك منه بغير بينةٍ، وإذا أقرَّ بشيءٍ هو في أمانته دون ذمَّته، قُبِل قوله إذا قال: دفعته إلى من ائتمنه، وذلك كمال الوديعة والشركة وأشباه ذلك.
•••
[١٤٤٨] مسألة: قال: ومن أقر لرجلٍ برهنٍ، وأنكر الرّجل وقال: «وديعةٌ أو عاريةٌ»، فذلك له، وعليه اليمين (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي في يده الشّيء قد أقَرَّ لصاحبه بملكه وادَّعى فيه حقًا، وهو قوله: «إنه رهنٌ»، فلا يقبل قوله على ربّ الشّيء بغير بينةٍ، والقول قول صاحبه أنّه وديعةٌ أو عاريةٌ مع يمينه؛ لأنّه منكرٌ لِمَا ادَّعاه الآخر أنّه رهنٌ.
•••
[١٤٤٩] مسألة: قال: ومن ذكر رجلًا حيًا أو ميتًا فقال: «جزاه الله خيرًا ما أقرب معروفه، لقد جئته مرَّةً فأسلفني كذا وكذا»، فطلب ذَلِكَ الرَّجُلُ أَو وَرَثَتُهُ، فليس ذلك لهم إذا كان على هذا الوجه ولم يذكره عند تقاضي أحدٍ له ولا دعواه (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٧)، النوادر والزيادات [٩/ ٢٢٨]، البيان والتحصيل [١٠/ ٤٧٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٣٦]، الجامع لابن يونس [١٢/ ٦١١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٩٧)، النوادر والزيادات [٩/ ١٩٠]، البيان والتحصيل [١٠/ ٤٣٧].
[ ٢ / ٥٥٩ ]
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ هذا لم يقصد بقوله الإقرار، وإنما قصد الشكر والدعاء، فلم يلزمه حكم الإقرار، إلّا أن يكون ذلك عند تقاضٍ ومطالبةٍ، فيلزمه إذا ذكر ذلك عند المطالبة؛ لأنَّ ذلك على وجه الإقرار منه.
•••
[١٤٥٠] مسألة: قال: ومن اعترف لرجلٍ بمتاعٍ لَهُ رَهَنَهُ ولا بَيِّنَةَ له، فإنَّ الورثة يحلفون: «ما نعلمه رهنك هذا المتاع، ولا نعلم لك عليه ما ادَّعيت» (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي في يده المتاع قد أقرَّ بأنَّ ملكه لغيره، وادَّعى أنّه رَهْنٌ عنده، فلا يقبل قوله بغير بينةٍ.
وعلى مالك الشّيء أن يحلف ما هُوَ رَهْنٌ عنده إن كان باقيًا، أو يحلف ورثته إن كان قد مات أنهم لا يعلمون أنَّه رَهنٌ؛ لأنّه مُدَّعٍ للرهن، فعليه البينة، والمُدَّعى عليه منكرٌ، فعليه اليمين.
•••
[١٤٥١] مسألة: قال: ومن طُلِب منه منزلٌ بكراءٍ، فقال: «هو لابنتي حتى أستشيرها»، ثمّ مات الأب وطلبت الابنة المنزل بهذه الشّهادة، فلا ينفعها ذلك إلّا أن تكون حازت، أو يَكُونَ لها على هبته أو صدَقَتِه شهودٌ.
وكذلك لو كانت البنت صغيرةً فلا حق لها في ذلك (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٧)، النوادر والزيادات [١٠/ ٢٣٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٧)، النوادر والزيادات [٩/ ١٩٢ و١٢/ ٢٣٨]، منتخب الأحكام [١/ ١٨٩]، البيان والتحصيل [١٣/ ٣٩٣].
[ ٢ / ٥٦٠ ]
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ هذا القول منه ليس على وجه الإقرار منه لابنته، وإنما أراد به إزالة ظلمٍ أو رَدِّ من يثقل أمره عليه، هذا معروفٌ من النّاس أنهم يفعلونه، وذلك يكون منهم لا على وجه التمليك والإقرار لأولادهم، أو لمن ذَكَروا ذلك وأضافوه إليه، فجرى هذا مجرى إقرار المُكْرَه أنَّ ذلك غير لازمٍ له؛ لأنّه لم يقصده.
وسواءٌ كان ولده صغيرًا أو كبيرًا، إذ لم يجز ذلك في حياته، أعني: حياة الأب؛ لأنَّ ذلك كان قولًا لا حقيقة له، والله أعلم.
•••
[١٤٥٢] مسألة: قال: ومن اعترف لامرأته بدَينٍ في مرضه، ثمّ صحَّ فادَّعى التوليج، فليس ذلك له (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ إقراره بالدَّين قد لزمه وتعلَّق بذمَّته، فلا يقبل منه أنَّ ذلك كان غير صحيحٍ؛ لأنّه يريد بذلك إسقاط ما قد لزمه وتعلَّق بذمَّته من الإقرار.
•••
[١٤٥٣] مسألة: قال: ومن اعتَرَفَ دابَّةً بيد رجلٍ، وقال: «بيِّنَتي غُيَّب»،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٧)، النوادر والزيادات [١١/ ٥٨٣]، البيان والتحصيل [١٠/ ٤١٠].
[ ٢ / ٥٦١ ]
وأنكر ذلك ربُّ الدابة، ويقول الطالب: «أنا أضع (^١) قيمتها وأخرج بها»، فليس ذلك له، إلّا أن يأتي بشبهة شاهدٍ يشهد أنْ قد سُرِقَتْ له دابةٌ (^٢).
• إنّما قال: «إنه يأخذ الدابة إذا أتى بشبهةٍ من بيِّنةٍ - وإن كانت غير قاطعةٍ - أنَّ دابته سُرِقَت بعد أن يضع قيمتها»، فلجواز أن يكون الأمر كما قال، ويشهد الشهود الذين له في البلد الذي يذكر أَنَّهَا سُرِقت منه على عين الدابة، ليصل إلى حقه، ويكون الذي أخذها من يده أيضًا لا ضرر عليه في ذلك؛ لأنّه قد أخذ بدلها وهي القيمة.
وقد قال مالك: «إنَّ له أن يأخذها بعد أن يضع القيمة، وإن لم تكن له شهادة» (^٣).
وقال عبد الملك: «ليس له أخذها إلّا بعد أن يقيم الشّهادة عند الحاكم أنَّ دابَّةً سُرِقت منه، صفتها كذا وكذا، للدابة التي اعترفها، ثمّ يُخْرِجُ القيمةَ ويَدْفَعُ إليه ليذهب بها إلى شهوده فيشهدوا على عينها إن كانت هي، وَإِلّا ردَّها وأخذ القيمة» (^٤).
وهذا القول كأنه أشبه؛ من قِبَل أنّه لو سُوِّغَ للمدَّعِي أَخْذَها من غير بينةٍ تقوم
_________________
(١) قوله: «أضع»، كذا في شب، وفي المطبوع: «أدفع».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٧).
(٣) لم أقف عليه، وتنظر المسألة في: المدونة [٤/ ٤٦٣]، النوادر والزيادات [٨/ ١٨٥].
(٤) لم أقف عليه.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
له على صفة الدابة؛ لأضر ذلك بالناس، ولادَّعى من ليس بمأمونٍ ذلك وأخَذَ أموالهم بغير بينةٍ تقوم له على دعواه، ولدخل عليهم في ذلك ضررٌ.
•••
[١٤٥٤] مسألة: قال: ولو اعترف رجلٌ دابَّةً وقامت له بينةٌ، فقال: «اشتريت منك» أو «وَهَبْتَ لي»، فينكر ويقول: «أنا أذهب بها حتى أقيم البينة»، فليس ذلك له، ويحلف بالله: «ما باع ولا وهب»، ويأخذ دابته (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المعترف قد استحق الدابة ووجبت له بالبينة التي شهدت له، وليس يقبل قول من هي في يده: «أنّه اشتراها أو وهبت له»، دون أن يقيم بينةً على ذلك، وَإِلّا حلف صاحبها أنّه ما باعها له ولا وهبها منه؛ لأنَّ البيّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ.
•••
[١٤٥٥] مسألة: قال: وإذا ادَّعَت الجارية الحرية وشُهودها غُيَّبٌ - بموضعٍ تذكره -:
(فإن جاءت بشهودٍ أو شهادةٍ غير قاطعةٍ، أُقِرَّتْ - عند سيدها إن كان مأمونًا، ويُمنع من وطئها، وإن لم يكن مأمونًا، عُزِلت إلى امرأةٍ، - وضُرِب لها أجل شهرٍ أو شهرين، وأُخِذَ عليها حميلٌ.
والعبد أيضًا يؤخذ عليه حميلٌ ويؤجل لطلب بينته كما قُلت لك.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٧)، المدونة [٤/ ٤٦٣]، النوادر والزيادات [٨/ ١٨٦]، منتخب الأحكام [٢/ ٢١٩].
[ ٢ / ٥٦٣ ]
(وإن لم تكن له (^١) شهادةٌ ولا بظاهرٍ، لم يُؤَجَّلا ولم يُؤخذ منهما حميلٌ، فإن أتيا بشيءٍ قُبِلَ منهما.
وإن قالا: «لا نجد حميلًا» وجاء (^٢) ببينةٍ كما قلت، فإنّه يُمَكَّنُ من الخروج فيأتي بشهداء، وإن لم يأت بذلك، طرح لسيده في السجن، ويُوَكَّلُ من يقوم له فيما يدعي، ولا يخلى فيهرب.
فإن خرج فلم يأت ببينةٍ وانقضى أجله وأجلٌ بعده ولم يأت بشيءٍ، وهو على دعواه بعد في شهدائه، فإنّه إذا أعذر إليهما في الأجل قُضِيَ عليه، وكذلك الرّجل يدَّعي البيّنة فتضرب له الآجال.
وذلك يختلف من الرّجل الصالح، فذلك يزاد، والمُلِدُّ الظلوم، فذلك يقضى عليه (^٣) (^٤).
• إنّما قال: «إنَّ الجارية والعبد يمُكَّنان من إقامة البيّنة إذا ادَّعيا الحرية وأتيا بشبهةٍ على دعواهما من شهادةٍ غير قاطعةٍ أو سماعٍ ممن يذكر ذلك»؛ فلجواز أن يكون الأمر على ما قالا، ولتأكيد سبب الحرية، فأوجب أن يمكنا
_________________
(١) قوله: «له»، كذا في شب، ولعلها: «لهما»، كما يدل عليه السياق.
(٢) قوله: «وجاء»، كذا في شب.
(٣) من قوله: «وإن لم يكن مأمونًا، عُزِلت إلى امرأةٍ»، إلى هذا الموضع، ساقط من المطبوع.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٩٨)، النوادر والزيادات [٨/ ١٨٣]، البيان والتحصيل [٩/ ٢٦٩].
[ ٢ / ٥٦٤ ]
من ذلك؛ لأنَّ في ذلك ثبوت حقٍّ الله ﷿ من الحرية، وثبوت حقهما في أنفسهما وتصرُّفِهما فيها بالحرية.
فإذا كان كذلك مُكِّنَا من إقامة الشّهادة وطلبها، وضُرِب لهما في ذلك أجلٌ على حسب ما يراه الحاكم من ذلك، وعلى حسب ما يُعرَفُ من صدق قولهما.
فإن لم تكن لهما شبهةٌ من شهادةٍ ولا سماعٍ، لم يُمَكَّنا من ذلك، وكانا على أصل الرقِّ.
وكذلك إذا ادَّعَيا أنَّ سيدهما أعتقهما وكانت لهما شبهةٌ من شهادةٍ، وإن لم تكن قاطعةً، استحلف سيدهما أنّه لم يعتقهما، وإن لم يكن لهما ذلك، لم يُستحلف؛ لأنّه لو استُحْلِفَ مع دعواهما بغير شبهةٍ لأضر ذلك بسادة العبيد، ولَمَا شاء عبدٌ أن يدَّعي ذلك إلّا فعل.
وكذلك المرأة إذا ادَّعت على زوجها الطلاق، لم يستحلف بقولها، إلّا أن تكون لها شبهةٌ من بيِّنَةٍ، وقد بيَّنا ذلك فيما تقدَّم (^١).
ومتى ظهر للحاكم أنهما غير مُحِقَّيْنِ فيما ادَّعَيا من شهادةٍ أو عتقٍ، منعهما من ذلك وحبسهما، أو أدَّبَهما؛ ليرتدعا عن ذلك، ويلْزَما خدمة سيدهما وما يلزمهما من أحكام الرقِّ؛ لأنهما قد فعلا ما يضرُّ بسيدهما، فوجب منعهما منه.
•••
[١٤٥٦] مسألة: قال: وإذا ادَّعت الجارية الحرية ونسبت بلادها وقبيلتها:
_________________
(١) تنظر: المسألة رقم ٨٧٦.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
(فإن كان ما ادَّعت شيئًا له وجهٌ، كَتَبَ الوالي بأمرها حتى يستبرئ (^١) ذلك، والنفقة والمؤنة في ذلك على المشتري، ولا تُرد على البائع بقولها.
فإن تبيَّن صدق ما قالت، رُدَّتْ على البائع، ولم يلزمه شيءٌ مما أنفق المشتري.
(وإن سمَّت بلدًا بعيدًا ولم تنسب نسبًا يُعْرَف إلّا أمر ملتَبِس، بطلت دعواها.
وإن نزعت عن قولها، بطلت دعواها إلّا أن تخاف.
قال: وقال ابن القاسم: ويَرْجِع السيد عليها إذا خرجت حرَّةً بالنفقة التي أنفق عليها باستبانة أمرها (^٢).
• إنّما قال: «إن الوالي يكتب بأمرها حتى يستبرئ ذلك»؛ فلجواز أن تكون حرةً كما قالت، ولها على ذلك بينةٌ، وليس يجوز منعها من تثبيت ذلك؛ لأنّه في ثبوته حقًا لله ﷿، وحقًا لها، كما ذكرنا.
وقوله: «إنَّ النفقة والمؤنة على المشتري»؛ فلأنها مُلْكُهُ حتى ينكشف غير ذلك، وما أنفق على ملكه لم يرجع به على غيره وهو البائع.
وكذلك إذا انكشف أَنَّهَا حرَّةٌ، رجع على البائع بالثمن ولم يرجع عليه بالنفقة؛ لأنّه أنفق على أَنَّهَا ملكه.
_________________
(١) قوله: «يستبرئ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «يستبين».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٨)، منتخب الأحكام [١/ ١٥٨]، النوادر والزيادات [٨/ ١٨٣]، البيان والتحصيل [١١/ ١٤٠].
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وإن ذكرت بلدًا بعيدًا ونسبًا لا يعرف، لم يُقبل منها؛ لأنّها تريد الإضرار بسيدها وإسقاط حكم الرق والخدمة عنها بما تذكره.
وقول ابن القاسم: «إنَّ عليها النفقة إذا خرجت حرةً»؛ فلأنَّ الذي أنفق عليها قد فعل ما عليها أن تفعل من نفقتها على نفسها، فعليها رَدُّ ذلك إليه.
ويشبه أن يكون لا نفقة عليه لها؛ لأنّه إنّما أنفق على أَنَّهَا ملكه، ولم ينفق ليرجع عليها، والله أعلم.
•••
[١٤٥٧] مسألة: قال: ومن دفع إلى رجلٍ ذهبًا في خرقةٍ بحضرة شهودٍ، فقال: «هذه مثل الذي تسألني»، وقبضها، ثمّ ادَّعى بعد ذلك أن لم يجد فيها إلّا خمسين، أو وجدها نحاسًا، فلا قول له، ولكن يحلف الذي دفعها: «لقد كانت كما حدثتك»، ويبرأ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المدفوع اليه قد صَدَّقَ الدافع على ما قاله وقَبِلَ قوله، فلزمه ذلك، وليس له بعد ذلك أن يقول: «إنها على خلاف ما قلته لي»، إلّا أن يقيم بيِّنَةً على ذلك، وهو أن يفتحها قبل أن يقوم من موضعه بحضرة الشهود، فيجدها على خلاف ما ذكر.
•••
[١٤٥٨] مسألة: قال: وإن قال له: «اذْهَبْ فإن أنكرت شيئًا أبدلت لك»،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٨)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٥٤)، الأحكام لابن حبيب، ص (١٥٢).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
فالقول قول الذي دُفِعَت إليه مع يَمِينِهِ، ويَمِينُهُ أن يحلف بالله: «ما أعطاه إلّا جيادًا (^١) في علمي».
وقد قال: إنه يحلف بالله: «ما أعطاه إلّا جيدًا»، والأول أعجب إلينا (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدافع في هذا قد ائتمن المدفوع إليه على ما يقوله من الجودة والعدد، فالقول قوله مع يمينه: «إنه ما أعطاه إلّا جيادًا، [و] ما (^٣) ردَّه هو من دراهم الدافع التي يدفعها إليه» (^٤).
وقوله: «ويمينه: أن يحلف بالله ﷿ ما أعطاه إلّا جيادًا»، يرجع إلى المسألة الأولى (^٥)؛ لأنَّ المدفوع إليه بتصديقه الدافع قد ائتمنه على ذلك، فكان القول قول الدافع مع يمينه.
وفي هذه المسألة، القول قول المدفوع إليه مع يمينه؛ لأنّه بقول الدافع له: «اذهب فإن أنْكَرْتَ شيئًا أبدلت ذلك» فقد ائتمنه.
ويحلف في المسألة الأولى في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى على العلم، وفي المسألة الثانية على البت (^٦) فقط.
_________________
(١) يعني: ليست مزيفة، ينظر: فتاوى ابن سحنون، ص (٦٤).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٩٨)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٥٤).
(٣) ما بين [] مطموس، والسياق يقتضيه.
(٤) ما بين «»، مثبت من الحاشية.
(٥) يعني: المسألة المتقدِّمة قبل هذه المسألة.
(٦) قوله: «البت»، يعني: القطع، ينظر: طلبة الطلبة، ص (٥٠)، المغرب للمطرزي، ص (٣٣).
[ ٢ / ٥٦٨ ]
والقياس أن يحلف على البت لا العلم؛ لأنّه يعلم أَنَّهَا جيادٌ حقيقيةً أم غير جيادٍ.
ووجه قوله: «إنه يحلف على العلم أَنَّهَا جيادٌ»؛ فلأنَّ النقد أصله الاجتهاد، وقد يجوز الغلط فيه، فليس عليه أن يحلف على القطع أَنَّهَا جيادٌ.
•••
[١٤٥٩] مسألة: قال: ومن استسلف رجلًا دينارًا، فقال المستسلف: «ما أسلفتني إلّا دينارًا لا يسوى درهمًا»، فإنَّ صاحب الدينار الذي أسلفه يحلف: «لقد أعطيتك دينارًا جيِّدًا»، ثمّ يأخذ منه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المستسلف قد أقرَّ أنَّ عليه دينارًا للمُسلِف وادَّعى أنّه غير جيدٍ، فلا يقبل ذلك منه إلّا ببينةٍ، وَإِلّا حلف الآخر: «أنَّه ما أقرضه دينارًا جيدًا» ثمّ يأخذ منه.
•••
[١٤٦٠] مسألة: قال: وإذا فارق الرّجل امرأته واختلفا في متاع البيت:
(فما كان من متاع النساء، فهو لها.
(وما كان من متاع الرجال، فهو للرجل.
(وما كان مما يصلح لهما جميعًا: حلف على ذلك وكان له، فإن نكل أحلفت المرأة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٨)، موطأ ابن وهب، كتاب القضاء في البيوع، ص (٥٤).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
(وما كان من متاع النساء فأتى عليه بالبينة، فإنّه يحلف مع البينة: «أنَّه ما أعطَتْهُ ثمن ذلك المتاع يشتريه لها»، فإن حلف، كان ذلك له.
وإن ادَّعى ذلك أهل المرأة بعد موتها مما يكون من متاع النساء، فإنهم يحلفون: «ما علمنا ذلك»، ثمّ يكون لهم.
وما أحدثت (^١) في بيت زوجها، مثل النسج للثياب - كما تفعل المرأة في بيت زوجها، فيعطيها الصوف فتغزله وتنسجه -، ثمّ تموت فيدَّعيانه، فهما فيه شريكان، يكون لها فيه عملها، ويكون له ثمنه.
والطست والتور (^٢) من متاع المرأة، وفرش البيت لها (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ يد الرّجل والمرأة لمّا كانا متساويان في حوزهما متاع البيت وقبضهما له، ثمّ ادَّعى كلّ واحدٍ منهما أنَّ ذلك له، وجب أن يُحْكَم به لأقواهما سببًا مع يمينه، وذلك بأن يدَّعي كلّ واحدٍ منهما المتاع الذي يشبه أن يكون له؛ لأنَّ سببه أقوى فيما يدعيه من سبب صاحبه؛ لأنَّ في الأغلب أنَّ ثياب النساء إنّما تلبسها النساء، وكذلك ما يصلح لهن من المتاع، وكذلك ثياب الرجال في الأغلب هي للرجل؛ لأنّه لبسُهُ، وكذلك ما يستعمله.
_________________
(١) قوله: «أحدثت»، كذا في شب، وفي المطبوع: «أخذت».
(٢) قوله: «والتور»، هو إناء صغير، يشرب فيه ويتوضأ، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٦٣).
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٩٨)، وقد نقل ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [٤/ ٦١٦، ٦١٨]، وينظر: المدونة [٢/ ١٨٧]، منتخب الأحكام [١/ ١٦٨].
[ ٢ / ٥٧٠ ]
فلهذه العلَّة وجب تغليب قول مُدَّعي الأشبه مع يمينه إذا استويا جميعًا في اليد.
وليس يشبه هذا ما قال مخالفنا من دعوى العَطَّارِ العِطْرَ، والدَّبَّاغِ الجلود (^١)، أنّه يُحكم بذلك للأشبه منهما فيما يدعيه إذا كان المتاع لأشبه المتداعيين؛ من قِبَلِ أنَّ يد المتداعيين هاهنا ليست واحدةً فيما يدعيانه، وإنما هو في يد أحدهما، فاليد أقوى من دعوى الأشبه منهما، وفي الزوجين فليس أحدهما أولى باليد من الآخر؛ لأنَّ أيديهما جميعًا في متاع البيت واحدةٌ.
ومثال هذا، أن تكون يد العطار والدباغ واحدةً فيما يتنازعاه، فيجوز أن يُحكم لمدعي الأشبه منهما، وكذلك إن كان الشّيء في يد غيرهما لا يدَّعيه لنفسه، حُكِم للأشبه بالدعوى منهما؛ لأنَّ في الأصول: الحكم لمُدَّعِي الأشبه مع يمينه.
ألا ترى: أنا نحكم في النقد إذا اختُلِفَ فيه لمدَّعي الأشبه بِعُرْفِ النّاس في البلد الذي هما فيه، وكذلك إذا اختلفا في الحمولة والسير وأشباه ذلك، فإنّه يُرْجع في ذلك إلى مُدَّعِي الأشبه بما يعرفه النّاس في البلد الذي هما فيه، فيُحكم له مع يمينه.
وقد رُوِيَ حديثٌ، رواه حذيفة، عن النبيِّ ﷺ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ
_________________
(١) المخالف المقصود هنا الشافعية، ينظر: الأم للشافعي [٦/ ٢٥٠]، الحاوي للماوردي [٢١/ ٤٤٤].
[ ٢ / ٥٧١ ]
فِي خُصٍّ تَنَازَعَاهُ، فَحَكَمَ لِصَاحِبِ القِمْطِ» (^١) يعني: الشد؛ لأنَّ الأغلب من عرف النّاس أنَّ وجه الخُصِّ يكون إلى الذي هو له.
وقوله: «وما كان يصلح لهما جميعًا حلف على ذلك وكان له»؛ فلأنَّ سبب الرّجل أقوى؛ لأنَّ البيت بيته، فوجب تغليب سببه وقوة أمره لهذه العلة، فإن نكل حلفت المرأة؛ لأنَّ سببها قد قوي، وهو امتناع الزوج من اليمين، فوجب أنْ يُحْكَم لها مع يمينها، وكلّ من أقام البيّنة أنَّ المتاع له، فإنّه يُحْكم له بذلك؛ لأنَّ البيّنة أقوى من اليد بغير بينةٍ، ويحلف أنّه لم يشتره لامرأته إن ادَّعَتْ عليه ذلك.
وكذلك حكم أهل المرأة وأهل الزوج إن ماتا جميعًا بعد وقوع الطلاق وبعد أن اختلفا في المتاع؛ لأنهما يقومان مقامهما في الميراث، وحكم الوارث حكم الموروث في حقوق الأموال، فوجب أن يكون حكمهما كذلك: أنَّ القول قول مُدَّعِي الأشبه منهما مع يمينه، كما يكون ذلك لمن ورث عنه.
وقوله: «ما أحدثت المرأة في بيت زوجها، مثل: النسج وغيره من العمل، فإنهما يشتركان فيه»؛ فلأنَّ كلّ واحدٍ منهما قد ثبت له حقٌّ في عين المتاع الذي هو بينهما، فوجب أن يُعطى كلّ واحدٍ منهما حقه من ذلك، على حسب قيمة العمل وقيمة الشّيء المعمول فيه بغير عملٍ، يكونان شريكين على حسب ذلك.
وقوله: «إنَّ الطست والتور من متاع المرأة، وفرش البيت لها»؛ فإنَّ هذا كله في الأغلب مما يكون للمرأة، فوجب أن يكون لها ذلك مع يمينها.
•••
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه [٣/ ٤٣٣]، وهو في التحفة [٢/ ٤٠٧].
[ ٢ / ٥٧٢ ]
[١٤٦١] مسألة: قال: وما اشترى الرّجل من متاع المرأة فهو له، إلّا أن تقيم بيِّنةً أَنَّهَا دفعت إليه ثمنه ليشتريه لها، وَإِلّا فيمينه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما اشتراه الرّجل فهو له؛ لأنّه قد عُلِم أنَّ الملك في الظاهر قد وقع له بالشري، سواءٌ كان ذلك من متاع المرأة أو الرجل، إلّا أن تقيم المرأة بيِّنَةً أنَّ الشراء كان لها، وأنها دفعت إليه ثمن ذلك.
فإن لم تكن لها بينةٌ، حلف هو أَنَّهَا لم تدفع إليه ثمنه؛ لأنّها مدَّعِيةٌ وهو منكِرٌ، والبينة على المدَّعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ.
[١٤٦٢] مسألة: قال: وسَفَطُ (^٢) الرّجل الذي تأتي به المرأة، فهو لها إذا اختلفا فيه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد عُلِم أنَّ ذلك ملكها؛ لأنّها هي التي جاءت به لا الزوج.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٩)، المدونة [٢/ ١٨٧]، النوادر والزيادات [٤/ ٦١٦]، منتخب الأحكام [١/ ١٦٩].
(٢) قوله: «وسَفَطُ»، كذا رسمها في شب، والسفط هو ما يعبأ فيه الطيب وما أشبهه من آلات النساء، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٢٢٦)، وفي النوادر والزيادات [٤/ ٤٨١]: «وما أرسلت به إليه عند البناء، من: غلالةٍ، وملحفةٍ وسبنية طيبٍ وسفطٍ، فهو كسائر جهازها»، وفي المطبوع: «سقط».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٩٩)، النوادر والزيادات [٤/ ٤٨١].
[ ٢ / ٥٧٣ ]
[١٤٦٣] مسألة: قال: وإذا ادَّعَت أم الولد متاع البيت، كُلِّفَت البيّنة على متاع النساء، وليست بمنزلة الحرة، وما أعطاها سيدها من الحلي والثياب فهو لها.
وما كان من متاع البيت، مثل: الفرش والحلي واللحاف والثياب التي على ظهرها، فهو لها (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أم الولد ليس لها ملكٌ مستقرٌّ على ما في يدها كاستقرار ملك الحرة على ملكها، فلم يقبل قول أم الولد: أنَّ ذلك لها وإن كان يشبه متاع النساء؛ لأنَّ حكم يدها وملكها مخالِفٌ لحكم يد الحرة وملكها.
فأمّا ما كان من الثياب التي تلبسها أو تنام فيها مما لا بد لها منه، فهو لها؛ لأنَّ ذلك في الأغلب لها؛ إذ لا بد لها منه، وليس يجوز لسيدها تركها من غير ما يُصلحها من ثيابٍ وفرشٍ، يعلم أنَّ ذلك لها؛ لقوة سببها فيما تدَّعيه.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٩٩)، النوادر والزيادات [١٣/ ١٨٥]، البيان والتحصيل [٤/ ٩١].
[ ٢ / ٥٧٤ ]