باب إجارة الدور والأرضين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فيمن ذكر أنّه غلط في ثمن سلعةٍ باعها مرابحةً
(٢) - (ومن باع سلعةً مرابحةً، ثمّ ذكر أنّ ثمنها أقلّ ممّا ذكره أوّلًا، وأنّه غلط في ذلك، ولم يرض بالرّبح الأول: فإن تراضيا هو والمشتري على شيءٍ جاز، وَإِلّا فسخ البيع، إلّا أن تفوت السّلعة في يد مشتريها، فتلزمه قيمتها ما لم تنقص من رأس ماله الذي رجع إليه، والرّبح على حسابه ما لم يزد على الثّمن الذي وافقه عليه أولًا. وإن ذكر أنّ ثمنها أكثر مما أخبره به أوّلًا، لم يُقبَل قوله في ذلك إلّا ببيِّنة. فإن قامت له على ذلك بيّنةٌ والسلعة قائمةٌ: فإن تراضيا هو والمشتري على شيءٍ جاز، وَإِلّا فسخ البيع. فإن فاتت السّلعة في يد مشتريها، ضمن قيمتها، ما لم تزد على الثمن الذي أخبره به ثانيًا، وربحه بحسابه، ما لم ينقص عن الثّمن الذي أخبره أوّلًا، وربحه بحسابه). قال في شرح التفريع [٨/ ١٨٣]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما خيّر البائع في الفوات بين أن يأخذ ربحها على ما ذكر من رأس المال، أو قيمتها يوم قبضها؛ لأنّه يقول: أنا لو علمت أنّ شراءَها بهذا الرّخص لم أبعها بهذا الثمن، ولم أرض بهذا الربح ولبعتها بربحٍ أكثر منه، فكان لقوله هذا وجهٌ، إلّا أن تكون القيمة أقلّ من رأس ماله وربحه الذي باع به، فلا ينقص منه؛ لأنّه إنّما جاء يطلب الفضل لا النّقصان».
(٣) - (قال مالكٌ ﵁: ومن كذب في المرابحة متعمّدًا، فإنّه يؤدّب ويُردُّ البيع إن أُدْرِكَ، وتُردّ السّلعة إلى القيمة إن فاتت). قال في شرح التفريع [٨/ ١٨٦]: «قال الأبهري ﵁: لأنّ البائع فعل ما قد نهي عنه، فوجب أن يعاقب ويردّ بيعه عقوبةً له؛ لئلا يعود لمثله». كتاب الإجارة والجعل باب إجارة الدّور والأرضين
(٤) - (ولا بأس بإجارة الدّور والأرضين والحوانيت والرقيق والعروض).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
حكم الاستئجار مشاهرة
أقسام الإجارة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ١٨٨]: «والأصل في جواز الإجارة: الكتاب والسنّة والإجماع … قال الأبهري ﵁: ولأنّ بالنّاس حاجةً إلى مُلكِ المنافع، كحاجتهم إلى تملّك الأعيان». حكم الاستئجار مشاهرةً
(٢) - (ولا بأس بإجارة الدّور والأرضين والحوانيت مشاهرةً، وإن لم يقدّر للإجارة مدّةً معلومةً، ولا بأس بإجارتها مدّةً معلومةً. ومن استأجر مشاهرةً، فله أن يَخْرُجَ متى شاء، ويلزمه من الكراء بقدر ما مضى من المدّة، ولربّ العقار أن يخرجه متى شاء، ولا يلزمه كراء الشّهر كلّه. وقال عبد الملك: يلزمه في المشاهرة كراء شهرٍ واحدٍ). قال في شرح التفريع [٨/ ١٩١]: «إذا ثبت هذا ووقع العقد على هذا، فلكلّ واحدٍ منهما أن يترك متى شاء. وقال عبد الملك: يلزمه في المشاهرة كراء شهرٍ واحدٍ، وفي المساناة كراء سنةٍ واحدةٍ. فوجه الأول: هو أنَّ العقدة لم يقع على شهرٍ كاملٍ، وإنّما وقع على حساب الشّهر فلم يلزم سُكنى ما لم يقع العقد عليه. قال الأبهري: لأنّ هذا لم يكتر شهرًا بعينه، وإنّما اكترى على حساب الشّهر بدينارٍ، فله أن يخرج قبل أن ينقضي الشّهر إن شاء، وللمكري أن يخرجه قبل أن ينقضي الشّهر إن شاء». أقسام الإجارة
(٣) - (ومن استأجر شيئًا بعينه بنقدٍ أو نسيئةٍ، فلا بأس به). قال في شرح التفريع [٨/ ١٩٤]: «اعلم أنّ الإجارة تنقسم قسمين: إجارةٌ على عينٍ معيّنةٍ، وإجارةٌ على شيءٍ يتعلّق بالذمّة، وكلّ ذلك جائزٌ؛ لأنّ العين لمّا كان له بيع ذاتها، كان له بيع منافعها.
[ ٢ / ٣١٠ ]
موت أحد متعاقدي الإجارة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري ﵁: ولأنّ هذا بمنزلة من باع عبدًا بثمنٍ إلى سنةٍ، فلا بأس بذلك؛ لأنّ أحد طرفي البيع والإجارة عينٌ والآخر دَينٌ، فيجوز ذلك. والّذي لا يجوز، أن يكون طرفي البيع أو الإجارة جميعًا دَينًا، فإذا كان جميعًا أو أحدهما نقدًا، جاز ذلك في البيع والإجارة؛ لخروجه عن الدَّينِ بالدَّينِ المنهيّ عنه. وكذلك لمّا كان له بيع شيءٍ من الأعيان في ذمَّة البائع - أعني: السّلم - فكذلك بيع المنافع المعلّقة بالذمَّة؛ لأنّ الإجارة معاوضةٌ على المنافع، كما أنّ الأثمان معاوضةٌ على الذّوات». وقال أيضًا في [٨/ ١٩٥]: «وأمّا المضمون في الذِّمَّة، فهو أن يستأجر منه دابّةً ليركبها، إمّا إلى موضعٍ، وإمّا إلى أجلٍ بعينه، فهو جائزٌ لمّا قدّمناه. وإنّما اشترطنا النّقد في المضمون؛ لأنّ تأخير النّقد يدخله الدَّين بالدَّين. قال الأبهري ﵁: لأنّ الكراء دَينٌ، والرّكوب مثله؛ وذلك غير جائزٍ، كما لا يجوز ذلك في السّلَمِ». موت أحد متعاقدي الإجارة.
(٢) - (ولا تبطل الإجارة بموت أحد المتعاقدين مع بقاء العين المستأجرة). قال في شرح التفريع [٨/ ١٩٦]: «قال الأبهري: ولأنّ عقد الإجارة قد ثبت ولزم المتعاقدين إذا كان صحيحًا، وليس لأحدهما أن يرجع فيه ولا لهما جميعًا، إلّا أن يتراضيا على فسخه، كما لا يجوز لهما ذلك في عقد البيع، وإذا كان كذلك، فمن مات منهما كان عقد الإجارة بحاله، يقوم ورثته مقامه، كما يكون ذلك في عقد البيع؛ لأنّ الإجارة هي بيع منافعٍ أباح الله ﷿ بيعها كما أباح بيع الأعيان، وليس ينتقض بيع المنافع بموت أحد المتعاقدين للإجارة قبل مضيّ مدّتها وقبض المنافع، كما لا ينتقض البيع إذا مات أحد المتعاقدين، بل الورثة يقومون مقام الموروث، فكذلك في الإجارة، والله أعلم».
[ ٢ / ٣١١ ]
الاستئجار على تعليم القرآن وعلاج الطبيب
ضمان الراعي للغنم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - (ومن اكترى دارًا، فلا بأس أن يُكريَهَا من غيره، بمثل أجرتها أو أقلّ من ذلك أو أكثر). قال في شرح التفريع [٨/ ١٩٧]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ له أن يقيم غيره مقامه فيما اكتراه، إذا كان مثله في الحال والأمانة؛ لأنّ المنفعة ملكه، فله أن يبيعها ويهبها لغيره. وإذا فعل ما له أن يفعل فتلفت الدّابة، فلا شيء عليه، كما أنه لو ركبها فتلفت من غير صنعه، لم يكن عليه شيءٌ». الاستئجار على تعليم القرآن وعلاج الطّبيب
(٢) - (ولا بأس بتعليم القرآن على الحذّاق، ومعالجة الطّبيب على البرءِ. وقد قيل: لا يجوز ذلك إلّا إلى مدّةٍ معلومةٍ، مشاهرة أو غيرها). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٠٣]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما أجاز مشارطة الطّبيب على البرءِ؛ للضّرورة إليه؛ لأنّه لا بدّ للنّاس من التداوي في المرض، هذا هو الغالب من أمر النّاس دون النّادر منهم، فكانت بهم حاجةٌ إلى مشارطة الطّبيب على البرء من غير أن يضرب لذلك أجلًا؛ لأنّ ضرب الأجل في ذلك لا يفيد شيئًا؛ لأنّه لا يدري هل يبرأ أم لا، فجاز لهذه العلّة أن يشارطه على البرءِ؛ للحاجة». وقال أيضًا: «قال الأبهري ﵁: فإن مات العليل قبل البرء، فلا شيء للطّبيب من الأجرة؛ لأنّه إنّما يستحقّها بمجيء الصّفة، وهو برء العليل، كما لو أخذ العبد، ثمّ مات في الطّريق قبل أن يصل به إلى سيّده، فلا شيء له». ضمان الرّاعي للغنم
(٣) - (ولا ضمان على الرّاعي فيما هلك من الغنم، والقول في هلاكها قوله مع يمينه). قال في شرح التفريع [٨/ ٢١٠]: «وإنّما قال ذلك؛ لأنّه أمينٌ، كالوكيل.
[ ٢ / ٣١٢ ]
الراعي يذبح شاة من الغنم مدعيا خوفه عليها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري ﵁: ولأنّ الرّاعي لا يغيب على ما يرعاه من الغنم كما يغيب الصانع على ما يعمله من الشّيء الذي يأخذه». وقال أيضًا في [٨/ ٢١٢]: «قال ابن القاسم ﵁: وإذا شُرِطَ على الرّاعي الضّمان، فسدت الإجارة، وله أجر مثله. قال البغداديون من أصحابنا: لأنّه شرطٌ ينافي أصل الحكم، فلم يصحّ، أصله إذا شرط في الوضيعة أن تُضمن، أو في النّكاح أن لا يطأ، أو في الملك ألّا يتصرف. قال الأبهري: وإنّما كان له أجر مثله؛ لأنّ الإجارة فاسدةٌ؛ للشّرط الذي فيها، كالبيع الفاسد، فإنّه يردّ إلى قيمة المشتَرى، لا إلى الثّمن المسمّى». الراعي يذبح شاةً من الغنم مدّعيًا خوفه عليها
(٢) - (فإن ذبح شاةً من الغنم وادّعى أنه خاف الموت عليها، ففيها روايتان: إحداهما: أنّه ضامنٌ، والرّواية الأخرى: أنّه لا ضمان عليه. ولو أكلها وادّعى خوف الموت عليها، ضمنها روايةً واحدةً). قال في شرح التفريع [٨/ ٢١٣]: «قال الأبهري ﵁: لأنّه يُتّهم أن يكون نحرها ليأكلها، وادّعى خيفة الموت عليها».
(٣) - (ومن استؤجر على رعاية غنمٍ بأعيانها مدّةً معلومةً، فهلكت قبل تمامها، فله الأجرة كلّها، ولربِّ الغنم أن يستعمله في رعاية غيرها، وقال أشهب: تنفسخ الإجارة). قال في شرح التفريع [٨/ ٢١٤]: «قال الأبهري ﵁: لأنّه قد لزمته إجارته شهرًا بعينه، فعليه أن يستعمله في مثل ذلك العمل أو ما قاربه؛ من قِبَلِ أن إجارة الشّهر قد لزمته بالعقد، فليس لأحدهما الرّجوع عنها، كما ليس لهما ذلك في البيع، إلّا أن يتراضيا على فسخها فيجوز ذلك».
(٤) - (ومن استأجر سفينةً على حمل طعامٍ، فغرقت في بعض المسافة، فلا أجرة له.
[ ٢ / ٣١٣ ]
بيع الكراء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولا ضمان على صاحب السّفينة إذا لم يتعدَّ ولم يفرّط، وقد قيل: له من الأجرة بحساب ما مضى من المسافة) قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢٠]: «وأمّا الأجرة فاختلف فيها فوجه قول مالكٍ: هو أنّ الإجارة في السفر جاريةٌ مجرى الجعل، فإذا لم يحصل الغرض المطلوب، لم تستحقّ الأجرة. قال الأبهري ﵁: ولأنّ حمل هؤلاء بشريطه البلاغ، فمتى لم يبلغ الطّعام إلى صاحبه، لم تحصل له المنفعة التي عاوض عليها، فلم تلزمه الأجرة لذلك، كالعبد إذا تلف قبل وصوله إلى مالكه، لم يكن للمجعول له الجعل».
(٢) - (قال مالكٌ ﵁: ومن تكارى دليلًا فأخطأ الطّريق، فله الكراء إذا كان عالمًا، وإن كان جاهلًا فلا شيء له) قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢٠]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما قال ذلك؛ لأنّ الدّليل إنّما يجتهد في الدّلالة على الطريق، فإذا أخطأها كان معذورًا. وله الكراء؛ لأنّ أصل دخوله هو على الاجتهاد، فكان كالحاكم إذا اجتهد وأخطأ فلا شيء عليه، فأما إذا كان جاهلًا فلا أجرة له؛ لأنّه متعدٍّ غارٌّ لمن أكراه». بيع الكراء
(٣) - (قال مالكٌ ﵁: ومن ساقى حائطًا، ثمّ باعه، فالبيع ماضٍ، والسقاء ثابتٌ لا ينقضه البيع). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢٣]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما قال ذلك؛ لأنّ عقد السّقاء لازمٌ كعقد الإجارة، فإذا باع الحائط فالسّقاء فيه ثابتٌ بعد البيع، كما لو باع أرضًا أو دارًا بعد أن أكراها، كان الكراء ثابتًا والبيع جائزٌ؛ لأنّ الكراء والسّقاء حقٌّ ثبت لغير البائع في ملك الّذي باع، فلا يجوز أن يبطله ببيعه».
[ ٢ / ٣١٤ ]
فيمن استؤجر على حمل متاع فسقط منه
الكراء للحج
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فيمن استؤجر على حمل متاعٍ فسقط منه
(٢) - (ومن استؤجر على حمل متاعٍ وسقط منه فانكسر، فلا ضمان عليه، ولا أجرة له. ولو سقط من يده شيءٌ فكسره، ضمنه وغرم قيمته). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢٣]: «قال الأبهري: لأنّه ليس بمتعدٍّ في إتلافه ولا مفرّطٍ ولا صنع له فيه، فلا ضمان عليه، إلّا أن يكون حمل فوق طاقته، أو على غير الصّفة التي يحمل عليها، أو كان شأنه العثار، فيضمن. قال الأبهري ﵁: وإنّما لم تكن له أجرةٌ؛ لأنّه لم تحصل للمستأجر منفعةٌ بالحمل. ولو سقط من يده شيءٌ عليه فكسره ضمنه؛ لأنّ الخطأ والعمد في أموال النّاس سواءٌ، وإذا ضمنه غرم قيمته». الكراء للحجّ
(٣) - (ومن تكارى إلى الحجّ فأخلفه الكريُّ حتّى فات الوقت، انفسخ الكراء. وإن اكترى إلى غير الحجّ واشترط المسير في وقتٍ فأخلفه الكريُّ، فله حمولته، ولا ينفسخ كراؤه). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢٥]: «قال الأبهري: لأنّه لا يتهيأ له الخروج إلى الحجّ في غير أوانه. ولأنّه إذا فات وقته فقد زال غرضه في الكراء، فوجب فسخ ذلك على المكري؛ لأنّه متعدٍّ بتأخيره عن المكتري. فإن لم يكن له مالٌ، لم يتكارَ عليه؛ لأنّه لا يحصل لمن تكارى منه عوض ما يكتري منه. قال الأبهري: ولأنّ في الكراء عليه إذا لم يكن له مالٌ تغريرٌ لحقّ غيره - وهو المكري -
[ ٢ / ٣١٥ ]
في العبد والصبي يهلكان في عمل خطر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وذلك غير جائزٍ؛ لأنّه لا فضل بين حفظ مال الأوّل والثّاني؛ لاستواء حرمتهما في ذلك». وقال أيضًا: «والكراء في غير الحجّ بخلاف ذلك؛ لأنّ العادة لا تخصّه بزمانٍ، فلا ينفسخ العقد، وتكون الحمولة له أيّ وقتٍ وجده. قال الأبهري: لأنّ غرضه في كلّ الأوقات موجودٌ، من تجارةٍ أو ركوبٍ». في العبد والصبيّ يهلكان في عملٍ خطرٍ
(٢) - (ومن استعان عبدًا في عملٍ بغير إذن سيّده فعطب فيه لزمه ضمانه. وكذلك من استعان صبيًَّا في شيءٍ من الخطر فعطب فيه، لزمه ضمان ديته، وحملها عنه عاقِلَتُهُ). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢٨]: «اعلم أنّ من استعان عبدًا بغير إذن سيده أو صبيًّا بغير إذن وليه فعطب فيه، نُظِر: فإن كان ذلك ممّا لا يعطب في مثله ولا يلحقه ضررٌ بالاستعانة فيه، فلا ضمان فيما كان عنه … قال الأبهري: لأنّه يعلم في الأغلب أنّ تلفه ليس منه، فهو غير متعدٍّ بالاستعانة؛ إذ لا ضرر على سيده في ذلك، ولا أجرة فيه مع السّلامة». وقال أيضًا: «وإن كان ذلك ممّا فيه تلفٌ وخطرٌ، وتطلب الأجرة في مثله، فهو متعدٍّ لذلك فعليه قيمة العبد لسيّده في ماله، ودية الصّبيّ على عاقلته. قال الأبهري ﵁: لأنّه سبب تلفه بغير قصدٍ له، فهو كقاتل خطأٍ، فوجبت ديته على عاقلته».
(٣) - (قال مالكٌ ﵁: ومن خرج مع رجلٍ في سفرٍ، فأعانه في تجارته، أو أقام معه في الحضر في حصاده أو جذاذه، ثمّ طلب منه الأجرة: فإن كان مثله يطلُبُ ذلك، أُعطِيَ أجرته. وإن كان إنّما عمل ليدٍ كانت له عليه فكافأه عليها، فلا أجرة له).
[ ٢ / ٣١٦ ]
باب في الجعل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٢٣٠]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما قال ذلك؛ لأنّ الذي عمل إذا كان مثله يطلب الأجرة في الأغلب، فقد عُلِم أنّه لم يرد أن يتطوّع بعمله، وإنّما أراد العوض على ذلك، فوجب له أجر مثله؛ لأنّ المعمول له لمّا رآه يعمل فسكت عنه، فقد رضي أن يعمل له، وعليه أجرة العمل؛ لأنّ الذي عمل يقول: عملت للعوضُ، فالقول قوله إذا كان ذلك حاله. وكذلك الذي يأتي بالعبد الآبق والبعير الشّارد، له الأجرة إن أراد صاحبه أخذه، وإن لم يرد أخذه كان للّذي أتى به؛ لأنّ الآتي به قد فعل ما على صاحب الآبق أن يفعله، ولو امتنع من فعله كان سفيهًا مع قدرته على ذلك. وكذلك المحصود له، لو امتنع من فعله مع قدرته على ذلك، لكان سفيهًا. ولو أنّ رجلًا رأى مال رجلٍ يَهلك أو يحترق، فأنفق على خلاصه، لوجب دفع ما خلّصه به إليه، ولم يكن له أن يقول: «كان يجب أن تترك مالي حتى يهلك»، ولو قال ذلك لكان سفيهًا. وكذلك لو كفَّن وليًّا له، لكان عليه أن يُدْفَعَ له من تركه ما كفّنه به، وليس يجوز له أن يمتنع منه، والله أعلم». باب في الجعل
(٢) - (ولا بأس بالجعل في العبد الآبق والبعير الشّارد والمتاع الضّائع). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٣٣]: «قال الأبهري ﵁: ولمّا كان بالنّاس حاجةٌ إلى التّصرف في معايشهم من التّجارات والأعمال، أباح الله ﷿ البيع والشّراء، الذي هو بيع أعيان الأشياء، وأباح الإجارة والجعل، الّذين هما بيع منافع الأشياء. فأجاز الإجارة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وبقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] الآية، فجعل شعيبٌ ﷺ صداق ابنته عمل موسى ﵇ ثماني سنين.
[ ٢ / ٣١٧ ]
الغرر في الجعالة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولا خلاف بين أهل العلم في إجازة الإجارة والجعل: إذا كانت الأجرة معلومةً في الجميع، والعمل معلومٌ في الإجارة: - إمّا أن يكون معلومًا بعينه محدودًا، وذلك كخياطة ثوبٍ معروفٍ بدرهمٍ أو ما أشبه ذلك ممّا العمل فيه معلومٌ والأجل غير معلومٍ أو يكون الأجل معلومًا. - وإن كان العمل غير محدودٍ، وذلك كاكتراء العبد سنةً أو شهرًا للخدمة، فمدّة الخدمة معلومةٌ، والخدمة غير معلومةٍ. فأمّا مدّة الجعل فليست معلومةً؛ من قِبَل أنّه لا يدري متى يأتي بعبده الآبق أو بعيره الشّارد، إذ قد تطول مدّة مجيئه وتقصر، غير أنّ ذلك جُوِّزَ لحاجة النّاس إليه؛ إذ قد أُمِروا بحفظ أموالهم وطلبها إذا ضاعت، ونهوا عن تضييعها. فاجتمع الجعل والإجارة: في أنّ الأجرة فيهما معلومةٌ، واختلفا في العمل، فيجب أن يكون في الإجارة بعينه، أو معلّقًا بمدّةٍ معلومةٍ، والجعل يعمل فيه غير محدودٍ إذ لا يمكن ضبطه على ما ذكرنا. وتفترق الإجارة والجعل أيضًا؛ لأنّ عقد الإجارة عقدٌ لازمٌ، وليس كذلك الجعل؛ لأنّ لكلّ واحدٍ منهما أن يرجع فيه قبل حصول العمل. فهذه جملة الإجارة والجعل، والله أعلم». الغرر في الجعالة
(٢) - (قال مالكٌ ﵁: ولا خير في أن يقول: «بع لي ثوبي، ولك في كلّ عشرة دراهم درهمٌ). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٣٦]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما قال ذلك لأنّ مقدار الجعل هاهنا مجهولٌ؛ لأنّه لا يدري بكم يبيع الثّوب، وكم يكون عُشر الثّمن الذي هو الجعل، ولا يجوز أن تكون الأجرة في الجعل مجهولةً، وكذلك في الإجارة على ما ذكرنا؛ لأنّه لا بدّ أن يكون أحد الطّرفين معلومًا في الجعل، أعني: الأجرة فيه؛ لأنّه لا ضرورة في كونه مجهولًا كالضّرورة إلى كون العمل فيه مجهولًا، وفي الإجارة
[ ٢ / ٣١٨ ]
الجعل على العبد الآبق
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يجب أن تكون الأجرة فيه معلومةً والعمل كذلك، إمّا معروفًا بعينه، أو مضبوطًا بمدّة».
(٢) - (قال مالكٌ ﵁: ولا خير في أن يقول: بع لي هذا الثّوب بدينارٍ، ولك ما زاد). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٣٦]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما قال ذلك؛ لأنّ ما زاد على الدّينار مجهولٌ؛ ولا يجوز أن تكون الأجرة مجهولةً. وقد لا يزيد على الدّينار شيءٌ؛ وذلك غررٌ أيضًا». الجعل على العبد الآبق
(٣) - (ومن قال: «من جاءني بعبدي الآبق، فله نصفه»، لم يجز ذلك، فإن جاء به، كان له أجر مثله) قال في شرح التفريع [٨/ ٢٣٧]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّه لا يدري كم قيمة العبد، ولا يعرف صفته. ألا ترى: أنّه لا يجوز بيع العبد ولا بيع نصفه. وما لا يجوز بيعه، لا يجوز أن يكون أجرةً في الإجارات ولا جعلًا في الجعالة. فإن عمل على ذلك وأتى به، كان له أجر مثله، وإن لم يأت به، فلا جعل له».
(٤) - (ولا بأس بحصاد الزّرع وجذاذ النّخل بنصفه، ولا يجوز حصاد يومٍ واحدٍ ولا جذاذه على نصف ما يجذّه أو يحصده فيه). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٣٨]: «اعلم أنّه يجوز حصاد الزّرع وجذاذ النّخل بنصف ما يجذّه أو يحصده؛ لأنّه مرئيٌّ مشاهدٌ، وهو كبيع نصفه. قال الأبهري ﵁: لأنّ ذلك معلومٌ. وهذا إذا كان الجاعل والمجعول له قد عرفا الزّرع بالصّفة أو الرّؤية، وإن لم يعرفا ذلك لم يجز، كما لا يجوز في البيع.
[ ٢ / ٣١٩ ]
نفض الزيتون على جزء مما يسقط منه
الجعالة على استخراج المياه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وفي المسألة نظرٌ، والقياس أن لا يجوز ذلك؛ لأنّ مقدار ما يحصده غير معلومٍ، وكذلك نصفه، فلا يجب أن يكون أجرةً في الجعل؛ لأنّه مجهولٌ». وقال أيضًا: «ولا يجوز أن يقول له: جُذَّ اليوم أو احصد، فما جذذت أو حصدت فلك نصفه. قال الأبهري؛ لأنّ مقدار ما يحصده إلى اللّيل مجهولٌ، ولا يجوز أن تكون أجرة الجعل مجهولةً. وكذلك لا يدري مقدار ما يجذُّ من النّخل في اليوم، فلا يجوز أن يجعل ذلك أجرةً ولا جعلًا؛ لأنّ ذلك من معنى بيع مجهول، وقد نهى النّبيّ ﷺ عن بيع الغرر، وكذلك المجهول مثله. ولأنّه لو قال له: «أبيعك ما تجذّ اليوم أو تحصد اليوم»، لم يجز، فإذا لم يجز أن يبيعه، لم يجز أن يستأجر به ولا يجعله جعلًا؛ لأنّ الجعل لا يكون مؤقّتًا، إلّا أن يقول له: «متى شئت تركت»، فيجوز». نفض الزيتون على جزءٍ ممّا يسقط منه
(٢) - (ولا يجوز نفض الزّيتون بنصف ما يسقط منه، ولا بأس بنفضه ولقطه كلّه بنصفه أو ثلثه أو غير ذلك من أجزائه) قال في شرح التفريع [٨/ ٢٣٩]: «قال الأبهري: لأنّه يقلّ إذا كان يابسًا ويكثر إذا كان ليّنًا، وذلك غررٌ ومجهولٌ، ولا يجوز أن تكون أجرة الجعل والإجارة مجهولًا ولا غررًا. ولو قال له: «انفضه كله ولك نصفه»، جاز؛ لأنّه معلومٌ. ألا ترى: أنّه يجوز بيع نصفه». الجعالة على استخراج المياه
(٣) - (ولا بأس باستخراج المياه من الآبار والعيون على صفةٍ معلومةٍ بأجرةٍ معلومةٍ، إذا عَرَفَ الأجير والمستأجر قرب الماء وبعده، وشدّة الأرض ولينها)
[ ٢ / ٣٢٠ ]