التحريم بالرضاع يحصل بالمصة الواحدة ورضاع الكبير
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عليه في الظّاهر بإتلافه مال غيره، حتّى يُعلَم أنّه كان له أن يتلفه، وهو أن يقيم بيّنةً أنّه صال عليه. فإذا ثبت ذلك، لم تكن عليه قيمةٌ لصاحبه، بدلالة جواز قتل المسلم متى أراد قتل غيره، وهو أعظم حرمةً من الجمل وغيره من الحيوان، فلمّا لم يكن عليه في الحرّ المسلم الدّية إذا أراد قتله، فكذلك لا تجب عليه قيمة الجمل الصّائل لصاحبه. فإن قيل: إنّ الإنسان إذا أراد قتل غيره، فقد أبطل حرمة نفسه بفعله ما لا يجوز وما يُسْتَحَلُّ به دَمُهُ، فأشبه ذلك الزّاني، والقاتل، فإنّ قتلهم جائزٌ لما فعلوه، وليس كذلك الجمل الصّائل؛ لأنّه لا إرادة له في قتل نفسه؛ بل تجب قيمته لصاحبه؛ لأنّه ملك غيره؟ قيل له: لو وجب فيه قيمته لأنّه ملك غيره، لوجب أن تكون عليه قيمة العبد إذا أراد قتل غيره، فلمّا لم تجب في العبد قيمةٌ وإن كان ملك غيره، فكذلك الجمل. فإن قيل: إنّ العبد له إرادةٌ، وليس كذلك الجمل؟ قيل له: وكيف تسقط القيمة التي للسيّد بإرادة غيره، وهو العبد، فإذا جاز ألّا تكون للسيّد قيمة عبده بجنايته وإن لم يكن للسيّد في ذلك صنعٌ، جاز أن لا تكون له قيمة جمله بجناية جمله، سواءٌ كانت له إرادةٌ أو لم تكن. كتاب الرضاع التحريم بالرّضاع يحصل بالمصّة الواحدة ورضاع الكبير
(٢) - (والمصّة الواحدة من الرّضاع محرّمةٌ. وتحريم الرّضاع في الحولين وما قاربهما كالشّهر ونحوه، ولا حرمة له بعد ذلك). قال في شرح التفريع [٧/ ٦٥]: «قال الأبهري: فإن قيل: فقد روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُتْلَى مِنَ القُرْآنِ»؟
[ ٢ / ٦٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قيل له: معنى هذا الخبر: إنّ ممّا نزل من حكم القرآن، لا أنّها كانت قرآنًا؛ لأنّها لو كانت قرآنًا لوجدت، وليس يجوز عندنا أن يرفع الخطّ والرّسم ويبقى الحكم. والدليل على أنّ السنَّة تُتلى وتُذكَر كما يذكر القرآن ويتلى، قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] فآيات الله القرآن، والحكمة: معنى القرآن وسنَّةُ رسول الله ﷺ، وذلك يتلى ويذكر كذكر القرآن وتلاوته، وإذا كان كذلك، كان تحريم الرّضاع بعشرٍ هو سنّة رسول الله ﷺ، لا بقرآنٍ وقد نسخ؛ لأنّ تحريم الرّضاع كان قديمًا في الجاهليّة، ثمّ جاء القرآن بإقراره بعد أن كان النّبِيّ ﷺ جعل للتحريم حدًّا، ثمّ زال ذلك كلّه وجاء القرآن بالتّحريم من غير تحديدٍ. قال الأبهري: ومما يدلّ على صحّة ما قلنا: إنّ الخمس رضعاتٍ ليس بحدٍّ في التّحريم، أنّ عائشة ﵂ روت التّحريم بعشرٍ وأنّه نسخ بخمسٍ، وكانت لا ترى التّحريم يقع بخمسٍ، فلو كان العشر منسوخًا بخمسٍ لكانت تأخذ به، فدلّ على أنّ تحريم الخمس لم يكن بمستقرٍّ ولا هو بحدٍّ محدودٍ، وإذا كان كذلك، وجب أن يؤخذ بظاهر القرآن وسنن رسول الله ﷺ على ما ذكرناه وبينّاه. قال الأبهري: فإن قيل: فقد روي عن النّبِيّ ﷺ أنه قال: «لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلَا المَصَّتَانِ»؟ قيل له: معنى هذا الحديث حين كانت العشرات محرِّمةً. ألا ترى: أنَّ ظاهر هذا الحديث يوجب تحريم ما زاد على المصّتين، وليس يقول ذلك مخالفنا في هذه المسألة، فكذلك تحريم ما دون الرّضعة والرّضعتين ليس يمنع أن يكون ذلك واجبًا بالدليل الذي ذكرناه. على أنّ هذا الحديث غير متَّفَقٍ على إسناده؛ لأنّه يقال تارةً عن عبد الله بن الزبير عن النّبِيّ ﷺ، وتارةً عن عبد الله بن الزّبير، عن عائشة ﵂، وصحّتُهُ من قول عائشة ﵂».
[ ٢ / ٦٢٦ ]
من رضع من امرأة، حرم عليه نكاح بناتها، ولا يحرم على أخيه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال أيضًا في [٧/ ٦٨]: «وأمَّا ما قارب الحولين فمختلف فيه، فقال مالكٌ: زيادة الأيّام اليسيرة تحرّم، ورواه ابن عبد الحكم. قال الأبهري: لأنّ مدّة الحولين لمّا كانت غير محدودةٍ حتى لا تزيد ولا تنقص، كان ما قارب الحولين مثلهما، لجواز أن يكون ذلك في وقتٍ من الحولين. ألا ترى: أنّ الشّهر يزيد وينقص، فمرّةً يكون ثلاثين، ومرّةً يكون تسعًا وعشرين. فجعل مالكٌ ما قارب الحولين كالحولين في وقوع حرمة الرّضاع فيه. ولأنّه لم يستغن كل الغناء بالطّعام عن اللّبن. على أنّ هذا القول عن مالكٍ يشبه أن يكون على وجه الاحتياط لا القياس والله أعلم». وقال أيضًا في [٧/ ٦٩]: «وأمّا قوله: ولا حرمة له بعد ذلك قال الأبهري: ولأنّ الكبير مستغنٍ بالطّعام، وليس كذلك الصّغير، فلم تكن الحرمة في الكبير كهي في الصّغير؛ لاختلاف منافعهما. فإن قيل: فقد روي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال لسهلة: «أَرْضِعِي سَالِمًَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ يَدْخُلُ عَلَيْكِ بِهَا»، وكان كبيرًا. قيل له: هذا مخصوصٌ بسالمٍ دون غيره. وقد أبى أزواج النّبيّ ﷺ رضاعة الكبير غير عائشة، وقلن: «مَا نَرَى ذَلِكَ إِلَّا رُخْصَةً مِنَ النّبِيّ ﷺ لِسَالِمٍ دُونَ غَيْرِهِ». من رضع من امرأةٍ، حرم عليه نكاح بناتها، ولا يحرم على أخيه
(٢) - (وإذا ارتضع صبيٌّ من امرأةٍ فلا يحل له نكاح أحدٍ من بناتها، ممّن أرضعته معه أو قبله أو بعده، ولا بأس أن ينكح أخوه ابنتَها؛ لأنّه لا حرمة بينه وبينها). قال في شرح التفريع [٧/ ٧٤]: «ولا بأس أن ينكح أخوه ابنتها؛ لأنّه لا حرمة بينه وبينها. قال الأبهري: لأنّ أم أخي الإنسان من الرّضاعة، ليست أمّه من الرّضاعة؛ وكذلك
[ ٢ / ٦٢٦ ]
من رضع من امرأة حرم عليه بناتها من زوجها الحالي، ومن السابق، وحرم عليه بنات الزوج من زوجته التي رضع منها ومن غيرها
اللبن للفحل
في رضاع المرأة البكر أو العجوز
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أخت أخيه من الرّضاعة أجنبيةٌ منه، فلا بأس أن يتزوجها؛ وإنّما تحرم على أخيه دونه». من رضع من امرأةٍ حرم عليه بناتها من زوجها الحالي، ومن السابق، وحرم عليه بنات الزوج من زوجته التي رضع منها ومن غيرها
(٢) - (ومن ارتضع من امرأةٍ ذات زوجٍ، ثبتت الحرمة بينه وبينها وبين زوجها، ولا يحلّ له نكاح أحدٌ من ولد تلك المرأة من ذلك الزّوج أو من غيره، ولا يحلّ له نكاح أحدٍ من ولد ذلك الزّوج، من تلك المرأة ولا من غيرها) قال في شرح التفريع [٧/ ٧٥]: «قال الأبهري: وروى مالكٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنّها قالت: «جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ النّبِيّ ﷺ، فَسَأَلْتُ النّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، فَقَاَل النّبِيُّ ﷺ: إِنّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الحِجَابُ»، وقالت عائشة: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ». اللّبن للفحل
(٣) - (وإذا كان للرّجل امرأتان فأرضعت إحداهما غلامًا وأرضعت الأخرى جاريةً، فلا يجوز أن يتناكحا؛ لأنّهما أخوان للأب، وإن كانت الأمّان مفترقتين). قال في شرح التفريع [٧/ ٧٧]: «قال الأبهري: ولأنّ أصل اللّبن هو واحدٌ، وهو ماء الرّجُلِ؛ لأنّ الماء يهيِّج اللّبن، ويحرِّكُه. ألا ترى: أنّها بالوطء تحمل وبالحمل يحدث اللّبن، وصاحب اللّبن واحدٌ. في رضاع المرأة البكر أو العجوز
(٤) - (وإذا أرضعت المرأة التي لم تلد أو العجوز التي قعدت عن الولد صبيًّا، فرضاعها يُحرِّمُ)
[ ٢ / ٦٢٦ ]
(^١) ولا ما يصلحها، فكانت أمها أولى بها وأشفق عليها وأصون
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٧/ ٧٨]: «وإنّما قال ذلك؛ لأنّه لبن آدميَّةٍ غُذِّيَ به صغيرٌ وانتفع به، فحَرُمَ. ولعموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. قال الأبهري: فعلى أي وجهٍ كان إرضاعهما يُحَرِّم، سواءٌ كانت ذات زوجٍ أم لا، كانت شابّةً أو عجوزةً؛ لعموم إيجاب الله تعالى التَّحريم برضاعهما».
(٢) من هنا تبتدئ القطعة الموجودة من الحضانة وما بعدها. ويشبه أن تكون المسألة التي يشرحها الأبهري، ما في التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ٣٤٠]: «وحضانة الغلام حتى يحتلم. وقد قيل حتى يثغر، وحضانة الجارية حتى تحيض وتتزوج ويدخل بها زوجها». وقد نقل التلمساني طرفًا من شرح الأبهري للمسألة مما هو غير موجود في هذه القطعة، فقال: «قال الأبهري: والإثغار هو أول حدّ الصّبيّ، التّنقّل من الصّغر إلى الكبر، فيصير أولى بنفسه ممّن يحضنه ويقوم عليه». ونقل أيضًا: «وأمّا الإناث فحتّى يتزوّجن ويدخل بهنّ أزواجهنّ قال الأبهري: لأنّها محجورةٌ مقصورةٌ، لا تعرف أمر النّاس ولا ما يصلحها، فكانت أمّها أولى وأشفق عليها وأصون حتّى تتزوّج فتستغني عن أمّها». كما نقل التلمساني في شرحه عن الأبهري شرح المسألة التالية المثبتة في المختصر الصغير، ص (٥١٤):
(٣) - (ومن طلّق امرأته وله منها ولدٌ صغيرٌ، ثمّ أراد أن يشخص إلى بلدٍ آخر، فله أخذ ولده، وإن كان إنّما يريد أن يخرج لتجارةٍ، فليس ذلك له) قال في شرح التفريع [٧/ ٣٣٣]: «قال الأبهري: وإنّما قال مالك: إنّ له أن يأخذ ولده إذا أراد النّقلة عن البلد الذي فيه الأمّ؛ فلأنّ ترك أخذه معه ضررٌ على الولد؛ لأنّه لا يقدر على تعاهدهم وتفقّدهم وإذنهم والقيام عليهم بما يصلحهم، وليس أحدٌ يقوم مقامه في ذلك.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
لها حتى تتزوج فتستغني بزوجها عن أمها، فلهذا قال: «إنَّ حدَّ استغناء الجارية عن الحضانة أن تتزوج»؛ لأنّها تخرج من كفاية الحضانة إلى كفاية الزوج.
وقوله: «إنَّ الأب ينفق عليها عند أمها»؛ فلأنَّ النفقة واجبةٌ عليه في الأصل، فلا تسقط عنه إلّا باستغناء الولد، إمّا بمالٍ، أو تصرُّفٍ في كسبٍ.
وحدُّ ذلك:
في الجارية أن تتزوج ويَدخل بها زوجها؛ لأنّها تستغني بنفقة الزوج عن نفقة الأب.
والغلام حتى يبلغ، ويكون غير زَمِنٍ (^١)؛ لأنّه يستغني بتصرُّفه وكسبه عن نفقة أبيه.
وقوله: «فإذا نكحت فأولياؤهم أحقُّ بهم»، فقد رُوِّينا عن النبيِّ ﷺ أنّه قال للأم: «أَنْتِ أَحَقُّ بالوَلَدِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي» (^٢).
ولأنها إذا تزوجت، اشتغلت بخدمة زوجها عن خدمتهم (^٣).
_________________
(١) قال: وأمّا من خرج من الأولياء لغير سكنى، فليس له الرّحلة بالولد».
(٢) قوله: «زَمِنٍ»، الزَّمِن: هو الذي طال مرضه زمانًا، ينظر: المعرب للمطرزي، ص (٢١٠).
(٣) أخرجه أبو داود [٣/ ١١٠]، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، «أنَّ امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ: أنت أحق به ما لم تنكحي»، وهو في التحفة [٦/ ٣٢٣].
(٤) هذا التعليل وما بعده، نقله التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٣٣٤]، عن الأبهري.
[ ٢ / ٦٣٣ ]