_________________
(١) هذا العنوان غير مثبت في المخطوط، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع، جملة من شرح الأبهري، هي كالتالي: باب ما لا يجوز فيه التّفاضل.
(٢) - (قال مالكٌ ﵁: ولا يجوز التّفاضل في الجنس الواحد من المأكولات المقتاتة كلّها. ولا بأس بالتّفاضل في الجنسين منها يدًا بيدٍ). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٠٦]: «قال الأبهري ﵁: فإن قيل: إنّ العلة في المأكول الجنس؛ لأنّها أعمّ من المأكول المدّخر، فإذا كان كذلك وجب إجراء العلّة على عمومها؟ قيل له: إنّما يجب الحكم بالعلّة متى عُلِمَ أَنَّهَا صحيحةٌ بشهادة الأصول لها، وصحّة استنباطها، وإذا لم تعلم صحّتها في الأصل، لم يجر الحكم بعمومها. وإذا كان كذلك، ثمّ لم يُدْرَك الأصل الذي استخرِجَ منه علّة الرّبا في المأكول في الجنس دون أن لا يكون مدّخرًا، وجب ألّا يتعدّى بذلك إلى غيره. ولأنّ غيره في الاعتبار - أعني: البقل - مخالفٌ للوقت والأدم المدّخر في المنفعة، فلم يجز الجمع بينهما في تحريم التّفاضل في الجنس الواحد، فالعلّة فاسدةٌ من وجوهٍ: أحدها: أنّه يؤدّي إلى رفع ما ثبت من التّحريم في الأصل، وهو أنّه يجيز التّمرة بالتّمرتين مما لا يقع عليه الكلّ عنده، وقد عمّ النّبيّ ﷺ التّمر بالمنع من التّفاضل فيه، قليلًا كان أو كثيرًا. ووجهٌ آخر: يُفسِد اعتلاله، وهو أنّه لا تنفصل علّة التّحليل؛ من قِبَلِ أنّ الجزاف
[ ٢ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بالجزاف لا يحل ولا يجوز من الصّنف الواحد من الطّعام، فإذا كيل أو وُزِنَ جاز إذا كان متماثلًا، وإن كان غير متماثلٍ لم يجز، فقد صار الكيل والوزن علّة التّحليل؛ لأنّه لولا الكيل والوزن ما جاز؛ لأنّه لا يُتَوصّل إلى مماثلته إلّا بالكيل أو بالوزن، ومحالٌ أن يكون الشّيء الواحد علّةً للتّحريم والتّحليل لشيءٍ واحدٍ. فإن قيل: إنّا قد رأينا شيئًا واحدًا يُحَلّل ويحرّم، وهو وطء الزّوج، يحلّل هذا الوطء المرأة للزّوج الّذي طلّقها ثلاثًا، ويحرّمها على أبي الواطئ وابنه، فقد صار شيئًا واحدًا محرّمًَا محلّلًا؛ وكذلك الكيل والوزن علّة التّحريم والتّحليل؟ فيقال: هذا غلطٌ؛ من قِبَلِ أنّ الوطء يحرِم على غير الذي يحلِّلُ له، فالتّحليل والتّحريم ليس يرجع إلى شيءٍ واحدٍ؛ وإنّما هو لشخصين مختلفي المعنى، وليس يُنكر، ذلك كالميتة تحلّ للمضطرّ وتحرم على غيره، وعلّة الكيل والوزن نهيٌ عامٌّ ليس فيها واحدٌ بتحريمٍ وآخر بتحليلٍ. وإذا كان كذلك، ثمّ جعلها جاعلٌ علّةً للتّحريم، فلِمَ تنفصل ممّن خالّفّه في جعلها علّةَ التّحليل، وكانت علّةً فاسدةً؛ لأنّ ما أدّى إلى الباطل فهو باطلٌ مثله. قال أبو بكرٍ الأبهري ﵁: وإنّما لم يجز التّفاضل في الجنس الواحد؛ لاتّفاق أغراض النّاس فيه، فلم يجز أن يُخرِجَ من ماله شيئًا من غير عوضٍ يأخذه ولا منفعةٍ تحصل له إذا كان على وجه المعاوضة، فأمّا على غيرها من هبةٍ أو صدقةٍ فإنّ ذلك جائزٌ. وإذا اختلفت أصناف الطّعام جاز التّفاضل فيه يدًا بيدٍ؛ لأنّه إذا اختلفت أصنافه اختلفت أغراض النّاس [فيه: في] منافعه، فجاز أن يبيعوه متفاضلًا يدًا بيدٍ، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، وإذا كان الطّعام جنسًا واحدًا، لم يجز التّفاضل فيه؛ لاتّفاق الغرض فيه، ولا خلاف في ذلك أيضًا».
(٢) - (ولا يجوز النَّساء في المأكولات منها، المقتاتة منها وغير المقتاتة).
[ ٢ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٧/ ٤٠٨]: «قال أبو بكر الأبهري ﵁: ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. ولأنّ كلّ شيئين لا يجوز أن يُسلَم أحدهما في الآخر، لا يجوز بيعه به إلّا يدًا بيدٍ، أصله: الفضّة والذّهب أو الذّهب والفضّة».
(٢) - (والحنطة والشعير والسّلت صنفٌ واحدٌ، لا يجوز بيعها إلّا مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، والتّمر كلّه وألوانه صنفٌ واحدٌ، والزّبيب أحمره وأسوده، والقِشَمِّشُ صنفٌ واحدٌ). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٠٩]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ الأغراض متقاربةٌ فيها، فلم يجز بيعها متفاضلًا بعضها ببعضٍ؛ لأنّ ذلك من أكل المال بالباطل. فإن قيل: فقد جُعِل الشّعير في الخبر صنفًا غير الحنطة، ويسمّى باسمٍ مفردٍ؟ قيل: إفراده بالاسم لا يمنع أن يكون حكمها واحدًا في منع التّفاضل. ألا ترى: اسم الضّأن والمعز مختلفٌ، ثمّ جُمِعَ بينها في الزّكاة وجعل حكمها واحدًا؛ لتقارب منافعها، وإن كانا يختلفان اختلافًا يسيرًا. وكذلك الحنطة والشّعير، جُمِع بينهما لتقارب منافعهما، وإن كانا يختلفان اختلافًا يسيرًا، وكذلك السلت والعَلَسُ؛ لتقارب بعضها من بعضٍ، وكذلك التّمر كلّه صنفٌ واحدٌ، وكذلك الزّبيب أيضًا، وإن اختلفت ألوانه صنفٌ واحدٌ؛ لأنّ منافعهما متقاربةٌ، فوجب أن يكون حكم كلّ صنفٍ منه حكمًا واحدًا في منع التّفاضل منه وضمّه في الزكّاة».
(٣) - (والقطنية أصنافٌ مختلفةٌ، إلّا الحمّص واللّوبياء فإنّهما صنفٌ واحدٌ، والجلبان والبَسِيلةُ صنفٌ واحدٌ) قال في شرح التّفريع [٧/ ٤١٠]: «واختُلِف في أخباز القطنية بعد القول: إنّها إذا كانت حبًّا أصنافًا، هل يجوز التفاضل فيها أم لا؟
[ ٢ / ١٤١ ]
بيع اللحوم
بيع الطري باليابس من القمح والزبيب واللحوم والألبان
فيما يجوز في بيعه التفاضل والتماثل من الألبان واللحوم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فقال ابن القاسم وأصبغ: ذلك جائزٌ، وأجازة أشهب مرّةً، وقال أيضًا: لا يصلح ذلك متفاضلًا، قال ابن المّواز: وهو أحب إلي. وقال ابن القاسم في العتبية: أكره خبز الحنطة بخبز الأرز متفاضلًا. قال الأبهري ﵁: لأنّ منفعتهما قد صارت متقاربةً، ولا يجوز فيها التّفاضل». بيع اللحوم
(٢) - (ولحوم الأنعام والوحش صنفٌ واحدٌ، ولحم الطير: بريِّه وبحريِّه صنفٌ واحدٌ، والسّمك كلّه صنفٌ واحدٌ، والجراد صنفٌ رابعٌ، والنّعام من جملة الطّير وهو والطّير صنفٌ واحدٌ). قال في شرح التفريع [٧/ ٤١١]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما لم يجز التّفاضل في السمك؛ لتقارب منافعه. ولأنّه جنسٌ واحدٌ». بيع الطريّ باليابس من القمح والزّبيب والّلحوم والألبان
(٣) - (ولا يجوز بيع زبدٍ بسمنٍ، ولا لبنٍ بسمنٍ، ولا زبدٍ بجبنٍ) قال في شرح التفريع [٧/ ٤١٤]: «قال الأبهري ﵀: وإنما لم يجز بيع زبدٍ بسمنٍ؛ لأنّ ذلك مزابنةٌ، وهو بيع سمنٍ بسمنٍ مجهولٍ؛ لأنّ السّمن يخرج من الزّبد .. وإنّما لم يجز بيع اللّبن بالسّمن؛ لأنّ ذلك مزابنةٌ أيضًا، وهو بيع سمنٍ بسمنٍ؛ لأنّ اللّبن يخرج منه السّمن، وقد باع مجهولًا بمعلومٍ، وقد نهى النّبي ﷺ عن ذلك أيضًا». فيما يجوز في بيعه التّفاضل والتّماثل من الألبان واللّحوم
(٤) - (ولا يجوز بيع الحنطة بالدّقيق متفاضلًا، وعنه في بيعها متماثلًا روايتان: إحداهما جوازه، والأخرى منعه)
[ ٢ / ١٤٢ ]
بيع الرطب بالرطب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٧/ ٤١٦]: «ووجه المنع، هو أنّ الحنطة إذا طُحنت، زادت على الدّقيق، والتماثل فيهما غير موجودٍ. قال الأبهري: والأوّل هو الصحيح؛ لأنّ ذلك متماثلٌ في الحال، ولا يراعى التّماثل في المآل. ألا ترى: أنّ الحطنة بالحنطة تجوز مثلًا بمثلٍ، وإن كانت إحداهما إذا طُحِنت خالفت الأخرى في القلّة والكثرة والمنفعة، ثمّ لم يُنظَر إلى ذلك ولم يراع، وإنّما روعي تساويهما في الحال. ولهذه العلّة قال مالكٌ ﵁: لا بأس ببيع الرّطب بالرطب متماثلًا، فينظُرُ إلى تساويهما في الحال، ولم يراع ما يحدث بعد ذلك إذا جفَّا». بيع الرّطب بالرّطب
(٢) - (ولا بأس ببيع الرّطب بالرّطب متماثلًا، وقال عبد الملك: لا يجوز بيع الرّطب بالرّطب بحالٍ). قال في شرح التفريع [٧/ ٤١٩]: «اختلف في بيع الرّطب بالرّطب متماثلًا، هل يجوز أم لا؟ فقال مالك ﵁: هو جائزٌ، وقال عبد الملك: لا يجوز بحالٍ، وهو قول الشافعي قال أبو بكر الأبهري ﵁: … فإن قيل: فأجيزوا التّمر بالرّطب إذا كان متساويًا في الحال؟ قيل له: التّمر ليس مساويًا للرّطب في الحال، ووقت تجفيفهما مختلفٌ؛ لأنّ الزّمان الذي جف فيه التمر غير الزّمان الذي يجفُ فيه الرّطب، ويختلف جفافهما لاختلاف الزّمان، وليس كذلك الزّمان الذي يجف فيه الرّطب بالرّطب؛ لأنّ زمانهما واحدٌ أن لو جُفِّفَا، ولو لزم، مُنِعَ بيع الحنطة بالحنطة؛ لأنّ ريعهما يختلف».
[ ٢ / ١٤٣ ]
بيع الفاكهة، رطبها ويابسها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بيع الفاكهة، رطبها ويابسها
(٢) - (ولا بأس ببيع الفواكه كلّها، رطْبِهَا ويابسها، متفاضلًا ومتماثلًا، جنسًا كانت أو جنسين مختلفين، يدًا بيدٍ) قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢١]: «قال مالكٌ ﵁: ولا بأس بحامض الرّمان بحلوه متفاضلًا، ولا يجوز التّفاضل في العنب وإن كان أحدهما لايتزبّب، وكذلك التين وإن كان أحدهما لا ييبس، ويُحكم فيه بحكم الأصل من أمره. قال الأبهري: وإنما قال مالكٌ: يجوز التّفاضل في الفواكه كلّها، صنفًا واحدًا كانت أو صنفين مختلفين، يدًا بيدٍ؛ لأنّ علّة تحريم التّفاضل في الصّنف الواحد عنده: هي أن يكون مأكولًا مدّخرًا، وإذا كان كذلك، لم يجز التّفاضل في الصّنف الواحد. والدّليل على صحّة قول مالكِ وما استخرجه من المعنى: هو أنّ النّبيّ ﷺ نصّ على أشياء كلّها مأكولةٍ مدّخرةٍ، مثل: الحنطة والشّعير، والتّمر والملح، ولم يذكر غير مأكولٍ مدّخرٍ. ولو أراد النّبيّ ﷺ في تحريم التّفاضل أن يكون مأكولًا لذكره، ونبّه بذكره على ما عداه، كما ذكر الحنطة والشّعير، فنبّه بذكرهما على مقتاتٍ، وذكر التّمر، ونبّه على [كلّ] حلاوةٍ مدّخرةٍ من الزّبيب والعسل والسّكر والتّين، وذكر الملح فنبّه بذكره على كلّ إدام مأكولٍ مدّخرٍ، ولم يذكر مأكولًا ليس بمدّخرٍ، فلم يجز تعدّي ما نصّ عليه النّبيّ ﷺ أو كان [في] معناه، إلى غيره مما ليس في معناه، ولا منفعة كمنفعته المنصوص عليه. وإذا كان كذلك، لم يجز أن تكون البقول والفواكه وسائر المأكولات التي لا تدّخر مثل المدّخرات في تحريم التّفاضل؛ لاختلاف منافعها في ذلك. ألا ترى: أنه لم يجز ردّ البقول والفواكه في الزكاة إلى الأقوات؛ لاختلاف منافعها، فكذلك لا يجوز ذلك في منع التّفاضل.
[ ٢ / ١٤٤ ]
بيع اللحم بالحيوان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكذلك لمّا لم يجز ردّ ما ليس بقوتٍ في إخراجه إلى ما هو قوتٌ في زكاة الفطر لاختلاف منفعة ذلك؛ فكذلك في الرّبا». بيع الّلحم بالحيوان
(٢) - (ولا يجوز بيع الحيوان المأكولِ لحمُهُ بِلَحْمٍ من جنسه، ولا بأس ببيعه بلحمٍ من غير جنسه). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٣]: «قال الأبهري ﵀: لأنّه يصير بيع لحمٍ بلحمٍ متفاضلًا من صنفٍ واحدٍ، وذلك غير جائزٍ. وهذا إذا كان الحيّ لا يصلح لغير اللّحم، كالمعلوف الذي لا يراد لغير اللّحم، والمكسور الظّهر أو العنق أو ما أشبه ذلك، فيصير لحمًا بلحمٍ متفاضلًا، فأمّا إذا كان الحيّ يصلح لغير الذّبح، فإنّه لا باس به؛ لأنّ ذلك حيوانٌ بلحمٍ، وسواءٌ كان ممّا يجوز أكل لحمه أم لا. «قال أبو الزّناد: قلت لسعيد بن المسيّب ﵄: رأيت رجلًا اشترى شارفًا بعشر شياهٍ؟ فقال سعيدٌ: إن كان اشتراها لينحرها، فلا خير في ذلك». فقد بيَّن سعيد بن المسيّب أنّ بيع الحيوان باللّحم لا يجوز إذا أراد نحر الحيوان وكان لا يصلح لغير النّحر، فأمّا إذا صلح للسّقية أو كان مما لا يؤكل لحمه، فلا بأس بذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] الآية. وأنّ بيع الحيّ منه بالمذبوح إنّما منع لعلة المزابنة، وهو معلومٌ بمجهولٍ من جنسه، فمن ذلك بيع اللّحم باللّحم، مجهولٍ بمجهولٍ، أو معلومٍ بمجهولٍ. وقال أيضًا: «فإن كانا من جنسين جاز. قال الأبهري رحمة الله عليه: لأنّ منفعة ذلك مختلفةٌ، سواءٌ كان الحيّ مما يُستَحيا مثله أم لا؛ لأنّه إذا كان يستحيا مثله، فهو بيع الحيوان باللّحم، ولا بأس بذلك، سواءٌ كان مما يؤكل لحمه أم لا، وإن كان مما لا يصلح لغير الذّبح، فلا بأس به أيضًا؛ لأنّ
[ ٢ / ١٤٥ ]
باب بيع الجزاف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) منفعته مختلفةٌ وجنسه مختلفٌ، ولا بأس باللّحم متفاضلًا إذا اختلف جنسه؛ وذلك كلحم الأنعام والوحش بلحم الطّير والحيتان، وكلّ صنفٍ منه بالصّنف المخالف له يجوز بيعه متفاضلًا ومثلًا بمثل، ويجوز أن تباع لحوم ذوات الأربع بالطّير الحيّ، ولحم الطّير بالحيوان».
(٢) - (ولا بأس ببيع الحيوان الذي لا يؤكل لحمه باللّحم). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٤]: «اعلم أنّه يجوز بيع الحيوان الذي لا يؤكل لحمه باللّحم، كلحم الأنعام بالخيل وسائر الدّواب، نقدًَا ومؤجّلًا؛ لأنّها لا تؤكل لحومها، فأُمِنَ من المزابنة فيها؛ لأنّ المزابنة بيع المعلوم بالمجهول من جنسه. قال الأبهري: أو مجهولًا بمجهولٍ من جنسٍ واحدٍ، فيدخل في ذلك الربا، ويكون خطارًا وقمارًا في الجنس الّذي لا ربا فيه، والحيوان الذي لا يؤكل لحمه لا ربا فيه، فجاز». باب بيع الجزاف
(٣) - (ولا بأس ببيع الطّعام جزافًا في الغرائر وصبرًا على الأرض، ولا يباع الحيوان ولا الثّياب ولا شيء له بالٌ جزافًا) قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٥]: «قال أبو بكر الأبهري ﵀: وإنّما قلنا ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فبيع الجزاف وغيره جائزٌ إذا كان على ما أذن الله تعالى فيه. ولأنّ النّاس يرتفقون بترك كيله ووزنه؛ لأنّ عليهم في ذلك مؤنةً ومشقّةً، لا سيما إذا كثر ذلك، فإنّه يشقّ عليهم لو كُلِّفُوهُ ومُنِعُوا من بيعه جزافًا. ولأنّ الجزاف إنّما جاز بيعه؛ لأنّه يُرى ويُعاين، فليس فيه كثير غررٍ، [ولهم: وليس لهم] أن يبيعوا كيف أحبّوا متى لم يعدلوا عن كيله ووزنه وعدده من أجل المشقّة، وإنّما عدلوا عنه طلبًا للغرر، فلا يجوز حينئذٍ، ولا يجوز بيع شيءٍ له بالٌ وخطرٌ جزافًا، كالثّياب والعبيد والحيوان».
[ ٢ / ١٤٦ ]
بيع المكيل حسب قول البائع وتصديق المشتري
باب بيع الطعام قبل قبضه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بيع المكيل حسب قول البائع وتصديق المشتري
(٢) - (ومن ابتاع طعامًا مكيلًا فاستوفاه لنفسه، ثمّ أراد بيعه، فأخْبَرَ مُشتريه بكيله، وصدّقه المشتري على ذلك، فلا بأس به إذا كان الثّمن نقدًا، ولا يجوز إن كان الثمن نَسَاءً أو قرضًا). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٨]: «قال الشيخ أبو بكر الأبهري ﵁: لأنّ المشتري لا يرجع بنقصانٍ إن كان في الكيل من أجل تأخير البيع بالنّسيئة وتأخير البائع للثّمن، فصار سلفٌ جرّ منفعةً؛ وذلك غير جائزٍ».
(٣) - (وإذا اشتراه وصدّقه على كيله، ثمّ وجد المشتري زيادةً أو نقصانًا، وقامت له على النّقصان بيّنةٌ، فإن كانت الزّيادة والنّقصان شيئًا يسيرًا، فهي له وعليه، وإن كانت كثيرةً فهي للبائع وعليه). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٩]: «قال الأبهري: وإنّما قلنا: إنّ النّقصان البيّن على البائع إذا كان في الطّعام؛ فلأنّ المشتري دخل على ما ذكر له البائع من القدر والكيل، فمتى وجده ناقصًا، رجع بقدر ذلك من الثّمن، كما لو وجد به عيبًا لرجع بقدر ذلك من الثّمن؛ لأنّ المشتري دخل على السّلامة في المبيع. وإنما قلنا: إنّ الزيادة إذا كانت بيّنة فهي للبائع؛ لأنّ البائع لم يبع ما زاد على الكيل ولا أخذ ثمنه. وهذا إذا ثبتت الزّيادة والنّقصان ببيّنةٍ، فأمّا إذا ادّعى النقصان المشترى، فلا يقبل قوله إلّا ببيّنةٍ؛ لأنّ المشتري مدّعٍ والبائع منكرٌ، فالبيّنة على المدعي واليمين على من أنكر، والمشتري فليس بمؤتمنٍ على ما يقوله؛ لأنّه قبض الشّيء لنفسه لا للبائع، فليس يشبه المودع الذي هو مؤتمنٌ». باب بيع الطعام قبل قبضه
(٤) - (قال مالكٌ ﵀: ومن ابتاع طعامًا أو إدامًا ممّا فيه الربا أو لا ربا فيه، كيلًا أو وزنًا أو عددًا، فلا يجوز له أن يبيعه قبل أن يقبضه).
[ ٢ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣١]: «قال الأبهري رحمة الله عليه: والمعنى في منع النّبيّ ﷺ في بيع الطعام قبل قبضه، إنّما هو من أجل العينة التي كان يفعلها أهل المدينة وهو أن يأتي الرّجل إلى الرّجل فيقول: «اشتر هذه السلعة بكيت وكيت، وأنا أربحك فيها»، فيشتريها المأمور للآمر ويبيعها منه قبل قبضه، من غير حاجةٍ للمأمور إلى الشّراء؛ وإنّما اشتراها بسبب الآمر، فيكون قد أقرضه ذهبًا بأكثر منه إلى أجلٍ ولا حاجة له في السّلعة، فمنع النّبيّ ﷺ مَنِ اشتَرى طعامًا أن يبيعه حتى يستوفيه؛ لأنّه إذا استوفاه ففي الأغلب أنّه إنّما اشتراه لنفسه، وتزول التّهمة التي من أجلها منع من بيع الطّعام قبل قبضه؛ لأنّه قد تناهى فعله فيما اشتراه، وهو أنّه قد ملكه بالعقد وحازه بالقبض، فإذا باعه بعد ذلك جاز؛ لأنّه قد باع ما قد ملكه وحازه، ولم يُتّهم أن يكون اشتراه لغيره. فأمّا سائر السلع إذا أريد بها العينة غير الطّعام والشراب، فلا يجوز أيضًا بيعها قبل قبضها؛ لما ذكرناه. وإنّما خرج نهي النّبيّ ﷺ على الطّعام؛ لأنّه كان أكثر مما يبتاعه أهل المدينة، فأمّا غير الطعام من سائر العروض مما لم يُشْتَرَ على وجه العينة، فلا بأس ببيعه قبل قبضه؛ لأنّ المشتري قد ملك ذلك بالعقد والتّفرق بعده، بدلالة أنّ البائع يُجبر على تسليم ذلك إلى المشتري، ولو لم يملكه بالعقد حتى يقبض، لما أُجبِر البائع على تسليم شيءٍ إلى المشتري وهو لم يملكه، وإذا كان كذلك، جاز للمشتري بيعه قبل قبضه. فإن قيل: إنّ النّبيّ ﷺ إنّما نهى عن بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنّه ليس في ضمان المشتري؛ وكذلك غير الطّعام من السّلع هو في معنى الطّعام في أنّه لا يجوز بيعه قبل قبضه؟ قيل: لو كان لهذه العلة أثرٌ، لم يجز بيع ما كان قرضًا من الطّعام في ذمّة المستقرض، ولا بيع الشّيء المغصوب إذا باعه ربّه من غاصبه، ومخالفنا وغيره من العلماء يجيز بيع ذلك.
[ ٢ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإذا كان كذلك، ثبت أنّ العلّة في منع البيع ليس هو أنّه في ضمان البائع؛ لأنّ الشّيء المغصوب لو تلف كان من الغاصب، وكذلك الشّيء المستَقْرَضُ، وقد قال الشافعيّ ﵁: إنّ عتق المشتري للعبد جائزٌ قبل قبضه من البائع، وليس يخلو أن يكون قد مُلِكَ فيجوز بيعه وعتقه أو لم يملك فلا يجوز بيعه، ولا عتقه؛ لأنّ النّبي ﷺ قد سوّى في بيع ما لا يملك الإنسان والعتق. فإن قيل: إنّ عتقه قبضٌ له؟ قيل: كيف يكون ذلك، والعتق هو رفعُ الملك، وكيف يملك الإنسان الشّيء بضدّ الملك؟ فإن قيل: فقد نهى النّبي ﷺ عن ربح ما لم يضمنه الإنسان، وهذا ربح ما لم يضمنه. قيل له: معنى قوله ﷺ، إنّما هو أن يبيع الإنسان سلعة غيره بغير أمره ويشترط خلاصها، فهذا ربح ما لم يضمنه، فأمّا أن يبيع شيئًا قد ملكه، فليس هو ربح ما لم يضمن».
(٢) - (ومن ابتاع شيئًا من ذلك جزافًا، فلا بأس أن بيعه قبل أن ينقله من مكانه، والاختيار أن لا يبيعه حتى ينقله من مكانه إلى غيره). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣٣]: «والأصل في ذلك، ما رواه ابن وهبٍ، عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًَا اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». وروى أبو هريرة عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًَا كَيْلًَا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، فدلّ على أنّ الجزاف بخلافه. وإنّما يجوز بيع الجزاف، إذا خلّى البائع بينه وبين المبيع؛ لأنّ الجزاف ليس فيه حقُّ يُوفِّيهِ، فإذا وُجِدت التّخلية لم يبق وراءها توفيةٌ تُطلَب، كالمكيل إذا قُبِضَ. ولأنّه لو تلف قبل قبضه، كان تلفه من المشتري، كالعقد، فجاز له بيعه قبل قبضه، قاله الأبهري ﵁».
[ ٢ / ١٤٩ ]
باب السلم في الأشياء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - (ومن استؤجر بطعامٍ مكيلٍ، فلا يجوز بيعه حتى يقبضه). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣٤]: «قال الأبهري: ولأنّ الإجارة بيع المنافع، وكأنّه قد باع منافعه من الخدمة بالطّعام الذي أخذه، فليس يجوز بيعه قبل قبضه. وكذلك من تزوّج امرأةً بطعامٍ مكيلٍ له، لم يجز لها بيعه حتى تقبضه؛ لأنّها مبتاعةٌ له بمنافع بضعها. كذلك من ملك طعامًا بأرش جنايةٍ أو مصالحةٍ عن دمٍ أو قضاءٍ عن دينٍ، فإنّه لا يجوز بيعه قبل قبضه؛ لعموم قوله ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًَا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»؛ لأنّ حقيقة البيع: انتقال الملك بعوضٍ، وقد وُجِدَ».
(٢) - (ومن ابتاع طعامًا بكيلٍ، ثمّ أقرضَه غيرَه أو وهبه له، أو قضاه رجلًا من قرضٍ كان عليه، فلا يبيعه أحدٌ ممّن صار إليه ذلك الطّعام حتّى يقبضه). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣٥]: «قال الأبهري ﵁: لأنّ أصله من بيعٍ، فلا يجو لمن صار إليه بأيّ وجهٍ كان أن يبيعه قبل قبضه، وقد ثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًَا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ». باب السلم في الأشياء
(٣) - (ومن أسلم في طعامٍ، فليذكر: قدره، وصفته، وأجله، ويُقدِّمُ نقده مع عقده ولا يؤخّره عنه). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣٩]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ صفات الطعام تختلف، وكذلك سائر الأشياء من العروض كلّها، فإذا أسلم في شيءٍ منها، وجب أن يعيِّنَهَا ويحصرَهَا بصفةٍ معلومةٍ؛ ليدفع ذلك البائِعُ إلى المشتري ويزول معه الغرر. وإذا لم يصفه ويضبطه ويحدّه بأكثر مما يمكن، لم يجز ذلك؛ لأنّهما قد دخلا على غررٍ، لا يدري المشتري ما اشتراه، ولا البائع ما باع، وقد روى أبو هريرة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ»، فإذا ضُبِط بالصّفة، جاز السّلم في ذلك كلّه».
(٤) - (ومن أسلم في طعامٍ موصوفٍ إلى أجلٍ فحلّ، فأراد أنه يأخذ من بائعه
[ ٢ / ١٥٠ ]
السلم في التمر والزبيب، والإقالة من بعض الطعام أو العرض المسلم فيه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بمكيلته شعيرًا أو سلتًا، فلا بأس به، ولا يجوز أن يأخذ أدنى من مكيلته ولا أكثر منها). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤١]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ هذه الأشياء صنفٌ واحدٌ، ولا بأس أن يأخذ بعضها من بعضٍ؛ لأنّها بيع الطّعام قبل قبضه كغيره، وإنّما أخذ الصّنف الذي له وأجود منه أو دونه، وذلك جائزٌ؛ لأنّ كلّه معروفٌ يفعله أحدهما بالآخر إذا أعطاه فوق حقّه وأخذ دون حقّه. وهذا كلّه إذا حلّ الأجل، وإن كان ذلك قبل حلوله، لم يجز أن يأخذ إلّا مثل الصّفة والكيل، ولا يأخذ أجود ولا أكثر كيلًا، فيكون: «حُطَّ عَنِّي الضمانّ وأَزِيدُكَ»؛ لأنّ المبتاع أسقط عنه الضّمان من أجل الزيادة؛ وذلك غير جائزٍ. ولا أدنى ولا أقلّ كيلًا، فيدخله: «ضع وتعجّل» وبيع الطّعام قبل قبضه بطعامٍ آخر، قاله الأبهري». السّلم في التّمر والزبيب، والإقالة من بعض الطّعام أو العرض المسلم فيه
(٢) - (ومن أسلم في نوعٍ من تمرٍ، فلا بأس أن يأخذ نوعًا سواه من جنسه، ولا يأخذ حنطةً ولا شعيرًا عوضًا منه). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٢]: «قال الأبهري رحمة الله عليه: لأنّ التّمر كلّه صنفٌ واحدٌ، فإذا أخذ غير النّوع الذي سلف فيه، لم يكن ذلك بيع الطّعام قبل قبضه بغيره من الطّعام. ألا ترى: أنّ التّمر لا يجوز التّفاضل فيه بشيءٍ من أصنافه؛ وإنّما يجوز ذلك إذا قبضه بعد محلّ الأجل، وإن كان قبل الأجل لم يجز أن يأخذ دون صنفه ولا فوقه؛ لأنّه يدخله ما ذكرناه في القمح سواءٌ. ولا يجوز أن يأخذ عنه حنطةً ولا شعيرًا؛ لأنّه بيع الطّعام قبل قبضه، وقد نهى النّبيّ ﷺ عن ذلك».
[ ٢ / ١٥١ ]
استبدال الطعام المباع بثمن مؤجل بطعام غيره
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) … [٢٢٠]- (ومن أسلم في نوعٍ من الزّبيب، فلا بأس أن يأخذ نوعًا آخر من جنسه، ولا يجوز أن يأخذ تمرًا عن زبيبٍ، ولا زبيبًا عن تمرٍ). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٢]: «اعلم أنّ من أسلم في نوعٍ من الزّبيب، فلا يجوز أن يأخذ عوضًا عنه نوعًا من التَّمر، لا قبل الأجل ولا بعده، وكذلك لو أسلم في نوعٍ من التّمر، فلا يجوز أن يأخذ عوضًا منه نوعًا من الزَّبيب، لا قبل ذلك الأجل ولا بعده؛ لأنّهما صنفان مختلفان. قال الأبهري ﵁: ألا ترى أنّ التّفاضل بينهما جائزٌ قبل قبضه، وبيع الطّعام بالطّعام ليس يدًا بيدٍ، إذا كان قبل الأجل».
(٢) - (ومن أسلم في طعامٍ أو عروضٍ فحلّت، فلا يجوز أن يقيل من بعضها ويأخذ بعضها). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٣]: «قال الأبهري رحمة الله عليه: لأنّه لما أقال من بعضه وردّ بعض رأس ماله بعد أن انتفع به، صار بيعًا وسلفًا، وقد نُهِيَ عن بيعٍ وسلفٍ. وأما الإقالة في جميع ما أسلم فيه، فلا خلاف في ذلك». استبدال الطّعام المباع بثمنٍ مؤجّلٍ بطعامٍ غيره
(٣) - (ومن باع شيئًا من الطّعام كلّه مما فيه الربا أو لا ربا فيه بثمنٍ إلى أجلٍ، فلا يجوز أن يأخذ بثمنه عند أجله ولا قبل أجله ولا بعده شيئًا من الطّعام، من جنس ما باعه أو من غير جنسه، إلّا أن يكون من النّوع الذي باعه بعينه، ويكون مثل مكيلته، وفي جودته وصفته). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٣]: «وإنّما قال ذلك؛ لأنّه ذريعةٌ إلى بيع الطّعام بالطّعام إلى أجلٍ، فتسمية الثّمن لغوٌ. قال الأبهري ﵁: وذلك غير جائزٍ؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال: «الحِنْطَةُ بِالحَنْطَةِ رِبًَا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ»، فليس يجوز في الطّعام بالطّعام تأخيرٌ.
[ ٢ / ١٥٢ ]
فيما يجوز تأخير الثمن فيه عن المثمن، أو المثمن عن الثمن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) … ومالكٌ ﵁ ينظر إلى الفعل، فإن كان حسنًا جاز وإن قبح القول، وإن قبح الفعل لم يجز وإن حسن القول، وفعل هذين قبيحٌ؛ لأجل طعامٍ بطعامٍ متأخّرٍ. وإذا كان من نوع طعامه في الكيل والجودة والصّفة جاز، لأنّ أمرهما لا يُحمَل على بيع طعامٍ بطعامٍ إلى أجلٍ؛ إذ لا فائدة فيه فيتَّهَمَان أنّهما قصداه، وإنّما يحملان على القرض أو الإقالة». فيما يجوز تأخير الثّمن فيه عن المثمن، أو المثمن عن الثّمن
(٢) - (ولا بأس بالسّلم في اللّحم والخبر، وفي الفواكه كلّها: رطبها ويابسها). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٥]: «اعلم: أنّ السّلم في اللّحم والشّحم جائزٌ؛ وذلك بأربعة شروطٍ: أحدها: تسمية الجنس: ضأنًا أو معزًا أو غير ذلك. والثّاني: السن: جذعًا أو ثنيًّا أو رباعيًا. والثّالث: أن يكون ذكرًا أو أنثى، فحلًا أو خَصِيًّا. والرّابع: أن يكون وزنًا معلومًا، فإن لم تذكر هذه الأشياء لم يجز السلم. قال الأبهري: ﵁: ولأن ذلك غررٌ وقد نهى النّبيّ ﷺ عن بيع الغرر».
(٣) - (قال مالكٌ ﵁: وإن لم يجد ما يسلف فيه من لحم الضّأن، فلا بأس أن يأخذ مكانه غيره، أو يأخذ بالباقي ما شاء من لحمٍ أو غيره، من صنفه أو من غير صنفه، إذا كان ذلك كلّه قبل أن يفارقه). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٥]: قال الأبهري ﵀: إذا أخذ لحمًا من صنف لحمه، كان لحمًا بلحمٍ مثله، فلا بأس به، وإن أخذ غير لحمه فلا بأس به، وكأنّه اشترى ما بقي عليه من ثمنِ لحمِهِ لحمًا آخر أو طعامًا أو عرضًا أخذه مكانه، فلا بأس بذلك. فإن لم يقبضه في الحال، صار دينًا بدينٍ، وقد نهى رسول الله ﷺ عنه».
[ ٢ / ١٥٣ ]
السلم فيما ليس عند البائع أصله، والسلم المعلق بشجرة أو أرض معينة
فيما يجوز من القرض وما لا يجوز
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) … [٢٢٥]- (ولا بأس أن يؤخر المشتري نقد ثمنه إذا شرع في أخذ مثمونه، ولا يجوز أن يتأخر الثّمن والمُثمَنُ جميعًا)؟ قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٧]: «وإنّما قال: يجوز للمشتري أن يؤخر نقد ثمنه إذا شرع في أخذ مثمنه؛ لأنّه لا يكون دينًا بدينٍ؛ لأنّ أحد الجانبين قد شرع في قبضه. قال أبو بكر الأبهري ﵁: ولأنّ هذا يجري مجرى الأعيان، وإنما يُؤَخَّرُ قبضُهُ لحاجتهم إلى أخذه أوّلًا فأوّل، فجاز تأخير هذه لهذه العلّة؛ وإنّما الذي لا يجوز: الدّينُ بالدّينِ». السلم فيما ليس عند البائع أصله، والسلم المعلق بشجرةٍ أو أرضٍ معيّنةٍ
(٢) - (ولا بأس بالسّلم في حنطة قريةٍ معيّنةٍ، إذا كانت كثيرة الزّرع لا تُخْلِف عن القدر الّذي أسلم فيه). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٥٢]: «قال الأبهري ﵀: لأنها إذا كانت مأمونةً، فالأغلب أنّ طعامها يسلم منه ما يستوفي المشتري ما اشتراه، وشراء ما الأغلب فيه السّلامة جائزٌ؛ لأنّ البياعات لا تخلو من غررٍ يسيرٍ، فإذا كان غالبها السّلامة جاز، وإذا كان غالبها الغرر لم يجز. هذا أصل البياعات والإجارات؛ لأنّها موضوعةٌ على المعاوضات». فيما يجوز من القرض وما لا يجوز
(٣) - (قال مالكٌ ﵀: ولا خير في السفتجة، ولا يجوز العمل بها، والذي يُسَهَّل فيه من ذلك: أن يكون الذي يريد أن يأخذ المال هو الطالب). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٥٧]: «قال الأبهري ﵀: وإنّما قال ذلك؛ لأنّ المنفعة إذا كانت لدافع المال، كان قرضًا جرَّ منفعةً؛ لأنّه أقرضه مالًا انتفع بإجراره، وأَخَذَهُ في موضعٍ يريده، وكلّ ذلك قرضٌ يجرّ منفعةً. وهو غير جائزٍ إذا كانت المنفعة للمعطي، فإذا كانت للمعطَى جاز؛ لأنّ المقرِضَ فعل معروفًا ولم يقصد جرّ منفعةٍ، وكلُّ معروفٍ صدقةٌ، كما قال رسول الله ﷺ».
[ ٢ / ١٥٤ ]
مكان قضاء القراض ووقته
باب بيع الثمار قبل بدو صلاحها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مكان قضاء القراض ووقته
(٢) - (ومن اقترض قرضًَا فلم يشترط للقضاء موضعًا، فإنّه يلزم المقترِضَ القضاء في الموضع الذي اقترضه فيه. ولو لقيه في غير الموضع الذي أقرضه فيه وطالبه بالقضاء، لم يلزمه ذلك، ولزم أن يوكّل من يقبضه عنه في البلد الذي أقرضه فيه). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٥٨]: «قال الأبهري ﵁: واختلاف البلدان كالآجال؛ لأنّ غرض النّاس يختلف في البلدان والحمل والمؤنة، كما يختلف غرضهم في أوقات الطعام، وتتغيّر فيها الأسعار».
(٣) - (ولو اصطلحا على القضاء في بلدٍ آخر، كان ذلك جائزًا إذا كان بعد حلول الأجل، وإن كان قبل حلوله لم يجز). قال في شرح التفريع [٧/ ٤٥٩]: «قال الأبهري ﵀: وإنما لم يجز أن يصطلحا على القضاء قبل الأجل، كان ذلك من بيعٍ أو قرضٍ؛ لأنّه إن قضى فوق شرطه، فقد زاده لإسقاط الضّمان عنه، وإن كان دون شرطه، فقد حطّ عنه لتعجيله قبل وقته أو في غيره موضعه الذي قبضه فيه، وذلك غير جائزٍ. وإذا تبرّع بالقضاء جاز ذلك، إذا ردّ مثل الطّعام الذي عليه، لا زيادة ولا نقصان في الجودة والكيل». باب بيع الثمار قبل بدو صلاحها
(٤) - (ولا يجوز بيع الثّمار على التّبقية قبل بدوِّ صلاحها). قال في شرح التفريع [٨/ ٥]: «والأصل في ذلك ما روي عن النّبيّ ﷺ: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى البَائِعَ والمُشْتَرِي» خرَّجه مسلم. وخرّج أيضًا عن ابن عمر ﵁ أنّه قال، قال رسول الله ﷺ «لَا تَبْتَاعُوا الثّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَتَذْهَبَ عَنْهُ الآفَةُ»، وبدو صلاحه: حمرته وصفرته. قال الأبهري ﵀: معنى النّهي - والله أعلم - لكثرة الغرر فيها إذا بيعت
[ ٢ / ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) على التّبقية قبل بدوّ صلاحها، ولقلّة الانتفاع بها في هذه الحال مع تبقيتها، فإذا بدا صلاحها، قلّ الغرر فيها وكثر الانتفاع بها؛ لأكل النّاس منها، فلا يقصدون سواها إلى الغرر بالقطع».
(٢) - (ولا بأس ببيعها على القطع قبل بدوّ صلاحها، ولا بأس ببيعها على التّبقية بعد بدوّ صلاحها). قال في شرح التفريع [٨/ ٧]: «وأمّا قبل بدوّ صلاحها، فليس يجوز بيعها على التّبقية؛ لعدم حصول الانتفاع بها، فأمّا بيعها على القطع فإنّه يجوز. قال الأبهري ﵁: لأنّ منفعة ما اشتراه تحصل له في الحال إذا قطع، فبيعه جائزٌ، وإنّما الممنوع من بيعه ما لم يبدُ صلاحه من التمر وغيره على التّبقية؛ لأنّ ذلك غررٌ، لا منفعة فيه للمشتري في الحال، ولا يدري هل تحصل المنفعة من ذلك أم لا».
(٣) - (ومن باع ثمرةً قبل بدوِّ صلاحها ولم يشترط قطعها ولا بقاءها، فالبيع باطلٌ، وكذلك إن اشترط قطعها فبقّاها مشتريها، فالبيع باطلٌ، وتُردُّ الثّمرة على بائعها والثّمن على مشتريها، فإن فاتت في يد مشتريها، ضمن مكيلتها إن كانت معلومةً، أو قيمتها إن كانت المكيلة مجهولةً، وله ما أنفق عليها في سقيها وجذاذها). قال في شرح التفريع [٨/ ٨]: «اختلف فيمن اشترى ثمرةً قبل بدوّ صلاحها ولم يشترط جذاذًا ولا تبقيةً، هل يحمل البيع على الجذاذ فيكون جائزًا، أم على التّبقية فيكون فاسدًا: فقال ابن القاسم: إذا اشترى ثمرة قبل بدوّ صلاحها فجذّها مكانه فالبيع جائزٌ. وقال ابن القصار: البيع فاسدٌ حتى يشترط الجذاذ، وبه قال القاضي عبد الوهاب والأبهري ﵄». وقال أيضًا في [٨/ ٩]: «إذا ثبت هذا، فمن اشترى ثمرةً قبل بدوّ صلاحها، فتركها حتى بدا صلاحها، أو رطبت ثمّ جذّها، فالبيع فاسدٌ، ويكون على المشتري قيمتها يوم جذّها إن كانت رطبًا، قاله ابن القاسم.
[ ٢ / ١٥٦ ]
بيع الثمار بعد طيبها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإن جذّها ثمرًا، كان عليه مكيلتها، يريد إذا فات ذلك. قال الأبهري ﵁: لأنّ كلّ من أسلف شيئًا مما يكال أو يوزن، فعليه ردّ مثله كيلًا أو وزنًا، لا قيمة ذلك، وإن كان قائمًا، ردّه بعينه، وإن فات بعضه وبقي بعضه، ردّ بقيته. وتردّ قيمة الرّطب أو مكيلة التّمر على ما ذكرنا». بيع الثمار بعد طيبها
(٢) - (وإذا كان في الحائط نخلٌ، فطاب بعضه، جاز بيعه كلّه إذا كان طِيبُهُ متتابعًا متلاحقًا، فإن طاب منه مُبَكِّرُهُ، لم يبع معه مُتَأَخِّرُهُ، وبيع المبكّر وحده). قال في شرح التفريع [٨/ ١٢]: «وإنّما مَنَع أن يباع معه متأخره؛ لنهي رسول الله ﷺ عن بيع الثّمار حتى يبدو صلاحها. قال الأبهري ﵁: ولأنه لا تؤمن فيه الجائحة إذا بيع في هذا الوقت، فيكون بيعه غررًا وقد نهى النّبِيُّ ﷺ عن بيع الغرر».
(٣) - (وإذا كان في الحائط نوعان من النّخل: صيفي وشتوي، لم يبع أحدهما بطيب الآخر، وكلّما طاب نوعٌ بيع وحده ولم يبع بطيب غيره). قال في شرح التفريع [٨/ ١٢]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ ما بينهما من الوقت منقطعٌ غير متّصلٍ، فلا يجوز بيع الثّاني مع الأوّل، كما لا يجوز بيع ثمرة السّنة الثّانية مع الأولى؛ لأنّ ذلك غررٌ، لا يدرى أيكون أم لا، وكيف يكون، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر».
(٤) - (وإذا كان في الحائط أصنافٌ من الثّمار، كالتفّاح والنّخل والرمّان والخوخ والتّين وغير ذلك من الثّمار، فطاب منها صنفٌ واحدٌ، بيع وحده). قال في شرح التفريع [٨/ ١٣]: «قال أبو بكر الأبهري ﵁: وليست كالتّمر والعنب أنّ بعضه يباع بصلاح بعضٍ؛ لأنّ ذلك كلّه صنفٌ واحدٌ، وحكمه حكمٌ واحدٌ، وليس كذلك أصناف الفواكه؛ لأنّها مختلفة الأصناف، فلكل صنفٍ منها حكمه.
[ ٢ / ١٥٧ ]
بيع المقاثي والمباطخ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولأنّ ذلك يؤدي إلى بيع الثّمار قبل بدوّ صلاحها، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك». بيع المقاثي والمباطخ
(٢) - (ولا بأس ببيع المقاثي والمباطخ إذا بدا صلاحها وأمكن الانتفاع بها، وإن لم تظهر جميع ثمرتها، ثمّ يكون للمشتري جميع بطونها إلى آخر إبّانها). قال في شرح التفريع [٨/ ١٤]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما جاز بيع هذه الأشياء إذا بدا صلاح أوّلها، وإن كانت بُطونها متأخّرةً؛ لأنّه لو منع من بيع ما ثد بدا صلاحه حتى يخرج كله ويبدو صلاحه؛ لأضرّ ذلك به، ولفسد ما قد خرج منه، فجاز له بيعه كلّه، وهو في ذلك بخلاف بيع القرط. والفرق بينهما: أنّ المقاثي والمباطخ كلّ بطنٍ منها متتابعٌ، لا ينفرد بطنٌ عن الآخر، فلو كلّفناهم بيع كلّ بطن على حدةٍ، كان في ذلك حرجٌ ومشقّةٌ، إذ لا تنفصل بطنٌ عن الأخرى، بل تختلط ولا تتعيّن، بخلاف القرط، فإنّ كان بطنٍ منه منفصلٌ عن الآخر انفصالًا تامًّا». وقال أيضًا في [٨/ ١٥]: «فإن قيل: كيف جاز بيع البطون التي لم تخلق، ببدوّ صلاحها أوّل بطنٍ، وإنما جاز أن يباع آخر الثّمر بطيب أوّلها؛ لأنّها مخلوقةٌ؛ وإنّما تزداد حلاوةً وهذه بطنٌ بعد بطنٍ؟ قيل له: ذلك كاتّصال خروج اللّبن في الظئر، فإنّه يتجدّد كلّ يومٍ، وقد أجاز الله تعالى الإجارة على ذلك، والإجازة بيعٌ. قال الأبهري ﵁: ومما يدلّ على صحّة ما قلناه: أنّ الله ﵎ قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، فأباح الإجارة في الرّضاع وهو بيع اللّبن، وذلك غير مرئيّ ولا موجودٍ، وإنّما أجيز ذلك للحاجة إليه، فكذلك ما ذكرناه من بيع المقاثي، أجيز ذلك للحاجة إليه والضّرورة». بيع البقول والقرط والقضب
[ ٢ / ١٥٨ ]
بيع الموز والورد والياسمين
بيع الزرع
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - (ولا يجوز بيع القرط والقضب حتّى يفنى، ولا بأس ببيعه جزّاتٍ معلوماتٍ). قال في شرح التفريع [٨/ ١٦]: «قال الأبهري: ولأنّه بطونٌ وتقصر، وهي مجهولةٌ، وليس هو كالمقاثي؛ لأنّ وقتها معلومٌ. ولأنّه لا يدرى بقيّة البطون كيف تكون، وذلك غررٌ، وإنّما يجوز بيعه إذا بلغ أن يُرعى أو يحصد، لا قبل ذلك؛ لأنّ ذلك غررٌ». بيع الموز والورد والياسمين
(٢) - (ولا يجوز بيع الموز حتى يبدو صلاحه، فإذا بدا صلاحه جاز بيعه، ويضرب له أجلٌ ينتهي إليه). قال في شرح التفريع [٨/ ١٦]: «قال الأبهري ﵁: لأنّ الموز يبقى مدّةً طويلةً، وهو بطونٌ تخرج أوّلًا فأوّلًا، فاحتيج إلى ضرب الأجل ليعلم المشتري ما اشتراه، وإذا لم يضرب الأجل، كان ما اشتراه مجهولًا وذلك غير جائزٍ».
(٣) - (ولا بأس ببيع الورد والياسمين إذا أمكن قِطافه، ثمّ يكون بعد ذلك للمشتري إلى آخر إبّانه، ولا يجوز بيعه سنين عدّةً). قال في شرح التفريع [٨/ ١٧]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما جاز بيع الورد والياسمين إذا أمكن قطافه إلى آخر إبّانه؛ لحاجة صاحبه إلى البيع وحاجة المشتري إلى الشّراء، ولو منع من بيع ما بدا صلاحه حتى يخرج كلّه، لأضر ذلك به، ولفسد ما خرج منه، فجاز أن يباع كلّه. ولا يجوز أن يباع سنين عدّةً؛ لأنّه مجهولٌ، إذ لا يدرى ما يحصّلُ منه في باقي السنين». بيع الزرع
(٤) - (ولا بأس ببيع الزّرع إذا يبس واشتدّ، ولا بأس ببيعه بعد جذاذه إذا كان حِزمًَا). قال في شرح التفريع [٨/ ١٨]: «اختلف في بيع الزرّع إذا اشتدّ واستغنى عن الماء، هل يجوز أم لا؟
[ ٢ / ١٥٩ ]
بيع الأصول مع ثمرها مؤبرة وغير مؤبرة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فقال مالك ﵁: يجوز، ومنعه الشافعي ﵁. ودليلنا: ما روي عن النّبِيّ ﷺ: «أَنّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنْبِلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ العَاهَةَ»، خرّجه مسلم. قال أبو بكر الأبهري ﵀: ولأنّ ذلك بدوّ صلاح الزّرع ووقت الانتفاع به، ولا يُنتَفع به قبل ذلك إلّا باليسير منه، كما لا يُنتفع بالثّمرة قبل بدوّ صلاحها إلّا باليسير منها، فإذا بدا صلاحها انتفع بها، وهكذا الزرّع إذا يبس انتفع به، فلذلك جعله حدًّا لجواز البيع. قال الأبهري ﵁: ومن منع بيعه بعد أن يبيضّ فقد خالف هذا الحديث الصّحيح. وأما بيع الحنطة في سنبلها غير مفردةٍ عن السنبل فغير جائزٍ بالإجماع». بيع الأصول مع ثمرها مؤبرةً وغير مؤبرةٍ
(٢) - (وإن أبّر بعضها ولم يؤبّر البعض، فإن كان ما أبّر مثل ما لم يؤبّر، فالمؤبّر للبائع وغير المؤبر للمبتاع، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر، ففيها روايتان: إحداهما: أنّ الأقل تبعٌ للأكثر، والأخرى: أنّ ما أبّر للبائع وما لم يؤبّر للمبتاع). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢]: «قال الأبهري ﵁: ألا ترى: أنّ القصر والفطر في السّفر إنّما جعل رخصةً من أجل مشقّة السّفر التي تلحق النّاس، وإن كان النّادر من النّاس لا يلحقهم ذلك، غير أنّ الحكم للأغلب، فكذلك هنا الحكم للأغلب في إبار النّخل والتّمر، فجعل القليل تبعًا للكثير».
(٣) - (ومن اشترى أرضًا وفيها زرعٌ صغيرٌ لم يبد صلاحه ولم يذكره البائع في عقدة البيع، ففيها روايتان: إحداهما: أنّه للبائع، والأخرى: أنّه للمبتاع). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢]: «قال أبو بكر الأبهري ﵁: وإنّما قلنا: إنّ من باع أرضًا وفيها زرع لم يُلَقَّح أنّه للمبتاع، وإن كان قد لقِّحَ فهو للبائع، وذلك
[ ٢ / ١٦٠ ]
بيع الثمار على رؤوس الأشجار والاستثناء منها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بمنزلة النّخل إذا بيعت وقد أبّرت، فثمرتها للبائع إلّا أن يشترطه المبتاع، وإذا بيعت قبل أن تؤبّر، فهي للمبتاع، وقد روّينا ذلك عن النّبِيّ ﷺ. وقد اختلف قول مالكٍ ﵁ في هذه المسألة: فروى أشهب وابن عبد الحكم هذا القول الذي حكيناه. وقال ابن القاسم عن مالكٍ: إنّ الزّرع كلّه للبائع، صغيرًا كان أو كبيرًا إلّا أن يشترطه المبتاع. ووجه هذا القول: أنّ الزّرع مخالفٌ للثّمرة؛ لأنّ الزّرع هو شيءٌ يضعه البائع، فأشبه ذلك ما دفنه فيها، فذلك للبائع، وكذلك الزّرع هو للبائع، والثمرة ليست شيئًا وضعه البائع فيها. فإن قيل: إنّ الزرع بمنزلة النّخل يكون للمشتري، وإن كان قد وضعه البائع؟ قيل: بينهما فرقٌ، وهو أنّ النّخل وضعت على التأبيد، ليس إلى وقتٍ يتناهى، فهي بمنزلة البنيان، وأمّا الزرع فهو إلى وقتٍ يتناهى، فكان للبائع لهذه العلّة، ولم يتبع الأرض». بيع الثمار على رؤوس الأشجار والاستثناء منها
(٢) - (ولا بأس أن يبيعها جزافًا ويستثنى منها كيلًا معلومًا إذا كان يسيرًا، قدر ثلثها أو أدنى منه) قال في شرح التفريع [٨/ ٢٦]: «قال الأبهري ﵁: قال مالكٌ: الأمر المجتمع عليه عندنا، أنّ له أن يستثني ما بينه وبين الثلاث، لا يجاوز ذلك، وعن ابن أبي سلمة مثله».
(٣) - (ومن باع حائطًا جزافًا واستثنى منه كيلًا معلومًا، فأراد بيعه قبل أن يستوفيه من المشتري، ففيها روايتان: إحداهما: جواز بيعه، والأخرى: منعه).
[ ٢ / ١٦١ ]
باب العرايا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٢٧]: «قال الأبهري: ﵁: ولأنّه إنّما نهي عن بيع الطّعام قبل قبضه إذا اشتراه، وهذا لم يشتر شيئًا، وإنّما بقي الآصع على ملكه. وإن قلنا: «إنّه مشترٍ»، فلا يجوز، لأنّه يدخله بيع الطّعام قبل قبضه، وذلك منهيٌّ عنه.
(٢) - (قال مالكٌ: ومن باع حائطًا واستثنى منه آصعًا معلومةً، فأصيب ربع الحائط، فلا وضيعة فيه من الثّمن، ولا من الثنيّا، والمصيبة من المشتري). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٨]: «قال الأبهري: إنّما قال ذلك؛ لأنّ الجائحة لا توضع في أقلّ من الثّلث، وإنّما توضع في الثّلث فما فوقه. وأمّا قوله: ولا من الثنيّا، فلأنّ البائع إنّما باع ما زاد على الثنيّا واشترط على المشتري أن يبدئه بما استثناه، فما بقي بعد الاستثناء فهو للمشتري، فلهذا قال: ليس على البائع من المصيبية في الاستثناء شيءٌ».
(٣) - (قال مالكٌ ﵁: فإن أصيب الثّلث فقد اختلف فيه، وأحبّ إلينا أن تكون الأوسق المسمّاة فيما بقي من الحائط، وتوضع عنه الجائحة. وقيل: بل تكون الجائحة في الأوسق وفي الثّمرة على قدر ذلك، والأوّل أحبّ إلينا). قال في شرح التفريع [٨/ ٢٩]: «قال الأبهري: ووجه قول مالكٍ ﵁: إنّ الأوسق المسمّاة تكون فيما بقي من الحائط؛ فلأنّ البائع إنّما باع ما عدا الأوسق، وبقّى الآخر على ملكه، فلا جائحة فيها. ووجه قوله الآخر أنّ الجائحة في الأوسق وفي غيرها: هو أنّ البائع شريكٌ للمشتري في الثّمرة بقدر الأوسق؛ لأنّها ليست بعينها، فالمصيبة بينهما بقدر ملكيها، ثمّ توضع عن المشتري الجائحة التي أصابته؛ لأنّ رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح. وهذا القول هو الصّحيح، أنّ المصيبة تكون على البائع والمشتري؛ لأنّهما شريكان في الثّمرة، فلزم كلّ واحدٍ من الجائحة بقدر ملكه، ثمّ يُوضع عن المشتري من الجائحة في مقدار ما اشتراه؛ لأنّه الثّلث». باب العرايا
[ ٢ / ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - (قال مالكٌ ﵁: ولا بأس بالعريّة، وهي هبة ثمر النّخل والشّجر). قال في شرح التفريع [٨/ ٣٢]: «قال الأبهري: وإنّما جوِّزت العريّة؛ لأنّه معروفٌ يفعله الإنسان، وذلك فعل خيرٍ، وقد قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]، وكان رسول الله ﷺ يأمر مصدّقيه أن يُخَفِّفُوا، وقال: «إِنَّ فِي المَالِ العَرِيَّةَ وَالوَصِيَّةَ».
(٢) - (ومن ملك عريّةً فلا يجوز له بيعها حتّى يبدو صلاحها، فإذا بدا صلاحها جاز بيعها من المُعرِي وغيره بالدّنانير والدّراهم، ولم يجز بيعها بالثّمر من غير مُعرِيها، ويجوز بيعها من المُعرِي خاصَّةً بخرصها تمرًا يعطيه إيّاه عند جذاذها، ولا يعجّله قبله، ولا يؤخّره بعده، وذلك إذا كان قدرها خمسة أوسقٍ فما دونها، ولا يجوز فيما فوقها). قال في شرح التفريع [٨/ ٣٤]: «واختلف: هل تباع بخرصها نقدًا: فمنعه مالكٌ وابن القاسم. قال الأبهري: لأنّه يصير بيع تمرٍ برطبٍ نقدًا وذلك غير جائزٍ». وقال أيضًا في [٨/ ٣٥]: «وأمّا قوله: ولا يؤخره بعده، فلأنّه إذا أخّره خرج عن الرّخصة وصار مزابنةً. وقد روى حماد بن سلمة، عن أيوبٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنِةَ»، قال أيّوب: «ورخَّص رسول الله ﷺ في العرايا: النّخلة والنّخلتين توهبان للرّجل، فيبيعها بخرصها تمرًا». قال الأبهري ﵁: فلهذا قال مالكٌ ﵁: إنّه يجوز أن يبيعها بخرصها تمرًا إلى أجلٍ؛ لأنّ المُعرِي لم يقصد بشراءها طلب الفضل والفخر، وإنّما أراد التّخفيف عن نفسه بقطع طريق المعري إلى حائطه ودخوله وخروجه؛ لأنّ ذلك يشقّ عليه.
[ ٢ / ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فإن قيل: لم اقتصر مالكٌ ﵁ على خمسة أوسقٍ، وقد شكّ الرّاوي في الخمسة؟ قيل له: قد قيل: إنّ الشكّ قد دخل على الرّاوي في الخمسة فما فوق، وما دونها غير محدودٍ، فوجب أن يقتصر على الخمسة أوسق المحدودة، إذ هي أصلٌ في الزكاة. وروى أبو الفرج عن مالكٍ ﵁، أنّه لا يُشترى من العرايا بخرصها إلّا أقلّ من خمسة أوسقٍ. وهو أحسن؛ إذ الخمس مشكوكٌ فيها».
(٢) - (ومن أعرى نفرًا شتّى عرايا عدَّةً، فلا بأس أن يشتري من كلّ واحدٍ منهم عريّته إذا بدا صلاحها بخرصها تمرًا، إذا كان قدرها خمسة أوسق فما دونها). قال في شرح التفريع [٨/ ٣٥]: «قال الأبهري ﵁: ولا يجوز أن يشتري من كلّ واحدٍ أكثر من خمسة أوسقٍ؛ لأنّ النّبِيّ ﷺ أرخص في بيع العريّة بخرصها في خمسة أوسقٍ فدون، فجاز بهذا الخبر شراء العريّة إذا كانت خمسة أوسقٍ، سواءٌ كان المعري واحدًا او جماعةً، في أنّه يجوز أن يشتري من المتقدّم خمسة أوسقٍ فدون. وكذلك من كلّ واحدٍ من الجماعة إذا أعراهم أوسقًا كثيرةً، إذ لا فضل في حكم العريّة وشرائها بين المعري الواحد والجماعة، ومن المعري الواحد والجماعة منهم، والله أعلم. ويجوز أن يشتري نصيب أحدهم إذا أراد المعروف أو قصد رفع الضّرر؛ لأنّه يصحّ في الوجهين جميعًا، والمضرّة ترفع عن المعري من دخول هذا وخروجه، وقد يتأذى بواحدٍ دون أصحابه. فإن أعرى جماعةٌ رجلًا واحدًا بعض حائطٍ، وكانت عريّة كلّ واحدٍ خمسة أوسقٍ، جاز لجميعهم شراء تلك العريّة».
[ ٢ / ١٦٤ ]
باب وضع الجوائح
الجائحة بسبب نقصان المياه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) باب وضع الجوائح
(٢) - (ومن اشترى ثمرةً قد بدا صلاحها، فأصابها جائحةٌ فأتلفت ثلث مكيلتها فصاعدًا، سقط عنه من ثمنها بقدر ما تلف منها. فإن كان ما تلف منها أقلّ من ثلث مكيلتها، فمصيبة ذلك من مشتريها، ولا يرجع على البائع بشيءٍ من ثمنها). قال في شرح التفريع [٨/ ٣٧]: «قال الأبهري ﵁ ولمّا أمر النّبِيّ ﷺ بوضع الجوائح، كان وضعها واجبًا إلّا أن تقوم الدّلالة على أنّ ذلك ليس بواجبٍ، وليس هذا من المواضع التي يقال: إنّه ندبٌ؛ لأنّه لا يحكم بين المتخاصمين على وجه النّدب. فإن قيل: إذا كان الخبر صحيحًا، فضع الجائحة قليلها وكثيرها، فأمّا أن يكون الثلث فصاعدًا، فلا وجه له؟ قيل له: ظاهر الحديث يدلّ على أنّ القليل لا يوضع؛ لأنّ رسول الله ﷺ إنّما أمر بوضع الجوائح، وكانت الجائحة في لسان العرب إنّما هي فيما كَثُرَ ذَهَابُه دون ما كان قليلًا؛ لأنّه لا يقال لمن ذهب درهمٌ من ماله وهو يملك ألوفًا كثيرةً: «إنّ ماله أجيح»، فلمّا كان كذلك، ثبت أنّ اسم الجائحة لا يقع على ذهاب اليسير. وأمّا من جهة المعقول: فإنّه ملعومٌ أنّ المشتري إنّما دخل على ذهاب اليسير من الثّمرة؛ لأنّه لا بد أن يسقط منها اليسير، ويأكل منها الطّير وغير ذلك، فلمّا كان كذلك، لم يجب على البائع أن يضع عن المشتري القدر الذي دخل عليه حتّى يكثر، فيلزمه أن يضع عنه للخبر. وأقلّ حدّ الكثير من الشّيء ثلثه، بدليل قول النّبِيّ ﷺ لسعدٍ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، فجعَلَ الثُّلُثَ كثيرًا». الجائحة بسبب نقصان المياه
(٣) - (وما كان من نقصان الشُّربِ، فإنّه يوضع قليله وكثيره).
[ ٢ / ١٦٥ ]
الجوائح في المقاثي والمباطخ والبقول
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٤١]: «قال الأبهري: لأنّ على البائع أن يسقي الثّمرة حتى يجذّها المشتري، فمتى انقطع الماء، كان ذلك عيبًا لحق الثّمرة من سببه، فهو بمنزلة عيبٍ يكون عند البائع، فللمشتري أن يردّ السّلعة في قليل ذلك وكثيره، أو يأخذ أرشه إن كان قد فات في يده». وقال أيضًا: «قال اللخمي ﵁: واختلف في الماء يشتريه رجلٌ ليسقي به شهرًا أو شهرين، فينتقص بعضه … قال الأبهري ﵁: وإنّما جاز بيع الماء يومًا أو أكثر؛ لأنّه يعرف في الأغلب مقداره، فأمّا وضع الجائحة فيه، فكوضعها في الثّمرة؛ لأنّ الماء لا يبقى على حدٍّ، إذ لا بد أن ينقص أو يزيد، فأشبه ذلك الثّمرة؛ لأنّه لا بدّ من سقوط يسيرها، فعلى ذلك دخل المشتري. فأما إذا كثر ذلك، بأن يكون ثلثه فأكثر، فإنّه يرجع على البائع بمقدار ذلك من الثّمن، كما يرجع عليه في الثمرة؛ لأنّ الماء يؤخذ أوّلًا فأوّلًا ويُنتَفع به كذلك، ولا يمكن المشتري أخذه كلّه في الحال، كما لا يمكنه أخذ الثّمرة في الحال إذا لم تتناهَ، لأنّ ذلك يضرّ به؛ وإنما يأخذها أوّلًا فأوَّلًا وينتفع به كذلك». الجوائح في المقاثي والمباطخ والبقول
(٢) - (ومن اشترى بقلًا فأصابته جائحةٌ، ففيه ثلاث روايات: إحداهنّ: أنّه بمنزلة الثّمار، يوضع الثّلث فما فوقه، ولا يوضع ما دونه. والروّاية الثّانية: أنّه يوضع قليله وكثيره. والرّواية الثّالثة: أنّه لا يوضع منه شيءٌ، قلّ أو كثر). قال في شرح التفريع [٨/ ٤٣]: «ووجه قوله: إنّه لا يوضع منها شيءٌ، فلأنّها تباع وهي غير محتاجةٍ إلى تبقيةٍ في موضعها. قال الأبهري: لأنّ المشتري يقدر على قطع ما اشتراه في الحال، وليس لتناهيه يتوقع
[ ٢ / ١٦٦ ]
لا جائحة عند الحصاد
فيمن ابتاع ذهبا بورق، ثم وجدها ناقصة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كما يكون ذلك في الثّمرة، فلمّا فرّط مشتري البقل في أخذه مع قدرته عليه، لم يرجع على البائع بشيءٍ من الثّمن». لا جائحة عند الحصاد
(٢) - (ولا جائحة في ثمرٍ عند جذاذه، ولا في زرعٍ عند حصاده). قال في شرح التفريع [٨/ ٤٤]: «لأنه قد انتهى ووصل إلى الغاية، ولم يبق له إلّا القطع، فلا جائحة تلزم البائع فيه. قال الأبهري: ولأنّه لا ضرورة إلى بقائها بعد تناهيها، فإذا تركها فقد ضيّع، فمن قِبَلِهِ أتِيَ، ولا يرجع على غيره. فأما قبل أن تيبس، ففيه جائحةٌ إلى بقائها حتى تتناهى، وهو غير مفرّطٍ في ذلك، وعلى ذلك دخل البائع والمشتري، فقد بقي على البائع حقُّ التّوفية حتى تيبس وتنتهي ويصل إلى غرضه منها». فيمن ابتاع ذهبًا بورقٍ، ثمّ وجدها ناقصةً
(٣) - (ومن ابتاع ذهبًا بورقٍ، ثمّ وجدها ناقصةً، فإن طلب التّمام، انتقض صرفه، وإن رضي بالنّقصان، صحّ صرفه). قال في شرح التفريع [٨/ ٤٩]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّه لم يتأخّر القبض عن العقد حين لم يردّ الدّرهم؛ وإنّما الممنوع من ذلك أن يتأخّر القبض عن حال العقد؛ لأنّ شرط القبض في الصرف أن يكون: «هاء وهاء»، كما قال النّبِيّ ﷺ، فمتى خالف ذلك انتقض الصّرف، ومتى كان كذلك كان جائزًا وكان صحيحًا. وإن طلب التّمام انتقض الصّرف كلّه؛ لأنّ القبض يكون متأخّرًا عن العقد. وإن وجد أحدهما زائدًا عنده على ما عقد عليه الصّرف، فإنّه يردّ الزّائد؛ لأنّه لم يعقد عليه صرفٌ، ويُمضِي ما سواه».
(٤) - (قال مالكٌ ﵁: ولو نسي المبتاع عنده بعض الدّرهم، كان أحب إلينا أن يناقضه)
[ ٢ / ١٦٧ ]
فيما لو وجد في الصرف شيئا رديئا
بدل الدنانير والدراهم المختلفة الوزن
تغير سكة الدراهم والدنانير والفلوس
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٥٠]: قال الأبهري ﵁: وإنّما قال ذلك؛ لأنّه لم يتعمّد التّأخير، فيكون قد فعل ما هو ممنوعٌ منه، فلا ينتقض صرفه بالقياس، والاختيار أن يناقضه؛ لدخول التأخير فيه». فيما لو وجد في الصرف شيئًا رديئًا
(٢) - (ولو وجد فيها رديئًا فأراد ردّه، انتقض صرفه، وإن رضي بعيبه، تمّ صرفه). قال في شرح التفريع [٨/ ٥٠]: «وأجاز أشهب أخذ البدل في الصّرف بغير شرطٍ، ومنعه مالكٌ ﵁. قال الأبهري ﵀: لأنّه لم يقع قبض الدّراهم في حال العقد متى ردّه، فلا يجوز البدل؛ لأنّه يتأخر عن العقد ويزول ما شرطه النّبِيّ ﷺ من قوله: «الذَّهَبُ بِالوَرِقَ رِبًَا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». فإذا كانت دنانير، انتقض صرف دينارٍ واحدٍ؛ لأنّ كلّ دينارٍ منفردٌ بنفسه، فلا ينتقص غيره به. قال: وإنّما ينتقض الصّرف في دينارٍ واحدٍ؛ لأنّ الدّينار لا يجوز كسره، وذلك مكروهٌ. ولا يجوز أن يشتركا في الدّينار بمقدار ما ردّه من الدّرهم؛ لأنهّ لا يجوز أن يفترقا وبينهما علقةٌ، وإن كان قد أنفق الدّراهم، ردّ مثلها». بدل الدنانير والدراهم المختلفة الوزن
(٣) - (ولا بأس ببدل الدّنانير والدّراهم: النّاقصة بالوازنة، على وجه المعروفٍ، يدًا بيدٍ). قال في شرح التفريع [٨/ ٥٥]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما جاز البدل؛ لأنّه معروفٌ وليس مناجزةً، وقد جوِّزَ في المعروف ما لم يجز في البيع، من ذلك: قرض الدّراهم بالدّراهم إلى أجلٍ؛ وكذلك الطّعام، ولا يجوز ذلك في البيع». تغيّر سكّة الدّراهم والدّنانير والفلوس
(٤) - (ومن اقترض دراهم أو دنانير أو فلوسًا أو باع بها، وهي سكّةٌ معلومةٌ، ثمّ
[ ٢ / ١٦٨ ]
صرف الفلوس إلى أجل
الاقتراض من الصيرفي وتغير القيمة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) غيَّر السّلطان السكّة أو أبدلها بغيرها، فإنّما عليه مثل السكّة التي قبضها ولزمته يوم العقد). قال في شرح التفريع [٨/ ٥٨]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما قلنا: إنّ له مثل فلوسه أو دراهمه التي أسلف أو باع بها؛ لأنّ عليه أن يعطيه الذي وجب عليه في ذمّته، وليس عليه غيره، وذلك الواجب عليه. وقد روى ابن وهبٍ، عن سعيد بن المسّيب ﵄، أنّه قال: «إِن أسلفت إلى رجلٍ دراهم، ثمّ دخل الدّراهم فسادٌ، فليس لك عليه إلّا مثل ما أعطيت، وإن كان قد أنفقها وجازت عنه». قال ابن وهب ﵁: وأخبرني رجالٌ من أهل العلم، عن يحيى بن سعيد، وربيعة مثله، وسمعت اللّيث ابن سعدٍ يقوله. ولو انقطع ذلك النّقد حتى لا يوجد، لكان له قيمتها يوم يحلّ الأجل، ولم يُنظر إلى قيمتها يوم انقطعت؛ لأنّه لم يكن عليه طلبٌ في ذلك الوقت». صرف الفلوس إلى أجلٍ
(٢) - (ويكره صرف الفلوس إلى أجلٍ وبيع بعضها ببعضٍ متفاضلًا حين كان يُتَعامَل بها، فأمّا في وقتنا هذا فإنّها كالعروض). قال في شرح التفريع [٨/ ٦٠]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما كره صرفها نسيئةً؛ لأنّها قد أجريت مجرى الأثمان في المعاملة بها، وكذلك يكره التّفاضل فيها. ولم يحرم ذلك كتحريمه في الذّهب والفضّة؛ لأنّ الذهب والفضة أثمانٌ على الحقيقة، فيهما الرّبا والزّكاة، ولم تكن الفلوس كذلك في وجوب الزكّاة في عينها؛ فكذلك ليست في الرّبا مثلها». الاقتراض من الصيرفي وتغيّر القيمة
(٣) - (ومن اقترض من صيرفيٍّ بقدر نصف دينارٍ: دراهم، ثمّ رخصت الدّراهم أو غلت، فإنّما عليه مثل الذي أخذ منه.
[ ٢ / ١٦٩ ]
شراء تراب الذهب والفضة بجنسه أو بغير جنسه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكذلك لو اقترض منه دنانير عينًا، ثمّ رخصت العين أو غلت، فإنّما عليه وزن ما أخذ منه عينًا). قال في شرح التفريع [٨/ ٦٠]: «وإنّما قال ذلك؛ لأنّها قد ترتّبت في ذمّته بنفس القبض، فلا يدفع إلّا ما ترتب عليه. قال الأبهري ﵁: إلّا أن يتطوع المستقرض بأن يرد أفضل من، هـ فيجوز ذلك». شراء تراب الذّهب والفضّة بجنسه أو بغير جنسه
(٢) - (ولا بأس بشراء تراب المعدن من الذّهب والفضّة بغير جنسه، ولا يجوز شراؤُه بشيءٍ من جنسه). قال في شرح التفريع [٨/ ٦١]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما جوّز بيع تراب المعدن بالذّهب إن كان فضَّةً، وبالفضّة إن كان ذهبًا؛ لقوله ﵎: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] الآية. ولإجازة النّبِيّ ﷺ بيع الذّهب بالفضّة، والفضّة بالذّهب. فإن قيل: إنّ ما فيه من الفضّة والذّهب غير معلومٍ، فلا يجوز بيعه كذلك؛ لأنَّه غررٌ؟ قيل له: لو لم يجز بيعه حتى يُعلم مقدار ما فيه، لم يجز بيع شيء جزافًا حتى يُعلم ما فيه. فإن قيل: إن البيع جزافٌ ترى عينه، فيجوز، وليس كذلك تراب المعدن؟ قيل له: الذهب والفضة يستغنى في البيع عن رؤية عينها. ألا ترى: أنّه يجوز بيع السّلعة بدينارٍ أو درهمٍ وإن لم ير عينها، ولا يجوز ذلك في العروض حتى يرى عينها أو توصف له بصفةٍ محصورةٍ».
[ ٢ / ١٧٠ ]
(^١) [فإ] ن (^٢) قيل: إنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن الإنسان (^٣)؟
_________________
(١) هذه الصفحة هي أول الموجود من كتاب البيوع فيما قدرته، والله أعلم، ولعلَّ المسألة التي يشرحها الأبهري، مسألة بيع العروض قبل قبضها، قال التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٧٠]: «اختلف في جواز بيع المشتريات قبل قبضها: فمنعه الشافعي ﵁ في كلّ شيءٍ. ومنعه أبو حنيفة ﵁ في كلّ شيءٍ إلّا العقار وما لا ينقل. ومنعه مالكٌ ﵁ في سائر المكيلات والموزونات إذا كانت طعامًا. ودليلنا: قول النّبِيّ ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًَا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوفِيَهُ»، فلمّا خص الطّعام بالذِّكر، دلّ على أنّ ما عداه بخلافه. قال الأبهري ﵁: ولأنّ ملك المشتري قد ثبت له على ما اشتراه، وزال ملك البائع عنه، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وإذا كان كذلك، كان للمشتري أن يبيع ما اشتراه من العروض قبل قبضها. وقد قال بعض من يخالفنا في هذه المسألة: إنّه يجوز عتق العبد إذا اشتراه قبل قبضه. ولا يجوز عتق ما لم يملكه الإنسان كما لا يجوز له بيعه، فإذا جاز عتقه جاز بيعه. فإن قيل: إنّ النّبِيّ ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمنه الإنسان؟ قيل: معنى الخبر: أن يبيع ما لم يملكه، فما ما قد ملكه فلا، والله أعلم».
(٢) ما بين [..]، غير ظاهر في التصوير، والسياق يقتضيه.
(٣) أخرجه أبو داود [٤/ ١٨٢]، والترمذي [٢/ ٥١٥]، وابن ماجه [٣/ ٣٠٨]، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك»، والسياق لأبي داود، وهو في التحفة [٦/ ٣٠٤].
[ ٢ / ١٧١ ]
[قيـ]ـل (^١) له: معنى هذا الخبر، أن يبيع الإنسان ما لا يملكه، فأمّا ما قد ملكه فلم [يد] خل (^٢) في هذا القول، والله أعلم.
وقوله: «إنَّهُ يبيع ذلك نقدًا إذا كان [مـ]ـضمونًا (^٣)»؛ فلأنه إذا باعه بدينٍ كان دينًا بدينٍ؛ لأنَّهُ قد انتقل من دينٍ له في ذمة زيدٍ إلى ذمة عمرٍو، وباع ما في [ذ] مة (^٤) زيدٍ من العروض بالثمن الذي [و] جب (^٥) له في ذمة عمرو، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الدَّين بالدَّين.
رواه الليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر (^٦)، عن محمد بن جعفر (^٧)، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُبَاعُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ» (^٨).
_________________
(١) ما بين []، غير ظاهر في التصوير، والسياق يقتضيه.
(٢) ما بين []، غير ظاهر في التصوير، والسياق يقتضيه.
(٣) ما بين []، غير ظاهر في التصوير، والسياق يقتضيه.
(٤) ما بين []، غير ظاهر في التصوير، والسياق يقتضيه.
(٥) ما بين []، غير ظاهر في التصوير، والسياق يقتضيه.
(٦) عبيد الله بن أبي جعفر المصري، ثقة، وقيل عن أحمد: إنَّهُ لينه، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٦٣٦).
(٧) محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٨٣٢).
(٨) أخرجه الأزدي في الكنى، ص (٦٧)، من طريق عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر، عن أبي واثلة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الدَّين بالدَّين يختلف أجلهما».
[ ٢ / ١٧٢ ]
ورَوَى ابن أبي زائدة (^١)، عن [موسى بن] (^٢) عبيد (^٣)، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الكَالِئِ بِالكَالِئِ» (^٤).
ولا نعلم خلافًا أنَّ الدَّين بالدَّين لا يجوز.
فإذا باع العروض بالنقد، جاز وإن كانت العروض دينًا، فإنّه (^٥) يجوز أن يبيع دينًا بعينٍ.
ألا ترى: أنَّهُ يجوز أن يسلم في العروض، فقد اشترى دينًا بعينٍ.
وإنما الممنوع من الدَّين بالدَّين: أن يكون الطرفان جميعًا دينًا، فأمّا إذا كان أحدهما دينًا والآخر نقدًا، جاز.
•••
[١٠١٦] مسألة: قال: وكلُّ ما كان من العروض كلها والحيوان كله والرقيق كله، وكلُّ ما سوى الذهب والفضة والطعام والشراب، من جميع الأشياء كلها:
_________________
(١) يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني الكوفي، ثقة متقن، من كبار التاسعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٥٤).
(٢) ما بين [] غير ظاهر في التصوير، واستدركته من مصادر التخريج.
(٣) قوله: «عبيد، كذا في شب، وفي مصادر ترجمته: عبيدة، هو: موسى بن عبيدة الربذي المدني، ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار، من صغار السادسة. تقريب التهذيب، ص (٩٨٣).
(٤) أخرجه الدارقطني [٤/ ٤٠]، والطحاوي في شرح معاني الآثار [٤/ ٢١]، من حديث ابن عمر ﵁، «أن النبيَّ ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ».
(٥) توجد حاشية في هذا الموضع، أولها: «لا»، وما بعدها غير ظاهر في التصوير.
[ ٢ / ١٧٣ ]
العروض، والحيوان، وغير ذلك، فلا يباع (^١) ذلك اثنان بواحدٍ يدًا بيدٍ، كان ذلك من صنفٍ واحدٍ أو مختلفٍ.
وكلُّ ما بيع من ذلك إلى أجلٍ، فلا بأس به إذا كان مثلًا بمثلٍ من صنفٍ واحدٍ أو مختلفٍ.
وكلُّ ما كان من ذلك مختلفًا، فلا بأس أن يباع اثنان بواحدٍ إلى أجلٍ.
وكلُّ ما كان من صنفٍ واحدٍ من جميع الأشياء كلها، فلا يباع اثنان بواحدٍ إلى أجلٍ (^٢).
• إنّما أجاز بيع العروض والحيوان كله، سواءٌ كان ذلك متفاضلًا أو مثلًا بمثلٍ، من صنفٍ واحدٍ أو صنفين، خلا الطعام والشراب إذا كان من صنفٍ واحدٍ فإنّه لا يجوز فيه التفاضل؛ لأنَّ الله جَلَّ وَعَزَّ قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فكلّ بيعٍ جائزٌ، إلّا ما منعت الدلالة منه، ولا خلاف في هذه الجملة التي ذكرناها بين أهل العلم.
وأمّا قوله: «إنَّهُ لا يجوز بيع صنفٍ منه بصنفٍ مثله أكثر منه إلى أجلٍ»؛ فلأنَّ ذلك يدخل في معنى قرضٍ جر منفعةً؛ لأنَّهُ أعطاه شيئًا له منفعةٌ ما، بشيءٍ أكبر
_________________
(١) قوله: «فلا يباع»، كذا في شب، وتوجد علامة إلحاق بعد كلمة: فلا، لكن الحاشية مطموسة، والسياق كلام الشارح يقتضي أنها: فلا بأس أن يباع، وكذلك هي عبارة ابن عبد الحكم في المختصر الصغير، ص (٥٥٤)، والله أعلم.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٩)، المختصر الصغير، ص (٥٥٤)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٥)، النوادر والزيادات [٦/ ١١ و٥٦]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٦٦].
[ ٢ / ١٧٤ ]
منه له مثل المنفعة التي دفعها إليه، فصار ذلك قرضًا جر منفعةً؛ لأنَّهُ إنّما طلب زيادة الشيء، لا اختلافَ منافعه، فلم يجز ذلك.
ألا ترى: أنَّهُ لا يجوز [طعامٌ بـ]ـطعامٍ (^١) أكثر منه إذا كان من صنفٍ واحدٍ، ويجوز أكثر منه إذا كان من [صنفـ]ـين (^٢)؛ لاختلاف المنفعة، وكذلك حكم العروض على هذا إذا كان ذلك إلى أجلٍ.
فأمّا إذا كان يدًا بيدٍ، فلا بأس بذلك؛ لأنَّ حكم النسيئة أغلظ من حكم النقد.
ألا ترى: أنَّهُ يجوز بيع الذهب بالفضة متفاضلًا ولا يكره، ويجوز بيع الذهب بالذهب مثلًا بمثلٍ، وكذلك الفضة بالفضة مثلًا بمثلٍ نقدًا، ولا يجوز كلّ ذلك إلى أجلٍ، وكذلك يجوز بيع العروض بالعروض مثلًا بمثلٍ ومتفاضلًا، سواءٌ كانت صنفًا واحدًا أو مختلفة الأصناف.
فإذا كانت إلى أجلٍ وكانت صنفًا واحدًا لم يجز فيها التفاضل.
ألا ترى: أنَّ الطعام أيضًا يجوز بيع بعضه ببعضٍ متفاضلًا إذا كان مختلف الصنف، ومماثلًا إذا كان صنفًا واحدًا، كلّ ذلك يدًا بيدٍ، ولا يجوز شيءٌ من ذلك نسيئةً؛ لغلظ أمر النسيئة، فكذلك العروض على ما ذكرنا، كان حكم النسيئة فيما ذكرنا أغلظ من حكم النقد، والله أعلم.
_________________
(١) ما بين []، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) ما بين [] مطموس، والسياق يقتضيه.
[ ٢ / ١٧٥ ]
فإن قيل: قد رُوِيَ عن علي بن أبي طالبٍ ﵁: «أَنَّهُ اشْتَرَى بَعِيرًَا بَأَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ» (^١)، وكذلك رُوِيَ عن ابن عمر مثله (^٢) (^٣)؟
قيل: إنَّهُ لا بأس بذلك عندنا إذا اختلفت المنافع، وإنما الذي لا يجوز إذا اتفقت المنافع، وليس في الرواية أنَّ منافعها كانت متفقةً، بل الأشبه بالإضافة إليهما اختلاف الأغراض فيما اشترياه، وَإِلّا فما الفائدة في ذلك.
وقد رَوَى حفصٌ، عن حجاجٍ (^٤)، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الحَيَوَانِ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ، يَعْنِي: نَسِيئَةً» (^٥)، ومعنى ذلك عندنا: إذا اتفقت المنافع.
ورَوَى ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن لهيعة، أنَّ بكيرًا (^٦) حدَّثه، أنَّهُ سمع القاسم بن محمد وابن شهاب يقولان: (لَا يَصْلُحُ بَيْعُ الثَّوْبِ بِالثَّوْبَيْنِ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَا) (^٧).
_________________
(١) أخرجه مالك [٤/ ٩٤٣]، وعبد الرزاق [٨/ ٢٢].
(٢) أخرجه مالك [٤/ ٩٤٣]، وابن أبي شيبة [١٠/ ٥٨٦].
(٣) ينظر الاعتراض في: الأم [٤/ ٧٠]، الحاوي للماوردي [٦/ ١١٧].
(٤) حجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة النخعي، صدوق كثير الخطأ والتدليس، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٢٢٢).
(٥) أخرجه الترمذي [٢/ ٥١٩]، وابن ماجه [٣/ ٣٧٦]، وهو في التحفة [٢/ ٢٩١].
(٦) بكير بن عبد الله بن الأشج، مولى بني مخزوم المدني نزيل مصر، ثقة، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٧٧).
(٧) أخرجه سحنون في المدونة [٣/ ٧٤]، من طريق أشهب، عن ابن لهيعة، به.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وهو قول سليمان بن يسار، وربيعة، ويحيى بن سعيد (^١).
•••
[١٠١٧] مسألة: قال: ولا بأس أن يباع العبد الفصيح التاجر، بالعبيد من جنسه ليسوا مثله في النفاذ (^٢) والمعرفة؛ وإنما الاختلاف في العبيد: المنافع والتجارات، اختلفت الأجناس أو اتفقت.
وكذلك الحيوان كله، ليس الاختلاف فيه اختلاف الأسنان، وإنما الاختلاف في النجابة والسرعة، اختلفت الأسنان أو اتفقت (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ غرض النّاس من العبيد والحيوان والعروض: المنافع التي في الأعيان، لا الأعيان، وإذا كان كذلك، وجب مراعاة المنافع التي فيها؛ إذ لها تراد لا لأجناسها.
فلهذا قال مالك: إنَّ المراعاة في جواز التفاضل إلى أجلٍ، اختلاف المنافع لا الصورة.
ألا ترى: أنَّ النّاس إنّما يقوِّمون سلعهم إذا تلفت عليهم حسب منافعهم وأغراضهم فيها، وليس العبد الكاتب والصانع عندهم مثل العبد الذي
_________________
(١) ينظر: المدونة [٣/ ٧٤]، وقد نقل التلمساني طرفًا من شرح الأبهري للمسألة في شرح التفريع [٨/ ٦٨]، ولم يشر إليه.
(٢) قوله: «النفاذ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «الفصاحة».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٩)، المختصر الصغير، ص (٥٥٦)، المدونة [٣/ ٥٥]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٩٨)، النوادر والزيادات [٦/ ١١].
[ ٢ / ١٧٧ ]
هو مثله في الجنس والصورة إذا لم يكن كاتبًا ولا صانعًا؛ لاختلاف غرضهم في ذلك.
فمتى اختلفت المنافع في العروض، جاز بيعها متفاضلًا إلى أجلٍ، ومتى اتَّفقت، لم يجز بيعها متفاضلًا إلى أجلٍ، وجاز ذلك يدًا بيدٍ على ما بيَّنَّاه.
•••
[١٠١٨] مسألة: قال: ولا ينبغي أن يُسْلَفَ كَبْشٌ في خروفين، ولا ضائنةٌ (^١) في ماعزتين؛ لأنّها غنمٌ كلها، ليس فيها فضلٌ يُرجى، إنّما هي لِلَّحمِ (^٢).
• قد ذكر مالكٌ العلة في ذلك بقوله: «إنّما هي للحم»، يعني أنَّ منفعتها واحدةٌ، فلا يجوز بيعها متفاضلًا إلى أجلٍ، ويجوز ذلك يدًا بيدٍ.
•••
[١٠١٩] مسألة: قال: ولا بأس أن يستسلف الرّجل ما شاء من الحيوان، إلّا الولائد (^٣) فإنَّ ذلك لا يجوز فيها.
_________________
(١) قوله: «ضائنةٌ»، هي الأنثى من ذوات الصوف من الغنم، ويقال للذكر: ضأن، ينظر: المصباح المنير [١/ ٣٦٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٩)، النوادر والزيادات [٦/ ١٥].
(٣) قوله: «الولائد»، هي جمع وليدة، وهي الجارية أو المولاة قبل أن تحتلم، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٤٩٤)، طلبة الطلبة، ص (١٠٢)، وفي المدونة [٣/ ٧٤]: «إلّا في الجواري».
[ ٢ / ١٧٨ ]
فإن تسلَّف رجلٌ وليدةً، فلا بأس أن يردها بعينها ما لم يطأها، فإن وطئها فلا يردها (^١).
• إنّما قال: إنَّهُ يجوز سلف الحيوان والسلم فيه أيضًا؛ فلأنَّ الحيوان يُضبط بصفةٍ كما تضبط سائر العروض؛ لأنَّهُ يوصف ويحدُّ ويُعرف ذلك بالجنس والسنِّ والصفة، يَعْرِف ذلك أهل البصر به، كما يَعْرِف جنس الثياب وصفتها أهل البصر بها، فجاز قرض الحيوان والسلم فيه لحاجة النّاس إليه، كما جاز ذلك في الثياب وغيرها من العروض لحاجة النّاس إليه.
وقد رَوَى مالكٌ، عن زيد بن أسلمٍ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي رافعٍ قال: «اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَكْرًا، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقُلْتُ: لَمْ أَجِدْ فِي الإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا (^٢)، رَبَاعِيًَّا (^٣)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَ النّاس أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» (^٤)، فعُلِم بهذا الحديث جواز قرض الحيوان والسلم فيه، وأنَّ ذلك يُضبط بصفةٍ؛ لأنَّهُ معلومٌ أنَّ النبيَّ ﷺ إنّما استقرض الجمل ليرد مثله؛ لأنَّ ردَّ ذلك واجبٌ، إلَّا أن يتطوع بأفضل منه، ومحالٌ أن يستقرض النبيُّ ﷺ شيئًا لا يقدر على ردِّ مثله ولا يضبط ذلك بصفة.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٩)، المدونة [٣/ ٧٤]، التفريع مع شرح التلمساني [٧/ ٤٥٣].
(٢) قوله: «خِيَارًا»، هو الجمل المختار، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٢/ ٩١].
(٣) قوله: «رَبَاعِيًَّا»، هو الذكر من الإبل إذا دخل في السنة السابعة وطلعت رباعيته، ينظر: النهاية في غريب الحديث [٢/ ١٨٨].
(٤) أخرجه مالك [٤/ ٩٨١]، ومن طريقه مسلم [٥/ ٥٤]، وهو في التحفة [٩/ ٢٠٢].
[ ٢ / ١٧٩ ]
وقوله: «إنَّهُ لا يجوز قرض الولائد»؛ فلأنَّ ذلك يؤدِّي إلى إباحة الفرج بغير عقد نكاحٍ ولا ملك يمينٍ؛ لأنَّ المستقرض يطأ الوليدة، ثمّ يردُّها إلى المقرض، شاء ذلك المقرض أم أبى، فيكون قد وطئ فرجًا بغير عقد نكاحٍ ولا ملك يمينٍ.
وقوله: «إنَّهُ يردُّها إن لم يطأها»؛ فلأنَّ قرضها غير جائزٍ، فعليه ردُّها.
فإذا وطئها، لم يردَّها وردَّ غيرها في صنفها أو قيمتها يوم وطئها، والقيمة أولى؛ لأنَّ ردَّها بعد الوطء إباحة وطء فرجٍ بغير عقد نكاحٍ ولا ملك يمينٍ، وذلك غير جائزٍ (^١).
•••
[١٠٢٠] مسألة: قال: ولا بأس بالجمل بالجمل مثله وزيادة دراهمٍ يدًا بيدٍ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا حيوانٌ بحيوانٍ وزيادة فضةٍ يدًا بيدٍ، فلا بأس بذلك؛ إذ ليس شيءٌ يمنع منه.
•••
[١٠٢١] مسألة: قال: وإن تأخرت الدراهم وتعجل الجملان، فلا بأس به (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدراهم هاهنا تبعٌ للجمال وليس هي المقصد.
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٤٥٤]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٩)، المدونة [٣/ ٧٥].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٩)، المدونة [٣/ ٧٥].
[ ٢ / ١٨٠ ]
وليس يدخله قرضٌ جر منفعةً لتقدُّم الجملين؛ لأنّهما الغرض في العقد والدراهم تبعٌ.
•••
[١٠٢٢] مسألة: قال: وإن تعجل أحدهما وتأخَّر الآخر، فلا خير فيه، لا كانت الدراهم معجلةً ولا مؤخرةً (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا يصير قرضًا جر منفعةً؛ لأنَّهُ لمّا تأخر أخذه الجمل أقرضه الدراهم التي يأخذها منه، فصارت الدراهم منفعة الجمل الذي أقرضه، قدمها له قبل قضائه الجمل.
فإن أخَّرها لم يجز؛ لأنَّهُ يصير قرضًا جر منفعةً؛ لأنَّهُ أقرضه بمنفعةٍ تحصل له.
•••
[١٠٢٣] مسألة: قال: وإذا كان بعيرٌ ببعيرين مثله، أحدهما نقدًا والآخر نسيئةً، فقد اختلف فيه: فجُوِّزَ، وكره، وأحب إلينا أن لا يجوز (^٢).
• وجه إجازته: أنَّ هذا إنّما هو بيع بعيرٍ نقدًا ببعيرٍ نقدًا، والبعير الآخر ليس بقرضٍ يجر نفعًا، فلا بأس به؛ لأنَّهُ هبةٌ منه له لا على وجه قرضٍ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٩)، المدونة [٣/ ٧٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٩)، وقد حكى ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [٦/ ١٦].
[ ٢ / ١٨١ ]
جره منفعةً؛ لأنَّ منفعة البعير الذي يعطى مثل الذي أخذ، فلم تكن زيادة البعير قرضًا (^١) يجُّر منفعةً، بخلاف منفعة البعير الذي دفعه صاحب البعير الواحد.
ووجه كراهته لذلك: هو أنَّهُ يكون قد أعطاه بعيرًا ببعيرين إلى أجلٍ، فلمّا عَلِمَ أنَّ ذلك لا يجوز، أراد تحليله بأن يقدم أحدهما، فصار المقدم منفعةً لما أقرض من الجمل الآخر، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٢٤] مسألة: قال: ومن باع غنمًا بثمنٍ إلى أجلٍ، فأعطاه عند الأجل غنمًا أكثر أو أقل:
(فإن كانت من صنف غنمه، فلا يأخذ إلّا مثل غنمه، ولا يأخذ أدنى ولا أكثر.
(وإن كان من غير صنفها، مثل أن يبيع لبنًا ويأخذ من الحاشية، فلا بأس به، كانت أقل أو أكثر، إذا انتقد ذلك (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّهُ لا يجوز بيع شيءٍ من الحيوان والعروض بأكثر منه إلى أجلٍ، لأنَّ ذلك يصير قرضًا جر منفعةً إذا كان ذلك من جنسٍ واحدٍ، وهو أن تكون منفعته واحدةٌ، فإذا اختلفت المنافع جاز.
فكذلك الغنم إذا كانت منفعتها واحدةً، أن تكون كلها للبنٍ أو للحمٍ، لم يجز التفاضل فيها إلى أجلٍ، فإن اختلفت منافعها، فكانت التي يبيعها غنم لبنٍ
_________________
(١) قوله: «قرضًا»، كتبها الناسخ فوق السطر، ووضع بجوارها علامة تصحيح.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٠).
[ ٢ / ١٨٢ ]
بغنم لحمٍ أو غيرها إلى أجلٍ جاز بمثلها وأكثر منها؛ لأنّها مختلفة المنافع، فكان ذلك على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم.
•••
[١٠٢٥] مسألة: قال: ولا بأس بالسلف في الحيوان كلِّه، إذا كان على صفةٍ معلومةٍ وأجلٍ معلومٍ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وقال تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، قال ابن عباس: «ذَلِكَ فِي السَّلَمِ» (^٢)، وقال النبيُّ ﷺ: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي ثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ، وكَيْلٍ مَعْلُومٍ» (^٣).
فالسلم في كلّ شيءٍ ضُبِط بصفةٍ جائزٌ؛ لإباحة الله ﷿ ورسوله صلى الله عليه ذلك، ولأنَّ بالناس حاجةٌ إلى السلم في الحيوان كحاجتهم إلى السلم في الثياب.
فإن قيل: إنَّ الحيوان لا يضبط بصفةٍ (^٤)؟
قيل: يَضْبِطُ ذلك أهل المعرفة به، كما يضبط صفة الثياب وكلّ عَرَضٍ أهل المعرفة به.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٠)، المختصر الصغير، ص (٥٥٧)، المدونة [٣/ ٥٤]، البيان والتحصيل [٧/ ١١٠].
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة [١١/ ٤١٩]، وعبد الرزاق [٨/ ٥].
(٣) متفق عليه: البخاري (٢٢٣٩)، مسلم [٥/ ٥٥]، وهو في التحفة [٥/ ٥٢].
(٤) ينظر الاعتراض في: المبسوط [٢/ ١٣٢]، المغني [٦/ ٣٨٨].
[ ٢ / ١٨٣ ]
ولو جاز أن يُمنع من السلم في الحيوان؛ لأنَّهُ قد يقع فيه اختلافٌ، لجاز أن يمنع من السلم في الثياب وغيرها من العروض؛ لأنَّ الاختلاف يقع فيها، ولا يكاد يتفق من كلّ وجهٍ، وإن كان اختلافه يسيرًا.
وقد رَوَى مالكٌ، عن زيد بن أسلمٍ، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع: «أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًَا، فَقَضَى رَبَاعِيًَا» (^١)، ولو لم يمكن ردُّ مثل البكر، لَمَا استسلفه النبيُّ ﷺ؛ لأنَّهُ معلومٌ أنَّ على المستسلف رد مثل ما استسلفه، إلّا أن يتطوع بأفضل منه (^٢).
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٠١٩.
(٢) قال القنازعي في تفسير الموطأ [١/ ٤٤٤]: «قال الأبهري: البيوع على أربعة أوجه: بيع الأعيان الحاضرة. وبيعها إذا كانت غائبة على وصف السامع أو وصف غيره، ولا يجوز النقد في هذا إلّا ما كان مأمونًا لا يختلف، كالدور والأرضين. والوجه الثالث: السلم في شيءٍ موصوفٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ولا يكون في شيء بعينه. والوجه الرابع: السلف، وهو معروف عند أهل المدينة، يسلف الرّجل إلى بائع الفاكهة أو الرطب أو الخباز أو الجزار في شيءٍ معلومٍ ووقتٍ معلومٍ، وهو من ناحيته الارتفاق، وإنَّ بالإنسان حاجةً إلى أن يأخذ لعياله كلّ يوم شيئًا معلومًا، ولو أخذ ذلك المشتري كله في يومٍ واحدٍ لفسد ذلك عليه. ولا تجوز هذه الصفقة إلّا أن يسمِّي قدر ما يأخذ من ذلك في كلّ يوم؛ لأنّه إذا لم يكن معلومًا دخله الغرر، إذ لا يدري البائع كيف يدفع، ولا المشتري كيف يقبض، فإذا كان ما يأخذ في كلّ يومٍ معلوماَ سلفاَ من الغرر صحَّ البيع بينهما».
[ ٢ / ١٨٤ ]
•••
[١٠٢٦] مسألة: قال: ولا خير في السلف في النتاج، وإن كان بصفةٍ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ذلك مجهولٌ؛ لأنَّ نتاج بني فلانٍ يتغيَّر، ولا يثبت على حالٍ، وذلك مجهولٌ لا يجوز السلف فيه، هذا معنى المسألة.
•••
[١٠٢٧] مسألة: قال: ومن سلف في عرضٍ من العروض أو شيءٍ من الحيوان على صفةٍ معلومةٍ وأجلٍ معلومٍ، فلمّا حلَّ أجَلُهُ، سأله بائعه أن يشتريه منه، فلا بأس أن يشتريه منه بمثل ثمنه وأدنى من ثمنه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ شراءَه بمثل ثمنه إقالةٌ منه، فلا بأس بها، وشراؤه بدون ثمنه فلا تهمة فيه؛ لأنَّهُ أعطى كثيرًا نقدًا وأخذ قليلًا إلى أجلٍ، وذلك جائزٌ؛ لأنَّهُ فعل معروفٍ لم يَجُرَّ به منفعة دنيا.
•••
[١٠٢٨] مسألة: قال: ولا خير في أن يشتريه بأكثر من ثمنه (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٠)، المدونة [٣/ ٥٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٠)، المختصر الصغير، ص (٥٥٦)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٨٠)، النوادر والزيادات [٦/ ١٣٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٠)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٨٠)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٠].
[ ٢ / ١٨٥ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا أعطى قليلًا وأخذ كثيرًا، يعني: من الثمن، فصار قرضًا جرَّ منفعةً.
•••
(^١) [١٠٢٩] مسألة: قال: ولا يشتري بعضه، لا بأقل من ثمنه ولا بأكثر من ثمنه (^٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير بيعًا وسلفًا؛ لأنَّهُ أسلفه بعض الثمن (^٣) إلى أجلٍ واشترى منه ببعضه، ثمّ ردَّ عليه بعض الثمن الذي أسلفه إلى أجلٍ، وتسمية البيع في مقدار ما ردَّ لغوٌ.
•••
[١٠٣٠] مسألة: قال: ولا بأس أن يشتريه من العروض المخالفة له بما شاء نقدًا، ولا يحل أن يؤخِّره (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير عرضًا بعرضٍ مخالف له في المنفعة إلى أجلٍ، وذلك جائزٌ.
أو يصير عند العرض إلى أجلٍ، فلا بأس به.
_________________
(١) هذه الصفحة مكررة في، ولكنها غير واضحة إطلاقًا.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٠)، النوادر والزيادات [٦/ ١٠٩]، البيان والتحصيل [٧/ ١٦١].
(٣) كتب فوق هذا الموضع: «الذي []»، وما بين […] كلمةً لم أستظهرها.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٥٠).
[ ٢ / ١٨٦ ]
ولا يجوز أن يؤخِّر قبض ذلك العرض؛ لأنَّهُ يصير دَينًا بدَينٍ، وذلك منهيٌّ عنه.
•••
[١٠٣١] مسألة: قال: ولا بأس على من سلف في عرضٍ من العروض إذا حلَّ أجله، أن يأخذ من صنف ما أسلفه فيه أو غير صنفه، أدنى أو أكثر منه، إذا انتقد ثمنه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يكون عرضًا بعرضٍ مخالفٍ له أو موافقٍ له، متماثلًا أو متفاضلًا، فلا بأس به؛ لأنَّ ذلك نقدٌ، ويجوز في الصنف الواحد التفاضل نقدًا، وإنما لا يجوز التفاضل في الصنف إذا كان إلى أجلٍ.
•••
[١٠٣٢] مسألة: قال: ولا خير في أن يعطيه قبل أن يحلَّ أجله من صنفه إلّا مثل صنفه بعينه:
(فإن كان أكثر فلا خير فيه؛ لأنَّهُ زاده على أن طرح عنه الضمان.
(ولا أدنى من ذلك؛ لأنَّهُ وضع عنه وتعجَّل منه (^٢).
• قد ذكر مالكٌ العلة في منع الزيادة على طرح الضمان، ومعنى ذلك: أنَّهُ يصير عرضًا بعرضٍ أكثر منه إلى أجلٍ إن كانت الزيادة من صنف العرض.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٠)، المختصر الصغير، ص (٥٥٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٠)، النوادر والزيادات [٦/ ١٣٤].
[ ٢ / ١٨٧ ]
وإن كانت من غير صنفه، لم يجز أيضًا؛ لأنَّهُ يصير عرضًا وزيادةً من غير صنفٍ، بعرضٍ من صنف العرض الذي معه الزيادة إلى أجلٍ مثل هذا؛ لأنّه يبيع شيئًا من صنفٍ إلى أجلٍ بأقلَّ منه نقدًا، وذلك غير جائزٍ.
ومعنى: وضعٌ وتعجلٌ الذي لا يجوز، إنّما هو في الصنف الواحد من العروض مثل هذه؛ لأنَّهُ يبيع شيئًا من (^١) صنفٍ إلى أجلٍ بأقل منه نقدًا، وذلك غير جائزٍ.
فأمّا إذا كان من صنفين، جاز ذلك إذا انتقد الصنف الذي انتقل إليه وتعجَّله.
فإن أخَّره لم يجز؛ لأنَّهُ يصير دينًا بدينٍ، وذلك منهيٌّ عنه.
•••
[١٠٣٣] مسألة: قال: ولا بأس أن يعطيه قبل محل الأجل عرضًا مخالفًا له إذا انتقد (^٢).
• إنّما قال ذلك، لِمَا ذكرناه؛ لأنَّهُ يصير عرضًا بعرضٍ مخالفٍ له، فلا بأس بذلك، سواءٌ كان نقدًا أو إلى أجلٍ، وسواءٌ كان أقل أو أكثر، وإنما يدخل «ضع وتعجَّل» في الصنف الواحد لا في الصنفين.
•••
_________________
(١) هذه الصفحة مكررة في، ولكنها هناك غير واضحة إطلاقًا.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥١).
[ ٢ / ١٨٨ ]
[١٠٣٤] قال: ولا خير في أن يعطيه قبل محل أجله بعض ما سلفه فيه ومعه عرضٌ غيره، وكذلك كلّ ما سلف فيه من الحيوان والرقيق (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير عرضًا بعرضٍ مثله وزيادةً من غيره إلى أجلٍ، فلا يجوز ذلك؛ لأنّه يدخله قرضٌ جرَّ منفعةَ وضعٍ وتعجُّلٍ.
•••
[١٠٣٥] مسألة: قال: ومن سلف في عرضٍ ثمنًا (^٢)، والعرض إلى أجلٍ، فلا بأس أن يبيعه من غير صاحبه بأقل أو بأكثر مما سلف فيه، أو بذهبٍ أو بوَرِقٍ، أو عرضٍ من العروض مخالفٍ له، إذا انتقد ثمنه (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري قد ملك في ذمَّة البائع العرض الذي أسلم إليه فيه، وهو موصوفٌ معلومٌ، فلا بأس أن يبيع ذلك بالنقد؛ لأنَّهُ يجوز بيع الدَّين بالنقد.
ألا ترى: أنَّهُ يجوز أن يشتري ثوبًا نقدًا بثمنٍ إلى أجلٍ، فكذلك يجوز أن يبيع ثوبًا إلى أجلٍ بثمنٍ نقدٍ، لا فرق في ذلك.
فإن قيل: إنَّ المشتري للدَّين الذي على زيدٍ لا يدري هل يحصل ذلك له أم لا (^٤)؟
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥١).
(٢) قوله: «ثمنًا»، كذا في شب، وفي المطبوع: «بمتاع».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥١)، النوادر والزيادات [٦/ ١٣٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٠].
(٤) لم أقف على من اعترض بهذا الاعتراض.
[ ٢ / ١٨٩ ]
قيل له: وكذلك المشتري للثوب في ذمَّة زيدٍ، أعني: إذا سلم إليه في ثوبٍ، لا يدري هل يحصل له أم لا، ثمّ يجوز مع ذلك أن يسلم إليه في ثوبٍ ويشتريه منه إلى أجلٍ.
وكذلك يجوز أن يبيع الثوب الذي في ذمَّة زيدٍ من عمرٍو بثمنٍ يتعجله، لا يجوز أن يبيعه بدَين؛ لأنّه (^١) يصير دَينًا بدَينٍ، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الدَّين بالدَّين (^٢).
•••
[١٠٣٦] مسألة: قال: ومن سلف في عرضٍ من العروض إلى أجلٍ من الآجال، فأتاه بأرفع من شرطه، فلا بأس أن يقبله إذا حلَّ أجله.
وإن لم يعطه ذلك إلّا بزيادةٍ يزيده إياها المشتري، فلا بأس بذلك (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البائع قد تفضل على المشتري بالزيادة التي زاده على حقه، فلا بأس بذلك إذا حلَّ أجله.
وكذلك إن دفع المشتري إلى البائع ثمن الزيادة جاز ذلك؛ لأنَّ الثمن كله
_________________
(١) هذه الصفحة مكررة في.
(٢) ذكر القنازعي هذا الوجه من الاستدلال عن الأبهري في تفسير الموطأ [١/ ٤٢٥]، كما نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٧١]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥١).
[ ٢ / ١٩٠ ]
من جهةٍ واحدةٍ، والسلعة كلها من جهةٍ واحدةٍ، فلا بأس بذلك؛ لأنَّهُ يصير اشتراء سلعةٍ بثمنٍ بعضه نقدٌ وبعضه متأخرٌ.
•••
[١٠٣٧] مسألة: قال: وإن أتاه بأدنى من شرطه إذا حلَّ أجله، فلا بأس أن يقبله منه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا أخذ دون حقه وترك للبائع بعض حقِّه، فلا بأس بذلك.
•••
[١٠٣٨] قال: وإن لم يقبله منه إلّا بزيادةٍ يزيده إياها البائع، فلا خير في ذلك، إلّا أن تكون تلك الزيادة عرضًا، فإن كانت عرضًا فلا بأس بذلك إذا كانت نقدًا، وكان الذي سلفه ذهبًا أو ورقًا (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الزيادة إذا كانت عينًا، صارت ذهبًا وعرضًا بذهبٍ أو فضَّةً وعرضًا بفضةٍ، وذلك لا يجوز.
فإن كانت عرضًا جاز؛ لأنَّهُ يصير عرضًا وذهبًا بعرضٍ، فلا بأس بذلك؛ لأنَّ العرض كله من جهةٍ، والثمن كله من جهةٍ.
فإذا كان الذهب أو الفضة من جهتين لم يجز، سواءٌ كانت العروض من
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥١).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥١).
[ ٢ / ١٩١ ]
جهةٍ واحدةٍ أو جهتين؛ لأنَّهُ يصير ذهبًا وسلعةً بذهبٍ، أو ذهبًا وسلعةً بذهبٍ وسلعةٍ، وذلك كله لا يجوز.
وكذلك إن كان موضع الذهب فضةً لم يجز؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يكون مع الذهبين أو الفضتين شيءٌ غيرهما من العروض؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا (^١) بِمِثْلٍ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (^٢)، فليس يجوز أن يقارنهما غيرهما.
•••
[١٠٣٩] مسألة: قال: ومن سلف في عرضٍ من العروض فحل أجله، فوكَّله بالشراء لنفسه ودفع إليه ذهبًا يشتري شرطه، فإنا نكره ذلك (^٣).
• إنّما كُره ذلك؛ لجواز أن يأخذ الذهب لنفسه ولا يشتري شيئًا، فيؤول الأمر إلى بيع ذهبٍ بذهبٍ أكثر منه، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٤٠] مسألة: قال: ولا بأس بالسلف في العروض إلى الأجل القريب والبعيد، واليوم واليومين، ويبعد الأجل قليلًا أعجب إلينا من اليوم واليومين، وكلّ ذلك لا بأس به إن شاء الله (^٤).
_________________
(١) هذه الصفحة مكررة في.
(٢) متفق عليه: البخاري (٢١٧٦)، مسلم [٥/ ٤٢]، وهو في التحفة [٣/ ٣٧٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥١).
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٥١)، وقد حكى ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [٦/ ٦٦]، وينظر: المدونة [٣/ ٧٩].
[ ٢ / ١٩٢ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فبيع كلّ معلومٍ جائزٌ، نقدًا ونسيئةً، إلى أجلٍ قريبٍ أو بعيدٍ، لعموم إباحة الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
فهذا وجه قول مالكٍ: إنَّ السلم يجوز إلى الأجل القريب والبعيد.
ويحتمل أن يكون أراد أجلًا تختلف في مثله الأسواق، وليس هو ظاهر قوله في هذا الموضع.
وحكى ابن القاسم عن مالك: «إنَّهُ لا يجوز السلم إلّا إلى أجلٍ تختلف فيه الأسواق» (^١).
ووجه هذا القول: هو أنَّ السلم إنّما أجيز مع كون الغرر فيه؛ لدخول الرفق على البائع والمشتري جميعًا؛ لأنَّ البائع يقدر أن يشتري ما باعه وقت حلوله بأرخص مما باعه، والمشتري يقدر أن يغلو ما أسلم فيه وقت حلوله، فمتى كان ذلك حالًَّا، زال هذا المعنى عنه.
والنبيُّ ﷺ إنّما أجاز السلم على وصفٍ ما، وهو أن يكون إلى أجلٍ معلومٍ، فمتى عَرِيَ من الأجل المعلوم، لم يجُز، كما أنَّهُ متى عَرِيَ من الكيل أو الوزن أو العدد لم يجز، وقد نهى النبيُّ ﷺ حكيمًا عن بيع ما ليس عنده (^٢)، وأرخص في السلم.
_________________
(١) ينظر: المدونة [٣/ ٧٩].
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ١٨١]، والترمذي [٢/ ٥١٤]، وابن ماجه [٣/ ٣٠٨]، والنسائي في الكبرى [٦/ ٥٩]، من حديث حكيم بن حزام قال: «يا رسول الله، يأتيني الرّجل فيريد مني البيع ليس عندي أفأبتاعه له من السوق؟، فقال: لا تبع ما ليس عندك»، وهو في التحفة [٣/ ٧٩].
[ ٢ / ١٩٣ ]
فهذا وجه قول مالكٍ: «إنَّهُ لا يجوز السلم إلّا (^١) إلى أجلٍ تتغير في مثله الأسواق».
ولكل قولٍ وجهٌ، والمشهور من قوله: «إنَّهُ لا يجوز ذلك إلّا إلى أجلٍ تختلف فيه الأسواق» (^٢).
•••
[١٠٤١] مسألة: قال: ولا يشتري الجزز الصوف يسلف فيها عددًا وإن وصفت، إلّا أن يشتري وزنًا، وَإِلّا فلا (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهَا لا تُضْبَط بغير الوزن؛ لأنَّ مقاديرها تختلف، ولا يمكن ضبطها بغير وزنٍ.
•••
[١٠٤٢] مسألة: قال: ومن باع سلعةً من السلع بخمسين دينارًا إلى أجلٍ، ثمّ ندم البائع، فسأله أن يقيله ويردَّها عليه، ويزيده دنانير أو دراهم نقدًا أو إلى
_________________
(١) هذه الصفحة مكررة في.
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٤٥١]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥١)، المدونة [٣/ ٥٩]، النوادر والزيادات [٦/ ٦٨ و٧٢].
[ ٢ / ١٩٤ ]
أجلٍ، فلا بأس بذلك كله؛ لأنَّهُ إنّما اشترى منه سلعةً بالخمسين دينارًا التي كانت له عليه وبزيادةٍ معها، فلا يضره ما كانت (^١).
• إنّما قال: «إنَّهُ لا بأس بذلك»؛ لأنَّ الذهب كلّه من جهةٍ واحدةٍ، والبائع ترك خمسين وأعطى زيادةً من عنده، فصار الذهب من عنده كله، وليس في ذلك تهمةٌ؛ لأنَّ هذا حمله الندم على أن ترك ما أسلف من الثمن وزاد شيئًا آخر وأخذ سلعته، فكأنه اشتراها بالثمن الذي دفع من عنده، وذلك جائزٌ.
•••
[١٠٤٣] مسألة: قال: وإن ندم المشتري فسأله أن يقيله ويزيده عشرة دنانير نقدًا أو إلى أبعد من الأجل، فلا خير فيه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير ذهبًا وسلعةً بذهبٍ، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٤٤] مسألة: قال: وإن كان إلى أجلٍ لا بعينه، فلا بأس به؛ لأنَّهُ:
(إذا كان قبل الأجل، فكأنه وضع عنه وعجَّلَه.
(وإذا كان إلى الأجل، فكأنه اشتراها منه ببعض ما عليه وبقَّى بعضه.
(وإذا كان إلى أبعد من الأجل، فكأنه اشتراها ببعض ما عليه وأسلفه بعضًا إلى أبعد من أجله (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥١)، النوادر والزيادات [٦/ ١١١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥١)، النوادر والزيادات [٦/ ١١١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥١).
[ ٢ / ١٩٥ ]
• قد فسر مالكٌ هذه المسائل فأغنى عن تفسيرها.
•••
[١٠٤٥] مسألة: قال: ومن باع سلعةً بنقدٍ، فقال المشتري: «أقلني وأنظرك بثمنها سنةً»، فلا بأس به (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البائع اشتراها من المشتري بيعًا مستأنفًا بثمنٍ إلى أجلٍ، فلا بأس به؛ (^٢) لأنَّ الإقالة بيعٌ مجدَّدٌ عند مالكٍ.
ولأنَّه لا يتهم أحدٌ أن يعطي ذهبًا نقدًا ويأخذ مثلها بعد سنةٍ أنَّهُ أراد بذلك منفعة دنيا، وإنما هذا معروفٌ فَعَلَهُ، وذلك جائزٌ.
•••
[١٠٤٦] مسألة: قال: ومن باع سلعةً إلى أجلٍ، فندم المشترى وأبى البائع أن يقيله، وقال: «أشركني في نصفها»، فلا بأس بذلك إذا كان النقد إلى أجله، وإن كان بنقده، فلا خير فيه (^٣).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الثمن إذا كان إلى أجله، فإنّما أقاله من بعضها، فلا بأس بذلك.
وإن كان الثمن نقدًا، كان سلفًا وبيعًا؛ لأنَّهُ أسلفه ما نقده لمّا باعه إلى
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥١)، المدونة [٣/ ١٢٣].
(٢) هذه الصفحة مكررة في.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥١)، النوادر والزيادات [٦/ ١١٢].
[ ٢ / ١٩٦ ]
أجلٍ، فصار المقرض البائع، وذلك سلفٌ وبيعٌ، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيعٍ وسلفٍ (^١).
•••
[١٠٤٧] مسألة: قال: ومن سلف رجلًا في سلعةٍ، فاستقاله بزيادةٍ، فلا بأس بذلك ما لم يتفرَّقا، فإن تفرَّقا فلا خير في أن يرد إليه ذهبه ويرد معها منها شيئًا (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ قبل التفرُّق إنّما ندم البائع على البيع، فلا بأس أن يستقيل بزيادةٍ يعطي المشتري؛ لأنَّهُ يصير مشتريًا للسلعة بالثمن الذي دفع إليه المشتري وبما زاده البائع، وذلك جائزٌ.
فإذا تفرَّقا لم يجز أن يزيده البائع ويقيله؛ لأنَّهُ يصير قرضًا جرَّ منفعةً؛ لأنَّ المشتري أقرض البائع ذهبًا انتفع بها، وزاده البائع من أجل منفعته بها، والسلعة لغوٌ، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّهُ قرضٌ جرَّ منفعةً؛ لأنَّ الذهب لا تعرف بعينها، فإذا تفرَّقا انتفع البائع بها، ثمّ ردَّ مثلها.
وإذا كان قبل أن يتفرَّقا، ردَّها بعينها وزيادةً من غير أن ينتفع بها، فحُمِلَ أمره على الندم لا على قرضٍ جرَّ منفعةً.
•••
[١٠٤٨] مسألة: قال: ومن باع طعامًا أو حيوانًا إلى أجلٍ، فلمّا حلَّ الأجل،
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٢٩.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥١)، النوادر والزيادات [٦/ ١١١].
[ ٢ / ١٩٧ ]
قال له: «خذ مني ما وجدت بحسابه، وخذ ثمن ما لم تجد»، فلا بأس بذلك في الحيوان، ولا خير فيه في الطعام (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحيوان يُعْرَفُ بعينه، فجاز أن يرد ما بقي ويأخذ ثمن ما لم يبق؛ لأنَّهُ لا يدخله قرضٌ جرَّ منفعةً، ولا بيعٌ وسلفٌ.
وفي الطعام يدخله سلفٌ وبيعٌ؛ لأنَّ الطعام لا يعرف بعينه، ولا يدرى أهو الذي أعطاه أم غيره، ويدخله أيضًا بيع طعامٍ بذهبٍ وطعامٍ متأخِّرٍ.
وحكم العروض إذا عرفت بأعيانها كحكم الحيوان، لا كحكم الطعام.
•••
[١٠٤٩] مسألة: قال: ومن اشترى سلعةً غائبةً إلى أجلٍ، ثمّ استقال منها على إن أدركها هذا اليوم فهي ردٌّ والثمن موضوعٌ، فلا ينبغي ذلك، حلَّ الأجل أو لم يحلَّ؛ وذلك أنَّهُ يأخذ سلعةً غائبةً بدَينٍ (^٢).
• يعني: بالثمن الذي على المشتري؛ لأنَّ الثمن الذي على المشتري دَينٌ، والسلعة الغائبة دَينٌ، فيدخله الدَّين بالدَّين إذا أخذها على وجه الإقالة.
ووجهٌ آخر: أنَّ المشتري للسلعة لا يعلم أن تكون قد تلفت، فلا يجوز أن يقيل البائع منها ثمن الإقالة [] (^٣)، هل كان قد ملك بالبيع شيئًا أم لا.
ولم يكن كالبائع الأول؛ لأنَّ ملك البائع الأول كان متقرّرًا في الأصل،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٣).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٣).
(٣) ما بين []، يشبه أن يكون نصًا مطموسًا بسبب الترميم، ولعلها: «لأنّه لا يعلم».
[ ٢ / ١٩٨ ]
فجاز بيعه حتى يُعلم زواله، وليس كذلك المشتري؛ لأنَّ ملكه غير متقررٍ عليها إذا أقال منها.
•••
[١٠٥٠] مسألة: قال: ومن تكارى على حمولةٍ إلى بلدٍ، ثمّ ندم المُتَكاري فسأله أن يقيله ويزيده ذهبًا أو وَرِقًا، فلا بأس بذلك (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا تهمة في ذلك؛ لأنَّ المتكاري أعطى المُكرِيَ مالًا بغير منفعةٍ حصلت له، فليس فيه قرضٌ جرَّ منفعةً، وذلك جائزٌ.
•••
[١٠٥١] مسألة: قال: وإن سأله الكَرِيُّ أن يقيله ويزيده:
• فإن كان قد انتقد، فلا خير في ذلك.
• وإن كان لم ينتقد، فلا بأس بذلك (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المُكري إذا زاده، ففيه قرضٌ جر منفعةً؛ لأنَّهُ أخذ من المكتري مالًا انتفع به مدةً، ثمّ ردَّه وزيادةً، وذلك غير جائزٍ.
فإن كان قبل النقد أو بعد النقد وقبل التفرُّق، جاز ذلك؛ لأنَّ هذا هو على وجه الندم، لا على قرضٍ جرَّ منفعةً؛ لأنَّهُ لم تحصل له المنفعة بالثمن؛ لأنَّهُ ردَّه
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٣)، النوادر والزيادات [٦/ ١٢١].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٣)، النوادر والزيادات [٦/ ١٢٢].
[ ٢ / ١٩٩ ]
مكانه إن كان قد انتقده قبل أن يتفرَّقا، وإن كان لم ينتقد، فهو أبعد من قرضٍ يجرُّ نفعًا.
•••
[١٠٥٢] مسألة: قال: ومن باع سلعةً بثمنٍ إلى أجلٍ، فلا بأس أن يشتريها بائعها بأكثر من ثمنها نقدًا (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا يتهم أحدٌ أن يعطي مالًا كثيرًا نقدًا ويأخذ أقل مما يعطي نسيئةً، ليس هذا على وجه الربا، وإنما يكون ذلك على وجه المعروف أو الندم في البيع.
•••
[١٠٥٣] مسألة: قال: ولا خير في أن يشتريها بدون ثمنها، يعني: نقدًا (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير قرضًا جر منفعةً؛ لأنَّهُ أعطى قليلًا نقدًا وأخذ كثيرًا نسيئةً، والبيع لغو، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٥٤] مسألة: قال: ولا بأس أن يشتريها إلى أجلها، بأرفع من ثمنها، أو أدنى، أو مثل ثمنها (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٣).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٣)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٣).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لم يعط شيئًا أخذ أكثر منه، وإنما تقاصَّا، أو يأخذ من له الفضل، وليس يدخله قرضٌ جر منفعةً.
•••
[١٠٥٥] مسألة: قال: ولا يشتريها إلى أبعد من أجلها بأكثر من ثمنها (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري هاهنا يعطي البائع ذهبًا أو فضةً، ويأخذ أكثر منه بعد مدَّةٍ، وقد رجعت السلعة إلى البائع، وذلك قرضٌ جرَّ منفعةً.
•••
[١٠٥٦] مسألة: قال: ولا بأس به بأدنى من ثمنها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري يعطي كثيرًا ويأخذ أقل منه، فلا تهمة في ذلك.
•••
[١٠٥٧] قال: ولا بأس أن يشتريها بمثل ثمنها إلى أجلها، أو أبعد من أجلها، أو أدنى من أجلها (^٣) (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٣)، المختصر الصغير، ص (٥٥٧)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٣)، المختصر الصغير، ص (٥٥٧)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٢].
(٣) قوله: «أجلها»، كذا في شب، وفي المطبوع: «ثمنها».
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٥٣)، المختصر الصغير، ص (٥٥٧).
[ ٢ / ٢٠١ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري في هذا كله لم يخرج ثمنًا أخذ أكثر منه بعد مدَّةٍ، فلا بأس بذلك كله؛ لأنَّهُ إنّما يأخذ مثل ماله أو أقل، فليس في ذلك تهمةٌ.
•••
[١٠٥٨] مسألة: قال: ولا خير في أن يشتريها بعرضٍ إلى أدنى من أجلها، ولا إليه، ولا إلى أبعد منه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير دَينًا بدَينٍ؛ لأنَّهُ قد باع الدَّين الذي له بسلعةٍ قَبَضَها وسلعةٍ يتأخَّر قَبْضُها، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٥٩] قال: ومن باع من رجلٍ سلعةً بدينارين، فنقده دينارًا وبقي دينارٌ، ثمّ أراد بيعها إلى أجلٍ، فسأله البائع أن يشتريها منه بدنانير، يقاصه بديناره الذي له عليه، وتكون البقية إلى أجلها، فلا خير فيه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ السلعة رجعت إلى البائع، وحصل الأمر: أنْ أعطى المشتري البائع دينارًا لينتفع به، ثمّ يردُّ عليه أكثر منه بعد مدَّةٍ، فصار قرضًا جرَّ منفعةً، وذلك غير جائزٍ.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٤).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٤)، النوادر والزيادات [٦/ ٨٦].
[ ٢ / ٢٠٢ ]
[١٠٦٠] مسألة: قال: ومن باع دابةً بعشرة دنانير إلى شهرٍ، ثمّ ابتاعها البائع باثني عشر إلى أبعد من الأجل لرجلٍ غيره، فلا نحبُّ ذلك له (^١).
• إنّما كره ذلك؛ مخافة أن يكون شراؤها للبائع أو من سببه، فترجع السلعة إليه، ويعطيه عشرةً باثني عشر إلى مدَّةٍ، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٦١] مسألة: قال: ومن باع ثيابًا بدنانير إلى أجلٍ، فلا يجوز أن يبتاع بعضها بنقدٍ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير بيعًا وسلفًا، وهو قرضٌ جرَّ منفعةً؛ لأنَّ البائع يعطي المشتري دنانير قرضًا لما اشترى منه من المبتاع الذي باعه منه، ورجع بعض المبتاع إليه، الذي كان قد لقب بالبيع، وهذا لا يجوز؛ لأنَّهُ قرضٌ جرَّ منفعةً، وهو الوجه الذي كُرِه من أجله البيع والسلف، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيعٍ وسلفٍ (^٣).
•••
[١٠٦٢] مسألة: قال: ومن باع من رجلٍ سلعةً بعشرة دنانير إلى أجلٍ، فنقده
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٤).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٤).
(٣) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٢٩.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
خمسةً قبل الأجل، ثمّ بدا له فعرض عليه سلعته بالخمسة الباقية، فلا يجوز ذلك، وسواءٌ جاء بالذهب والسلعة جميعًا، أو قدَّم الذهب قبل السلعة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير قرضًا جرَّ منفعةً؛ لأنَّ البيع يرتفع برجوع السلعة إلى البائع، وتصير الخمسة التي أخذها البائع إنّما هي بدل ما انتفع به المشتري بالسلعة المدة التي كانت في يده، فصارت قرضًا جرَّ منفعةً، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٦٣] مسألة: قال: ومن باع ثوبين بذهبٍ إلى أجلٍ، فَعَرَضَ عليه بعد محل الأجل أحد ثوبيه وبعض الثمن، فلا بأس به، وإن كانت من صنف (^٢) ثوبيه، فلا يجوز (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ قد ردَّ أحد ثوبيه بعينه وباع الباقي، فلا بأس به،، وليس في هذا شيءٌ مكروهٌ.
فإن كان من صنف ثوبيه وليس بعينه لم يجز؛ لأنَّهُ يدخله بيع شيءٍ من (^٤) بصنفه وشيءٍ آخر معه متأخِّرًا، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّهُ يصير قرضًا جرَّ منفعةً.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٤).
(٢) قوله: «صنف»، كذا في شب، وفي المطبوع: «جيد».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٤).
(٤) توجد علامة إلحاق في هذا الموضع، لكن الحاشية غير ظاهرة.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
[١٠٦٤] مسألة: قال: ومن باع سلعةً بثمنٍ نقدًا، ثمّ اشتراها بأكثر منه، فلا بأس بذلك، إلّا من أهل العينة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أهل العينة قصدهم القرض الذي يجر منفعةً، وليس غرضهم البيع؛ لأنَّهُ إنّما يشتري للذي سأله أن يشتريه له، ثمّ يبيعه منه بأكثر من ذلك إلى أجلٍ أو نقدًا، فيكون إنّما أقرض الثمن المشتريَ وزاده في القرض، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٦٥] قال: ومن باع سلعةً بثمنٍ إلى أجلٍ، فتغيرت السلعة ودخلها العيوب، فأراد أن يشتريها بدون ثمنها، فلا نحبُّ ذلك له (^٢).
• إنّما كره هذا ولم يحرِّمه؛ لأنَّ شراءها بأقلَّ مما باعها به ليس فيه تهمةٌ مجردةٌ؛ لأنّها قد تغيرت عن حالها، وإنما باعها المشتري بأقل مما اشتراها لهذه العلة.
•••
[١٠٦٦] مسألة: قال: ولا بأس في أن يسلف الرّجل فيما ليس عنده أصله (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ السلم: بيع شيءٍ في الذمَّة إلى أجلٍ بثمنٍ نقدٍ، وقد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٤).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٤).
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٤)، المختصر الصغير، ص (٥٥٨)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٨٢).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أباح الله سبحانه ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، قال ابن عباس: «ذَلِكَ فِي السَّلَمِ» (^١).
ورَوَى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عبد الله بن كثيرٍ (^٢)، عن أبي المنهال (^٣)، عن ابن عباسٍ قال: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ سَلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ» (^٤).
فجاز لِمَا ذكرنا من دليل القرآن والسنة، السلم فيما ليس عند المُسْلَمِ إليه وما ليس هو موجودًا في الوقت، إذا كان موجودًا في الأغلب عند حلول الأجل، إذ ليس هاهنا شيءٌ يمنع منه، وقد تقدَّم ذكر هذه المسألة.
•••
[١٠٦٧] مسألة: قال: ولا خير في أن يأتي الرّجل بذهبٍ، فيقول له رجلٌ: «اشتر لي بها سلعةً وأربحك (^٥) فيها إلى أجلٍ» (^٦).
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٠٢٥.
(٢) عبد الله بن كثير الداري المكي القارئ، أحد الأئمة، صدوق، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٥٣٧).
(٣) عبد الرحمن بن مطعم البناني البصري نزل مكة، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٥٩٩).
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١٠٢٥.
(٥) قوله: «وأربحك»، كذا في شب، وفي المطبوع: «وأنظرني».
(٦) المختصر الكبير، ص (٢٥٥)، المختصر الصغير، ص (٥٥٨)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٩١)، النوادر والزيادات [٦/ ٨٧].
[ ٢ / ٢٠٦ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذه هي العينة، وهو قرضٌ جرَّ منفعةً، ولا يجوز ذلك؛ لأنَّهُ إذا أسلف الثمن للذي سأله الشراء ليأخذ منه أكثر إلى أجلٍ، فذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٦٨] مسألة: قال: ولا خير في أن يقول الرّجل للرجل: «اشتر هذا الثوب بعشرة دنانير، وهو لي بأحد عشر» (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّهُ يصير قرضًا جر منفعةً؛ لأنَّ المأمور بالشراء أقرض الآمر الثمن ليأخذ منه أكثر إلى أجلٍ (^٢).
•••
[١٠٦٩] مسألة: قال: ولا بأس أن يقول: «اشتره لي بعشرةٍ ولك دينارٌ»؛ لأنَّ ضمانه من المشتري له (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا اشتراها بنقدٍ، ثمّ باعها من الآمر أيضًا بالنقد، لم يكن في ذلك قرضٌ جرَّ منفعةً؛ لأنَّ الآمر لم ينتفع بما وزن عنه؛ لأنَّهُ قضاه مكانه،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٥)، النوادر والزيادات [٦/ ٨٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٤].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٧٤]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٥)، النوادر والزيادات [٦/ ٨٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٤].
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وما زاد عليه فهو ربحٌ أربحه، وذلك بمنزلة جَعْلُ جُعْلٍ له ليشتري له سلعةً بثمنٍ يعطيه نقدًا، وذلك جائزٌ.
وإنما المكروه أن يشتريها المأمور بثمنٍ نقدًا، ثمّ يبيعها من الآمر بأكثر من ذلك الثمن نسيئةً، فيكون قرضًا جرَّ منفعةً.
قال ابن القاسم: «فإن وقع ذلك وفات لم أفسخ» (^١).
وأحبُّ إليَّ في الورع أن لا يأخذ الربح، فأمّا في القضاء فله الربح، لأنَّ المأمور ضامنٌ لِمَا اشتراه من السلعة ثمّ باعها من الآمر، فالربح للمأمور؛ لأنَّهُ قد ربح ما قد ملكه، وإن كان ذلك مكروهًا له من جهة الورع.
•••
[١٠٧٠] مسألة: قال: ومن جاء إلى رجلٍ يطلب (^٢) عينةً، فردَّه ردًّا صحيحًا وقال: «لا شيء عندي أبيعك»، ثمّ ذهب فابتاع سلعةً، ثمّ عاد إليه، فلا بأس أن يبيعه.
وإن لقيه فقال له، فإذا كان ذلك من غير موعدٍ، فلا بأس به (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الشراء قد وقع صحيحًا للمطلوب منه السلعة، وإنما الكراهة أن يكون الشراء بثمنٍ من عند المطلوب منه، يقرضه الطالب للمطلوب،
_________________
(١) ينظر: النوادر والزيادات [٦/ ٨٩].
(٢) يشبه أن تكون علامة إلحاق في هذا الموضع، لكن الحاشية ساقطة، وقد تكون: «منه»، والله أعلم.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٥).
[ ٢ / ٢٠٨ ]
ثمّ يردُّ عليه أكثر منه بعد مدَّةٍ، فهذا لا يجوز، وهذه العينة المعروفة عند أهل المدينة.
•••
[١٠٧١] مسألة: قال: وإن سأله أن يبيعه طعامًا، فابتاع له طعامًا وهو إن شاء أخذ وإن شاء ترك، ولم يكن قاطعه على شيءٍ، فهذا مكروهٌ وليس بالحرام الذي يفسخ (^١).
• إنّما كره هذا؛ لجواز أن يكون قصد بالشراء الذي سأله، فتدخله العينة.
ولم يحرِّمه؛ لأنَّ الإجابة لم تقع من المطلوب للطالب؛ لأنَّهُ إن شاء باعه وإن شاء لم يبعه.
•••
[١٠٧٢] قال: ومن سلف في بلدٍ في طعامٍ، فكان يجمعه، حتى إذا احتاجوا إليه أهل ذلك البلد باعه منهم بالنقد والأجل، وربما اشترى منه من باعه، فليس بذلك بأسٌ أن يشتريه من اشترى منه إذا كان ذلك ليس بحدثان اقتضائه منه، وإن كان يقتضي ويبيع مكانه، فإنا نكره ذلك (^٢).
• إنّما قال: «إنَّهُ لا بأس به»؛ لأنَّهُ لا يقصد بشرائه كذلك وجه العينة، وإنما يكره من ذلك إذا كان على وجه العينة: من غير حاجةٍ عرضت للبائع إلى ما باعه،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٥).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٥).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
أو كان ذلك بحضره البيع؛ لأنَّهُ إذا كان كذلك فهو في الأغلب على وجه العينة، لا لحاجةٍ حدثت.
•••
[١٠٧٣] مسألة: قال: ومن باع من رجلٍ سلعةً - وهو ممن يُعَيِّنُ (^١) - بثمنٍ إلى أجلٍ، ثم (^٢) ابتاعها منه رجلٌ، ثمّ ابتاعها البائع الأول من الرّجل قبل أن يفترقا، فلا خير في ذلك (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لجواز أن يكون المشتري الأول إنّما اشتراها لهذا الذي عَيَّنَ، وهو البائع الأول، وإنما دسَّ غيره في الشري؛ ليحلل ما قد نُهي عنه من العينة.
•••
[١٠٧٤] مسألة: قال: ومن ابتاع طعامًا ممن يُعَيِّنُ إلى أجلٍ، فباعه الذي اشتراه، ثمّ جاء فقال: «ضع عنّي (^٤) فقد وضعت وضيعةً كبيرةً»، فلا خير في ذلك؛ لأنَّهُ إنّما باعه على ربحٍ معلومٍ، على أنَّهُ إن وضع من ذلك يُخَفِّفُ عنه وردَّه إلى ما كان رَاوَضَهُ عليه (^٥).
_________________
(١) قوله: «يعين»، يعني: يأخذ بالعينة، وعين التاجر، يعني: أخذ بالعينة أو أعطى بها، ينظر: لسان العرب [١٣/ ٣٠٦].
(٢) قوله: «ثم»، غير مثبت في المطبوع.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٥)، النوادر والزيادات [٦/ ٩٣].
(٤) قوله: «ضع عنّي»، كذا في شب، وفي المطبوع: «ابتع مني».
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٥٦)، النوادر والزيادات [٦/ ٩١].
[ ٢ / ٢١٠ ]
• قد فسر ذلك مالكٌ، وهو أن يصير الثمن مجهولًا، لأنهما دخلا على: أنَّهُ إن لم يربح أو وضع، يخفِّف عنه من الثمن، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٧٥] مسألة: قال: ومن قال لرجلٍ: «ابتع هذا الجمل بعشرين إلى أجلٍ، وأنا ابتاعه منك بعشرةٍ نقدًا»، فلا يعجبنا ذلك (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أعطاه عشرةً نقدًا بعشرين إلى أجلٍ، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّ المأمور بالشراء يأخذ عشرةً نقدًا بجملٍ يدفعه إلى الآمر، وعشرةً يعطيه بعد مدَّةٍ، وذلك غير جائزٍ.
وإن كان الجمل من عند صاحب العشرة وهو الآمر، لم يجز أيضًا؛ لأنَّ البائع أعطى عشرةً للمشتري بعشرين إلى أجلٍ ورجع الجمل إليه، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٠٧٦] مسألة: قال: ومن باع سلعةً بثمنٍ نقدًا، ثمّ اشتراها بحداثة ذلك بأكثر منه، فلا بأس بذلك في بيع النقد، إلَّا من أهل العينة (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أهل العينة يقصدون للقرض الذي يجر منفعةً،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٦)، النوادر والزيادات [٦/ ٩٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٦)، النوادر والزيادات [٦/ ٨٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٧].
[ ٢ / ٢١١ ]
فيكون المشتري هاهنا هو الذي أقرض لمنفعةٍ جرَّها؛ لأنَّهُ أعطى ذهبًا ليأخذ أكثر منها بعد مدَّةٍ.
•••
[١٠٧٧] مسألة: قال: ومن باع من رجلٍ طعامًا بدنانير قد تأخَّر إلى أجلٍ (^١)، على أنَّهُ ينقده منه (^٢) ذلك من ثمن الطعام إذا باعه دينارًا والباقي إلى أجله، فإنا نكره ذلك (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير أجل الدينار مجهولًا؛ لأنَّهُ لا يدري متى يبيع الطعام، فصار أجل بعض الثمن مجهولًا.
•••
[١٠٧٨] مسألة: قال: ومن سلف في طعامٍ أو عرضٍ إلى أجلٍ، فأتاه بذلك قبل الأجل، فليس عليه أن يقبله، إلّا أن يكون قد تقارب أجله، مثل اليوم واليومين وما أشبهه (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ عليه مؤنةً في قبوله قبل الأجل؛ لأنَّهُ يحتاج
_________________
(١) قوله: «بدنانير قد تأخر إلى أجلٍ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «بتأخير إلى أجلٍ».
(٢) قوله: «منه»، كتب فوقها: «من»، وفي المطبوع: «قبل».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٦).
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٥٦)، المدونة [٣/ ٩٢].
[ ٢ / ٢١٢ ]
له إلى موضعٍ وحفظٍ، ولا يأمن مع ذلك تغيُّر الأسواق ورخصه، وذلك غير لازمٍ له قبوله؛ لِمَا عليه في ذلك من الضرر.
•••
[١٠٧٩] مسألة: قال: ولو أخَّره عن أجله الذي شرطه عليه فأبى أن يقبله، كان ذلك يلزمه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا أتى به على الشرط الذي ابتاعه عليه، فقد لزمه قبوله، وليس معصية البائع بتأخير دفعه عن وقته يمنع المشتري من قبوله، ولا يسقط عنه، فيجبر على ذلك.
•••
[١٠٨٠] مسألة: قال: ومن ابتاع شيئًا من الحيوان بعينه بصفةٍ توصف له أو رؤيةٍ كانت قبل ذلك منه، فلا بأس به (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ شراء الشّيء إذا كان معلومًا جائزٌ، سواءٌ كان حاضرًا لعقد البيع أو كان غائبًا، إذا عرفه البائع والمشتري جميعًا بالرؤية أو الصفة؛ من قِبَلِ أنَّ الصفة تقوم مقام الرؤية.
ألا ترى: أنَّهُ يجوز بيع شيءٍ في الذمَّة إذا وُصِفَ بصفةٍ معروفة، فصار
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٦)، المختصر الصغير، ص (٥٥٨)، المدونة [٣/ ٢٥٦]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٠٥].
[ ٢ / ٢١٣ ]
بيعه كذلك كبيع ما هو حاضرٌ، فكذلك ما كان غائبًا يجوز بيعه إن كان حيوانًا أو عرضًا إذا كانت غيبته قريبة.
وإن كان أرضًا أو دورًا، جاز وإن كانت غيبته بعيدة؛ لأنَّ ذلك مأمون (^١)؛ وقد رُوِّينا عن ابن عمر أنَّهُ أجاز ذلك.
فرَوَى حماد بن زيدٍ، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ بَعِيرًَا بِأَبْعِرَةٍ لَهُ بِالرَّبَذَةِ، وَضَمِنَهَا لِصَاحِبِهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ مَنْ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ» (^٢).
ورَوَى الأوزاعي، قال: حدثنا الزهري، قال: حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر (^٣)، عن أبيه عبد الله قال: «مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًَّا مَجْمُوعًَا فَهُوَ مِنْ مَالِ المُبْتَاعِ» (^٤).
فإذا جاء الشّيء المبيع على الصفة، لزمه البيع ولم يكن للمشتري خيار الرؤية.
ولو جاز أن يكون له خيار الرؤية هاهنا وإن كان على الصفة، جاز أن يكون له خيار الرؤية في السلم إذا أتى به البائع على الصفة، وهذا فاسدٌ.
•••
_________________
(١) من قوله: «الصفة تقوم مقام الرؤية»، على هذا الموضع، نقله التلمساني في شرح التفريع [٨/ ١٠٥]، عن الأبهري.
(٢) لم أقف عليه بهذا الإسناد، وقد تقدَّم ذكره من طريق مالك في المسألة رقم ١٠١٦.
(٣) حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٢٧١).
(٤) أخرجه الدارقطني في السنن [٤/ ٦]، والطحاوي في شرح معاني الآثار [٤/ ١٦].
[ ٢ / ٢١٤ ]
[١٠٨١] مسألة: قال: ولا يجوز النقد فيه، وضمانها من البائع حتى يقبضها المشتري، إلّا أن يشترط عليه: «أنها منه إن أدركتها الصفقة حيةً»، فيكون ذلك له.
وإن شرط: «أنَّهُ لا ينقده حتى يقبض»، فلمّا وجب له الصفقة، تطوع له بالنقد، فلا بأس به (^١).
• إنّما قال: إنَّهُ لا ينقد؛ لجواز أن تكون السلعة قد تلفت، أو تجيء على غير الصفة التي وُصِفَت، فلا يكون البائع مستحقًا للثمن، فإذا رد أُدْخِلَ في ذلك سلفٌ وبيعٌ، وذلك غير جائزٍ.
وهذا إذا شرط دفع الثمن، فأمّا إذا تبرع به المشتري جاز؛ لأنَّ البيع إنّما يفسده شرط النقد إذا كان المبيع غير مأمونٍ، فأمّا إذا تبرع به جاز ولم يفسده.
وقوله: «إنَّ ضمان المبيع بصفةٍ إذا تلف من مال البائع»؛ فلأنَّ على البائع تسليم ما باعه إلى المشتري، فمتى تلف قبل وصول المشتري إلى قبضه، كان من مال البائع.
وليس ذلك كالحاضر إذا تلف في يد البائع إذا كان قد تلف قبل قبض المشتري أنَّهُ من مال المشتري؛ لأنَّ المشتري يقدر هاهنا على قبضه، فإذا اختار تركه في يد البائع، فكأنه قد أودعه، فتَلَفُهُ من المشتري الشيء، والغائب فليس يقدر المشتري على قبضه حتى يحضر، فليس هو مفرطًا بترك القبض، فتلفه من مال البائع حتى يسلمه إلى المشتري، إلّا أن يشترط البائع أن ضمانه منه إن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٦)، المختصر الصغير، ص (٥٥٨)، المدونة [٣/ ٢٥٦]، النوادر والزيادات [٦/ ٣٦٤].
[ ٢ / ٢١٥ ]
صادفته الصفقة - أعني: عقد البيع - حيًا، فيلزم ذلك المشتري بالشرط؛ لأنَّهُ على ذلك دخل، كما يلزم الضامن ما يدخل فيه من الضمان (^١).
فإذا تلف الشّيء قبل عقد البيع كان من مال البائع؛ لأنَّ عقد البيع وقع على غير شيءٍ ملكه المشتري بالعقد.
وقد قال مالك في هذه المسألة: «إنَّ تلفه يكون من مال المشتري إذا تلف بعد العقد، إلّا أن يشترط المشتري أنَّ ذلك على البائع حتى يسلمه إلى المشتري» (^٢).
ووجه هذا القول: أنَّ المشتري قد ملك ما اشتراه بعينه، فإذا تلف بعد ملكه إياه فهو منه دون البائع، إلّا أن يشترط على البائع أنَّ تلفه منه حتى يسلمه إلى المشتري، فيلزمه ذلك بالشرط الذي ضمنه.
•••
[١٠٨٢] مسألة: قال: وإذا اشْتُرِيَتِ الدابة الغائبة على الصفة، ثمّ جاءت على تلك الصفة التي وصفها، فكرهها المشتري، لزمته بالثمن (^٣).
• قد ذكرنا وجه هذا، وأنَّ ذلك قد لزمه بعقد البيع إذا كان المبيع على
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ١٠٨]، هذه الفقرة عن الأبهري.
(٢) ينظر: المدونة [٣/ ٢٥٦]، المنتقى للباجي [٤/ ٢٨٧].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٧)، المدونة [٣/ ٢٥٥]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٠٥].
[ ٢ / ٢١٦ ]
الصفة التي وصفت أو رآها المبتاع عليه، لا خيار له للرؤية، ولو كان له خيار للرؤية، لكان له خيار الرؤية في السلم إذا أحضره البائع.
•••
[١٠٨٣] مسألة: قال: ومن باع جاريةً بعينها قد كان رآها وبها عيبٌ، فاشتراها منه وبرَّأَهُ من العيب، فلمّا أتاه بها، قال: «قد زاد العيب لا حاجة لي بها»، فالبيع له لازمٌ، إلّا أن يُعْلَم أنَّ ذلك قد زاد (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري يدّعي حدوث الزيادة في العيب على ما قد علمه ورضي به، فلا تقبل دعواه بغير بينةٍ؛ لأنَّهُ يريد فسخ البيع بغير حُجَّةٍ، والقول قول البائع مع يمينه أنَّ العيب لم يزد على ما رآه المشتري.
•••
[١٠٨٤] قال: ولا تباع السلعة الغائبة على أَنَّهَا إن تلفت فعلى صاحبها مثلها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير سلفًا في سلعةٍ بعينها، وذلك غير جائزٍ.
وهو أيضًا شرطٌ مخالفٌ للأصول؛ لأنَّ البائع ليس متعدِّيًا في تلف السلعة فيكون عليه ضمان مثلها إن كان لها مثلٌ، أو قيمتها إن لم يكن لها مثلٌ، وكلّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٧)، المدونة [٣/ ٢٥٣ و٢٦٤].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٧)، النوادر والزيادات [٦/ ٣٦٨].
[ ٢ / ٢١٧ ]
شرطٍ ليس في كتاب الله ﷿ ولا سنة رسوله صلى الله عليه وخالف أصول العلماء، فهو باطلٌ.
•••
[١٠٨٥] مسألة: قال: ولا بأس أن يشتري الدابة الغائبة بدَينٍ (^١) إلى أجلٍ، وإنما يكون الأجل من يوم يقبض الدابَّة (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيع عينٍ بدَينٍ، ولا بأس بذلك، كما يبيع الإنسان ثوبًا في ذمَّته دَينًا عليه بعينٍ يأخذها، وذلك جائزٌ.
والثمن من يوم يقبض الدابَّة؛ لأنَّهُ وجب حينئذٍ.
•••
[١٠٨٦] مسألة: قال: ولا بأس أن يبيع الرّجل غلامًا له بالشام على ذهبٍ له عند رجلٍ بالمدينة، وهما ضامنان لذلك حتى يستوفيا (^٣) (^٤).
• يعني: كلّ واحدٍ ضامنٌ لِمَا باع حتى يستوفيه صاحبه، يريد أنَّ تلفه منه إن تلف، يعني: من صاحبه حتى يقبضه الآخر.
وبيعهما جائز كذلك؛ لأنَّهُ بيع عينٍ بعينٍ، وإنما الذي لا يجوز بيع
_________________
(١) قوله: «بدَينٍ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «بثمن».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٧).
(٣) كتب فوق السطر في هذا الموضع: «هما»، أي: «يستوفياهما».
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٥٧).
[ ٢ / ٢١٨ ]
الدَّين بالدَّين، فأمّا بيع العين بالعين فجائزٌ، سواءٌ كانتا حاضرتين لعقد البيع أو غائبتين عنه.
•••
[١٠٨٧] مسألة: قال: ومن أتى حائكًا، فاشترى منه ثوبًا على مَنْسَجِهِ قد بقي منه بعضه، ونَقَدَهُ، فلا خير في ذلك (^١).
• إنّما كره هذا لوجهين:
لأنّه لا يدري كيف يخرج، فهو غررٌ.
وللنقد أيضًا فيه؛ لأنَّهُ يصير قرضًا جرَّ منفعةً متى لم يحصل له شراء الثوب؛ لأنَّهُ قد سلف قبل نسجه.
•••
[١٠٨٨] مسألة: قال: ولا بأس بشراء الدُّور الغائبة وينقد ثمنها (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّها مأمونةٌ سليمةٌ من التلف في الأغلب، فليس يدخل ذلك بيعٌ وسلفٌ كما يدخل ذلك في الحيوان والعروض التي يسرع إليها التلف.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٧)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٧)، المدونة [٣/ ٢٦٠]، النوادر والزيادات [٦/ ٣٦٤].
[ ٢ / ٢١٩ ]
[١٠٨٩] مسألة: قال: ولا خير في أن يشتري الرّجل الدُّور مُذَارَعَة فينقد ثمنها؛ لأنَّ ذلك يزيد وينقص (^١).
• يعني: يزيد الثمن على الأذرع، فيكون ما زاد سلفًا وبيعًا متى نقد قبل أن يعلم مقدار الأذرع.
•••
[١٠٩٠] مسألة: قال: ومن اشترى دارًا حَبْسًَا على قومٍ مرجعها إلى عشر سنين ولا ينقد، فلا خير في ذلك، لا نقد ولا لم ينقد (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا يدري كيف تكون الدّار يوم يموت المُحْبَسُ عَلَيْهِمْ، هل تكون عامرةً أو خرابًا، أو تتلف قبل ذلك، وذلك غررٌ لا يجوز؛ لأنَّهُ لا يقدر على قبضها قبل تقضي عشر سنين، وتكون مجهولة الحال بعد عشر سنين، وذلك غير جائزٍ، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (^٣).
•••
[١٠٩١] مسألة: قال: ولا يجوز النقد في بيع الخيار، لا إلى أجلٍ قريبٍ ولا بعيدٍ (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٧)، النوادر والزيادات [٦/ ٣٦٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٧).
(٣) ينظر الحديث في المسألة رقم ١١٠٦.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٥٨)، المدونة [٣/ ٢٢٨]، النوادر والزيادات [٦/ ٣٨٩].
[ ٢ / ٢٢٠ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يدخل ذلك سلفٌ وبيعٌ؛ لأنَّ المشتري لا يدري هل يأخذ السلعة أو لا، فيكون قد غرر بالثمن وجعله سلفًا وبيعًا؛ لأنَّهُ:
(إن أخذ البيع، فقد ارتخصه من أجل ما أسلف من النقد.
(وإن لم يأخذه، كان البائع قد انتفع بمال المشتري من غير عوضٍ أخذه المشتري منه، وذلك هو البيع والسلف الذي نهى رسول الله صلى الله عليه عنه.
فهذا علَّة منع مالكٍ شرط النقد في بيع الخيار وبيع الشّيء الغائب على الصفة إذا كان مثل الحيوان والعروض، دون الدُّور والأرضين.
•••
[١٠٩٢] مسألة: قال: ومن اشترى بالخيار، كان الضمان من البائع، كان الخيار للبائع أو للمبتاع (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ملك البائع لا يزول عن الشّيء المبيع: إلّا بمضي أيام الخيار، واختيار المشتري للسلعة قبل ذلك إن كان الخيار له، فلمّا كان كذلك، كان تلف الشّيء المبيع من البائع؛ لأنَّ الشّيء على ملكه في الأصل، لم يزل حتى يتم زواله إلى ملك المشتري لِمَا ذكرنا، فيكون تلفه منه.
وسواءٌ كان الخيار للبائع أو المشتري، أو تلف الشّيء في يد البائع أو المشتري، أنَّ تلف ذلك كله من مال البائع؛ من قِبَلِ أنَّ ملكه باقٍ في الأصل، وإنما يزول بتقضي أيام الخيار، أو اختيار المشتري للشيء إذا كان الخيار له؛ لأنَّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٨)، المختصر الصغير، ص (٥٥٩)، المدونة [٣/ ٢٢٧]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٨٨)، النوادر والزيادات [٦/ ٣٩٠].
[ ٢ / ٢٢١ ]
المشتري إنّما ملك بوصفٍ، فمتى لم تأت الصفة، لم يستقر ملكه على ما اشتراه، والشيء المبيع في الأصل على ملك البائع [فوجب] (^١) أن يكون التلف منه لهذه العلة (^٢).
•••
[١٠٩٣] مسألة: قال: وإن اشترى واستوجب، وقال: «إن بدا لي رددت إلى ما بيني وبين شهرٍ»، ثمّ أصيبت السلعة، فضمانها من المشتري (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا القول غير موجبٍ على البائع ردَّ السلعة إليه، فهو لغوٌ إلّا أن يحب البائع قبول السلعة، فيكون بيعًا مستأنفًا ويجوز.
فإن كان هذا القول من المشتري في نفس العقد، كان البيع فاسدًا.
فإن تلفت السلعة في يد المشتري، فضمانها منه بالقيمة لا الثمن؛ لأنَّ الشّيء المبيع إذا تلف في يد المشتري فضمانه منه بالقيمة، وإن تلف في يد البائع قبل قبض المشتري، فهو من مال البائع، ولا ثمن ولا قيمة على المشتري؛ لأنَّ المشتري لم يملك بالعقد فيلزمه الثمن، ولا ضمن بشبهة الملك بالقبض فتلزمه القيمة.
•••
_________________
(١) ما بين [] مطموس في شب، والمثبت من شرح التلمساني للتفريع [٨/ ١١٧]، حيث نقل الشرح عن الأبهري.
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ١١٧]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٨)، النوادر والزيادات [٦/ ٣٨٦].
[ ٢ / ٢٢٢ ]
[١٠٩٤] قال: ومن باع سلعةً على أن يستشير رجلًا، ثمّ ندم المشتري قبل أن يستشير البائِعُ، فالبيع لهما لازمٌ، فإن أحب الذي له الخيار أن يجيزه أجازه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنهما ألزما أنفسهما البيع بصفةٍ ما، فليس لهما ولا لأحدهما أن يرجع عن ذلك حتى يستشر البائع الذي شرط مشورته، فيكون الأمر على ما يشترطه (^٢).
•••
[١٠٩٥] مسألة: قال: ولا يجوز بيع السلعة تُشترى بالخيار حتى تُخْتَارَ (^٣)، فإذا أراد البيع فيُشْهِدُ على الخيار، ثمّ ليبع، وذلك مما نُهي عنه من ربح ما لم يضمن (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ملك المشتري إنّما يتقرَّر على السلعة باختياره لها، فلا يجوز له بيعها قبل أن يملكها.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٨)، المدونة [٢/ ٢١٣]، النوادر والزيادات [٦/ ٣٨٧]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٢٣].
(٢) قوله: «يشترطه»، فوقها علامة إلحاق، وفي الحاشية: «نسخة: يشير به»، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ١٢٢]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) قوله: «تُخْتَار»، كذا رسمها، والمراد، أن يختار المشتري إمضاء البيع وإسقاط الخيار، وفي المطبوع: «تحاز».
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٥٨)، المدونة [٣/ ٢١٦]، النوادر والزيادات [٦/ ٣٩٧].
[ ٢ / ٢٢٣ ]
ويستقرُّ أيضًا ملكه عليها بتقضي مدَّة الخيار، فمتى لم [يَخْتَرَا] (^١) لملكها، أو بتقضّي مدَّة الخيار ويترك ردَّها فيه، فهو غير مستقرِّ الملك عليها.
فلهذا قال: «إنَّهُ لا يجوز بيعها قبل اختياره»، سواءٌ [] (^٢) أم لا.
ويدخل في بيعها أيضًا، ما قد نُهي عنه من ربح ما لم يضمن.
•••
[١٠٩٦] مسألة: قال: ومن باع جاريةً فوضعها للاستبراء، ثمّ ندم فأربح المشتري عشرةً، فليس عليه أن يدفعها حتى تخرج أو لا تخرج (^٣)، فإن خرجت أعطاه ربحه (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ بيع المشتري لها من البائع هو كأنه إقالةٌ بشيءٍ يعطيه، فجاز ذلك، وليس ذلك كما يبيعها من الأجنبي.
وليس يجوز أن يأخذ الربح من البائع؛ لأنَّهُ لا يدري هل كان قد ملكها
_________________
(١) قوله: "يَخْتَرَا"، كذا استظهرتها كما هو في الصورة.
(٢) ما بين []، كلمة غير واضحة.
(٣) قوله: «أو لا تخرج»، لعلها مقحمةً، ويستقيم السياق بدونها، وفي النوادر والزيادات [٦/ ٣٦٩]: «وأجاز مالك أن يقيله من الجارية في المواضعة، وإن أقاله بربح، فلا ينقده الربح حتى تخرج من الاستبراء»، والله أعلم.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٥٨)، المدونة [٢/ ٣٦٩]، النوادر والزيادات [٦/ ٣٦٩].
[ ٢ / ٢٢٤ ]
أم لا، فيجوز أن يربح فيها؛ لأنّها إذا لم تحض فهي على ملك البائع دون ملك المشتري، ولم تدخل في ضمان المشتري قط، فلا يجوز أن يأخذ ربحها.
•••
[١٠٩٧] مسألة: قال: ومن ابتاع جاريةً بالخيار، فمات قبل أن يختار، فورثته بمثابته (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الخيار حقٌّ للمشتري، فإذا مات ورث ذلك ورثته عنه، كما يرثون سائر حقوقه.
وكل حقٍّ للإنسان من ملك عينٍ أو منفعةٍ في عينٍ فإنّه إذا مات ورث ذلك ورثته، إلّا ما كان من الوطء فإن ورثته لا يرثون ذلك؛ لأنَّ حقَّ الوطء لا يجوز أن يقيم غيره مقامه وينقله إليه، ويجوز ذلك في غيره من ملك الأعيان ومنافع الأعيان، فوجب أن يرث ذلك ورثته عنه.
•••
[١٠٩٨] قال: ومن باع سلعةً لرجلٍ واستثنى رضاه، فسأله عن رضاه فقال: «أنت أَبْصَرُ، إن شئت فاختر وإن شئت فرده»، قال: «فلست أرى أن أجيز»، فذلك له: إن شاء ردَّ، وإن شاء أمضى (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٨)، المدونة [٣/ ٢٠٨]، النوادر والزيادات [٦/ ٣٨٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١١٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٨)، النوادر والزيادات [٦/ ٣٨٨]، البيان والتحصيل [٨/ ١٢٩].
[ ٢ / ٢٢٥ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي استثنى رضاه - وهو صاحب السلعة - قد ردَّ ذلك إلى الذي باعه وهو الواسطة، إن شاء أجاز وإن شاء ردَّ.
•••
[١٠٩٩] مسألة: قال: ومن باع سلعةً على أن يستأمر، ثمّ بدا له أن يرد البيع قبل أن يستأمر، فذلك له؛ لأنَّ البائع يقول: «لم أرد أستأمر أحدًا، إنّما أردت أن أَنْظُرَ»، فذلك له (^١).
• قد فسر مالكٌ العلَّة في جواز ردِّ البائع البيع.
•••
[١١٠٠] قال: ومن قال لرجلٍ عنده دابَّةٌ قد رآها: «آخُذُهَا منك بكذا وكذا دينارًا إن بلغت عندك القابل على هذه الحال»، فلا خير في ذلك؛ لأنَّهُ كأنه زاده في الثمن على أن يضمن تلك الدابَّة إلى أجلٍ (^٢).
• قد فسر مالكٌ العلَّة في ذلك؛ لأنَّهُ لا يجوز بيع دابَّةٍ بعينها، يقبض إلى سنة؛ لأنَّ ذلك غررٌ؛ لأنَّهُ لا يدري كيف تكون بعد سنةٍ، وذلك غررٌ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه عن بيع الغرر.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٨)، النوادر والزيادات [٦/ ٣٨٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٢٣].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٥٨).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
[١١٠١] قال: ولا بأس أن يشتري الرّجل الدابَّة، ويشترط ركوبها إلى المكان القريب اليوم واليومين، وما أشبه ذلك (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا شرط مجوزٌ، إذ ليس شيءٌ يمنع منه، كما لو اشترط خيار يومٍ أو يومين جاز البيع.
وقد رَوَى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه (^٢)، عن الشعبي، عن جابر: «أَنَّهُ بَاعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَعِيرًَا، وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ» (^٣).
وقد رواه الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ، فيما أحسب (^٤).
ورَوَى سفيان (^٥)، عن أبي إسحاق، عن مرة بن شراحيل (^٦): «أَنَّ صُهَيْبًا بَاعَ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٩)، المختصر الصغير، ص (٥٦٠)، المدونة [٣/ ٧٨ و٢٦٧].
(٢) زكريا بن أبي زائدة بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي الكوفي، ثقة وكان يدلس، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٣٣٨).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٢٠/ ٢٠٩] بهذا الإسناد والمتن، وهو في البخاري (٢٤٠٥)، ومسلم [٥/ ٥١]، وهو في التحفة [٢/ ٢٠٤].
(٤) لم أقف عليه من هذا الطريق، وقد رواه الحميدي في مسنده [٢/ ٣٤٩]، وغيره من طريق ابن عيينة، عن أبي الزبير به، فلعلَّ هذا هو الإسناد الذي أراده الشارح، حيث لم يجزم بأنه الثوري.
(٥) هو الثوري.
(٦) مرة بن شراحيل الهمداني الكوفي، ثقة عابد، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٩٣٠).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
دَارَهُ مِنْ عُثْمَانَ، وَاشْتَرَطَ سُكْنَاهَا كَذَا وَكَذَا» (^١).
ومما يدلُّ على جواز البيع إذا كان معه شرطٌ، ما رواه مالك وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا المُبْتَاعُ» (^٢)، فأجاز البيع والشرط، فهذا الخبر فيه حجةٌ على من منع من البيع والشرط، وهو أبو حنيفة (^٣) والشافعي (^٤).
فأمّا الشافعي: فقد أجاز بيع العبد على أن يعتقه المشتري (^٥)، ولا فصل بين شرط العتق وغيره، إلّا أن يكون شرطًا مخالفًا للأصول، مما يحلُّ الحرام أو يحرِّم الحلال، فيكون البيع فاسدًا، وذلك مثل ما يشترط أن يكون الولاء للبائع إذا أعتقه المشتري، وما أشبه ذلك من الشروط الفاسدة.
•••
[١١٠٢] قال: ولا خير في أن يبيع الرّجل الدابَّة ويشترط عِقَاقَهَا.
ولو قال: «هي عَقُوقٌ» ولم يشترط ذلك، لم يكن به بأس إن شاء الله (^٦).
• يعني: يشترط أَنَّهَا حاملٌ، فلا يجوز ذلك؛ لأنَّهُ كأنه قد أخذ ثمنًا للحمل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة [١١/ ٦١٣].
(٢) حديث مالك أخرجه في الموطأ [٤/ ٨٩٢]، وحديث عبيد الله، أخرجه مسلم [٥/ ١٦]، وهو في التحفة [٦/ ٢٠٩].
(٣) ينظر: مختصر اختلاف العلماء [٣/ ١٣٦]، المبسوط [١٣/ ١٣].
(٤) ينظر: الأم [٤/ ٧٨]، الحاوي [٦/ ٣٨١].
(٥) ينظر: الأم [٨/ ٢٢٩]، الحاوي للماوردي [٦/ ٣٨٣].
(٦) المختصر الكبير، ص (٢٥٩).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
واشترطه، وليس يدري هل هي حاملٌ أم لا، ولا كيف يكون الحمل، فكما لا يجوز بيع الحمل للغرر والجهل، فكذلك لا يجوز اشتراطه.
فأمّا إذا قال: هي حاملٌ ولم يشترط، فجاز.
•••
[١١٠٣] قال: وفسَّر المزابنة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه: أنَّ كلّ شيءٍ من الجِزَافِ الذي لا يُعْلَم كيله ولا وزنه ولا عدده، يباع بشيءٍ من الكيل والعدد من صنفه، فإنَّ ذلك لا يجوز؛ لأنَّهُ كأنه أعطاه ذلك الجِزَافَ، وضمن له الكيل الذي شرط له أو العدد، فإن زاد كان له، أو إن نقص كان عليه.
وكلُّ ما كان يعصر من الحب فاشتري بكيلٍ أو وزنٍ مما يخرج منه، فذلك مما وصفت لك من المزابنة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا رواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ» (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٥٩)، المختصر الصغير، ص (٥٦٠)، الموطأ [٤/ ٩٠٥]، النوادر والزيادات [٦/ ٢١].
(٢) أخرجه مالك [٤/ ٩٠٣]، ومن طريقه البخاري (٢١٧١)، ومسلم [٥/ ١٥]، وهو في التحفة [٦/ ٢١٥].
[ ٢ / ٢٢٩ ]
ورَوَى مالكٌ، عن داود بن الحصين (^١)، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد (^٢)، عن أبي سعيد: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ» (^٣).
ورَوَى سفيان (^٤)، عن سعد بن إبراهيم (^٥)، عن عمرو (^٦) بن أبي سلمة (^٧)، عن أبيه، عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ» (^٨).
ورَوَى مالكٌ أيضًا، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنِ بَيْعِ المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا» (^٩).
ورَوَى أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ
_________________
(١) داود بن الحصين الأموي مولاهم المدني، ثقة إلّا في عكرمة، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٣٠٥).
(٢) أبو سفيان، مولى ابن أبي أحمد، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١١٥٥).
(٣) أخرجه مالك [٤/ ٩٠٣]، ومن طريقه البخاري (٢١٨٦)، ومسلم [٢/ ٢١].
(٤) هو الثوري.
(٥) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة فاضل عابد، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٣٦٧).
(٦) قوله: «عمرو»، كذا في شب، وفي مصادر الترجمة: «عمر».
(٧) عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، صدوق يخطئ، من السادسة، ينظر: التاريخ الكبير [٦/ ١٦٦]، الجرح والتعديل [١/ ١٤٦]، تقريب التهذيب، ص (٧٢٠).
(٨) أخرجه أحمد [١٦/ ١٩٤]، وابن أبي شيبة [١١/ ٤٩٩] بهذا الإسناد، وهو عند مسلم [٥/ ٢١]، وفي التحفة [١٠/ ٤٧٠].
(٩) هو نفسه الحديث المتقدِّم قبل قليل.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ مَكَيْلٍ، إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ» (^١).
فلهذا منع مالكٌ من المزابنة في المأكول وغيره؛ لأنّها غررٌ.
أما في المأكول: فيدخله الغرر، ويدخله الربا إذا كان من جنسٍ واحدٍ وكان مما فيه الربا.
وأمّا في غير المأكول: فيدخله الغرر والمخاطرة.
قال مالك: «من ذلك أن يأتي الرّجل إلى الرّجل له النوى المُصَبَّرُ (^٢) وما أشبه ذلك، فيقول: كِلْه، فإن زاد على كذا وكذا فلي، وإن نقص فعلي»، فيقال: «إنَّ ذلك لا يجوز»، فيقول: «فأنا أشتريه منك»، قال: «فهو خطر وقمار» (^٣).
ولا فصل عنده بين ما يدخله الربا من الجنس الواحد أو لا يدخله في دخول المزابنة فيه؛ لأنّها ضربٌ من الخطر والقمار، وذلك موجودٌ في غير المأكول.
فأمّا إذا تيقن أنَّ أحد الشيئين أكثر من الآخر فلا بأس به، سواءٌ كان المعلوم أكثر أو المجهول؛ لأنهما لم يتخاطرا، وإنما باعا قليلًا بكثيرٍ، وذلك جائزٌ إذا كان من جنسٍ واحدٍ، وكان يدًا بيدٍ.
فإن كان من جنسين وكان غير الطعام، جاز التفاضل فيه يدًا بيدٍ، وإلى أجلٍ.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٢١٧٢)، مسلم [٥/ ١٥]، وهو في التحفة [٣/ ٢١٧].
(٢) قوله: «المُصَبَّر»، هو الموضوع في صبرة، والصبرة: الشّيء المجموع غير المكيل، ينظر: التنبيهات المستنبطة للقاضي عياض [٢/ ١٠٩٥].
(٣) ينظر: الموطأ [٤/ ٩٠٤].
[ ٢ / ٢٣١ ]
وقوله: «وكلُّ ما كان يعصر من الحب فاشتُري بكيلٍ أو وزنٍ مما يخرج منه، فذلك مثل ما وصفت لك من المزابنة»؛ فلأنَّ ما يخرج من الحب مجهولٌ، فلا يجوز أن يُشْتَرى الحب أو ما يخرج منه بشيءٍ معلومٍ أو مجهولٍ مما يخرج من ذلك الحب؛ لأنَّ ذلك غررٌ ومخاطرةٌ.
وإن كان مما يؤكل، دخله الربا أيضًا، وذلك كله غير جائزٍ.
•••
[١١٠٤] مسألة: قال: ولا بأس بالبان إذا كان قد طُيِّبَ بحبِّ البان؛ لأنَّ ذلك قد حال عن حاله؛ لأنَّ الذي يخرج من حبّ البان إنّما هو السليخة (^١) (^٢).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك، وهو أنَّ البان المطيب ليس يخرج من حب البان؛ لأنَّ المطيب قد تغَيَّرَ بالصنعة والطيب الذي يجعل فيه، فليس يدخل ذلك مزابنة؛ لأنَّ المزابنة إنّما هي فيما كان منفعته واحدةٌ من الجنس الواحد، فأمّا إذا اختلفت منافعه فجاز فيه التفاضل، وخرج من حدِّ المزابنة.
•••
_________________
(١) قوله: «السليخة»، هو دهن ثمر البان قبل أن يربب، فإذا ربب بالمسك والطيب ثمّ اعتصر فهو منشوش، وقد نش نشًا، أي: اختلط الدهن بروائح الطيب، ينظر: تاج العروس [٧/ ٢٧٢].
(٢) إلى هنا انتهت المسألة، وقد تم إدراج الشرح معها في المطبوع، وهي في المختصر الكبير، ص (٢٥٩).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
[١١٠٥] مسألة: قال: ولا خير في أن يباع الجلجلان (^١) بالزنبق (^٢) إلى أجلٍ (^٣).
• إنّما منع من ذلك؛ لأنَّ الزنبق يخرج من الجلجلان، فكأنه قد باع مجهولًا بمعلومٍ إلى أجلٍ من جنسٍ، وذلك مزابنةٌ.
•••
[١١٠٦] مسألة: قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه عن بيع الغرر.
وبيع الآبق والضالة من الغرر، واستثناء ما في بطون الإناث من الغرر (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ذلك كله غررٌ، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر.
فرَوَى مالكٌ، عن أبي حازمٍ، عن ابن المسيب: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ» (^٥).
_________________
(١) قوله: «الجُلْجُلَان»، هو السمسم، وقيل: حب كالكزبرة، ينظر: النهاية في غريب الحديث [١/ ٢٨٣].
(٢) قوله: «بالزنبق»، هو دهن الياسمين، ينظر: المغرب في ترتيب المعرب، ص (٢٠٦)، النظم المستعذب [١/ ١٩٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٥٩).
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٦٠)، المختصر الصغير، ص (٥٦٠)، المدونة [٣/ ٢٥٤]، النوادر والزيادات [٦/ ١٤٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٨٣].
(٥) أخرجه مالك [٤/ ٩٦٠]، وعبد الرزاق [٨/ ١٠٩].
[ ٢ / ٢٣٣ ]
ورَوَى عبيد الله بن عمر، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ» (^١).
ومعنى النهي عن بيع الغرر: هو لأنَّ المشتري لا يدري هل يحصل له ما اشتراه أم لا، وذلك من أكل المال بالباطل؛ لأنَّهُ لم يُخْرِج ماله على عوضٍ يأخذه لا محالة، ولا أخرجه على وجه القربة إلى الله تعالى من غير عوضٍ يأخذه في الدنيا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
(فكلّ شيءٍ لا يعلم المشتري هل يحصل له ما اشتراه أو لا، فشراؤه غير جائزٍ؛ لأنَّهُ غررٌ.
(وكلّ شيءِ حاصلٌ للمشتري، أو يعلم في الأغلب أنَّهُ يحصل له، فشراؤه جائزٌ.
هذا أصل البياعات، أنَّ الغرر إذا كان فيها الغالب، لم يجز، فإذا كان يسيرًا تبعًا جازت؛ لأنّها لا تخلو منه.
ولو منع البيع حتى لا يكون فيه غررٌ وإن قلَّ، لأضر ذلك بالناس، وقد منع
_________________
(١) أخرجه مسلم [٥/ ٣]، وهو في التحفة [١٠/ ١٨٦].
[ ٢ / ٢٣٤ ]
رسول الله صلى الله عليه من بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها عَلَى التَّبْقِيَةِ (^١)، وإذا بدا صلاحها، جاز بيعها عَلَى التَّبْقِيَةِ؛ لأنَّ الغرر قد قلَّ فيه (^٢).
•••
[١١٠٧] مسألة: قال: ومن باع من رجلٍ سلعةً على أن لا نقصان عليه (^٣)، فذلك من المخاطرة، وللمبتاع أجرة مثله، والربح والنقصان من البائع.
وذلك إذا فاتت، وإن لم تفت فُسِخَ.
وأمّا إذا وجب البيع وعَقَدَهُ، ثمّ شَرَطَ ذلك، فلا بأس (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّ البائع كأنه قد اكترى المشتري بربحٍ إن كان في السلعة.
كذلك قال مالكٌ في غير هذا الموضع، فهذه إجارةٌ فاسدةٌ وليس هو بيعٌ، فلا يجوز.
والربح والوضيعة للبائع؛ لأنَّهُ لم يملك المشتري السلعة، وله أجر مثله فيما باع.
_________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عمر: البخاري (١٤٨٦)، ومسلم [٥/ ١١]، وهو في التحفة [٥/ ٤٥٥].
(٢) من قوله: «وذلك من أكل المال بالباطل»، إلى هذا الموضع، نقله التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٨٣]، ولم يشر إلى الأبهري.
(٣) في النوادر والزيادات [٦/ ٣٣٨]: «على أن لا نقصان عليه إن خسر».
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٦٠)، النوادر والزيادات [٦/ ٣٣٨].
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وهذا إذا وقع عقد البيع على ذلك وفاتت السلعة، فأمّا إذا قال البائع له ذلك بعد عقده البيع، فليس هذا القول مما يفسد عقد البيع؛ لأنَّ البائع تطوع بالوضيعة، وهي معروفٌ وإحسانٌ يفعله بالمشتري إن شاء، وليس يلزمه ذلك بشرطه في عقد البيع.
•••
[١١٠٨] مسألة: قال: والملامسة التي نهى رسول الله صلى الله عليه عنها: أن يلمس الرّجل الثوب ولا ينشره ولا يتبين (^١) ما فيه، فيبتاعه أو يبيعه ليلًا وهو جاهلٌ به.
والمنابذة: أن ينبذ الرّجل ثوبه إلى رجلٍ وينبذ الآخر إليه ثوبه، على غير معرفةٍ منهما أحدهما بصاحبه (^٢).
• معنى نهي رسول الله صلى الله عليه عن بيع الملامسة والمنابذة هو الغرر؛ لأنَّ المشتري ليس يعلم ما اشتراه ولا تثبته إذا اشتراه ليلًا أو من غير أن ينشره ويتبيَّن ما فيه، وكذلك إذا نبذ كلُّ واحدٍ إلى الآخر ثوبه ولم يعرفا ما فيه، وذلك من الغرر وأكل المال بالباطل، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الغرر وعن الملامسة والمنابذة.
_________________
(١) قوله: «يتبين»، كذا في شب، وفي المطبوع: «ينظر».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٠)، المختصر الصغير، ص (٥٦١)، المدونة [٣/ ٢٥٣]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٨٨)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٧٩].
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ورَوَى مالكٌ عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ» (^١).
ورَوَى ابن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد (^٢)، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه: «نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ» (^٣).
•••
[١١٠٩] مسألة: قال: ولا يجوز بيع السَّاجِ المدرج في جرابه، ولا القمطي (^٤) في طيِّه، حتى ينشر (^٥).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ السَّاج - وهو الكساء -، لا مشقة عليه في نشره
_________________
(١) أخرجه مالك [٤/ ٩٦٢]، ومن طريقه البخاري (٢١٤٦)، ومسلم [٢/ ٥]، وهو في التحفة [١٠/ ١٩٣].
(٢) عطاء بن يزيد الليثي المدني نزيل الشام، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٦٧٩).
(٣) أخرجه أبو داود [٤/ ١١٣]، بهذا الإسناد، وهو في البخاري (٢١٤٧) من طريق معمر، وهو في التحفة [٣/ ٤٠٢].
(٤) قوله: «القمطي»، كذا رسمها في شب، وسوف تتكرر في الشرح، وفي الموطأ [٤/ ٩٦٣]، والمدونة [٣/ ٢٥٤]، والتفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٨٠]: «القبطي»، وفي المطبوع: «القميص»، قال التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٨٠]: «والثوب القُبْطي، ثيابٌ تتّخذ بمصر».
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٦٠)، الموطأ [٤/ ٩٦٣]، المدونة [٣/ ٢٥٤]، النوادر والزيادات [٦/ ٢٦٣ و٣٦٢]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٨٠].
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وتقليبه، وكذلك الثوب القمطي، فمتى ترك ذلك، فقد قصد بيع الغرر، وذلك غير جائزٍ (^١).
•••
[١١١٠] قال: ولا بأس ببيع الأعدال (^٢) على البَارْنَامَجِ (^٣) (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ على البائع في فتحها ونشرها مشقةً وضررًا؛ لأنَّهُ يثقل عليه فتحها ونشرها، ثمّ شَدُّهَا؛ لكثرة ذلك وغلظ المؤنة فيه، إذ قد يجوز أن يشتريها المشتري أو لا، فجاز أن يبيع لهذه العلة على الصفة، فإن كانت على الصفة، لزم المشتري البيع، وإن خالفت الصفة، كان له ردُّها، كما يجوز أن يباع الشّيء إذا كان غائبًا بالصفة، وإذا جاء على الصفة، لزمه.
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٨٠]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) قوله: «الأعدال»، هو جمع عِدلٍ، ومثناها عدلان، قال الخليل في العين [٢/ ٣٨]: والعدلان: الحملان على الدّابّة، من جانبين، وجمعه: أعْدالٌ، عُدِلَ أحدهما بالآخر في الاستواء، وذكر المازري في شرح التلقين: [٢/ ٨٩١]: أنَّ التجار كانوا يشدون أصْنَاف المتاع في الأعدال العظيمة ويقتصرون في بيع ما، على ما أثبتوه في البرنامج من عدد كلّ صنف مما اشتمل العدل عليه وصفاته.
(٣) قوله: «البَارْنَامَج»، هي كلمة فارسية، تطلق على النسخة التي يكتب فيها مقدار الشّيء المبعوث، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٣٩)، وبيع الأعدال على البارنامج: وهو أن يبيعها على الصفة التي يتضمنها برنامجه من ذكر الجنس والنوع والزرع والعدد والسعر، ينظر: المعونة، ص (٩٨١).
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٦٠)، المدونة [٣/ ٢٥٧]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٨٩)، النوادر والزيادات [٦/ ٣٦٢]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٧٤].
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وكذلك يجوز السلم في الشّيء على الصفة؛ لأنَّ الصفات تقوم في جواز البيع مقام بيع الأعيان الحاضرة في جواز بيعها.
فلهذا المعنى قال مالك: «لا بأس ببيع الأعدال على البارنامج»، يعني بصفة البارنامج.
وليس الاعدال كالثوب الواحد المطوي؛ لأنَّ الثوب الواحد أو الثوبين أمرهما خفيفٌ في نشرهما أو طيّهما (^١).
•••
[١١١١] مسألة: قال: ولا خير في أن يشتري الرّجل الجارية إلى السنة:
(على أنَّهُ: إن باع قبل ذلك، نقده.
(ولا على أنَّهُ: إن مات قبل ذلك فهي له (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير أجل الثمن مجهولًا؛ لأنَّهُ لا يدري متى يبيعها.
وكذلك لا يجوز أن يشترط المشتري أنَّهُ إذا مات فهي للبائع؛ لأنَّ المشتري لم يملكها تمليكًا صحيحًا؛ لأنَّ البائع قد شرط عليه ردَّها إليه إذا مات، فلم يُمَلّكه تمليكًا صحيحًا؛ لأنَّ الملك الصحيح هو ما يتصرَّف الإنسان فيه في البيع والعتق والهبة وأشباه ذلك، فكان البيع فاسدًا لِمَا ذكرناه.
•••
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ١٧٥]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦٠).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
[١١١٢] مسألة: قال: ولا خير في بيع الجلجلان على أنَّ له عصارته (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البائع كأنه باعه زيت الجلجلان، وهو مجهول المقدار، وذلك لا يجوز.
•••
[١١١٣] مسألة: قال: ولا خير في [تقبيل] (^٢) برك الحيتان (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيع السمك في الماء وهو مجهول المقدار، وذلك مما قد نُهي عنه من بيع الغرر.
•••
[١١١٤] مسألة: قال: ومن كانت بين يديه صبرةٌ، فقال لرجل: «كِلْهَا، فما وجدت فيها فلك من صبرتي هذه مثله بدينارٍ»، فلا خير فيه (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ قد باع بدينارٍ شيئًا لا يعلم مقداه في حال ما باع،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦١).
(٢) قوله: «تقبيل»، كذا رسمها كما في الصورة، ولم أقف على معناها في المعاجم بحسب ما بحثت، وهي تستخدم في عرف التجار اليوم، ويراد بها بيع المحل مع جميع محتوياته، وفي المدونة [٣/ ١٩٧]: «قلت: ما قول مالكٍ فيمن باع حيتانًا محظّرًا عليها في الآجام، أيجوز ذلك أم لا؟ قال: سألت مالكًا عن الرّجل يبيع برك الحيتان، يبيع صيدها من الحيتان، فكره ذلك، وقال: لا خير فيه».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦١)، المدونة [٣/ ١٩٨]، النوادر والزيادات [١١/ ٢٠].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٦١).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وإنما يعلم بعد ذلك، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّهُ لم يقابل الدينار شيءٌ معلومٌ في حال العقد، وإذا باعه كلّ قفيزٍ (^١) بدينارٍ، فقد علم ما يقابل كلّ دينارٍ من القفيز.
•••
[١١١٥] مسألة: قال: ولا خير في أن يبيع الرّجل الزّرع (^٢)، على أنَّ على البائع حصاده ودراسه؛ لأنَّهُ كأنه باعه ما يخرج منه (^٣).
• قد فسر مالكٌ علَّة منعه من البيع، وهو أنَّ ما يخرج من الحنطة مجهولٌ؛ لأنَّ البائع إنّما باعه الحنطة لا الزرع، ولو باعه الزرع، كان جائزًا.
•••
[١١١٦] مسألة: قال: وإذا أتى رجلٌ إلى رجلٍ فقال: «قد أخذت منك ما في هذه الغِرَارةِ (^٤) من الطعام بدينارٍ»، فلا بأس به إذا كان يراها، وإذا جاءه بغِرارةٍ فقال: «املأها لي بدنيارٍ»، فلا خير فيه؛ لأنَّهُ لا يدري ما يدخل فيها (^٥).
_________________
(١) قوله: «قفيز»، هو مكيال معروف، وجمعه قفزان وهو اثنا عشر منًا، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٣٩١).
(٢) قوله: «الزّرع»، كذا في شب، وفي المدونة [٣/ ٣٢٠]: «فالقمح يشتريه على أنّ على بائعه حصاده ودراسه وذروه، يشتريه زرعًا قائمًا قد يبس».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦١)، المدونة [٣/ ٣٢٠].
(٤) قوله: «الغِرَارة»، هي وعاء من صوف أو شعر لنقل التبن وما أشبهه، طلبة الطلبة، ص (١١٠).
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٦١)، النوادر والزيادات [٦/ ٧٧].
[ ٢ / ٢٤١ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما في الغرارة من الطعام يُحزر ويُرى مقدار الطعام، وبيع ذلك جائزٌ كبيع الصبرة؛ لأنّها تحزر وترى.
وإذا باعه ملء الغرارة، لم يجز؛ لأنَّهُ لا يدري مقدار ملائها من الكيل ولا رآه جزافًا، فحزر فعُرِفَ ذلك بالحزر.
•••
[١١١٧] مسألة: قال: وإذا أتى رجلٌ إلى رجلٍ بقدحٍ أو صحفةٍ، فقال: «املأ لي بدرهمٍ»، فلا يجوز، إلّا أن يكون في موضعٍ لا مكيال فيه فيجوز (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ مقدار ملائها غير معلومٍ؛ فلا يجوز بيعه للغرر فيه.
وأجاز بيعه إذا لم يوجد مكيالٌ غيره؛ للحاجة إلى ذلك.
ولأنهما لم يقصدا بذلك الغرر كما يقصدان حيث يوجد المكيال.
•••
[١١١٨] مسألة: قال: ولا يشتري الزرع المُرَوحَ (^٢) عامين ولا ثلاثة (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٦١)، النوادر والزيادات [٦/ ١٩ و٧٦ و٧٧].
(٢) قوله: «المُرَوح»، مثبتة في الحاشية، وهي غير مثبتة في المطبوع.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٦١).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا يدري كيف يكون في العام الثاني والثالث، وذلك غررٌ، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر، ونهى عن بيع الثمر سنين (^١).
•••
[١١١٩] مسألة: قال: ولا يباع القمح في تبنه، ولا بأس أن يباع قائمًا في سنبله وقت يُنْظَرُ إليه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ القمح في التبن مجهول المقدار، فلا يجوز بيعه؛ لأنَّهُ غررٌ.
ويجوز بيع السنبل؛ لأنَّهُ إنّما باع السنبل على حاله كذلك، لا الحنطة التي فيه، فبيعه كذلك جائزٌ.
وقد رَوَى حماد بن زيدٍ وابن علية، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ» (^٣)، فثبت بهذا الحديث أنَّهُ إذا ابيضَّ جاز بيعه، وفي الخبر: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ حَتَّى يَصْفَرَّ،
_________________
(١) أخرجه مسلم [٥/ ٢٠]، من حديث جابر ﵁، قال: «نهى النبيُّ ﷺ عن بيع السنين»، وفي رواية «عن بيع الثمر سنين»، وهو في التحفة [٢/ ١٨٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦١).
(٣) أخرجه مسلم [٥/ ١١]، وهو في التحفة [٦/ ٦٣].
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ» (^١)، فإذا اصفرَّ التمر جاز بيعه، فكذلك السنبل إذا ابيضَّ، وَإِلّا فلا معنى للخبر.
•••
[١١٢٠] مسألة: قال: ولا خير في بيعتين في بيعة؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه عن ذلك.
ومن باع سلعةً بعشرةٍ نقدًا، أو بخمسة عشر إلى أجلٍ، فلا يجوز (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البائع ينتقل من خمسة عشر في ذمَّة المشتري إلى أجلٍ إلى عشرة نقدًا يبيعها به، أو من عشرةٍ نقدًا إلى خمسة عشر إلى أجلٍ، فيدخله الربا.
ومعنى ذلك عند مالكٍ: إذا قال: «قد وجبت السلعة لك بأحد الثمنين»، فأمّا إذا لم يوجبها وكان المشتري مخيرًا: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فلا بأس بذلك، وقد فسر مالك ذلك في غير هذا المكان، وهذا هو معنى بيعتين في بيعةٍ التي نهى رسول الله صلى الله عليه عنه.
فرَوَى يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٦٣]، وابن أبي شيبة [١٠/ ٥٠٥].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٦١)، المختصر الصغير، ص (٥٦١)، المدونة [٣/ ٢٢٦].
(٣) أخرجه أبو داود [٤/ ١٦٨]، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا»، وهو في التحفة [١١/ ١٨].
[ ٢ / ٢٤٤ ]
ورواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ ﷺ (^١).
•••
[١١٢١] مسألة: قال: ومن قال لرجلٍ بين يديه صبرةٌ (^٢): «أشتري منك التمر: إردبين (^٣) الصَّيْحَانِي (^٤) والعجوة (^٥) ثلاثة، والقمح الأبيض إردبين (^٦) والأسمر (^٧) ثلاثة»، فلا يجوز (^٨).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يدخله التفاضل في الجنس الواحد.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند [١١/ ٢٠٣] بهذا اللفظ، وهو عند أبي داود [٤/ ١٨٢]، والترمذي [٢/ ٥١٥]، وابن ماجه [٣/ ٣٠٨]، وهو في التحفة [٦/ ٣٠٤].
(٢) قوله: «صبرةٌ»، هي الكومة المجموعة من الطعام، ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، ص (١٤٠)، الفروع لابن مفلح [٤/ ٢٧]
(٣) قوله: «إردبين»، هي مثنى إردب، وهو كيل معروف بمصر، يعادل أربعة وستين منًّا، والمنُّ رطلان، ويعادل أيضًا أربعة وعشرين صاعًا نبويًا، ينظر: المصباح المنير، ص (٢٢٤).
(٤) قوله: «الصَّيْحَانِي»، هو ضرب من تمر المدينة، أسود صلب المضغ، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٢٧٥).
(٥) قوله: «والعجوة»، كذا في شب، ولعلها: «أو العجوة»، كما في الموطأ [٤/ ٩٥٩]؛ إذ السياق في مسائل بيعتين في بيعة، والله أعلم.
(٦) قوله: «إردبين»، ساقطة من المطبوع.
(٧) قوله: «والأسمر»، لعلها: «أو الأسمر»، كما تقدم.
(٨) المختصر الكبير، ص (٢٤٨)، الموطأ [٤/ ٩٥٩]، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٩)، الاستذكار [٢٠/ ١٧٥].
[ ٢ / ٢٤٥ ]
ويدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنَّهُ ينتقل من صنفٍ إلى صنفٍ غيره أقل منه أو أكثر، وذلك مكروهٌ.
•••
[١١٢٢] قال: ومن قال لرجلٍ: «أشتري منك تمر نخلةٍ من حائطك، أختارها بدينارٍ»، فلا يجوز ذلك؛ لأنَّهُ يترك كيلًا (^١) ويأخذ غيره، وفي ذلك تفاضلٌ، فيكون كأنه اشترى بعض ذلك ببعضٍ متفاضلًا (^٢).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك، وهي أنَّهُ ينتقل من تمر نخلةٍ إلى تمر نخلةٍ أخرى أقل منه أو أكثر، فيدخل ذلك التفاضل في التمر، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١١٢٣] مسألة: قال: ومن باع سلعةً بدينارٍ نقدًا أو باثنين إلى شهرٍ، فُسِخ ذلك، فإن فاتت السلعة ردَّت إلى قيمتها نقدًا، ولا يعطي أقل الثمنين إلى أقصى الأجلين (^٣)
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيعتين في بيعة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك (^٤).
_________________
(١) قوله: «كيلًا»، كذا في شب، وفي المطبوع: «نخيلًا».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٨)، الموطأ [٤/ ٩٠٨]، الاستذكار [١٩/ ١٦٨]، الجامع لابن يونس [١٣/ ٨٤٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٨).
(٤) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٢٠.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
ووجه كراهيته: أنَّهُ ينتقل من أحد الثمنين إلى الآخر على ما فسرناه.
فيفسخ البيع إن كان قائمًا، فإن فاتت السلعة رجع إلى قيمتها؛ لأنَّ المبيع الفاسد إذا تلف رُجِعَ إلى قيمته يوم القبض، لا إلى الثمن المسمى.
•••
[١١٢٤] مسألة: قال: ولو قال رجلٌ لرجلٍ: «خذ هذا الثوب بدينارٍ نقدًا، أو بخمسةٍ إلى شهرٍ»، وكلاهما بالخيار في الأخذ أو الترك، فلا بأس به، وإن كان قد وجب على أحدهما أحد الثمنين بخيارٍ في ذلك، فلا خير فيه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا لم يجب أحد الثمنين على المشتري فليس فيه انتقالٌ من ثمنٍ إلى ثمنٍ؛ لأنَّ المشتري إن شاء أخذ وإن شاء ترك.
وإذا وجب البيع بأحدهما، دخله الانتقال من أحد الثمنين إلى الآخر، وذلك ربا وغررٌ (^٢).
•••
[١١٢٥] قال: ومن باع ثوبًا بدينارٍ على أنْ يعطَى به حنطةً إلى شهرٍ (^٣)، فلا بأس به؛ لأنَّهُ إنّما وجب بالحنطة (^٤).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك؛ لأنَّهُ لو ابتدأ بيع الثوب بحنطةٍ معلومةٍ إلى
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٨).
(٢) هذا هو آخر ما هو موجود من كتاب البيوع، وما بعده مفقود.
(٣) قوله: «إلى شهرٍ»، مثبت في شب، وساقط من المطبوع.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤١).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
شهرٍ جاز، فكذلك إذا قال إنَّهُ يأخذ بالدينار حنطةً إلى شهرٍ؛ لأنَّ ذكر الدينار لغوٌ، وإنما وقع البيع بالحنطة إلى شهرٍ.
وقد ذكر ابن القاسم وابن وهبٍ عن مالكٍ أنَّهُ قال: «إنّما يُنْظَر في البيوع إلى حُسْنِ الفعل لا حسن القول، فإن حَسُنَ الفعل جاز البيع وإن قبح القول، وإن قبح الفعل لم يجز وإن حسن القول» (^١).
•••
[١١٢٦] مسألة: قال: وإن قال رجلٌ لرجلٍ: «خذ هذا الثوب بدينارٍ، وهذا الآخر باثنين، خذ أيهما شئت فقد وجب»، فلا خير فيه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ ينتقل من أحد الثمنين إلى الآخر على ما ذكرناه، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١١٢٧] قال: ومن باع لرجلٍ غائبٍ طعامًا، وزعم أنَّهُ لرجلٍ كتب إليه فيه، فيقول المبتاع: «أنا أشتري منك، فإن أقرَّ (^٣) لي بَرِئْتَ، وإن لم يُقر (^٤) لي فأنت لهذا الطعام ضامنٌ»، فلا بأس بذلك.
_________________
(١) ينظر: المدونة [٣/ ١٦٩].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤١).
(٣) قوله: «أقرَّ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «أقررت».
(٤) قوله: «يُقر»، كذا في شب، وفي المطبوع: «تقر».
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وكذلك الرّجل يبتاع الغلام للرجل بالسوق (^١).
• يعني: برئت من العهدة؛ لأنَّهُ إذا ثبت أنَّهُ لغيره كانت العهدة على البائع، وبيعه جائزٌ على صاحبه دون الوكيل أو المأمور ببيعه، وإذا لم يثبت أنَّ المبيع لغيره، كانت العهدة على البائع، وبيعه جائزٌ على ما شرطه.
•••
[١١٢٨] مسألة: قال: ومن واقف (^٢) رجلًا على سلعةٍ، فأركن (^٣) إلى مبايعته، فلا يجوز لأحدٍ أن يزيد عليه؛ لِمَا نهى رسول الله ﷺ: أن لا يبيع بعضكم على بيع بعضٍ.
ولا بأس أن تُوقَف السلعة للبيع، فيسوم هذا ويسوم هذا عن غير موافقةٍ (^٤) (^٥).
• إنّما قال: «إنَّهُ لا يبيع على بيع أخيه»، وذلك إذا تواقفا وركنا إلى البيع، لأنَّ في ذلك ضررًا على النّاس وفسادًا عليهم متى باع بعضهم على بيع بعض.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤١).
(٢) قوله: «واقف»، يعني: حبس، من الوقف وهو الحبس، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٤٩٢).
(٣) قوله: «فأركن»، كذا في شب، أي: ركن إلى مبايعته، ينظر: جمهرة اللغة [٢/ ٧٩٩]، وفي المطبوع: «فإن ركن».
(٤) من قوله: «ولا بأس أن تُوقَف السلعة»، على هذا الموضع، ساقط من المطبوع.
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٤١)، المختصر الصغير، ص (٥٦٢)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٤٢]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٨٧].
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وقد رَوَى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (^١).
ورَوَى مالكٌ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثله (^٢).
فإذا لم يتواقفا ولم يركنا إلى البيع، فلا بأس أن يسوم غيره، ولو منع غيره من السوم، لأضرَّ ذلك بالبائع، ولأُخِذت السلعة بأقل من ثمنها كما قال مالك، وذلك ضررٌ يدخل عليه.
•••
[١١٢٩] مسألة: قال: ولا يجوز البيع والسلف؛ لِمَا نُهِي عنه.
فمن فعل فترك الشرط ما لم يقبض السلعة (^٣)، فالبيع جائزٌ (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ» (^٥)، رواه عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ ﷺ؛ لأَّن ذلك يؤدِّي إلى جهلٍ بالثمن إن
_________________
(١) أخرجه مالك [٤/ ٩٨٥]، ومن طريقه البخاري (٢١٦٥)، ومسلم [٥/ ٣]، وهو في التحفة [٦/ ٢٠٨].
(٢) أخرجه مالك [٤/ ٩٨٥]، ومن طريقه البخاري (٢١٥٠)، ومسلم [٥/ ٤].
(٣) قوله: «السلعة»، عليها علامة إلحاق، وفي الحاشية: «نسخة: السلف»، ونحوه في التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩٨].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤١)، المدونة [٣/ ١٧٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩٨].
(٥) أخرجه أبو داود [٤/ ١٨٢]، وهو في التحفة [٦/ ٣٠٤]، وقد تقدَّم.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
كان المسلِفُ المشتري؛ لأنَّ البائع باع السلعة بالثمن ومنفعة السلف، ومبلغ منفعتها مجهولٌ.
فإن كان المسلف البائع، فهو قرضٌ جر منفعةً وليس فيه جهلٌ بالثمن؛ لأنَّ البائع إنّما أقرض المشتري؛ لأنَّهُ اشترى منه.
فإذا ترك القرض قبل قبضه جاز العقد؛ لأنَّ منفعة القرض لم تحصل لمن شرطه.
وإذا حصلت منفعة القرض بالقبض، فسخ البيع وردت السلعة إلى القيمة؛ لأنَّ الثمن قد دخله جهلٌ وفسادٌ (^١).
•••
[١١٣٠] قال: ولا يجوز تلقي السلع حتى يُهبَط بها إلى الأسواق (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لنهي رسول الله ﷺ عن تلقي السلع حتى يُهبَط بها إلى الأسواق.
رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبْتَعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» (^٣).
ورَوَى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ تَلَقِّي
_________________
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٩٩]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤١)، المختصر الصغير، ص (٥٦٣)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٤٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٨٩].
(٣) تقدَّم تخريجه في المسألة رقم ١١٣٢.
[ ٢ / ٢٥١ ]
السِّلَعِ» (^١)، معنى ذلك، لئلا يستبدّ الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف والتقلل، فيؤدِّي ذلك إلى الضرر بهم في معاشهم (^٢).
ولهذا المعنى قال مالك: «إنَّهُ يُشْرَكُ بينهم إذا تلقوا السلع»؛ ليزول الضرر عن جملة الناس، وليأخذ السلعة من أراد من أهل الضعف، ولا ينفرد بشرائها أهل القوة بالتلقي لها.
•••
[١١٣١] قال: ومن تلقَّى سلعةً فاشتراها، بيعت لأهل الأسواق بمثل ما اشترى به، وشركوه فيها إن شاؤوا، وإن باع بربحٍ، فلا نرى ذلك الربح له جائزًا (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ ممنوعٌ من التلقِّي؛ لئلا ينفرد بالشراء، فكذلك لا يجوز له أن ينفرد بالربح دون سائر الناس، إلّا أن يحبوا ترك ذلك له.
•••
[١١٣٢] قال: وقد نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، والحاضرون أهل القرى، والبادون أهل البدو، ولا يباع لهم ولا يشار عليهم، ولا بأس بالاشتراء لهم (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم [٥/ ٥]، وهو في التحفة [٦/ ١٥١].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٩١]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤١)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٤٦]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٨٩].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٢)، المختصر الصغير، ص (٥٦٣)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٤٧]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩١].
[ ٢ / ٢٥٢ ]
• معنى نهْي رسول الله ﷺ عن بيع الحاضر للباد، هو لأنْ يتسع النّاس بما يجلبه أهل البادية من السلع إليهم، ويرتفقون برخص ما يشترونه منهم، وبخاصة بالمدينة، لضيق الشّيء عليهم كان (^١)؛ لأنَّ الحاضر يعرف الأسعار ما لا يعرفها البدوي، فأراد النبيُّ ﷺ أن يصيب النّاس منهم فيما يبيعونه من السلع.
فأمّا الاشتراء لهم فلا بأس؛ لأنَّهُ ليس فيه تضييق سعر ما يحملونه مما بالناس إليه حاجةٌ، فلهذا قال مالكٌ: «إنَّهُ لا يباع لهم، ويشترى لهم».
فرَوَى مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» (^٢).
ورَوَى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قُلْتُ: مَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟، قَالَ: لَا يَكُونُ له سِمْسَارًَا» (^٣).
ورواه يونس (^٤)، عن الحسن، عن أنس عن النبيِّ ﷺ (^٥).
•••
_________________
(١) قوله: «كان»، كذا يمكن أن تقرأ.
(٢) تقدَّم قريبًا.
(٣) متفق عليه: البخاري (٢١٥٨)، مسلم [٥/ ٥]، وهو في التحفة [٥/ ١٠].
(٤) يونس بن عبيد بن دينار العبدي البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٠٩٩).
(٥) أخرجه أبو داود [٤/ ١٥٩]، بهذا الإسناد، وهو في الصحيحين من طريق ابن سيرين عن أنس، البخاري (٢١٦١)، مسلم [٥/ ٦]، وهو في التحفة [١/ ١٦٨].
[ ٢ / ٢٥٣ ]
[١١٣٣] مسألة: قال: ولا بأس بأن يبعث البدوي إلى الحاضر، يشتري له السلعة (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا مباحٌ ليس شيءٌ يمنع منه، ولو كان البدوي حاضرًا، لجاز للحاضر شراؤه له؛ لأنَّ المنع إنّما هو في البيع له، لا في الشراء له.
•••
[١١٣٤] مسألة: قال: ولا ينبغي أن (^٢) يُقَرَّ الغش في شيءٍ من أسواق المسلمين (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغش ممنوعٌ من فعله، فيجب على الإمام المنع من ذلك؛ لأنَّهُ ضررٌ وفسادٌ يدخل على الناس.
وقد رَوَى ابن مسعود، عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (^٤).
وقال لحبان: «إِذَا بِعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ» (^٥).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٢)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٤٨]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩١].
(٢) قوله: «ينبغي أن»، مثبت في شب، وساقط من المطبوع.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٢)، النودر والزيادات [٦/ ٢٧٤]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٨٧].
(٤) أخرجه ابن حبان [٢/ ٣٢٦]، والطبراني في المعجم الكبير [١٠/ ١٣٠].
(٥) متفق عليه: البخاري (٢١١٧)، مسلم [٥/ ١١]، وهو في التحفة [٥/ ٤٦١].
[ ٢ / ٢٥٤ ]
والغش منكَرٌ، ولا يجوز ترك المنكَر في أسواق المسلمين.
•••
[١١٣٥] مسألة: قال: ولا يجوز التسعير على أهل الأسوق، وذلك ظلمٌ، ولكن من حطَّ من السعر قيل له: «الْحَقْ وَإِلّا فاخرجْ» (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإنسان مسلطٌ على ماله، فله أن يبيع كيف شاء ما لم يُفْسِد على النّاس في بيعه، والتسعيرٌ غير جائز؛ لأنَّهُ لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلّا عن طيب نفسه.
وقد رَوَى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: «غَلَا السِّعْرُ بِالمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غَلَتِ الأَسْعَارُ، فَلَوْ سَعَّرْتَ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ هُوَ المُسَعِّرُ، وَالقَابِضُ وَالبَاسِطُ وَالرَّزَاقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ ﷿ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلِمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (^٢).
ورَوَى مالك، عن يونس بن يوسف (^٣)، عن سعيد بن المسيب: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٢)، المختصر الصغير، ص (٥٦٣)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٥٠]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩٣]، وقوله: «الحق»: أي: الحَقْ بسعر أهل السوق.
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ١٦٥]، والترمذي [٢/ ٥٨٢]، وابن ماجه [٣/ ٣١٩]، وهو في التحفة [١/ ١١٨].
(٣) يونس بن يوسف بن حماس الليثي، ثقة عابد، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١١٠٠).
[ ٢ / ٢٥٥ ]
الخَطَّابِ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًَا لَهُ في السُّوقِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا» (^١).
فلهذا قال مالك: «يقال له: الْحَقْ وَإِلّا فاخرجْ».
•••
[١١٣٦] مسألة: قال: ولا يجوز احتكار الطعام في أسواق المسلمين؛ لأنَّ ذلك يَضُرُّ بهم، يقل وينقص، وهو (^٢) أضرّ بالناس، لم يخلَّ بينه وبين ذلك (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حكره الطعام وغيره مما لا بد للناس منه فيه ضررٌ على الناس؛ لأنَّ بهم حاجةٌ إلى القوت وما يصلح قوتهم ولا تقوم أبدانهم على عدمه.
وقد رَوَى حاتم بن إسماعيل (^٤)، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن المسيب، عن معمر بن عبد الله، عن النبيِّ صلى الله عليه أنَّهُ قال: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه مالك [٤/ ٩٤٢]، والبيهقي في السنن الكبرى [١١/ ٤١٢].
(٢) قوله: «وهو»، عليها علامة إلحاق، وفي الحاشية: «نسخة: من».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٢)، المختصر الصغير، ص (٥٦٤)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٥٣]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩٥].
(٤) حاتم بن إسماعيل المدني الحارثي مولاهم، صحيح الكتاب صدوق يَهِمُ، من الثامنة، تقريب التهذيب، ص (٢٠٧).
(٥) أخرجه مسلم [٥/ ٥٦]، وهو في التحفة [٨/ ٤٦١].
[ ٢ / ٢٥٦ ]
ورَوَى علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، وسمعته يقول: قال عمر: قال رسول الله ﷺ: «الجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (^١).
•••
[١١٣٧] مسألة: قال: ومن جلب الطعام إلى بلدٍ، خُلِّيَ بينه وبينه (^٢) (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في ذلك منفعةً للناس؛ لأنَّهُ يوسع عليهم ويبيعه منهم إذا احتاجوا، ولم يَضِقْ عليهم شراؤه من بلدهم، فلا يمنع من بيعه كيف شاء، وقد قال النبيُّ ﷺ: «الجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ».
•••
[١١٣٨] مسألة: قال: وحكرة غير الطعام مما يضر بالناس مثل ذلك (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا فرق بين الطعام وغيره في الحكرة؛ لحاجة النّاس إلى ذلك كله، فيمنع من الضرر الذي يلحقهم فيه، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (^٥).
•••
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه [٣/ ٢٨١]، وهو في التحفة [٨/ ٢٦].
(٢) في مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤): «خليّ بينه وبينه، يذهب به حيث شاء، ويبيعه كيف شاء».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٢)، المختصر الصغير، ص (٥٦٤)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩٦].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٢)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٥٣].
(٥) أخرجه مالك [٤/ ١٠٧٨]، والدارقطني [٤/ ٥١].
[ ٢ / ٢٥٧ ]
[١١٣٩] مسألة: قال: ولا يجبر النّاس على إخراج الطعام في الغلاء (^١).
• يعني: لا يجبرون على إخراج الطعام وبيعه؛ لأنَّهُ ملكهم، إن شاؤوا باعوا وإن شاؤوا تركوا، وإنما الممنوع منه أن يشتروا من السوق فيضيِّقُوا على الناس، وأمّا إذا كان له طعامٌ من ضيعةٍ له أو وهب له أو غير ذلك، فلا يجبر على إخراجه وبيعه.
•••
[١١٤٠] قال: ولا يُخْرَجُ الطعامُ من سوق بلدٍ إلى غيره إذا كان ذلك يضر بهم، وإن لم يضر بهم، فلا بأس أن يشتريه من احتاج إليه (^٢).
• يعني: إذا كان يضر إخراجه من سوقٍ لم يجز؛ لأنَّهُ ضررٌ يدخل على جملة الناس، وذلك ممنوعٌ منه.
فأمّا إذا كان لا يضر ذلك بالناس فجاز إخراجه، ولا يجوز منعه؛ لأنَّ في ذلك ضررًا على الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضَرَارَ».
وكما لا يجوز أن يضر هو بالناس في الحكرة والتضييق عليهم، فكذلك لا يجوز أن يُضَر به في البيع إذا كان لا يضر إخراجه بالناس (^٣).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٢)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٥٤]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٢)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩٧].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٩٧]، هذا الشرح عن الأبهري، ولم يشر إليه.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
[١١٤١] مسألة: قال: وقد نُهي عن الدَّين بالدَّين، وهو أن يشتري رجلٌ من رجلٍ دَينًا عليه، بدَينٍ إلى أجلٍ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ: «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ» (^٢).
رَوَى ابن أبي زائدة، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ»، وهو الدَّين بالدَّين.
ولا نعلم خلافًا في أنَّ الدَّين بالدَّين لا يجوز؛ لأنَّ ذلك غررٌ، ينتقل من دَينٍ لم يحصل له إلى دَينٍ آخر لا يدري هل يحصل له أم لا.
وقد رَوَى الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «لَا يُبَاعُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ» (^٣).
•••
[١١٤٢] مسألة: قال: ومن حل له دَينٌ، فلا يصرفه في دَينٍ (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لنهي رسول الله ﷺ عن الدَّين بالدَّين.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٣)، المختصر الصغير، ص (٥٦٤)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٠١].
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، إلّا أن يكون الحديث الذي بعده.
(٣) تقدَّم ذكره أول كتاب البيوع.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٣).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
[١١٤٣] مسألة: قال: ومن حل له دَينٌ، فلا يأخذ به ثمرةً يستجنيها (^١)، ولا دارًا يسكنها، ولا أرضًا يزرعها، ولا جاريةً يستبرئ (^٢) مثلها (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا يتهيَّأ له تنجّز المنفعة كلها مما انتقل إليه من دَينه في حال العقد، فكأنه انتقل من دَينٍ له إلى شيءٍ لم يقبضه في الحال.
وهذا يشبه أن يكون كراهَةً من مالكٍ لا تحريمًا؛ لأنَّ أحد الطرفين منفعته حاصلةٌ، فهو كبيع شيءٍ نقدٍ بدَينٍ إلى أجلٍ، وقد أجاز مالكٌ شراء ثمرةٍ قد بدا صلاحها بدَينٍ إلى أجلٍ (^٤).
وقال أشهب عن مالك في هذا كله: «لا بأس به» (^٥)، وهو قول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (^٦).
_________________
(١) قوله: «ومن حلّ له دَينٌ، فلا يأخذ به ثمرةً يستجنيها»، ذكره في التفريع [٨/ ١٠١]، مع شرح التلمساني بلفظ: «ومن كان له دَينٌ على رجلٍ، فلا يجوز أن يفسخه في شيءٍ يتأخّر قبضه، مثل ثمرةٍ يجنيها».
(٢) قوله: «يستبرئ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «يشتري».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٣)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٠١]، شرح البخاري لابن بطال [٨/ ١٠١].
(٤) تنظر المسألة رقم ١١٠٦، المدونة [٣/ ١٧٠].
(٥) ينظر: الجامع لابن يونس [١٢/ ٦٧٨]، شرح ابن ناجي التنوخي على التفريع [٤/ ٢٠٨].
(٦) ينظر: التبصرة للخمي [٩/ ٤١٩٦].
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وحكى ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالكٍ كراهة ذلك (^١)؛ لأنَّهُ لا يتعجَّل في الحال، بل يتأخر ذلك.
والقياس إجازته لِمَا ذكرناه؛ لأنَّ الدَّين بالدَّين المنهي عنه: هو أن يكون الثمن والمثمن دَينًا، فإذا كان أحدهما دَينًا والآخر عينًا جاز ذلك (^٢).
•••
[١١٤٤] مسألة: قال: ولا خير في الدَّينِ بالدَّينِ إلى أجلٍ واحدٍ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لعموم نهي رسول الله صلى الله عليه عن الدَّين بالدَّين، وسواءٌ كان ذلك إلى أجلٍ واحدٍ أو آجالٍ مختلفةٍ.
•••
[١١٤٥] مسألة: قال: ومن حلَّ له دَينٌ، فليَحْتَلْ به فيما قد حل وفيما لم يحل (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الدَّين الذي قد حل دَينه قد فعل معروفًا في الحوالة إذا انتقل مما قد وجب له إلى غير الذي له عليه الدَّين، سواءٌ حلَّ الدَّين الذي انتقل إليه أم لا، بعد أن يكون دينه الذي انتقل منه قد حل.
فإن كان دَينه لم يحل، لم يجز له أن يحتال به في شيءٍ حل له أو لم يحل؛
_________________
(١) ينظر: المدونة [٣/ ١٧٠].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ١٠٢]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٣).
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٣)، التفريع مع شرح التلمساني [٩/ ٢٣٨].
[ ٢ / ٢٦١ ]
لأنَّ انتقاله على هذا الوجه هو متاجرةٌ وليس هو بمعروفٍ فعله بصاحبه؛ لأنَّ حقه لم يجب عليه بعد، والحوالة مستثناةٌ من الدَّين بالدَّين، وإنما أجيزت إذا كان الدَّين حالًا، فإذا لم يحل لم تجز.
وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ، فَلْيَتْبَعْهُ» (^١)، فدل هذا الحديث، على أنَّ الحوالة إنّما تجوز في الحق الحال دون ما لم يحل.
•••
[١١٤٦] مسألة: قال: ومن كان له دَينٌ لم يحل، فلا يَحْتَل به في شيءٍ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الحوالة إنّما أجيزت في الدَّين الحال دون غيره.
•••
[١١٤٧] قال: ومن أعطى نسَّاجًا دينارًا على ثوبٍ «ستًا في ثلاثٍ» والغزل من عند النَّسَّاج، ثمّ زاده على أن يزيده في الذرع، فأرجو أن لا يكون به بأس (^٣).
_________________
(١) أخرجه مالك [٤/ ٩٧٢]، ومن طريقه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم [٥/ ٣٤]، وهو في التحفة [١٠/ ١٨٨].
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٣).
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٣)، المدونة [٣/ ١١٣]، البيان والتحصيل [٤/ ٢٤٣].
[ ٢ / ٢٦٢ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ إنّما زاده في الكراء (^١) ليزيده في الأذرع، وليس هو انتقالٌ من دَينٍ إلى دَينٍ؛ لأنَّهُ لم يستثن (^٢) شيئًا دَينًا، ولا انتقل من دَينٍ إلى غيره.
•••
[١١٤٨] قال: ومن كان له على خياطٍ درهمٌ، فاستخاطه ثوبًا بدرهمٍ، ثمّ قاصَّه به، فلا خير فيه حتى يقبضه ويدفعه إليه إن شاء (^٣).
• إنّما كره ذلك؛ لأنَّ خياطة القميص بتأخرٍ، فأشبه ذلك الانتقال من دَينٍ إلى ثمرةٍ قد بدا صلاحها، وهو فيكره هذا؛ لأنَّها لا تقبض في الحال.
وقد أجاز ذلك أشهب؛ لأنَّ هذا ليس دَينًا بدَينٍ.
•••
[١١٤٩] مسألة: قال: ومن حلَّ له دَينٌ فقبضه، ثمّ سلفه الذي اقتضاه منه في سلعةٍ إلى أجلٍ، فذلك مكروهٌ إذا كان في مكانه وعند قبضه (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ قد حصل له الدَّين بالدَّين؛ من قِبَل أنَّهُ انتقل من دَينه إلى سلعةٍ إلى أجلٍ، والقبض الذي كان بينهما لغوٌ لم تتحصل منفعته لربِّ الدَّين.
_________________
(١) قوله: «الكري»، عليها علامة إلحاق، وفي الحاشية: «نسخة: الثمن».
(٢) قوله: «يستثن»، عليها علامة إلحاق، وفي الحاشية: «نسخة: يشتر».
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٣).
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٣).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وقد ذكرنا أنَّ مالكًا يراعي في البياعات حسن الفعل، لا حسن اللفظ إذا قبح الفعل (^١).
•••
[١١٥٠] مسألة: قال ومن كان له دَينٌ، فاشترى به ثمرةً قد بدا صلاحها من رجلٍ وأحاله على دَينه، حلَّ الدَّين أو لم يحل، فلا بأس به.
وكذلك لو اكترَيْتَ دابَّةً أو دارًا أو راحلةً بدَينك الذي على الرجل، فلا يصلح أن تأخذ ذلك من دَينٍ لك على الرجل، لا حل ولا لم يحل (^٢).
• إنّما أجاز أن يشتري بدينه الذي على زيدٍ ثمرةً من عمرٍو قد بدا صلاحها، أو يكتري منه دابَّةً أو دارًا يقبضها؛ من قِبَل أنَّ المعاملة انقطعت بينه وبين زيدٍ، وصارت بينه وبين عمرٍو، فجاز ذلك؛ لأنَّهُ بيع دَينٍ بعينٍ.
ولم يجز أن يأخذ من زيدٍ الذي عليه الدَّين ذلك؛ لأنَّ المعاملة لم تنقطع بينه وبين زيدٍ، وإنما انتقل من دَينٍ إلى دَينٍ آخر، وذلك مكروهٌ.
وقد أجاز أشهب (^٣) ذلك كلّه، وهو القياس.
•••
_________________
(١) تقدَّم في المسألة رقم ١١٢٥.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٣)، المدونة [٣/ ١٧٠].
(٣) ينظر المسألة رقم ١١٤٣.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
[١١٥١] مسألة: قال: ولا بأس أن يشتري الرّجل للرجل الحاجة يكتب إليه فيها بثمنٍ من عنده، ثمّ يكتب إليه أن يسلفه في بعض ما يرجى فيه الفضل (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا لا يحصل على وجه الدَّين بالدَّين؛ لأنَّهُ معروف، وإنما يسلف له إلى غيره، وليس ينتقل من شيءٍ له إلى غيره فلا يقبضه، إنّما هو ابتداء سلفٍ.
•••
[١١٥٢] مسألة: قال: وإن كانت لرجلٍ على رجلٍ ذهبٌ، وله عليه مثلها إلى أجلٍ واحدٍ، فلا بأس أن يتتاركا، حلَّت أو لم تحل، فإن اختلف الأَجَلُ، فلا خير فيه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأجل إذا كان واحدًا، صارت مقاصَّةً، قاص أحدهما صاحبه بالذهب الذي له ذهب صاحبه، فصارت كأنها ذهبٌ بذهبٍ ناجزٍ.
وإذا اختلف الأُجُلُ لم يجز؛ لأنَّهُ يصير في معنى بيع ذهبٍ حاضرةٍ بذهبٍ غائبةٍ، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّهُ بيع ذهبٍ إلى أجلٍ بذهبٍ نقدًا، وذلك غير جائزٍ، فكذلك إذا اختلفت آجال الذهب لم يجز أن يتقاصّا؛ لأنَّهُ يصير بيع ذهبٍ بذهبٍ إلى أجلٍ.
وكذلك إذا كان أحد الحقين ذهبًا والآخر فضةً، جاز أن يتتاركا إذا كان الأجل قد حل، وإن لم يحل الأجل أو حل أحدهما أو كانت آجالًا مختلفةً، لم
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٤).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٤).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
يجز أن يتتاركا إذا لم يحلا جميعًا؛ لأنَّ ذلك يصير ذهبًا بفضةٍ متأخِّرةٍ، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١١٥٣] مسألة: قال: ولا بأس أن يبتاع الرّجل من الرّجل الطعام إلى أجلٍ، ويأتيه بالدنانير من الغد (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا ليس هو دَينًا بدَينٍ، وإنما هو بيع دَينٍ بعينٍ وتأخَّر الثمن، وهذا المقدار يسيرٌ؛ لأنَّهُ لم يقصد فيه إلى تأخيرٍ ولم يشترط تأخيره، فجاز ذلك.
•••
[١١٥٤] مسألة: قال: ولا نحب للرجل أن يكون له على رجل دَينٌ فيكتب إليه إذا حل: «سلفه لي في كذا وكذا»، ولكن يأمر بذلك غيره (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لجواز أن يعطيه من عنده السلعة في الأجل الذي أمره بالسلف فيها إليه، فيصير دَينًا بدَينٍ.
ويأمر غيره بذلك؛ ليزول ما يكره في ذلك.
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٤).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٤)، المدونة [٣/ ٨٢].
[ ٢ / ٢٦٦ ]
[١١٥٥] مسألة: قال: ولا بأس أن يبيع الرّجل التمر كيلًا أو الطعام على مسيرة الأيام، بدَينٍ إلى أجلٍ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيع عينٍ معلومةٍ حاضرةٍ بدَينٍ إلى أجلٍ، فلا بأس بذلك، والدَّين بالدَّين إنّما منع منه إذا كان الثمن دَينًا والمثمن دَينًا، فأمّا إذا كان أحدهما دَينًا والآخر عينًا جاز ذلك.
•••
[١١٥٦] مسألة: قال: ولا يجوز لرجل أن يكون له الدَّين على رجلٍ إلى أجلٍ، فيعجل له بعضه قبل محله ويضع عنه بعضه (^٢) (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يدخله بيع الذهب بالذهب أقل منه، ويدخله بيع غائبٍ بناجزٍ.
وكذلك في الفضة بالفضة كالذهب، وكذلك الذهب بالفضة يدخله بيع غائبٍ بناجزٍ.
فأمّا العروض فيدخله بيع شيءٍ من صنف بشيءٍ أكثر منه أو أقل إلى أجلٍ من صنفه، وذلك غير جائزٍ عند مالكٍ؛ لأنَّهُ يدخله قرضٌ جرَّ منفعةً وزيادةً بطرح الضمان، وذلك غير جائزٍ (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٤).
(٢) قوله: «بعضه»، مثبتة فوق السطر، ووضع بجنبها: «صح»، وهي غير مثبتة في المطبوع.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٤)، المختصر الصغير، ص (٥٦٥)، المدونة [٣/ ١٧٢]، النوادر والزيادات [٦/ ١٣١]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٠٣].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ١٠٣]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وقد رُوِيَ عن عمر (^١)، وزيد بن ثابت (^٢)، وسليمان بن يسار (^٣)، وغير واحدٍ من العلماء أنهم نهوا عنه.
ورَوَى سفيان بن عيينة، قال: سمع عمرو (^٤) أبا المنهال (^٥) قال: «كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ إِلَى أَجَلٍ، فَقَالَ: ضَعْ عَنِّي وَأُعَجِّلُ لَكَ مَالَكَ، فَسَأَلْتَ ابْنَ عُمَرَ، فَنَهَانِي وَقَالَ: نَهَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَنْ نَبِيعَ العَيْنَ بِالدَّيْنِ» (^٦).
•••
[١١٥٧] مسألة: قال: ولا خير في أن يأخذ بعضًا عرضًا وبعضًا عينًا (^٧).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير بيع عرضٍ وعينٍ بعرضٍ، إذا كان أصل الدَّين من سلم ذهبٍ أسلم إليه، وإن كان من صنفه، دخله ما وصفنا من بيع شيءٍ من صنفٍ بأقل منه أو أكثر إلى أجلٍ، وذلك غير جائزٍ.
_________________
(١) ينظر أثر عمر في الفقرة التالية.
(٢) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٧١].
(٣) ينظر: المدونة [٣/ ١٧٢].
(٤) هو عمرو بن دينار، وقد تقدَّمت ترجمته.
(٥) عبد الرحمن بن مطعم البناني البصري نزل مكة، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٥٩٩).
(٦) أخرجه عبد الرزاق [٨/ ٧٢]، والبيهقي في الكبرى [١١/ ٤٠٩].
(٧) المختصر الكبير، ص (٢٤٤)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٠٣].
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وإن كان من غير صنفه، جاز ذلك؛ لأنَّهُ يصير بيع شيءٍ من صنفٍ بأقل منه أو أكثر إلى أجلٍ، وذلك جائزٌ.
•••
[١١٥٨] مسألة: قال: ولا بأس أن يأخذ بذلك عرضًا كله، وإن كان لا يسوى حقه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا باع دَينًا له بعرضٍ حالٍّ، وذلك جائزٌ، كان يسوى حقَّه الذي له من الدَّين أو لا.
•••
[١١٥٩] مسألة: قال: ولا بأس لمن حل له حقٌّ، أن يُعَجِّلَهُ بعضه ويؤخر عنه بعضه (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا فَعَلَ معروفًا بتأخيره بعض حقه عن الأجل الذي قد حل وأخذ بعض حقه بعد أن حل، وذلك كله جائزٌ (^٣).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٤)، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ١٠٤]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، مع شرح الأبهري.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٤)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ١٠٣].
(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ١٠٤]، هذا الشرح عن الأبهري.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
[١١٦٠] مسألة: قال: ولا يحل النجش؛ لأنَّ رسول الله ﷺ نهى عنه، وهو أن يعطي الرّجل بالسلعة العطاء ليعتبر به غيره (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ ضربٌ من الخديعة والمكر وإتلاف مال غيره، وذلك أنَّ غيره يعتبر بغشه ويقتدي به غيره.
وقد رَوَى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الغِشِّ (^٢)» (^٣).
ورَوَى ابن عيينة، عن الزهري، عن أنسٍ، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» (^٤).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٥)، المختصر الصغير، ص (٥٦٥)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤)، النوادر والزيادات [٦/ ٤٣٩]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٨٧].
(٢) قوله: «الغِشّ»، كذا في شب، ولعلَّ الصواب: «النَّجْش»، كما في مصادر التخريج.
(٣) أخرجه مالك [٤/ ٩٨٧]، ومن طريقه: البخاري (٢١٤٢)، ومسلم [٥/ ٥]، وهو في التحفة [٦/ ٢١٣].
(٤) حديث أنس: أخرجه بهذا اللفظ ابن فارس في حلية الفقهاء، ص (١٣٧)، من طريق ابن عيينة به، وقد رواه الحميدي في المسند [٢/ ٣٠٢] بدون ذكر التناجش، وقال في آخره: «فقيل لسفيان: ولا تناجشوا؟ قال: لا»، يعني: أنَّهُ غير محفوظ من حديث أنس، والحديث في الصحيحين: البخاري (٦٠٦٥) ومسلم [٨/ ٨]، بدون ذكر لفظ التناجش، وهو في التحفة [١/ ٣٨٢]. وأمّا حديث أبي هريرة، فهو متفق عليه: البخاري (٢١٤٠)، مسلم [٥/ ٤]، وهو في التحفة [١٠/ ١١].
[ ٢ / ٢٧٠ ]
[١١٦١] مسألة: قال: ولا بأس بالبيع فيمن يزيد، فإذا أوجبه عليه فلا زيادة فيه، ومن زاد فليس له أن ينزع عنه حتى يُخَلِّصَهُ غيرُهُ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ للإنسان أن يبيع ملكه كيف شاء، إن شاء مساومةً وإن شاء مزايدةً، على حسب ما يراه أصلح له.
وقد رَوَى أنسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ جلْبًَا (^٢) وَقَدَحًَا فِيمَنْ يَزِيدُ» (^٣).
وقوله: «إنَّهُ إذا أوجبه فلا زيادة فيه»، فلأنَّ البيع قد وجب بالعقد، فلا يجوز لأحدهما الرجوع فيه.
•••
[١١٦٢] مسألة: قال: ولا ويجوز البيع بعد النداء يوم الجمعة، النداء الذي يكون بين يدي الإمام يوم الجمعة، فإذا ثَبَتَ ذلك على من فعله، فُسِخَ (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، وهذا أمرٌ من الله
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٥).
(٢) قوله: «جلْبًَا»، كذا رسمها في شب، وفي مصادر التخريج: «حلسًا».
(٣) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٦٣]، والنسائي في السنن الكبرى [٦/ ٢٣]، والترمذي [٢/ ٥٠٤]، وابن ماجه [٣/ ٣١٦]، وهو في التحفة [١/ ٢٦٤].
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٥)، المختصر الصغير، ص (٥٦٥)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٧٤).
[ ٢ / ٢٧١ ]
تعالى، فهو على وجوبه إلّا أن ينقله عن ذلك دليلٌ، فمتى باع بعد النداء، كان بيعه مفسوخًا إذ ا كان ممن تلزمه الجمعة؛ لأنَّهُ أوقعه على خلاف ما أُمِر به، فكان بمنزلة من باع غررًا، ومجهولًا، ونكح وهو محرمٌ، وباع ربا، أنَّ ذلك كله مفسوخٌ؛ لنهي الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه عن ذلك، فكذلك البيع يوم الجمعة بعد النداء هو مردودٌ؛ لنهي الله تعالى عن ذلك.
فإن قيل: إنَّ بيع الغرر والآبق والمجهول والربا وأشباه ذلك، إنّما منع لعيبٍ في المبيع، ليس من أجل عيبٍ في العقد ولا الحال، والنهي عن البيع يوم الجمعة بعد النداء ليس هو من أجل عيبٍ في المبيع نفسه، فأشبه ذلك تلقي السلع والبيع على بيع الرجل (^١)؟
قيل له: لا فرق بين ما كان منهيًا عن بيعه من أجل عينه أو من أجل غير عينه لوقت أو حال، كما لم يفترق حال النهي في عقد النكاح بين ما كان من أجل غير المعقود عليها، بأن تكون أمه أو أخته أو عمة امرأته أو خالتها، أو تكون مُحْرِمَةً أو في عدَّةٍ من زوجٍ، فلمّا لم يفترق الحكم في ذلك لورود النهي فيهما، فكذلك قد ورد النهي عن البيع يوم الجمعة عند النداء.
وقد قال مخالفنا في هذه المسألة (^٢): «إنَّ من باع بيعتين في بيعهٍ فبيعه
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الفصول في الأصول للجصاص [٢/ ١٨١].
(٢) المخالف هم الحنفية والشافعية، ينظر: بدائع الصنائع [٥/ ٢٣٢]، الهداية مع العناية [٣/ ٩١]، الحاوي للماوردي [٣/ ٧٣]، المهذب مع المجموع [٤/ ٢٥٥].
[ ٢ / ٢٧٢ ]
مفسوخٌ، بمنزلة من باع غررًا وربًا ومجهولًا» (^١)، ومعلومٌ أن النهي عن البيعتين ليس من أجل عين المبيع، فبطل الفرق الذي من أجله فرَّق به.
فأمّا ما ذكر من تلقي السلع وغير ذلك والبيع على بيع الرجل، فمفسوخٌ عند مالك كلّ ذلك؛ لوقوعه على خلاف الشرط المأمور به، وكلّ من خالف ما أمر به، فُسِخ فعله ورُدَّ إذا كان الأمر واجبًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ» (^٢)، رواه القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ.
والوقت الذي يفسخ فيه البيع إذا باعه: هو أن يلزم الإنسان المجيء إلى الجمعة من المكان الذي هو فيه، فإذا باع بعد ذلك فُسِخ بيعه؛ لأنَّهُ قد باع في وقتٍ منهي عن البيع فيه؛ من أجل لزومه المجيء إلى الجمعة.
•••
[١١٦٣] مسألة: قال: ولا يجوز الربا بين الرّجل وبين عبده (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ حرم الربا على النّاس عمومًا، وسواءٌ كان ذلك بين عبده أو عبدٍ غيره، أو بينه وبين حرٍّ؛ لأنَّ العبد يملك ملكًا ما، فلا يجوز أن يكون بينه وبين سيده ربا، ولو جاز ذلك في عبده، لجاز ذلك في مكاتبه، وهذا فاسدٌ.
•••
_________________
(١) ينظر: مختصر المزني، ص (١٨٦)، الحاوي للماوردي [٦/ ٤١٩].
(٢) متفق عليه: البخاري (٢٦٩٧)، مسلم [٥/ ١٣٢]، وهو في التحفة [١٢/ ٢٥٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٥).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
[١١٦٤] مسألة: قال: ولا بأس بالجنان (^١) بالجنان، أصلهما بأرضهما، ما لم يكن فيهما ثمرةٌ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيع بستانٍ ببستانٍ، أصله وشجره بأصل الآخر وشجره، فلا بأس بذلك.
فإن كان في أحدهما ثمرٌ جاز أيضًا.
وإن كان فيهما ثمرٌ، لم يجز ذلك إن كان من جنسٍ واحدٍ على وجهٍ؛ لأنَّهُ يصير ثمر بثمرٍ متفاضلٍ مع شيءٍ غيره.
فإن كان من جنسين مختلفين جاز ذلك إذا جُدَّا مكانهما، فإن تأخر ذلك لم يجز؛ لأنَّهُ يصير ثمرًا بثمرٍ متأخرٍ، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّ الطعام بالطعام لا يجوز بيعه متأخرًا، سواءٌ كان من جنسٍ واحدٍ أو جنسين، هذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه قال: «الحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ رِبًَا إِلَّا هَا وَهَا، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَا وَهَا» (^٣) الحديث.
•••
[١١٦٥] مسألة: قال: ولا بأس بالدار بالدار ما لم يكن فيهما دَينٌ (^٤)، كان ذلك الكراء حالًا أو إلى أجلٍ (^٥).
_________________
(١) قوله: «بالجنان»، كذا في شب، وفي المطبوع: بالخيار.
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٥) النوادر والزيادات [٦/ ٢٣].
(٣) متفق عليه: البخاري (٢١٣٤)، مسلم [٥/ ٤٣]، وهو في التحفة [٨/ ١٠١].
(٤) قوله: «دَينٌ»، كذا في شب، وسيكرِّره الشارح، وفي المطبوع: «كراء».
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٤٥).
[ ٢ / ٢٧٤ ]
• يعني: أنَّهُ لا بأس ببيع دارٍ بدار؛ لأنَّ ذلك بيعٌ جائزٌ؛ لقول الله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
وقوله: «ما لم يكن فيهما دَينٌ»، يعني أن يكون معهما دراهم، سواءٌ كان ذلك من كراهما نقدًا أو إلى أجلٍ؛ لأنَّهُ يصير دراهم بدراهمٍ معهما شيءٌ غيرها نقدًا أو إلى أجلٍ، وذلك غير جائزٍ، فإن كان مع إحداهما جاز.
•••
[١١٦٦] مسألة: قال: ولا خير في الأدهان المُرَبَّبَة (^١): الحناء (^٢)، والزنبق (^٣)، والخيري (^٤) - أعني: بواحدٍ إلى أجلٍ (^٥) -.
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ منافع هذه الأدهان متقاربةٌ عنده، فهي بمنزلة صنفٍ واحدٍ، فلا يجوز بيع شيءٍ من صنفٍ إلى أجلٍ بأكثر منه من صنفه؛ لأنَّهُ يصير
_________________
(١) قوله: «المُرَبَّبَة»، كذا في المخطوط، ومعناها كما في تاج العروس [٢/ ٤٦٣]: «الأدهان التي يربب الحب المتخذ منها بالطيب». وفي المطبوع: المربية.
(٢) قوله: «الحناء»، دهن الحناء: هو الدهن المصنوع من ورق زهر شجرة الحناء، تنظر كيفية صنعه في الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار [٢/ ٣٨٥].
(٣) قوله: «والزنبق»، هو دهن الياسمين، ينظر: المغرب في ترتيب المعرب، ص (٢٠٦)، وقد تقدَّم في كتاب الحج.
(٤) قوله: «والخيري»، هو الدهن المتخذ من زهر نبات الخيري، ينظر: تاج العروس [١١/ ٢٥١]، الجامع لمفردات الأدوية والأغذية [٢/ ٢٦٨].
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٤٥).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قرضًا جر منفعةً، كأنه قد أقرضه شيئًا بأكثر منه من صنفه إلى أجلٍ، وذلك غير جائزٍ على ما بيَّنَّاه.
•••
[١١٦٧] مسألة: قال: ومن باع شاةً مُصَراةً فاحتلبها فكرهها، فإنّه يردها وصاعًا من تمرٍ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ بِالبَيْعِ، وَلَا يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» (^٢).
ورَوَى حمادٌ، عن أيوب وهشام وحبيب (^٣)، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ» (^٤).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٥).
(٢) تقدَّم تخريجه في المسألة رقم ١١٣٢.
(٣) حبيب ابن الشهيد الأزدي البصري، ثقة ثبت، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٢٢٠).
(٤) أخرجه أبو داود [٤/ ١٦١] بهذا الإسناد، وهو في الصحيحين: البخاري (٢١٥١)، ومسلم [٥/ ٦]، وفي التحفة [٩/ ٣٠٩].
[ ٢ / ٢٧٦ ]
فلهذا قال مالك: «إنَّهُ يردها إن شاء»؛ لأنَّ ذلك عيبٌ فيها لم يرض به المشتري ولا دخل عليه، فله أن يردها.
فأمّا رده صاعًا من تمرٍ، فذلك بدل اللبن الذي كان في ضرعها في حال التصرية واشْتِرَاهَا المشتري كذلك، ثمّ حلبها، فأمّا ما حدث بعد ذلك، فهو للمشتري بالضمان؛ لأنَّ الخراج للمشتري بالضمان.
ولم يجز أن يرد شيئًا مثله؛ لأنَّهُ لا يعلم كم مقدار اللبن الذي كان في الضرع فيرد مثله، وإذا لم يعلم ذلك، دخله بيع اللبن باللبن متفاضلًا، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١١٦٨] مسألة: قال: ولا بأس بأن يشتري القمح وعليه طَحْنُهُ.
ولا خير فيما سوى ذلك من فجلٍ ولا جلجلان (^١) ولا قمحٍ على أنَّ عليه الدراس (^٢) والتذرية (^٣) (^٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا بأس ببيع القمح على أنَّ على البائع طحنه، فلأنَّ ذلك بيعٌ وكريٌ، ولا بأس بالبيع والإجارة عند مالكٍ؛ لإباحة الله ﷿ ذلك
_________________
(١) قوله: «جلجلان»، هو ثمر الكُزْبرة، ويطلق في لغة اليمن على حب السمسم، ينظر: المغرب للمطرزي، ص (٨٨)، تاج العروس [٢٨/ ٢٢٤].
(٢) قوله: «الدراس»، هو الدوس، يقال: درس النّاس حنطهم، أي: داسوها، ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، ص (١٠٧).
(٣) قوله: «والتذرية»، هي تخليص الحب من التبن، ينظر: المصباح المنير، ص (٢٠٨).
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٥).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
جميعًا؛ ولأنَّ الإجارة هي بيع المنافع، فجاز أن يقترن بيعها إلى بيع الأعيان؛ ولأنَّ ما يخرج أيضًا من القمح معلوم المقدار ليس يدخله غررٌ، فكأنه باعه الدقيق.
وليس ما يخرج من الفجل والجلجلان معلومًا، فلا يجوز بيعه على أنَّ عليه طحنه؛ لأنَّهُ كأنه باع الدهن الذي يخرج منهما.
وكذلك لا يجوز بيع القمح على أنَّ عليه الدراس والتذرية - يعني بيع القمح في السنبل -؛ لأنَّ القمح في السنبل مجهول لا يُدرى كيف هو، ولا كم هو.
فأمّا السنبل بعينه فبيعه جائزٌ، وقد ذكرناه فيما تقدَّم.
•••
[١١٦٩] مسألة: قال: ولا بأس باشتراء النعل على أنَّ عليه حذوه (^١) والشِّقَّة (^٢)، وعليه خياطتها (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ذلك بيع وإجارةٌ؛ لأنَّ المشتري اشترى النعل والشقة من البائع، واكتراه على عملهما، فلا بأس بذلك؛ لأنَّهُ لو أفرد كلّ واحدٍ من البيع والإجارة بالعقد لجاز، فكذلك إذا ضمهما جاز، كما لو باع سلعتين في عقدٍ واحدٍ جاز؛ لأنَّهُ لو أفردهما جاز.
_________________
(١) قوله: «حذوه»، هو تقطيع ما يصنع منه الحذاء، ينظر: لسان العرب [١٤/ ١٦٩].
(٢) قوله: «والشقة»، هي القطعة المشقوقة التي يصنع منها الحذاء، ينظر: لسان العرب [١٠/ ١٨٢].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٦)، البيان والتحصيل [٤/ ٢٣٧].
[ ٢ / ٢٧٨ ]
فإن قيل: «إنَّ البيع والإجارة لا يجوز إذا اجتمعا في عقدٍ واحدٍ وإن كانا لو انفردا جاز، كما لا يجوز البيع والصرف إذا اجتمعا في عقدٍ واحدٍ، ولو انفرد كلّ واحدٍ منهما، جاز (^١)؟
قيل له: الإجارة لا تشبه الصرف، وهي بالبيوع أشبه.
ألا ترى: أنهما لو افترقا قبل قبض المستأجر لم يبطل عقد الإجارة كما لا يبطل ذلك عقد البيع إذا افترقا قبل قبضه، ولو افترقا في الصرف قبل قبضه، لبطل الصرف، وكانت الإجارة بالبيع أشبه منها بالصرف لهذه العلة.
•••
[١١٧٠] مسألة: قال: ولا بأس بعلف الدوابِّ، القِرْطُ الربيع (^٢)، كلّ شهرٍ بدينارٍ على دابَّةٍ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ذلك معروفٌ في الأغلب، وكم مقدار ما تأكل الدابَّة شهرًا، فجاز ذلك للحاجة إليه، كما يجوز أن يكتري دابَّةً يركبها شهرًا ولا يعرف مقدار الركوب، وكذلك يجوز أن يكتري عبدًا للخدمة، يخدمه شهرًا، ولا يعرف مقدار خدمة شهرٍ.
•••
_________________
(١) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
(٢) قوله: «القِرْطُ الربيع»، كذا رسمها في شب، والقرط: شيء يشبه البرسيم، ينظر: حاشية البجيرمي، ص (٢٩١).
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٦).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
[١١٧١] قال: ولا بأس بكري الدابَّة وعليه علفها (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلنا: إنَّ مقدار علف الدابَّة في الشهر معروفٌ في الأغلب، وكذلك السَّنَة وأشباه ذلك، فجاز أن يكتريها على أنَّ عليه علفها.
ولأنَّ النّاس كانوا يكترونها كذلك لحاجتهم إلى ذلك، فأجازه على هذا الوجه للاستحسان، وقد رُوِيَ عن جماعةٍ أنهم أجازوا ذلك.
•••
[١١٧٢] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ دَينٌ قد حلَّ، فلا بأس أن ينظره بحميلٍ (^٢) أو رهنٍ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ التأخير فعل معروفٍ، و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (^٤)، كما قال النبيُّ ﷺ، فلا بأس بذلك وقد قال النبيُّ صلى الله عليه: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًَا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (^٥).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٦).
(٢) قوله: «بحميل»، الحميل هو الكفيل، ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، ص (١٣٩).
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٦).
(٤) أخرجه البخاري (٦٠٢١)، من حديث جابر، وهو في مسلم [٣/ ٨٢]، من حديث حذيفة، وهو في التحفة [٢/ ٣٧٥]، و[٣/ ٢٧].
(٥) أخرجه مسلم [٨/ ٢٣١]، وهو في التحفة [٨/ ٣٠٦].
[ ٢ / ٢٨٠ ]
[١١٧٣] مسألة: قال: ولو قال الحميل: «لا أتحمل لك إلّا أن تضع عني عشرة دراهم»، لم يكن في ذلك خيرٌ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا يصير حمالةً بِجُعلٍ، فهو حرام؛ لأنّها تخرج عن فعل المعروف وتدخل في باب المعاوضة.
ولا يجوز أخذ جعلٍ على فعل عملٍ لله ﷿، كما لا يجوز أن يأخذ أجرةً على أن يصوم أو يصلي، وكذلك لا يجوز أن يأخذ عوضًا على الحمالة والضمان والكفالة وأشباه ذلك.
•••
[١١٧٤] مسألة: قال: ولا بأس ببيع عَسْبِ الفَحْلِ، الشهر والأيام المسمّاة (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ إنّما يبيع منفعةً يجوز أن ينتفع بها، كما يبيع خدمة عبده شهرًا، وكذلك يبيع سكنى داره شهرًا، أعني: إذا أكرى ذلك شهرًا، فكذلك يجوز أن يؤاجر عسب الفحل شهرًا؛ لأنَّهُ يجوز الانتفاع به، وكلُّ ما جاز للإنسان الانتفاع به مما ليس بنجس، جاز أن يهبه لغيره ويعاوضه عليه، إلّا ما كان من الوطء، فإنّه لا يجوز ذلك.
وإنما الذي لا يجوز أخذ عوضه، ما لا يجوز فعله مما كان منهيًا عنه أو بيعه إذا كان منهيًا عنه، وذلك كبيع الخمر والخنزير ومهر البغي وحلوان الكاهن
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٦).
[ ٢ / ٢٨١ ]
وأشباه ذلك من الأعيان المحرمة والمنافع الممنوعة، فأمّا ما كان حلالًا بيعه والانتفاع به، فجائز له بيعه في عينه وبيع منافعه.
فإن قيل: قد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه: «نَهَى عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ» (^١) (^٢)؟
قيل له: معنى ذلك إن صحَّ الحديث، هو أن يكريه إلى العلوق (^٣)؛ لأنَّ ذلك مجهولٌ لا يدرى متى يعلق، وليس يجوز إجارة المجهول كما لا يجوز بيعه، فأمّا إذا كان إلى أجلٍ معلومٍ فلا بأس بإجارة ذلك (^٤).
•••
[١١٧٥] مسألة: قال: ولا بأس بإجارة المكيال والميزان (^٥).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الكيل والوزن فعلٌ مباحٌ يحتاج النّاس إليه، فلا بأس بفعلهم، فكذلك لا بأس بأخذهم العوض عليه؛ لأنّ كلّ ما جاز فعله جاز أخذ العوض عليه على ما ذكرناه.
•••
[١١٧٦] مسألة: قال: ولا بأس بكسب الحجام (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٨٤)، وهو في التحفة [٦/ ١٨٨].
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٦/ ٣٩٨]، المغني [٦/ ٣٠٣].
(٣) قوله: «العلوق»، هو الحمل، ينظر المغرب للمطرزي، ص (٣٢٦).
(٤) نقل هذا الاختيار الحافظ ابن حجر، عن الأبهري في الفتح [٤/ ٥٣٩].
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٤٦).
(٦) المختصر الكبير، ص (٢٤٦).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحجامة فعلٌ مباحٌ، فجاز أخذ العوض عليها؛ لأنَّ أخذ العوض على كلّ فعلٍ مباحٍ مما يفعله لغيره جائزٌ.
وقد رَوَى مسدد (^١)، حدثنا يزيد بن زريع (^٢)، حدثنا خالد (^٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًَا، لَمْ يُطْعِمْهُ» (^٤).
ورَوَى مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالكٍ أنَّهُ قال: «حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» (^٥).
•••
[١١٧٧] مسألة: قال: ولا بأس بأخذ المعلم الأجر على التعليم (^٦).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ أخذ عوضٍ على فعل خيرٍ وتعليم الخير، وذلك
_________________
(١) مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري، ثقة حافظ، من العاشرة. تقريب التهذيب، ص (٩٣٥).
(٢) يزيد بن زريع، ثقة ثبت، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (١٠٧٤).
(٣) خالد بن مهران البصري الحذاء، ثقة يرسل، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٢٩٢).
(٤) متفق عليه: البخاري (٢٢٧٨)، مسلم [٥/ ٣٩]، وهو في التحفة [٥/ ١١].
(٥) أخرجه مالك [٥/ ١٤١٩]، ومن طريقه البخاري (٢١٠٢)، وهو في مسلم [٥/ ٣٩]، من طرق أخرى، وهو في التحفة [١/ ٢٠٠].
(٦) المختصر الكبير، ص (٢٤٦)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٢٠٢].
[ ٢ / ٢٨٣ ]
جائزٌ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ أخذ العوض على كلّ فعلٍ مُجوَّزٍ حلالٌ، وأخذ العوض على كلّ فعلٍ ممنوعٍ منه حرامٌ.
ألا ترى: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً» (^١)، منهم: البائع والمبتاع، والحامل والمحمول إليه، والعاصر والمعتصر، فكان الحامل والعاصر في اللعنة بمنزلة البائع؛ لأنَّ فعل ذلك كله ممنوعٌ غير مجوزٍ، فكذلك أخذ العوض عليه.
فإن قيل: فقد قال النبيُّ ﷺ لعبادة بن الصامت: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» (^٢)، وذلك أنَّهُ عَلَّمَ ناسًا من أهل الصفة، فأهدى إليه رجلٌ منهم قوسًا، فسأل النبيُّ صلى الله عليه عن ذلك (^٣)؟
قيل له: معنى هذا الخبر إن كان صحيحًا، هو أنَّ عُبادة إنّما كان علَّمه على وجه القربة إلى الله ﷿، لا على وجه أخذ العوض، فلم يجز له أن يأخذ العوض على فعلٍ فعله لله تعالى، فأمّا أن يكون ابتداء الفعل من التعليم وغيره مما هو مجوَّزٌ على عوضٍ يأخذه، فلا بأس.
ألا ترى: أنَّ أخذ العوض على الحج عن الإنسان جائزٌ، والحج فعل خيرٍ يفعله الإنسان عن الإنسان، فكذلك تعليم القرآن وكلّ فعلٍ مجوَّزٌ فعله، يجوز أن يأخذ العوض عليه إذا كان الفعل حقًا لا محالة، أو جائزًا لا محالة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي [٢/ ٥٦٧]، وابن ماجه [٤/ ٤٦٨]، وهو في التحفة [١/ ٢٣٧].
(٢) أخرجه أبو داود [٤/ ١٥١]، وابن ماجه [٣/ ٢٨٦]، وهو في التحفة [٤/ ٢٤٠].
(٣) ينظر الاعتراض في: شرح السنة للبغوي [٨/ ٢٦٨].
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وقد كره مالكٌ بيع كتب الفقه والإجارة على كتبها (^١)، والفرق بينها وبين القرآن:
أنَّ القرآن حقٌّ لا محالة، فجائزٌ تعليمه وأخذ العوض عليه، وليس يُعلم أنَّ كلَّ ما يعلمه الإنسان من مذهب عالمٍ أو يكتبه حقٌّ، بل يُعلم أن بعضه خطأ، فلم يجز أخذ العوض على شيءٍ يجوز أن يكون خطأً.
ومعنىً آخر: وهو أنَّ تعليمه الفقه والانتصار له ليس فيه غضاضةٌ على الناس، ولا انقطاعٌ عن معايشهم فيه، وفي الانتصاب لتعليم القرآن قطعٌ للمعلم عن معاشه، فجاز له أخذ العوض عليه لهذا المعنى فيه (^٢).
•••
[١١٧٨] مسألة: قال: ولا يُعَلَّمُ أبناء اليهود ولا النصارى الكتاب بغير قرآنٍ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنهم يستعينون به على الباطل وما لا يجوز كتبه وفعله من دينهم ودنياهم، وذلك مكروهٌ معونتهم عليه، قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
•••
_________________
(١) ينظر: المدونة [٣/ ٤٣٠].
(٢) من قوله: «وقد كره مالكٌ بيع»، إلى هذا الموضع، نقله التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٢٠٤]، عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٦).
[ ٢ / ٢٨٥ ]
[١١٧٩] مسألة: قال: وإن شَرَطَ تعليم الصبي السَّنَةَ أو السنتين، فذلك لازمٌ له، وإن لم يشترطه، فله أن يخرجه إذا شاء، وله بقدر ما عَلَّمَ (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا شرط تعليمه السنة أو السنتين أو أكثر من ذلك إذا كانت مدَّةً معلومةً، فذلك بمنزلة ما يكتري عبدًا أو دارًا كذلك، فليس لأحدهما أن يرجع عنه؛ لأنَّ ذلك عقدٌ لازمٌ.
ولو جاز أن يرجع أحدهما في عقد الإجارة إذا كانت صحيحةً، لجاز ذلك في عقد البيع، وقد قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
فأمّا إذا كان إلى غير أجلٍ معلومٍ فليس ذلك عقدًا لازمًا (^٢).
•••
[١١٨٠] مسألة: قال: ولا بأس بمشارطة المعلم: على السدس بكذا، وعلى القرآن بكذا (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ تعليمه كذلك هو على وجه الجُعْلِ، وجُوِّزَ ذلك لحاجة النّاس إلى تعليم القرآن، كحاجتهم إلى الجعل فيما يصلح دنياهم، مثل الإتيان بالعبد الآبق والجمل الشارد (^٤).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٦)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٢٠٦].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٢٠٧]، هذا الشرح عن الأبهري.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٧)، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٢٠٧].
(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٨/ ٢٠٧]، شرح المسألة عن الأبهري.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
[١١٨١] قال: ولا بأس بأرزاق المؤذِّنين، ولا بأس ببيع المصحف والتجارة فيه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ أخذ العوض على كلّ فعلٍ مجوَّزٍ أو بيع شيءٍ مجوَّزٍ جائزٌ، وبيع المصحف فعلٌ مجوَّزٌ، وكذلك الأذان، فجاز أخذ العوض عليهما كما يجوز أخذ العوض على الحكم، أعني: أجرة الحاكم والإمام، ولا نعلم خلافًا في جواز أخذ الإمام من مال المسلمين ما لا بد له منه وكذلك الحاكم إذا كانا محتاجين إلى ذلك، فكذلك يجوز أن يأخذ المؤذن والعالم من مال المسلمين ما يحتاج إليه لمصالحه.
•••
[١١٨٢] مسألة: قال: ولا يصلح بيع العشرات (^٢) التي في الديوان بعرضٍ ولا عينٍ، ولا هبتها لثوابٍ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ بيعها غررٌ لا يدرى أتخرج أو لا؛ لأنَّهُ قد يجوز أن يعطيه الإمام ويجوز أن يمنعه، وليس هي بمنزلة الدَّين الثابت في ذمَّة زيدٍ، أنَّهُ يجوز بيعه.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٧).
(٢) في النوادر والزيادات [٦/ ١٥٣]: قال محمد: هي العشرات التي تزاد في الأعطية.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٧)، وقد نقل ابن أبي زيد هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في النوادر [٦/ ١٥٣].
[ ٢ / ٢٨٧ ]
ولأنَّ بيعها يدخله أيضًا بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة متأخِّرًا.
•••
[١١٨٣] مسألة: قال: وإذا كانت لرجلٍ على رجلٍ مئة دينارٍ إلى أجلٍ (^١)، فلا يجوز إذا حلت أن يبيعه سلعةً ثمنها مئة دينارٍ نقدًا بخمسين ومئةٍ إلى أجلٍ (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لم يقبض المئة، وإنما باعه سلعةً نقدًا، وبخمسين إلى أجلٍ، فيدخله الدَّين بالدَّين، وبيع ذهبٍ بعرضٍ وذهبٍ، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١١٨٤] مسألة: قال: ولا خير في أن يكون على الرّجل الدَّين إلى أجلٍ، فإذا حلَّ قال (^٣): «أعطني ذهبًا في طعامٍ إلى أجل» (^٤).
• إنّما ظاهر (^٥) ذلك؛ لأنَّ الذهب التي يقبضها من له الدَّين، قد ردَّها على الذي عليه الدَّين، وانتقل من الدَّين الذي له إلى طعامٍ إلى أجلٍ، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه نهى عن الدَّين بالدَّين (^٦).
•••
_________________
(١) قوله: «إلى أجل»، كذا في شب، وفي المطبوع: «ثمّ أجل».
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٧)، المدونة [٣/ ١٧٠]، النوادر والزيادات [٦/ ١٤١].
(٣) قوله: «فإذا حلَّ قال»، كذا في شب، وفي المطبوع: «فإذا حلَّ الأجل قال».
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٧).
(٥) قوله: «ظاهر»، كذا رسمها في شب.
(٦) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٤١.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
[١١٨٥] قال: ولا ينبغي أن يُشترى دَينٌ على غائبٍ؛ لأنَّهُ لا يدرى حيٌّ هو أو ميتٌ.
ولا يشترى دَينٌ على ميتٍ وإن عُلِمَ ما تَرَكَ، لا يُدرى ما الذي يلحقه من الدَّين (^١).
• قد ذكر مالكٌ العلة في منع بيع الدَّين على الغائب، وكذلك على الميت؛ لأنَّ المشتري لا يدري مقدار الدَّين الذي على الغائب، ولا هل هو حيٌّ أو ميتٌ، ولا مقدار ما على الميت من الدَّين، فليس يدري كم يصيبه في المُحَاصَّةِ إذا جمعت ديون الميت والغائب، فيكون ما اشتراه مجهول المقدار، وقد دخل في بيع الغرر، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه عن بيع الغرر (^٢).
•••
[١١٨٦] مسألة: قال: ولا بأس ببيع الدَّين على الحاضر بثمٍن يقبضه، ويحيله عليه إلى أجلٍ (^٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدَّين الذي اشتراه على الحاضر معلومٌ، وما عليه أيضًا من الدَّين معروفٌ؛ وليس كذلك الغائب والميت اللذان لا يدري ما عليهما من الدَّين.
وجاز شراء الدَّين من الحاضر إن كان عينًا فتعرض معجلةً، وإن كان عرضًا
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٧)، النوادر والزيادات [٦/ ٣٧١].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ١١٠٦.
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٧).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
فيجوز بيعه بعينٍ وعرضٍ، كما يجوز أن يبيع دَينًا عليه في ذمّته بعينٍ يأخذها، فكذلك يجوز أن يبيع دَينًا له في ذمَّة زيدٍ بعينٍ يأخذها نقدًا، لا فرق في ذلك.
•••
[١١٨٧] قال: ولا خير في أن يشتري الرّجل الشراء ويعربن (^١) دينارًا، فإن أخذ المبيع، فهو من الثمن، وإن ترك المبيع (^٢)، فلا عربان له.
قال: وإن عربنه شيئًا، على: «أنَّهُ إن رضي أخذ، وإن كره ردّ وأخذ عربانه»، إذا وَضَعَ ذلك على يدي غيره أو خَتْمُهُ عليه، فلا بأس (^٣) (^٤).
• أمّا إذا شترط أنَّ العربان للبائع، سواءٌ أخذ المشتري ما اشتراه أم لا، فذلك غير جائز؛ لأنَّهُ أكل مالٍ بالباطل وأخذُهُ على غير عوضٍ حصل للمشتري، وذلك غير جائزٍ.
وقد رَوَى عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ العُرْبَانِ» (^٥).
_________________
(١) قوله: «ويعربن»، كذا في شب، وفي المطبوع: «ويقدم».
(٢) قوله: «المبيع»، كذا في شب، وهو غير مثبت في المطبوع.
(٣) من قوله: «قال: وإن عربنه شيئًا»، إلى هذا الموضع ساقط من المطبوع.
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٧)، المختصر الصغير، ص (٥٦٦)، مختصر أبي مصعب، ص (٣٨٨)، النوادر والزيادات [٦/ ١٥٠]، التفريع مع شرح التلمساني [٨/ ٩٨].
(٥) أخرجه مالك [٤/ ٨٧٩]، ومن طريقه أبي داود [٤/ ٨١]، وابن ماجه [٣/ ٣١١]، وهو في التحفة [٦/ ٣٤٢].
[ ٢ / ٢٩٠ ]
فأمّا إذا اشترط أنّه إن أخذ المبيع فهو من الثمن وَإِلّا رده على المشتري، فذلك جائزٌ؛ لأنَّ هذا ليس فيه أخذ مالٍ بغير عوضٍ حصل للمشتري.
فاستحب مالكٌ أن يوضع العربان على يدي غير البائع، أو يختم عليه لئلا ينتفع البائع به، ثمّ يردَّه إذا لم يتمَّ به الشري؛ لئلا يدخله سلفٌ وبيعٌ.
•••
[١١٨٨] مسألة: قال: ولا بأس بالبيع إلى الجَدَادِ (^١)، وإلى الحَصَادِ (^٢)، وإلى العصير (^٣)، وعلى التقاضي (^٤)، وإن تأخر ذلك عرف وجهه (^٥).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ وقت الجداد والحصاد والعصير معلومٌ في الأغلب، متقاربٌ ذلك كله، فجاز البيع إليه؛ لأنَّ اختلافه يسيرٌ، كما يجوز البيع مع الغرر اليسير.
ولو وجب أن يمنع من ذلك، لوجب أن يمنع من البيع إلى سنةٍ؛ لأنَّ الأشهر
_________________
(١) قوله: «الجَدَاد»، هو وقت قطاف ثمر النخل، ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، ص (١٠٤).
(٢) قوله: «الحَصَاد»، هو قطع الزرع وصرامه، ينظر: النظم المستعذب [١/ ١٥٢].
(٣) قوله: «العصير»، هو ما عصر من العنب، والمراد وقت العصر، ينظر: شرح غريب ألفاظ المدونة، ص (٦٨).
(٤) قوله: «التقاضي»، البيع على التقاضي: هو البيع إلى غير أجل سمياه، إلّا أنَّهُ معلوم بالعرف، ينظر: البيان والتحصيل [٥/ ٢٩].
(٥) المختصر الكبير، ص (٢٤٧)، المختصر الصغير، ص (٥٦٦)، المدونة [٣/ ١٩٦]، النوادر والزيادات [٦/ ١٥٤].
[ ٢ / ٢٩١ ]
تختلف، تكون تارةً ثلاثين يومًا، وتارةً تسعًا وعشرين، كما قال النبيُّ ﷺ: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» (^١)، يعني: بسط أصابعه العشر مرتين وقبض أصبعًا واحدةً في الثالثة، أي: يكون مرة تسعة وعشرين، ويُضبَطُ ذلك بالأيام؛ لأنَّ ذلك يمكن، فلمّا جاز البيع إلى الشهور وإلى السنة على الاختلاف اليسير إلى وقت المبيع إليه وإن كان مقدورًا على الاحتراز منه، جاز ذلك في البيع إلى الحصاد وإلى الجذاذ، وما أشبه ذلك من الأوقات المعلومة.
وقد رَوَى حجاج (^٢)، عن عطاء، أنَّهُ قال: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَشْتَرِي إِلَى العَطَاءِ» (^٣).
وقد رُوِيَ «أَنَّ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ كُنَّ يَشْتَرِينَ إِلَى العَطَاءِ» (^٤)، رواه حجاج، عن حبيب (^٥).
ورَوَى إسرائيل، عن جابرٍ (^٦)، عن عامرٍ (^٧) قال: (لَا بَأْسَ بِالبَيْعِ إلَى العَطَاءِ) (^٨).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١٩٠٨)، ومسلم [٣/ ١٢٣]، وهو في التحفة [٥/ ٣٢٦].
(٢) هو: حجاج بن أرطأة، تقدَّم ذكره.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٥٤٨].
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٥٤٨].
(٥) حبيب بن أبي ثابت قيس الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٢١٨).
(٦) جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي، ضعيف رافضي، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٩٢).
(٧) هو عامر الشعبي، وقد تقدَّم ذكره.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٥٤٨].
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وعن السبعة الفقهاء قالوا: (لا بأس بالبيع إلى العطاء وإلى خروج البيضاء، لا يطعنون في شيءٍ من ذلك) (^١).
•••
[١١٨٩] قال: ولا خير في المبيع إلى العطاء (^٢)؛ لأنَّ ذلك يختلف، وإنما جوَّزه أهل العلم حين كان لا يختلف (^٣).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في منع البيع إلى العطاء؛ لأنَّ ذلك قد اختلف، فأمّا بيعه حين كان لا يختلف فإنّه كان جائزًا، وقد كان النّاس يشترون إليه على ما ذكرنا.
•••
[١١٩٠] مسألة: قال: ولا نحب شراء الجلود على ظهور البقر والغنم؛ لأنَّ ذلك يختلف (^٤).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في منع بيعها، أَنَّهَا تختلف ولا يُدرى كيف تخرج ولا مقدارها من الغلظ والرِّقَّة وأشباه ذلك.
•••
[١١٩١] مسألة: قال: ولا بأس بشراء الصوف على ظهور الغنم إذا كان
_________________
(١) أخرجه سحنون في المدونة [٣/ ١٩٧].
(٢) قوله: «إلى العطاء»، يعني: إلى وقت خروج الأُعطية، ينظر: نهاية المطلب [٦/ ٣١].
(٣) المختصر الكبير، ص (٢٤٧).
(٤) المختصر الكبير، ص (٢٤٨).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
بحضرة جزازها العشرة والخمسة عشر - يعني: يومًا - وما أشبه ذلك، وإن طال، فلا خير فيه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصوف على ظهور الغنم يُرَى ويعرف مقداره، فلا بأس ببيعه إذا جُزَّ مكانه أو بعد وقتٍ يسيرٍ لا يتغيَّر إليه، وذلك مثل الأيام اليسيرة.
وليس يشبه ذلك بيع جلدها؛ لأنَّهُ لا يُرى ولا يُدرى كيف يخرج.
•••
[١١٩٢] مسألة: قال: ولا بأس أن يشترط الجزاز على البائع (^٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيعٌ وإجارةٌ في عقدٍ واحدٍ، ولا بأس بذلك على ما ذكرناه (^٣).
•••
[١١٩٣] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ دَينٌ، فأهدى له هديةً أو صنع به معروفًا:
(فإن تيقَّن أنَّهُ للدَّين، فلا يجوز.
(وإن تيقَّن أنَّهُ لغيره، فلا بأس به.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٨).
(٢) المختصر الكبير، ص (٢٤٨)، وقد ذكر ابن يونس هذه المسألة عن ابن عبد الحكم في الجامع [١١/ ١٣٥].
(٣) ينظر: المسألة رقم: ١١٦٩
[ ٢ / ٢٩٤ ]
باب العيوب في البيع
(وإن أشكل، فلا يقربه (^١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يدخله قرضٌ جرَّ منفعةً إن كان الدَّين أصله عينًا أقرضه.
وكذلك إن كان عينًا عليه من بيع سلعةٍ أخرى، فهو قرضٌ جر منفعةً، وذلك كله مكروهٌ.
وإن كانت الهدية لإخاءٍ بينهما أو مودَّةٍ لو لم يكن الدَّين كان ذلك منهما، فلا بأس به (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٢٤٨)، المدونة [٣/ ١٧٩]، النوادر والزيادات [٦/ ١٢٩].
(٢) هذا هو آخر الموجود من كتاب البيوع، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع بعضًا من شرح الأبهري، بيانها كالتالي: باب العيوب في البيع
(٣) - (ومن ابتاع سلعةً على السّلامة، ثمّ وجد بها عيبًا لا يحدث مثله عنده، فهو بالخيار في فسخ البيع أو تركه ولا أرش له، فإن كان العيب ممّا يحدث مثله عند المبتاع، فالقول في ذلك قول البائع مع يمينه، فإن كان عيبًا ظاهرًا، حلف على البتّ، وإن كان عيبًا باطنًا، حلف على العلم). قال في شرح التفريع [٨/ ١٣٢]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما قلنا: إنّ له أن يردّ إذا وجد بالسّلعة عيبًا، فلأن المشتري لم يدخل على العيب ولا رضي به فكان له أن يردّه. وروي عن النّبِيّ ﷺ أنه قال: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَحْلُبَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعًَا مِنْ تَمْرٍ»، فجعل النّبِيّ ﷺ للمشتري ردّ المصرّاة؛ لأنّ التّصرية عيبٌ؛ لأنّ المشتري دخل على أنّ لبنها كثيرٌ، وعلى ذلك باعها البائع، فلمَّا يكن كذلك، كان له الردّ.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
فيما إذا حدث بالسلعة عند المشتري عيب آخر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولا خلاف بين أهل العلم: أنّ للمشتري أن يردّ السّلعة إذا كان بها عيبٌ لم يُعلِمه البائع بذلك ولا رضي به». فيما إذا حدث بالسّلعة عند المشتري عيبٌ آخر.
(٢) - (وإن حدث به عند المبتاع عيبٌ آخر، فهو بالخيار: في ردّه وما نقصه العيب الثّاني عنده والرّجوع على البائع بثمنه. وبين إمساكه والرّجوع على البائع بأرش عيبه). قال في شرح التفريع [٨/ ١٣٤]: «قال الأبهري: لأنّ البائع لا يخلو: إمّا أن يكون عالمًا بالعيب، فهو مدلّسٌ. أو غير عالمٍ، فهو مقصّرٌ بترك تعرّف العيب، الحجّة عليه. وليس كذلك المشتري؛ لأنّه لم يعلم بالعيب فرضي به، ولا قصّر في تركه تعرّفه؛ لأنّ الشّيء لم يكن في ملكه، فلم تكن الحجّة عليه كهي على البائع. وإذا كان العيب غير مفسدٍ، فلا شيء على المبتاع، ولا أرش عليه متّى ردّه؛ لأنّ هذا عيبٌ غير مؤثّرٍ، كالصّداع والرّمد، من قِبَل أنّ هذه العيوب تزول ولا تؤثّر نقصًا. وهذا بخلاف ما إذا لم يحدث عنده عيبٌ، فإنّ هناك لا خيار له في أخذ أرشٍ، وإنّما الخيار له في أن يمسك ولا شيء له، أو يردّ ولا شيء عليه. والفرق بينهما: أنّه هاهنا إذا أراد أن يردّ، ردّ قيمة العيب الحادث عنده، وإذا لم يحدث عنده عيبٌ، فليس عليه غرامةٌ، فلذلك كان له الخيار: إن شاء أمسك ولا شيء له، وإن شاء ردّ ولا شيء عليه».
(٣) - (ومن اشترى سلعةً فوجد بها عيبين: أحدهما قديمٌ، والآخر ممّا يحدث عنده مثله، كان له ردّها بالعيب القديم، وعليه اليمين: ما حدث العيب الآخر عنده). قال في شرح التفريع [٨/ ١٣٥]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما قلنا: إنّه لا شيء عليه في العيب الثّاني؛ من قِبَلِ أنّه لا يُتيقّن أنّه حدث عنده؛ لجواز أن يكون حدث عند البائع.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وعلى المشتري اليمين: «ما يعلم أنّه حدث عنده»؛ لجواز أن يكون قد حدث عنده، وقد علم به فكتمه. فإن نكل المبتاع، حلف البائع، ولزم المبتاع هذا العيب، وخُيِّر في ردّه، وما نقصه، أو يحبسه ويأخذ قيمة العيب القديم. فإن نكل البائع أيضًا، لزمه العيبان جميعًا، ثمّ للمبتاع حبسه ولا شيء له، أو يردّه ولا شيء عليه».
(٢) - (ومن اشترى عبدًا فأعتقه قبل علمه بعيبه، ثمّ ظهر على العيب بعد عتقه، رجع على البائع بأرش عيبه، ونفذ عتقه. وكذلك لو مات عند مبتاعه، رجع على البائع بأرش عيبه). قال في شرح التفريع [٨/ ١٣٦]: «قال الأبهري ﵁: لأنّ البائع لم يسلم للمشتري ما أوجبه العقد من سلامة العبد أو الشّيء المُشتَرى، فوجب له الردّ إن كان الشّيء باقيًا، ووجب له الأرش إن كان الشّيء قد فات بوجهٍ من وجوه الفوت؛ لأنّ على البائع توفية المشتري ما أوجب له العقد من سلامة المبيع، فإذا لم يوفه، كان عليه يدل ما بقي له، وذلك مقدار أرش العيب؛ لقول النّبِيِّ ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»، ولم تطب نفس المشتري للبائع بالنّقص الذي لحقه في المبيع من جهته، فعليه دفع ذلك إليه إذا فات المبيع ولم يقدر على ردّه. فإن كان قد علم بالعيب، لم يرجع بشيءٍ؛ لأنّ ذلك يُعدّ منه رضًا».
(٣) - (ولو باعه، ثمّ ظهر بعد البيع على عيبه، لم يرجع على البائع بشيءٍ. وقد قيل: بيعه كموته وعتقه، ويرجع على البائع بأرشه. وقد قيل: إن كان نَقَصَ من ثمنه لأجل عيبه، فظنّ أنّ العيب حدث عنده، ثمّ علم أنّه كان قديمًا، كان له أن يرجع بأرش العيب عليه). قال في شرح التفريع [٨/ ١٣٧]: «اختلف فيمن اشترى عبدًا فباعه، ثمّ اطَّلع فيه على عيبٍ بعد البيع:
[ ٢ / ٢٩٧ ]
فيمن وطئ أمة معيبة بعد علمه بالعيب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فقال مالك ﵁: لا يرجع بشيءٍ وقال أشهب: إن باع بمثل الثّمن فأكثر، لم يرجع بشيءٍ، وإن باع بأقلّ، رجع بالأقل من قيمة العيب، أو ما نقص من الثّمن. قال الأبهري ﵁: لأنّ البائع لم يوفّ المشتري ما اشتراه منه، فعليه توفية ذلك أو ردّ ثمنه الذي قبضه». وقال أيضًا: «وفي مختصر ابن عبد الحكم عن مالك ﵁: أنّ له أن يرجع بقيمة العيب على كلّ حالٍ، بمنزلة أن لو أعتقه. قال الأبهري ﵁: لأنّه قد خرج عن ملك المشتري، كما خرج بالعتق والكتابة، وليس يجب أن يُراعى جواز رجوعه إليه وملكه، كما لا يراعى عجز المكاتب في الكتابة، والكتابة فوتٌ عند مالك، وكذلك البيع يجب أن يكون فوتًا، ويرجع المشتري الأوّل على البائع الأوّل بأرش العيب الذي بقي عنده. وقال أيضًا في [٨/ ١٣٨]: «وقد قيل: إن كان نَقَصَ من ثمنه لأجل العيب، وظنّ أنّ العيب حدث عنده فبيّنه أو باعه وكيلُه وبيّن العيب، فإنّه يرجع على البائع بالأقل من قيمة العيب أو تمام الثّمن. قال الأبهري ﵁: وإذا نقص ثمن العبد لأجل العيب، رجع فأخذ قيمة العيب من الذي باعه؛ لأنّ سبب هذا النّقص من البائع، وإذا لم ينقص من الثّمن من أجل العيب، لم يرجع المشتري الأوّل على البائع الأوّل بشيءٍ. فيمن وطئ أمةً معيبةً بعد علمه بالعيب
(٢) - (ومن اشترى أمةً معيبةً، ثمّ وطئها بعد علمه بعيبها، لزمه عيبها ولم يرجع على بائعها بشيءٍ من أرشها. فإن وطئها قبل علمه بعيبها، ردّها ورجع عليه بثمنها، ولا شيء عليه في وطئها إذا كانت ثيبًا، وإن كانت بكرًا فنقصها وطؤه لها، ردّها وما نقصها الوطء، ورجع بثمنها، وإن شاء حبسها وأخد من البائع أرش عيبها.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكذلك كلّ من اشترى شيئًا معيبًا، ثمّ تصرّف فيه بعد علمه بعيبه، لم يجز له ردّه، ولم يكن له على البائع أرش عيبه). قال في شرح التفريع [٨/ ١٣٩]: «قال الأبهري ﵁: وسواءٌ كانت بكرًا أو ثيّبًا؛ لأنَّ المشتري إذا علم بالعيب، إنّما له الردّ أو الإمساك، فإن ردّ أخذ الثّمن، وإن أمسك فلا أرش له، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، فلمّا وطئ بعد العلم بالعيب، فقد رضي به، وليس له الردّ ولا أرش العيب». وقال أيضًا: «واختلف إذا وطئها قبل أن يعلم بعيبها، ثمّ علم بعيبها وأراد ردّها، هل يكون وطؤه فوتًا يمنع ردّها، أم لا يكون فوتًا: فقال مالكٌ ﵁: لا يكون ذلك فوتًا وله الردّ، فإن كانت ثيّبًا فلا شيء عليه في وطئها؛ لأنّه وطئ ما ملكه، فلا مهر عليه ولا أرش؛ لأنّ الوطء لا ينقص الثيّب من ثمنها. وإن كانت بكرًا فعليه ما نقصها الافتضاض، قال الأبهري ﵁: لأنّ الوطء ينقص من ثمنها». وقال أيضًا في [٨/ ١٤٠]: «ومن ابتاع جاريةً على أَنَّهَا عذراء، ثمّ جاء فزعم أنّه لم يجدها كذلك، فإنّه ينظر إليها النّساء، فإنْ قُلْنَ: نرى أثرًا قريبًا، حلف البائع، ثمّ لزمت المبتاع، وإن قلن: هذا قديمٌ، حلف المبتاع، ثمّ ردّها، فإن أبى، رُدَّت اليمين على البائع، ثمّ لزمت المبتاع. قال الأبهري: وإنّما قال ذلك؛ لأنّه يُقدَرُ على استعلام ذلك بنظر النّساء إليه، فيرجع إلى نظرهنّ، وما يقلن في ذلك، كما يرجع في تعريف عيوب النّساء إلى نظرهنّ. ثمّ يحلف من قَوِيَ سببه من البائع أو المبتاع احتياطًا، فمن حلف حُكِم له، ومن أبى حلف الآخر وحُكِم له؛ لأنّه قد اجتمع للمحكوم له قول النّساء ونكول المدّعى عليه، فكان أمره أقوى من أمر خصمه».
[ ٢ / ٢٩٩ ]
في استعمال الشيء المعيب قبل علمه بعيبه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال أيضًا في [٨/ ١٤٠]: «قال مالكٌ ﵁: ومن باع جارية على أنّه لا يدري أبكرٌ هي أم ثيّبٌ فلا بأس بذلك، ولا تردّ إذا كانت ثيّبًا. قال الأبهري: لأنّ البائع لم يبعها على أَنَّهَا بكرٌ». وقال أيضًا في [٨/ ١٤١]: «قال مالكٌ ﵁: ومن اشترى جاريةً فوجدها غير مخفوضةٍ، فله أن يردّها إذا كانت من رقيق العرب، وإن كانت من العجم الذين لا يخفضون فليس ذلك له. وإنّما ذلك في المرتفعات، فأمّا الخدم فلا تردّ بذلك، سواءٌ كانت من رقيق العرب أو من رقيق العجم. قال الأبهري ﵁: وإنّما كان له الردّ إذا كانت غير مخفوضةٍ؛ لأنّ ذلك عيبٌ ونقصٌ فيها إذا كانت من رقيق العرب، فأمّا إذا كانت من العجم، فإنّه لا يردها؛ لأنّهم لا يخفضون، وعلى ذلك دخل المشتري. وهذا إذا كانت من جواز الوطء، فأمّا إن كانت من الوخش فلا ردّ له، كانت من العرب أو العجم؛ لأنّ الغرض منها الخدمة». في استعمال الشّيء المعيب قبل علمه بعيبه
(٢) - (ومن اشترى شيئًا معيبًا فاستعمله أو استغلّه قبل علمه بعيبه، ثمّ علم بالعيب فردّه، فلا شيء عليه في استعماله ولا في استغلاله). قال في شرح التفريع [٨/ ١٤٣]: «قال الأبهري: ولأنّ المشتري قد ملك العبد واستقرّ ملكه عليه، فما استغلّه فهو له، وكذلك ما استعمله، والخراج بالضمان. قال الأبهري ﵁: ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم؛ وإنّما الخلاف بينهم في البيع الفاسد إذا استغلّه المشتري، هل يكون له خراجٌ أم لا؟ فقال مالكٌ ﵁ وأهل العراق: الخراج للمشتري بالضّمان؛ لأنّ البيع تلفه منه، فوجب أن تكون غلّته له، وهو ممّا له شبهة ملكٍ وليس بغاصبٍ؛ لأنّ مالك السّلعة سلّطه على ذلك.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال الشافعي ﵁: الخراج للبائع».
(٢) - (ومن اشترى دابّة سمينةً فعجفت عنده، ثمّ ظهر على عيبٍ بها، فهو بالخيار في حبسها وأخذ أرشها، وفي ردّها وردّ ما نقص العجف عنده وأخذ ثمنها. وإن اشتراها عجفاء فسمنت عنده، ففيها روايتان: إحداهما: أنّه بالخيار في حبسها وأخذ أرشها، والأخرى: أنّه إن حبَسَها لم يكن له أرشها، وله ردّها وأخذ ثمنها) قال في شرح التفريع [٨/ ١٤٥]: «قال الأبهري ﵁: لأنّ المنافع تختلف في الدّابة بالسّمن والعجف؛ لأنّ الدوابّ إنّما تراد للرّكوب والحمولة، والسّمين منها آكد على الكدّ والتّعب من المهزول الأعجف. فلذلك قال: يردّ البائع على المشتري قيمة العيب إذا عجفت عنده؛ لأنّها قد فاتت في يده باختلاف المنافع، كما لو كان عبدًا فهزل في يد المشتري، كان على البائع دفع الأرش إليه؛ لأنّه قد فات. وليس كذلك الرّقيق إذا عجف أو سمن؛ لأنّ الرّقيق لا يراد للرّكوب والحمولة؛ وإنّما يراد للوطء والخدمة، وذلك لا يختلف في السّمن والعجف». وقال أيضًا: «واختلف إذا كانت عجفاء فسمنت عنده، هل يكون ذلك فوتًا ويرجع بقيمة العيب، أو تكون كالقائمة، تُمسَكُ ولا شيء له، أو يردّ ولا شيء عليه؟ قال مالكٌ ﵁ مرّةً: إنّه ليس بفوتٍ، وهو مخيّر بين أن يردّ ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له. قال الأبهري ﵁: لأنّه قادرٌ على الردّ مع ما قد زاد فيها من السُّمن، فإذا لم يردّها فقد اختار إمساكها، فلا أرش له للعيب. وقال مرّةً: إنّه فوتٌ، ويخيَّرُ بين أن يردّ ولا شيء له، أو يمسك ويرجع بقيمة العيب، وقاله ابن القاسم. قال الأبهري ﵁: لأنّ السّمن ربّما أضرّ بالدّابة ومنع من كثرة الحمولة
[ ٢ / ٣٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عليها ومشيها، وذلك يُنقِص منفعتها، وإذا كان كذلك، فلا فرق بين الدوابّ والرّقيق، والله أعلم. قال الأبهري ﵁: ولأنّ السّمن زيادةٌ في البدن، فليس عليه أن يردّها زائدةً، كما لو اشترى صغيرًا فكبر، فله أن يمسك ويأخذ أرش العيب، والله أعلم».
(٢) - (والذي يُرَدُّ به من العيوب: كلّ عيبٍ ينقص من الثّمن، مثل: الجنون والجذام والبرص والعنّين والخصاء والجبّ والرّتق والإفضاء والزّعر وبياض الشعر، وما أشبه ذلك). قال في شرح التفريع [٨/ ١٤٧]: «والأصل في الردّ بالعيب، ما روي عن النّبِيّ ﷺ أنّه قال: «لَا تَصُرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَينِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًَا مِنْ تَمْرٍ»، فجعل له الردّ إذا وجدها بخلاف الصّفة التي اشتراها عليها، فكان ذلك أصلًا في الردّ بالعيب. قال الأبهري ﵁: ولأنّ ما ينقص القيمة من العيوب فيه ضررٌ على المشتري ونقصٌ لملكه، فله أن يردّ ليزيل النّقص الذي دخل عليه في ماله، فأمّا ما لا يضره ولا ينقص ماله، فليس له أن يردّه. وليس يُنظَر في العيب إلى ما يردّه التّجار مما ليس فيه نقصٌ في ملكه أو خوف عاقبةٍ، وإنّما ينظر إلى ما يردّ نقص ملكٍ أو خوف عاقبةٍ، فيردّ منه إلى ما يستحسنه التّجار أو يستقبحونه». وقال أيضًا: «إذا ثبت هذا، فما هي العيوب التي يردّ بها؟ فاعلم أنّ الذي يردّ به من العيوب: كلّ عيبٍ نقص من الثّمن، مثل الجنون، والجذام وأمّا البرص فإنّه يردّ به؛ لأنّه عيبٌ. وكذلك العسر، قال الأبهري: من قِبَلِ أنّه يعمل بيساره ما يعمل بيمينه، ويعتمد عليها دون اليمين، ومعلومٌ أنّ قوة اليّسار والعمل بها أقلّ من قوّة اليمين؛ وذلك عيبٌ».
[ ٢ / ٣٠٢ ]
العلائق عيب يوجب الرد
في عهدة الرقيق
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال أيضًا في [٨/ ١٤٩]: «وترد الأمة إذا وُجِدَت مستحاضةً. قال الأبهري: لأنّ الاستحاضة مرضٌ». وقال أيضًا: «وكذلك إذا بلغت المحيض فلم تحض، فذلك عيبٌ تردُّ به. قال الأبهري ﵁: لأنّ ذلك يكون من علّةٍ بها». وقال أيضًا: «وكذلك البَخَر في الفم عيبٌ تردّ به الجارية، وكذلك زنى الجارية وشهرتها به عيبٌ قال الأبهري ﵁: وكلّ هذه عيوبٌ يدخل بها النّقص على المشتري». وقال أيضًا: «وتردُّ الأمة إذا ادّعت: «أنّها ولدت من سيّدها»، وأنكر البائع. قال الأبهري ﵁: لأنّ النّاس يكرهون شراء مَنْ هذا وصفها وذلك عيبٌ يُنقِص الثّمن، فله الرد». وقال أيضًا: «ومن اشترى أمَةً يزعم أَنَّهَا بكرًا، وتطبخ أو تخبز من غير شرطٍ، ثمّ وجدها ليست كذلك، فإنّها تردّ. قال الأبهري ﵁: لأنّ ترك البائع الإنكار عليها وسكوته على ذلك، بمنزلة شرطه ذلك للمشتري؛ لأنّه إنّما زاد في ثمنها لما ذكرت أَنَّهَا تحسنه». العلائق عيبٌ يوجب الردّ
(٢) - (والعلائق في العبيد والإماء عيبٌ يوجب الردّ، مثل: الزّوج والزّوجة والولد). قال في شرح التفريع [٨/ ١٥٢]: «قال الأبهري ﵁: وتزويج الأمة عيبٌ. وإذا زال كان له الرد؛ لأنّ له ردّها مع بقائه، فكذلك إذا زال؛ لأنّ البائع لم يُسلِم إلى المشتري ما أوجبه له العقد، ومَنَعَ ذلك، فإنّ نَقْصَ تزويجها لا يزول؛ لأنّ المرأة التي لم تتزوج قطّ، هي آثرُ عند الرّجال ممن تزوّجت، فعيب تزويجها لا يزول». في عهدة الرّقيق
(٣) - (ومن اشترى عبدًا أو أمةً، فعهدته ثلاثة أيّامٍ ولياليها، وكلّ ما أصابه فيها من
[ ٢ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) حدثٍ، فضمانه من بائعه، والمشتري فيه بالخيار: إن شاء أخذه بالعيب الذي حدث فيه بجميع الثمن، وإن شاء ردّه. ثمّ له بعد ذلك عهده السَّنِة من ثلاثة أدواءٍ مخصوصةٍ، وهي: الجنون والجذام والبرص، وما حدث به من ذلك في السّنَةِ، كان المشتري فيه بالخيار، بين إنفاذه وردّه). قال في شرح التفريع [٨/ ١٥٢]: «والأصل في العهدة، ما روي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَإِنْ وَجَدَ دَاءً فِي الثَّلَاثِ لَيَالِي، ردَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ وَجَدَ دَاءً بَعْد الثَّلَاثِ، كُلِّفَ البَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ هَذَا الدَّاءُ» قال الأبهري ﵁: ولأنّ عهده الثّلاث بمنزلة البيع بالخيار عند مالكٍ، فما أصاب العبد في أيّام الخيار من تلفٍ أو مصيبةٍ، فهو من البائع؛ لأنّ ملك المشتري إنّما يتم ويستقرّ بعد اختياره له، أو تمضي أيّام الخيار، فكذلك عهدة الرقيق، تجري مجرى بيع الخيار عند أهل المدينة؛ لأنّها صارت كالعرف لهم؛ وذلك جائزٌ؛ إذ ليس يمنع منه كتابٌ ولا سنّةٌ. فإن قيل: إنّ معنى الحديث عهده الاستحقاق لا عهدة الثّلاث؟ قيل له: لا معنى لما قلت؛ لأنّ فائدة الحديث تذهب على هذا التأويل. ألا ترى: أنّ عهده الاستحقاق في الثّلاث وبعدها، وإذا كان كذلك، فلا بد من تخصيص الثلاث بحكمٍ. وقال أيضًا في [٨/ ١٥٣]: «إذا ثبت هذا، فقال مالكٌ ﵁: عهدة الثّلاث في الرّقيق خاصّةً، دون الحيوان، وهي ثلاثة أيّامٍ وثلاث ليالٍ، فإن اشترى نهارًا، ألغى ذلك اليوم واستقبل ثلاثًا بلياليها. قال الأبهري ﵁: لأنّ الأيّام متعلّقةٌ باللّيالي، واللّيالي بها، فكان حكم ذلك كلّه واحدًا، كما يكون ذلك في العدَّةِ وغيرها مما يستوي فيه حكم اللّيل والنّهار.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
باب الاستبراء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري ﵁: ولأنّ ضبط ذلك الوقت يصعب، فوجب أن يلغيَهُ ويبتدئَ من أوّل الزمان، وهو الليل». وقال أيضًا: «قال مالكٌ ﵁: وعهده الثّلاث تدخل في الاستبراء. قال الأبهري ﵁: لأنّ حكم الاستبراء والعهدة سواءٌ في أنّ المبيع على ملك البائع حتى يخرج من الاستبراء؛ إذ تلفه منه، فكان أمرهما واحدًا، ودخل بعض ذلك في بعضٍ». وقال أيضًا: «وأمّا قوله: ثمّ له بعد ذلك عهدة السّنة من ثلاثة أدواءٍ مخصوصةٍ، وهي: الجنون والجذام والبرص؛ فإنّما قال ذلك؛ لأنّ هذه الأدواء تكمن في البدن ثمّ تظهر، فمتى ظهرت قبل السّنة، عُلِم أنّ أصلها كان عند البائع، وإذا حدثت بعده، عُلِم أَنَّهَا حدثت في ملك المشتري. وقد جُعِلَت السّنة حدًّا في تعرّف داءٍ يكون في البدن، وهو العنّة، فكذلك هذه الأشياء الثّلاثة. قال الأبهري: وقد روّينا عن جماعةٍ من علماء المدينة: أنّ عهدة الرّقيق سَنَةٌ في هذه». باب الاستبراء
(٢) - (قال مالكٌ: ومن وطئ أمةً، ثمّ أراد بيعها، استبرأَهَا بحيضةٍ قبل البيع، وعلى المشتري أيضًا إذا اشتراها أن يستبرئَها بحيضةٍ قبل الوطء). قال في شرح التفريع [٨/ ١٥٨]: «قال الأبهري: وقد روي عن عليٍّ ﵁ أنّه قال: (تُسْتَبْرَأُ الأَمَةُ بِحَيْضَةٍ)، وروي عن ابن عمر في الأمة إذا بيعت أو عتقت أو وهبت: (أَنْ تُسْتَبْرَأ بحيْضَةٍ). وإنّما لزم المشتري الاستبراء؛ لقوله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ». ولأنّه لا يأمن أن تكون حاملًا، فلزمه الاستبراء؛ لئلا يُقْدِمَ على فرجٍ لا يعلم براءته.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
باب بيع البراءة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فإن اتّفقا على استبراءٍ واحدٍ، جاز ذلك، وذلك أن يجعلا الجارية على يدي امرأةٍ، أو عند من يثقان به، فيجزيها، فإن عَلِمَ المشتري براءة رحمها، فلا استبراء عليه. فإن قيل: إن ذلك عليه؛ لأنّه قد ملك، وكلّ من ملك أمةً يجوز له أن يطأها، فعليه أن يستبرئ؟ قيل: هذا غلطٌ؛ من قِبَلِ أنّه لو كان كذلك، لكان على الإنسان إذا اشترى زوجته أن يستبرئها، وليس عليه ذلك، فقد عُلِمَ أنَّ علّة الاستبراء ليست الملك وجواز الوطء، وإنّما هو ما ذكرناه وهو الوطء، وجواز الوطء في الاستئناف، وأن يُعْلَم أنّ رحمها ليس مشغولًا بماء غيره».
(٢) - (ويستحبّ أن توضع الجارية المستبرأة على يدي امرأةٍ عدلةٍ من النّساء، فإن حاضت تمّ بيعها، وإن ظهر بها حملٌ لم يتمّ بيعها). قال في شرح التفريع [٨/ ١٥٩]: «قال الأبهري ﵁: لأنّ البائع قد لا يثق بالمشتري، أو لا يثق المشتري بالبائع بكونها عنده؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما لا يدري لعلَّ البيع لا يتمّ له، فجُعِلت عند ثقةٍ من امرأةٍ أو رجلٍ يرضيان به جميعًا». باب بيع البراءة
(٣) - (ولا يجوز بيع شيءٍ من العروض والسّلع بالبراءة من العيوب، إلّا عيبًا معيّنًا. ولا بأس ببيع الرّقيق والإماء بالبراءة من العيوب، إلّا ما علمه البائع فكتمه فإنّه لا يبرأ منه، إلّا أن يسمّيه ويعيّنَه ويوقِف المشتري عليه). قال في شرح التفريع [٨/ ١٦٣]: «اختلف: هل البراءة جائزةٌ في جملة المبيعات، أو في بعضها دون بعضٍ؟ فقال ابن حبيب: تجوز البراءة في كلّ شيءٍ، الرقيق والحيوان، وبه حكم عمر بن الخطاب ﵁، وقال به مالكٌ ﵁ في أوّل زمانه، وأخذ به ابن وهبٍ ﵀، قاله الأبهري ﵁.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الأبهري ﵁: ووجه ذلك: أنّ عيوب الحيوان لا يوقف عليها، ففارقت السّلع وأشبهت الرّقيق، والله أعلم. ثم رجع مالكٌ ﵁ فقال: لا تجوز إلّا في الرّقيق وحده، قال ابن القاسم: وبه آخذ من قول مالكٍ، وبه قضى عثمان وعلي وعبد الله بن عمر ﵃، وبه مضى العمل. وإنّما فرّق بين الرّقيق والحيوان، من جهة أنّ الرقيق يخفون عيوبهم، فلا يصل المالك إلى علمها، بخلاف الحيوان فإنّهم لا يكتمون عيوبهم والبائع يقدر على تعرّف ذلك فيهم، فلم يجز له بيعه بالبراءة من عيبٍ إن كان، إلّا أن يكون بها عيبٌ يعلمه، فيجوز له أن يبرَأَ إلى المشتري منه. قال الأبهري ﵁: ومما يدلّ على أنّ بيع البراءة لا يكون إلّا في الرقيق وفيما لا يعلمه البائع من العيب دون ما علمه، ما رواه مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سالمٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ بَاعَ غُلَامًَا لَهُ بِثَمَانِمِئِةِ دِرْهَمٍ بِالبَرَاءَةِ، فَقَالَ الّذِي ابْتَاعَهُ: بِالغُلَامِ دَاءُ لَمْ يُسَمَّ لَي، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ ﵁، فَقَضَى عَلَى ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ: «مَا بِعْتُهُ وَبِهِ عَيْبٌ يَعْلَمُهُ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَحْلِفُ لَقَدْ بِعْتُهُ بِالبَرَاءَةِ»، فَقَالَ عُثْمَانُ ﵁: تَحْلِفُ: مَا بِعْتهُ وَبِهِ عَيْبٌ تَعْلَمُهُ، قَالَ: فَأَبَى ابْنُ عُمَرَ وَاسْتَرْجَعَ العَبْدَ». قال الأبهري ﵁: فلم ير عثمان أن يبرأ من العيب الذي يعلمه». وقال أيضًا في [٨/ ١٦٤]: «قال مالكٌ ﵁: ولا يجوز بيع الجارية بالبراءة من الحمل، إلّا أن يكون من الوخش فلا بأس بذلك، ولا يجوز إذا كان سيدها يطؤها. قال الأبهري: وإنّما قال ذلك؛ لأنّ الحمل يُنْقِصُ المُرْتَفِعَةَ وَلَا يُدْرَى كَمْ نَقْصُهَا، وذلك غررٌ. فأمّا إن كانت من الوخش، فلا بأس ببيعها بالبراءة؛ لأنّ حملها لا ينقصها، بل لعلَّه يزيد في ثمنها».
[ ٢ / ٣٠٧ ]
باب التفرقة في البيع
باب بيع المرابحة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال أيضًا في [٨/ ١٦٥]: «وإذا كانت ظاهرة الحمل، جاز بيعها بالبراءة، كانت من المرتفعات أو الوخش؛ لأنّ المشتري دخل على عيبٍ بها يعلمه. فإن كان البائع يطؤها، لم يجز بيعه إيّاها بالبراءة من الحمل؛ لجواز أن تكون حاملًا منه؛ لأنّها تصير أمّ ولدٍ وبيعها غير جائز. قال الأبهري ﵁: والفرق بين البراءة من الحمل والتّبري من العيب: أنّ الحمل يظهر، وتمكن معرفته من غير جهة الأمة، والعيب لا يُوقف عليه إذا كان باطنًا إلّا من جهتها، فجازت البراءة من العيب، ولم يجز من الحمل، والله أعلم». باب التفرقة في البيع
(٢) - (ولا يجوز أن يفرّق بين الأمة وولدها في البيع، ولا بأس أن يفرّق بين العبد وولده). قال في شرح التفريع [٨/ ١٦٧]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ الصّغير يلحقه الضّرر بالفرقة بينه وبين أمّه؛ لما يفقد من رفقها وقيامها عليه وحضانتها له حتى يستغنى بنفسه ويعرف حاله ومصالحه؛ ولذلك جُعِلت الحضانة للأمّ ولسائر النّساء من ذوات الرّحم؛ لرفقهنّ بالولد». باب بيع المرابحة
(٣) - (ولا بأس بالبيع مساومةً ومرابحةً. ومن باع مرابحةً، فإنّه يحسب في أصل الثّمن كلّ ما له تأثيرٌ في العين، مثل: الخياطة والقصارة والصّبغ والطّرز) قال في شرح التفريع [٨/ ١٧٦]: «إذا ثبت هذا، فمن باع مرابحةً، فإنّه يحسب في أصل الثّمن ويحسب له الرّبح كلّ ما له تأثيرٌ في العين: مثل الخياطة والقصارة والصّبغ والطّراز، وشبه ذلك ممّا له عينٌ قائمةٌ؛ لأنّه لا فرق بين ما زاد وبين أصل الشّيء المشترى إذا كانت له أعيانٌ قائمةٌ. قال الأبهري ﵁: فكأنّها سلعةٌ ضُمَّت إلى سلعةٍ».
[ ٢ / ٣٠٨ ]