_________________
(١) هذا العنوان إضافة من المحقق، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع من شرح الأبهري للمختصر الكبير ما يلي: ما زاد على نصاب الذهب والفضة، هل فيه عفو
(٢) - (ولا زكاة في أقلّ من مئتي درهمٍ من الورق، فإذا بلغت مئتي درهمٍ ففيها خمسة دراهم، ولا زكاة في أقلّ من عشرين دينارًا من الذّهب، فإذا بلغت عشرين دينارًا ففيها نصف دينارٍ، وما زاد على النّصاب فبحساب ذلك، قلَّ أو كثر). قال في شرح التفريع [٤/ ١٤]: «إذا ثبت هذا، فاختلف النّاس فيما زاد على نصاب الذّهب والورق، هل فيه عفوٌ أم لا؟ فذهب مالكٌ والشّافعي وجمهور العلماء، إلى أنَّ ما زاد على النّصاب فإنّه يخرج زكاته بحسابه، قلَّ أو كثر قال الأبهري: ولأنّ وجوب الزّكاة قد استقرّ فيها، ونفيها قد زال، فوجب أن يؤخذ من النّصاب وما بعده، قليلًا كان أو كثيرًا. ولأنَّ الزّكاة تؤخذ من العين بالنّصاب، فكذلك الزيادة غناه لما زاد على النّصاب، فوجب أن يؤخذ منه بمقدار غناه، قليلًا كان أو كثيرًا».
(٣) - (فمن كانت معه عشرون دينارًا أو مئتا درهمٍ ناقصة، وهي تجوز بجواز الوازنة، فالزّكاة فيها واجبةٌ). قال في شرح التفريع [٤/ ١٥]: «واختلف أصحابنا في معنى تجوز بجواز الوازنة: فقال ابن القصّار: معنى ذلك، أن تختلف في الموازين، فتكون في ميزانٍ وازنةً، وفي ميزانٍ ناقصةً، وإذا نقصت في جميع الموازين فلا زكاة فيها. وبهذا فسّر الأبهري قول مالكٍ في مختصر ابن عبدالحكم، فقال: قوله: «إن نقصت
[ ١ / ٦٩ ]
فيمن استفاد مالا خلال الحول
فيمن استفاد مالين في وقتين مختلفين في حول واحد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نقصانًا يسيرًا وهي تجوز بجواز الوازنة، فالزّكاة فيها واجبةٌ»، يعني بذلك إذا كان نقصان اختلاف الموازين، فتكون في ميزانٍ من موازين المسلمين مئتين، وفي ميزانٍ آخر أقلّ، فإنَّ عليه أن يزكي؛ احتياطًا للزّكاة. ولأنهّا خمس أواقٍ أو عشرون دينارًا، فلا زكاة عليه، هذا معنى قول مالكٍ، وقد فسّره مالكٌ في غير كتاب ابن عبد الحكم. قال: ويجوز أن تكون الزّكاة أيضًا تجب متى نقصت نقصانًا يسيرًا، كالحبّة أو الفلس، وإن كانت تنقص في كل الموازين؛ احتياطًا للزّكاة؛ لأنّ هذا النّقصان غير مؤثِّرٍ على مالكها، فلا يضرّه ذلك؛ إذ هو غنيٌّ بالنّصاب الذي ملكه. فيمن استفاد مالًا خلال الحول
(٢) - (ومن استفاد ذهبًا أو ورقًا، فلا يزكها حتّى يحول الحول عليها). قال في شرح التفريع [٤/ ٢٠]: «قال الأبهري: وروى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنّه قال: «لَا تَجِبُ الزّكَاةُ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُوْلَ عَلَيْهِ الحَوْلُ». قال: وقد روينا ذلك عن أبي بكرٍ الصّديق ﵁ أنّه قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ». وروى أنسٌ، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَولُ». وهذا أيضًا مما قد أجمع عليه أهل العلم من الصّحابة وغيرهم، إلّا شيئًا يُروى عن ابن عباسٍ أنَّه قال: «فِيهِ الزَكَاةُ». فيمن استفاد مالين في وقتين مختلفين في حول واحد
(٣) - (وإن استفاد مالين في وقتين، فإن كان الأوّل منهما نصابًا، زكّى كلّ واحدٍ منهما بحوله ولم يضمّه إلى غيره، وإن لم يكن الأوّل نصابًا، ضمَّه إلى الثاني وزكّاه لحوله). قال في شرح التفريع [٤/ ٢٢]: «فإن كان مجموعًا نصابًا، مثل أن يفيد عشرة دنانير، ثم يفيد قبل تمام حولها عشرة دنانير، فلا زكاة عليه؛ لتمام حول الأولى؛ لأنّها ليس من
[ ١ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ربحها قال الأبهري: ولأنّ النّصاب حصل معه يوم أفاد العشرة الثّانية، فلا زكاة حتّى يحول الحول من يوم تمّ النّصاب معه». ربح المال مضموم إلى أصله ويزكى لحوله
(٢) - (وربح المال مضمومٌ إلى أصله، ويُزكّى لحوله، كان الأصل نصابًا أو ما دونه إذا تمّ نصابًا بربحه). قال في شرح التفريع [٤/ ٢٦]: «قال الأبهري: وإنّما قال مالكٌ: إنّ الربح يزكّى لحول الأصل، سواءٌ كان الأصل نصابًا أم غير نصابٍ؛ من قِبَلِ أنّ الرّبح لمّا كان حكمه حكم الأصل؛ لأنّه مستفادٌ منه، فكأنّه متولّد عنه، فأشبه ذلك السّخال المتولّدة عن الأمهات، أنّها تزكّى لحلول الأمّهات. قال الأبهري: فلو أنّ رجلًا ملك ثمانين من الغنم حال عليها الحول إلى يومٍ، ثمّ توالدت فصارت إحدى وعشرين ومئة، لوجب عليه فيها شاتان، وكأنَّ هذه السّخال الذي توالدت قبل الحول بيومٍ لم تزل في يده من أوّل الحول مع الأمّهات، وهذا الموضع لا خلاف فيه بين العلماء نعلمه، فإذا جعلوا حكم السخال في وجوب الزّكاة كأنّها لم تزل موجودةً مع الأمّهات؛ لأنّها متولّدةٌ عنها ومستفادةٌ منها، فكذلك الرّبح يزكّى مع الأصل وكأنّه موجودٌ مع الأصل، سواءٌ كان الأصل ممّا فيه الزّكاة أم لا. قال: فإن قيل: إنّ الغنم التي ذكرت هي نصابٌ فيها الزّكاة، ففي سخالها الزّكاة مع الأصل، وليس فيما دون النّصاب زكاةٌ، وكذلك في ربحه؟ قيل له: نصاب الغنم الذي كان، ليس فيه شاتان، وإنّما تجب فيه شاةٌ واحدةٌ، فإذا جاز أن يأخذ شاةَ بشيءٍ لم يحل عليه الحول، جاز أن يوجب الزّكاة بشيءٍ حلّ الحول عليه وإن لم يكن موجودًا من أوّل الحول إلى آخره، كما زدتَ في الزّكاة فأخذتَ شاةً بشيءٍ ليس موجودًا من أوَّل الحول، وجعلته كأنّه موجودًا من أوَّل الحول إلى آخره». وقال أيضًا في [٤/ ٢٨]: «وأمَّا قوله: كان الأصل نصابًا أو دونه، إذا تمّ نصابًا بربحه ، قال الأبهري: ولأنّ الدّنانير والدّراهم، ليست أغراض النّاس في أعيانها،
[ ١ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإنّما غرضهم فيها المنافع والجودة، ولا فصل بين أن يكون مع الرجل مئتا درهمٍ أو عشرون دينارًا؛ لأنّه يستغني بأحدهما كما يستغني بالآخر، أعني: الغنى الذي تجب عليه فيه الزكاة، فإذا كان كذلك، وجب أن يكون إذا كان معه بعض المئتي درهم وبعض العشرين، أن تكون عليه الزّكاة؛ لكونه غنيًّا بهما، وحصول مقدار ما تجب فيه الزَّكاة معه. فإن قيل: إنّ النّبيّ ﷺ لمّا قال: «لَيْسَ فِيمَا دُوْنَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» فنفى الزّكاة فيما دونها، لم يجز أن تؤخذ الزّكاة من دونها إذا كانت معها غيرها؟ قيل له: معنى هذا الخبر إنّما هو: إذا لم يكن معه مئتا درهمٍ وعرض يساوي مئة درهمٍ للتّجارة قد حال عليها الحول، لوجب عليه الزكاة، وكذلك إذا كان معه عشرة دنانير وعرض يساوي مثلها، وجبت عليه الزكاة، إلّا أنّ العرض يقوم مقام العين، وكذلك الدّراهم تقوم مقام الدّنانير، والدّنانير مقام الدراهم؛ لما ذكرناه من حصول الغنى بكلّ واحدٍ منهما. فإن قيل: إنّهما جنسان مختلفان، وقد فرّق بينهما في الاسم والصّنف، وليس يجوز جمعهما في الزّكاة، ولو جاز ذلك، لجاز ضمّ الحنطة إلى التّمر، والبقر إلى الغنم، فلمّا لم يجز ذلك، فكذلك لا يجوز ضمُّ ذهبٍ إلى فضّةٍ؛ لاختلاف الاسم والصّنف؟ قيل له: اختلاف الاسم والصّنف لا يمنع من وجوب الضّم في الزّكاة، إذا كانت منفعتهما متقاربةٌ. ألا ترى: أنّا نضمّ الضّأن في الزّكاة إلى المعز، وإن كانت أسماؤها مختلفةً وأجناسها متغايرةً، والدّليل على ذلك قوله ﷿: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] فجعل الضّأن والمعز صنفين، كما جعل البقر والإبل صنفين ففرّق بينهما في الاسم والصنف، فوجب ضمّهما في الزّكاة لاتّفاق المعاني، وكذلك الذّهب
[ ١ / ٧٢ ]
في تبديل النصاب
(^١) الزَّكاة فيما باع إذا كان مقدار ما تجب فيه الزَّكاة، ثم يزكي ما باع
_________________
(١) والفضّة، هما مختلفان في الاسم والجنس، ثم لا يمنع من وجوب ضمّهما في الزّكاة؛ لاتّفاق معانيها التي ذكرنا. فأمّا الجمع بين الحنطة والتّمر، والبقر والإبل، فليس يجوز ذلك؛ لاختلاف معانيها؛ لأنّ الغرض في كل صنفٍ منها غير الغرض في الصّنف الآخر، ولو لزِمَنَا، لانضمّ الذّهب والفضّة؛ لاختلاف الاسم والصّنف، وألّا يضمّ بين السّلت والشّعير والعدس والحنطة؛ لاختلاف الاسم والصّنف، والله أعلم». في تبديل النصاب
(٢) - (ومن كانت له عشرة دنانير فحال عليها الحول، فباعها بمئتي درهمٍ، أخرج الزكاة، وكذلك من كان له دون النّصاب من الورق، فاشترى به بعد حلول الحول نصابًا من الذّهب، وجبت عليه زكاته). قال في شرح التفريع [٤/ ٣٤]: «قال مالكٌ في مختصر ابن عبد الحكم: ومن كانت عنده عشرة دنانير فحال عليها الحول، واشترى بها بعد الحول دراهم يجب في مثلها الزّكاة، زكّاها حين اشتراها؛ لأنّ الأصل قد حال عليه الحول، وهذه الدراهم من ذلك الأصل. قال الأبهريّ: فذكر مالكٌ العلّة في وجوب الزّكاة في الدراهم لقوله؛ لأنّ الأصل قد حال عليه الحول، وهذه الدّراهم من ذلك الأصل».
(٣) من هنا يبدأ المخطوط فيما قدرته، وهو في باب زكاة الدَّين، والذي في المطبوع أنَّهُ يبدأ من زكاة المعادن، وما أدري ما وجهه؛ لأن باب زكاة المعادن يقع في منتصف الصفحة، وقبلها في نفس الصفحة الكلام حول مسألة أخرى. ويشبه أن تكون المسألة التي يتكلم عليها الشارح، ما في المختصر الصغير، ص (٣٠٣): قال عبد الله: ومن كان عنده عرض لتجارةٍ، فحال عليه أحوال، فليس عليه إلا زكاةٌ واحدةٌ إذا باعه.
[ ١ / ٧٣ ]
بعد ذلك من قليلٍ أو كثيرٍ على ما ذكرناه.
والحجَّة فيه كالحجَّة في زكاة الدَّيْنِ؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ العُرُوضَ لا تجب في أعيانها الزَّكاة، وإنَّما تجب في أثمانها إذا كانت للتّجارة، فقبل أن يُحَصِّل ثمنها فلا زكاة عليه.
ألا ترى: أنَّ رجلًا لو وَرِثَ عَرَضًا أو وُهِبَ له ونوى فيه التّجارة، لم تجب عليه فيه الزَّكاة حتى يبيعه، ثم يستقبل حولًا من يوم باعه، فإذا اشتراه بنيّة التّجارة، وجبت عليه فيه الزَّكاة متى ما باعه ولم يستقبل حولًا؛ لأنَّهُ اشتراه للتّجارة ونوى فيه البيع، وليس تجب عليه بالنيّة الزَّكاة دون حصول الثَّمن.
ألا ترى: أنَّهُ لا تجب عليه فيما وَرِثَهُ أو وُهِبَ له الزَّكاة بالنيّة حتى يبيعه، ثم يستقبل حولًا؛ من قِبَل أنَّ أصل مُلْكِه لم يكن للتّجارة، ولا بدل من شيءٍ فيه الزَّكاة.
فثبت بما قلنا أنَّ العُرُوضَ ليس في أعيانها زكاةٌ، وإنَّما الزَّكاة في أثمانها على ما وصفنا.
فلهذا قال مالك: «إنَّه لا تُقَوَّمُ العروض كل سنةٍ؛ لأنها ليسـ[ـت] (^١) تُعَيَّنُ في أول كل سنةٍ، والزَّكاة تجب في العين والحرث والماشية، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» (^٢)، فكل
_________________
(١) ما بين [..]، مطموس، والسياق يقتضيه.
(٢) متفق عليه: البخاري (١٤٦٤)، ومسلم [٣/ ٦٧]، وهو في التحفة [١٠/ ٢٥٣].
[ ١ / ٧٤ ]
العروض كالفرس والعبد في أنَّهُ لا زكاة في أعيانها، إلَّا أن يشتريها للتّجارة ويبيعها، فتكون حينئذٍ عليه الزَّكاة؛ لأنَّهُ قَصَد إليها وأخرجها عن القِنْيَةِ والتَّجمل.
•••
[١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنِ اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَتَجَرَ فِيهَا حَوْلًا فَصَارَتْ عِشْرِينَ فَزَكَّاهَا، فَإِنَّهُ يُزَكِّي عَنْ كُلِّ مَا اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ، مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَلِ أنَّ الرِّبْح الذي ربح في العشرة حكمه حكم الأصل، فلمَّا (^٢) وجبت الزَّكاة فيما قد قبضه من الدَّيْنِ مع حصول الربح فيه، فإذا كان نصابًا، جرى حكم الزَّكاة فيه، ووجب عليه أن يُزَكِّي ما قبض بعد ذلك من قليلٍ أو كثيرٍ؛ لاستقرار حكم الزَّكاة فيما قبضه من الدَّيْنِ، والله أعلم.
•••
[٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، كَانَ بالدَّيْنِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، ثُمَّ وَهَبَهُ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ للَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى الوَاهِبِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَامَ عِنْدَ المَوْهُوبِ لَهُ أَحْوَالًا قَبْلَ هِبَتِهِ (^٣).
• لأنَّ الدَّين إذا وَهَبه، فلم يقبضه فلا زكاة عليه (^٤)؛ من قِبَل أنَّ الزَّكاة إنَّما
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٠)، النوادر والزيادات [٢/ ١٤٩].
(٢) قوله: «فلما»، كذا في شب، ولعلها: «فلذا».
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٠)، المدونة [١/ ٣٢٢]، النوادر والزيادات [٢/ ١٦٢].
(٤) من قوله: «لأن الدائن» إلى هذا الموضع، وقع في المخطوط متصلًا بمتن ابن عبد الحكم، والذي يظهر أنَّهُ من كلام الأبهري.
[ ١ / ٧٥ ]
تجب عليه في الدَّيْنِ الذي يحصل في يده، فيلزمه فيه حكم الزَّكاة؛ لأنها تجب عليه بالقبض، فأمَّا قبل ذلك فلا تجب عليه، كما تجب في العَرَضِ إذا باعه، وقبل أن يبيعه، فلا شيء عليه على ما ذكرنا.
وكذلك الموهوب له لا زكاة عليه أيضًا؛ من قِبَلِ أنَّهُ إنَّما يملك ذلك حين وُهِب له، فأمَّا قبل ذلك فغير مالك لهٍ، وليس تجب في مالٍ مستفادٍ الزَّكاة قبل حلول الحول عليه.
•••
باب زكاة التجارة (^١)
[٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ تَاجِرًا يَبِيعُ العَرَضَ بِالعَرَضِ وَلَا يَبِيعُ بِشَيْءٍ مِنَ العَيْنِ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ (^٢).
• إنَّما الزَّكاة على من يبيع بالذهب والفضة، ولا تقويم عليه، وإنَّما يُقَوِّم من كان يبيع بالعين والعرض.
فأمَّا إذا باع عرضًا بعرضٍ، فلا زكاة عليه حتى يبيع العرض، ويستقبل حولًا من يوم باعه؛ من قِبَل أنَّ العرض ليس في عينه الزَّكاة على ما ذكرناه، فمتى باع عرضًا بعرضٍ، فلا زكاة عليه.
_________________
(١) كذا وقع هذا الباب في المخطوط في منتصف الصفحة وبعد المسألة السابقة، وقد جاء في المطبوع بعد المسألة (٧٠).
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٨)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٢)، التفريع [١/ ٢٨٠].
[ ١ / ٧٦ ]
•••
[٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ تَاجِرًا يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، وَلَا يُحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ، إِنَّمَا يَبِيعُ بِعَشَرَةٍ وَيَقْبِضُ عِشْرِينَ، وَيَبِيعُ بِكَثِيرٍ وَيَأْخُذُ قَلِيلًا، مِثْلُ أَهْلِ الحَوَانِيتِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُ أَحَدُهُمْ عَلَى أَنْ يُحْصِيَ حَوْلَ مَالِهِ، أَنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ يُحْصِي مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ العَيْنِ وَمَا كَانَ لَهُ مِنَ الدَّيْنِ فِي مَلَاءٍ وَثِقَةٍ، وَيُقَوِّمُ مَا عِنْدَهُ مِنَ العُرُوضِ، ثُمَّ يُخْرِجُ زَكَاةَ ذَلِكَ، هَكَذَا يَعْمَلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَإِنْ بَاعَ عُرُوضَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَوَّمَ أَوْ أَقَلَّ، فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ (^١).
• إنما قال: «إنَّهُ يزكي الذي يدير التجارات على ما ذَكَرَ، فليس يضبط ماله من العرض والعين والدَّيْنِ في سَنَتِهِ كلها، ولا ما يدخل عليه من العين أو يخرج عنه من العروض كأهل الحوانيت»؛ لأنَّهُ لو لم يُقَوِّم هؤلاء ويزكون، لم يخرجوا الزَّكاة أبدًا، وليس يجوز إسقاط الزَّكاة في العين والدَّيْنِ والعروض التي تدار في التجارات وتباع بالعين؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى إسقاط ما قد أوجبه الله تعالى من الزَّكاة، وأوجبه رسول الله ﷺ، وبذلك أمر عمر بن الخطاب ﵁ حِمَاسًا أن يزكي.
فروى يحيى بن سعيد القطان (^٢)، عن يحيى بن سعيد الأنصاري (^٣)، قال:
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٨)، الموطأ [٢/ ٣٦٠]، المدونة [١/ ٣١١]، النوادر والزيادات [٢/ ١٦٧].
(٢) يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي، ثقةٌ، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٥٥).
(٣) يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، ثقةٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٠٥٦).
[ ١ / ٧٧ ]
حدثنا عبد الله بن أبي سلمة (^١)، عن أبي عمرو بن حِمَاس (^٢)، عن أبيه (^٣) قال: قال له عمر بن الخطاب: «زَكِّ مَالَكَ، وَكَانَ يَبِيعُ الأَدَمَ والخِفَافَ» (^٤).
وكذلك قال عثمان بن عفان ﵁: «اجْعَلُوا شَهْرًا لِزَكَاتِكُم» (^٥).
فأمَّا من كان لا يدير، فلا زكاة عليه حتى يبيع؛ لأنَّهُ يعرف مقدار العين من العرض أو الدَّيْنِ الذي يملكه، فعليه أن يزكي كل واحدٍ على حوله وحكمه، والله أعلم.
وقوله: «فإن باع عرضه بأقل من ذلك أو أكثر فلا شيء عليه»، من قِبَلِ أنَّ عليه أن يجتهد في تقويم السلع ويحتاط في ذلك للزكاة، وليس عليه أكثر من
_________________
(١) عبد الله بن أبي سلمة الماجشون التيمي مولاهم، ثقةٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٥١٢).
(٢) أبو عمرو بن حماس الليثي، مقبولٌ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١١٨٢).
(٣) حماس بن عمرو الليثي المدني، مخضرم، كَانَ رجلًا كَبِيرًا فِي عهد عمر، وَذكره ابن حبَان فِي الثِّقَات. تعجيل المنفعة [١/ ٤٦٦].
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد، في مسائله، ص (١٦٣)، عن أبيه، وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية [٥/ ٥٥٥]، عن مسدد. كلاهما: أحمد ومسدد، عن يحيى بن سعيد القطان به، وروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري من طرق أخرى.
(٥) أخرجه مالك في الموطأ [٢/ ٣٥٥]، من طريق السائب بن يزيد، أن عثمان بن عفان كان يقول: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤدِّ دينه، حتى تحصل أموالكم، فتؤدُّون منها الزَّكاة»، وهو في البخاري (٧٣٣٨) مختصرًا.
[ ١ / ٧٨ ]
ذلك، زادت بعد ذلك أو نقصت، كما أنَّ الخارص يخرص الثمرة، وتؤخذ الزَّكاة على خرصه، وليس يضره ما زاد أو نقص بعد ذلك.
•••
[٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ أَوْ مَالَانِ، إِنَّمَا يَضَعُهُ فِي سِلْعَةٍ أَوْ سِلْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَبِيعُ فَيَعْرِفُ حَوْلَ كُلِّ مَالٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ إِذَا مَرَّ بِهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا زَكَّى مَا فِي يَدِهِ مِنَ العَيْنِ.
وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ العُرُوضِ وَإِنْ أَقَامَ سِنِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَحْفَظُ مَالَهُ وَأَحْوَالَهُ، وَالَّذِي يُدِيرُ لَا يَحْفَظُ ذَلِكَ وَلَا يُحِيطُ بِهِ، فَمِنْ ثَمَّ قَوَّمَ هَذَا وَلَمْ يُقَوِّمْ هَذَا (^١).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في أنَّهُ لا زكاة عليه في كل سنةٍ في عروضه ولا تقويم عليه؛ وهو أنَّهُ يحفظ ماله من العين والعروض، فيزكي العين لحوله، والعروض إذا باعها، فأمَّا قبل أن يبيعها فلا زكاة عليه.
•••
[٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ بَاعَ عَرَضًا لَهُ بِعَيْنٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، ثُمَّ أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ بِذَلِكَ العَيْنِ عَرَضًا، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيعَ ذَلِكَ العَرَضَ، وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَهُ أَحْوَالًا بِمَا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٩)، المدونة [١/ ٣١١]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٢)، النوادر والزيادات [٢/ ١٦٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٩).
[ ١ / ٧٩ ]
• إنما قال: «إنَّهُ لا زكاة عليه في الدَّيْنِ الذي باع به العرض»؛ مِنْ قِبَلِ أنَّهُ لم يقبضه، والدَّيْنُ فالزَّكاة تجب فيه متى قبض، فأمَّا قبل ذلك فلا، وإنَّما حصل عرضٌ بعرضٍ، وليس في العروض زكاةٌ حتى يبيعها إذا كانت للتّجارة، ثم يزكِّي ثمنها.
•••
[٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا لِخِدْمَةٍ، أَوْ جَارِيَةً لِخِدْمَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَى الثَّمَنِ الحَوْلُ (^١).
• لأنَّ العروض لا زكاة فيها، ولا في أثمانها إذا كانت لغير تجارةٍ، قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ زَكَاةٌ» (^٢)، فإذا باعه، استقبل الحول من يوم باعه، ثم يزكِّي الثَّمن إذا حال عليه الحول.
•••
[٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا لِتِجَارَةٍ إِلَّا أَنَّهُ يَخْتَدِمُهُ، ثُمَّ بَاعَهُ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ إِذَا كَانَ قَدْ حَالَ عَلَى ثَمَنِهِ الحَوْلُ (^٣).
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٠٣)، المختصر الكبير، ص (١٠٩)، النوادر والزيادات [٢/ ١٢٠]، التفريع [١/ ٢٨٠]، وقد جاء النص في المخطوط متصلًا بما بعده من الشرح، وكذا هو في المطبوع، والذي يغلب على الظنِّ أن ما بعده هو من الشرح؛ إذ ليس من عادة ابن عبد الحكم إيراد الأحاديث في مختصره، وكذلك فإن عادة الشارح في هذا الموضع، ذكر الصلاة على النّبيّ ﷺ دون السلام، والله أعلم.
(٢) تقدَّم ذكره في مقدمة كتاب الزكاة.
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٠).
[ ١ / ٨٠ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَلِ أنَّهُ اشتراه بنيّة التّجارة، فوجب عليه في ثمنه الزَّكاة إذا باعه من يوم حال عليه الحول على ثمن العبد الذي اشتراه.
•••
[٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ، فَحَبَسَهُ سِنِينَ (^١)، ثُمَّ بَاعَهُ، زَكَّاهُ حِينَ بَاعَهُ؛ لِأَنَّ أَصَلَهُ كَانَ لِلْبَيْعِ (^٢).
قد ذكر مالكٌ العلَّة في وجوب الزَّكاة في ثمنه إذا باعه بقوله: لأنَّ أصله كان للبيع، يعني: أنَّهُ لَمَّا اشتراه على نية التّجارة، لم ينتقل عنها بنيته لحبسه واستخدامه.
وقال ابن القاسم عن مالك في هذه المسألة: «إنَّه لا زكاة عليه إذا باعه حتى يحول عليه الحول» (^٣)؛ لأنَّهُ لَمَّا حبسه للقنية، رجع إلى ما كان عليه في الأصل من أنَّ العروض لا زكاة في أعيانها إلَّا أن تُشْتَرى للتّجارة وتباع، فلمَّا رفع نية التّجارة منه، عاد إلى أصل القِنْيَةِ، فلم تجب عليه الزَّكاة.
وكلا الروايتين محتملةٌ، ورواية ابن عبد الحكم أحوط للزّكاة، ورواية ابن القاسم أقيس، والله أعلم.
_________________
(١) قوله: «سِنِينَ» كذا في شب، وفي المطبوع: «سنتين».
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٥)، النوادر والزيادات [٢/ ١٢٠]، التفريع [١/ ٢٨٠]، وقد جاء ترتيب هذه المسألة وما بعدها في المطبوع بعد زكاة الغنم.
(٣) ينظر: المدونة [١/ ٣١١]، المنتقى [٢/ ١٢١].
[ ١ / ٨١ ]
•••
[١٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، ثُمَّ حَبَسَهُ سِنِينَ (^١)، ثُمَّ بَاعَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الحَوْلُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصَلَهُ لِلْقِنْيَةِ (^٢).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في أنَّهُ لا زكاة على ثمنه حتى يحول عليه الحول، وهو قوله: «إنَّ أصله للقنية»، يعني: لَمَّا اشتراه بنيّة القِنْيَةِ، لم تجب عليه فيه الزَّكاة إذا باعه بعد ذلك لِمَا أحدثه من النية؛ لأنَّ نية التّجارة لا تجب عليه بها الزَّكاة متى ما باعه، إلَّا أن يشتريه بنيّة التجارة.
ألا ترى: أنَّهُ لو نوى في عَرَضٍ وُهِبَ له أو تُصُدِّقَ به عليه أو وَرِثَه التّجارة، ثم باعه، لم تجب عليه الزَّكاة حتى يحول على ثمنه الحول، ولو اشتراه بنيّة التّجارة، لوجب عليه في ثمنه الزَّكاة إذا باعه، والله أعلم.
•••
[١١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اشْتَرَى عَبِيدًا أَوْ مَسَاكِنَ لِلْغَلَّةِ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي غَلَّتِهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، وَإِنْ بَاعَهَا فَالزَّكَاةُ فِي أَثْمَانِهَا إِذَا كَانَ قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الحَولُ، وَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ بِهِ الحَوْلَ مِنْ يَوْمِ تُبَاعُ، المَسَاكِنُ تُشْتَرَى لِلسُّكْنَى، وَالعَبِيدُ يُشْتَرَوْنَ لِلْخِدْمَةِ (^٣).
_________________
(١) قوله: «سِنِينَ» كذا في شب، وفي المطبوع: «سنتين».
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٦)، التفريع [١/ ٢٨٠].
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٦)، المختصر الصغير، (٣٠٤)، النوادر والزيادات [٢/ ١٢٧]، التفريع [١/ ٢٧٥].
[ ١ / ٨٢ ]
• قوله: «لا زكاة في غَلَّتها حتَّى يحول عليها الحولُ»؛ لأنَّ ذلك فائدةٌ، والفائدة لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحولُ.
وقوله: «في أثمانها الزَّكاة إذا باعها إذا كان قد حال عليها الحولُ»، ففي هذا الموضع قد وهم ابن عبد الحكم على مالكٍ فيما نقله عنه؛ لأنَّ ابن القاسم (^١) قال عن مالكٍ في هذه المسألة: «لا زكاة عليه فيها» (^٢)، قال ابن القاسم: «وقد قال مالكٌ: أحبّ إلينا أن يزكيها إذا باعها»، وقال ابن وهبٍ (^٣) عن مالك في هذه المسألة: «إذا كان قد اشترها للتّجارة، فعليه الزّكاة في ثمنها إذا باعها، وإن اشتراها للسّكنى أو الغلّة، فلا زكاة عليه حتى يحول عليها الحول من يوم باعها» (^٤)، والصّحيح الذي رواه ابن القاسم وابن وهب.
•••
[١٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ حَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ، ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاتَهُ، فَرَبِحَ مِثْلَهُ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ زَكَاةَ المَالِ
_________________
(١) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي، صاحب مالك وراوية المسائل عنه، من الطبقة الوسطى من أصحاب مالك، ينظر: سير أعلام النبلاء [٩/ ١٢٠]، الديباج المذهب [١/ ٤٦٥].
(٢) ينظر: المدونة [١/ ٣٢٣].
(٣) عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري مولاهم المصري الحافظ، من الطبقة الأولى من أصحاب مالك، ينظر: سير أعلام النبلاء [٩/ ٢٢٣]، الديباج المذهب [١/ ٤١٣].
(٤) لم أقف عليه.
[ ١ / ٨٣ ]
الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، الزَّكَاةَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ اشْتَرَى، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ زكاة المال الذي اشترى به واجبةٌ عليه، فيخرجها؛ لأنَّ ذلك بمنزلة الدَّيْنِ عليه، ثم يستأنف الزَّكاة فيما بقي من المال وربحه، فإذا حال عليه الحول، زكَّى ما بقي من المال وربحه بعد مقدار الزَّكاة التي أخرجها.
•••
باب ضمان الزَّكاة (^٢)
[١٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةً قَبْلَ مَحِلِّهَا، فَلَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فبيَّن النّبيُّ ﷺ وقت وجوب الزَّكاة وهو حلول الحول، كما بيَّنَ أوقات الصلوات، فلمَّا لم يجز تَقْدُمَة الصلاة قبل وقتها؛ إذ هي متعلّقةٌ بوقتٍ، فكذلك الزَّكاة، وكذلك الصّوم والحج وسائر الأعمال العبادات التي هي متعلقةٌ بوقتٍ، لا يجوز تقديمها قبل وقتها.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٦)، المدونة [١/ ٣٠٤]، [التفريع [١/ ٢٧٥]، وقد حكى ابن يونس في الجامع [٤/ ٢٠]، واللخمي في التبصرة [٢/ ٨٧٧] عن ابن عبد الحكم نحوه.
(٢) كذا في المخطوط، جاء ذكر الباب في قرابة منتصف الصفحة، وبعد المسألة السابقة، وقد جاء ذكر هذا الباب في المطبوع، بعد زكاة العوامل، ص (١٠٥)
(٣) المختصر الكبير، ص (١٠٥)، المدونة [١/ ٣١٥ و٣٣٥]، التفريع [١/ ٢٧٥]، المنتقى للباجي [٢/ ٩٢].
[ ١ / ٨٤ ]
فإن قيل: إنَّ الزَّكاة كالدَّيْنِ؛ لأنَّهُ حقٌّ في المال، فلمَّا جاز تَقْدُمَة الدَّيْنِ قبل وقته، جاز كذلك الزَّكاة قبل وقتها (^١).
قيل له: ليست تشبه الزَّكاة الدَّيْنَ؛ من قِبَل أنَّ الزَّكاة عملٌ مُتعبدٌ به الإنسان، لا يجوز أن يفعله بغير نيةٍ، ولا أن يُفعل عن الإنسان من غير أن يَعْلَم، ولا يجوز أن يترك فعلها، والدَّيْنُ قد يجوز أن يُؤدَّى عن الإنسان من حيث لا يعلم، ويجوز أن يسقُطَ أداؤه بأن يتركه صاحبه، فكان الدَّيْنُ مخالفًا للزكاة لهذه العلَّة (^٢).
فإن قيل: قد استقرض النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ من رجلٍ بَكْرًا (^٣)، ثم قضاه من الصدقة (^٤)، ولولا أنَّهُ استسلفه صدقةً، ما جاز أن يقضيه من الصدقة (^٥).
قيل له: يجوز أن يكون استسلف النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ رجلًا لا تجب عليه
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: المبسوط للسرخسي [٢/ ٧٧]، المغني لابن قدامة [٤/ ٨٠].
(٢) نقل التلمساني في شرح التفريع [٤/ ٤٠]، عن الأبهري هذا الشرح.
(٣) قوله: «بَكْرًا»، البَكْرُ: الفتيُّ من الإبل، بمنزلة الغلام من النَّاس، والأنثى بكرة، ينظر: النهاية في غريب الحديث [١/ ١٤٩].
(٤) أخرجه مالك [٤/ ٩٨١]، ومن طريقه مسلم [٥/ ٥٤]، عن أبي رافعٍ مولى رسول الله ﷺ؛ أنَّهُ قال: «استسلف رسول الله ﷺ بكرًا، فجاءته إبلٌ من الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني رسول الله ﵇ أن أقضي الرجل بكره، فقلت: لم أجد في الإبل إلَّا جملًا خيارًا رباعيًا، فقال رسول الله: أعطه إياه؛ فإنَّ خيار النَّاس أحسنهم قضاءً»، وهو في التحفة [٩/ ٢٠٢].
(٥) ينظر الاعتراض في: الأم للشافعي [٣/ ٥٠]، الحاوي للماوردي [٤/ ١٢٦]، المحلى [٤/ ٢١١].
[ ١ / ٨٥ ]
صدقةٌ، فصرفه إلى من تحل له الصدقة، أو من يقوم مقامَه ممن يستحقُّ ذلك، ثم قضى المأخوذ منه ما استقرضه.
ولو كان استقرض منه مِنَ الصدقة التي عليه، لَمَا كان يقضيه، ولا معنى لقضاء ما قد أخذه منه، أعني: الصدقة.
فإن قيل: قد استسلف النّبيُّ ﷺ من العباس صدقته (^١) (^٢).
قيل له: الحديث غير صحيح؛ من قِبَلِ أنَّ راويه حُجَيَّةُ بن عَدِيّ (^٣)، وفي حديثه لينٌ.
فإن قيل: فأنت تجيز تَقْدُمَة كفارة اليمين قبل الحنث، وإن كان النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أوجبها بعد الحنث، فكذلك يجب أن تجيز تَقْدُمَة الزَّكاة، وإن كان النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أوجبها بعد الحول (^٤).
قيل له: الكفارة على وجهين:
فكفارةٌ هي لوقوع الحنث، وهي الكفارة الواجبة التي قد استقرَّ وجوبها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٥٣]، والترمذي [٢/ ٥٦]، وابن ماجه [٣/ ١٥]، من طريق الحكم بن عتيبة، عن حجية بن عدي، عن علي: «أن العباس بن عبد المطلب سأل النّبيّ ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك»، وهو في التحفة [٧/ ٣٥٩].
(٢) ينظر الاعتراض في: المبسوط للسرخسي [٢/ ١٧٦]، بدائع الصنائع [٢/ ٥٠]، الحاوي للماوردي [٤/ ١٢٥]، المجموع [٦/ ٧١]، المغني [٤/ ٧٩].
(٣) حجية بن عدي الكندي، صدوقٌ يخطئ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٢٢٦).
(٤) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٤/ ١٢٧]، المغني لابن قدامة [٤/ ٨٠].
[ ١ / ٨٦ ]
والكفارة الأخرى هي قبل الحنث، فهي تحلُّ العقد حتى كأنه لم يكن، وهي غير واجبةٍ عليه، فإن شاء كَفَّرَ وفعل ما حلف عليه، وإن شاء لم يكفِّر وامتنع من فعله.
وأشبهت هذه الكفَّارة التي هي قبل الحِنث الاستثناء، أنَّهُ متى استثنى متَّصلًا بيمينه، فإن شاء فعل ما حلف عليه ولا كفَّارة عليه، وإن شاء لم يفعل.
على أنا قد رُوِّينا عن النّبيِّ ﷺ جواز أن يكفِّر الإنسان قبل الحِنْث، ورُوِّينا عنه الكفَّارة بعد الحِنْث، فمهما فعل من ذلك جاز.
فروى مالكٌ، عن سهيل بن أبي صالحٍ (^١)، عن أبيه (^٢)، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (^٣).
•••
[١٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ فَهَلَكَتْ مِنْهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا إِذَا أَخْرَجَهَا عِنْدَ مَحِلِّهَا، وَإِذَا أَخْرَجَهَا بَعْدَ مَحِلِّهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ يَسِيرَةٍ (^٤).
_________________
(١) سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان المدني، صدوقٌ تغير حفظه بآخره، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٤٢١).
(٢) ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني، ثقةٌ ثبتٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٣١٣).
(٣) أخرجه مالك [٣/ ٦٨١]، ومن طريقه مسلم [٥/ ٨٥]، وهو في التحفة [٩/ ٤١٥].
(٤) المختصر الكبير، ص (١٠٥)، وقد نقل التلمساني عن ابن عبد الحكم شطر هذه المسألة في شرح التفريع [٤/ ٤٦]، وينظر: المدونة [١/ ٣٨٠]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٥)، التفريع [١/ ٢٧٥].
[ ١ / ٨٧ ]
• إنما قال: «إنَّهُ إذا أخرجها عند محلِّها، ثم ضاعت من غير تفريطٍ منه، أنَّهُ لا شيء عليه»؛ لأنَّهُ مؤتمنٌ على تَفْرِقَتِهَا، وقد جُعِلَ له إخراجها وتفريقها، فإذا أخرجها عن ماله وعزلها، ثم ضاعت قبل تَفْرِقَتِهَا، لم يكن عليه شيءٌ، وهي كالوديعة إذا أخرجها ليدفعها إلى صاحبها، ثم ضاعت منه من غير تفريطٍ، فلا شيء عليه؛ لأنها أمانةٌ في يده، وكذلك الزَّكاة هي أمانةٌ في يده، وليست متعلِّقةً بذمَّته كالدَّيْنِ.
ألا ترى: أنَّ ماله لو تلف بعد حلول الحول عليه، وقبل إخراجه الزَّكاة من غير تفريطٍ، أنَّهُ لا زكاة عليه، ولو تلف ماله، لكان دَيْنُهُ في الذِّمَّة، ويؤخذ من ماله إذا حَدَثَ له.
ومنزلة الذي عليه الزَّكاة إذا ضاعت منه قبل تَفْرِقَتِهَا، أنها منزلة الإمام إذا ضاعت الزَّكاة منه قبل أن يفرِّقَها، فلا شيء عليه؛ من قِبَلِ أنَّهُ مؤتمنٌ على التَّفْرِقَة غير مفرطٍ، وكذلك صاحبها.
فإن كان قد فرَّطَ في إخراجها، ثم أخرجها فتلفت منه قبل أن يفرِّقها، وجب عليه إخراجها ثانيةً؛ من قِبَلِ أنها قد تعلَّقت بذمَّته، فصارت دينًا عليه لَمَّا فرط في إخراجها ولم يخرجها عند حلول الحول مع إمكان ذلك، فإذا
[ ١ / ٨٨ ]
صارت دَيْنًا عليه بالتفريط، وجب عليه أن يوصل ذلك إلى الفقراء، فمتى ضاع قبل إيصاله، وجب عليه الدَّفعُ إليهم، ولا يبرأ بغير ذلك (^١).
•••
[١٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ سِنِينَ فَرَّطَ فِيهَا، فَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ، يَبِيعُ فِي ذَلِكَ عُرُوضَهُ وَيَتَوَخَّى مَا عَلَيْهِ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لَمَّا فرَّطَ في إخراجها سنةً أو سنين، صارت دينًا عليه وتعلَّقت بذمَّته، فوجب عليه أن يؤدِّيها إلى الفقراء، وإن كان ماله قد تلف، وعليه أن تؤخذ من ماله الذي يوجد له من العرض وغيره، كالدَّيْنِ الذي يؤخذ منه من كل مالِهِ مِنْ عرضٍ وغيره.
وتباع عروضه؛ لأنها دينٌ، كما تباع في ديونه.
•••
[١٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا سِنِينَ لَا يُخْرِجُ زَكَاتَهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ.
وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ، أَخْرَجَ عَنْهَا لِأَوَّلِ سَنَةٍ مَا بَلَغَتْ زَكَاتُهَا، ثُمَّ نَظَرَ
_________________
(١) نقل التلمساني في شرج التفريع [٤/ ٤٣ و٤٦]، عن الأبهري شرح المسألة.
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٥)، النوادر والزيادات [٢/ ١٥٤].
[ ١ / ٨٩ ]
إِلَى الفَضْلِ فَأدَّى عَنْهُ لِلْعَامِ الَّذِي بَعْدَهُ، يَعْمَلُ بِهِ هَكَذَا حَتَّى يَنْقُصَ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا، ثُمَّ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا (^١).
• قد فسر مالكٌ كيف يعمل في ذلك، أنَّهُ يُخرِجُ لأول سنةٍ نصف دينارٍ، ثم يزكِّي كل سنةٍ باقي ذلك بعد إسقاط مقدار الزَّكاة الذي وجب للسَّنَة التي قبلها.
فإن كانت عشرين دينارًا لم يزكِّها سنين، فإنما عليه لسَنَةٍ واحدةٍ نصف دينارٍ؛ لأنها ترجع فيما بعد ذلك إلى ما لا زكاة فيه؛ لأنَّ نصف دينارٍ لسنةٍ متعلِقٌ في ذمَّته، ويبقى في ملكه تسعة عشر دينارًا ونصف، فلا زكاة عليه فيها؛ لأنَّ نصف الدينار هو لِمَا عليه من الدَّيْنِ الزَّكاة (^٢)، وقد قلنا: إنَّ من عليه دينٌ، فلا زكاة عليه إلَّا أن يفضل معه بعد الدَّيْنِ عشرون دينارًا.
•••
[١٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ التَقَطَ لُقَطَةً أَوِ اسْتُودِعَ وَدِيعَةً فَلَا يُزَكِّيهَا، فَإنْ جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا إِلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ (^٣).
• إنَّمَا قال: «لا يزكِّيها الملتقط والمودَع»؛ من قِبَل أنَّهُ قد يجوز أن تكون لمن لا زكاة عليه، أو يكون صاحبها يزكِّي عنها، فليس يجوز له أن يزكِّي مال غيره بغير أمره.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٥)، النوادر والزيادات [٢/ ١٥٥]، التفريع [١/ ٢٧٥].
(٢) قوله: «الدَّيْنِ الزَّكاة»، كذا في شب، ولعلها: «دين الزَّكاة».
(٣) المختصر الكبير، ص (١٠٥)، النوادر والزيادات [٢/ ١٣٧].
[ ١ / ٩٠ ]
فإذا جاء صاحبها، زكَّى لسنةٍ واحدةٍ، وليس عليه أن يزكِّيها للسنين؛ لِمَا ذكرناه في الدَّين أنَّه يزكيه لسَنَةٍ و[احدةٍ] (^١)؛ من قِبَلِ أن ليس بعينٍ في كل سَنةٍ.
ولأنه لا يقدر على قبضه قبل حلوله، وكذلك صاحب اللقطة لم يقدر على أخذها، ولم يدر أين هي قبل أن يجدها، فعليه زكاة سنةٍ واحدةٍ لهذه العلَّة.
•••
[١٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ غُصِبَ مَالُهُ سِنِينَ، ثُمَّ قَبَضَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لم يكن عينًا في كل سنةٍ، ولا قَدِرَ صاحبه على قبضه، فلم تجب عليه الزَّكاة لكل سَنَةٍ.
فإذا قبضه، زَكَّى لسَنةٍ واحدةٍ؛ لِمَا ذكرناه في الدَّيْنِ.
فأمَّا الوديعة فإنَّ صاحبها يزكِّيها للسنين كلها؛ لأنَّهُ كان قادرًا على قبضها في كل سنةٍ؛ ولأنَّها عينٌ في كل سنةٍ، فوجبت عليه زكاة السنين كلها لهذه العلَّة.
•••
_________________
(١) ما بين [] مطموس، والسياق يقتضيه، وقد يكون بعدها كلمة أخرى مطموسة، هي: «فقط».
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٥)، النوادر والزيادات [٢/ ١٣٧].
[ ١ / ٩١ ]
باب ما لا يُضْمَنُ من الزَّكاة
[١٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ دُفِعَ إِلَيْهِ مَالٌ يَقْسِمُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ أَوْ فِي المَسَاكِينِ، فَمَرَّ بِهِ حَوْلٌ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد خرج عن مُلك صاحبه وصار للفقراء والمساكين وفي سبيل الله، فلو مات صاحبه قبل التَّفْرِقَةِ لم يرجع إلى ورثته.
ولو أراد أخذه قبل موته بعد أن دفعه إلى من يُفَرّقه، لم يجز؛ من قِبَل أنَّهُ لا يجوز للإنسان أن يرجع فيما قد أخرجه لله ﷿، كما لا يرجع في العتق والزَّكاة والصدقات.
•••
[٢٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ عَتَقَ مِنَ العَبِيدِ أَوِ المُكَاتَبِينَ أَوِ المُدَبَّرِينَ، أَوْ أَسْلَمَ مِنَ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ بِأَمْوَالِهِمُ الحَوْلَ مِنْ يَوْمِ عَتَقُوا أَوْ أَسْلَمُوا (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَل أنَّ العبيد والمكاتبين والمدبَّرين والكافرين لا زكاة عليهم؛ لعدم اجتماع الأوصاف التي تجب بها الزَّكاة فيهم، من حريةٍ وإسلامٍ، فإذا عَتَقوا أو أسلموا، صاروا حينئذٍ من أهل الزَّكاة، فوجب عليهم أن يستأنفوا الحول حينئذٍ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٥).
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٠٣)، المختصر الكبير، ص (١٠٦)، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٢)، النوادر والزيادات [٢/ ١٣٦].
[ ١ / ٩٢ ]
والزَّكاة تجب باجتماع: الحرية، والإسلام، وملك النصاب، وحلول الحول، فمتى عُدِم واحدٌ من هذه الأوصاف، لم تجب الزَّكاة، والله أعلم.
•••
[٢١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ ضَاعَ مِنْهُ مَالٌ سِنِينَ، ثُمَّ وَجَدَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ (^١).
• قد ذكرنا وجه هذه المسألة في اللقطة (^٢)، فأغنى عن إعادته.
•••
[٢٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُخْرَجُ في الزَّكَاةِ عَرَضٌ وَلَا حَبٌّ (^٣)، إِلَّا الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تُخْرَجَ الفِضَّةُ عَنِ الذَّهَبِ، وَالذَّهَبُ عَنِ الفِضَّةِ (^٤).
• إنَّمَا قال: «إنه لا يُخْرِجُ في الزَّكاة عرضًا ولا حبًا بقيمته»؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أوجب الزَّكاة في الذَّهَب والفضة والحرث والماشية، فبيَّنَ مقدار
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٦)، النوادر والزيادات [٢/ ١٣٩].
(٢) ينظر: المسألة [١٧]، عند قول ابن عبد الحكم: «وَمَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً».
(٣) قوله: «وَلَا حَبٌّ»، كذا في شب، وفي المطبوع: ولا يَجِبُ، والصواب ما أثبته، بدلالة كلام الشارح، فإنه سيعيد ذكر الحب.
(٤) المختصر الكبير، ص (١٠٦)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر [٢/ ١١٤]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: المدونة [١/ ٣٤٦ و٣٧٧]، التفريع [١/ ٢٨٩]، المنتقى للباجي [٢/ ٩٣]، الجامع لابن يونس [٤/ ١٣].
[ ١ / ٩٣ ]
المأخوذ فيه وما يؤخذ منه، فليس يجوز ترك المقدار المأخوذ منه وأَخذِ بَدَلٍ منه بالقيمة.
ولو جاز ذلك، جاز أن تؤخذ الزَّكاة من غير الحرث والماشية والعين إذا كان قيمتها فيه نصابٌ واحدٌ من هذه الأشياء، فلمَّا لم يجز أن تُجْعل ما عدا هذه الأشياء في وجوب الزَّكاة فيها إذا لم تكن للتّجارة، فكذلك لا يجوز أن يجعل غير المقدار المأخوذ منها في معنى المقدار المأخوذ إذا أخذ بقيمته.
ومما يدلُّ على ذلك أيضًا، أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال لعمرَ في الفرس الذي كان حَمَل عليه في سبيل الله، فوجده يباع بِرُخْصٍ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَوْ بَاعَكَهُ بِدِرْهَمٍ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» (^١)، فكره النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أن يعود في صدقته، وإن عادت إليه ببدلٍ يدفعه إلى من تَصدقَ عليه.
فإن قيل: إنَّ الغرض في الزَّكاة إنَّما هو إيصال المنفعة إلى الفقراء والمساكين، فمتى أوصل إليهم مقدار الزَّكاة، جاز ذلك (^٢).
قيل له: لو كان كذلك، لكان إذا أسكنهم دارًا أو أَخْدَمهم عبدًا بمقدار الزَّكاة
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١٤٩٠)، ومسلم [٥/ ٦٣]، من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنَّ عمر بن الخطاب، قال: «حملت على فرسٍ عتيقٍ في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنَّهُ بائعه برخصٍ، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك، فإنَّ العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، وهو في الموطأ [٢/ ٤٠٠]، والتحفة [٨/ ٥].
(٢) ينظر الاعتراض في: المبسوط [٢/ ١٥٧]، المغني [٤/ ٢٩٦]، المجموع [٥/ ٢٨٧].
[ ١ / ٩٤ ]
كان يجزيه، ومن قول مخالفنا في هذه المسألة، أنَّهُ لا يجزيه (^١)، فقد بطل اعتلاله في إيصال المنفعة إليهم.
ومما يدلُّ على أنَّهُ لا يجوز إخراج غير ما قد ذُكِرَ في الزكوات والصدقات بقيمته دون أن يكون ذلك الشيء بعينه أو ما يقوم مقامه: أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أوجب في زكاة الفطر صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من زبيبٍ، أو صاعًا من أقطٍ (^٢)، وفي بعض الأخبار: «أَوْ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ» (^٣)، ومعلومٌ أنَّ قيم هذه الأشياء لا تتَّفق في وقتٍ واحدٍ في بلدٍ واحدٍ، وإذا كان كذلك معلومًا في العقل، عُلِمَ بهذا أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لم يُرد إخراج غير الأعيان المذكورة أو ما يقوم مقامها في الكيل والمقدار، لا القيمة، والله أعلم.
وقوله: «لا بأس أن يخرج الذَّهَب عن الفضَّة والفضّة عن الذَّهَب»؛ فلأنَّ غرض النَّاس في الذَّهَب كهو في الفضَّة؛ لأنهما إنَّما يريدونهما للتّصرف بهما
_________________
(١) ينظر البحر الرائق [١/ ٢٥١]، وفيه: «الزَّكاة لا تتأدَّى إلَّا بتمليك عينٍ متقوَّمةٍ، حتى لو أسكن الفقير داره سنةً بنيّة الزَّكاة لا يجزيه؛ لأنَّ المنفعة ليست بعينٍ متقوَّمةٍ».
(٢) متفق عليه: البخاري (١٥٠٦)، ومسلم [٣/ ٦٩] من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيبٍ»، وهو في التحفة [٣/ ٤٣٥].
(٣) أخرجه ابن خزيمة [٤/ ١٤٧]، ومن طريقه ابن حبان [٨/ ٩٨]، عن أَبِي سعيد الخدري ﵁: «أنَّ معاوية بن أبي سفيان، كان يأمرهم بصدقة رمضان، نصف صاع حنطةٍ، أو صاع تمرٍ، فقال أبو سعيد: لا نعطي إلَّا ما كنا نعطي على عهد رسول الله ﷺ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من أقطٍ، أو صاعًا من زبيبٍ، أو صاعًا من شعيرٍ».
[ ١ / ٩٥ ]
ومنفعتهما لا لأعيانهما؛ لأنها لا تؤكل ولا تُشرَب ولا تُلبس، وإنَّما هي أعيانٌ يُتَصَرَّفُ فيها، فلمَّا كان التصرف فيهما واحدًا، ناب أحدهما عن الآخر، فجاز أن يخرج أحدهما عن الآخر.
•••
[٢٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا يَأْكُلُ رِبْحَهُ:
(فَلَا زَكَاةَ عَلَى الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ.
(وَلَا عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، فَإِذَا قَبَضَهُ، أَدَّى لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ (^١).
• أما الذي هو في يده فلا زكاة عليه؛ لأنَّهُ دَيْنٌ عليه، ومَنْ عليه دينٌ، فلا زكاة عليه فيما في يده من المال إذا لم يفضل عن دينه بمقدار النصاب.
ولا على صاحبه أيضًا حتى يقبضه؛ لأنَّ من له دينٌ، فلا زكاة عليه في دينه حتى يقبضه، ثم يزكيه لسنةٍ على ما قد بيناه.
•••
[٢٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ حَلَّتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، فَلْيُخْرِجْهَا حَيْثُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال لمعاذٍ حيث وجَّهه إلى اليمن: «خُذْ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٦).
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٦)، المدونة [١/ ٣٣٥]، التفريع [١/ ٢٧٥].
(٣) متفق عليه: البخاري (١٣٩٥)، ومسلم [١/ ٣٧]، وهو في التحفة [٥/ ٢٥٥].
[ ١ / ٩٦ ]
وكذلك كان يفعل النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ فيما يأخذ من الصدقات.
وكذلك كان يفعل مُصَدِّقُو رسول الله صلى الله عليه، يُفَرِّقُونها في المواضع التي يأخذونها؛ حتى يستغني الفقراء في ذلك الموضع، ثم يفرِّقون بعد ذلك في غيرهم.
•••
[٢٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنْ لَحِقَ أَهْلَ بَلَدٍ شِدَّةٌ شَدِيدَةٌ جَازَ نَقْلُهَا إِلَيْهِمْ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك، مِنْ قِبَلِ أنَّ الله ﷿ إنَّما جعل الصدقة لأهل الفقر والحاجة، فكل من كان أحوج فهو أحقُّ؛ لأنَّ تَفْرِقَتَهَا إنَّما هو على النظر للمسلمين والمصلحة لهم، فمن الصلاح نقلها إلى أشدِّ المسلمين حاجةً وفقرًا؛ لأنَّهم إليها أحوج.
•••
باب زكاة أموال اليتامى
[٢٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وتُزَكَّى أَمْوَالُ اليَتَامَى فِي كُلِّ عَامٍ، بَلَغُوا الحُلُمَ أَوْ لَمْ يَبْلُغُوا (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٦)، المدونة [١/ ٣٣٦]، التفريع [١/ ٢٧٥].
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٠٤)، المختصر الكبير، ص (١٠٦)، المدونة [١/ ٣٠٨]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٢)، النوادر والزيادات [٢/ ١٣٦].
[ ١ / ٩٧ ]
وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، وقال تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، فأوجب الله سبحانه الزَّكاة في أموال المؤمنين، صغارًا كانوا أو كبارًا، وأمر نبِيَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ بأخذِها منهم بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، ولم يفرِّق بين صغيرٍ وكبيرٍ.
وكذلك قال النّبيّ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ فَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ» (^١)، فلم يفرق بين صغيرٍ وكبيرٍ.
وكما يُعطَى الصغير إذا كان فقيرًا، كذلك يُؤخذ منه إذا كان غنيًا.
فإن قيل: إنَّ قوله ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، إنَّما أراد بذلك من كان بالغًا؛ لأنَّ الصغير لا ذنب عليه فُيَطَهَّر (^٢).
قيل له: الطهارة تكون من غير ذنبٍ، وهي رفْعُ درجةٍ وزيادةٌ في الثواب، وقد قال ﷿: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾، ولم يكن عليها ذنب يُطَهَّر.
فإن قيل: إنَّ الصغير لَمَّا لم تجب عليه الصلاة، فكذلك لا تجب عليه الزَّكاة؛ من قِبَل أنَّهُ إنَّما خوطب بالزَّكاة من خوطب بالصلاة (^٣).
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وهو مشهور في كتب الفقه، وقد ذكر النووي في المجموع [٦/ ١٤٣]، أنَّهُ حديث ابن عباس في إرسال النّبيّ ﷺ لمعاذ، وفيه: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تُؤخذ من أغنيائهم وتردُّ على فقرائهم»، متفق عليه: البخاري (١٣٩٥)، ومسلم [١/ ٣٧]، ومن الفقهاء من يفرِّق بين هذا الحديث وحديث ابن عباس، والله أعلم.
(٢) ينظر الاعتراض في: التجريد للقدوري [٣/ ١٢١٧].
(٣) ينظر الاعتراض في: التجريد للقدوري [٣/ ١٢١٥]، المبسوط للسرخسي [٢/ ١٦٣]، وهو في مصنف عبد الرزاق [٤/ ٦٩]، عن الحسن البصري.
[ ١ / ٩٨ ]
قيل له: خاطب الله ﷿ نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ بأخذ الصدقة من المسلمين عامًا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، وهذا يوجب أخذها من الصغير والكبير، فخوطب ولي الصغير بأداء الزَّكاة عنه كما خوطب بأداء ما يجنيه الصبي وما يلزمه في ماله من الحقوق وزكاة الفطر عنه، فلمَّا كان على الولي أن يُخرج عنه هذه الأشياء التي تلزمه في ماله، وإن كان لا يصح أن يُخاطب بها، فكذلك تُخرج عنه الزَّكاة.
ألا ترى: أنَّ الصغيرة قد تُعُبِّدَتْ بالعدَّة، وعلينا أن نُربِّصَها حتى تخرج من العدَّة، ولم يجز أن تسقط عنها العدَّة لامتناع أن تخاطب هي بذلك، فكذلك الزَّكاة.
ولو كانت الزَّكاة إنَّما تجب على من تجب عليه الصلاة، لكان كل واحدٍ منهما متعلِّقًا بصاحبه، لا يجب أحدهما إلَّا بوجوب الآخر:
- فكان لا تجب على الفقير الصلاة؛ لأنَّ الزَّكاة لا تجب عليه.
- وكذلك لا تجب على المكاتب الصلاة؛ لأنَّهُ لا زكاة عليه.
- وكذلك لا تجب على الحائض والنفساء الزَّكاة؛ لأنَّهُ لا صلاة عليهما.
فدلَّ هذا على فساد ما ذكروه من أنَّ الزَّكاة إنَّما تجب على من تجب عليه الصلاة.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّهُ قال: «اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ
[ ١ / ٩٩ ]
اليَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ»، رواه أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يحيى (^١)، عن حسين (^٢)، قال: حدثنا مكحول (^٣)، قال: قال عمر بن الخطاب (^٤).
وقد رُوي هذا الحديث مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه، رواه المثنى بن الصباح (^٥)، عن عمرو بن شعيب (^٦)، عن أبيه (^٧)، عن جده، عن النبيِّ صلى الله عليه (^٨).
_________________
(١) هو يحيى بن سعيد القطان، تقدَّمت ترجمته في المسألة رقم ٤.
(٢) الحسين بن ذكوان المعلم المكتب العوذي البصري، ثقةٌ ربما وهم، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٢٤٧).
(٣) مكحول الشامي، ثقةٌ فقيهٌ كثير الإرسال مشهورٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٩٦٩).
(٤) أخرجه بهذا الإسناد، عبد الله بن أحمد في مسائله، ص (١٥٨)، بلفظ: «ابتغوا بأموال اليتامى لا تهلكه الصدقة»، كما في المطبوع من المسائل، ورواه مالك في موطئه [١/ ٣٥٣] عن عمر بلاغًا، بنحو اللفظ الذي ذكره الشارح، وروي من طرق أخرى عن عمر.
(٥) المثنى بن الصباح اليماني الأَبْناوي، نزيل مكة، ضعيفٌ اختلط بآخره، من كبار السابعة. تقريب التهذيب، ص (٩٢٠).
(٦) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوقٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٧٣٨).
(٧) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوقٌ ثبت سماعه من جده، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٤٣٨).
(٨) أخرجه الترمذي [٢/ ٢٥]، والدارقطني [٣/ ٥]، من طريق المثنى بن الصباح به، ولفظ الترمذي: «ألا من ولي يتيمًا له مال فليتَّجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة»، وهو في التحفة [٦/ ٣٣١].
[ ١ / ١٠٠ ]
وقد رُوِي عن جماعةٍ من الصحابة أنهم زكَّوا أموال اليتامى الأصاغر، منهم: عمر (^١)، وعلي (^٢)، وعائشة (^٣)، وابن عمر (^٤)، ﵃.
وهو قول عطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، وربيعة، وابن شهاب، وعروة، والقاسم.
وروى ابن علية (^٥)، عن أيوب (^٦)، عن نافع (^٧)، عن ابن عمر: «أَنَّه كَانَ يَلِي مَالَ يَتِيمٍ، مِنْهُ مَا يَسْتَقْرِضُ، وَمِنْهُ مَا يَدْفَعُ مُضَارَبَةً، كُلُّ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهُ الزَّكَاةَ» (^٨).
_________________
(١) تقدَّم تخريج أثر عمر قريبًا.
(٢) أخرجه عبد الرزاق [٤/ ٦٧]، والقاسم بن سلام في الأموال [٢/ ١١٠]، وغيرهما.
(٣) أخرجه عبد الرزاق [٤/ ٦٦]، والقاسم بن سلام في الأموال [٢/ ١١١]، وابن أبي شيبة [٦/ ٤٥٩].
(٤) أخرجه عبد الرزاق [٤/ ٦٩]، والقاسم بن سلام في الأموال [٢/ ١١١]، وابن أبي شيبة [٦/ ٤٦٠].
(٥) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، مولاهم البصري، المعروف بابن علية، ثقةٌ حافظٌ، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (١٣٦).
(٦) أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١٥٨).
(٧) نافع أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٩٩٦).
(٨) أخرجه بهذا الإسناد، عبد الله بن أحمد في مسائله، ص (١٦٠).
[ ١ / ١٠١ ]
وروى مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم (^١)، عن أبيه (^٢)، عن عائشة: «أَنَّهَا كَانَتْ تُخْرِجُ زَكَاةَ أَمْوَالِ يَتَامَى كَانَتْ تَلِيهم» (^٣).
وقد قال مخالفنا في هذه المسألة: «إنه تؤخذ الصدقة من حرثه» (^٤)، وقد سَوَّى الله ورسوله في إيجاب الزَّكاة في العين والحرث والماشية، فكيف وَجَبَ إخراج زكاة الحرث من مال اليتيم دون زكاة العين والماشية؟
وكذلك يقول: «إنه تُخرج عنه زكاة الفطر» (^٥).
•••
[٢٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ ابْتَاعَ مَصَاحِفَ أَوْ سُيُوفًا فِيهَا فِضَّةٌ لِلتِّجَارَةِ تَكُونُ تَبَعًا لَهَا، ثُمَّ حَالَ الحَوْلُ عَلَيْهَا، فَلَا زَكَاةَ حَتَّى تُبَاعَ السُّيُوفُ (^٦).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الحلية التي في السُّيوف هي تبعٌ لها، يعني بذلك: إذا كانت قليلةً ووزنها ثلث قيمة السُّيوف أو أقل، فكان الحكم للأصل دون التَّبَعِ.
_________________
(١) عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقةٌ جليلٌ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٥٩٥).
(٢) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقةٌ، أحد الفقهاء بالمدينة، من كبار الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٧٩٤).
(٣) أخرجه مالك [٢/ ٣٥٣]، من طريق القاسم بن محمد، أنَّهُ قال: «كانت عائشة ﵂ تليني أنا وأخًا لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزَّكاة».
(٤) ينظر: الأصل لمحمد بن الحسن [٢/ ١٣٤].
(٥) ينظر: البناية للعيني [٣/ ٢٩٨].
(٦) المختصر الكبير، ص (١٠٦)، النوادر والزيادات [٢/ ١١٧]، التفريع [١/ ٢٨١].
[ ١ / ١٠٢ ]
فمتى باع السُّيوف، وجبت عليه الزَّكاة إذا كانت للتِّجارة.
ومتى زاد وزن الفضَّة التي في السُّيوف على ثلث قيمة السُّيوف، زُكيت الفضَّة بوزنها، والسُّيوف بقيمتها بعد الفضَّة على قيمتها إذا بيعت.
•••
[٢٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ (^١): وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ حُلِيُّ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِلُبْسٍ، فَإِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ.
فَأَمَّا مَا كَانَ يُلْبَسُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَمَا كُسِرَ مِمَّا يُرِيدُ أَهْلُهُ إِصْلَاحَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ أَيْضًا.
فَإِذَا كَانَ الحُلِيُّ فِيهِ الذَّهَبُ الكَثِيرُ وَالجَوْهَرُ إِنَّمَا يُؤَاجَرُ فَتُجَلَّى بِهِ العَرَائِسُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ الحلي لا زكاة فيه إذا أريد لبسه والتزيُّن به والتجمُّل»؛ فلأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب في الأصول النامية من الحرث والعين والماشية؛ لوجود النماء فيها، وتأَتِّيه في العين بالتقلب والتصرف به في التّجارة، فمتى لم يرد
_________________
(١) قوله: «قَالَ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «قال مالك»، وتمت الإشارة في الحاشية إلى أن لفظة «مالك» مضافة من النوادر والزيادات.
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٠٤)، المختصر الكبير، ص (١٠٧)، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر [٢/ ١١٥]، هذه المسألة عن ابن عبد الحكم، وينظر: الموطأ [٢/ ٣٥٢]، المدونة [١/ ٣٠٥]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٤)، التفريع [١/ ٢٨٠].
[ ١ / ١٠٣ ]
التصرف فيه وأراد به الزينة والتجمل، لم تكن عليه الزَّكاة؛ لأنَّهُ قد نقله عن الأصل الذي وجبت الزَّكاة فيه من أجله.
ألا ترى: أنَّ العبد والفرس لا زكاة في عينهما، فمتى اشتراهما للتّجارة، وجبت عليه الزَّكاة، وكذلك سائر العروض، فعليه الزَّكاة في ثمنها إذا باعها، أو في قيمتها على وجهٍ ما.
فلمَّا كانت العين التي لا زكاة فيها إذا قصد فيها النماء والتجارة وجبت فيها الزَّكاة، كانت العين التي فيها الزَّكاة إذا عُدِلَ بها عن التّجارة وطلب النماء إلى الزينة والتجمل لم تكن عليه الزَّكاة.
فإن قيل: فلم لا أوجبتم الزَّكاة في الحلي وإن كان يراد به الزينة والتجمُّل، كما أوجبتم في الإبل العوامل الزَّكاة، وإن كان فيها الزينة والجمال (^١).
قيل له: ليس يشبه الحلي إذا أريد به اللبس والجمال الإبل العاملة؛ من قِبَلِ أنَّ الإبل العاملة، النماءُ فيها موجودٌ لا ينقطع بالعمل، وهو الدَّر والنسل، وإنَّما ينضاف بالعمل إلى ذلك أجرةٌ، والحلي فإذا لُبِسَ وتُزين به، لم يمكن التقلب فيه وطلب النماء في الشراء والبيع، فلم يمكن اجتماعهما لهذه العلَّة.
فأمَّا إذا كان الحلي للكراء، فإنَّ مالكًا قال: «لا زكاة عليه»؛ لأنَّ عينه قد نُقِلت عن التّجارة والتصرف فيه بالشراء والبيع.
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٤/ ١٦٣]، وسيذكر الشارح عكس الاعتراض في مسألة وجوب الزَّكاة في الماشية إذا كانت غير سائمة.
[ ١ / ١٠٤ ]
فإن كان يُنتفع بأجرته فلا تجب عليه الزَّكاة؛ لأنَّهُ لا يُطلب فضله بالتصرف فيه بالبيع والشراء.
وأحسب أنَّ محمد بن مسلمة المخزومي (^١)، قال: «عليه الزَّكاة» (^٢)؛ من قِبَلِ أنَّهُ لم يَتخذه للُّبس والزينة، وإنَّما اتخذه لطلب الفضل، والصحيح ما قاله مالكٌ لِمَا ذكرناه.
فأمَّا إذا كان الحلي لغير اللُّبس والزينة، وإنَّما هو للتّجارة أو لذخيرةٍ، فإنَّ عليه فيه الزَّكاة؛ لأنَّهُ لم يتخذه للُّبس والزينة اللذين تسقط معهما الزَّكاة، فعليه فيه الزَّكاة؛ لأنَّ أصل الذَّهَب والفضة أنَّ فيهما الزَّكاة، وإنَّما تسقط إذا عُدل بهما إلى الزينة والتجمُّل.
وقد روي عن جماعةٍ من الصحابة أنهم كانوا لا يزكُّون الحلي، منهم: ابن عمر، وعائشة، وأسماء (^٣)، وغيرهم.
فروى مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: «أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ» (^٤).
_________________
(١) محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام المخزومي المدني، نزيل دمشق، من الطبقة الوسطى من أصحاب مالك. ينظر: تاريخ الإسلام [٥/ ٤٥٢]، الديباج المذهب [٢/ ١٥٦].
(٢) حكاه الباجي في المنتقى [٢/ ١٠٩] عن محمد بن مسلمة.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٧٢]، عن عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء: «أنها كانت لا تزكِّي الحلي».
(٤) أخرجه مالك [٢/ ٣٥١]، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: «أن عائشة زوج النّبيّ ﷺ كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها، لهنَّ الحلي، فلا تخرج من حليِّهنَّ الزَّكاة».
[ ١ / ١٠٥ ]
وروى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر مثله (^١)، وهو قول جماعةٍ من التابعين.
فإن قيل: قد روي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ امْرَأَةٍ سِوَارَيْنِ، فَقَالَ لَهَا: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟، قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَأَدِّي زَكَاتَهُ»، رواه حسين بن ذكوان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه (^٢)، قالوا: ففي هذا دلالةٌ على أنَّ في الحلي زكاةٌ وإن أريد به اللّبس (^٣).
قيل له: جد عمرو بن شعيبٍ، إن كان عبد الله بن عمرو، فهو متصل الإسناد، وهو سماعٌ من النبي صلى الله عليه؛ لأنَّ عبد الله بن عمرو صاحب رسول الله ﷺ.
وإن كان جده الأصغر، فهو محمد، والحديث مرسلٌ وفي إسناده لينٌ.
فإن كان صحيحًا، فيجوز أن يكون حليًّا لا يجوز استعماله مما فيه سرفٌ
_________________
(١) أخرجه مالك [٢/ ٣٥٢]، عن نافع: «أن عبد الله بن عمر كان يحلِّي بناته وجواريه الذَّهَب. ثم لا يخرج من حليِّهنَّ الزَّكاة».
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى [٣/ ٢٧]، عن حسين بن ذكوان، عن عمرو بن شعيب به، وهو عند أبي داود [٢/ ٣١٣]، والترمذي [٢/ ٢٢]، من طرق أخرى عن عمرو بن شعيب به، وهو في التحفة [٦/ ٣٠٩].
(٣) ينظر الاعتراض في: التجريد للقدوري [٣/ ١٣٢٤]، المبسوط للسرخسي [٢/ ١٩٢].
[ ١ / ١٠٦ ]
وبذخٌ وأشباه هذا المعنى، ويتفق هذا التأويل مع ما ذكرناه من الأدلة وقول الصحابة، والله أعلم.
•••
[٢٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا زَكَاةَ فِي لُؤْلُؤٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَنْبَرٍ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ، وإنَّمَا هُوَ عَرَضٌ مِنَ العُرُوضِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ للتِّجَارَةِ فَيُفْعَلُ فِيهَ كَمَا يُفْعَلُ فِي العُرُوضِ (^١).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في أنْ لا زكاة فيها، وهو قوله: «إنها عَرَضٌ من العُروض»، فلا زكاة في العروض إلَّا أن تُشترى للتّجارة، فتزكى زكاة التّجارة على ما قد فسرناه.
وأما إذا كانت لغير تجارةٍ، فلا زكاة فيها؛ لأنَّ الزَّكاة تجب في العين والحرث والماشية دون سائر العروض.
وقوله: «لا خُمُس فيه»؛ فلأنَّ الخمس إنَّما يجب في القسمة أو في الركاز؛ لأنَّهُ مال كافِرٍ وجَدَه مُسلمٌ، وليس كذلك هذه الأشياء، وإنَّما هي عُرُوضٌ حكمها حكم العُروض.
•••
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٠٥)، المختصر الكبير، ص (١٠٧)، الموطأ [٣/ ٣٥٢] المدونة [١/ ٣٤٠]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٤)، النوادر والزيادات [٢/ ١١٠]، التفريع [١/ ٢٧٨].
[ ١ / ١٠٧ ]
باب زكاة المعادن والركاز (^١)
[٣٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ فِي المَعَادِنِ خُمُسٌ، وَلَيْسَتْ بِرِكَازٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا الزَّكَاةُ.
وَإِنَّمَا هُوَ كَهَيْئَةِ الزَّرْعِ، لَا يُسْتَأْنَى بِهِ حَوْلٌ، إِذَا بَلَغَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِشْرِينَ مِثْقَالًا أَوْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ مَا دَامَ نَيْلُهُ، فَإنِ انْقَطَعَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ نَيْلٍ، فَهُوَ مِثْلُ الأَوَّلِ تُبْتَدَأُ فِيهِ الزَّكَاةُ (^٢).
• إنما قال: «إنَّ في المعادن الزَّكاة دون الخمس»؛ لِمَا رواه مالكٌ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (^٣)، عن غير واحدٍ من علمائهم: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الحَارِثِ المَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ التي مِنْ نَاحِيَةِ الفُرُعِ، فَتِلْكَ المَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إِلَى اليَوْمِ» (^٤).
ومما يدلُّ أيضًا أنَّ في المعدن الزَّكاة وأنه ليس بركازٍ، ما رواه مالكٌ وغيره،
_________________
(١) كذا وقع ترتيب هذا الباب في المخطوط؛ إذ جاء في منتصف الورقة، في حين أنَّهُ جاء في المطبوع، في أول كتاب الزَّكاة، ولا أدري ما وجه هذا الصنيع وتغيير ترتيب الكتاب.
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٠٥)، المختصر الكبير، ص (٩٩)، الموطأ [٢/ ٣٤٩]، المدونة [١/ ٣٣٧ - ٣٣٨]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٤).
(٣) ربيعة بن أبي عبد الرحمن التيمي، مولاهم المدني، المعروف بربيعة الرأي، ثقةٌ فقيهٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٣٢٢).
(٤) أخرجه مالك [٢/ ٣٤٩]، ومن طريقه أبي داود [٣/ ٥٠١].
[ ١ / ١٠٨ ]
عن الزهري (^١)، عن سعيدٍ (^٢) وأبي سلمة (^٣)، عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «العُجْمَى جُرْحُها جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ» (^٤)، فلو كان المعدن هو الرِّكاز، لما فَرَّقَ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بين اسميهما، فسمَّى أحدهما معدنًا والآخر رِكازًا، ولما أعاد ذِكْرَ الركاز من غير فائدةٍ، حيث قال: «وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ»، ولقال: «وفيه الخمس»؛ لأنَّ الركاز هو المعدن عند مخالفنا (^٥)، فلا معنى لإعادة ذكره وإفراده.
فثبت بما ذكرناه من هذين الخبرين، أنَّ المَعْدِنَ غيرُ الركاز (^٦).
فأمَّا وجهه من طريق القياس، فإنَّ الركاز هو ما رَكَزَهُ الآدميون؛ لأنَّهُ مأخوذٌ من رُكز الشيء، والمعدن فهو عروقٌ أنبتها الله ﷿ في الأرض من غير
_________________
(١) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري، الفقيه الحافظ، متفقٌ على جلالته وإتقانه وثبته، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٨٩٦).
(٢) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار الثانية. تقريب التهذيب، ص (٣٨٨).
(٣) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقةٌ مكثرٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١١٥٥).
(٤) أخرجه مالك [٥/ ١٢٧٦]، وهو متفق عليه: البخاري (٦٩١٢)، ومسلم [٥/ ١٢٧]، وهو في التحفة [١٠/ ٤١].
(٥) ينظر: الأصل لمحمد بن الحسن [٣/ ٤١]، بدائع الصنائع [٢/ ٦٥].
(٦) نقل هذا الوجه من الاستدلال، ابن عبد البر في التمهيد [٧/ ٣١]، وقال: «وقد استدل بعض أصحابنا وغيرهم …».
[ ١ / ١٠٩ ]
وضع آدمي لها، فأشبه ذلك الزرع الذي ينبته الله ﷿، فيجب أن يكون حكمه حكم الزرع في وجوب الزَّكاة فيه، ولم يجز أن يكون حكمه حكم الركاز الذي هو ملك الآدميين، رَكَزوه ودفنوه فأُخِذ منه على سبيل المغنم.
ولهذا قال مالكٌ: «إنَّهُ يُزَكى في المال إذا كان نصابًا ولا ينتظر به حلول الحول عليه»؛ لأنَّهُ شيءٌ يخرج من الأرض ينبت فيها، كالزرع الذي يخرج من الأرض، فوجب أن يُزكَّى في الحال كما يزكى الزرع.
ولم يشبه المال المستفاد الذي يستقبل به الحول، كما لم يشبه الزرع سائر الأموال المستفادة، والمعنى الجامع بينهما هو أنَّهُ شيءٌ خارجٌ من الأرض فيه الزَّكاة كالزرع أنَّه شيءٌ خارجٌ من الأرض فيه الزَّكاة، فاجتمعا في هذا المعنى في أن يزكيا في الحال.
ولو زُكي بعد الحول، لما كان ذلك زكاة المعدن، ولكان ذلك كالمال المستفاد، ولا بد لقولهم زكاة المعدن من فائدةٍ غير فائدة زكاة المال المستفاد.
وقوله: «ما دام نيلٌ»، يعني: باقيًا لا ينقطع، فإنه يُضم بعضه إلى بعضٍ ويُزكى إذا خرج منه مقدار النصاب فأكثر؛ لأنَّ حكمه حكم الزرع واحدٌ، أنَّهُ يزكى إذا كان مقدار ما فيه الزَّكاة.
فإن انقطع نيلُه وجاء نيلٌ آخر ائتنف الزَّكاة في الثاني، ولم يضم إلى الأول؛ لأنهما نيلان مختلفان، فأشبه الزرعين المختلفين في الوقت والنبات أنَّهُ لا يضم أحدهما إلى الآخر، لكنه يزكى كل واحدٍ على حِدَتِهِ.
•••
[ ١ / ١١٠ ]
[٣١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا وُجِدَ فِي البَحْرِ مِنَ التُّرَابِ، فَيُصْنَعُ بِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِتُرَابِ المَعْدِنِ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ بمنزلة المعدن، إنَّما هي عروق ذهبٍ نابتةٍ توجد في الأرض، ولا فصل بين أن تكون باطنةً أو ظاهرةً، أو كانت في برٍ أو بحرٍ أنَّ فيها الزَّكاة.
•••
[٣٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا وُجِدَ فِي البَحْرِ مِنَ التَّمَاثِيلِ، فَفِيهِ الخُمُسُ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنها بمنزلة الركاز؛ لأنَّ الركاز هو دفن الجاهلية يجده المسلم، ففيه الخمس وله أربعة الأخماس؛ لأنَّهُ مُشَبَّهٌ بالمغانم والتماثيل.
والشيء المضروب إذا وجد فقد عُلم أنَّهُ ليس معدنًا، وأنه قد تقدَّم عليه ملك آدمي، فإذا كان التماثيل وما أشبهها، كان في الأغلب أنها ملك كافرٍ وجده مسلمٌ، فكان حكمها حكم الركاز.
•••
[٣٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا وُجِدَ فِي المَعَادِنِ مِنَ الذَّهَبِ النَّابِتِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ وَلَا كَبِيرُ مُؤْنَةٍ، فَفِيهِ الخُمُسُ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٩٩).
(٢) المختصر الكبير، ص (٩٩).
(٣) المختصر الكبير، ص (٩٩)، المدونة [١/ ٣٣٧].
[ ١ / ١١١ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ ما ليس فيه مؤنةٌ مثل اللسان (^١) إذا خرج من المعدن والنَّدرَةِ (^٢) إذا نَدَرت، ففيها الخمس؛ لأنها خرجت بغير كلفةٍ كبيرةٍ ولا مؤنةٍ عظيمةٍ، فأشبه ذلك الركاز؛ لأنَّهُ يجده بغير كلفةٍ ولا عمل، فكان فيه الخمس، فكذلك ما وجد في المعدن بغير كلفةٍ ولا مؤنةٍ.
وإنما أُخِذ منه الخمس دون غيره؛ لأنَّ الذي يؤخذ من المال، أعني الذَّهَب والفضة، أحد شيئين:
إما ربع العشر، وهو الزَّكاة.
أو الخمسٌ، وهو في الغنيمة وما وجد في الركاز.
فلما لم يؤخذ من النَّدرَةِ الزَّكاة لِمَا ذكرناه، أُخذ منها الخمس، إذ ليس مأخوذًا من الذَّهَب والفضة غير الزَّكاة أو الخمس، والله أعلم.
•••
[٣٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصَابَ مِنَ المَعْدِنِ شَيْئًا يَبْلُغُ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ مِئَتَيْ
_________________
(١) قوله: «اللسان»، كذا رسمها، ولم أتبيَّن معناها في المعاجم اللغوية، ولعل المراد به طرف المعدن أو مقدمته، كقولهم: نعلٌ ملسنة، إذا جعل طرف مقدمها كطرف اللسان، كما في لسان العرب [١٣/ ٣٨٦].
(٢) قوله: «النَّدْرة»: هي القطعة من الذَّهَب والفضة توجد في المعدن، ينظر: لسان العرب [٥/ ٢٠٠].
[ ١ / ١١٢ ]
دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى مَا أَنْفَقَ وَلَا إِلَى دَيْنٍ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ، يُخْرِجُ الزَّكَاةَ وَإِنْ عَظُمَتْ نَفَقَتُهُ وَكَثُرَ دَيْنُهُ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَل أنَّ المُؤْنَة لا تُسقط ما يجب في الأموال من الحقوق من الزَّكاة وغيرها، غير أنها تُخَفِّفُ إذا كثرت وتُثَقِّل إذا لم تكثر، كزكاة الحرث أنها تُؤخذ وإن أُنفق عليه أكثر من قيمته أضعافًا، ولم تَسقط الزَّكاة.
وكذلك زكاة المعدن لا تسقط من أجل ما أُنفق عليه، ولا تُخَفَّف أيضًا؛ لأنَّهُ ليس في زكاة الذَّهَب والورق تخفيفٌ؛ لأنَّ الذي فيها من الزَّكاة يسيرٌ وهو ربع العشر، وزكاة الحرث الذي ليس فيه مؤنةٌ العشر، والذي فيه مؤنةٌ نصف العشر، وإنَّما تُخَفَّفُ الزَّكاة إذا كانت كثيرةً، ولم تخفَّف إذا كانت قليلةً.
•••
[٣٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَفِي رِكَازِ الجَاهِلِيَّةِ الخُمُسُ، وَالرِّكَازُ: دَفْنُ الجَاهِلِيَّةِ، وَفِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، ذَهَبِهِ وَوَرِقِهِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عَرَضِهِ وَجَوْهَرِهِ، وَأَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ الفَيْءِ، وَكَانَ فِيهِ الخُمُسُ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ.
والخُمُسُ فِي كُلِّ عَرَضِهِ (^٢) وَعَيْنِهِ (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (٩٩)، المدونة [١/ ٣٣٨].
(٢) قوله: «كُلِّ عَرَضِهِ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «كل الفيء، عرضه»، و«الفيء» مقحمة.
(٣) المختصر الصغير، ص (٣٠٥)، المختصر الكبير، ص (٩٩)، الموطأ [٢/ ٣٥١]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٤)، التفريع [١/ ٢٧٩].
[ ١ / ١١٣ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا رواه مالك وغيره، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «جُرْحُ العُجْمَى جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» (^١).
وإنما جُعل فيه الخمس؛ لأنَّهُ مال كافرٍ لم يملكه مسلمٌ، فأُنزل واجده بمنزلة الغانم مال الكافرين، أُخذ منه الخمس، وكان له أربعة أخماسه (^٢).
ولم يجز أن تكون فيه الزَّكاة؛ لأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب على المسلمين في أموالهم متى حال عليها الحول، فأمَّا ما يأخذونه من مال الكفار فلا زكاة عليهم فيه في الحال، لكنه عليهم الخمس على ما أمر الله ﷿ به.
وقوله: «إنَّهُ يؤخذ من قليله وكثيره الخمس»؛ فلأنَّ ذلك بمنزلة الغنيمة، يؤخذ من قليلها وكثيرها الخمس، سواءٌ كان ذلك عينًا أو عرضًا، مثل الغنيمة سواءٌ، يؤخذ من عينها وعرضها الخمس.
وهذا هو الصحيح من قول مالكٍ، وقد قال: «إنه لا يؤخذ من العروض إذا وجدها الخمس» (^٣).
ووجه هذا القول: أنَّ خمس الركاز لَمَّا كان شيئًا يؤخذ من يد مسلمٍ،
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة ٣٠.
(٢) نقل هذا التعليل عن الأبهري: ابن بطال في شرح البخاري [٣/ ٥٥٣].
(٣) ينظر: النوادر والزيادات [٢/ ٢٠٥]، الذخيرة [٢/ ٤٣٦].
[ ١ / ١١٤ ]
أخذ منه في الذَّهَب والفضة كما تؤخذ الزَّكاة منه في الذَّهَب والفضة دون سائر العروض، فهذا وجه هذا القول، وليس بالقوي.
•••
زكاة الماشية
[٣٦] مَسْأَلَةٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الإِبِلَ، مَا زَكَاتُهَا؟، وَفِي كَمْ تُؤْخَذُ مِنْهَا الزَّكَاةُ؟
قَالَ مَالِكٌ: فِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ (^١) صَدَقَةٌ.
فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا، فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى تِسْعٍ. فَإِذَا بَلَغَتْ عَشْرًا، فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ. [فَإِ] ذَا (^٢) بَلَغَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى تِسْعَ عَشْرَةَ. فَإِذَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ، فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا [وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ] (^٣) مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ [إِلَى خَمْسٍ] (^٤) وَثَلَاثِينَ. فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ، فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلَى سِتِّينَ. فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ.
_________________
(١) قوله: «من الإبل» مثبت من الحاشية اليمنى، وتمت الإشارة إليه بعلامة إلحاق، وغير موجود في المطبوع.
(٢) ما بين [..] مطموس، والسياق يقتضيه، ونحوه في المختصر الصغير، ص (٣٠٧).
(٣) ما بين [..]، جزء غير ظاهر في التصوير، واستدركته من: المختصر الصغير، ص (٣٠٧)، الموطأ [٢/ ٣٦٢]، والمدونة [١/ ٣٥٣]، مع ما يظهر.
(٤) ما بين [..]، نصفه غير ظاهر في التصوير، وهو في المختصر الصغير، ص (٣٠٧).
[ ١ / ١١٥ ]
فَإِذَا بَلَغَتْ (^١) إِحْدَى وَتِسْعِينَ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ. فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِـ[ـينَ] (^٢) بِنْتُ لَبُونٍ. فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، قَالَ: فَالسَّاعِي [بِالخِيَارِ] (^٣) فِي حِقَّتَينِ، أَوْ فِي ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ (^٤).
• قال ابن القاسم: «ذهب في الصدقات إلى ما قرأه من كتاب عمر بن الخطاب» (^٥)، وفي الكتاب زكاة الإبل على ما ذكره مالك، وكذلك فيه زكاة الغنم والبقر على ما سنذكره إن شاء الله.
وكذلك رُوي عن النبي صلى الله عليه:
فروى مالكٌ وسفيانٌ (^٦)، وشعبة (^٧)، عن عمرو بن يحيى المازني (^٨)، عن
_________________
(١) قوله: «بلغت»، كذا في شب، وفي المطبوع: «كانت».
(٢) ما بين [..] مطموس، والسياق يقتضيه، مع ما في مواطن الاستدراك المذكورة.
(٣) ما بين [..] مطموس، والمثبت من مواطن الاستدراك المذكورة.
(٤) المختصر الصغير، ص (٣٠٧)، المختصر الكبير، ص (١٠٠)، المدونة [١/ ٣٥٢]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٦)، التفريع [١/ ٢٨١].
(٥) حكاه ابن القاسم في المدونة [١/ ٣٥٢]، وكتاب عمر أخرجه مالك في الموطأ [٢/ ٣٦١].
(٦) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة السابعة. تقريب التهذيب، ص (٣٩٤).
(٧) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم الواسطي، ثم البصري، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٤٣٦).
(٨) عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني المدني، ثقةٌ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٧٤٨).
[ ١ / ١١٦ ]
أبيه (^١)، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ» (^٢).
وكذلك رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه (^٣).
وروى محمد بن عبد الله الأنصاري (^٤)، قال: حدثني أبي (^٥)، قال: حدثني عمي ثمامة بن عبد الله بن أنس (^٦)، عن أنس بن مالك: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ لَمَّا اسْتُخْلِفَ، وَجَّهَ أَنَسًا إِلَى البَحْرَيْنِ، وَكَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ حِينَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، وَكَتَبَهُ لَهُ، فَإِذَا فِيهِ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، الَّتِي أَمَرَ اللهُ تعالى بِهَا نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ
_________________
(١) يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المدني، ثقةٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١٠٦٣).
(٢) أخرجه ابن خزيمة [٤/ ٢٩]، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك وسفيان وشعبة، بنحو ما ذكره الشارح، وهو في الصحيحين: البخاري (١٤٠٥)، ومسلم [٣/ ٦٦]، من طرقٍ أخرى، وهو في التحفة [٣/ ٤٧٩].
(٣) أخرجه أحمد في المسند [١٥/ ١٢٢].
(٤) محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري البصري، ثقةٌ، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٨٦٥).
(٥) عبد الله بن المثنى بن عبد الله الأنصاري البصري، صدوقٌ كثير الغلط، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٥٤٠).
(٦) ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، صدوقٌ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (١٨٩).
[ ١ / ١١٧ ]
المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ الغَنَمُ، فِي [كُلِّ] (^١) خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» (^٢)، ثم ذكر نحو ما ذكره مالكٌ.
وروى عباد بن العوام (^٣)، عن سفيان بن حسين (^٤)، عن الزهري، عن سالمٍ (^٥)، عن أبيه، قال: «كَتَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ كِتَابَ الصَّدَقَةِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، فَكَانَ فِيهِ: فِي خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ» (^٦)، ثم ذكر الحديث، نحو ما ذكره مالكٌ.
_________________
(١) ما بين [..] شبه مطموس، والمثبت من التخريج.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٥٣)، وهو في التحفة [٥/ ٢٨٤].
(٣) عباد بن العوام بن عمر الكلابي مولاهم الواسطي، ثقةٌ، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٤٨٢).
(٤) سفيان بن حسين بن حسن الواسطي، ثقةٌ في غير الزهري باتفاقهم، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٣٩٣).
(٥) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، من كبار الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٣٦٠).
(٦) أخرجه أبو داود [٢/ ٣١٧]، والترمذي [٢/ ٩]، وهو في التحفة [٥/ ٣٦٧].
[ ١ / ١١٨ ]
ورواه أيضًا زهيرٌ (^١)، قال: حدثنا أبو إسحاق (^٢)، عن عاصم بن ضمرة (^٣) والحارث الأعور (^٤)، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه (^٥)، فذكر حديث الصدقات.
وقوله: «إنَّهُ لا شيء فيها حتى يحول عليها الحول»؛ فلِما روته عائشة وأنس، عن النبي صلى الله عليه، أنَّهُ قال: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» (^٦)، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق (^٧)، وابن عمر (^٨)، وقد ذكرنا ذلك في زكاة العين فأغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله: «إذا زادت الإبل على عشرين ومئةٍ، فالساعي بالخيار بين أن يأخذ
_________________
(١) زهير بن معاوية بن حديج الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلَّا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخره. تقريب التهذيب، ص (٣٤٢).
(٢) عمرو بن عبد الله بن عبيد ويقال: علي، ويقال: ابن أبي شعيرة الهمداني، أبو إسحاق السبيعي، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ من الثالثة، اختلط بآخره. تقريب التهذيب، ص (٧٣٩).
(٣) عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، صدوقٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٤٧١).
(٤) الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، كذَّبه الشعبي في رأيه ورُمي بالرفض، وفي حديثه ضعفٌ، وهو من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٢١١).
(٥) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٢٠]، والنسائي في المجتبى [١/ ٤٩٧]، والترمذي [٢/ ٨]، وابن ماجه [٣/ ١٠]، وهو في التحفة [٧/ ٣٥٢].
(٦) حديث عائشة: أخرجه ابن ماجه [٣/ ١٢]، والدارقطني [٢/ ٤٦٩]، وهو في التحفة [١٢/ ٤٠٧]، وحديث أنس: أخرجه الدارقطني [٢/ ٤٦٩].
(٧) أخرجه مالك [٢/ ٣٤٤].
(٨) أخرجه مالك [٢/ ٣٤٥].
[ ١ / ١١٩ ]
حقتين أو ثلاث بنات لبون»؛ فلأنَّ النبي صلى الله عليه، لَمَّا قال: «فَإِذَا زَادَتْ، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ» (^١) احتمل:
(أن يكون ذلك في كل الزيادة، واحدةً كانت أو أكثر.
(واحتمل أن تكون الزيادة هي أقل زيادةٍ يجتمع فيها ذلك.
فلما احتمل ذلك، جعل مالكٌ الساعي بالخيار، على حسب ما يؤديه اجتهاده في الأخذ، كما هو مخير في المئتين بين أن يأخذ أربع حِقَاقٍ أو خمس بنات لبونٍ.
وهذه رواية ابن القاسم (^٢) وابن عبد الحكم وغيرهما من أصحابه عن مالك.
وحكى عبد الملك (^٣)، وأشهب (^٤)، عن مالك: «أنَّ الحقتين لا تُخرجان من المال حتّى يصير ثلاثين ومئةٍ، فإذا صار كذلك، أُخِذَ من خمسين حقةً، ومن ثمانين ابنتا لبونٍ» (^٥).
_________________
(١) هي قطعة من حديث أنس المتقدِّم في المسألة رقم ٣٦.
(٢) ينظر: المدونة [١/ ٣٥٢].
(٣) عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة الماجشون القرشي التيمى مولاهم، من الطبقة الوسطى من تلاميذ مالك، ومفتي المدينة في زمانه، ينظر: سير أعلام النبلاء [١٠/ ٣٥٩]، الديباج المذهب [٢/ ٦].
(٤) أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي العامري الجعدي، من الطبقة الوسطى من تلاميذ مالك، وانتهت إليه الرئاسة بمصر، ينظر: سير أعلام النبلاء [٩/ ٥٠٠]، الديباج المذهب [١/ ٣٠٧].
(٥) ينظر: النوادر والزيادات [٢/ ٢١٥].
[ ١ / ١٢٠ ]
ووجه هذا القول: أنَّ أول الزيادة التي يصح فيها ما قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ هي هذه لا ما هو أقل منها، فلم يخرج حكم الحقتين فيما زاد على العشرين ومئةٍ حتى يصير ثلاثين ومئةٍ.
وهذا القول كأنه أصحُّ في القياس.
فإن قيل: فقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «فَإِذَا زَادَتِ الإِبْلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمَئةً، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ»، فوجب بظاهر هذا الحديث أنَّ حكم الزَّكاة ينتقل بزيادَةِ واحدةٍ فأكثر، وقد قيل في بعض الأخبار: «فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ» (^١) (^٢).
قيل له: قوله: «فَإِذَا زَادَتْ»، إنَّما أراد زيادةً بوصفٍ ما، وهو ما ذكرناه، أن يجتمع فيها أخذ الحقة وبنات لبونٍ، فأمَّا زيادة واحدةٍ فليس يجتمع فيها ذلك، ولم يُرِدْهَا النبي صلى الله عليه.
والدليل على ذلك أيضًا من جهة القياس: أنَّا وجدنا كل زيادةٍ تُغَير حكم الزَّكاة وتنقله من شيءٍ إلى شيءٍ تدخل في حكم الزَّكاة وتؤخذ منها الزَّكاة، وزيادة واحدةٍ على عشرين ومئةٍ من الإبل، فليس يخلو أمرها من أحد أمرين:
(إما أن تدخل في حكم الزَّكاة ويؤخذ منها، كما يؤخذ من العشرين ومئة، فيجب أن يكون في أربعين وثُلثٍ ابنة لبونٍ، وهذا خلاف الخبر.
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال [٢/ ١١].
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٢/ ٢٤].
[ ١ / ١٢١ ]
(أو تكون الزَّكاة في أربعين وتكون هي عفوًا، وهذا خلاف الأصول في الزَّكاة.
فعُلم بذلك أنَّ الزيادة التي أرادها النبي صلى الله عليه، هي ما يدخل في حكم الزَّكاة ويُغير حكمها بنقله من شيءٍ إلى شيءٍ، والله أعلم.
فأمَّا الخبر الذي قيل فيه: «فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً»، فليس بالصحيح، والصحيح إنَّما هو: «فَإِذَا زَادَتْ»، من غير ذكر واحدةٍ (^١)، وقد قيل في بعض الأخبار: «فَإِذَا كَثُرَتِ الإِبِلُ، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» (^٢)، والكثرة لا تكون بزيادةِ واحدةٍ.
•••
زكاة الغنم
[٣٧] مَسْأَلَةٌ: قُلْتُ: فَكَمْ فِي زَكَاةِ الغَنَمِ، وَفِي كَمْ تُؤْخَذُ زَكَاتُهَا؟
قَالَ مَالِكٌ: زَكَاتُهَا فِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةٌ.
وَلَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَفِيهَا شَاةٌ.
_________________
(١) قال أبو عبيد في كتاب الأموال [٢/ ١٢]: «وأما حديث ابن شهاب: إنها إذا زادت على عشرين ومئة كانت فيها ثلاث بنات لبون، فإنا لم نجد هذا الحرف في شيء من الحديث سوى هذا، ولا أعرف له وجهًا، وأخاف أن يكون غير محفوظ».
(٢) أخرجه أحمد [٨/ ٢٥٦]، وهي رواية لحديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم المتقدِّم.
[ ١ / ١٢٢ ]
ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا إِلَّا شَاةً حَتَّى تَبْلُغَ عِشْرِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا زَادَتْ شَاةً، فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مِئَتِي شَاةٍ، فَإِذَا زَادَتْ شَاةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، ثُمَّ مَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِئَةِ شَاةٍ شَاةٌ (^١).
• وهذا القول الذي قاله مالك في زكاة الغنم أيضًا، فإنَّما قاله لما قرأه في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ في الصدقة.
قال مالكٌ: «قرأت كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة، فوجدت فيه» (^٢)، فذكر في صدقة الغنم مثل ما تقدَّم.
وكذلك كتب أبو بكر ﵁، لأنس بن مالك (^٣).
وكذلك رواه علي ﵁، عن النبي صلى الله عليه (^٤)، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
•••
زكاة البقر
[٣٨] مَسْأَلَةٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ زَكَاةَ البَقَرِ؟
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٠٩)، المختصر الكبير، ص (١٠٠)، مختصر أبي معصب، ص (٢٠٧)، التفريع [١/ ٢٨٣].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٣٦.
(٣) تقدم ذكره في المسألة رقم ٣٦.
(٤) تقدم ذكره في المسألة رقم ٣٦.
[ ١ / ١٢٣ ]
قَالَ مَالِكٌ: لَا زَكَاةَ فِي البَقَرِ إِلَّا فِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً.
وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ، فَفِيهَا تَبِيعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ، فَفِيهَا مُسِنَّةٌ، ثُمَّ مَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ (^١).
• وإنَّمَا قال مالكٌ في زكاة البقر أيضًا؛ لما قرأه من كتاب عمر بن الخطاب.
وروى مالكٌ، عن حميد بن قيسٍ المكي (^٢)، عن طاوس اليماني (^٣): «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخَذَ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا، وَأَخَذَ مِنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً، وَأُتِيَ بِمَا دُونَ ذَلِكَ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا حَتَّى أَلْقَاهُ فَأَسْأَلَهُ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ مُعَاذُ» (^٤).
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٠٩)، المختصر الكبير، ص (١٠٠)، المدونة [١/ ٣٥٤]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٧)، التفريع [١/ ٢٨٤].
(٢) حميد بن قيس المكي الأعرج، ليس به بأسٌ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٢٧٥).
(٣) طاوس بن كيسان اليماني الحميري، مولاهم الفارسي، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٤٦٢).
(٤) أخرجه مالك [٢/ ٣٦٤].
[ ١ / ١٢٤ ]
وروى الأعمش (^١) وعاصمٌ (^٢) جميعًا، عن أبي وائلٍ (^٣)، عن مسروقٍ (^٤)، عن معاذٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ، فأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» (^٥).
وقد روى سليمان بن داود (^٦)، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (^٧)، عن أبيه (^٨)، عن جده (^٩): «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله
_________________
(١) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي الأعمش، ثقةٌ حافظٌ، من الخامسة، عارفٌ بالقراءات، لكنه يدلِّس. تقريب التهذيب، ص (٤١٤).
(٢) عاصم بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي، صدوقٌ له أوهامٌ، حجةٌ في القراءة، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٤٧١).
(٣) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة، من الثانية، مخضرمٌ. تقريب التهذيب، ص (٤٣٩).
(٤) مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٩٣٥).
(٥) حديث الأعمش: أخرجه أبو داود [٢/ ٣٢٤]، والترمذي [٢/ ١٢]، وابن ماجه [٣/ ٢٢]، والنسائي في الكبرى [٣/ ١٥]، وهو في التحفة [٨/ ٣٩٩]، وحديث عاصم: أخرجه الدارمي [٢/ ١٠١١].
(٦) سليمان بن داود الخولاني الدمشقي، صدوقٌ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٤٠٧).
(٧) أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري المدني، ثقةٌ عابدٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (١١١٨).
(٨) محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، له رؤية وليس له سماعٌ إلَّا من الصحابة. تقريب التهذيب، ص (٨٨٣).
(٩) هو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان، صحابي مشهورٌ.
[ ١ / ١٢٥ ]
عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الفَرَائِضُ» فذكر: «وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَاقُورَةً تَبِيعٌ: جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَاقُورَةً بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ» (^١)، وذَكَر زكاة الإبل والغنم على ما تقدَّم ذكره.
•••
[٣٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ فِي الأَوْقَاصِ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ شَيْءٌ.
وَالأَوْقَاصُ: مَا بَيْنَ السِّنَّيْنِ مِنَ العَدَدِ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ معاذًا امتنع من أخذ الصدقة فيما بين السنين، وقال: «لَمْ أَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا حَتَّى أَسْأَلَهُ».
ولمَّا قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: من كذا إلى كذا، لم يجز أن يُنتقل من زكاةٍ إلى زكاةٍ إلَّا باستكمال العدد المشترط.
•••
[٤٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي المَالِ سِنَّانِ:
• فَإنْ كَانَ السِّنَّانُ فِي المَالِ، فَالسَّاعِي بِالخِيَارِ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ أَخَذَ.
_________________
(١) أخرجه ابن حبان [١٤/ ٥٠١]، بنحو الطريق الذي أورده الشارح.
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٠٩)، المختصر الكبير، ص (١٠١)، المدونة [١/ ٣٥٦]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٨).
[ ١ / ١٢٦ ]
• وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنِ السِّنَّانُ فِي المَالِ، فَالسَّاعِي بِالخِيَارِ، أَيَّ ذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ رَبُّ (^١) المَالِ أَخَذَهُ.
• وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي المَالِ إِلَّا سِنٌّ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ لِلسَّاعِي إِلَّا ذَلِكَ السِّنُّ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا كان في المال السِّنان جميعًا، أخذ المُصَدِّقُ (^٣) أيهما شاء، إذا كان في أخذهما نَظَرٌ للمسلمين، إذ هو القيِّم لهم.
ولأنَّ كلا السِّنين مما قد جُعِل له أخذه في الموضع الذي يجوز له أخذ ذلك، فالخيار إليه دون ربّ المال.
فأمَّا إذا لم يكن في المال إلَّا سنٌ واحدٌ، أخذه ولم يُكَلِّف ربّ المال غيره؛ لأنَّ السن الموجود مما يجوز له أخذه في الصدقة، فمتى كلَّفه أن يأتي بغيره، أضر ذلك به وشقَّ عليه، وذلك منهيٌّ عنه، إلَّا أن يتطوع ربّ المال بأن يعطيه أعلى من السن الموجود فيه، فيكون ذلك له.
•••
باب زكاة الخلطاء
[٤١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَالخُلَطَاءُ فِي الإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الخُلَطَاءِ فِي الغَنَمِ،
_________________
(١) قوله: «يَأْخُذَ رَبُّ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «يأخذ من ربِّ»، وفيه اختلاف في المعنى.
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠١)، المدونة [١/ ٣٥١].
(٣) قوله: «المُصَدِّقُ»: هو الذي يأخذ الصدقة، ويعمل عليها، ينظر: المنتقى للباجي [٢/ ١٥٠].
[ ١ / ١٢٧ ]
لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ شَاةً أَوْ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَ الخُلَطَاءُ لَهُمْ جَمِيعًا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ أُخِذَ مِنَ المَالِ زَكَاةٌ، فَإِنَّهُمْ يَتَرَادُّونَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ أَمْوَالِهِمْ، بِقَدْرِ مَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ (^١).
• قوله: «لا زكاة على الخلطاء في الإبل والغنم وكذلك البقر، حتى يكون لكل واحدٍ منهم ما تجب فيه الزَّكاة، فإن كان لبعضهم ما تجب فيه الزَّكاة أُخذت منه الزَّكاة دون من لم تجب عليه» (^٢)؛ فلأنَّ النّبيّ ﷺ قال فيما رواه مالكٌ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (^٣)، فكان هذا نفيًا عامًا في كل مالكٍ وكل ملكٍ أن تكون فيه الصدقة، حتى تكون له خمس ذَوْدٍ، سواءٌ كان منفردًا بملكه أو مخالطًا لغيره؛ لأنَّ الحاجة إلى حصول النصاب واعتباره في الخلطة، كالحاجة إلى حصوله في الانفراد؛ لأنَّ النصاب من أحد الأوصاف التي تجب الزَّكاة بوجوده، ومن أوصاف وجوبها الحرية والإسلام.
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣١٠)، المختصر الكبير، ص (١٠١)، الموطأ [١/ ٣٧٠]، المدونة [١/ ٣٧١ و٣٧٣]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٨)، التفريع [١/ ٢٨٦ - ٢٨٧].
(٢) من قوله: «فإن كان لبعضهم» إلى هذا الموضع، غير موجود في المتن، وإنما هو من الشارح، كما هو ظاهر.
(٣) تقدم ذكره في المسألة ٣٦.
[ ١ / ١٢٨ ]
فلمَّا كان المسلم إذا كان مخالطًا لكافرٍ أو عبدٍ بدون النصاب إلى ما هو نصابٌ للعبد والكافر، أو ما إذا اجتمع كان نصابًا، لم تكن على المسلم الزَّكاة فيما يملكه من دون النصاب، وإن كان بالخلطة يصير نصابًا مع ما لغيره؛ لأنَّهُ لو انفرد لم يكن من أهل الزَّكاة، فكذلك إذا كان مخالطًا لغيره، فلا زكاة عليه، سواءٌ كانا مسلمين أو كافرين أو عبدين؛ لأنَّ كل واحدٍ لو انفرد لم يكن من أهل الزَّكاة، الذي لا يملك النصاب، أو الكافر، أو المكاتب.
فلمَّا لم يصر الكافر والمكاتب بالخلطة من أهل الزَّكاة؛ - لأنه لو انفرد لم يكن من أهلها -، فكذلك المسلم الذي لا يملك النصاب إذا خالط غيره، لم يصر بملكِ غيره من أهل الزَّكاة؛ لأنَّهُ لو انفرد بملكه لم يكن من أهل الزَّكاة.
فإن قيل: قد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ» (^١)، فهذا على عمومه؛ لأنَّ الخلطة قد تكون بالنصاب ودونه، وكذلك قوله: «يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا»، وإن كان لكل واحدٍ منهما أقل من النصاب، وإجراء هذا الحديث على عمومه، أولى من قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (^٢).
قيل له: قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ»، نفيٌ مُتيقنٌ، وهو على عمومه في المالك الواحد والجماعة المختلطين، لا يُنتقل عن هذا الأصل المتيقن بشيءٍ مجملٍ.
_________________
(١) هي قطعة من حديث أنس المتقدِّم ذكره في المسألة ٣٦.
(٢) ينظر الاعتراض في: الحاوي [٤/ ٩٧]، المجموع [٥/ ٢٩٠].
[ ١ / ١٢٩ ]
وقوله: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ»، يعني بذلك: إذا كان هناك نصابٌ لكل واحدٍ.
ويكون هذا أشبه بالأصول وأولى بالدليل الذي ذكرناه، مِنْ قِبَل أنَّا لو جعلنا على الخلطاء الزَّكاة إذا كان لكل واحدٍ منهما أقل من النصاب، لوجبت الزَّكاة على من ملك جزءًا من أجزاءٍ من شاةٍ، فنكون قد أخذنا الزَّكاة من الفقير الذي يجب علينا أن نعطيه.
فإن قيل: فأنت تعطي مَنْ له نصابٌ إذا كان غير غنيٍّ به وتأخذ منه الصدقة، فكذلك لا تُنكر أن نأخذ الصدقة من الخليط، وإن كان يملك جُزْءًا من شاةٍ (^١).
قيل له: نحن إنَّما نأخذ الصدقة من الغني بالنصاب ونعطي الفقير من جهة الكفاية؛ لأنَّ الغنى على ضربين:
غنى بالكفاية، وهو الذي لا يجوز معه أخذ الزَّكاة، ويجوز أخذ الزَّكاة مع عدمه.
وضربٌ آخر، وهو بالنصاب.
والزَّكاة تجب على من كان غنيًا بالنصاب، والذي له جزءٌ من أجزاءٍ من شاةٍ، فليس بغني بالنصاب ولا الكفاية، فلا يجوز أخذ الزَّكاة منه.
فإن قيل: فأنت توجب بالخلطة الزَّكاة، وهو أنك تنتقل من زكاةٍ إلى زكاةٍ، فتُخفِّف وتُثَقِّلُ من أجل الخلطة (^٢).
_________________
(١) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض من الشافعية.
(٢) لم أقف على من قال بهذا الاعتراض.
[ ١ / ١٣٠ ]
قيل له: لسنا ننكر أن تغير الخلطة حكم الزَّكاة من تخفيفٍ إلى تثقيلٍ، ومن تثقيلٍ إلى تخفيفٍ، وإنَّما ننكر أن تُبتدأ بها زكاةٌ لم تجب في الانفراد، ولو جاز أن توجِبَ الخلطة زكاةً لم تجب مبتدأةً، لجاز أن تُسقط زكاةً واجبةً كلها، فلمَّا فسد أن تسقط الخلطة زكاةً واجبةً كلها في الانفراد، فكذلك فسد أن توجب زكاةً لم تجب في الانفراد، وقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ فَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ» (^١).
فأمَّا من قال: إنَّ الخلطة لا تُخَفِّفُ الزَّكاة ولا تثقل، لكنها تجب معها الزَّكاة كما تجب مع الانفراد (^٢)، فقد خالف ظاهر الحديث عن النبي صلى الله عليه، وهو قوله: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْن، ِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ»، ومعلومٌ أنَّ قوله: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ»، إنَّما هو أن يُسقط بالخلطة صدقةً كانت واجبةً في الانفراد، فتؤخذ صدقة الخلطة، أو يُسقط بالافتراق صدقةً كانت واجبةً بالاختلاط، فنُهي عن ذلك، وإلا فلا معنى للحديث.
وقد فسر مالكٌ وجه افتراقهم واجتماعهم، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله (^٣).
•••
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٦.
(٢) وهم الحنفية ومن وافقهم، ينظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص [٢/ ٢٥١]، المبسوط [٢/ ١٥٣].
(٣) ينظر قول مالك في المسألة: [٤٨].
[ ١ / ١٣١ ]
[٤٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ الرَّاعِي وَاحِدًا وَالفَحْلُ (^١) وَاحِدًا وَالمُرَاحُ وَاحِدًا، فَهُمْ خُلَطَاءُ، وَإِنِ افْتَرَقَا فِي المَبِيتِ وَالحِلَابِ، فَهُمْ خُلَطَاءُ.
وَكَذَلِكَ القَوْمُ تَكُونُ لَهُمُ الأَغْنَامُ يَجْمَعُهَا رَاعٍ وَاحِدٌ، يَدْفَعُ هَذَا غَنَمَهُ وَهَذَا غَنَمَهُ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ انْقَلَبَتْ، فَيَدْفَعُ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ غَنَمَهُ فَبَاتَتْ عِنْدَهُ، فَهُمْ خُلَطَاءُ، وَإِنْ تَفَرَّقَ المَبِيتُ وَالحِلَابُ وَمَعْرِفَةُ الغَنَمِ (^٢).
• قال أبو بكر: ليس يستقرُّ عندي وصف الخلطة من قول مالكٍ حتى يكونوا خلطاء باجتماع الراعي أو الفحل أو الدلو أو المبيت، غير أنَّها تكون باجتماع شيئين من الراعي أو الدلو، أو المبيت أو المراح، وليس يكون بواحدٍ منها على الانفراد خليطًا دون أن يكونا شيئين (^٣).
هذا الذي تبيَّنتُهُ من قول مالكٍ فيما درسته، ولم يضبط شيوخنا قوله الضبط الذي أعمل عليه.
وقد قال بعض أصحابنا: «إنَّ الاعتبار في ذلك أن يكون الراعي واحدًا»، وشبَّه ذلك بالمأمومين مع الإمام، فقال: «ألا ترى أنَّ الجماعة بغير حكم الانفراد
_________________
(١) قوله: «وَالفَحْلُ»، كذا في شب، وفي المطبوع «والمرعى».
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠١)، الموطأ [٢/ ٣٧٠]، المدونة [١/ ٣٦٩ و٣٧٣]، التفريع [١/ ٢٨٦].
(٣) نقل هذا الاختيار عن الأبهري: الباجي في المنتقى [٢/ ١٣٧]، ابن يونس في الجامع [٤/ ٢٦٧].
[ ١ / ١٣٢ ]
من أجل الإمام في القراءة والسهو وغير ذلك، فسبيل الراعي في الغنم كسبيل الإمام مع المأمومين» (^١).
وهذا ليس بصحيحٍ على قول مالكٍ؛ لأنَّ مالكًا قد قال: «إنهم يكونون خلطاء وإن اختلفت الرعاة»، وقول مالكٍ ما ذكرناه، والله أعلم.
•••
[٤٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً خَلِيطًا لِرَجُلٍ بِمِثْلِهَا، وَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَرْبَعُونَ، قَالَ: يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي زَكَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَتَرَادَّانِ الزَّكَاةَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ (^٢).
• يعني: أنَّ مِلْكَ الرجل الواحد يُضَم بعضه إلى بعض ما يخلطه من الماشية، فيزكى زكاةً واحدةً، يُضم ما هو غير مخالَطٌ به إلى ما هو مخالَطٌ به؛ من قِبَل أنَّ ملكه قد جمع ذلك كلّه ووجبت الزَّكاة عليه فيه، فوجب أن يضم ملكه كلّه بعضه إلى بعضٍ؛ من قِبَل أنَّ الخلطة لَمَّا جعلت حكم المالكين كأنه واحدٌ في الزَّكاة، كان الملك واحدًا في أن يكون حكم زكاته حكم مالكٍ واحدٍ أولى.
•••
_________________
(١) حكى هذا النقل عن الأبهري: القاضي عبد الوهاب في عيون المسائل، ص (١٨٠)، وابن بطال في شرح البخاري [٣/ ٤٥٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٢)، المدونة [١/ ٣٧٠ و٣٧٢]، التفريع [١/ ٢٨٧].
[ ١ / ١٣٣ ]
[٤٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ الخُلَطَاءُ لَهُمْ مِنَ الغَنَمِ مَا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ فُرِّقَ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمْ (^١).
• قد ذكرنا الحجة في هذه المسألة، فيما تقدَّم في زكاة الإبل والبقر (^٢)، وذكرنا أنَّهُ لا زكاة على من لا يملك النصاب، سواءٌ كان مخالطًا لغيره أو منفردًا؛ لأنَّ الحاجة في وجوب الزَّكاة إلى النصاب كالحاجة إلى الإسلام والحرية، وليس يختلف ذلك في الاجتماع والانفراد.
•••
[٤٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِئَةُ شَاةٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ السَّاعِي شَاةً، قَالَ: يَتَرَادُّونَهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
فَإنْ كَانَتْ ثَلَاثِينَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَأَخَذَ السَّاعِي مِنْهَا شَاةً، قَالَ: هِيَ مَظْلَمَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ، وَالشَّاةُ مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَلَا يَتَرَادُّونَهَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَقُولُ: فِي ثَلَاثِينَ زَكَاةٌ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: فِي الأَرْبَعِينَ، فَإنْ كَانَتْ لِأَرْبَعَةٍ إِذَا كَانُوا خُلَطَاءَ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، فَمِنْ ثَمَّ يَتَرَادُّونَ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يَتَرَادُّونَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ (^٣).
• قد ذكر مالكٌ الفرق بين المسألتين، وهو أنَّ النصاب فما فوقه إذا كان
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٢)، التفريع [١/ ٢٨٧].
(٢) لم أقف على كلامه في الموضع المشار إليه، وقد تكلم عن هذه المسألة، في أول هذا الباب.
(٣) المختصر الكبير، ص (١٠٢)، المدونة [١/ ٣٧١]، التفريع [١/ ٢٨٨].
[ ١ / ١٣٤ ]
بين جماعةٍ (^١) فأخذ منهم الساعي الصدقة، تراجعوها بينهم على قدر أملاكهم؛ من قِبَل أنَّ مِنْ أهل العلم من يرى أنَّ فيها الصدقة (^٢).
فأَخْذُ الساعي منها الصدقة حكمٌ قد حكم به، ولا يجوز نقضه ولا ردُّه؛ لأنَّهُ ليس بخطأٍ مُجمعٍ عليه، كالحاكم إذا حكم بحكمٍ فيه خلافٌ بين أهل العلم، فلا يجوز لأحدٍ نقضُه ولا ردُّه.
فإن أخذ الساعي من دون النصاب لم يترادُّوا؛ من قِبَل أنَّ أخذَهُ ظُلمٌ وجَورٌ، ظَلَمَ من أَخَذَ منه، وليس هو حكمًا فيلزم من أُخِذَ منه وغيره من الخلطاء.
وأشبه ذلك الحاكم إذا حكم بخطأٍ بيِّنٍ عند النَّاس أو جورٍ، أنَّ حكمه غير ماضٍ ولا لازمٍ، والله أعلم.
•••
[٤٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ جَمَعَ غَنَمَهُ أَوْ إِبِلَهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَخَالَطَهُ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ، أَوْ قَبْلَ الحَوْلِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، فَهُوَ بِذَلِكَ كُلُّهُ خَلِيطٌ (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَلِ أنَّ الساعي إنَّما عليه أن يأخذ الصدقة من الماشية على ما يجدها، إذا كان أربابها من أهل الزَّكاة، منفردًا كان أو مختلطًا.
فإن وجدهم مختلطين أخذ، وسواءٌ اختلطوا حولًا أو أقل منه؛ لأنَّهُ يشق
_________________
(١) يعني: لجماعة، مُلْكُ كل واحدٍ منهم دون النصاب.
(٢) وهو مذهب الشافعي، ينظر: الحاوي للماوردي [٤/ ٩٤]، والمهذب مع المجموع [٥/ ٢٨٩].
(٣) المختصر الكبير، ص (١٠٢)، المدونة [١/ ٣٧٠].
[ ١ / ١٣٥ ]
عليه أن يميز الغنم بعضها من بعضٍ، ويُفرد ملك كل واحدٍ في الزَّكاة، ويضر فعله ذلك أيضًا بأرباب الماشية.
فجُعِلَ له أن يزكيها كما يجدها مجتمعةً زكاة الخلطاء؛ لأنَّ الخلطة مرةً تُخَفِّفُ ومرة تُثَقِّلُ.
ولأنَّ الساعي إنَّما يجيء أيضًا مرةً في الحول ولا يتكرر مجيئه، فجُعل له أن يزكيها على ما يجدها، والله أعلم.
•••
زكاة العوامل
[٤٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَالزَّكَاةُ فِي البَقَرِ العَوَامِلِ (^١): بَقَرِ السَّوَانِي (^٢) وَبَقَرِ الحَرْثِ، وَالإِبِلِ العَوَامِلِ، عَامِلَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ كَأَهْمَالِهَا (^٣) (^٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لَمَّا قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ
_________________
(١) قوله: «البقر العوامل»: هي البقر المعدّة للأعمال، كالحرث، والدياسة، ينظر: طلبة الطلبة، ص (١٦)، التعريفات الفقهية للبركتي، ص (١٥٤).
(٢) قوله: «بقر السواني»: هي البقر التي يستقى بها من البئر، ينظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار [٢/ ٢٢٣]، المغرب للمطرزي، ص (٢٣٧).
(٣) قوله: «كأهمالها»، هي الإبل المسيبة التي تُهمل، فترعى بلا راع، ينظر: لسان العرب [١١/ ٧١٠].
(٤) المختصر الصغير، ص (٣١٠)، المختصر الكبير، ص (١٠٢)، الموطأ [٢/ ٣٦٩]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٦)، التفريع [١/ ٢٨٩].
[ ١ / ١٣٦ ]
خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (^١)، أوجب في خمس ذودٍ الصدقة بعموم هذا القول، فلم يفرِّق بين عاملةٍ ولا غيرها، بل وجب أن تؤخذ الصدقة منها؛ لوقوع اسم الذود عليها.
فإن قيل: قد روي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ قال: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ، فِي خَمْسٍ مِنْهَا شَاةٌ» (^٢)، فأوجب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ الصدقة فيها إذا كانت سائمةً؛ لأنَّ ما عدا الموصوف فحكمه بخلاف حكم الموصوف، وإلَّا فلا معنى لذكر السوم (^٣).
قيل له: ذِكرُ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ الإبل التي أوجب فيها الصدقة بذكر السوم لا يمنع من وجوب الصدقة في غيرها بدليلٍ يقوم على ذلك، كما لم يمنع وصف الله تعالى قتل الصّيد عمدًا إذا قتله المُحْرِمُ أنَّ فيه الجزاء، من أنْ يكون على قاتل الخطأ الجزاء أيضًا؛ لاجتماعه والعامد في الإتلاف والذي هو علة وجوب الجزاء من أن يكون على القاتل للصّيد في الإحرام.
والدليل على ذلك: ما ذكرناه من عموم قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ»، وأنَّ إجراءَه على العموم أولى من الحديث الآخر الخاص، من قِبَل أنَّا متى قدِرْنَا على استعمال العموم من الآية والخبر استعملناه، إذا لم يمنع من استعماله دليلٌ.
_________________
(١) تقدم ذكره في المسألة رقم ٣٦.
(٢) تقدم ذكره في المسألة رقم ٣٨.
(٣) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٤/ ١٦٢]، المغني لابن قدامة [٤/ ١٢].
[ ١ / ١٣٧ ]
ويحتمل أن يكون قول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «فِي الإِبِلِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ»، إنَّما خرج على الأغلب من حال الإبل أنها سائمةٌ:
- كما كان قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، خرج على الأغلب من القتل، وكان الخطأ مثله في وجوب الجزاء.
- وكذلك قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، خرج تحريم الربيبة على الأغلب؛ لأنها في الأغلب في حجر المتزوِّج بأمها، ولم يمنع ذلك من تحريم التي ليست في الحجر.
ويحتمل أن يكون قول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «فِي الإِبِلِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ»، إنَّما هو جوابٌ لمن سأله: هل في السائمة زكاة؟، وليس يمنع هذا أن تكون في غيرها الزَّكاة، كما كان قوله: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ، وَلَا الرَّضْعَتَانِ» (^١)، لا يمنع أن تكون الثلاث غير مُحَرِّمَةٍ عند بعض مخالفينا في هذه المسألة لدليلٍ ما، فكذلك قد قامت لنا الدلالة على وجوب الصدقة في الإبل العاملة والسائمة لِمَا ذكرناه.
فأمَّا من جهة القياس: فإنَّ العاملة، النماء فيها موجودٌ، من الدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالوَبَرِ، وتزداد مع هذه الأشياء أجرةً، فلم يجب أن تسقط عنا (^٢) الزَّكاة.
_________________
(١) أخرجه مسلم [٤/ ١٦٦]، وهو في التحفة [١٢/ ٤٧٩].
(٢) قوله: «عنا»، كذا في شب، ولعلها: «عنها».
[ ١ / ١٣٨ ]
فإن قيل: إنَّ العاملة على صاحبها مؤنةٌ، وليس كذلك السائمة، فلم تجب الزَّكاة في العاملة لمخالفتها للسائمة (^١).
قيل له: المؤنة التي تلزم صاحب العاملة، بإزائها العمل الذي يُعمل له أو الأجرة التي يأخذ منها؛ لأنَّ النَّاس لا يَكْرُونَ كراءً لا يقوم بمؤنة الإبل، وإنَّما يكرون بما يقوم بمؤنتها وفضلٍ، وكذلك يستعملونها فيما هو أنفع لهم من المؤنة عليها، هذا هو عرف النَّاس وعاداتهم، لا يذهب عن ذلك عاقلٌ، على أنَّ المؤنة لا تُسقط الزَّكاة، وإنَّما تخفف.
ألا ترى: أنَّ رجلًا لو أنفق على زرعٍ له أضعاف قيمته، لوجبت عليه الزَّكاة ولم تسقط للمؤنة، فكذلك لا تَسقُط زكاة العاملة لمؤنتها.
وإذا بطل التخفيف لزكاتها (^٢) ولم يجز إسقاطها للدليل الذي ذكرناه، وجب أن تؤخذ الزَّكاة منها لِمَا ذكرناه من الخبر والقياس.
فإن قيل: فأنت لا توجب الزَّكاة في الحلي إذا اتُّخِذ للزينة واللبس وإن كانت عينه مزكاةً، فكذلك يجب أن لا تأخذ الصدقة من الإبل والبقر العاملة إذا أراد بها الزينة والعمل، وإن كان في عينها الزَّكاة (^٣).
قيل له: ليس تشبه الإبل العاملة الحلي؛ من قِبَل أنَّ الحلي ليس يَقدر أن يَطلب فيه النماء بالتقلب في البيع والشراء متى اتخذه للبس والزينة، والزَّكاة
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: المغني [٤/ ١٢].
(٢) يعني: لأجل ما ذكره من أن النَّاس يستفيدون من كريها، والله أعلم.
(٣) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [٤/ ١٦٣].
[ ١ / ١٣٩ ]
إنَّما تجب في الأموال النامية أو المُتأتية للنماء، فلم تجب في الحلي زكاةٌ لهذه العلَّة؛ لعدم تَأَتِّي النماء فيه مع استعماله ولبسه، والإبل العوامل والبقر النماء فيها موجودٌ، من الدر والنسل وغير ذلك، مع الاستعمال، فوجب أن تؤخذ منها الزَّكاة.
وقد روى ابن وهبٍ، عن الليث، عن يحيى بن سعيد قال: «لَمْ تَزَلْ إِبِلُ الكِرَاءِ تُزَكَّى بِالمَدِينَةِ» (^١).
•••
[٤٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ عِشْرُونَ وَمِئَةُ شَاةٍ، لِكُلِّ واحَدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ، فَإِذَا أَظَلَّهُمُ المُصَدِّقُ جَمَعُوهَا؛ لِئَلَّا تَكُونَ عَلَيْهِمْ إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ تَرَكُوهَا، غَرِمُوا شَاةً شَاةً، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
وَمَا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا أَظَلَّهُمَا المُصَدِّقُ فَرَّقَا غَنَمَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ (^٢) مِنْهُمَا إِلَّا شَاةٌ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ (^٣).
_________________
(١) لم أقف عليه مسندًا عن ابن وهب عند غير المصنف، وقد حكاه ابن الملقن في التوضيح [١٠/ ٣٩٩]، عن القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه المبسوط، مرسلًا عن الليث، وابن بطال في شرح البخاري [٣/ ٤٦٩] نقلًا عن ابن القصار، عن يحيى بن سعيد وربيعة مرسلًا.
(٢) قوله: «فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «فَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ».
(٣) المختصر الصغير، ص (٣١٠)، المختصر الكبير، ص (١٠٢)، الموطأ [٢/ ٣٧٢]، المدونة [١/ ٣٧٣]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٨)، التفريع [١/ ٢٨٨].
[ ١ / ١٤٠ ]
• قد ذكر مالكٌ وجه الافتراق والاجتماع خشية الصدقة، وإنَّما نُهِي عنه إذا قصد الإنسان به الفِرَار من الصدقة، فأمَّا إذا لم يقصد الفرار فلا بأس به.
•••
[٤٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى، ضُمَّتْ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ مِنْ قِبَلِ أنَّها مُلكٌ واحِدٌ لمالكٍ واحدٍ، فوجب جمعها عليه في ملكه، وأخذُ الصدقة منها. ولا خلاف في ذلك نعلمه بين فقهاء الأمصار، والله أعلم.
•••
[٥٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَقْسِمِ السَّاعِي الصَّدَقَةَ أَثْلَاثًا، وَتُؤْخَذُ مِنْ وَسَطِ المَالِ، فَإِذَا أُعْطِيَ وَفَاءً مِنْ حَقِّهِ قَبِلَهُ.
وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الضَّأْنُ وَالمَعْزُ فَكَانَ فِيهِمَا جَمِيعًا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَتِ المَعْزُ أَكْثَرَ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى رَبِّهَا إِلَّا شَاةٌ، أَخَذَ مِنَ المَعْزِ، وَإِنْ كَانَتِ الضَّأْنُ أَكْثَرَ أَخَذَ مِنْهَا، فَإنِ اسْتَوَوْا فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ الإِبِلُ كُلُّهَا وَأَصْنَافُهَا، وَالبَقَرُ كُلُّهَا وَأَصْنَافُهَا (^٢).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٣)، الموطأ [٢/ ٣٦٤]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٧)، التفريع [١/ ٢٨٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٣)، الموطأ [٢/ ٣٦٥]، المدونة [١/ ٣٥٦]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٨)، التفريع [١/ ٢٨٤].
[ ١ / ١٤١ ]
• قوله: «لا يقسم الساعي الصدقة أثلاثًا»، يعني: المال الذي يأخذ الصدقة منه، لا يقسمه أثلاثًا؛ لأنَّ مِنَ العلماء مَنْ يقول: «إنَّ الساعي يَقْسِم المال أثلاثًا، العالي، والوسط، والأدنى، ثم يُخيِّر صاحب المال من أيها شاء أخذ» (^١).
ورُوي في ذلك خبرٌ ليس بصحيحٍ، أنَّ بعض مُصَدِّقِي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ كان يفعل ذلك (^٢).
ولكن يأخذ المصدِّق السنَّ الذي قد جُعِل له، وهو الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ، وذلك وسطٌ من المال، ليس بالعَالي ولا الدُّون، فهو عدلٌ بين ربّ المال والفقراء.
وقد رَوى مالكٌ، عن ثور بن يزيد الديلي (^٣)، عن ابنٍ لعبد الله بن سفيان الثقفي (^٤)، عن جده سفيان بن عبد الله (^٥): «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلِ، فَقَالُوا: تَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا نَأْخُذُهَا، وَلَا نَأْخُذُ الأَكُولَةَ، وَلَا الرُّبَّى، وَلَا المَاخِضَ، وَلَا فَحْلَ الغَنَمِ،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٢٩]، عن عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وغيرهما.
(٢) هي قطعة من حديث عبد الله بن عمر المتقدِّم في المسألة رقم ٣٦، ولفظها: «وقال الزهري: إذا جاء المُصَدِّقُ قسم الشَّاءَ أثلاثًا: ثلث خِيَارٌ، وَثُلُثٌ أَوْسَاطٌ، وَثُلُثٌ شِرَارٌ، وَأَخَذَ المُصَدِّقُ مِنَ الوَسَطِ».
(٣) ثور بن زيد الديلي المدني، ثقة، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٩٠).
(٤) لعله بشر بن عاصم بن سفيان، كما جاء في مصنف عبد الرزاق.
(٥) سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي، صحابي. تقريب التهذيب، ص (١٩٤).
[ ١ / ١٤٢ ]
وَنَأْخُذُ الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ، وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ المَالِ وَخِيَارِهِ» (^١)، فوجب بهذا الخبر أن تُؤخذ الجذعة والثنية؛ لأنها وسطٌ من المال، ليس فيها حملٌ على ربّ المال ولا الفقراء.
ولم يجز أن يؤخذ أعلى المال؛ لأنَّ في ذلك حملًا على أرباب المال، ولا الأدنى؛ لأنَّ في ذلك حملًا على الفقراء، لكن يؤخذ الوسط، فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥].
وقوله: «إنَّهُ يؤخذ من الأكثر الذي عند الإنسان من الضأن والمعز»؛ فلأنَّ القليل تابعٌ للكثير، والحكم هو للأكثر، فوجب أن يأخذ الصدقة من أكثر ما عنده، ضأنًا كان أو ماعزًا.
فإن استووا أخذ من أيهما شاء؛ لأنَّهُ ليس هاهنا شيءٌ يتبع صاحبه، أعني: القليل للكثير.
•••
[٥١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غَنَمٌ لَا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ، فَتَوَالَدَتْ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا كُلَّهَا (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حكمَ السخال المتولدة عن الأمهات حكمُ
_________________
(١) أخرجه مالك [٢/ ٣٧٢]، وعبد الرزاق [٤/ ١١].
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٣)، الموطأ [٢/ ٣٧٤]، المدونة [١/ ٣٥٤ و٣٥٦]، التفريع [١/ ٢٨٣].
[ ١ / ١٤٣ ]
الأمهات، فمتى حال الحول على الأمهات، فهو حولٌ للسخال، وإن كان الحول لم يحل على السخال.
ألا ترى: أنَّ رجلًا لو كان عنده ثمانون من الغنم أقامت حولًا، ثم توالدت فصارت إحدى وعشرين ومئة قبل الحول بيومٍ، ثم حال عليها الحول، لكان عليه شاتان، ولولا السخال، لكانت في الأمهات شاةٌ، فلما كان حلول الحول على الأمهات كحلوله على السخال في جواز أخذ شاتين، لا خلاف في هذا الموضع نعلمه، فكذلك حلول الحول على الأمهات إذا كانت دون النصاب، ثُم تَمَّ النصاب بولادها، كان حول الأمهات حولًا للسخال، فوجب أخذ الزَّكاة منها.
ولا فصل بين أن تتولد السخال عن أصلٍ هو نصابٌ أو غيرُ نصابٍ:
لأنَّ ذلك هو ظاهر حديث عمر الذي أمر به مُصَدِّقَه أن يَعُدَّ السخلة عليهم (^١)، ولم يشترط أن تكون متولدةً عن نصابٍ أو غير نصابٍ.
ولأنَّ ما قلناه أيضًا أولى من طريق القياس، وهو أنَّ السخال لَمَّا كانت متولدةً عن الأمهات، كان حكمها حكم الأمهات في الحول، سواءٌ كانت نصابًا أو غير نصابٍ - أعني: الأمهات -، وهذا المعنى أولى؛ من قِبَل أنَّهُ أعم؛ لأنَّهُ يجري حكمه في النصاب وغيره، والحكم بالمعنى الأعم واجبٌ إذا لم يَرُدّه
_________________
(١) تقدَّم قريبًا في المسألة السابقة.
[ ١ / ١٤٤ ]
أصلٌ، كما أنَّ الحكم بالاسم العام أولى إذا لم يَخُصه شيءٌ؛ من قِبَل أنَّ الحكم بهما واجبٌ.
•••
[٥٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَفَادَ إِبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِنَ المَاشِيَةِ، فَإِنَّهُ يَضُمُّهَا إِلَيْهِ وَيُزَكِّيهَا إِذَا حَالَ الحَوْلُ عَلَى الأَوَّلِ مِنْهُمَا.
وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا اسْتَفَادَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الحَوْلُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا مَعَهَا حِينَ يُزَكِّيهَا.
وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَفَادَهَا حِينَ أَفَادَهَا وَعِنْدَهُ مَا لَا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ، فَلَا يُزَكِّيهِمَا جَمِيعًا حَتَّى يَحُولَ الحَوْلُ عَلَى الآخِرَةِ مِنْهُمَا (^١).
• إنما أوجب الزَّكاة في الفائدة، وإن لم تكن نصابًا إذا أفادها إلى النصاب؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ المُصَدقَ لو لم يصدق الفائدة مع النصاب، أضر ذلك بالفقراء؛ لأنَّهُ إذا انصرف عن ربّ المال، ثم حال الحول على الفائدة، لم يؤخذ منها الزَّكاة، فيضر ذلك بالفقراء؛ لأنَّ المصدق إنَّما يجيء في كل حولٍ مرةً، فإذا وجد نصابًا قد حال عليه الحول، زكّاه وما يتبع النصاب من الفائدة وإن لم يحل عليها الحول؛ لأنها تبعٌ لنصابٍ قد حال عليه الحول.
فإن كانت الفائدة التي أفادها إلى غير نصابٍ، لم تجب الزَّكاة على صاحبها،
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٣)، الموطأ [٢/ ٣٦٧]، التفريع [١/ ٢٨٥].
[ ١ / ١٤٥ ]
ولم يأخذ منها الساعي شيئًا، سواءٌ كانت الفائدة نصابًا أو غير نصابٍ؛ مِنْ قِبَلِ أنَّهُ لم يحل الحول على نصابٍ في يده فيزكيه، وتكون الفائدة تبعًا له.
وأشبه زكاة هذه الفائدة مرةً وترك زكاتها أخرى زكاة الخلطة، في أنها تُخَفِّفُ وتُثَقِّلُ.
وموضع التشبيه: أنَّ الفائدة إذا أفيدت إلى نصابٍ، وجب على ربها الزَّكاة فيها مع النصاب، وفي هذا الموضع رفقٌ للفقراء.
والموضع الذي فيه رفقٌ لأرباب الأموال، هو أن يفيد نصابًا إلى غير نصابٍ، فلا يكون عليه في النصاب المستفاد ولا الذي كان في يده الزَّكاة، حتى يحول الحول من يوم أفاد النصاب، ولا يزكي ما في يده لحلول الحول، لكنه بعده لشهورٍ كثيرةٍ، يكون ذلك في وقتٍ أقل من سنتين، وفيه رفقٌ بأرباب الأموال دون الفقراء.
والذي أحوج إلى ذلك، هو أنَّ الساعي لا يتكرَّر مجيئه في الحول، وإنَّما يجيء في وقتٍ واحدٍ، فيزكي على ما وجد، فأمَّا (^١) إذا كان قد حال على أصلٍ عنده حولٌ.
وليس كذلك فائدة الذَّهَب والفضة إذا أفاد نصابًا إلى نصابٍ أو دون نصابٍ في أنَّهُ يزكي هذه الفائدة لحولها دون حول النصاب الذي في يده؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ زكاة المال، هو موكولٌ إخراجه إلى ربِّه وليس بأخذه الساعي، فمتى تم الحول على ما في يده، أخرج زكاته؛ لأنَّهُ قادرٌ على حفظ الحول وإخراج الزَّكاة عنده إذا
_________________
(١) قوله: «فأمَّا»، كذا في شب، ولعلها مقحمة، والله أعلم.
[ ١ / ١٤٦ ]
حال الحول، وليس يقدر الساعي أن يجيء في الحول مرارًا، وليست كذلك سُنَّةُ مجيء السُّعَاةِ، وإنَّما كانوا يجيئون في عهد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ في قُبلِ الصيف عند اجتماع الماشية على المياه؛ لأنَّ في الصيف حاجةٌ بالماشية إلى شرب الماء؛ لحرارة الصيف، فيجتمعون في مواضع المياه المعروفة، فأمَّا الشتاء فيفترقون؛ لاستغناء الماشية عن كثرة شرب الماء (^١).
•••
[٥٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَزَلَ بِهِ السَّاعِي فَبَاتَ عِنْدَهُ فَزَادَتْ غَنَمُهُ مِنْ لَيْلَتِهَا، تَوَالَدَتْ أَوْ نَقَصَتْ، وَأَخْبَرَهُ بِعَدَدِهَا وَبِالَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ضَارٍّ وَلَا نَافِعٍ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُهَا عَلَى عَدَدِهَا حِينَ يَعُدُّهَا وَيَصْدُقُهَا، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى مَا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ صَدَقَةَ غَنَمِهِ، ثُمَّ تَوَالَدَتْ فَزَادَتْ بَعْدَ أَخْذِهِ بِيَسِيرٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَلَا يُثَنِّي عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ (^٢).
وَلَوْ مَرَّ السَّاعِي بِرَجُلٍ لَهُ دُونَ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَوَلَدَتْ بَعْدَ ذَهَابِهِ عَنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَوَجَدَهَا قَدْ زَادَتْ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك كله، من قِبَلِ أنَّ صدقة المواشي إنَّما تجب عنده
_________________
(١) ينظر: المدونة [١/ ٣٧٦]، الجامع لابن يونس [٤/ ٢٦١].
(٢) قوله: «فلا يثني عليه الصدقة»: أي: لا تؤخذ في السنة مرتين، ينظر مقاييس اللغة [١/ ٣٩١].
(٣) المختصر الكبير، ص (١٠٣)، المدونة [١/ ٣٧٣].
[ ١ / ١٤٧ ]
بأوصافٍ، منها: مجيء الساعي وعدٍّ (^١)، وليست تجب قبل ذلك لحلول الحول، لكنها تجب بأوصافٍ، منها: حلول الحول، والنصاب، وأن يكون المالك مسلمًا مستقر الملك، - أعني: أن يكون حرًّا -، ومجيء الساعي، فمتى عُدِم واحدٌ من هذه الأوصاف، لم تجب الصدقة.
وإذا كان كذلك، لم ينظر الساعي إلى ما كان قبل مجيئه من العدد، ولا ينظر إلى بعد انصرافه، لكنه ينظر إلى وقت العدد، ما كان عددًا تجب فيه الصدقة، أخذ منه الصدقة، وإن لم تجب، لم يأخذ؛ لأنَّ ذلك هو وقت الحكم، فالاعتبار به، لا ما قبل ذلك ولا ما بعده.
والدليل على أنَّ مجيء الساعي من أحد شروط الزَّكاة: أنَّ ربّ المال لا يجوز له أن يفرقها هو ويخرجها، ولا يدفعها إلى غيره إلَّا إلى الإمام إذا كان عدلًا (^٢)، أو من يرسله الإمام وهو الساعي ويأمره بذلك، وكذلك كان النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ يفعل فيما كان يأخذ من الصدقات، يرسل مصدِّقيه فيأخذونها منهم (^٣).
_________________
(١) قوله: «وعدٍّ»، مثبتة في الحاشية اليسرى، وقد تكون: «وعدِّه»، وتكون الهاء ليست ظاهرة، لكن يقتضيها السياق.
(٢) ينظر هذا القيد في شرح كتاب الوصايا، المسألة [٢٠١٣]، وينظر: المدونة [١/ ٣٦٨]، المنتقى للباجي [٢/ ٩٣].
(٣) كما في الصحيحين: البخاري (١٥٠٠)، ومسلم [٦/ ١١]، من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قَالَ: «استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأسد على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه»، وهو في التحفة [٩/ ١٤٧].
[ ١ / ١٤٨ ]
ولو جاز لأرباب الماشية أن يخرجوها دونهم، لما كان للتوجيه إليهم معنى؛ لأنَّهُ يتكلّف في ذلك مؤنةً.
فثبت بهذا ما قلنا أنَّ دفع الصدقة إلى الساعي هو من أحد شروط استقرار حكم الزَّكاة، لا ما قبل ذلك، والله أعلم.
•••
[٥٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلُ صَدَقَةٍ، فَتَصَدَّقَ بِرِسْلِهَا وَنَسْلِهَا، فَإِنَّهُ تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ أصلها على ملكه، ولم يتصدَّق بأصلها، وإنَّما تصدَّق بالرِّسْلِ والنسل، وهو اللَّبن والأولاد، وإن كان الأصل على ملكه وجب عليه أن يزكيها إذا حال الحول عليها.
وكذلك عند مالكٍ إذا تصدَّق على رجلٍ بحائطٍ له أو حَبَسَه عليه، فخرج منه خمسة أوسقٍ، وجب عليه أن يزكي؛ لأنها على ملكه حتى يقبضها المُتَصدَّقُ عليه، والزَّكاة تجب فيها قبل أن يقبض المُتَصَدَّقُ عليه، أعني: في الثمرة؛ لأنها تجب ببدو الصلاح، وإنَّما حبَّس الأصل على ملكه وسَبَّل الثمرة وتصدَّق بها، وكذلك قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لعمر: «حَبِّسِ الأَصْلَ، وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ» (^٢).
•••
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٤).
(٢) متفق عليه: البخاري (٢٧٣٧)، مسلم [٥/ ٧٣]، وهو في التحفة [٦/ ١٠٩].
[ ١ / ١٤٩ ]
[٥٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا مَاشِيَةٌ، أُخِذَ مِنْهُ الصَّدَقَةُ (^١).
• قد ذكرنا حجَّة هذه المسألة فيما تقدَّم، أن الدَّيْنَ لا يمنع من أخذ الزَّكاة في الماشية والحرث وإن كان يحيط بقيمتهما؛ لوجود النماء فيهما، وإن وقع الحَجْرُ عَلَى صاحبه فيهما، وليس كذلك العين؛ لأنَّهُ متى حُجِر، امتنع من وجود النماء فيها؛ لأنها إنَّما تُنَمَّى بالتصرف فيها.
ومعنى آخر، وهو أنَّ زكاة الحرث والماشية أخذُهَا إلى الإمام، فليس يجوز لربها إخراجها دونه، وليس يجوز له أن يقبل قوله: «إنَّ عليه دينًا»، ولو قَبِل ذلك، لادَّعى كل أحدٍ ذلك، وكان يؤدِّي إلى إسقاط الزَّكاة، وزكاة المال موكولٌ إخراجها إلى ربه، فكان ردُّ الدَّيْنِ الذي قد أخذ عوضه أولى من الزَّكاة التي لم يأخذ عوضها.
•••
[٥٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ خَمْسُ ذَوْدٍ أَشْهُرًا، ثُمَّ بَاعَ مِنْهَا ثَلَاثَةً، فَأَقَامَ أَشْهُرًا، ثُمَّ ابْتَاعَ مِثْلَ مَا بَاعَ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لم يحل الحول على خمس ذَوْدٍ في مُلكه، لأنَّهُ قد
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٤)، المدونة [١/ ٣٦٠]، النوادر والزيادات [٢/ ١٥٣]، التفريع [١/ ٢٧٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٤).
[ ١ / ١٥٠ ]
باع منها في بعض الحول، ثم اشترى عوضها، فكان عليه أن يستأنف الحول من يوم تمّت الخمسة في يده.
•••
[٥٧] مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ عَلَى مَمْلُوكٍ فِي مَاشِيَتِهِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المملوك ليس مستقرَّ الملك، والزَّكاة إنَّما تجب على المسلمين الأحرار المستقرِّي الملك، وليس كذلك العبد، وإنَّما هو كالمكاتب أنَّهُ لا زكاة عليه عند من يخالفنا في زكاة العبد (^٢)، فيقول: «إنَّ ماله هو للسيد، فيزكيه مع ماله».
يقال له: فيجب أن تضيف ملك المكاتب إلى ملك سيده فيزكيه؛ لأنَّ المكاتب ليس بحرٍّ، بل حكمه حكم العبد، فكذلك قوله في العبد: لا زكاة عليه فيما يملكه؛ لنقصان ملكه عن الحرِّ.
ولا تجب على سيده فيه زكاةٌ؛ لأنَّهُ ليس ملكًا لسيده، والله أعلم.
•••
[٥٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ فِي الصَّدَقَةِ (^٣).
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣١١)، المختصر الكبير، ص (١٠٤).
(٢) المخالف هنا هم الحنفية، القائلون بوجود الزَّكاة على العبد، ويخرجها عنه سيده، أما المكاتب فلا تجب عليه، ينظر: المبسوط [٢/ ١٦٤]، بدائع الصنائع [٢/ ٦].
(٣) المختصر الصغير، ص (٣١١)، وكذا جاءت هذه المسألة في نفس اللوحة التي بها المسألة السابقة، بينما وقعت في المطبوع، ص (١١٥)، تحت عنوان: متفرقات الزَّكاة، ولا أدري ما وجهه، وينظر: الموطأ [٢/ ٣٨٥]، المدونة [١/ ٣٦٨].
[ ١ / ١٥١ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنهم مؤتمنون على ما في أيديهم؛ لأنَّ الزَّكاة والطهارة والصلاة أماناتٌ فيما بين العبد وبين الله ﷿، ليس لها طالبٌ يطالب بها ولا خصمٌ يُخاصم فيها، كالدُّيون وحقوق العباد أنَّ لها مطالبًا، فكان مؤتمنًا على الزَّكاة، فلم يُستحلف لهذه العلَّة.
وقد يجوز إنِ اتَّهم الإمام إنسانًا في الصدقة أن يستحلفه، والله أعلم.
•••
[٥٩] مَسْأَلَةٌ: قُلْتُ: مَا الَّذِي يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الغَنَمِ؟
قَالَ: الجَذَعَةُ وَالثَّنِيَّةُ، وَلَا تُؤْخَذُ الرُّبَّى، وَلَا المَاخِضُ، وَلَا الأَكُولَةُ، وَلَا فَحْلُ الغَنَمِ.
والرُّبَّى: الَّتِي قَدْ وَضَعَتْ، والمَاخِضُ: الحَامِلُ الَّتِي قَدْ دَنَا وِلَادُهَا، وَالأَكُولَةُ: شَاةُ اللَّحْمِ، وَفَحْلُ الغَنَمِ: التَّيْسُ الَّذِي لِضِرَابِهَا.
وَتُعَدُّ عَلَيْهِمُ السَّخْلَةُ وَلَا تُؤْخَذُ، وَلَا تُؤْخَذُ ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ أَنْ يَأْخُذَ عَوَارًا أَوْ تَيْسًا أَوْ هَرِمَةً، وَمَشِيئَتُهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ إِلَى مَا يَهْوَى، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى مَا فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإنْ كَانَ أَخْذُهَا خَيْرًا أَخَذَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي أَخْذِهَا عَلَيْهِ ضَرَرٌ تَرَكَهَا (^١).
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣١٢)، المختصر الكبير، ص (١١٥)، الموطأ [٢/ ٣٧٢]، المدونة [١/ ٣٥٥ و٣٥٦]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٨)، التفريع [٢/ ٢٨٢].
[ ١ / ١٥٢ ]
• قوله: «يأخذ الجذعة والثنية»؛ فلأنَّ ذلك هو الوسط من المال، وليس هو بأعلاه ولا أدناه، وهو نَظَرٌ بين الفقراء وأرباب الأموال.
وليس يأخذ أيضًا معيبًا ناقصًا؛ لأنَّ في ذلك ضررًا بالفقراء، ولا يجوز له أن يَضُرَّ بهم، كما لا يجوز له أن يأخذ أعلى المال فيضر بأرباب المال وإن كان ينفع الفقراء، بل عليه أن يقوم بالقسط بينهم، كما قال الله ﷿: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥].
فإن رأى أنَّ في أخذه ذات العوار حظًّا للمساكين أخذها، بأن تكون سمينةً كبيرة اللحم أو الثَّمن إذا باعوها متى دفعها إليهم، فعل ذلك المُصَدِّقُ؛ لأنَّ في ذلك حظًّا للفقراء ولربِّ المال، وعليه أن يفعل ما هو نظرٌ للفريقين جميعًا.
وقد روى مالكٌ، عن ثور بن زيد (^١) الدِّيلِيِّ، عن ابنٍ لعبد الله بن سفيان الثقفي، عن جده سفيان: «أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلِ، قَالُوا: تَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نَعَم، تَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا تَأْخُذُهَا، وَلَا تَأْخُذُ الأَكُولَةَ، وَلَا الرُّبَّى، وَلَا المَاخِضَ، وَلَا فَحْلَ الغَنَمِ، وَخُذِ الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ، وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ المَالِ وَخِيَارِهِ» (^٢).
•••
_________________
(١) قوله: «زيد» كذا في شب، وصوابه: «يزيد»، وهو ثور بن يزيد الديلي، تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٥٠.
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٥٠.
[ ١ / ١٥٣ ]
[٦٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اشْتَرَى غَنَمًا لِلتِّجَارَةِ فَمَرَّ بِهِ الحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يُزَكِّيهَا (^١)، فَلِيُخْرِجْ زَكَاتَهَا، وَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ العُرُوضِ يَحُولُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ الحَوْلُ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الغَنَمِ فِي رِقَابِهَا، وَزَكَاةُ العُرُوضِ فِي أَثْمَانِهَا (^٢).
• قد ذَكَر مالكٌ معنى وجوب الزَّكاة في الماشية إذا حال عليها الحول وإن لم يبعها، وهو قوله: «لأنَّ زكاة الغنم في رقابها، وزكاة العروض في أثمانها»، يعني: أنَّ زكاة الغنم هي في رقابها لا في قيمتها، فسواءٌ كانت للتّجارة أو غير تجارةٍ.
وعليه فيها الزَّكاة؛ لأنَّ الزَّكاة في أعيانها لا في أثمانها، فعليه أن يخرجها إذا حال الحول عليها وكانت نصابًا، إذا جاءَه الساعي دفعها إليه.
وأما العُرُوض فالزَّكاة في أثمانها إذا باعها، ليست في أعيانها، فلا تجب الزَّكاة عليه لحلول الحول عليها حتى يبيعها.
والدليل على أنَّ زكاة الماشية في رقبتها لا في أثمانها: أنَّ زكاة الأثمان هي طارئةٌ على الأشياء وليست بأصلٍ، وإذا كانت كذلك، كانت زكاة الرقاب أقوى، فوجب أن تكون فيها الزَّكاة.
ولأنَّ المواشي أغراضُ النَّاس في أعيانها؛ لحالهم فيها من المنافع: من
_________________
(١) قوله: «أَنْ يُزَكّيْهَا»، مثبت في المتن في شب، وفي الحاشية: «صوابه: أن يَبِيعَهَا»، وهو الموافق للسياق ولكلام الشارح، والله أعلم.
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٥)، المدونة [١/ ٣٥٧].
[ ١ / ١٥٤ ]
الدرِّ والنسل، فوجب أن تكون فيها الزَّكاة في أعيانها لا في أثمانها وإن أرادها للتجارة.
وكذلك الحرث إذا زرعه للتّجارة، فيه زكاة العين كالماشية؛ لأنَّ المُتَبَغَّى (^١) منه في الأغلب منفعة العين في الأكل وغيره (^٢).
•••
(^٣) [٦١] قَالَ: وَمَنْ زَرَعَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فِي السَّنَةِ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ الزَّكَاةُ (^٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ زرع كل مرةٍ قائمٌ بنفسه دون غيره؛ لأنَّ زكاة الزرع لا تجب بحلول الحول.
فإذا كان زرعين مختلفي الوقت والحصاد، زكَّى كل واحدٍ منهما على حدةٍ،
_________________
(١) قوله: «المُتَبَغَّى»، كذا في شب.
(٢) يغلب على الظن وجود سقط بعد هذا الموضع؛ إذ إن ما بعده مسائل زكاة الحرث، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر [٢/ ٢٦١]، عن ابن عبد الحكم مسائل في زكاة الزرع غير موجودة.
(٣) من هنا تبتدئ مسائل زكاة الحرث مما هو موجود، ولم يرد عنوان الباب في المخطوط كما هو مثبت في المطبوع، ص (١٠٧).
(٤) المختصر الكبير، ص (١٠٧)، النوادر والزيادات [٢/ ٢٦٥]، الجامع لابن يونس [٤/ ٣٢٣]، وقد جاءت هذه المسألة في المطبوع، بعد المسألة رقم (٢٩)، في زكاة اللؤلؤ، وهذا مخالف لترتيب الأصل، حيث إن المسألة رقم (٢٩) جاءت في منتصف الصفحة، وجاء بعدها المسألة رقم (٣٠)، كما أثبتها.
[ ١ / ١٥٥ ]
وإذا كان زرعًا واحدًا أو زرعين متقاربي الحصاد والنبت والجنس، ضُمَّا جميعًا في الزَّكاة؛ لأنَّ حكمهما واحدٌ.
•••
[٦٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الفَوَاكِهِ كُلِّهَا: الرُّمَّانِ، وَالخَوْخِ، وَالتِّينِ، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ البُقُولِ كُلِّهَا، وَلَا فِي الفَاكِهَةِ اليَابِسَةِ كُلِّهَا: اللَّوْزِ، وَالجَوْزِ، وَالجِلَّوْزِ (^١)، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَلَا فِي قَصَبِ السُّكَّرِ، وَلَا فِي القُطْنِ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب في الأصول الثلاثة، من: العين، والماشية، والحرث الذي هو قوتٌ أو ما ينوب مناب القوت، ولم تجب في غير هذه الأشياء من الفواكه والبقول؛ لأنها لا تنوب مناب الأقوات؛ لأنَّ القوت يقيم البدن ويعيش به الإنسان دون الفواكه والبقول، فلم يجب على أربابه أن يواسي الفقراء منه، كما يجب عليهم أن يواسوهم من الأقوات؛ لأنَّ الأقوات بهم ضرورةٌ إليها، وليس كذلك الفواكه والبقول.
ألا ترى: أنَّهُ لم يكن حكم الأشياء الموزونة في وجوب الزَّكاة فيها كحكم الذَّهَب والفضة؛ لنقصان منافعهما عن منفعة الذَّهَب والفضة؛ لأنَّ الذَّهَب والفضة أصلٌ لكل ما به يقع الشراء والبيع وقيمة المتلف، فلم يكن غيرها من الموزونات
_________________
(١) قوله: «الجِلَّوْزِ»، هو البندق، ينظر: المصباح المنير، ص (٣٨)، تاج العروس [١٥/ ٦٦].
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٢١)، المختصر الكبير، ص (١٠٧)، الموطأ [٢/ ٣٩٢]، المدونة [١/ ٣٤١]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٢)، النوادر والزيادات [٢/ ١٠٩]، التفريع [١/ ٢٩٤].
[ ١ / ١٥٦ ]
مثلها في الزَّكاة، فكذلك الفواكه والبقول وكل الخضر، ليست كالأقوات في وجوب الزَّكاة.
ومما يدلُّ على أن لا زكاة في الفواكه والبقول، ما رواه مالكٌ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدري، أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (^١).
وروى الثوري، عن إسماعيل بن أمية (^٢)، عن محمد بن يحيى (^٣)، عن يحيى بن عمارة (^٤)، عن أبي سعيدٍ أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ» (^٥).
_________________
(١) هي قطعة من حديث أبي سعيد المتقدِّم في المسألة رقم ٣٦، والوسق: ستون صاعًا، وهو ثلاثمئة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز، وأربعمئة وثمانون رطلًا عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصاع والمد، ينظر النهاية في غريب الحديث [٥/ ١٨٥].
(٢) إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ثقةٌ ثبتٌ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٣٧).
(٣) محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ الأنصاري المدني، ثقةٌ فقيهٌ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٩٠٦).
(٤) يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري، المدني، ثقةٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١٠٦٣).
(٥) أخرجه النسائي في الكبرى [٣/ ٣٠]، بنحو الإسناد الذي ذكره الشارح، وهو في التحفة [٣/ ٤٧٩].
[ ١ / ١٥٧ ]
فإن قيل: فقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «فِيمَا سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ» (^١)، وهذا على عمومه في الفواكه والبقول أنَّ فيها العشر أو نصف العشر (^٢).
قيل له: معنى ذلك إذا كانت مما يُوسَق، فأمَّا إذا كان ذلك مما لا يوسق فلا زكاة فيه؛ للحديث الذي ذكرناه من إيجاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ الصدقة في الموسق من التمر والحبِّ.
ولم يجز أن يؤخذ بظاهر قوله: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» دون ضم الحديث الآخر إليه من إيجابه الزَّكاة في الموسَّق، كما لم يجب أن يؤخذ بعموم قوله: «وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ» (^٣) دون أن يضم إليه الحديث الآخر: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» (^٤).
ومما يدلُّ على أن لا زكاة في الفواكه والبقول، أنَّا وجدنا الأصول التي فيها الزَّكاة المتفق عليها قد عُفي عن قليلها، أعني: الذَّهَب والفضة والماشية، وجعل لها نُصُبٌ أُخِذت منه الزَّكاة دون ما هو أقل منه، فلو كان في الفاكهة والبقول الزَّكاة، لكان لها نُصبٌ تؤخذ الزَّكاة منه، كما كان ذلك في الذَّهَب والفضة والمواشي.
ومما يدلُّ على أن لا زكاة في البقول والفواكه، أنَّهُ لم ينقل عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ أخذ الزَّكاة منها، ولو كان فيها الزَّكاة، لأخذ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ الزَّكاة منها، ولو أخذ منها، لنُقل إلينا، ومعلومٌ أنَّهُ قد كان في وقته بقولٌ وفاكهةٌ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٨٣)، وهو في التحفة [٥/ ٤٠٢].
(٢) ينظر الاعتراض في: المبسوط [٣/ ٢]، بدائع الصنائع [٢/ ٥٣].
(٣) هي قطعة من حديث أنس المتقدِّم في المسألة رقم ٣٦.
(٤) هي قطعة من حديث أبي سعيد الخدري المتقدِّم في المسألة رقم ٣٦.
[ ١ / ١٥٨ ]
وهذا هو مما يحتج به مالك من عمل أهل المدينة؛ من قِبَل أنَّهُ لم يَنْقُل أحدٌ منهم عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ أخذ الزَّكاة منها، وجرى عملهم من وقته صَلَّى الله عَلَيْهِ بتركِ أخذِ الزَّكاة منها، ويستحيل أن يجمعوا كلهم على ترك أصلٍ من أصول الدِّينِ أو ينسوه، ولو جاز ذلك عليهم، لجاز على غيرهم من أهل التواتر، ومن أجاز ذلك أدَّى قوله إلى نقض شرائع الإسلام المنقولة بالتواتر، وخرج عن حدِّ أهل العلم.
وقد روى المعلى بن منصور (^١)، قال: حدثنا عبد الوارث (^٢)، قال: حدثنا عطاء بن السائب (^٣)، عن موسى بن طلحة (^٤) قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَيْسَ فِي الخُضْرَوَاتِ صَدَقَةٌ» (^٥).
_________________
(١) معلى بن منصور الرازي، ثقةٌ سني فقيهٌ، من العاشرة، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب. تقريب التهذيب، ص (٩٦١).
(٢) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم التنوري البصري، ثقةٌ ثبتٌ، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٦٣٢).
(٣) عطاء بن السائب الثقفي الكوفي، صدوقٌ اختلط، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٦٧٨).
(٤) موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٩٨١).
(٥) لم أقف عليه بنحو هذا الإسناد، لكنه مروي بأسانيد أُخر، كما في السنن الكبرى للبيهقي [٨/ ١٦٣]، وغيره.
[ ١ / ١٥٩ ]
وروى الوليد (^١)، قال: حدثنا الأوزاعي (^٢)، قال: «مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الخُضَرِ وَالفَوَاكِهِ، أَنْ لا عُشْرَ فِيهَا» (^٣).
وروى محمد بن بكر (^٤)، عن ابن جريج (^٥)، قال: قال لي عطاء (^٦): «لَيْسَ فِي البُقُولِ وَالفَوَاكِهِ وَالرُّمَّانِ صَدَقَةٌ» (^٧).
وروى وكيع (^٨)، عن طلحة بن يحيى (^٩)،
_________________
(١) الوليد بن مسلم القرشي مولاهم الدمشقي، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (١٠٤١).
(٢) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، ثقةٌ جليلٌ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٥٩٣).
(٣) لم أقف عليه.
(٤) محمد بن بكر بن عثمان البرساني البصري، صدوقٌ قد يخطئ، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٨٢٩).
(٥) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، المكي، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلس ويرسل، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٦٢٤).
(٦) عطاء بن أبي رباح، أسلم، القرشي مولاهم المكي، ثقةٌ فقيهٌ، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٧٦٦).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٤١]، وهو في مصنف عبد الرزاق [٤/ ١١٨].
(٨) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار التاسعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٣٧).
(٩) طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، نزيل الكوفة، صدوقٌ يخطئ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٤٦٥).
[ ١ / ١٦٠ ]
عن أبي بردة (^١)، عن أبي موسى: «أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا إِلَّا مِنَ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ» (^٢).
وروى ابن أبي ليلى (^٣)، عن عبد الكريم (^٤)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «العُشْرُ فِي التَّمْرِ، وَالرُّطَبِ، وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ» (^٥).
وقال مالك: «السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الفَوَاكِهِ وَالبُقُولِ» (^٦).
وروى وكيع، عن قيس (^٧)، عن أبي إسحاق (^٨)، عن عاصم (^٩)، عن
_________________
(١) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (١١١٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٣٨].
(٣) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي، صدوقٌ سيِّئ الحفظ جدًا، من السابعة، تقريب التهذيب، ص (٨٧١).
(٤) عبد الكريم بن مالك الجزري، مولى بني أمية الخضرمي، ثقةٌ متقنٌ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٦١٩).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٣٦]، مرفوعًا.
(٦) ينظر: الموطأ [٢/ ٣٩٢].
(٧) قيس بن الربيع الأسدي الكوفي، صدوقٌ تغيَّر لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٨٠٤).
(٨) عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني أبو إسحاق السبيعي، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، اختلط بآخره، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٧٣٩).
(٩) عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، صدوقٌ. تقريب التهذيب، ص (٤٧٢).
[ ١ / ١٦١ ]
علي ﵁ قال: «لَيْسَ فِي الخُضَرِ زَكَاةٌ» (^١).
•••
[٦٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَتُخْرَجُ زَكَاةُ الزَّيْتُونِ مِنْ زَيْتِهِ، وَزَكَاةُ الجُلْجُلَانِ (^٢) مِنْ زَيْتِهِ، وَزَكَاةُ حَبِّ الفُجْلِ مِنْ زَيْتِهِ.
وَمَا لَمْ يُعْصَرْ مِنْ ذَلِكَ وَبِيعَ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا لَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْ ثَمَنِهِ (^٣).
• إنَّمَا قال: «إنَّ الزَّكاة تُخَرُج من زيت هذه الأشياء»؛ مِنْ قِبَل أنَّ غرض النَّاس في الأغلب منها الزيت الذي يخرج منها، وكان منزلته بمنزلة التمرة التي غرض النَّاس منها في الأغلب التمر؛ لأنهم يدَّخرونه ويقتاتونه، فكانت زكاتها تُخرج من التمر، فكذلك تُخرج من الحبوب التي تراد للزيت.
فإن تعذَّر عليهم إخراج الزيت أو شقَّ عليهم، أخرجوا من الثّمر إذا كانت مكيلةً (^٤)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٤٤٠].
(٢) قوله: «الجُلْجُلَانِ»، هو السمسم، وقيل: حب كالكزبرة، ينظر: النهاية في غريب الحديث [١/ ٢٨٣].
(٣) المختصر الصغير، ص (٣٢٢)، المختصر الكبير، ص (١٠٧)، الموطأ [٢/ ٣٨٤]، المدونة [١/ ٣٨٤]، مختصر أبي مصعب، ص (٢٠٩).
(٤) يوجد سقط في المخطوط بعد هذا الموضع، لم تتم الإشارة إليه في المطبوع.
[ ١ / ١٦٢ ]
.. (^١) إن كان رطبًا لا يكون تمرًا، فإنه يُخْرِجُ زكاته على أنَّهُ لو كان تمرًا كان فيه خمسة أوسقٍ.
فيخرج مما باعه إذا كان خمسة أوسقٍ العشر من ثمن ما باعه، أو نصف العشر، سقي بمؤنةٍ أو غير مؤنةٍ.
وسواءٌ كان ما باع به من التمر ما تجب فيه الزَّكاة أو لا، في أنَّه يخرج عُشْر ذلك إن كان سقي بغير مؤنةٍ، ونصف عشره إن كان سقي بمؤونةٍ، إذا كان مقدار ما باعه يكون خمسة أوسقٍ، على أنَّهُ إذا يبس كانت مكيلته كذلك.
فإن كان الموضع الذي فيه التمرة موضعًا لا يوجد فيه خارصٌ ولا من يحسن يخرص حزرَ ذلك، فإنَّ ربَّه يُحصي ما أخذ من ذلك أولًا فأولًا، فإذا حصَّل خمسة أوسقٍ بالكيل، أخرج زكاتها، إن (^٢) لم يتهيَّأ له إحصاء ذلك ولا ضبطه، أخرج من ثمنه إذا باعه على ما ذكرناه.
•••
[٦٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اشْتَرَى حَائِطًا لِتجَارَةٍ، ثُمَّ أَثْمَرَ، أَخْرَجَ مِنْهُ الزَّكَاةَ (^٣).
_________________
(١) يظهر أن الشارح يشرح مسألة في خرص العنب والنخل، وقد قال في المختصر الصغير، ص (٣٢٠): [*] «ولا يخرص من الثمار إلَّا النّخل والعنب، ويخرص عليهم حين يطيب، ثم يخلَّى بينه وبينهم، فإن أصابت الثمرة جائحة بعد الخرص فلا ضمان عليهم، فإن بقي خمسة أوسق فصاعدًا ففيه الزَّكاة». وينظر: النوادر والزيادات [٢/ ٢٦٦].
(٢) : قوله: «إن»، كذا في شب، ولعلها: «وإن».
(٣) المختصر الكبير، ص (١٠٧).
[ ١ / ١٦٣ ]
• يعني: يخرج زكاة الثمرة منها، العشر أو نصف العشر على ما يجب، ولا يخرج منها بالقيمة.
وإنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه في زكاة الماشية إذا اشتراها للتجارة: وهو أنَّ زكاة الماشية والثمرة هي زكاة العين والرقبة، كانت لتجارةٍ أو غير تجارةٍ، فهو أقوى من زكاة التّجارة التي تجب بالنيّة لا لوجود العين، فوجب تقدمة زكاة الماشية والثمرة، أعني: زكاة العين، على زكاة القيمة؛ لقوة سببها؛ ولأنها تجب أيضًا إذا كانت لتجارةٍ أو غيرها، وقد ذكرنا حجَّة هذه المسألة في زكاة الماشية إذا اشتراها للتجارة (^١).
فأمَّا أصول النّخل فإنها تُزكى لحولها من يوم اشتراها بنيّة التّجارة، ولا يزكيها مع الثمرة، بل يزكي الثمرة عند الجذاذ، ثم إذا باعها استقبل بثمنها حولًا من يوم زكى الثمرة، وكذلك أصل النّخل يزكيها لأحوالها.
[٦٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَكَارَى أَرْضًا لِلتِّجَارَةِ فَزَرَعَهَا لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ حَبِّهَا، ثُمَّ إِذَا بَاعَهُ أَخْرَجَ مِنْ ثَمَنِهِ الزَّكَاةَ إِذَا كَانَ قَدْ حَالَ الحَوْلُ عَلَى المَالِ مِنْ يَوْمِ أَدَّى مِنْهُ العُشْرَ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ اكْتِرَاءَهُ للأرض وزرعه للتّجارة بمنزلة شراء الماشية للتّجارة أو الثمرة للتّجارة، فعليه أن يزكي الحبَّ إذا بلغ خمسة أوسقٍ زكاة العين دون القيمة؛ لِمَا ذكرناه قبل ذلك، ثم لا شيء عليه حتى يبيعه، فإذا باعه
_________________
(١) ينظر: المسألة [٦٠].
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٨).
[ ١ / ١٦٤ ]
بعد حلول الحول من يوم زَكَّى الحَبَّ، أو تم الحول عليه بعد البيع من يوم زكى الحب، فعليه أن يزكي الثَّمن.
وذلك بمنزلة سلعةٍ يشتريها للتّجارة فيزكيها ثم يبيعها، فعليه أن يزكي ثمنها إذا حال الحول عليها من يوم قوَّمَ السلعة وزكَّاها.
•••
[٦٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ زَرَعَ طَعَامًا بِمَنْزِلِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ فَبَاعَهَا، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهَا حَوْلًا مِنْ يَوْمِ نَضَّ فِي يَدِهِ، إِذَا كَانَ تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الطعام بمنزلة العروض والسلع، ولا زكاة فيها إلَّا أن يشتريها للتّجارة، فإذا باعها وهي لغير تجارةٍ، استقبل بثمنها حولًا، ثم زكى.
كذلك هكذا الطعام الذي لم يزرعه لتجارةٍ، إذا باعه استقبل به حولًا؛ لأنَّ أصله لغير تجارةٍ.
•••
[٦٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَوَائِطُ مُخْتَلِفَةٌ أَوْ أَرْضٌ مُفْتَرِقَةٌ، فَإِنَّهُ يَجْمَعُ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ يُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ ذلك كلّه في ملك رجلٍ واحدٍ، فعليه أن يجمع كلَّ
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١٠٨).
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٨)، الموطأ [٢/ ٣٨٣]، المدونة [١/ ٣٨٠].
[ ١ / ١٦٥ ]
ما في ملكه فيزكيه زكاةً واحدةً إذا جمع ذلك الجنس والحول والثمرة والزرع، إذا كانت لمالكٍ واحدٍ وكانت صنفًا واحدًا وجب عليه جمعها في الزَّكاة، كالأموال التي تكون له من العين والماشية في بلدانٍ مختلفةٍ، فوجب عليه جمعها وزكاتها، والله أعلم.
•••
[٦٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالشُّرَكَاءُ فِي الحَوَائِطِ وَالزَّرْعِ، إِذَا كَانَ مَا أَخْرَجَا جَمِيعًا مِنْ حَوَائِطِهِمَا أَوْ أَرْضِهِمَا مَا تَكُونُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا، فَعَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ، وَمَنْ نَقَصَتْ حِصَّتُهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَالزَّكَاةُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ (^١).
• أمَّا قوله فيمن بلغت حصته ما تجب فيه الزَّكاة: «إنَّ عليه الزَّكاة»؛ فلاجتماع الأوصاف الموجبة للزكاة من النصاب وغير ذلك، وإذا كان كذلك، فلا فصل بين أن يكون مجتمعًا ومفترقًا في وجوب الزَّكاة عليه، ولا خلاف في ذلك.
فأمَّا من لم تبلغ حصته ما فيه الزَّكاة فلا زكاة عليه؛ لعدم وجود الأوصاف الموجبة للزكاة؛ لأنَّ النصاب تجب مراعاته في الاجتماع والانفراد، كوجوب مراعاة الإسلام والحرية، فلما لم تجب على من له دون النصاب إذا كان مخالطًا لمن له نصابٌ إذا كان عبدًا أو كافرًا؛ لأنَّهُ لو انفرد عنه لم تجب عليه الزَّكاة،
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٢٠)، المختصر الكبير، ص (١٠٨)، الموطأ [٢/ ٣٩٠]، المدونة [١/ ٣٨٠].
[ ١ / ١٦٦ ]
فكذلك من معه دون النصاب لا تجب عليه الزَّكاة؛ لاجتماعه مع غيره؛ لأنَّهُ لو انفرد لم تجب عليه الزَّكاة؛ إذ النصاب في الانفراد لا بد من مراعاته، فكذلك في الاجتماع، وقد ذكرت هذه المسألة في زكاة الخليطين في الماشية (^١)، فأغنى عن إعادتها، والله أعلم.
•••
[٦٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَرْضِ الخَرَاجِ وَغَيْرِهَا (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الزَّكاة هي حقٌّ لله ﷿ أوجبه للفقراء والمساكين، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، والخراج فهو كراء الأرض، فلا يُسقط أحدهما الآخر.
ألا ترى: أنَّ الرجل إذا اكترى أرضًا من غيره بمالٍ معلومٍ، ثم زرعها فخرج منها ما يجب فيه العشر أو نصف العشر، أنَّ عليه أن يُزَكي ما خرج منها، وعليه الكراء لصاحبها، ولا يُسقط وجوب الكراء الذي وجب لصاحبها العشر أو نصف العشر الذي أوجبه الله ﷿ للفقراء والمساكين، فكذلك الخراج الذي على الأرض، لا يسقط العشر أو نصف العشر الذي هو حقٌّ للمساكين؛ لأنَّ الخراج إنَّما هو كراء الأرض التي هي في يدي من هي في يده من المسلمين وهي أرض العنوة؛ لأنها بمنزلة الوقف عندنا، والإمام يكريها ويأخذ كراءها فيصرفه في مصالح المسلمين، فليس ينوب هذا الكراء عن العشر أو نصف العشر الذي
_________________
(١) تقدَّم ذكره في مسألة زكاة الخليطين في الماشية.
(٢) المختصر الكبير، ص (١٠٨)، المدونة [١/ ٣٨١].
[ ١ / ١٦٧ ]
هو فرضٌ للفقراء والمساكين، كما لم تنب أجرة الأرض التي اكتراها من زيدٍ عن حق المساكين من العشر أو نصف العشر، لكن عليه أن يؤدِّي الكراء، ويخرج العشر أو نصف العشر.
وهذا القول عليه جملةُ أهل العلم من الفقهاء من أهل الحجاز والشام، وكثيرٍ من أهل الكوفة، وهو قول مالكٍ، والشافعي (^١)، والثوري (^٢)، وهو قول كثيرٍ من التابعين، أذكره في غير هذا الموضع (^٣)، ولم يخالفهم في ذلك غير أبي حنيفة وأصحابه (^٤).
•••
[٧٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ هَلَكَ وَتَرَكَ زَرْعًا قَدْ يَبِسَ، فَقَدْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ وَهُوَ أَخْضَرُ، فَالزَّكَاةُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْ وَرَثَتِهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (^٥).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا يبس الزرع، فقد تناهى صلاحه، وقد استقر حكم الزَّكاة فيه، فإذا مات، أُخرجت الزَّكاة التي قد وجبت عليه إذا كان خمسة أوسقٍ.
_________________
(١) ينظر: الحاوي للماوردي [١٨/ ٣٠٥]، المهذب مع شرحه المجموع [٥/ ٣٣٩].
(٢) ينظر: الإشراف لابن المنذر [٣/ ٣٤].
(٣) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة [٦/ ٥٦٧]، الإشراف لابن المنذر [٣/ ٣٤].
(٤) ينظر: المبسوط [٢/ ٢٠٧]، بدائع الصنائع [٢/ ٥٧].
(٥) المختصر الكبير، ص (١٠٨)، المدونة [١/ ٣٨٢].
[ ١ / ١٦٨ ]
فإن مات قبل أن ييبس وهو أخضرُ، فالزَّكاة على ورثته إذا بلغت حصة كل واحدٍ منهم ما تجب فيه الزَّكاة، على ما قد بيَّناه قبل ذلك، ولم تجب على الميت؛ لأنَّ ملكه قد زال قبل وجوبها عليه.
•••
[] مسألة (^١)
ما باعوها خمسة أوسقٍ فأكثر، أخرجوا العشر أو نصف العشر من الثَّمن، قليلًا كان الثَّمن أو كثيرًا، وقد فسرناه فيما تقدَّم.
زكاة الفطر (^٢)
[٧١] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ زَكَاةَ الفِطْرِ؟
قَالَ: زَكَاةُ الفِطْرِ تُخْرَجُ عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، صَاعٌ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ طَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: فَلَا يَفْعَلْ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى صَاعٍ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ، وَيَتَطَوَّعُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ.
_________________
(١) يوجد سقط في المخطوط بعد هذا الموضع.
(٢) كذا ورد ذكر هذا الباب في السطر الثاني من نفس الصفحة التي بها المسألة السابقة، والذي في المطبوع، ذكر هذا الباب بعد باب قسم الصدقات.
[ ١ / ١٦٩ ]
وَوَقْتُهُ الَّذِي نَسْتَحِبُّ إِخْرَاجَهَا لَهُ إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الفِطْرِ، وَإِنْ أَخْرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ (^١).
• أمَّا قوله: «زكاة الفطر تُخرج عن كل إنسانٍ»، فلأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ فرض زكاة الفطر على كل حرٍّ وعبدٍ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين.
روى ذلك مالكٌ، وعبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ النبي صلى الله عليه (^٢).
فوجب بهذا الخبر أن يخرجها عن كل مسلمٍ، حرٍّ أو عبدٍ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين، يخرجها عن نفسه وعمّن تلزمه نفقته من المسلمين.
وليس عليه أن يُخرج عن عبده الكافر لهذا الحديث؛ لأنَّهُ لَمَّا قيل: «مِنَ المُسْلِمِينَ»، لم تجب على الكافرين.
ولا تُخرج أيضًا عنهم؛ لأنَّ زكاة الفطر إنَّما هي على أهل الصّيام، والكافر ليس من أهل الصّيام ولا أهل الطهارة، فلم تجب عليه زكاة الفطر ولا على سيده فيه.
فإن قيل: إنَّ سبيلها سبيل المؤنة، فلمَّا كان عليه أن ينفق على عبده الكافر، فكذلك عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر (^٣).
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٢٣)، المختصر الكبير، ص (١١٢)، الموطأ [٢/ ٤٠٦]، المدونة [١/ ٣٨٥]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٢)، التفريع [١/ ٢٩٥].
(٢) خبر مالك في الموطأ [٢/ ٤٠٣]، ومن طريقه البخاري (١٥٠٤)، ومسلم [٣/ ٦٨]، وخبر عبيد الله في المسند [١٠/ ٥٧]، والحديث في التحفة [٦/ ٢٠٥].
(٣) ينظر الاعتراض في: المبسوط [١/ ١٠٣]، بدائع الصنائع [٢/ ٧٠].
[ ١ / ١٧٠ ]
قيل له: لو كان سبيلها سبيل المؤنة، لكان عليه أن يخرج عن زوجته النصرانية واليهودية، كما أنَّ عليه أنْ ينفق عليها، وليس كذلك قولكم، ولا قول أحدٍ من أهل العلم.
وأما قوله: «إنها صاعٌ بصاع النبي صلى الله عليه»؛ فذلك لِمَا رواه مالك، عن زيد بن أسلم (^١)، عن عياض بن عبد الله بن سعدٍ (^٢)، أنَّهُ سمع أبا سعيد الخدري يقول: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» (^٣). قال مالكٌ: وَذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ (^٤).
وروى حماد بن زيد (^٥)، عن النّعمان بن راشد (^٦)، عن الزهري، عن ثعلبة بن
_________________
(١) زيد بن أسلم العدوي المدني، مولى عمر، ثقةٌ عالمٌ، من الثالثة، وكان يرسل. تقريب التهذيب، ص (٣٥٠).
(٢) عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري المكي، ثقةٌ من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٧٦٥).
(٣) أخرجه مالك [٢/ ٤٠٤]، ومن طريقه البخاري (١٥٠٦)، ومسلم [٣/ ٦٩]، وهو في التحفة [٣/ ٤٣٥].
(٤) ينظر: المرجع السابق.
(٥) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي البصري، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٢٦٨).
(٦) النعمان بن راشد الجزري الرقي، مولى بني أمية، صدوقٌ سيِّئ الحفظ، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (١٠٠٤).
[ ١ / ١٧١ ]
صغير (^١)، عن أبيه (^٢)، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ في صدقة الفطر: «أَدُّوا صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ تَمْرٍ، عَنْ كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثَى، أَوْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، أَوْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، أَوْ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ» (^٣).
وروى ابن عجلان (^٤)، عن زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيدٍ فقال: «صَاعًا مِنْ بُرٍّ» (^٥)، فبهذه الأحاديث وجب أن يُخرج صاعًا من الحنطة وغيرها.
ولم يجز أن يخرج أيضًا قيمة الصاع؛ من قِبَل أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لَمَّا ذكر أشياء مختلفات القيم، عُلِم أنَّهُ لا تراعى القيمة؛ من قِبَل أنَّهُ يستحيل أن تتفق قيمة هذه الأشياء في وقتٍ واحدٍ، في بلدٍ واحدٍ، وإذا كان كذلك، ثبت بهذا أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لم يراع تساوي القيم، ولم يرد أن يُخرَجَ غير ما ذكره أو كان في معناه، أعني: أن يكون حَبًّا مقتاتًا عند أهل البلد الذي تُخرج الزَّكاة فيه.
_________________
(١) ثعلبة بن صعير أو ابن أبي صعير العذري. ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن صعير، ويقال: عبد الله بن ثعلبة بن صعير، مختلف في صحبته. تقريب التهذيب، ص (١٨٨).
(٢) ذكر الحافظ ابن حجر أن الصواب في اسمه هو: ثعلبة بن صعير، وان ابنه هو عبد الله بن ثعلبة. الإصابة [٥/ ٣١٨].
(٣) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٥٠]، وهو في التحفة [٢/ ١٢٦].
(٤) محمد بن عجلان المدني، صدوقٌ، من الخامسة، إلَّا أنَّهُ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. تقريب التهذيب، ص (٨٧٧).
(٥) لم أقف عليه من طريق ابن عجلان، وقد أخرجه ابن خزيمة، من طريق عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض، عن أبي سعيد به، وفيه: «أَوْ صَاعَ حِنْطَةٍ».
[ ١ / ١٧٢ ]
ولو جاز تعدّي ذلك إلى غيره من سائر العروض والعقار، لجاز تعدي نُصُبِ الزكوات إلى غيرها من الأموال من العروض والعقار، وهذا فاسدٌ، وقد ذكرنا معنى هذه المسألة في زكاة الأموال (^١).
وقوله: «لا يزيد على صاعٍ بصاع النّبيّ ﷺ»؛ فلأنَّ ذلك تعدِّي ما قد حدَّه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ إلى غيره، ولا يجوز تعدِّي ما حدَّه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ بزيادةٍ أو نقصانٍ، ولو جاز في هذا، لجاز في سائر العروض والحدود.
وقوله: «إنها تُخرج إذا طلع الفجر من يوم الفطر» (^٢)؛ فلأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ روي عنه أنَّهُ كان يفعل ذلك ويأمر به.
فروى إبراهيم بن حمزة (^٣)، قال: حدثنا عبد العزيز (^٤)، عن موسى بن عقبة (^٥)، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أَنْ
_________________
(١) تنظر المسألة: [٢٢].
(٢) ذكر الحطاب في مواهب الجليل [٢/ ٣٦٧]، هذا القول، وأن الأبهري هو الذي شهره.
(٣) إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة الزبيري المدني، صدوقٌ، من العاشرة. تقريب التهذيب، ص (١٠٧).
(٤) عبد العزيز بن أبي حازم، سلمة بن دينار المدني، صدوقٌ فقيهٌ، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٦١١).
(٥) موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، ثقةٌ فقيهٌ، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٩٨٣).
[ ١ / ١٧٣ ]
تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى المُصَلَّى، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُؤَدِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ بالِيَوْم وَاليَوْمَيْنِ» (^١).
وروى ابن وهبٍ، عن حفص بن ميسرة (^٢)، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ: «أَنَّهُ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ الغُدُوِّ إِلَى المُصَلَّى» (^٣).
وروى أبو معشرٍ، قال: حدثنا نافعٌ، عن ابن عمر، قال: «أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، وَكَانَ يَأْتُونَ بِالزَّبِيبِ فَيَقْبَلُونَهُ، وَكُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نُخْرِجَهُ قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، نَقُولُ: أَغْنُوهُم عَنِ طَوْفِ هَذَا اليَوْمِ» (^٤).
وقوله: «إنّها إن أُخْرِجَت قبل الفطر بيومٍ أو يومين أجزأه»، فهذا على وجه الاستحسان؛ لقرب وقت وجوبها، ولأنَّ جواز إخراجها في هذا الوقت وقبله مُختلفٌ فيه، فمن العلماء من أجاز ذلك، فأجازه مالكٌ إذا قَرُبَ وقت وجوبها استحسانًا لا قياسًا.
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٥٠٩)، ومسلم [٣/ ٧٠]، من طريق موسى بن عقبة به، وهو في الموطأ [٢/ ٤٠٣]، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (١٥٠٤)، ومسلم [٣/ ٦٨]، وهو في التحفة [٦/ ٢٠٥].
(٢) حفص بن ميسرة العقيلي الصنعاني، نزيل عسقلان، ثقةٌ ربما وهم، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٢٦٠).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [٨/ ٣٠٨]، بنحو الإسناد الذي ذكره الشارح.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [٨/ ٣٠٩].
[ ١ / ١٧٤ ]
ومن أصحابنا من قال: إنَّ معنى ذلك: أن يخرجها عن ملكه إلى صاحب الصدقة فيفرقها في يوم الفطر، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمدينة قديمًا؛ لأن يسقط عنهم الاشتغال بها يوم الفطر، وبخاصة بعد طلوع الفجر؛ لأنَّ ذلك وقتٌ لعلّه يتعذر فيه وجود المساكين، ولأنَّ النَّاس يشتغلون في هذا الوقت بالغسل والتزين والطيب والغدو إلى المصلى.
•••
[٧٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَزَكَاةُ الفِطْرِ عَلَى أَهْلِ البَادِيَةِ وَأَهْلِ القُرَى (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لعموم إيجاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صدقة الفطر على كل حرٍّ وعبدٍ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين، وذلك يجمع كل مسلمٍ من قرويّ وبدويّ، كما تجمعهم زكاة الأموال، فاستوى البدوي والقروي فيها لاستوائهم في الإسلام؛ إذ لا فرق بين البدوي والحضري في الفرائض التي تلزم المسلمين.
وروى الليث بن سعد (^٢)، عليٌّ (^٣)، عن ابن جريج، عن عمرو بن
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٢٣)، المختصر الكبير، ص (١١٢)، الموطأ [٢/ ٤٠٣]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٢).
(٢) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري، ثقةٌ ثبتٌ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٨١٧).
(٣) قوله: «عليٌّ»، كذا في شب، ولعل الصواب: «وعليٌّ»، حيث إنّه موافق لما في تخريج الحديث، وعليٌّ هو ابن صالح المكي الزنجي العابد، مقبول، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٦٩٨).
[ ١ / ١٧٥ ]
شعيب، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا إِنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ بَدَوِيّ أَوْ حَاضِرٍ، حُرٍّ أوَ عَبْدٍ» (^١).
•••
[٧٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَقِّيَهُ إِذَا أَخْرَجَهُ، إِذَا كَانَ طَعَامًا لَيْسَ بِغَلَثٍ (^٢) (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الذي علينا (^٤) أن نخرج من الطعام على حسب ما هو عليه، ليس عليه تنقيته حتى لا يخالطه شيءٌ البتة؛ لأنَّ ذلك شيءٌ يشق على النَّاس ويصعب عليهم، وليس يستعملون ذلك في بيعه وشرائه وتعاطيه بينهم، فكذلك ليس عليه في إخراجه إلى الفقراء، إلَّا أنْ يكون مختلطًا بغيره من تِبْنٍ أو ترابٍ كثيرٍ، أو شيءٍ إذا مُيِّزَ ونُقِّي نقص من الكيل كثيرٌ، فعليه حينئذ تمييزه؛ لأنَّ في إخراجه كذلك نقصانًا كثيرًا من الصاع الذي أمر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بإخراجه.
•••
_________________
(١) أخرجه الترمذي [٢/ ٥٢]، وهو في التحفة [٦/ ٣٢٥].
(٢) قوله: «بغلث»، كذا في المخطوط، وفي المطبوع: «بغليث»، ومعناه: أنه ليس بمخلوط، والغلث هو الخلط، ينظر: التاج والإكليل [٣/ ٢٦٨].
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٢).
(٤) كذا هو في المخطوط.
[ ١ / ١٧٦ ]
[٧٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي المُسَافِرُ عَنْ نَفْسِهِ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ يستحبُّ للإنسان أن يخرج زكاته في البلد الذي هو فيه، زكاة ماله وفطره، فإن أمر أهله بإخراجه عنه جاز ذلك.
•••
[٧٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ فَرَّطَ فِيهَا - يَعْنِي: فِي زَكَاةِ الفِطْرِ - فَلْيُخْرِجْهَا (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ زكاة الفطر فرضٌ إخراجها على من أمكنه ذلك كزكاة المال، فإذا أَخَّرَ إخراجها، كانت دينًا عليه وعليه إخراجها، كما أنَّ عليه أداء الدَّيْنِ الذي هو في ذمَّته.
•••
[٧٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَدْفَعُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ ثَمَنًا (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ أمر بإخراج التمر والشعير والزبيب وغير ذلك من الأقوات، فكان عليه إخراج ذلك أو ما كان في معناه من الأقوات.
ولا يجوز أن يخرج ثمن ذلك، كما لا يجوز أن يخرج مقدار الزَّكاة غيره من العروض (^٤)؛ لأنَّ في ذلك شراء الصدقة التي قد أخرجها لله تعالى، وذلك
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٢)، المدونة [١/ ٣٨٥]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٢)، التفريع [١/ ٢٩٧].
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٢).
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٢)، التفريع [١/ ٢٩٧].
(٤) يعني: كما لا يجوز إخراج القيمة في الزَّكاة.
[ ١ / ١٧٧ ]
مكروهٌ، وقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لعمر بن الخطاب ﵁، حيث أراد أن يشتري الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله ﷿: «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَو بَاعَكَهُ بِدِرْهَمٍ» (^١)، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدَّم (^٢).
•••
[٧٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي التَّمْرَ وَالشَّعِيرَ إِذَا كَانَ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَالأُرْزَ وَالذُّرَةَ إِذَا كَانَ يَأْكُلُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّهُ يُخْرِجُهُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ إِذَا كَانَ هُوَ طَعَامُهِ (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عليه أن يطعم الفقراء مما يتقوَّته إذا كان ذلك غالب قوت أهل البلد.
فإن كان هو ممن يَخُصُّ نفسه بقوتٍ ليس الأغلب من قوت البلد، بل هو أجود، فإنا نستحب له أن يخرج منه، فإن لم يفعل كان عليه أن يخرج الغالب من قوت أهل البلد (^٤).
فإن كان يأكل دون قوت أهل البلد في الجودة، كان عليه أن يخرج الأغلب من قوت أهل البلد إذا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه أخرج مما يأكل والله أعلم، مِن
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٢٢.
(٢) ينظر: المسألة [٢٢].
(٣) المختصر الصغير، ص (٣٢٤)، المختصر الكبير، ص (١١٢)، المدونة [١/ ٣٩١]، النوادر والزيادات [٢/ ٣٠٣]، التفريع [١/ ٢٩٧].
(٤) نقل هذا عن الأبهري: ابن يونس في الجامع [٤/ ٣٦٥].
[ ١ / ١٧٨ ]
قِبَلِ أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لَمَّا قال: «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوْفِ هَذَا اليَوْمِ» (^١)، وجب عليهم أن يغنوهم عن طلب قوتهم بما يمكنهم، ليس عليهم أكثر من ذلك، إلَّا أن يتطوّع أحدٌ بأجود؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو مواساةٌ لهم، فعليهم أن يواسوا بما أمكنهم من قوتهم، إلَّا أنْ يكون ما يقتاته ليس الغالب من قوت أهل البلد إذا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه على ما ذكرنا أنَّ عليه أن يخرج الغالب من قوتهم.
•••
[٧٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُؤَدِّي فِي زَكَاةِ الفِطْرِ تِينًا وَلَا جَوْزًا وَلَا لَوْزًا (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذه ليست بأقواتٍ، وإنَّما هي فواكه.
ألا ترى: أنَّهُ لا زكاة فيها، فكذلك لا يجوز أن يخرجها في زكاة الفطر.
•••
[٧٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُعْطِي مَنْ يَحْرُسُ الزَّكَاةَ أُجْرَةً مِنْهَا (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا أخرج أجرة من يحفظها منها، نقص مقدار ما يُخرج من الزَّكاة من الصاع، وذلك غير جائزٍ.
وهذا الذي ذكرته قبل هذا الموضع، أنَّ أهل المدينة كانوا يخرجون
_________________
(١) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٧١.
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٢)، المدونة [١/ ٣٩١].
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٣)، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٣).
[ ١ / ١٧٩ ]
زكاة الفطر قبل يوم الفطر بيومين أو ثلاثةٍ إلى المسجد، فيجعل في بيت الصدقة، ثم يُفَرَّق (^١).
وقد روى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أنه كان يُخْرِجُ صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، يَجْعَلُهَا فِي المَسْجِدِ» (^٢)، فقال مالكٌ: «إنَّ هذا الذي يحفظها لا يعطى الأجرة منها، لكنه يعطى من غيرها».
•••
[٨٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ دَقِيقًا وَلَا سَوِيقًا (^٣) (^٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عليه أن يخرج في زكاة الفطر من الحبِّ الذي يقتاته على ما بيناه؛ لأمر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بذلك، والدقيق والسويق فليسا بحبٍّ.
ومنفعة الحبِّ أكثر من منفعة الدقيق والسويق؛ لأنَّ الحب يكون منه الدقيق والسويق إذا أراده الفقير، وليس يكون من الدقيق والسويق حبٌّ، ولعلَّ للفقير غرضًا في الحب خلاف غرضه في الدقيق والسويق.
_________________
(١) ينظر المسألة رقم ٧١.
(٢) أخرجه مالك [٢/ ٤٠٥].
(٣) قوله: «سَوِيقًا»، السويق طعام يصنع من الحنطة والشعير، ينظر: المصباح المنير، ص (٢٩٦)، تاج العروس [٢٥/ ٢٩٦ و٤٨٠]، وفي المطلع على ألفاظ المقنع، ص (١٧٦): السويق قمح أو شعير يقلى، ثم يطحن فيتزود به.
(٤) المختصر الكبير، ص (١١٣)، المدونة [١/ ٣٩١]، التفريع [١/ ٢٩٧].
[ ١ / ١٨٠ ]
والدقيق والسويق أيضًا هو أقل من الصاع؛ لأنَّهُ ينقص عن الصاع بالصنعة.
•••
[٨١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي زَكَاةَ الفِطْرِ عَنِ اليَتِيمِ، وَيُؤَدِّي عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ اليتيم ممّن قد وجبت عليه زكاة الفطر؛ لأنَّهُ داخلٌ في جملة المسلمين الذين فرض عليهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صدقة الفطر، فقال: «عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَو أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ» (^٢).
•••
[٨٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي زَكَاةَ الفِطْرِ عَنِ المَوْلُودِ يُولَدُ يَوْمَ الفِطْرِ (^٣).
• يعني بذلك: إذا ولد قبل طلوع الفجر، فأمَّا إذا ولد بعد طلوع الفجر، فإنَّ مالكًا يستحبُّ إخراجها عنه، فأمَّا الواجب فلا، ولأنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر.
هذا هو المشهور من قوله، حكاه عنه ابن القاسم وغيره من أصحابه (^٤)، وقد قال فيمن اشترى عبدًا ليلة الفطر، فإنَّ زكاته على البائع، أعني: زكاة
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٣)، المدونة [١/ ٣٩١].
(٢) تقدَّم ذكره في المسألة رقم ٧١.
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٣)، المدونة [١/ ٣٨٨]، التفريع [١/ ٢٩٦].
(٤) ينظر: المنتقى للباجي [٢/ ١٩٠].
[ ١ / ١٨١ ]
الفطر، وهذا القول يوجب أن تكون زكاة الفطر قد وجبت عليه بدخول شوال، حكى هذا القول أشهب عنه (^١)، وقد حكاه ابن عبد الحكم أيضًا.
•••
[٨٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ هَلَكَ غَدَاةَ (^٢) الفِطْرِ، فَلْتُخْرَجْ عَنْهُ زَكَاةُ الفِطْرِ (^٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنها قد وجبت عليه بطلوع الفجر يوم الفطر، فوجب أن تُخرج عنه من ماله، كما تُخرج سائر الحقوق التي قد لزمته.
•••
[٨٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَأَيُّمَا نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَلْيُؤَدِّ الزَّكَاةَ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَمَا ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالوَاجِبِ (^٤).
• إنما استحبَّ له إخراجها إذا أسلم في يوم الفطر؛ لأنَّهُ قد صار مسلمًا في يوم الفطر، ولزمته أحكام المسلمين ليوم الفطر وما بعده، فكان هذا اليوم تُخرج فيه زكاة الفطر، فاحتِيط له بإخراجها بإسلامه في وقتها.
فأمَّا الواجب فهو ما قلناه، أن يكون الإنسان من أهل الزَّكاة عند طلوع
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق.
(٢) قوله: «غَدَاةَ»، الغداة: ما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، ينظر: لسان العرب [١٥/ ١١٤].
(٣) المختصر الكبير، ص (١١٣).
(٤) المختصر الكبير، ص (١١٣)، المدونة [١/ ٣٨٨ و٤٠٥]، النوادر والزيادات [٢/ ١٣٦]، التفريع [١/ ٢٩٦].
[ ١ / ١٨٢ ]
الفجر، ومولودًا عنده، أو يكون في ملك سيده قبله؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ زكاة الفطر إنَّما تجب بدخول اليوم لا ما بعد ذلك؛ لأنها إنَّما وجبت على المسلمين شكرًا لله ﷿، إذ كمَّل لهم الصّيام وتمَّمَه لهم، وذلك هو بدخول الفطر؛ لأنَّ الفطر من صومهم هو بدخول يوم الفطر لا ما قبل ذلك؛ لأنَّ الليل ليس وقتًا للصيام فيراعى دخوله وجواز الأكل فيه، وقد كان أكلهم جائزًا في ليالي الصّوم كلها، لكنه يراعى أكلهم في أول يومٍ يلي آخر صومهم، وهو يوم الفطر.
•••
[٨٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَلْيُضَحِّ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النحر ثلاثة أيامٍ، يوم النحر ويومان بعده، فإن كان إسلامه أول يوم النحر قبل الزوال، نحر يوم النحر، وإلا نحر في يوم الثاني والثالث؛ لأنَّهُ أسلم في وقت النحر فصار من أهله.
•••
[٨٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ العَبْدُ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ مَمْلُوكٌ، أَدَّى سَيِّدُهُ عَنْ نِصْفِهِ المَمْلُوكِ (^٢).
• يعني: ولا شيء على العبد في نصفه الحر، ليس عليه أن يخرج نصف زكاة الفطر عن نفسه بقدر حريته (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٣)، المدونة [١/ ٣٨٨ و٤٠٥]، التفريع [١/ ٢٩٦].
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٣)، المدونة [١/ ٣٨٥]، التفريع [١/ ٢٩٦].
(٣) من قوله: «يعني: ولا شيء على العبد»، إلى هذا الموضع، مدمج بنص كلام ابن عبد الحكم في المخطوط والمطبوع، ويغلب على الظن أنَّهُ من كلام الأبهري، كما هي طريقته في الشرح، والله أعلم.
[ ١ / ١٨٣ ]
وإنَّمَا قال ذلك مالكٌ؛ لأنَّ السيد عليه أنْ يخرج مقدار ما يملك منه، كما أنَّ عليه أنْ ينفق عليه بمقدار ما يملك منه، وكذلك له من الخراج بمقدار ما يملك منه، فكانت نفقته عليه وزكاته عنه بمقدار ما له من المنفعة في كسبه وخراجه.
وكذلك إذا كان بين جماعةٍ فعليهم زكاة الفطر على مقدار أملاكهم فيه، فكذلك النّفقة عليهم، وكذلك خراجه لهم على حسب أملاكهم.
ولا شيء على العبد في نصفه الحر؛ من قِبَلِ أنَّهُ غير مستقر الملك.
ألا ترى: أنَّهُ لا زكاة عليه، أعني: زكاة المال في مقدار ما يملك من المال بحصة حريته، ولو وجبت عليه الزَّكاة في ذلك المقدار لمِلْكِهِ إياه، وإن لم يتكامل حكم الحرية فيه، لوجب على المكاتب الزَّكاة لملكه إياه وإن لم تتكامل حريته.
وهذا قول مالكٍ، حكاه عنه ابن القاسم (^١)، وابن عبد الحكم.
وقال عبد الملك في هذه المسألة: «إنَّ على السيد أنْ يخرج عنه زكاة الفطر كلها» (^٢)، قال: لأنَّهُ حابسه عن الحرية، يعني: أنَّ أحكامه أحكام العبد قبل أن يعتق.
هذا (^٣) هو غير صحيح؛ من قِبَل أنَّهُ لو كان لهذه العلَّة، لكان عليه أن ينفق عليه نفقته كلها، ويأخذ خراجه كله، وليس هذا قوله.
_________________
(١) ينظر: المدونة [١/ ٣٨٥]، المنتقى [٢/ ١٨٢]، النوادر والزيادات [٢/ ٣١٠].
(٢) ينظر: المنتقى [٢/ ١٨٢]، النوادر والزيادات [٢/ ٣٠٩].
(٣) قوله: «هذا»، كذا في شب.
[ ١ / ١٨٤ ]
وقال محمد بن مسلمة: «على السيد أن يخرج على مقدار ملكه، وعلى العبد أن يخرج بمقدار الحرية» (^١)، ورد ذلك إلى النّفقة والخراج، وهذا القول أشبه من قول عبد الملك.
والصحيح والله أعلم قول مالك؛ لِمَا ذكرناه، وقد حكى أهل المدينة عن مالكٍ مثل قول محمد بن مسلمةٍ، أنَّ العبد يخرج عن نصفه الحر.
•••
[٨٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ لَيْلَةَ الفِطْرِ، فَالزَّكَاةُ عَلَى البَائِعِ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا (^٢).
• إذا اشتراه قبل الفطر بيومٍ أو يومين، أو قبل طلوع الفجر من يوم الفطر، فزكاته على المشتري؛ لأنَّهُ قد ملكه قبل وجوب زكاة الفطر، وقبل دخول وقتها أيضًا، ولأنها وجبت في ملك المشتري.
فأمَّا إذا اشتراه ليلة الفطر، فقد اختلف قول مالك:
فقد قال: «إنها على البائع»، حكاه عنه أشهب (^٣) وابن عبد الحكم.
ووجه هذا القول، أنها تجب بدخول شوالٍ وتقضي رمضان، وذلك هو برؤية هلال شوالٍ.
_________________
(١) ينظر: المنتقى [٢/ ١٨٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٣)، المدونة [١/ ٣٨٧]، التفريع [١/ ٢٩٦].
(٣) ينظر: النوادر والزيادات [٢/ ٣٠٨].
[ ١ / ١٨٥ ]
وقد قال: «إنها على المشتري» (^١)، وهذا القول أصح؛ لِمَا ذكرناه أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر، فوجبت في ملك المشتري دون البائع.
•••
[٨٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُخْرِجُ الرَّجُلُ زَكَاةَ الفِطْرِ عَنْ كُلِّ مَنْ يَضْمَنُ نَفَقَتَهُ، وَعَنْ مُكَاتَبِيهِ، وَعَنْ مَمْلُوكِيهِ كُلِّهِمْ، غِائِبِهِمْ وَحَاضِرِهِمْ.
وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي النَّصَارَى مِنْهُمْ، وَلَا آبِقٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً، وَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي عَبِيدِ عَبِيدِهِ وَلَا فِي أَجِيرِهِ وَلَا فِي رَقِيقِ امْرَأَتِهِ زَكَاةٌ، إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَخْدِمُهُ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ (^٢)، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (^٣).
_________________
(١) ينظر: النوادر والزيادات [٢/ ٣٠٧].
(٢) قوله: «إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَخْدِمُهُ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»، كذا في شب، وكذا في الموطأ [٢/ ٤٠٦]، وذكرها في الاستذكار [٩/ ٣٤٢] من رواية ابن عبد الحكم عن مالك، بينما سياق كلام الشارح عن رقيق المرأة، وهو الذي في المدونة [١/ ٣٩٠]، من رواية ابن القاسم عن مالك، وفي البيان والتحصيل [٢/ ٥٠٩]، عن أصبغٍ قال: سمعت ابن القاسم يقول: «يؤدِّي الرجل زكاة الفطر عن خادمين من رقيق امرأته - إذا كان لها شرف وغناء، وإلا فواحدة».
(٣) المختصر الصغير، ص (٣٢٤)، المختصر الكبير، ص (١١٣)، الموطأ [٢/ ٤٠٢ و٤٠٦]، المدونة [١/ ٣٨٥ و٣٨٩ و٣٩٠]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٢)، التفريع [١/ ٢٩٥]، الاستذكار [٩/ ٣٤٢].
[ ١ / ١٨٦ ]
• إنَّمَا قال: «إنَّهُ يُخرِج عن كل من يضمن نفقته»؛ فلأنها تجري مجرى النّفقة والمؤنة إذا كانت النّفقة تلزمه بنسبٍ أو سببٍ أو رِقٍّ؛ فوجب عليه أن يخرج عن كل من تلزمه النّفقة عليه بهذه الوجوه.
وقد روى وكيع، عن سفيان، عن عبد الأعلى (^١)، عن أبي عبد الرحمن (^٢)، عن علي ﵁، قال: «صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجْرِي عَلَيْهِ نَفَقَتُكَ» (^٣).
فأمَّا المكاتب فإنه يخرجها عنه بالرق الذي له عليه لا بالنفقة؛ لأنَّ المكاتب ليس على سيده أن ينفق عليه.
وعبيده فعليه أن يخرج عنهم، غائبهم وحاضرهم ومن أبق منهم؛ لأنَّهم كلهم في رقِّه.
فأمَّا من قد أيِسَ منه فليس عليه أن يخرج عنه؛ لجواز أن يكون قد تلف؛ ولأنه لا ينتفع أيضًا إن كان باقيًا في ملكه، فليس عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر، كما ليس عليه أن ينفق على من امتنع من خدمته والتصرف في منافعه، وكما أنَّهُ ليس عليه أن ينفق على زوجته إذا نشزت عليه.
وقوله: «ليس عليه في عبيد عبيده زكاة الفطر»؛ فلأنَّ عبيد عبيده ليسوا
_________________
(١) عبد الأعلى بن عامر الثعلبي الكوفي، صدوقٌ يهم، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٥٦١).
(٢) عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٤٩٩).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٥٠٧] بهذا الإسناد، وهو في مصنف عبد الرزاق [٣/ ٣١٥].
[ ١ / ١٨٧ ]
بملكٍ له، فإنهم ملك عبيده، وليس عليه في ملك عبده صدقةٌ إلَّا أن ينزعهم منه فيصيروا ملكه.
وليس على عبده أيضًا فيهم صدقةٌ؛ لأنَّ العبد غير مستقر الملك؛ لما عليه من الحق لسيده في ملكه.
وقوله: «ولا في أجيره»؛ فلأنَّ الأجير ليس ممن تلزمه نفقته، والزَّكاة فإنما تجب على من تلزمه النّفقة بنسبٍ أو سببٍ أو رقٍّ على ما ذكرناه.
فإن كان الأجير في نفقته فلا زكاة عليه أيضًا؛ لأنها إنَّما هي كالأجرة، ولم تجب إلَّا بالأشياء التي ذكرناها من نسبٍ أو سببٍ أو رقٍّ.
وكذلك مماليك امرأته لا زكاة عليه فيهم؛ لأنهم ليس (^١) بملكه، وعلى امرأته أن تُخرج عنهم الزَّكاة.
فأمَّا من كان يخدم امرأته ممن لا بدّ لها منه، فعليه أن ينفق عليهم ويؤدِّي عنهم زكاة الفطر؛ لأنَّ خدمة امرأته إذا كانت لا تخدم نفسها واجبةٌ عليه، كنفقتها هي في نفسها.
•••
[٨٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي عَنْ أَبَوَيْهِ زَكَاةَ الفِطْرِ (^٢).
_________________
(١) قوله: «ليس»، كذا في شب.
(٢) المختصر الكبير، ص (١١٤)، المدونة [١/ ٣٩٠]، التفريع [١/ ٢٩٥].
[ ١ / ١٨٨ ]
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عليه أن ينفق عليهما إذا كانا محتاجَين؛ فعليه أن يخرج عنهما زكاة الفطر؛ لأنَّهُ تبع النَّفقة، كما ذكرنا.
•••
[٩٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الفِطْرِ عَنِ امْرَأَتِهِ التِي لَمْ يَبْنِ بِهَا (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ ليس عليه أن ينفق عليها حتى يبني بها أو يُدعى إلى البناء بها مع إمكان استمتاعه بها، ثم يمتنع، فتلزمه النّفقة حينئذٍ عليها، وعليه أن يخرج زكاة الفطر عنها إذا وجبت عليه النَّفقة عليها.
•••
باب عشور أهل الذمَّة (^٢)
[٩١] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، مَا عَلَيْهِمْ مِنَ العُشُورِ وَالجِزْيَةِ؟
قَالَ: لَا جِزْيَةَ إِلَّا عَلَى رِجَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَيْسَ عَلَى نِسَائِهِمُ الجِزْيَةُ وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغُ الحُلُمَ مِنْهُمُ الجِزْيَةُ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَلَا كُرُومِهِمْ وَلَا زُرُوعِهِمْ وَلَا مَوَاشِيهِمْ، إِنَّمَا الجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ، هِيَ الَّتِي تَلْزَمُهُمْ.
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١٤)، المدونة [١/ ٣٩٠]، التفريع [١/ ٢٩٥].
(٢) كذا جاء هذا الباب في المخطوط، بعد زكاة الفطر، وفي منتصف اللوحة التي تنتهي فيها مسائل زكاة الفطر، بينما ذكر في المطبوع بعد باب زكاة التجارة.
[ ١ / ١٨٩ ]
وَلَوْ تَجَرُوا فِي بِلَادِهِمْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلِهَا، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ فِي تِجَارَتِهِمْ عُشْرٌ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الاخْتِلَافِ لَهُمْ مُبَاحًا.
وَلَوْ تَجَرُوا إِلَى غَيْرِ البَلَدِ الَّذِي هُمْ بِهِ، أُخِذَ مِنْهُمْ مِمَّا حَمَلُوا مِنْ تِجَارَتِهِمُ العُشْرُ بَعْدَ أَنْ يَبِيعُوا، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إِنْ كَسَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَوْ أَحَبُّوا أَنْ يَرْجِعُوا وَلَا يَبِيعُوا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ البَيْعِ.
وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ أَقَلُّ مِنَ العُشْرِ، إِلَّا فِي مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ خَاصَّةً؛ فَإِنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ فِيمَا حَمَلُوا مِنَ الحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ خَاصَّةً فِي هَذَيْنِ البَلَدَيْنِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ نِصْفُ العُشُرِ؛ إِرَادَةَ المرْفَقِ بِالنَّاسِ، وَأَنْ يُكْثِرُوا مِنْ حَمْلِهِ إِذَا خُفِّفَ عَنْهُمْ مِنْ عُشْرِهِ؛ لِأَنَّ عِظَمَ حَاجَةِ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ إِلَى الحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ، وَكَذَلِكَ خَفَّفَ عَنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁.
قَالَ: وَيُفْعَلُ فِي أَعْرَاصِهِمَا وَقُرَاهُمَا (^١) مِثْلُ مَا يُفْعَلُ فِيهِمَا (^٢).
• قوله: «الجزية على رجال أهل الذمة وليست على نسائهم ولا صبيانهم»؛ فلأنَّ الجزية إنَّما وجبت عليهم لامتناعهم من الإسلام وترك قتلهم بعد الامتناع؛ لأنَّ علينا قتال المشركين ودعوتهم إلى الإسلام، فإن امتنعوا قُتِلوا إلَّا أن يُعطوا الجزية.
_________________
(١) قوله: «وقراهما»، الضمير يعود إلى مكة والمدينة.
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٢٥)، المختصر الكبير، ص (١١٠)، المدونة [١/ ٣٣١]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٣).
[ ١ / ١٩٠ ]
وليس كذلك النّساء والصبيان؛ لأنهم إن امتنعوا لم يُقتلوا، فلم تجب الجزية عليهم؛ لأنها بدلٌ من إقرارهم على الكفر في ديارنا وترك قتلهم بعد.
وهذا للرجال البالغين دون النّساء والصبيان، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
وقد وجَّه النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ معاذًا إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا أو عِدْلَهُ مَعَافِرِيَّ (^١)، ولم يأمره بأخذ الجزية من النّساء والصبيان.
وقوله: «لا زكاة عليهم في شيءٍ من أموالهم كلها، من الزرع والمواشي وغير ذلك»؛ فلأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب على المسلمين في أموالهم طُهرةً لهم ورِفعةً لدرجتهم؛ لأنهم أهل توحيدٍ وصلاةٍ، قال الله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، هذا خطابٌ للمؤمنين، ولا زكاة على غيرهم من أصناف الكافرين.
وقوله: «إنَّهُ يؤخذ منهم العشر إذا تجروا من بلدهم إلى غير بلدهم»، يعني من إقليمٍ إلى إقليمٍ؛ فلأنه يُحتاج لحفظ الطرق التي يسلكونها ويتعيَّشون فيها إلى مؤنةٍ، فأُخِذ منهم ما يستعان به على حفظها؛ لأنَّ المسلمين تؤخذ منهم الزكوات والصدقات، وأهل الذمة فلا يؤخذ منهم ذلك، فإذا انتقلوا في بلدان المسلمين، أُخِذَ منهم ما تُحفظ به الطرق لهم وللمسلمين، وكذلك أَخَذَ منهم عمر بن الخطاب ﵁.
فروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن سالم، عن أبيه، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ النَّبَطِ، مِنَ الحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ العُشْرِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكْثُرَ الحِمْلُ إِلَى
_________________
(١) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٢٤]، وقد تقدَّم في المسألة رقم ٣٨.
[ ١ / ١٩١ ]
المَدِينَةِ، وَيَأْخُذُ مِنَ القِطْنِيَّةِ العُشْرَ» (^١)، قال مالكٌ: «فَسَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ، عَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ مِنَ النَّبَطِ العُشْرَ؟، قَالَ: كَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ» (^٢).
وروى جرير (^٣) عن عطاء بن السائب (^٤)، عن حرب بن عبيد الله (^٥)، عن جده أبي أمه رجلٍ من تغلب قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إنَّما العُشُورُ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى» (^٦).
وروى ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة (^٧) ويحيى بن أيوب (^٨)، عن
_________________
(١) أخرجه مالك [٢/ ٣٩٩]، وهو عند عبد الرزاق [٦/ ٩٩].
(٢) ينظر: الموطأ [٢/ ٤٠٠].
(٣) جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه. تقريب التهذيب، ص (١٩٦).
(٤) عطاء بن السائب الثقفي الكوفي، صدوقٌ اختلط، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٦٧٨).
(٥) حرب بن عبيد الله بن عمير الثقفي، ليِّن الحديث، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص (٢٢٨).
(٦) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١٩/ ٥٥]، بنحو إسناد الشارح، وهو في سنن أبي داود [٣/ ٤٩٥]، من طريق أبي الأحوص عن عطاء بن السائب، وهو في التحفة [١١/ ١٣٦].
(٧) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي المصري، صدوقٌ خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٥٣٨).
(٨) يحيى بن أيوب الغافقي المصري، صدوقٌ ربما أخطأ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٤٩).
[ ١ / ١٩٢ ]
عمارة بن غزية (^١)، عن ربيعة، أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لأهل الذمة الذين كانوا يتجرون إلى المدينة: «إنْ تَجَرْتُمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ زَكَاةٌ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ إلَّا جِزْيَتُكُمْ الَّتِي فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ وَضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ، أَخَذْنَا مِنْكُمْ وَفَرَضْنَا عَلَيْكُمْ، كَمَا فَرَضْنَا جِزْيَتَكُمْ» (^٢)، فلهذا قال مالك: «إنَّهُ يؤخذ منهم العشر إذا تجروا من إقليمٍ إلى إقليمٍ».
فأمَّا إذا تجروا في إقليمهم لم يؤخذ منهم؛ لأنَّ حكم إقليمهم كحكم بلدهم، وإذا تجروا في بلدهم، لم يؤخذ منهم شيءٌ.
وقوله: «إنَّهُ يؤخذ منهم فيما حملوا إلى مكة والمدينة نصف العشر، فيما كان قوتًا»؛ فلأنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يأخذ ذلك منهم، ويخفِّف عنهم فيهما خاصة؛ لأن يكثر الحمل إليهم؛ لضرورتهم إلى القوت؛ لأنها بلادٌ ضيقةٌ ليست كغيرها من البلدان التي لأهلها اتساعٌ في أقواتهم وإِدَامِهمْ؛ فلهذه العلَّة خُفِّفَ فيهما دون غيرهما.
وكان ذلك في الحنطة والشعير والزيت دون سائر الأشياء من المأكولات؛ لأنَّ الحنطة والزيت والشعير هي أشياءٌ لا بد منها، وسائر الأشياء من الفواكه
_________________
(١) عمارة بن غزية بن الحارث الأنصاري المازني المدني، لا بأس به، وروايته عن أنس مرسلة، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٧١٣).
(٢) أخرجه سحنون في المدونة [٢/ ٢٨١]، من طريق ابن وهب بنحوه.
[ ١ / ١٩٣ ]
والقطاني (^١)، فقد يُستغنى عنها، فلم تكن الضرورة فيها كالضرورة في الحنطة والزيت.
وقوله: «إنَّهُ يؤخذ منهم بعد أن يبيعوا السلع التي حملوها»؛ فلأنَّ منفعتهم في الاختلاف إنَّما تحصل ببيع ما حملوه، فأمَّا قبل ذلك فلا.
وكذلك إن جاؤوا بمالٍ فاشتروا سلعًا أُخِذَ منهم؛ لحصول منفعتهم بالشراء، فإن لم يشتر بالمال الذي معه أو لم يبع السلعة التي هي معه لم يؤخذ منه شيءٌ؛ لأنَّ غرضه لم يحصل في الاختلاف، ولا انتفع بذلك.
•••
[٩٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اخْتَلَفَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ بِالتِّجَارَةِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّمَا جَاءَ مِنْ مَرَّةٍ، وَلَا تُكْتَبُ لَهُ بَرَاءَةٌ لِلسَّنَةِ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا (^٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّهُ يؤخذ منه في كل مرةٍ تجر فيه (^٣)»؛ فلأن الأخذ منه إنَّما هو لما قلناه من حفظ الطرق عليهم في تجاراتهم؛ لما يلزم من المؤن في ذلك؛ فلما كنا نحفظ الطريق لهم في كل مرةٍ تجروا، وجب الأخذ منهم في كل مرةٍ؛ لأنَّ علينا المؤنة في ذلك.
_________________
(١) قوله: «والقطاني» هي جمع قِطنيَّة، وهي كل ما له غلاف من الحبوب، مثل العدس، والحمص، والسمسم، ينظر: حاشية الدسوقي [٣/ ٤٨].
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٢٧)، المختصر الكبير، ص (١١١).
(٣) قوله: «فيه»، كذا هي في شب، ولعلها: «فيها».
[ ١ / ١٩٤ ]
وليس كذلك الجزية؛ لأنها إنَّما تؤخذ بمرور الزمان عليهم عندنا وفي بلادنا، فمتى مرت سنةٌ واحدةٌ، أخذت منهم الجزية ولم يجز تكريرها عليهم؛ لأنها إنَّما تؤخذ بمرورها.
•••
[٩٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنْ بَاعَ، ثُمَّ اشْتَرَى لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ فِيمَا اشْتَرَى شَيْءٌ إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، وَمَا اشْتَرَى فِيمَا سِوَاهَا مِنْ تِجَارَةٍ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المال الذي اشترى قد أُخذ منه العشر؛ لأنَّهُ ثمن ما باع من السلع، فلم يجز أن يؤخذ منه فيما اشتراه العشر ثانيةً إذا رجع إلى بلده.
فإن ذهب إلى إقليمٍ آخر، غير بلده، ثم باعها أُخِذ منه العشر ثانيةً؛ لحصول منفعته في الاختلاف إلى غير إقليمه؛ وذلك مثل أن يمضي من الشام إلى العراق، أو من العراق إلى الشام، أو ما أشبه هذه الأقاليم، إذا انتقل من إقليمٍ إلى إقليمٍ غير إقليمه بالتجارة، ثم باع أو اشترى، أُخِذ منه العشر؛ لأنَّهُ قد تجر في غير بلده على ما قلناه.
•••
[٩٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ النَّصَارَى إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَاتِ فِي
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١١)، المدونة [١/ ٣٣١]، الجامع لابن يونس [٤/ ١٢٦].
[ ١ / ١٩٥ ]
بُلْدَانِ المُسْلِمِينَ العُشْرُ، يُعَشَّرُ عَبِيدُهُمْ كَمَا يُعَشَّرُ أَحْرَارُهُمْ، هُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ (^١).
• إنَّمَا قال: «إنَّهُ يؤخذ من عبيدهم إذا اختلفوا في التّجارة إلى غير إقليمهم كما يؤخذ من أحرارهم»؛ فلأنَّ الحاجة إلى حفظ الطرق للجميع واحدةٌ، والمؤنة فيه متساويةٌ، فوجب أن يؤخذ منهم.
ولم يشبه أخذ الجزية منهم كأخذ العشر في تجاراتهم؛ لأنَّ الجزية إنَّما هي على الرّجال الأحرار البالغين من أهل الذمة دون النّساء والصبيان والعبيد؛ لأنَّ هؤلاء تبعٌ للرجال، وهم في عقدهم وذمتهم، وأَخْذُ العشر فهو لحفظ الطريق كما ذكرنا، وذلك يستوي في الرّجال والنساء والعبيد؛ لأنَّا نحفظ على كل واحدٍ منهم ماله بحفظ الطرق، وفي ذلك مؤنةٌ عليهم.
•••
[٩٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَوْ قَدِمَ نَصْرَانِيٌّ إِلَى بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ المُسْلِمِينَ؛ لِيَشْتَرِيَ تِجَارةً، فَلَمْ يَشْتَرِ وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ شَرْيٌ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإنِ اشْتَرَى أُخِذَ مِنْهُ العُشْرُ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا اشترى ما أراده من السلع فقد حصلت له
_________________
(١) المختصر الكبير، ص (١١١)، المدونة [١/ ٣٣٢].
(٢) المختصر الكبير، ص (١١١).
[ ١ / ١٩٦ ]
المنفعة في اختلافه وتجارته، فوجب أن يؤخذ منه العشر، فإذا لم يشتر، لم تحصل له منفعةٌ، فلم يجز أخذ ذلك منه.
•••
[٩٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَكَذَلِكَ تُجَّارُ الحَرْبِ، يُؤْخَذُ مِنْهُمُ العُشْرُ كُلّمَا قَدِمُوا، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا مِرَارًا فِي السَّنَةِ (^١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لا فرق بين أهل الذمة الذين هم عندنا وأهل الحرب إذا دخلوا بأمانٍ؛ لأنَّ كل واحدٍ منهم قد صار ذمةً للمسلمين؛ فوجب أن يستووا فيما أُخِذَ منهم؛ لحصول انتفاعهم في الاختلاف إلى غير بلدهم كما ذكرنا.
•••
باب قَسْمِ الصَّدقات
[٩٧] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَسْمَ الصَّدَقَاتِ، تُقْسَمُ أَجْزَاءً ثَمَانِيَةً عَلَى الأَصْنَافِ الَّتِي سَمَّى اللهُ ﷿؟
قَالَ: لِكُلِّ مَنْ سَمَّى اللهُ فِيهَا حَقٌّ، وَلَيْسَ حَقُّ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ ذَلِكَ الثُّمُنُ، إنَّمَا دَلَّنَا اللّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ هِيَ لَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَقْسِمَهَا أَثْمَانًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الاِجْتِهَادِ مِنَ الوَالِي.
_________________
(١) المختصر الصغير، ص (٣٢٧)، المختصر الكبير، ص (١١١).
[ ١ / ١٩٧ ]
وَأَيُّ الأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الحَاجَةُ وَالفَاقَةُ، أُوثِرَ ذَلِكَ الصِّنْفُ بِقَدْرِ مَا يرَى أَهْلُهُ لِحَاجَتِهِ وَفَاقَتِهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَيُؤْثِرُوا عَلَى مَنْ أُوثِرَ عَلَيْهِمْ بِانْتِقَالِ الحَاجَةِ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ.
وَعَامِلُهَا (^١) يُعْطَى مِنْهَا بَقَدْرِ مَا يَرَاهُ الإِمَامُ، وَلَيْسَ الثُّمُنُ لَهُ فِي ذَلِكَ بِفَرِيضَةٍ (^٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠]، الآية، فعرَّفنا الله الأصناف الذين يُعطون، ووَصَفَهم بصفاتٍ من فقرٍ ومسكنةٍ وغُرمٍ وسبيل الله وعمَالةٍ، فوجب أن يُعطَوا على حسب صفاتهم وحاجتهم، فمن كان أشد وصفًا وحاجةً كان أكثر استحقاقًا للصدقة.
ولم تجب أن تقسم أثمانًا، وإن كان الله تعالى ذكرها في الأصناف، كما لم يجب أن يُعطى العامل الثُّمنَ فريضةً لا تزاد ولا تنقص وإن كان أحد المذكورين، فكذلك سائر الأصناف؛ لأنهم إنَّما يعطون بمعانٍ، فمن كان أحوج كان أولى وجاز تفضيله.
ألا ترى: أنَّ الله تعالى قد سوى بين الفقراء والمساكين في العطية، ثم جاز تفضيل فقيرٍ على فقيرٍ ومسكينٍ على مسكينٍ لحاجته إلى ذلك، فكذلك يجوز تفضيل صنفٍ على صنفٍ لحاجته إلى ذلك، وإن كان قد سوَّى بينهم في اللفظ.
_________________
(١) قوله: «وَعَامِلُهَا»، كذا في شب، وهو في المختصر الصغير، ص (٣٢٨)، وفي المطبوع: «وغيرها».
(٢) المختصر الصغير، ص (٣٢٧)، المختصر الكبير، ص (١١١)، الموطأ [٢/ ٣٧٨]، المدونة [١/ ٣٤٢]، مختصر أبي مصعب، ص (٢١٣)، التفريع [١/ ٢٩٨].
[ ١ / ١٩٨ ]
ومما يدل على صحة ما قلنا، أنا وجدنا العطايا على وجهين:
(فوجهٌ يُعطى الإنسان بعينه، كزيدٍ وعمرو، فمتى مات المُعْطَى، كان ذلك الشيء لورثته أو للمعطي، على حسب ما يقول أهل العلم، أعني: من الصدقات والهبات والوصية، ليس يُرَدُّ إلى من معه في العَطِيَّةِ، كأنه أعطى لزيدٍ ولعمرو درهمًا أو أوصى لهما بذلك، فمات واحدٌ منهما أو فُقِدَ، لم يرجع نصيبه إلى الآخر في العطية.
(وكذلك من أُعْطِيَ بصفةٍ، مثل أن يُعْطِي الفقراء والمساكين والعلماء والجيران، أو أوصى لهم بذلك، فإنَّ عطيَّته تُقْسَم على حسب ما يخص الأصناف، فمتى عُدِمَ صنفٌ أو مات، لم ترجع حصته إلى الباقين من الأصناف، لكنها ترجع إلى المُعْطَى أو إلى ورثته، وهذا في عطايا الآدميين.
فلو لم يجز في الزَّكاة أن يُفَضَّل صنفٌ على صنفٍ، أو يُعْطَى صنفٌ دون صنفٍ مع وجود الأصناف، لما جاز أن ترد إليه مع عدمه، كما لم يجز ذلك فيما ذكرناه من عطايا الأدميين، سواءٌ كان المُعْطَون بأعيانٍ أو صفاتٍ.
فلما جاز عند مخالفنا (^١) في هذه المسألة أن يرد حق صنفٍ مع عدمه في الزَّكاة إلى الصنف الآخر، ولم يجز ذلك في سائر العطايا مع عدم الصنف الذي معه، ثبت بهذا أنَّهُ يجوز في الزَّكاة أن يُعْطى صنفٌ أكثر من صنفٍ، أو يُعْطَى
_________________
(١) المخالف في هذه المسألة هم الشافعية، ينظر: الحاوي [١٠/ ٥٤٠]، المجموع مع شرحه المهذب [٦/ ١٣٢].
[ ١ / ١٩٩ ]
صنفٌ دون صنفٍ مع وجوده، ولو لم يجز ذلك مع الوجود، لما جاز مع عدمه، والله أعلم.
فإن قيل (^١): فقد روي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ قال: «إِنَّ اللهَ ﷿ لَمْ يَرْضَ فِي الصَّدَقَاتِ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، حَتَّى جَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ» (^٢)؟
قيل له: روى هذا الحديث سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد (^٣)، عن زياد بن نعيم (^٤)، عن زياد بن الحارث الصدائي، قال: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» الحديث، وعبد الرحمن بن زياد هذا ضعيف الحديث، يعرف بالأَفْرِيقِي، ترك أحمد بن حنبل حديثه؛ لأنَّهُ منكر الحديث (^٥).
وقد روي عن جماعةٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ خلاف هذا، منهم: عمر، وابن عباس، وحذيفة، ومحال أن يذهب عنهم الصواب في ذلك وفعل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ فيه، والزَّكاة فهو حكمٌ يكثر نزوله بالناس، وليس يجوز أن يذهب ذلك على من ذكرناه من الصحابة.
_________________
(١) ينظر الاعتراض في: الحاوي [١٠/ ٥٤٣].
(٢) أخرجه أبو داود [٢/ ٣٥٧]، وهو في التحفة [٣/ ١٩٠].
(٣) عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، ضعيفٌ في حفظه، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (٥٧٨).
(٤) زياد بن ربيعة بن نعيم بن ربيعة الحضرمي المصري، ثقةٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٣٤٥).
(٥) ينظر: تهذيب التهذيب [٢/ ٥٠٥].
[ ١ / ٢٠٠ ]
فروى حفص بن غياثٍ (^١)، عن ليثٍ (^٢)، عن عطاء (^٣): «أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَضَعُ الصَّدَقَةَ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِمَّنْ سَمَّى اللهُ سُبْحَانَهُ» (^٤).
وروى وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال (^٥)، عن زر (^٦)، عن حذيفة، قال: «إِنْ جَعَلَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ» (^٧).
وروى سليمان بن حرب (^٨)، قال: حدثنا وهيب (^٩)، قال: حدثنا عطاء بن
_________________
(١) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي القاضي. ثقةٌ فقيهٌ تغيَّر حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة. تقريب التهذيب، ص (٢٦٠).
(٢) الليث بن أبي سليم بن زنيم، صدوقٌ اختلط جدًا، ولم يتميز حديثه فترك، من السادسة. تقريب التهذيب، ص (٨١٧).
(٣) عطاء بن أبي رباح القرشي، مولاهم المكي، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال. من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٦٧٧).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٥٢٤].
(٥) المنهال بن عمرو الأسدي، مولاهم الكوفي، صدوقٌ ربما وهم، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص (٩٧٤).
(٦) زر بن حبيش بن حباشة الأسدي الكوفي، ثقةٌ جليلٌ مخضرمٌ، من الثانية. تقريب التهذيب، ص (٣٣٦).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة [٦/ ٥٢٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٣/ ٣٧٦].
(٨) سليمان بن حرب الأزدي الواشحي البصري، قاضي مكة، ثقةٌ إمامٌ حافظٌ، من التاسعة. تقريب التهذيب، ص (٤٠٦).
(٩) وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغيَّر قليلًا بآخره، من السابعة. تقريب التهذيب، ص (١٠٤٥).
[ ١ / ٢٠١ ]
السائب، عن سعيد بن جبير (^١)، عن ابن عباس: «﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، حَتَى خَتَمَهَا، فِي أَيِّهَا وَضَعْتَ أَجْزَأَكَ» (^٢).
وهذا قول جماعة من التابعين وعلماء أهل المدينة والكوفة (^٣).
•••
_________________
(١) سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص (٣٧٤).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير [٦/ ١٨١٧]، من طريق عطاء بن السائب به.
(٣) هذا آخر كتاب الزَّكاة، وبعده كتاب الصّيام.
[ ١ / ٢٠٢ ]