وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في التولية والعزل، وفيه فصلان:
الفصل الأول: في التولية، وفيه مسائل
المسألة الأولى: إن القيام بالقضاء والإمامة فرض على الكفاية لما فيه من مصالح العباد، من فصل الخصومات، ورفع التهارج، وإقامة الحدود، وكف الظالم، ونصر المظلوم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والحكم بالعدل من أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الأجر، قال الله تعالى [فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين). وقال رسول الله ﷺ: "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة".
ولكن خطره عظيم، لأن الجور في الأحكام واتباع الهوى فيها من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، قال الله ﷿: (وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا) وقال رسول الله ﷺ "إن أعتى الناس على الله، وأبغض الناس إلى الله، وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله من أمة محمد شيء اثم لم يعدل (فيهم).
فالقضاء محنة، ومن دخل فيه فقد ابتلى بعظيم، لأنه عرض نفسه للهلاك، إذ التخلص منه على من ابتلى به عسير، ولذلك قال ﷺ: "من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين". وفي
[ ٣ / ١٠٠١ ]
رواية ابن أبي ذؤيب: فقد ذبح بسكين. فلا ينبغي أن يقدم عليه إلا من وثق نفسه وتعين له، أو أجبره الإمام العدل عليه. وللإمام العدل إجباره إذا كان صالحًا، وله هو أن يمتنع ويهرب بنفسه عنه، إلا أن يعلم تعينه له فيجب عليه القبول، وذلك إذا تحقق أنه ليس في تلك الناحية من يصلح للقضاء سواه، فلا يجوز له الامتناع حينئذ لتعين الفرض عليه. ولا يأخذه بطلب، لقوله ﷺ: "إنا، والله، لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدًا حرص عليه". ولا يولي وإن اجتمعت فيه شرائط التولية خشية أن يوكل إلى نفسه فيعجز، كما تضمنه الحديث: "إن من طلب القضاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله عزل وجل ملكًا يسدده" أخرجه أبو عيسى واستحسنه.
المسألة الثانية: في صفات القاضي، وهي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يشترط في صحة التولية، ويقتضي عدمه الانفساخ وهي: أن يكون ذكرًا، حرًا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، عدلًا، عالمًا، من أهل الاجتهاد والنظر، متوحدًا.
فعدم شيء من هذه الصفات يمنع صحة العقد ابتداء، (ويفسخ) وينفسخ العقد بحدوثه، فلا تصح تولية المرأة والعبد وغير العاقل، والصبي، والكافر، والفاسق، والجاهل، ولا المقلد إلا عند الضرورة.
قال القاضي أبو بكر: "فيقضي حينئذ بفتوى مقلدة بنص النازلة (قال): فإن قاس على قوله، أو قال: يجيئ من هذا كذا، فهو متعد". قال: "ولا تحل تولية مقلد في موضع يوجد فيه عالم، فإن) تقلد فهو جائر متعد، لأنه قعد في مقعد غيره، وليس خلعه سواه من غير استحقق". ولا تصح تولية حاكمين معافي كل قضية. ولا تصح تولية الفاسق كما تقدم. وقال أصبغ: تصح توليته ويجب عزله، فالحق وصف العدالة بالقسم الثاني. وجوز الشيخ أبو
[ ٣ / ١٠٠٢ ]
الوليد تولية غير العالم، ورأى كونه موصوفًا بالعلم مستحبًا لا شرطًا في الصحة ولا في الإبقاء.
القسم الثاني: ما يقتضي عدمه الفسخ وإن لم يشترط في الصحة، وذلك كاشتراط كونه سميعًا بصيرًا متكلمًا، فعدم بعض هذه، يقتضي أن يفسخ العقد سواء تقدمت أضدادها عليه أو طرأت بعده، وينفذ ما مضى من أحكامه إلى حين العزل وإن كانت موجودة حين الحكم.
القسم الثالث: ما لا يشترط في الانعقاد ولا في الإبقاء، ولكنه يُسْتحبُّ في القاضي. قال الشيخ أبو الوليد: "مثل أن يكون ورعًا، غنيًا ليس بمديان ولا بمحتاج. من أهل البلد، معروف النسب، ليس بولد زنى، ولا بابن لعان، جزلًا نافذًا فطنًا غير مخدوع لغفلة، ليس محدودًا في زنى ولا قذف، ولا مقطوعًا في سرقة، ذا نزاهة عن الطمع، مستخفًا بالأئمة يدير الحق على من دار عليه، ولا يبالي من لامه على ذلك، حليمًا عن الخصوم، مستشيرًا لأولي العلم".
وقال أبو القاسم بن محرز: ليس يتأتى له القيام بما نصب له حتى يكون ذا نزاهة ونصيحة ورحمة وصلابة. ليفارق بالنزاهة من يطمع ويتشوف لما في أيدي الناس، وبالنصيحة من يريد الظلم ولا يبالي بإيقاع الغش في الخطأ والغلط، وبالرحمة حال من يقسو قلبه فلا يرحم اليتيم والصغير، ولا ينهض بنصر المظلوم، وبالصلابة حال من يضعف عن استخراج الحقوق، وعلى الإقدام على (ذوي) السلطنة والقهر والظلم.
وقال القاضي أبو محمد: "ينبغي أن يكون فطنًا متيقظًا، كثير التحرز من الحيل، وما يتم مثله على المغفل والناقص أو التهاون، وأن يكون عالمًا بالشروط عارفًا بما لابد منه من العربية واختلاف معاني العبارات، فإن الأحكام تختلف باختلاف العبارات في الدعاوى والأقدار والشهادات، ولأن كتاب الشروط هو الذي يتضمن حقوق المحكوم له وعليه، والشهادة تسمع فيه، فقد يكون العقد واقعًا على وجه يصح أول لا يصح، فيجب أن يكون له علم (بتفصيل) ذلك ويجمله". قال: "وينبغي أن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة ليستعين بهم على ما هو بسبيله، ويقوي بهم على (التوصل) إلى ما ينوبه، ويخففون عنه فيما يحتاج إلى الاستنابة من النظر في الوصايا والأحباس والقسمة وأموال الأيتام وغير ذلك مما ينظر فيه".
[ ٣ / ١٠٠٣ ]
وقال الأستاذ أبو بكر: وليس يكتفي بالعقل الذي يشترط في التكليف وهو استدلاله بالشاهد على الغائب (وعلم) بالمدركات الضرورية، بل لابد أن يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيدًا من السو والغفلة، حتى يتوصل بذكائه إلى وضوح ما أشكل، وفصل ما أعضل. قال: وليس يستحسن، أيضًا، الزيادة في هذا الباب حتى يفضي بصاحبه إلى الدهاء والمكر والخبث الخدع، فإن هذا مذموم، محذر منه، غير مأمون إليه، والناس منه في حذر، وهو من نفسه في تعب. وقد أمر عمر بن الخطاب ﵁ بعزل زياد بن أبيه وقال له: كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك، وكان من الدهاة.
فرع: قال المتأخرون. "ليس لأصحابنا في تولية الأمي الذي لا يكتب وإن كان عالمًا عدلًا، نص. وحكوا عن أصحاب الشافعي وجهين الجواز والمنع". ثم اختار القاضي أبو الوليد الجواز.
وقال الشيخ أبو الوليد: "الأظهر عندي الجواز"، وذكر تعليله، "ثم قال: وإن للمنع من ذلك لوجهًا، لما فيه من تضييق وجوه الحكم".
المسألة الثالثة: في استخلاف القاضي.
وإذا نهى عن الاستخلاف لم يكن له أن يستخلف، وإن أذن له فيه استخلف على مقتضى الإذن، فن تجرد عقد التولية عن النهي والإذن جميعًا فقال ابن الماجشون ومطرف وأصبغ: ليس لقاضي الخليفة استخلاف قاض مكانه إذا كان حاضرًا يحكم ولا إن عاقه ما يعوق من
[ ٣ / ١٠٠٤ ]
الشغل، فأما إن سافر قال في كتاب ابن حبيب: "إن مرض فله أن يجعل في مكانه من يقوم مقامه وينفذ أموره، ولا يكون متعديًا من استقضاه. وقال سحنون: لا يستخلف وإن سافر أو مرض إلا بإذن الخليفة.
ثم تشترط في الخليفة صفات القضاة، إلا إذا لم يفوض إليه إلا سماع الشهادة والنقل فلا يشترط من العلم إلا معرفة ذلك القدر، وليس له أن يشترط على النائب الحكم بخلاف اجتهاده أو بخلاف معتقده إذا جوزنا تولية المقلد عند الضرورة.
(قال الأستاذ أبو بكر: وللإمام إذا اعتقد مذهبًا من المذاهب مثل مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أن يولي القضاء من يعتقد خلاف مذهبه، لأن لواجب على القاضي أن يجتهد رأيه في قضائه، ولا يلزم أحدًا من المسلمين أن يقلد في النوازل والأحكام من يعتري إلى مذهبه، فمن كان مالكيًا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقوال مالك. وهكذا القول في سائر المذاهب، بل أينما أداه اجتهاده من الأحكام صار إليه".
قال: "فلو شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين من أئمة المسلمين ولا يحكم بغيره فالعقد صحيح، والشرط باطل، كان موافقًا لمذهب المشترط أو مخالفًا له".
قال: وأخبرني القاضي أبو الوليد قال: "كان الولاة عندنا بقرطبة إذا ولوا القضاء رجلًا شرطوا عليه في سجله ألا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده". قال الأستاذ أبو بكر: "وهذا جهل عظيم منهم".
المسألة الرابعة:
لو نصب في بلدة قاضيان، كل واحد يختص بطرف جاز. وكذلك لو أثبت الاستقلال لكل واحد منهما، فن شرط اتفاقهما في لك حكم لم يصح، كما تقدم. ثم إذا تنازع الخصمان في لاختيار، أو ازدحم متداعيان، فالقرعة.
المسألة الخامسة: في التحكيم.
وهو جائز في الأموال وما في معناها. ولا يقيم لمحكم حدًا، ولا يلاعن، ولا يحكم في قصاص أو قذف أو طلاق أو عتاق أو نسب أو ولاء. ولا يشترط دوام الرضا إلى حين نفوذ
[ ٣ / ١٠٠٥ ]
الحكم، بل لو أقاما البينة عنده ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم، قضى بينهما، وجاز حكمه. وقال أصبغ: لكل واحد منهما الرجوع ما لم ينشبا في الخصومة عنده فيلزمهما التمادي فيها، كما ليس لأحدهما، إذا تواضعا الخصومة عند القاضي (و) (أن) يوكل وكيلًا أو يعزله. وقال سحنون في كتاب ابنه: لكل واحد منهما الرجوع ما لم يمض الحكم. وقال ابن الماجشون: ليس لأحد ما الرجوع، كان ذلك قبل أن يقاعد صاحبه أو بعدما ناشبه الخصومة، وحكمه لازم لهما.
ثم إذا حكم المحكم فليس للقاضي أن ينقض حكمه وإن خالف مذهبه، إلا أن يكون جورًا بينًا لم يختلف فيه أهل العلم.
فرعان:
الفرع الأول: حيث قلنا: لا يحكم، فلو حكم بغير الجور نفذ حكمه، وينهي عن العود لمثله. ولو أقام ذلك بنفسه فقتل أو اقتص أو ضرب الحدود لأدب وزجر، ومضى ما كان صوابًا من حكمه، وكان المحدود بالقذف محدودًا والتلاعن ماضيًا.
الفرع الثاني: قال مطرف وابن الماجشون: إذا حكم الخصمين صاحبه فحكم لنفسه أو عليها جاز ومضى ما لم يكن جورًا بينًا، قالا: وليس تحكيم الخصم خصمه كتحكيم خصم القاضي له. وقال أصبغ في تحكيم خصم القاضي له: لا أحبه، فإن وقع مضى ذلك، وليذكر في حكمه رضاه بالتحاكم إليه.
وإذا حكم الخصمان عبدًا أو امرأة أو مسخوطًا وكافرًا أو معتوهًا أو صبيًا أو موسوسًا لم ينفذ حكمه. وقال أشهب: إذا كان حكم العبد أو المرأة أو الحر المسخوط مما يختلف فيه الناس فهو ماض.
الفصل الثاني: في العزل، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في الانعزال.
وينعزل بطريان ما لو قارن التولية لمنع انعقادها كالكفر والجنون وما ذكر معهما، وكذلك طريان الفسق على المشهور، وهو رأي القاضي أبي الحسن. وقال أصبغ: لا ينعزل بطريانه، ولكن يجب على الإمام عزله عند ذلك.
المسألة الثانية: في جواز العزل.
"قال أصبغ: ينبغي للإمام أن يعزل من قضاته من يخشى عليه الضعف والوهن أو بطانة
[ ٣ / ١٠٠٦ ]
السوء، وإن أمن عليه الجور في نفسه". "وقال مطرف: إذا كان قاضي الإمام مشهورًا بالعدالة والرضا فلا يعزله بالشكية فقط وإن منه بدلًا، وإن لم يكن مشهورًا بذلك فليعزله إذا وجد منه بدلًا وتظاهرت الشكية عليه، وإن لم يجد منه بدلًا كشف عنه، فإن كان على ما يجب أمضاه، وإن كان على غير ذلك عزله وولي غيره. وقال اصبغ: أحب إلي أن يعزله بالشكية وإن كان مشهورًا بالعدالة والرضا، إذا وجد بدلًا ف يحاله، لما في ذلك من صلاح الناس وكسر الولاة القضاة عنهم والتفريج لهم فيما بين ذلك. وقد عزل عمر سعدًا على الشكية فقط، وسعد (أنفذ) صحة (وأظهر) براءة من جميع من يكون بعده إلى يوم القيامة. قال: وإذا عمت الشكاية وتظاهرت فليوقفه بعد العزل للناس، فيرفع من يرفع، ويحقق من يحقق، فقد أوقف عمر سعدًا، فلم يصح عليه شيء من المكروه. ﵄. "وقال أشهب ف يالمجموعة: إذا اشتكى القاضي في أحكامه وميله بغير الحق، فينبغي للإمام أن ينظر في أمره، قل شاكوه أو كثروا، فيبعث إلى رجال من أهل بلده ممن يوثق بهم، فيسألهم عنه سرًا، فإن صدقوا قول الشكاة عزله، ونظر في أقضيته، فيمضي ما وافق الحق، ويرد ما خالفه، وإن قال من سألهم عنه: لم نعلم إلا خيرصا، وهو عدل عندنا، أثبته، وتفقد أقضيته، فما خالف السنة رده، وما وافقها أمضاه، ويحمل على أنه لم يعتمد جورًا، ولكنه أخطأ.
ثم قال: وقد عزل عمر ﵁ سعد بن أبي وقاص رضي الله عن الكوفة بالشكية، وقال: والله لا يسألني قوم عزل أميرهم ويشكونه إلا عزلته عنهم.
قال سحنون: وعزل عمر شرحبيل بن حسنة ف قال له: أعن سخطة عزلتي؟ قال: لا، ولكن وجدت من هو مثلك في الصلاح وأقوى على عملك منك، فلم أره يحل لي إلا ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، إن عزلك عيب، ف أخبر الناس بعذري، ففعل عمر. قال أشهب ومطرف: وينبغي للإمام أن لا يغفل عن التفقد لقضاته، فإنهم سنام أمره ورأس سلطانه، فلينظر في أقضيتهم ويتفقدها، وينظر لرعيته في أمورها وأحكامها، وظلم بعضها لبعض، فإن الناس قد دخلوا وصار بعضهم يشبه بعضًا، ليس لبعضهم، من الفضل على بعض، ما يسع الإمام أن يتخلى منهم وأن يكلمهم إلى قضاتهم
[ ٣ / ١٠٠٧ ]
وكان عمر ﵁ يقدم أمراءه كل عام ويقدم معهم من أهل عملهم رجالًا، فإذا أرادوا [إبدال] عاملهم عزله وأمر غيره.
ثم حيكث عزل الإمام قاضيًا، فإن كان لريبة وعن سخطه فحق عليه شهرته وإذاعة سخطه، وإن كان عزله لغير ريبة فليخبر الناس ببراءته إن شاء كما فعل عمر ﵁ بشرحبيل.
وإذا مات الإمام الأعظم، فلا بأس أن ينظر قضاته وحكامه حتى يعلموا رأي من بعده. وكذلك القاضي يوليه والي المصر ثم يعزل الوالي، فهو قاض حتى يعزله الذي ولي بعده.
ولو مات القاضي وقد استخلف مكانه رجلًا وقال له: سد مكاني ونفذ ما كنت صدرت فيه للقضاء، واقض إلى أن تصرف أو تثبت، فلا قضاء له ولا سلطان. وليس للقاضي أن يستخلف من يقضي بعد موته.
المسألة الثالثة:
لو قال بعد العزل: قضيت بكذا، لم يقبل كما قبل العزل، بل هو أولى بعدم القبول. ولو شهد مع عدل أنه قضى بكذا لم يقبل حتى يشهد عدلان في حالتي التولية والعزل.
الباب الثاني: في جامع آداب القضاء
وفيه فصول:
الفصل الأول: في آداب متفرقة، وهي عشرة:
الأدب الأول: أنه يبتدئ بالكشف عن حال المحبوسين، فيطلق من حبس في ظلم أو في تعزيز وبلغ حده. ثم ينظر في الأوصياء وأموال الأطفال إذ لا رافع لوقائعها إليه.
قال أصبغ: ينبغي للقاضي إذا قعد للقضاء أن يأمر بمناد ينادي عنه في الناس: إن كل يتيم لم يبلغ ولا وصي له ولا وكيل، وكل سفيه مستوجب الولاية فقد منعت الناس من متاجرته ومداينته، ومن علم مكان أحد من هؤلاء فليرفعه إلينا لنولي عليه ونحجز. فمن داينه بعد منادي القاضي، أو باع من أو ابتاع، فهو مردود.
الأدب الثاني: أن يروي بعد ذلك في ترتيب الكاتب والمزكي والمترجم. قال ابن سحنون: لما ولي سحنون القضاء بعد أن أدير عليه عامًا، وغلظ عليه، وحلف الأمير عليه، وأتى من عزمه عليه ما أخافه وأنصف في قوله، وخاف أن يكون أمرًا لزمه لا
[ ٣ / ١٠٠٨ ]
يقوم غيره فيه مقامه، فولي في الثلث من شهر رمضان، فأقم أيامًا بعدما ولي لا ينظر من الناس في شيء يلتمس أعوانًا، ثم قعد في التاسع من الشهر المذكور.
وليكن الكاتب عدلًا مرضيًا، قال أصبغ: ويكون مرضيًا مثله أو فوقه، ولا يغيب عنه على كتابه.
ويشترط العدد في المزكي والمترجم دون الكاتب. وقال الشيخ أبو إسحاق: إن ترجم عنه واحد أجزأ. واختار القاضي أبو الحسن أنه إن كان الإقرار بمال قبل في الترجمة شاهد وامرأتان. وروى أشهب وابن نافع: يترجم للقاضي رجل ثقة مسلم مأمون. واثنان أحب إلينا، والواحد يجزي. ولا تقبل ترجمة كافر أو عبد أو مسخوطين، ولا بأس أن تقبل ترجمة امرأة إذا كانت عدلًا، وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون مثل ذلك، قالوا: إذا كان ذلك مما تقبل فيه شهادة النساء.
الأدب الثالث: أن يتخذ للقضاء مجلسًا قريبًا من الناس، يصل إليه (فيه) الضعيف والمرأة. قال ي الكتاب: "والقضاء والقضاء في المسجد من الحق وهو من الأمر القديم". قال: "وهو إذا كان في المسجد رضي بالدون من المجلس، ووصل إليه الضعيف والمرأة، وإذا احتجب لم يصل إليه الناس. ولا بأس أن يقضي في رحاب المسجد الخارجة"، بل قد استحب، في رواية مطرف وابن الماجشون، إذ يصل إليه الضعيف والمراة والذمي والحائض.
(وقد قال مالك) كان من أدركت من القضاة لا يجلسون إلا في الرحاب خارجًا، إما عند موضع الجنائز، وإما في رحبة دار مروان، وما كانت تسمى إلا رحبة القضاة، وإني لأستحب
[ ٣ / ١٠٠٩ ]
ذلك في الأمصار من غير تضيق ليصل إليه اليهودي والنصراني والحائض. وحيثما جلس القاضي المأمون فهو جائز).
ولا تقام الحدود في المسجد، وإن جاز أن يعزر فيه الأسواط اليسيرة كالخمسة والعشرة ونحوها. وله أن يتخذ بوابًا وحاجبًا.
الأدب الرابع: قال مالك: "وينبغي أن يجعل لجلوسه ساعات من النهار (إلا أني) أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفسه نهاره كله". (وقال مطرف وابن الماجشون: ولا بأس أن يتخذ القاضي أوقاتًا يجلس فيها للناس، وينظر في ذلك بالذي يرفق به وبالناس، وليس بالمضيق عليه في هذا حتى يصير كالمملوك أو الأجير، قالا: ولا ينبغي له أن يجلس بين المغرب والعشاء، ولا بالأسحار، إلا في الأمر يحدث ويرفع إليه لما لابد له منه، فلا بأس أن يأمر وينهي ويأمر بالسجن ويرسل [الأمين] أو الشرط، أو ما أشبه هذا من الأمر.
(قالا: وكذلك قضاؤه في الطريق في ممره إلى المسجد، أو إلى بيته، لا ينبغي ذلك إلا أن يكون أمر عرض له واستغيث (به) ورفع إليه، فلا بأس أن يأمر فيه وينهي، ويأمر بالسجن إذا رآه صوابًا، فأما الحكم الفاصل فلا).
وقال فضل بن سلمة: أما أشهب فأجاز أن يجلس القاضي بين المغرب والعشاء، وبعد أذان الظهر، وبعد صلاة الصبح، ما لم يجعله مجلسًا يجبر عليه العامة ولا بأس أن يحكم فيه
[ ٣ / ١٠١٠ ]
على الفداء الفذ شاء أو أبى. وأجاز أن يحكم بين الخصمين في ممره إلى المسجد، وخالفه سحنون.
(وقال محمد بن عبد الحكم: لا ينبغي أن يجلس القاضي أيام النحر، ولا يوم الفطر، ولا ما قاربه مما يضر بالناس فيه في حوائجهم مما لابد لهم منه، مثل يوم عرفة والتروية وما أشبه ذلك مما جرى عليه أمر الناس. قال: وكذلك إذا كثر المطر والوحل وأضر ذلك بالطريق ترك الجلوس. وكذلك اليوم الذي يخرج فيه عامة الناس إلى الحج لكثرة من يخرج لتشييعهم. قال: وكذلك يوم يقدمون إن كان الناس يجتمعون فيه في البلد كما يجتمعون فيه بمصر.
الأدب الخامس: لا يقضي في حالة غضب ولا جوع، ولا في حالة يسرع إليه الغضب، أو يدهش عن تمام الفكرز.
وما حكم به فليكتب به محضرًا يشرح فيه الدعوى والإنكار، واسماء البينة، وأسماء المتداعين وأنساب الجميع، وما يعرفون به، وما حكم به بينهما، ويحفظه في خريطة أو جراب أو غيره، ويختم عليه حتى لا ينسى، ويكتب عليه خصومة فلان وفلان، في شهر كذا من سنة كذا، ويجعل [خصومة] كل شهر على حدة.
الأدب السادس: أن يحكم بمحضر عدول ليحفظوا إقرار الخصوم خشية رجوع بعضهم عما يقول. ولو كان ممن يقضي بعلمه لكان أخذه بما لا خلاف فيه أحسن، وليكن حكمه بشهادتهم لا بعلمه. قال أشهب ومحمد: ولا نحب أن يقضي إلا بحضرة أهل العلم ومشاورتهم. قال محمد: وكان عثمان ﵁ إذا جلس أحضر أربعة من الصحابة ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا ينبغي للقاضي أن يجلس الفقهاء معه في مجلس قضائه، ولكنه يتخذهم مشيرين إذا ارتفع عن مجلس قضائه أرسل إليهم واستشارهم كفعل عمر ﵁ مع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. قال محمد بن عبد الحكم: وليس ينبغي لأحد أن يترك المشاورة، ولا ينبغي له أن يثق بأمر نفسه، ولا يدخل الإمام في ذلك عجب، ولا
[ ٣ / ١٠١١ ]
يدخله من فعل ذلك استكبار، فغن سلف هذه الأمة وخيار الصحابة ﵃ كانوا يسألون عما نزل بهم، فصعد أبو بكر ﵁ المنبر يسأل عن الجدة، وكان عمر ﵁ يأتي زيد بن ثابت رحمة الله عليه في أمر الجد وميراثه، وسأل عمر أيضًا عن ميراث المرأة في دية زوجها.
ولا يفتي القاضي فيما يختصم إليه فيه، ولا يمتنع من الفتوى في الزكاة والصلاة والطهارة والحج والمحيض وأنواع الفقه غير الخصومات، ولا يجيب من سأله فيما يتعلق بالخصومات، إلا أن يجيب المتفقهين في جميع ذلك.
واختار بن عبد الحكم أنه لا بأس أن يجيب ويفتي في كل ما سئل عنه مما عنده فيه علم، واحتج بأن الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم كانوا يفتون الناس في نوازلهم. ولا بأس أن يجلس القاضي في مجالس العلم، فيعلم أو يتعلم، كل ذلك حسن.
الأدب السابع: أن لا يشتري بنفسه، ولا بوكيل معروف، حتى لا يسامح في البيع. قال محمد بن عبد الحكم: وليس بين شرائه بنفسه وبين توكيله بذلك فرق. قال: ولا يوكل إلا من يأمنه على دينه، لئلا يسترخص له بسبب الحكم وما أشبه ذلك.
قال مطرف وابن الماجشون: وينبغي للقاضي أن يتورع عن طلب الحوائج والعواري من الماعون والدابة يريد ركوبها وما أشبه هذا، أو السلف، أو أن يقارض أحدًا، أو يبضع مع أحد. ولا يحضر ولائم الخصمين، ولا ينبغيله أن يحضر ولائم غيرهما الخاصة، فأما العامة، فإن كانت وليمة النكاح حضرها، ثم إن شاء أكل وترك ذلك أحب إلي من غير كراهية، وإن كانت لغير النكاح فأجيز له الحضور وكره، إلا ما كان من جهة ولده أو والده أو شبههما من خاصته.
ولا يقبل الهدية ممن له خصوم’ ولا ممن ليست له خصومة، ولو كان ممن يقبلها منه قبل الحكم، أو كافأ عليها أضعافها، إلا من والده أو ولده ومن أشبههم من خاصة القرابة، فإن قبلها [فهي] سحت.
قال مطرف وابن الماجشون: ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، ويستحب أن تكون فيه عبوسة من (غير غضب)، وأن يلزم التواضع والتقرب في غير وهن ولا ضعف ولا ترك لشيء من الحق، ولا يرى الناس منزلة لأحد عنده، ولا يدعو إلى أحد في عدالة ولا
[ ٣ / ١٠١٢ ]
شهادة، ولا ينبغي له أن يكثر الداخلون إليه، ولا الركاب معه، ولا المستخلون به في غير ما خاصة كانت منهم به قبل ذلك، إلا أن يكونوا أهل أمانة ونصيحة وفضل في أنفسهم فلا بأس به.
وقالا أيضًا: وينبغي للقاضي، (أيضًا)، أن يمنع أهل الركوب معه في غير حاجة ولا رفع مظلمة ولا خصومة، فإن ذلك إذا وافقه كبرت نفسه وعظم عنده سلطانه، ويحسب القاضي من معرفة الرجل بحال قبيحة أن يصحبه في غير حاجة ولا رفع مظلمة ولا خصومة، وحق عليه أن يمنع من ذلك، لأنهم إنما يلزمون ذلك لاستنكال الناس به، واختداعهم عليه بإظهار المنزلة عنده.
قالا: وينبغي للقاضي أن يتقدم إلى أعوانه والقوام عليه في الخرق والشدة على الناس، ويأمرهم بالرفق واللين والق ب منهم في غير ضعف ولا تقصير عن شيء مما ينبغي ولو كان يستغني عن الأعوان أصلًا كان ذلك أحب إلينا، إلا أن يضطر فيخفف منهم ما استطاع.
الأدب الثامن: قال مطرف وابن المجاشون: إذا شتم أحد الخصمين صاحبه عند القاضي أو أسرع إليه بغير حجة، مثل قوله: يا ظالم، يا فاجر، ونحو هخذا، فعليه أن يزجره (عنه)، (ويضرب) على (مثل) هذا، ما لم تكن فلتة من ذي مروءة، فيتجافى عن ضربه، حتى يكون جلوسهما عنده بسمت ووقار، فإنه (من) م ينصف الناس في أعراضهم لم ينصفهم في أموالهم.
(قالا: (و) ينبغي للقاضي إن لمزه أحد الخصمين بما يكره أن يعزره، والأدب في مثل هذا عندنا من العفو عنه.
وليخف الناس بلزوم الحق واتباعه. قال محمد بن عبد الحكم: وإن قال له الخصم: اتق الله في أمري وأذكرك الله، أو ما أشبه هذه الأفلاظ، فلا يعظم ذلك عليه، ولا يغلظ في القول، ولا يضرب عن سماع حجة إن ظهرت له، بل ينبغي له أن يثبت ويجيبه بجواب لين كقوله رزقني الله تقواه، وما أمرت إلا بخير، وإنه يجب علي وعليك أن نتقي الله، ويبين له من أين يحكم عليه، ويقول: إني أرى من تقوى الله أن آخذ منك الحق إذ بان، أو يقوله له: لولا تقوى الله ما حكمت عليك، وشبه هذا. قال: وأحب أن يجعل القاضي رجالًا من إخواته، يثق
[ ٣ / ١٠١٣ ]
بدينهم ويصدقهم ومعرفتهم، يخبرونه بقول الناس فيه من أخلاقه وما ينكرونه عليه، وإنكار حكم إن حكم به فأنكروه، وشاهد إن أجازه أو طرحه فأنكروه. فإذا أخبروه بذلك سأل عن ذلك وفحص واستقصى فيه، فإن ذلك قوة له على أمره إن شاء الله).
وإذا ظهر للقاضي كذب الشاهد عزره على الملإ، ونادى عليه، ورأى القاضي أبو بكر أن يسود وجهه.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا صح على رجل أنه يشهد بالزور، وأنه يأخذ على شهادته الجعل ويشهد، رأيت أن يطاف به، ويشهر في المجالس والخلق، وحيث ما يعرفه جماعة الناس، ويكتب بذلك القاضي عليه كتابًا يشهد فيه وينسخه نسخًا، ويستودعه من يثق به في دينه وأمانته، ويضربه مع ذلك ضربًا موجعًا، ولا يحلق له رأسًا ولا لحية. قال: ولست أرى أن تجوز له شهادة أبدًا إذا كان ظاهر العدالة حين يشهد، لأن هذا منه رياء ليس على الديانة، وهذا لا تكاد تعرف توبته.
الأدب التاسع: قال مطرف وسحنون: لا يقضي لولده ولا لأحد ممن لا تجوز شهادته له. وقال أصبغ في كتابه: يجوز حكمه للجميع.
وقال ابن الماجشون: يجوز للجميع إلا لزوجته ويتيمه الذي يلي ماله، ولا يتهم في الحكم كما يتهم في الشهادة. وقال أصبغ أيضًا مثل قول مطرف: إذا قال: ثبت له عندي، ولا يدري أثبت أم لم يثبت، ولم يحضر الشهود، فإذا حضروا وكانت الشهادة ظاهرة بحق بين فحكمه له جائز، ما عدا زوجته وولده الصغير، ويتيمه الذي يلي ماله، لأن هؤلاء كنفسه. ولا يقضي على عدوه، بل يحيل على غيره.
الأدب العاشر: إنه لا ينقض قضاء غيره إذا كان عدلًا عالمًا ولا يتعقب أحكامه إلا إذا خالف قاطعًا، فإنه ينقض ما خالف فيه القاطع من أحكامه.
فأما القاضي العدل الجاهل المتحري، فإنه يتعقب أحكامه، فما وافق الحق نفذه، وما خالفه رده.
وأما القاضي الجائر المتعسف، فلا يتعقب له حكمًا، وليبتدئ النظر فيما حكم فيه مما وقع إليه، ولا ينظر إلى سجله، لأنه لابد أن يتحلى فيه بالعدل. وقال أصبغ: يتصفح أحكامه أيضًا، فما كان صوابًا أمضى. قال أبو القاسم بن محرز: والمعروف لابن الماجشون في المجموعة والمبسوط مثل مذهب أصبغ: أنه لا يرد من أقضية إلا ما عرف فيه جور. قال:
[ ٣ / ١٠١٤ ]
وكذلك قال سحنون في كتاب ابنه في القاضي يعزل على جور.
فروع:
الفرع الأول: في تمييز الحكم عما ليس بحكم.
وما قضى به الحاكم من نقل الأملاك وفسخ العقود ونحو ذلك، فلا شك في كونه حكمًا. فأما إن لم يكن تأثير القاضي في الحادثة أكثر من إقرارها لما رفعت إليه، مثل أن يرفع إليه نكاح امرأة زوجت نفسها بغير ولي، فأقره وأجازه، ثم عزل وجاء غيره، فهذا ما اختلف فيه: فقال ابن الماجشون: ذلك ليس بحكم، ولمن يأتي بعده أن يفسخه. وقال ابن القاسم: طريقة طريق الحكم، وإمضاؤه والإقرار عليه كالحكم بإجازته، ولا سبيل إلى نقضه.
واختاره أبو القاسم بن محرز قال: لأنه حكم في عين (باجتهاده)، ولا فرق بينة أن يكون حكمه بإمضاء أو فسخ. وأما لو رفع هذا النكاح إلى قاضي فقال: أنا لا أجيز النكاح بغير ولي من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه، فإن هذا ليس بحكم، ولكنه فتوى، ويكون لمن يأتي بعده أن يستقبل النظر فيه. وكذا لو رفع إليه حكم بشاهد ويمين، فقال: أنا لا أجيز الشاهد واليمين مطلقًا، هكذا، لكان سبيل ذلك سبيل الفتوى ما لم يوقع حكمه على عين الحكم. قال: (وما) أعلم في هذا الوجه اختلافًا.
وإن كان حكم الأول باجتهاد فيما طريقه التحليل والتحريم، ليس نقل ملك من أحد الخصمين إلى الآخر، ولا فصل خصومة بينهما، ولا إثبات عقد بينهما ولا فسخه، مثل أن يرفع إلى قاض رضاع كبير، فحكم بأن رضاع الكبير يحرم ويفسخ النكاح من أجله، ف القدر الذي ثبت من حكمه هو فسخ النكاح فحسب، وأما تحريمها عليه في المستقبل فإنه لا يثبت بحكمه، بل يبقى (ذلك) معرضًا للاجتهاد فيه.
وكذلك لو رفع إليه حال امرأة نكحت في عدتها ففسخ نكاحها وحرمها على زوجها، لكان القدر الذي ثبت من حكمه فسخ النكاح فحسب، وأما تحريمها في المستقبل فمعرض للاجتهاد.
ومن هذا الوجه أن يحكم بنجاسة ماء أو طعام أو شراب، أو تحريم بيع أو نكاح أو إجارة، فإنه لا يثبت حكم في ذلك الجنس من العقود ولا المبايعات على التأييد، وإنما له أن يعين من ذلك ما شاهده وما حدث بعد ذلك، فهو معرض لمن يأتي من الحكام والفقهاء.
الفرع الثاني: في نقض القاضي أحكام نفسه.
[ ٣ / ١٠١٥ ]
وإذا ظهر له أنه أخطأ فيما حكم به فلينقض قضيته، وإن كان قد أصاب قول قائل من أهل العلم.
قال سحنون: إن كان الحكم مختلفًا فيه، وله هو فيه رأي فحكم بغيره وهلًا وسهوًا، فله نقضه، وليس لغيره نقضه، وإن كان قد رأى بعد الحكم رأيًا سواه لم ينقضه، بل يأتنف رأيه ل [في] ذلك، فيما يستقبل.
وقسم أبو القاسم بن محرز حال القاضي [إلى] أربعة أقسام.
القسم الأول: أن يخالف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع، فهذا يفسخه هو وغيره.
القسم الثاني: أن يقصد إلى الحكم بمذهب فيصادق غيره سهوا، فهذا يفسخه هو دون غيره، إذ ظاهره الصحة لجريانه على مذهب بعض العلماء، ووجه غلطه لا يعرف إلا من قوله. إلا أن تشهد بينة أنها علمت قصده إلى الحكم بغيره فوقع فيه، فينقضه من بعده، كما ينقضه هو.
القسم الثالث: أن يجتهد فيظهر له الصواب في غير ما حكم به من طريق الاجتهاد، أيضًا فمذهب ابن القاسم وغيره أنه يرجع إلى ما ظهر له ويفسخ الأول. ومذهب عبد الملك بن الماجشون وسحنون وغيرهما، أنه لا يجوز له فسخه. قال أبو القاسم: وهذا أقوى من الأول لجواز تغير رأيه الثاني أيضًا والثالث، ولا يقف إلى حد، وشبهة بالمجتهد في القبلة إذا تحقق الخطأ، أو تغير اجتهاده بعد الصلاة. وكذلك قال محمد بن مسلمة في المبسوط: لو أن سلطانًا قضى برأيه في أمر لم يخالف فيه السنة التي لا شك فيها، والقرآن الذي لا يختلف في تأويله، مضى ذلك ولم يرد. ولم ينبغ له، ولا السلطان غيره، إذا كان قد مضى ذلك، أن يرده، وإن رأى أن غير ذلك أصوب منه لأنه لا يرد رأي إلى رأي.
القسم الرابع: أن يحكم بالظن والتخمين من غير قصد إلى الاجتهاد في الأدلة، فذلك باطل، لأن الحكم بالتخمين فسق وظلم وخلاف للحق. ويفسخ هذا الحكم هو وغيره، إذا ثبت عند الغير أنه على هذا حكم.
الفرع الثالث: قال مطرف: إذا حكم القاضي بفسخ قضية ولم يذكر أنه رجع عن القضية الأولى لما رآه أحسن، ولا فسر وجه فسخه، فليس ذلك يفسخ إذا كان الأول صوابًا غير مختلف فيه، حتى يلخص ما أوجب فسخه ويرجع إلى ما هو أحسن منه، إلا أن يقول: تبين لي أن الشهود شهودًا بزور، فإن ذلك يكفيه. وقاله ابن نافع. وقال ابن الماجشون: إشهاده لي أن الشهود شهودًا بزور، فإن ذلك يكفيه. وقاله ابن نافع. وقال ابن المجشون: إشهاده لي أن الشهود شهودًا بزور، فإن ذلك يكفيه. وقاله ابن نافع. وقال ابن الماجشون: إشهاده على الفسخ يكفيه إن كان مأمونًا، ولو لم يقل: إلا أني رجعت عن الحكم الأول لكان رجوعًا،
[ ٣ / ١٠١٦ ]
ثم هما على خصومتهما، لو قال مع ذلك: قد قضيت للآخر لم يجز قضاؤه وصح الفسخ، لأنه لا يقضي إلا بعد الإعذار إلى المقتضي عليه وضرب الآجال [له] وقاله أصبغ: وإنما الفسخ الذي لا يكون شيء احتى يلخص ما رد به القضية إذا فسخ حكم غيره، فهذا لا يكون إشهاده بالفسخ ماضيًا حتى يبين وجه فسخه، ولم يختلفوا في هذا.
الفرع الرابع: إن القضاء، وإن لم ينقض، فلا يتغير به الحكم في الباطن، بل هو على المكلف على ما كان قبل (قضاء) القاضي، (وإنما القضاء إظهار لحكم الشرع لا اختراع له، فلا تحل للمالكي شفعة الجوار أن قضى له بها الحنفي، ولا يحل لمن أقام شهود زور على نكاح امرأة، فحكم له القاضي، لاعتقاد عدالتهم، بنكاحها وإباحة وطئها، أن يطأها ولا أن يبقى على نكاحها).
الفصل الثاني: في مستند قضائه
وإنما يقضي بالحجة. (قال محمد بن عبد الحكم: يقضي القاضي بما في كتاب الله فإن لم يجد في كتاب الله ففي سنة رسول الله ﷺ، فإن لم يكن في سنة رسول اله ﷺ قضى بما قضى به أصحابه رضوان الله عليهم، فإن لم يكن ي الحادثة شيء من هذا ولا إجماع من
[ ٣ / ١٠١٧ ]
المتقدمين اجتهد رأيه بعد ذلك، ومثل الأشياء بعضها ببعض من النظائر والأشباه، وشارو ثم حكم. وإذا أشكل على القاضي الأمر، ولم يتبين له شيء يحكم به فيه تركه أبدًا، لا يحكم في شيء وفي قلبه منه شك ولا ريب). قال سحنون في كتاب ابنه: إذا كانت شبهة وأشكل الأمر، فلا بأس أن يأمرهما بالصلح. وقال مالك في كتاب محمد في بعض المسائل: لو اصطلحا.
ولا يقضي القاضي بعلمه في المدعى به بحال، سواء علمه قبل التولية أو بعدها، في غير مجلس قضائه، أو فيه قبل الشروع في المحاكمة أو بعده. وقال عبد الملك وسحنون: يحكم بما علم بعد الشروع في المحاكمة.
فرع: فإن حكم بعلمه حيث قلنا: لا يحكم، فقال القاضي أبو الحسن: "لا ينقض عند بعض أصحابنا". قال: "وعندي أنه ينقض". ولو أنكر الخصم بعد الحكم عليه وقال: ما كنت أقررت، ففي قبول حكم الحاكم عليه في ذلك خلاف.
وقال أبو إسحاق التونسي: لم يذكر في كتاب محمد خلافًا فيما رآه القاضي أو سمعه في غير مجلس قضائه أنه لا يحكم به، وأنه ينقض إن حكم به ينقضه هو وغيره، وإنما الخلاف فيما يتقاضى به الخصمان في مجلسه، فإن حكم به فينقضه هو ولا ينقضه غيره. وعبد الملك وسحنون يريان أنه يحكم به مثل قول أهل العراق للضرورة إلى ذلك، كما استعمل علمه في عدالة البينة وتجريحها، ويحكم بعلمه في ذلك. وقال أبو الحسن اللخمي: "قد اختلف إذا أقر بعد أن جلسا للخصومة ثم أنكر، فقال مالك وابن القاسم: لا يحكم بعلمه. وقال عبد الملك وسحنون: يحكم، ورأيا أنهما إذا جلسا للمحاكمة فقد رضيا أن يحكم بينهما بما يقولانه، ولذلك قصدا، فإن لم ينكر حتى حكم، ثم أنكر بعد الحكم، وقال: ما كنت أقررت ب شيء، ولم ينظر إلى إنكاره، قال: وهذا هو المشهور من المذهب". وقال ابن الجلاب "إذا ذكر الحاكم أنه حكم في أمر من الأمور وأنكر المحكوم عليه لم يقبل قول الحاكم إلا ببينة". قال أبو الحسن اللخمي وهو أشبه في قضاة اليوم لضعف عدالتهم.
وقال أيضًا: "ولا أرى أن يباح هذا، اليوم لأحد من القضاة".
[ ٣ / ١٠١٨ ]
ولا خلاف في اعتماد القاضي على علمه في الجرح والتعديل، فإذا علم فسق الشاهد أو كذبه وقف عن القضاء، ويغنيه علمه بعدالة الشهود عن المزكين.
وأما الخط فلا يعتمده إذا لم يتذكر، كما ذكر القاضي أبو محمد. وحكى الشيخ أبو عمر رواية، أنه لا يلتفت إلى البينة بذلك ولا يحكم بها.
ولو شهد الشاهدان على قضائه عند غيره لحكم بشهادتهما ونفذ قضاؤه. قال ابن حبيب: أخبرني أصبغ عن أبن وهب عن مالك في القاضي يقضي بقضاء ثم ينكره، فيشهد عليه به شاهدان، فلينفذ ذلك، وإن أنكره الذي قضى به، معزولًا كان أو لم يعزل.
الفصل الثالث: في التسوية
وليس بين الخصمين في المجلس، والنظر، وجواب السلام، وأنواع الأكرام. والمسلم والذمي في ذلك سواء. وله، في قول، أن يرفع المسلم على الذمي في المجلس.
فإذا استقر بهما المجلس، فإن بدر أحدهما بالدعوى (طالب) الآخر بالجواب، فإن أقر ثبت الحق، وإن أنكر قال المدعي: ألك بينة؟ فإن قال: لا بينة لي واستحلفه، ثم جاء ببينة سمعت، على إحدى الروايتين، ولم تسمع على الرواية المشهورة، إلا أن يظهر له عذر من نسيان أو غيره.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن لم يبدر واحد منهما، سألهما: من الطالب منكما؟، فإذا
[ ٣ / ١٠١٩ ]
عرفه سأله عما يدعي، وأمر المدعي عليه ألا يتكلم حتى يفرغ المدعي من كلامه، ثم يسأله: أيقر أم ينكر، فإن أقر قال للطالب: أشهد على إقراره إن شئت لئلا يرجع عنه.
فإن تنازعا في تعيين المدعي، فإن ادعى كل واحد (منهما) أنه هو، نظر إلى الجانب منهما لصاحبه، فإن لم يعرف أمرًا بالانصراف، فمن أبى إلا المحاكمة فهو المدعي، فإن أبيا أقرع بينهما، وإن قال كل واحد منهما لصاحبه: أنت المدعي، أمرا بالانصراف، أيضًا، حتى يأتي أحدهما فيكون المدعي.
ثم حيث تعين المدعي وتمت حجته، وانتهت حجة المدعى عليه، فأراد الحكم عليه، فليقل له: أبقيت لك حجة؟ فإن قال: لا، حكم عليه.
قال محمد: وإن قال: نعم، وقد تبين للقاضي أن حجته نفذت وهو في طريق اللدد، فإنه يضرب له أجلًا غير بعيد، فإذا تبين لدده أنفذ الحكم [عليه] ولو ادعى بينة بعيدة مثل أن يقول: بالعراق أو مصر، فإنه يقضي عليه، متى (جاءت ببينة) فهو على حجته عند هذا القاضي وعند غيره، وينبغي له أن يذكر في القضية أنه زعم أن له بينة غائبة على بعد من البلاد. فمتى حضرت شهوده كان على حجته.
فرع: لو حكم عليه بعد قوله: إنه لا حجة له، ثم أتى بحجة، مثل أن يأتي بشاهد آخر عند من لم يحكم بشاهد ويمين، أو يأتي بينة لم يعلم بها، فجعل ذلك له في الكتاب.
وقال محمد: إنما ذلك إذا كان هو القاضي بنفسه، وأما غيره فلا. وقال سحنون: لا يقبل منه وإن كان لذلك وجه. قال أبو إسحاق التونسي: والأشبه ما في الكتاب، وإن غيره من القضاة ينظر في ذلك.
وإذا تزاحم المدعون قدم السابق، فغن تساووا أقرع بينهم. ولا يقدم الشرف ولا لغيره إلا المسافر المستوفز إن رأى في تقديمه مصلحة، وما يخشى فواته. وينبغي له أن يفرد للنساء يومًا، أو وقتًا من كل يوم. وكذلك يفعل المفتي والمدرس عند التزاحم.
الفصل الرابع: في التزكية
ومن كان مشهورًا بالعدالة والفضل لم يسأل عنه، وأجاز شهادته وكذلك من عرفَهُ بِجُرْحّةَ أو كان مشهورًا بذلك، فإنه يرد شهادته. وإنما يجب عليه الاستزكاء مهما شك وإن
[ ٣ / ١٠٢٠ ]
سكت الخصم. إلا أن يقر بعدالتهما. وليكتب للمزكين أسماء الشاهدين والخصمين فلعلهم يعرفون بينهم عداوة.
وقال محمد بن عبد الحكم: ويجعل أصحاب مسائل يسألون عن الشهود، وأحب له أن لا يعرفوا.
وإذا أخرج أسماء الشهود لأصحاب المسائل كتب أسماء الشهود، واحتاط بالأسماء والأنساب والكنى والصفة والتحلية والصناعة والقبائل، والخضاب إة كان يخضب، والمنازل لئلا يوافق إسم إسمًا أو نسب نسبًا، ويكتب لهم لمن شهدوا، وعلى من شهدوا، لئلا يسألوا عنهم من شهدوا له أو عليه.
(قال مطرف وابن الماجشون: ولا يجتزأ بتعديل العلانية دون تعديل السر، وقد يجتزئ بتعديل السر دون تعديل العلانية). وقال أصبغ: وليكن التعديل سرًا وعلانية. ولا أحب أن يجتزئ بتعديل العلانية دون تعديل السر. قال مالك: "ولا أحب أن يسأل في السر أقل من إثنين" إلا في مثل (الفائقين) في العدالة والعلم بالتعديل.
(قال سحنون: ولا يقبل تعديل الأبله، وليس كل من تجوز شهادته يجوز تعديله، ولا يجوز في العدالة إلى المميز النافذ الفطن الذي لا يخدع في عقله، ولا يستزل في رأيه).
ويشترط في المزكي أن يكون خبيرًا بباطن من يعدله بطول المحنة والمعاشرة، ولا يحتزي باليسير من ذلك.
قال مالك: "والرجل يصحب الرجل شهرًا فلا يعلم منه إلا خيرًا لا يزكيه بهذا، وهو
[ ٣ / ١٠٢١ ]
كبعض من يجالسك، وليس هذا باختيار. ويقال أيضًا: كان يقال لمن مدح رجلًا: أصحبته في سفر؟ أو خالطته في مال؟.
وقال سحنون: يزكيه من يعرف باطنه كما يعرف ظاهره ممن صحبه الصحبة الطويلة، وعامله بالأخذ والعطاء. قال ابنه عنه: في السفر والحضر، فإذا عرف منه اجتناب الكذب والكبائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة زكاة".
فروع:
الفرع الأول: إن التعديل من جيران الشاهد، وأهل سوقه، وأهل محلته مقبول، ولا يقبل من غيرهم، لأن توقفهم على تعديله، مع كونهم أقعد به وأعلم ريبة في عدالته، إلا أن لا يكون فيهم عدل فيقبل من غيرهم من سائر بلده.
الفرع الثاني: في صفة المزكي.
(وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ: لا يجوز تعديل الرجل وإن كان عدلًا حتى يعرف وجه التعديل. ورواه مطرف.
وفي الكتاب: "لا يجوز أن يكون (المعدلان) غير معروفين عند الحاكم إذا كان شاهد الأصل من البلد، وإن كان غريبًا جاز".
الفرع الثالث: إن الجرح يسمع في الرجل المتوسط العدالة، ويسمع أيضًا في المبرز المعروف بالصلاح والفضل من باب العداوة أو الهجرة أو القرابة وما أشبه ذلك.
واختلف هل يقبل تجريحه من وجه القدح في العدالة، فمنعه أصبغ. وأجازه سحنون، وقال: يمكن من التجريح فيه، ولا يفرق بين وجوه التجريح.
الفرع الرابع: وهو مرتب إذا قبل تجريحه، فقال سحنون: لا يقبل ذلك إلا من الرجل المميز العدالة. وقال أصبغ: لا يمكن الخصم من جرحة العدلين الفائقين بالعدالة بجرحه الإسقاط إن ادعى ذلك، إلا بجرحة عداوة أو هجرة، فقد يكون ذلك في الصالح والبارز. وقال ابن الماجشون: يجرح الشاهد من هو مثله وفوقه، ولا يجرحه من هو دونه إلا بالعداوة والهجرة. وأما القدح في العدالة فلا.
[ ٣ / ١٠٢٢ ]
(وقال محمد بن عبد الحكم: إذا كان الرجل مبرز العدالة لم يقبل جرحه، إلا أن يكونوا معروفي العدالة وأعدل منه، (ويذكرون) ما جرحوه به مما يثبت بالكشف، ولا يقبل تجريحه إلا بأهل العدالة البينة. وقال مطرف: يجرح الشاهد بمن هو مثله وفوقه ودونه بالإسقاط والعداوة إذا كان عدلًا عارفًا بوجه التجريح. قال أبو الحسن اللخمي: "وهذا أحسن، لأن الجرح يكتمه الإنسان من نفسه، فيطلع عليه بعض الناس، وهي شهادة وعلم عنده يؤديه مثل سائر الشهادات".
الفرع الخامس: قال ابن كنانة في المجموعة: لا ينبغي للحاكم أن يسأل عن الشاهد في التجريح قبل تعديله، ولا يقبل الجرح فيمن لم تثبت عنده عدالته، فإذا عدل الشاهد قال الحاكم للمطلوب: جرح، وإلا حكمت عليك. وروى أشهب فيها: لا يقول للمطلوب: دونك فجرح، وفي ذلك توهين للشهادة.
وقال ابن نافع: أرى أن يقول له ذلك ويمكنه منه، وقد يكون العدل عدوًا للمشهود عليه.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا يحكم على الخصم، جاهلًا كان أو عالمًا، حتى يطلبه بجرحه من شهد عليه ويؤجله في ذلك، فإن عجز حكم عليه، وذكر ذلك في كتاب حكمه عليه.
الفرع السادس: في التجريح سرًا.
في المجموعة: قيل لابن القاسم: أيجرح الشاهد سرًا وقد يقول: من يجرحه: أكره عداوة الناس؟، قال: نعم، إذا كانوا أهل عدالة. وقال سحنون مثله، وذكر في موضع آخر: إن المشهود له إذا سأل القاضي أن يخبره بمن جرح شاهده أن عليه أن يخبره بذلك.
الفرع السابع: في لفظه التزكية.
وليجمع المزكي في لفظه بين [ذكر] العدالة والرضا، فيشهد أنه عدل رضا، ولا يقتصر على أحد الوصفين. (قال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ: ويجزيه أن يقول: أراه عدلًا رضا رضا، وليس عليه أن يقول: هو عدل رضا عند الله، تعالى ولا أن يقول: أرضاه علي ولي. ورواه أشهب.
[وروى] ابن كنانة: التعديل أن يقول: أعرفه وأعلمه عدلًا رضا جائز الشهادة. ولا
[ ٣ / ١٠٢٣ ]
يقبل منه إذا قال: لا أعلمه إلا عدلًا رضا. قال سحنون: ولا يقبل منه حتى يقول: إنه عدل رضا)، ولا يجب ذكر سبب العدالة.
واختلف في ذكر سبب الجرح، فقيل: يجب، وقيل: لا يجب. وفرق مطرف وابن الماجشون باعتبار حال الشاهدين، فأوجباه إذا كانا غير عارفين بوجوه التجريح، ولم يوجباه إذا كانا عالمين بذلك.
واعتبر أشهب حال الشاهد، فأوجب ذكر سبب الجراح إذا كان مشهور العدالة، ولم يوجبه إذا كان غير مشهورها، وإنما قبل بالتزكية.
الفرع الثامن: إذا ارتاب القاضي بعد التزكية لتوهم غلط الشاهد، فليبحث ويسأل عن التفصيل، فربما يختلف كلام الشاهد، فإن أصر على إعادة الكلام الأول أمضاه. وعلى القاضي أن يحكم بعد البحث استصحابًا للعدالة.
الفرع التاسع: بينة الجرح مقدمة على بينة التعديل. وقيل: يقدم الأرجح منهما. واختار أبو الحسن تفصيلًا، فقال: "إن تقابلت البينتان في مجلس واحد قدم الأرجح، وإن (كانتا) في مجلسين متقاربين قدمت بينة الجرح، وإن تباعد ما بين المجلسين قضى بالأخيرة منهما، كان جرحًا آو تعديلًا".
وقول واحد في الجرح لا يقابل بينة التعديل، إلا أن يكون مقامًا من جهة الحاكم للكشف عن ذلك فيخبره عن عدلين فأكثر، ولا يجوز الجرح والتعديل بالتسامح.
الفرع العاشر: في تكرير التزكية.
(وفي المجموعة من رواية أشهب، في الرجل يشهد فيزكي، ثم يشهد ثانية: إن شهادته تقبل بالتزكية الأولى، وليس الناس كلهم سواء، منهم المشهور العدالة، ومنه من يغمص فيه بعض الناس). وقال سحنون: "إذا عاد المزكي فيشهد مرة أخرى رجع المزكي ثانيًا وثالثًا حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته فيقبل بغير تزكية". وقال الشيخ أبو الوليد: "هذا
[ ٣ / ١٠٢٤ ]
استحسان من سحنون، حتى لو مات المزكيان الأولان أو غابا، ولم يوجد غيرهما، وجب الحكم بتعديلهما الأول".
(وروى ابن حبيب عن مالك ومطرف وابن الماجشون: لا يحتاج إلى إعادة المزكي إلا أن يغمز فيه ب شيء أو يرتاب فيه. وقال ابن كانة: لا يحتاج إلى الإعادة في المشهور العدالة في تزكيته). وقال محمد بن عبد الحكم: أحب أن يعيد القاضي من الشهود في المسألة من إنما يعدل بالمسألة عنه في كل سنة أو أقل، ليس في ذلك حد على قدر الاجتهاد.
الباب الثالث: في القضاء على الغالب، وهو نافذ ويتعلق النظر فيه بأركان:
الركن الأول: الدعوى، ولتكن معلومة، أعني جنس المدعى به وقدره، ولتكن مع المدعي بينة.
الركن الثاني: المدعي، ويحلفه القاضي بعد البينة على عدم الإبراء، والاستيفاء والاعتياض والإحالة والاحتيال والتوكيل على الاقتضاء في جميع الحق ولا في بعضه، ولا يجب التعرض في اليمين لصدق الشهود. وقال الشيخ أبو إسحاق: يقول في آخر اليمين: وإنه لحق ثابت [له] عليه إلى يومه ذلك.
الركن الثالث: في كيفية إنهاء الحكم إلى القاضي الآخر، وذلك بالإشهاد والكتاب والمشافهة.
أما الإشهاد فبأن يشهد شاهدان على تفصيل حكمه. قال سحنون: ولو أشهد على كتابه وخاتمه رجلًا وامرأتين جاز فيما تجوز فيه شهادة النساء.
ويستحب أن يكتب ذلك في كتاب مختوم، والاعتماد على الشهادة، فلو شهد بخلاف ما في الكاتب جاز إذا طابق الدعوى، ولو شهد بما فيه وهو مفتوح بغير ختم لجاز أيضًا. ولو قال القاضي: أشهدتكما على أن ما في الكتاب خطي، كفى ذلك على إحدى الروايتين. وكذلك لو قال: ما في الكتاب حكمي. وكذلك لو قال المقر: أشهدتك على ما في القبالة وأنا عالم به،
[ ٣ / ١٠٢٥ ]
كفى، حتى إذا حفظ الشاهد القبالة وما فيها، وشهد على إقراره، جاز أيضًا على إحدى الروايتين، ووجه الجواز أن الإقرار بالمجهول صحيح.
ثم للشاهد على الحكم أن يشهد عند المكتوب إليه وعند غيره، وإن لم يكتب القاضي ي كتابه: إلى من يصل إليه من القضاة، وكذلك يشهد، وإن مات المكتوب إليه والكاتب.
ولتكن عدالة شهود الكتاب ظاهرة عند المكتوب إليه، ولا يكفي تعديلهما في ذلك الكتاب الذي إنما يثبت بشهادتهما.
وليذكر في الكتاب اسم المحكوم عليه واسم أبيه وجده وحليته ومسكنه وصناعته أو تجارته وشهرة إن كانت له بحيث يتميز بذلك. فإن كان في ذلك البلد رجل يلائمه ي ذلك كله لم يحكم له حتى يأتي ببينة، تعرف أنه المحكوم عليه بعينه. ولو كان أحد المتلايمين قد مات لم يستحق على الحي منهما ما في الكتاب حتى تشهد البينة أنه الذي استحق عليه، إلا أن يطول زمان الميت، ويعلم أنه ليس هو المراد بالشهادة لبعده، فيلزم الحي.
وأما الكتاب المجرد من غير شهادة على القاضي فلا أثر له. قال ابن القاسم وابن الماجشون: ولابد من شهود بأن هذا الكتاب كتاب فلان القاضي. وزاد أشهب: ويشهدون أنه أشهدهم عليه، وروى ابن وهب: ويشهدون أنه أشهدهم بما فيه.
وقال ابن نافع عن مالك: كان من الأمر القديم إجازة الخواتم حتى إن كان القاضي ليكتب للرجل بالكتاب إلى القاضي، فما يزيد على ختمه فيجاز له، حتى أحدث عند اتهام الناس الشهادة على خاتم القاضي: أنه خاتمه.
وقال ابن كنانة: كان إذا جاء كتاب من قاضي مكة إلى قاضي المدينة أنفذه بغير بينة، ثم نظر أهل العلم في ذلك، فخافوا أن تملك الأموال وتستحل الفروج بغير بينة، فألزموا الناس البينات على الكتب التي يأتي من كورة إلى كورة، وإذا جاء من أعراض المدينة إلى قاضي المدينة قبلوه بغير بينة يجتزئون في ذلك بمعرفة الخط والخواتم والجواب، إذا كان ذلك في الحقوق اليسيرة. وكذلك قال عبد الملك نحو هذا، ولم يذكر ما قال ابن كنانة في الحقوق اليسيرة.
وأما الشفاهة، ف لو شافه القاضي قاضيًا آخر لم يكف، لان أحدهما في غير محل ولايته، فلا ينفع سماعه أو إسماعه، إلا إذا كانا قاضيين لبلدة واحدة، أو تناديا من طرفي ولا يتهما، فذلك أقوى من الشهادة فيعتمد. ولو كان المسمع في محل ولايته دون السامع ورجع السامع إلى محل ولايته فهي كشهادة يسمعها في غير محل ولايته، فلا يحكم بها إذ لا يحكم بعلمه.
ولو اقتصر القاضي على سماع البينة على الغائب وكتب إلى قاض آخر حتى يقضي
[ ٣ / ١٠٢٦ ]
المكتوب إليه جاز مهما ذكر أسماء شهود الواقعة وعلى المكتوب إليه أن يبحث على عدالة الشهود، وكأن الأول ناب عنه في سماع البينة فقط، فعليه هو التعديل والحكم، ولو كتب الأول عدالتهما وأشهد عليه جاز ذلك.
ثم إن ادعى الخصم جرحًا فليظهره ويمهل، فإن قال: لا يمكن جرحهم إلا في بلدهم فلا يمكن منه، بل يسلم المال، ثم إن ظهر الجرح استرد.
فرع: إذا ورد كتاب قاض على قاض، فإ عرفه بأنه أهل للقضاء قبله. قال في المجموعة: إذا كتب قاض إلى قاض، فإن ثبت عنده أن الذي كتب إليه مستحق للقضاء في فهمه ومعرفته بأحكام من مضى وآثارهم مع فضله ودينه وورعه وانتباهه وفطنته، وغير مخدوع في عقله، فليقبله، وإن عرفه بأنه ليس بأهل لذلك لم يقبله. قال أشهب في رواية سحنون عنه: إذا كتب إليه غير العدل أن بينة فلان ثبتت عندي، فلا يقبل كتابه، لأنه ممن لا تجوز شهادته.
وإن لم يعرف حاله، فروى ابن حبيب عن أصبغ: إن جاءه بكتاب قاض لا يعرفه بعدالة ولا سخطه، فإن كان من قضاة الأمصار الجامعة، مثل المدينة ومكة والعراق والشام ومصر والقيروان والأندلس، فلينفذه وإن لم يعرفه، وليحمل مثل هؤلاء على الصحة.
وأما قضاة الكور الصغار، فلا ينفذه حتى يسأل عنه العدول وعن حاله.
الركن الرابع: المحكوم به، وذلك لا يخفى في الدين، وكذلك العقار الذي يمكن تعريفه بالحد، إذا قلنا: قضي على الغائب في العقار، إما لبعد الغيبة، أو مطلقًا على الرواية الأخرى.
أما العبد والفرس وما يتميز بعلامة، فقال ابن القاسم وسحنون: يحكم فيه بذلك إن كان غائبًا. وقال ابن كنانة: إن كان العبد لا يدعي الحرية ولا يدعي أحد ملكه حكم فيه بالصفة، وإن كان يدعي الحرية أو يدعيه من هو في يده فلا يحكم فيه بذلك.
الركن الخامس: المحكوم عليه، وشرطه أن يكون غائبًا عن البلد. واشترط محمد بن عبد الحكم أن يكون له بالبلد الذي يحكم عليه فيه مال أو حميل أو وكيل. قال: إذ لم يول الحكم على جميع الناس، إنما ولي على أهل بلد خاص، قال: ولكن ينقل [الشهادات] إلى غيره من القضاة.
وإذا كان المدعى عليه في البلد فقال سحنون: لا تسمع البينة دون حضوره، إلا أن يتوارى أو يتعذر فيقضي عليه كالغالب. وقال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: العمل عندنا أن يسمع القاضي بينة الخصم ويوقع شهاداتهم، حضر الخصم أو لم يحضر، فإذا حضر قرأ عليه الشهادة، وفيها أسماء الشهود وأنسابهم ومساكنهم، فإن كان عنده لشهادتهم مدفع، أو
[ ٣ / ١٠٢٧ ]
لعدالتهم مجرح أطرده ذلك، وإلا لزمه القضاء. وإن سأله أن يعيد عليه البينة حتى (يشهدوا) بمحضره فليس ذلك له، ولا ينبغي للقاضي أن يجيبه إلى ذلك. ولو سأله الخصم بدءا ألا يسمع من بينة صاحبه إذا أتى بها إلا بمحضره، فإن خشي القاضي عليه في ذلك دلسة أو استرابة ورأى أن اجتماعهم أجمع للفصل وأبرأ من الدخل فليجبه، وإن أمن فلا يجبه، فإن أجابه، حين سأله ذلك من غير شيء خافه عليه، فليمض له ذلك، لاختلاف الناس فيه، فقد قال بعض العراقيين: لا يكون إيقاع الشهادة إلا بمحضر الخصم المشهود عليه. قال ابن حبيب: وقال مطرف وأصبغ مثله. وقال فضل بن سلمة: سحنون لا يرى إيقاع الشهادة إلا بمحضر الخصم، إلا أن يكون الخصم غائبًا غيبة بعيدة.
واختتام البا بذكر فروع:
الفرع الأول: إذا غاب الخصم ولم يكن موضعه يزيد على مسافة العدوى أحضره القاضي. قال محمد بن عبد الحكم: إذا استعدى الرجل على الرجل، فإن كان في المصير معه أعطاه عدواه، بخاتم يختمه له، أو رسول يرسله حتى يجلبه إليه، وكذلك إن كان في القرب من المصر، فأحب إلي أن يجلبه إذا كان يقدر على أن يأتيه وينظر بينه وبين خصمه، ويرجع فيبيت في منزله.
قال محمد: وإنما هذا إذا كان السبيل مأمونًا لا يخاف على الذي يجلبه إليه في طريقه الخوف الذي يقل معه الأمن، فأما إذا كان الأغلب السلامة وإنما يقع الخوف الفلتة والمرة في الزمان، فإنه يجلب لأن هذا أمر لا تخلو منه الدنيا.
الفرع الثاني: إذا كان موضعه يزيد على المسافة المذكورة، فقد قال محمد: وإذا كان بعيدًا من المصر، على ما فسرت لك، لم يجلبه، إلا أن يثبت عليه شاهدان أو شاهد بحق، فيكتب إليه مع ثقة: إما أن يرضي خصمه، وإما أن يحضر معه.
الفرع الثالث: إذا كان للغائب مال في البلد وجبت التوفية منه.
الفرع الرابع: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في العقوبات وفي القصاص والحدود
[ ٣ / ١٠٢٨ ]
الفرع الخامس: المخدرة لا تحضر مجلس الحكم لتحلف في اليسير، بل يبعث الحاكم إليها من يحلفها، والمعني بالمخدرة من يزري بمثلها حضور مجال الأحكام، وإن كانت تتصرف وتخرج إلى غير ذلك، فأما فيما له بال من الحقوق فتخرج إلى المسجد ليلًا.
الفرع السادس: ليس للقاضي أن زوج امرأة خارجة عن ولايته، إلا إذا دخلت ولايته.
الفرع السابع: إذا كان في ولايته يتيم قد مسته الحاجة وله أموال بعمل آخر في ولاية غيره، فإنه يكتب إلى الغير يعلمه بحال الطفل وحاجته. ويقتضي منه بيع ماله وتنفيذه لنظر له، فإذا ورد كتابه باع المكتوب إليه من مال اليتيم أقل رباعه ردًا عليه وأحقها بالبيع، وصير الثمن لينظر فيه.
[ ٣ / ١٠٢٩ ]