وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركانها، وهي ثلاثة:
[الأول] العاقدان، ولا يخفى أمرهما.
الركن [الثاني] في الأجرة، وهي كالثمن، إلا أنها لا تتعجل بمجرد العقد، إلا أن يكون شرط أو عادة، أو يقارن العقد ما يوجب التقديم، ويكون تأخيرها يؤدي إلى أمر ممنوع، مثل أن تكون الأجرة عرضًا معينًا أو طعامًا رطبًا أو ما أشبه ذلك. وما عدا هذا فلا يستحق تقديم جزء من الأجرة إلا بالتمكين من استيفاء ما يقابله من المنفعة.
قال القاضي أبو الحسن: "كلما استوفى منفعة يوم استحق عليه أجرته، "إلا أن تكون هناك عادة من نقد أو تأخير، أو يشترطوا شرطًا فيلزم ذلك كله، ويحملوا عليه". فإن استأجر أجيرًا يعمل له شهرًا بثوب معين، ف إن كان العرف التقديم صح العقد وأجبر على التقديم؛ وإن كان العرف التأخير فسد العقد عند ابن القاسم، إلا أن يشترط النقد، وصح عند ابن حبيب.
[ ٣ / ٩٢٥ ]
وقال الأستاذ أبو بكر: وهذا أصل مختلف فيه بين ابن القاسم والمدنيين فعند ابن القاسم يحمل الإطلاق على العرف وإن كان العرف فاسدًا. وعند ابن الماجشون وغيره من المدنيين: لا حكم للعرف الفاسد، وإنما التأثير للعرف الصحيح. ثم في معنى الاستيفاء التمكين منه، فإذا حصل التمكين فالأجرة مستحقة، استوفيت المنفعة أم لا.
ولما كانت الأجرة كثمن المبيع وجب أن يراعى فيها شرائطه، ف لو آجر دارًا بعمارتها وهي غير معلومة لم يجز. وكذلك إن استأجرها بدراهم معلومة، فشرط صرفها إلى العمارة بعمل المستأجر، وعمله غير مضبوط بلفظ أو إعادة لم يجز أيضًا. ولو كانت الأجرة صبرة مجهولة جاز كما في البيع.
ولو استأجر السلاخ بالجلد، والطحان بالنخالة، والنساج بجزء من الثواب، لم يجز، إذ لا يدري كيف يخرج، ولأن ما استأجره به لا يسلمه إليه بعد مدة. ولا يجوز ذلك في المعين إذا خيف منه الغرر.
وإن آجرته على تعليم العبد الكتابة أو القرآن سنة وله نصفه لم يجز، إذ لا يقدر على قبض ذلك قبل السنة وقد يموت العبد فيها فيذهب عمله باطلًا.
ويجوز أن يؤاجر على تعليم العبد الخياطة أو القصارة أو غيرها بأجر مسمى، أو بعمله سنة. قال غيره: وبأجر مسمى أجوز. قال يحيي. والسنة محسوبة من يوم أخذه.
ولو قال: احصد زرعي هذا ولك نصفه، أو جد تمري هذا ولك نصفه، فلك جائز، وليس له تركه لأنها إجارة. وكذلك لقط الزيتون، وهو كبيع نصفه.
وإن قال: فما لقطت أو حصدت فلك نصفه، جاز، وله الترك متى شاء لأن هذا جعل. وغير ابن القاسم لا يجيز هذا.
وإن قال له: احصد اليوم أو التقط اليوم، فما اجتمع فلك نصفه لم يجز، إذ لا يجوز بيع ما يحصد اليوم فلا أجيزه ثمنًا، مع ضرب الأجل في الجعل، إلا أن يشترط أن يترك متى شاء. ولم يجزه في العتبية في رواية عيسى عن ابن القاسم.
[ ٣ / ٩٢٦ ]
وقال ابن حبيب في الواضحة: إذ قال: احصد زرعي كله، أو اطحن قمحي كله ولك نصفه فلا يجوز ذلك ويفسخ. فإن طحنه وسلم كان لصاحبه وعليه أجر العامل. فإن لم يسلم وتلف فلا أجر له، قال مطرف وابن الماجشون وإن شرط أن يترك متى شاء. وإن قال: انفض شجري أو حركها، فما نفضت أو سقط فلك نصفه لم يجز لأنه مجهول. وإن قال: اعصر زيتوني أو جلجلاني، فما عصرت فلك نصفه لم يجز إذ لا يدري كيف يخرج، وغذ لا يقدر على الترك إذا شرع وليس كذا الجعل، والحصاد يدعه متى شاء إذا قال: ف ما حصدت من شيء فلك نصفه.
وأما قوله: احصد ولك نصفه، ف تلك إجارة لازمة. قال ابن حبيب: قوله: احصده أو اعصره أو اطحنه ولك نصفه جائز كله حتى يقول: فما خرج فلك نصفه فلا يجوز. ومحمل الأول على أنه ملكه نصفه الآن، حتى يقول تصريحًا: فلك نصفه بعد الجداد أو القطاف أو (العصر)، فلا يجوز، لأنه لم يملكه منه (الآن شيءا)، وقد يهلك ذلك بعد أن عمل فيه فيذهب عمله باطلًا، ويصبر كمن أجر نفسه بنصف ما يخرج، وذلك كبيعه فلا يجوز.
(قال ابن القاسم: "ولو قال: احصده وادرسه ولك نصفه لم يجز، لأنه استأجره بنصف ما يخرج من الحب، وهو لا يدري كيف يخرج، ولو باعه زرعًا جزافًا وقد يبس، على أن عليه حصاده ودراسه لم يجز، لأنه شراء حب جزافًا لم يعاين جملته".
قال الشيخ أبو محمد: "يريد: ولم يعاين تصييره". واختلف إذا استأجر الطحان بصاع من الدقيق، فأجيز كبيعه. وقال محمد: لا يجوز، لأنه قد يهلك بعد العمل، فيذهب عمله باطلًا، بخلاف البيع إذ ملك في البيع ولم يملك ها هنا. وأطلق القاضي أبو الفرج أيضًا المنع.
ولو شرط للمرضعة جزءًا من المرتضع الرقيق بعد الفطام فهو فاسد.
[ ٣ / ٩٢٧ ]
الركن الثالث: المنفعة.
ومورد العقد: كل منفعة يسبتاح تناولها، ويجوز لمالكها منعها وبدلها.
وشروطها خمسة: (أن تكون متقومة، غير متضمنة استيفاء عين قصدًا، وأن تكون مقدورًا على تسليمها، حاصلة للمستأجر، معلومة).
الشرط الأول: أن تكون متقومة.
فما لا تتقوم منفعته لا يصلح استئجاره. واختلف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها، فقيل فيه بإثبات الصحة ونفيها. ومنع ابن القاسم استئجار الدنانير (والدراهم) لتزيين الحوانيت. ومنع أيضًا استئجار كل ما لا يعرف بعينه. وصحح جميع ذلك الشيخ أبو بكر وغيره إذا كان المالك حاضرًا معه. واختلف في إجارة المصحف.
فقال محمد "وابن حبيب: لا يجوز، بخلاف بيعه، وكأنه ثمن للقرآن، وفي البيع الثمن للرق والخط. قال ابن حبيب: وكره إجارته من لقيت من أصحاب مالك. قال: واختلف قول ابن القاسم فيه". والذي في الكتاب لابن القاسم إجازة إجارته.
الشرط الثاني: ألا يتضمن استيفاء عين قصدًا. فلا يصح استئجار الأشجار لثمارها، والشاة لنتاجها ولبنها وصوفها، لأنه بيع عين قبل الوجود. ويستثنى من ذلك اشتراط ثمرة الشجرة التيفي الدار المستأجرة، إذا كانت قيمة الثمرة ثلث الكراء فأقل، مثل أن تكون قيمة
[ ٣ / ٩٢٨ ]
أجرة الدار دون شرط الثمرة عشرة، وقيمة الثمرة في ما عرف مما عرف مما تطعم كل عام إذا اعتبر الوسط من ذلك خمسة، فيشترطها المستأجر لرفع ضرر دخول الدار لجد الثمرة وسقيها وشبه ذلك من خدمتها، فأرخص له باشتراطها لأجل ذلك.
فأما استئجار المرأة للإرضاع مع الحضانة فيصح، ويندرج اللبن تحتها وإن كان عيبًا للضرورة، بل يجوز استئجارها للبن على انفراده للضرورة، كما يجوز استئجارها للحضانة بمجردها. وقد تناول النص أخذ الأجرة على الإرضاع.
واستئجار الفجل (للضراب) جائز، إذا عين في الإجارة (أكومًا) معلومة، فإن سمى أيامًا أو شهرًا لم يجز أن يسمي مع ذلك (نزوات) (معدودة). ولو استأجر على النزو حتى يعق لم يجز لأنه مجهول. وإن استأجره على أن [يحمله] عليها دفعة بعد أخرى فعقت في الأولى، انفسخت الإجارة فيما بقي.
الشرط الثالث: القدرة على التسليم حسًا وشرعًا. فلا يصح استئجار العين لمنفعة لا تتصور منها، كاستئجار الأخرس للتعليم، والأعمى للحفظ، وكذلك استئجار قطعة أرض لا ماء لها للزراعة، ولو استأجرها للسكنى صح.
وكذلك لو كان الماء متوقعًا، ولكن على النذور، لم يصح، ولو كان الغالب وجوده لصح. فأما إن كان وجوده معلومًا بالعادة، أو غالبًا على الظن غلبة يكون عدمه معها شاذًا نادرًا، كمأمون أرض النيل، فالعقد صحيح والنقد جائز.
وكذلك (أرض) المطر المأمونة في العادة يجوز فيها العقد والنقد. وقيل: لا يجوز النقد في (أرض) المطر وإن كانت مأمونة.
ولو استأجر أرضًا والماء مستول عليها في الحال، ويعلم بالعادة أنه لا ينحسر عنها فالعقد باطل، فإن علم بها انحساره أو كان الغالب انحساره فهو صحيح. قال ابن القاسم: وكذلك إن استوى الاحتمالان. وقال غيره: لا يجوز الكراء إن خيف ألا ينحسر الماء عنها.
[ ٣ / ٩٢٩ ]
وإجارة الدار (السنة) القابلة صحيحة، كما لو أضافها إلى ما قبلها في عقد واحد، ويجوز النقد فيها لأمنها، فإن طال الأجل كره النقد وإن جاز العقد. ولو قال: استأجرت هذه الدابة لأركبها نصف الطريق وأترك لك النصف فأولى بالصحة.
ثم العجز الشرعي كالعجز الحسي في الإبطال؛ فلو استأجر على قلع سن صحيحه، أو قطع يد صحيحة، أو استأجر حائضًا على كنس مسجد، فالإجازة فاسدة، لأن تسليمه شرعًا متعذر. ولو كان اليد متأكلة، والسن متوجعة صحت الإجارة. فإن سكن قبل القلع واستغنى عن القلع انفسخت الإجارة. ولو استأجر منكوحة الغير ظئرًا دون إذن الزوج كان للزوج أن يفسخ الإجارة عنها. وأن يسافر بها فتنفسخ، وكان له أن يطأها إن لم تختر الفسخ، والمستأجر بالخيار بين أن يرضى بالإجارة على أن الزوج يطأ أو يفسخ، فإن كان بإذنه صح، ثم لا يكون له أن يفسخ الإجارة، ولا أن يسافر بالمرأة، ولا أن يطأها، إلا أن يرضى المستأجر.
وقال أصبغ: لا يمنع الوطء إلا أن يشترطوا ذلك عليه، وإلا لم يمنع إلا أن يتبين ضرر ذلك على الصبي فيمنع حينئذ. ولو استأجرها الزوج نفسه فهو صحيح، ويجوز استئجاره لها لإرضاع ولده منها أو من غيرها.
الشرط الرابع: حصول المنفعة للمستأجر.
فلا يصح الاستئجار على العبادات التي لا تجزئ النيابة فيها، كالصلاة والصيام ونحوهما. وقد تقدم الكلام في الاستنابة في الحج والإجارة عليه. فأما حمل الجنازة، وحفر القبر، وغسل الميت، فتجزئ فيها النيابة والإجارة.
ويجوز الاستئجار على الإمامة مع الأذان، وكأن الأجرة إنما وقعت على الأذان والقيام بالمسجد لا على الصلاة. وقد أجرى عمر لسعد القرظي ﵄ رزقًا على الآذان. ولا تجوز على الصلة بانفرادها، فرضًا كانت أو غير فرض.
(ومنع ابن حبيب من ذلك مجتمعًا ومفترقًا. قال: وما رروي من عطية عمر وغيره على ذلك، ف لأن ذلك من مال الله، ونفقة لهم على قيامهم بأمر المسلمين، وكذلك كان يجري للقضاة
[ ٣ / ٩٣٠ ]
والولاة زرقًا، وهم لا يجوز لهم الأخذ من مال من حكموا له بالحق جعلًا على حكمهم).
وأجاز ابن عبد الحكم ذلك مجتمعًا ومفترقًا. ورأى أن الأجرة على ملازمة الموضع الخاص أوقات الصلوات وارتقاب الأوقات لا على أداء الصلوات أنفسها.
الشرط الخامس: كون المنفعة معلومة. وتفصيلها ينقسم أقاسم الإجارة، وهي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: استصناع الآدمي: وذلك يعرف إما بالزمان، أو بمحل العمل، كما يستأجر الخياط يومًا، أو لخياطة ثوب معين. فلو جمع بينهما وقال: استأجرتك لتخيط هذا الثوب في هذا اليوم لم يصح، لأنه ربما يتم العمل قبل اليوم أو بعده.
وفي تعليم القرآن يعرف بالزمان أو بالسور. وفي الإرضاع بعين الصبي؛ فأما الدهان وغسل الخرق ونحوه، ومحل الإرضاع فمحمول على المتعارف.
(وقال محمد بن عبد الحكم: على الظئر أن تغسل خرق الصبي ولحافه وما يحتاج إليه، وتقوم من أمره بما تقوم به (الأم) وتحمله إلى طبيب إن احتاج إلى ذلك، وتدق ريحانه وغيره مما يحتاج إليه).
القسم الثاني: في استئجار الأراضي، وفيه صور:
الأولى: أن يستأجر (للسكنى)، فيحتاج أن يعرف من الدار والحانوت والحمام كل ما تختلف به المنفعة ويتعلق به الغرض، وتقل الأجر ويكثر بحبسه.
ويعرق قدر المنفعة بالمدة، ولا تتقيد بالسنة الواحدة وشببهها، بل له أن يكري الدار إلى حد لا تتغير فيه غالبًا وينتقد. فأما ما لا يأمن تغيرها فيه لطول المدة أو ضعف البناء [وشبه ذلك]، فيجوز العقد دون النقد ما لم يغلب على الظن أنها لا تبقى إلى المدة المعينة فلا يجوز كراؤها إليها.
[ ٣ / ٩٣١ ]
ولو آخر سنين ولم يقدر حصة كل (سنة) من الأجرة صح، كما في الأشهر من سنة واحدة. ولو قال: أجرتك كل سنة بكذا، أو كل شهر بكذا صح؛ ولكل واحد منهما الترك متى شاء.
وقال ابن حبيب: السنة الأولى أو الشهر الأول لازم، ويثبت الخيار لهما فيما وراء ذلك خاصة. وقاله مطرف وابن الماجشون، (وروياه) عن مالك.
ولو اشترط عليه نقد مبلغ من الأجرة (للزمهما) العقد في المدة التي يقابلها ذلك المبلغ.
قال أبو الحسن اللخمي: "قولًا واحدًا". ولو قال: أجرتك شهرًا بدرهم وما زاد فبحسابه صح ذلك، ولزم في الشهر، وهما فيما وراءه بالخيار.
ولو قال: أجرتك سنة، ولو يعين ابتداءها صح وكان من حين العقد. ولو قال: أجرتك الأرض ولم يعين للبناء أو (للزراعة) والغرس صح، وكان له أن يفعل من ذلكما يشبه. فإن أشبه الجميع، وكان بعضه أضر بالأرض من بعض لم يصح العقد ولو قال: لتنتفع بها ما شئت جاز. ولو قال: أجرتك (للزراعة) ولم يذكر ما يزرع صح العقد، ولم يزرع إلا ما يشبه. ولو سمي صنفًا بعينه يزرعه لكان له أن يزرع غيره مما ضرره كضرره أو دونه بالأجرة، دون ما ضرره أكثر. ولو شرط عليه أن لا يزرع فيها إلا صنفًا عينه لم يجز. قال ي كتاب محمد: فإن نزل فعليه قيمة الكراء. ولو قال: أجرتك، فإن شئت فازرعها، وإن شئت فاغرسها جاز وتخير. ولو اكترى الأرض للبناء لم يشترط تعريف قدر البناء أو وصفه ولاتعريف ارتفاعه، بخلاف ما إذا اكترى جدارًا ليبني عليه.
القسم الثالث: في استئجار الدواب، وهي تستأجر لأربع جها.
الجهة الأولى: الركوب، فيشترط أن يعرف المستأجر الدابة بالرؤية أو بالصفة المشتملة على بيان ما تختلف أغراض المستأجرين بسبب اختلافه من صفات الدابة إن أورد عقد (الاستئجا) على الذمة. فيعين الجنس والنوع والذكورة والأنوثة، إلا أن تعرف العادة ذلك فيستغني بها عن ذكره.
[ ٣ / ٩٣٢ ]
وأما الراكب فلا يحتاج إلى وصف، بل لو عين بالرؤية أو بالذكر لم يتعين، وكان له أن يجعل مكانه مثله لا أضر منه. ويعرف المحمل بالسعة والضيق، ويعرف تفاصيل المعاليق. فإن أطلق في جميع ذلك وكان معلومًا بالعادة صح العقد. ولو كانت مختلفة اختلافًا متفاوتًا لم يصح العقد إلا بالتفصيل دون الإطلاق.
وأما كيفية السير وتفصيله، والسرى، ومقدار المنازل، ومحل النزول أهو في القرى أو هو ي الصحراء، فكل ذلك يتبع فيه العرف.
الجهة الثانية: استئجار الدابة للحمل. وليعرف قدر المحمول بالرؤية إن كان حاضرًا، فإن كان غائبًا فيذكر الكيل والوزن أو العدد فيما لا كبير تفاوت بين آخاده.
وحيث كان الكراء في المدة لم يشترط معرفة وصف الدابة، إلا إذا كان المنقول يختلف الغرض فيه باختلاف وصف الدابة كرجاج أو نحوه.
الجهة الثالثة: الاستقاء، وليعرف قدر الدلاء، والعدد، وموضع البئر وبعد الرشاء إذا كان مباينًا للمتعارف فيها مباينة بينة، إلا أن يكون جميع ذلك أو بعضه معلومًا بالعرف فيجتزأ به.
الجهة الرابعة: الحراثة: ولتعرف بالمدة، أو بتعيين الأرض، وتعرف صلابتها ورخاوتها. وعلى الجملة فيعرف كل ما يتفاوت به الغرض ولا يتسامح بمثله في المعاملة.
الباب الثاني: في أحكام الإجارة الصحيحة، وفيه فصلان:
الفصل الأول: في موجب الألفاظ المطلقة
ويرتبط النظر فيه بأقسام موارد العقد، وهي أربعة: الآدمي، والدور، والأراضي، والدواب.
القسم الأول: الآدمي.
واستئجار الخياط لا يوجب عليه الخيط، بل هو على المالك إلا أن تكون العادة خلافه. واستئجار الحاضنة على الحضانة لا يستتبع (الإرضاع) وكذلك الاستئجار عليه لا يستتبعها ولا يستتبع واحد منها دهن الصغير، ولا غسل خرقة ولا شيءا من خدمته، إلا أن يكون في
[ ٣ / ٩٣٣ ]
ذلك عرف فيحمل عليه كما تقدم في المشهور، وقد ذكرنا قول ابن عبد الحكم.
القسم الثاني: الدور.
وإذا هطل البيت وأضر (ذلك) بالسكان فلا يجبر ربه على أن يطينه، بل إن طينه لزم المكتري الكراء، وإن أبى أن يطينه كان للمكتري الخروج. وليس للمكتري أن يطينه من كرائه ويسكن. وقال غير ابن القاسم: (التطين) وكنس (المرحاض) مما يلزم رب الدار. وحكى أبو الحسن اللخمي (عن ابن القاسم أنه قال في المدونة: "كنس الكنيف وإصلاح ما وهي من الجدران على صاحب الدار".
قال: "وقال في المجالس: (ذلك) على السكان، وفي الفنادق على صاحبه دون المكتري". قال: "إلا أن يكون متقدمًا على العقد، ولا يصلح للسكنى إلا بإزالته، فيجبر صاحب الدار على إزالته، وأما ما ليس فيه ضرر على المكتري فيلزمه السكنى وجميع الكراء وإن لم يصلحه رب الدار. زاد أبو زيد: إلا أن يكون له (في ما انهدم) سكنى ومرفق فيحط عنه بقدره. ومن آجر دارًا ليس لها باب وميزاب، فليس عليه تجديد ذلك، إلا أن يجهل ذلك المكتري، ويكون العرف وجوده، فيكون عليه تجديده.
القسم الثالث: الأراضي، وفيها مسائل:
المسلة الأولى: إذا استؤجرت الأرض للزراعة، ولها شرب معلوم، فالعرف فيه الاتباع وإن لم يذكر.
المسألة الثانية: إذا مضت المدة والزرع باق، وقد كان ربه علم أن المدة تنقضي قبل
[ ٣ / ٩٣٤ ]
تمام الزرع بالأمد البعيد، فربها مخير بين قلع الزرع مجانًا وبين إبقائه بالأكثر من المسمى أو كراء المثل.
وإن كان ظن أن زرعه ينقضي عند تمام المدة فزاد عليها الأيام أو الشهر ونحوه فليس لربها قلعه، وله فيما زادت المدة بنسبة كراء المدة المسى. وقال الشيخ أبو محمد: "له كراء المثل لا على ما اكترى".
قال: "وفي الأم على حساب ما أكري. فطرح سحنون على حساب ما أكري في رواية يحيي، وأبقى كراء المثل".
وإن استأجر لزراعة القمح شهرين، فإن شرط القلع بعد المدة جاز وكأنه لا يبقى إلى القصيل. وإن شرط الإبقاء فهو فاسد للتناقض بينه وبين التأقيت. وإن أطلق فسد إن كان العرف الإبقاء.
ولو آجر للغرس أو للبناء سنة أو سنتين اتبع الشرط. ثم للمالك الخيار عند انقضاء الأمد في أخذ ما بني أو غرس بقيمته منقوضًا ومقلوعًا بعد إسقاط أجرة إخلاء العرضة من النقض إن كان المستأجر يحتاج إلى الاستئجار على ذلك، أو تكليف المستأجر القلع وإخلاء الأرض.
المسألة الثالثة: إذا استأجر أرضًا ليزرع فيها صنفًا، فله أن يزرع فيها غيره مما هو أقل ضررًا بالأرض، وليس له أن يزرع ما ضرره بالأرض أكثر من ضرر ما استؤجرت له.
وكذلك إذا استأجر حانوتًا لصنعة، فلا يباشر ما ضرره به فوق ضررها، ويفعل ما ضرره به دون ضررها أو مثله.
فرع: لو استأجر للقمح أو غيره، فزرع ما هو أرض بالأرض منه، فللآجر القلع في الحال، فإن لم يقلع حتى مضت المدة فله أخذه بالكراء الأول، وما بين القيمتين.
القسم الرابع: الدواب، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أنه يجب على مكري الدابة تسليم ما جرت العادة بتسليمه معها من أكاف وبرذعة وحزام وسراج وسرج في الفرس، وشبه ذلك مما هو المعتاد، إذ ما يقتضيه العرف فهو فهو كالمشترط
[ ٣ / ٩٣٥ ]
المسألة الثانية: أنه يلزم الكري إعانة الراكب في النزول والركوب في المهمات المتكررة على ما هو المعتاد. وكذلك الحكم في رفع الحمل وحطه، وكذا في المحمل إذا كان جميع ذلك متعارفًا.
المسألة الثالثة: يجب تقدير الطعام لمحمول، فإن فني رجع في البذل وعدمه إلى العرف.
المسألة الرابعة: إذا تلفت الدابة المعينة انفسخت الإجارة، وإن أورد على الذمة فسلم دابة فتلفت، لم (تنفسخ): الإجارة، وكذا إن وجد بها عيبًا.
المسألة الخامسة: أنه يجوز إبدال مستوفي المنافع، فله أن يركب مثل نفسه، بل له أن يؤاجر الدابة والدار غيره، واستثقل مالك إجارة دابة الركوب خاصة إلا أن يموت أو يبدو له عن السفر. وليس له إبدال الصبي الذي عين للإرضاع والتعليم.
فرع: إذا استأجر ثوبًا للبس نزعه في الأوقات التي العادة نزعه فيها كالليل والقايلة.
الفصل الثاني: في الضمان
ويد المستأجر يد أمانة على المعروف من المذهب. وحكي في التضمين قول بعيد.
أما يد الأجير على السلعة التي أسلمت إليه ليؤثر فيها بصناعة، كالثوب يسلم للخياطأو الصباغ أوالقصار وشبه ذلك، فيد كل واحد منهم يد ضمان إذا انتصب للصنعة، سواء عمل في حانوته أو بيته، عمل ذلك بأجر أو بغير أجر، تلف بصنعه أو بغير صنعة.
فإن لم ينتصب فيده يد أمانة. وكذلك لو دعى إلى بيت رب السلعة يعمل له فيه، وكذلك لو لازمه صاحبه. وعلى هذا يختلف حاله بالإضافة إلى أرباب السلع، فيضمن لبعض ولا يضمن لبعض.
والتضمين حيث قلنا به منقول عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود ﵃.
[ ٣ / ٩٣٦ ]
ثم الواجب بالضمان القيمة يوم دفع الثوب إلى الصانع وإن كان قد عمله ثم ادعى ضياعه إلا أن تقوم له بينة. فإن قامت بينة بهلاكه من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه، وإن ثبت بالبينة هلاكه بعد عمله فلا شيء عليه من الضمان.
قال ابن القاسم: ولا شيء له من الأجرة، إذ لم يسلم الصنعة إلى رب المتاع.
وقال ابن المواز: تكون له الأجرة. فرأى وضع الصنعة في سلعة المالك كوضعها في يده. وقال أشهب: لا يسقط الضمان بقيام البينة: لأن (أصل) القبض٢ على الضمان.
ولو شرط نفي الضمان لن ينفعه الشرط في قول ابن القاسم وروايته. وروى أشهب: أنه ينفعه ويسقط الضمان عنه.
فرع: لو كان للأجير المشترك أجراء أو صناع تحت يده، فتلف أو ضاع في أيديهم شيء من الأمتعة من غير تعد ولا تفريط لم يضمنوا، لأن (كلا منهم) أجبر خاص للأجير المشترك، لكن يضمنه الأجير المشترك لربه.
ولا ضمان على الأجير على الحمل إن عثر، ا، سقط ما حمله، أو انقطعت أحبله، وهو مصدق فيما يدعيه من ذلك، ما لم يغر من عثار أو ضعف أحبل أو شبهه؛ أو يكون منه تعد أو تفريط إلا في الطام والأدام فإنه ضامن على كل حال، وإن لم يكن منه غرور ولا تفريط إذا لم تقم له بينة على تلفه. وإنما اختص الطعام بذلك لمسيس حاجة الناس إليه وضرورتهم، ولو لم يضمنوا لتسرعوا إلى أخذه إذ لا بدل عليهم فيه، فيؤدي ذلك إلى امتناع الناس من الحمل معهم، وتدخل المرة على الفريقين، فضمنوا دفعًا لها. وبتضمينهم قال ربيعة والفقهاء السبعة.
فروع أربعة:
الفرع الأول: في ضمان الصانع ما لا صنعة له فيه، إذا كان مما لا يستغني عن حضوره عند الصانع، مثل الكتاب المنتسخ منه، والمثال الذي يعمل عليه، وجفن السيف الذي يصاغ على نصله إذا كان بحيث لو سلم للصانع بغير جفن فسد، ومثل ظرف القمح والعجين. فقال محمد: يضمنه الصانع. وقال سحنون: لا ضمان عليه.
[ ٣ / ٩٣٧ ]
إذا غسل ثوب غيره، أو حلق رأسه، أو دلكه من غير استدعاء.
وبالجملة فكل من عمل لغيره عملًا أو أوصل إليه نفعًا، من مال أو غيره، بأمره أو بغير أمره، فعلهي رد مثل ذلك المال، وأجرة المثل في ذلك العمل، إن كان من الأعمال التي لابد له من الاستئجار عليها، أو من المال الذي لابد من إنفاقه. فأما إن كان ذلك من الأعمال التي كان يليها بيده أو يليها عبده، أو كان المال من المال الذي يسقط مثله عنه، فلا شيء عليه منه. والقول قول العامل والمنفق: إنه لم يتبرع.
وكذلك من دخل الحمام لزمته الأجرة، بل هو ألوى. ولا ضمان على صاحب الحمام إذا ضاعت الثياب بغير تقصير.
الفرع الثالث: إذا استأجر دابة ليحمل عليها عشرة (أصوع) فحمل أكثر من ذلك، فعطبت الدابة، فإن كان زاد ما تعطب في مثله، خير ربها بين أخذه بقيمة كراء ما زاد على الدابة ما بلغ مع الكراء الأول أو قيمة الدابة يوم التعدي ولا كراء له.
قال الشيخ أبو محمد: هذا إن زاد في أول حمله. وإن كانت الزيادة مما لا تعطب في مثله، فله كراء الزيادة مع الكراء الأول، ولا خيار له في غير ذلك".
الفرع الرابع: في اختلاف الصانع والمصنوع له، وفيه مسائل:
الأولى: أن يقول رب المتاع للصانع: لم أسلمه لك بل سرق مني، ويقول الصانع: بلا استعصتني فيه، فقال ابن القاسم: يتحالفان، ثم يقال لربه: ادفع له قيمة عمله وخذه؛ فإن أبي، قيل للعامل: ادفع إليه قيمة متاعه بغير عمل، فإن أبيا كانا شريكين، هذا بقيمة متاعه، وهذا بقيمة عمله. وقال غيره: العامل مدع، ولا يكونان شريكين.
الثانية: إذا قال رب المتاع فيما عمل الصانع فيه صنعة: إنه أودعه إياه، وقال الصانع: بل استعملتني فيه، فقال ابن القاسم: الصانع مصدق، لا، هم لا يشهدون في هذا، ولو جاز هذا لذهبت أعمالهم. وقال غيره: بل الصانع مدع.
الثالثة: إذا ادعى أنه [عمله] (باطلًا)، وقال الصانع: (بأجرة) كذا، فقال ابن القاسم: يصدق الصانع، فيما يشبه من الأجر، وإلا رد إلى (أجرة مثله. وقال غيره: يحلف ويأخذ الأقلمما ادعاه أو من أجر مثله.
[ ٣ / ٩٣٨ ]
الرابعة: إذا صاغ الصائغ سوارين، فقال ربهما: أمرتك بخلخالين، فالصانع مصدق. قال سحنون: لأن أرباب المتاع يدعون تضمينهم. فالقول قول الصناع مع أيمانهم، ولهم أجر عملهم، إلا أن يزيد على ما سموا فلا يزاد.
الخامسة: إذا قال الصانع: عملت هذا الخلخال بخمسة، وقال ربه: بثلاثة. أو قال الخياط: خطت لك القميص بأربعة، وقال ربه: بدرهمين، فالقول قول الصانع ها هنا. بخلاف البناء يقول: بنيت هذا البناء بدينار، ويقول ربه: بنصف دينار، فالقول قول ربه مع يمينه، لأنه حائز لذلك، إلا أن يدعي ما لا يشبه. وكل من الصائغ والخياط ومن أشبهنهما حائز لعمله.
السادسة: إذا ادعى على (صانع) أنهدفع له متاعًا للعمل فأنكره، أحلفه أو أقام البينة عليه، فإن أقر الصانع بقبضه، وقال: عملته ورددته إليك، كلف البينة، وإلا ضمنه.
وعلى جميع الصناع البينة أنهم ردوا المتاع، عملوه بأجر أو بغير أجر، أخذوه ببينة أو بغير بينة، إذا أقروا به.
وقال ابن الماجشون: القول قول الصناع في رد المتاع، إلا أن يدفع إليهم ببينة فلا يبرأ إلا ببينة.
الباب الثالث: في الطوارئ الموجبة للفسخ، (وهي) ثلاثة أقسام
الأول: ما ينقص المنفعة نقصًا يتضرر المكتري بالمقام معه، ويأبى الآجر إصلاحه، أو يكون على المستأجر، في الصبر [للإصلاح]، ضرر لطول مدة، أو ما لا يمكن البقاء معه من الضرر، فهو سبب للخيار في فسخ العقد قبل القبض وبعده.
أما لو ظهر للعاقد عذر، بأن تخلف عن السفر بعد استئجار الدابة، أو تغيرت حرفته بعد استئجار الحانوت، أو مرض، لكان العقد لازمًا له، إذ لا خلل في المعقود عليه.
وكذلك لو استأجر أرضًا للزراعة فزرعها، ففسد زرعها بجائحة أصابته في نفس الزرع، كالطير والجراد والجليد والبرد، وغيره مما عد في جوائح الثمار فلا يحط لشيء من ذلك شيء من الأجرة.
وأما إن فسد الزرع من جهة فساد الأرض، قال أبو الحسن اللخمي: "فإن كانت كثيرة
[ ٣ / ٩٣٩ ]
الدود والفأر فكان ذلك سبب فساده، فإن الكراء يسقط (عنه)، كان هلاكه في الإبان أو بعده. وكذلك إن كان سبب هلاكه العطش. وأما إن كان من الغرق فتختلف الحال فيه، فإن كان في الإبان بحيث لو انحسر الماء عن الأرض لأمكن زرعها سقط الكراء عنه، وإن كان الغرق بعد الإبان فلا يسقط عنه شيء من الكراء".
القسم الثاني: فوات المنفعة بالكلية، كموت الدابة والأجير المعينين، وانهدام الدار، (وهو) مقتض للفسخ، وكذلك انقطاع شرب الأرض.
فأما موت أحد المتعاقدين أو كليهما فلا فسخ العقد، بل يقوم وارث كل عاقد مقامه. وأما الصبي المرتضع أو المتعلم فتفسخ الإجارة بموته.
ولو هلك الثوب المستأجر على خياطته كان له أن يبدله بغيره، على الظاهر من المذهب.
قال القاضي أبو محمد؛ "الظاهر من مذهب أصحابنا أن محل استيفاء المنافع لا يتعين في الإجارة، وأنه إن عين فذلك كالوصف لا ينفسخ العقد بتلفه، بخلاف العين المستأجر".
وإذا غصبت الدار المستأجرة حتى انقضت المدة انفسخ الكراء، وسواء في ذلك غصب الرقبة أو المنفعة خاصة. وكذلك أمر السلطان بغلق الحوانيت.
ولو أقر المكتري للغاصب بالرقبة قبل إقراره في الرقبة. ولا يفوت حق المنفعة تبعًا على المستأجر، بل له مخاصمة الغاصب لأجل حقه في المنفعة. ومهما حبس المكتري الدابة حتى مضت المدة المعينة استقرت الأجرة.
ول لم تكن مدة الكراء معينة فحبسها ولم يستعملها، فعلهي كراء المثل لمدة حبسها، والكراء الأول قائم بينهما، ولو استعملها في غير ما استأجرها له، فعليه كراء ما استعملها فيه، والكراء الأول باق بحاله.
وإذا أخلفه الكري حتى فاته تلقي رجل أو غيره فلا يفسخ الكراء بذلك، إلا في الحج فقط، لأن أيام الحج معينة، فإذا فاتت يفسخ. وكذلك مكري أيامًا بأعيانها، ولا يتمادى إن رضيا.
القسم الثالث: ما يمنع من استيفاء المنفعة شرعًا، وهو يوجب الفسخ أيضًا، كما لو سكن ألم السن المستأجر على قلعه، أو عفي عن القصاص المستأجر على استيفائه
[ ٣ / ٩٤٠ ]
فروع:
أحدها: إذا مات البطن الأول من أرباب الوقف بعد الإجارة وقبل تقضي مدتها انفسخت الإجارة في باقي المدة، لأنه تناول بالإجارة ما لا حق له فيه. وقيل: إذا أكرى مدة يجوز الكراء إليها لزم باقيها.
الثاني: إذا أجر الولي الصبي مدة، فبلغ ورشد قبل انقضائها، انفسخت الإجارة عنه، ولم تلزمه باق يالمدة، إلا أن يكون أجرة مدة لا يظن به البلوغ فيها فبلغ على خلاف الظن ويكون الباقي من المدة كالشهر ويسير الأيام فيلزمه ذلك. وأما أن أكرى ربعه أو دابته أو رقيقه سنين، فاحتلم بعد مضي سنة، فإن كان يظن بمثله إلا يحتلم في تلك المدة، فعجل عليه الاحتلام وأنس منه الرشد، فلا فسخ له، ويلزمه باقيها. وقيل: لا يلزمه إلا فيما قل.
وأما إن عقد عليه أمدًا يعلم أنه يبلغ قبله فلا يلزمه في نفسه، ولا فيما يملك من ربع وغيره.
وأما السفيه البالغ يؤاجر عليه وليه أو السلطان ربعه أو رقيقه سنتين أو ثلاثًا، ثم تنتقل حاله قبل انقضاء مدة الإجارة إلى الرشد فتلزمه الإجارة. وقيل: إنما يجوز أن يكري على هذا مثل السنة ونحوها لأنه جل كراء الناس، ويرجى تغير حاله (كل يوم). وأما ما كثر فله فسخه.
الثالث: لا تنفسخ إجارة العبد بعتقه، بل الإجارة أملك به، وهو حر بتمامها، ولا يلحقه دين، وأحكامه أحكام العبد. قال ابن حبيب: فإن اختلفا في إجارته، لمن هي؟، فقال يسأل سيده، فإن قال: أردت أن يكون حرًا بعد تمام مدة الإجارة صدق وكانت الإجارة له قبضها أو لم يقبضها.
الرابع: لو ظهر من مستأجر الدار فسوق أو دعارة أو شرب خمر، أو تبين أنه سارق ويخشى على أبوابها أو غير ذلك منه، لم تنفسخ الإجارة بذلك، ولكن السلطان يكف أذاه عن رب الدار وعن الجيران، وإن رأى أن يخرجه يؤاجرها عليه فعل. ثم لا يقف إخراجه على حضور من يكتريها، بل يخرج ويؤدي الأجرة وينتظر حضور الراغب.
قال في كتاب ابن حبيب في الفاسق يكون بين أظهر القو في دار نفسه: إن السلطان
[ ٣ / ٩٤١ ]
يعاقبه ويمنعه، فإن لم ينته، وكان يتردد لأذى الجيران ويقول: إنما آتي لداري، وما أشبه ذلك، فإنها تباع عليه.
الخامس: من آجر أمته فله أن يطأها، فإن حملت وجبت المحاسبة، ولا يمنع الوطء، كما لا يمنعه من استؤجر مع زوجته، إلا في الظئر على ما تقدم.
السادس: إذا بيعت الدار المستأجرة من المستأجر صح البيع ولم تنفسخ الإجارة، واستوفى المبتاع المنفعة بحكم الإجارة. ولو باعها من غيره لصح أيضًا واستمرت الإجارة إلى آخر المدة.
وروي تخصيص الصحة في ذلك بالمدة السيرة كالسنتين والثلاث، وما قارب ذلك، والكراهية في المدة الطويلة.
وكذلك يصح بيع الرقبة واستثناء المنفعة مدة لا يتغير المبيع فيها، وتصح من المستأجر إجارة الدار للمالك، كما تصح للأجنبي.
خاتمة الكتاب: بذكر فرعين في أحكام السفر
الفرع الأول:
اختلف أصحابنا في كراء ما تحمله السفن إذا عطبت في البحر قبل وصولها أو عرض لها عارض منعها من البلوغ فذهب ابن القاسم إلى أن كراء السفن إنما هو على البلاغ ولا شيء لربها إلا أن (تبلغ) الموضع، ولو غرقت بالساحل لم يكن له من الأجرة شيء.
وذهب ابن نافع إلى حكمها حكم البر، ما سارت (ولربها) بحساب ذلك. وفرق أصبغ، فقال: إن لم يزل ملحجًا حتى عطبت لم يدرك مكانًا يمكنه النزول فيه عامرًا لا يخاف على نفسه ولا على إحماله شيءا، ويمكنه منه التقدم إلى الموضع الذي أكري إليه آمنًا ولم يحاذه، فلا شيء له من الكراء، وإن أدركه أو خاذاه فله من الأجرة بحسابه.
[ ٣ / ٩٤٢ ]
الفرع الثاني: في ما يطرح من السفن:
وغذا خيف على السفينة الغرق جاز طرح بعض ما فيها من المتاع إذا رجي بذلك نجاتها، ولكون المطروح بينهم على قدر أموالهم، أذن أرباب (الأموال في طرحه أو لم يأذنوا.
ويتصدى النظر في صفته ما يطرح، وفي حين تقويمه وفي محل توزيع القيمة، أما ما يطرح فهو جنس الأموال سوى الآدمي، ويبدأ منها بما ثقل جسمه أو عظ جرمه دون ما خف وزنه وكثر ثمنه.
وأما حين اعتبار [تقويمه]، فقيل: حين التلف في موضعه كسائر المتلفات، وقيل: بل في أقرب المواضع التي تتقوم فيه، إذ لا قيمة له حين التلف بموضعه. وقيل: قيمته في المكان الذي يحمل إليه، وقيل: المعتبر الثمن الذي اشترى به.
وأما محل التوزيع فهو مال التجارة، أعني كل ما حمل في السفينة للتجارة كان مما يطرح أو مما لا يطرح.
[ ٣ / ٩٤٣ ]