وحقيقته في اللغة: اللبث في المكان. وفي الشريعة: اللبث في المسجد للعبادة.
وهو قربة، ومن نوافل الخير، لا سيما في العشر الأواخر من شهر رمضان لطلب ليلة القدر.
وقد اختلف في قوله ﷺ: «التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» هل المقصود ظاهر هذا اللفظ؟ أو يكون المقصود ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين؟ فيكون معنى اللفظ: لتسع بقين، ولسبع بقين، ولخمس بقين. وهذا هو قول مالك في الكتاب من رواية ابن وهب ".
ثم النظر في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في أركانه، وهي أربعة:
الركن الأول: استمرار الإقامة على عمل مخصوص، وهو ما خصه من العبادة كالصلاة، وقراءة القرآن، وذكر الله ﵎. وقيل: جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، القاصرة، والمتعدية في ذلك سواء، ومع الكف عن الجماع ومقدماته. ويجوز له أن يأمر ببعض شؤونه، وما فيه مصلحة معاشه، ولا بأس أن يعقد النكاح وأن يتطيب.
[ ١ / ٢٦١ ]
الركن الثاني: المعتكف
الركن الرابع: المعتكف
الركن الثاني: المعتكف، وهو كل مسلم عاقل، فيصح اعتكاف الصبي والرقيق، والردة والسكر المكتسب مانعان من الصحة، قارنا الابتداء أو طرآ، ويجب استئنافه بطروء أحدهما.
وأما زوال العقل من غير اكتساب، كالجنون والإغماء، فيوجبان البناء دون الاستئناف، ولو صدر منه يوجب الكفارة في الصيام أفسد الاعتكاف.
فأما لو صدرت منه كبيرة، فإنها تبطل الاعتكاف عند العراقيين، وإن لم تبطل الصوم، كالقذف وشرب الخمر ليلا، ولا يبطل الاعتكاف بذلك عند المغاربة، ثم حيث بطل وجب قضاؤه.
وكذلك إن انقطع اتصاله بما لا يسقط معه قضاء الصوم، فإن كان بحيث يسقط فيه قضاء الصوم، فلا يجب قضاء الاعتكاف. ويختلف في وجوب قضائه حيث يختلف في وجوب قضاء الصوم.
الركن الثالث: الصوم.
ولا يصح الاعتكاف دونه، ولا يشترط كونه له. فلا يصح اعتكاف بعض يوم، ولو طرأ عليه ما يمنع الصوم فقط، ففي وجوب المقام في المسجد مع تعذر الصوم خلاف، وذلك كالمريض القادر على الملازمة دون الصوم، أو يصح في بعض النوم، أو تظهر الحائض في (أضعاف) النهار وتغتسل.
وكذلك المعتكف أواخر شهر رمضان أياما يتخللها العيد. وإذا قلنا في هذا باللزوم، فالخلاف أيضا في خروجه إلى العيد، وهو على مراعاة الخلاف في أنه لا يلزمه اللزوم.
الركن الرابع: المعتكف: وهو المسجد، ويعتكف في عجزه ورحابه. (ويكره للمؤذن المعتكف أن يرقى على ظهر المسجد. واختلف قوله في صعوده المنار، فمرة قال: لا، ومرة قال: نعم، وجل قوله فيه: الكراهة، وهو رأي ابن القاسم).
ويستوي في ذلك جميع المساجد، إلا إذا نوى مدة يتعين عليه إتيان الجمعة في أثنائها، فيتعين الجامع، وقيل بل يكره الاعتكاف حينئذ في غيره فقط.
ومنشأ الخلاف: هل يبطل الاعتكاف بخروجه إلى الجمعة، وهو المشهور، أم لا؟
[ ١ / ٢٦٢ ]
فإن فرعنا على عدم الإبطال، فإنه يتم اعتكافه ي الجامع وقيل: يعود إلى مسجده، فيتم فيه، ولا يصلح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها.
الفصل الثاني: في حكم النذر
والنظر في ثلاثة أمور:
الأول: التتابع، فإذا قال الله علي أن أعتكف شهرا لزمه التتابع وإن لم يشترطه.
ولو قال: أعتكف هذا الشهر فسد أوله بتعمد فساد آخره، واستأنفه متتابعا في القضاء والشروع، كالنذر.
الثاني: في استتباع الليالي، فإذا نذر اعتكاف شهر دخلت الليالي، ويكفيه شهر بالأهلة، وكذلك لو نذر اعتكاف يوم أو أيام دخلت ليلته ولياليها.
ولا يفترق الليل والنهار في شيء من أحكام الاعتكاف (سوى) الصوم.
الثالث: في قاطع التتابع، وهو انقطاع بعض شروط الاعتكاف، ومن ذلك الخروج عن المسجد لغير عذر، وأما العذر فعلى مراتب:
الأولى: الخروج لقضاء الحاجة، وهو غير ضار، ولا يجب قضاء تلك الأوقات، ولا تجديد النية عند العود. ولا فرق بين قرب المكان وبعده، إذا لم يجد أقرب منه، وبين أن يكثر الخروج لقضاء الحاجة (أو يقل)، ولا يشتغل بعيادة مريض في الطريق، ولا بصلة الجنازة، فإن جامع عامدا في وقت قضاء الحاجة أبطل اعتكافه، واستأنفه.
(الرتبة) الثانية: الخروج للمرض والحيض والنسيان.
وليس بقاطع للتابع أيضا.
(الرتبة) الثالثة: خروجه مضطرا لما تعين عليه من حق الله تعالى، كجهاد، أو حق آدمي كحبس في دين، وفي بطلان اعتكافه بذلك لأنه قاطع لاتصاله كقطع الصلاة بفعل يضادها، وعدم بطلانه لأنه ضروري، كالمرض والحيض، قولان.
وهذا ما لم يقصد بالاعتكاف الهرب من حق وجب عليه فيلزمه الخروج، ويبطل اعتكافه
[ ١ / ٢٦٣ ]
قولا واحدا، وفي بطلانه بالخروج مكرها خلاف.
ولو اشترط الخروج لغير ما ذكر جواز خروجه له، لم ينفعه اشتراطه، وكان وجوده كعدمه.
الفصل الثالث: في حكم الاعتكاف
عند الدخول فيه والخروج منه، وحالة طروء العذر القاطع.
فأما الدخول، فإن حصل قبل غروب الشمس من ليلة اليوم الذي قصد اعتكافه أجزأه بلا خلاف، وإن حصل بعد طلوع فجره لم يجزئه.
فإن دخل بين غروب الشمس وطلوع الفجر، ففي الصحة والبطلان خلاف؛ منشئه طلب استكمال النهار، وقد حصل، وهو (قول القاضي (أبي محمد). واستواء الليل والنهار في أحكام الاعتكاف سوى الصوم، ولم يحصل؛ إذ لا يصح استيفاء جميع أجزاء الليل إلا دخل قبل الغروب، وهذا قول ابن الماجشون، وهو ظاهر قول مالك.
وأما الخروج منه فلا شك أنه إذا خرج بعد غروب الشمس من آخر يوم من أيام اعتكافه، كان ذلك جائزا وصح اعتكافه، إلا إذا كان الاعتكاف للعشر الأواخر من شهر رمضان، فإنه يؤمر ببقائه في معتكفه إلى حيث يخرج منه إلى العيد. وروى سحنون عن ابن القاسم: " أنه يخرج من معتكفه ليلة الفطر "، وعمدة الفرق (فعل (الرسول) ﷺ).
ثم إذا فرعنا على البقاء، فهل ذلك واجب، أو مندوب إليه؟ قال القاضي أبو محمد: هو مندوب إليه ". وقال ابن الماجشون وسحنون: هو على الوجوب.
وثمرة هذا الاختلاف: فساد الاعتكاف بالخروج إذا قلنا بوجوب البقاء، وعدم الفساد إذا قلنا باستحبابه. ولذلك قال سحنون: إن خرج ليلة الفطر بطل اعتكافه.
وأما حالة طروء العذر، فحكمه البقاء على ما يقدر عليه من أفعال الاعتكاف، ولا يسقط عنه إلا ما عجز عنه، فالحائض تفعل ما لا يمنعها الحيض منه، كملازمة الذكر، (وتجنب) الاستمتاع والاشتغال بما يمنع المعتكف منه، ويسقط عنها الصوم، وملازمة المسجد.
وكذلك المريض إذا عجز عن الصوم أو تعذر عليه دخول المسجد لمرضه، أو اجتمعا له.
[ ١ / ٢٦٤ ]
فرع:
قال سحنون: اعتكف في رمضان فمرض، ثم خرج رمضان ثم أفاق، فعليه إذا أفاق قضاء الصيام، وليعتكف فيه.
وأما لو كان في غير رمضان فلا قضاء عليه لما مرض فيه. وقال ابن عبدوس: إن مرض قبل أن يدخل فيه في غير رمضان، فلا يلزمه شيء مما مرض فيه. قال الشيخ أبو محمد: " يريد وهي أيام بأعيانها نذرها "، قال: " وأما إن مرض بعد أن دخل فيه، فليقض ما مرض فيه لبقاء حرمة العكوف عيه ". [تم كتاب الاعتكاف والحمد على ذلك].
[ ١ / ٢٦٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد]