وهو إيجاب وإلزام. والنظر في أركانه وأحكامه
[النظر الأول: في أركانه]
أما الأركان فهي: اللفظ، والأهلية.
أما اللفظ: فصريحه [قوله]: دبرتك، أو أنت مدبر، أو أنت حر عن دبر مني، أو أنت حر بعد موتي تدبيرًا، أو أنت عتيق عن (دبر). وما أشبه ذلك من الألفاظ التي تفيد تعليق عتقه بموته على الإطلاق لا على وجه الوصية، كما إذا قيد بوجه مخصوص كقوله: "إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا، فإن هذا يكون وصية لا تدبيرًا، فأما لو اقتصر على قوله: أنت حر بعد موتي أو يوم أموت، فهذا يكون وصية ما لم ينو به التدبير.
وقال أشهب: إذا قال هذا في صحته من غير إحداث وصية لسفر، أو لقوله ﷺ: "لا ينبغي لأحد أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة". فهو تدبير.
ولو قال: إن دخلت الدار فأنت مدبر، فلا يصير مدبرًا ما لم يدخل الدار.
ولو قال: أنت حر قبل موتي بسنة، نظر، فإن كان السيد مليًا أسلم إليه لخدمته، فإذا مات نظر أيضًا، فإن كان الأجل حل والسيد صحيح كان العبد من رأس ماله ورجع بكراء خدمته بعد الأجل من رأس مال السيد، وإن حل وهو مريض فهو من ثلثه ولا رجوع له بخدمته. وإن كانالسيد غير ملي خورج العبد [وأوقف] خراجه، فإذا مضت السنة وشهر بعدها من السنة الثانية أعطي السيد خراج شهر من السنة الماضية (بقدر ما ينوب كل شهر من الخراج، فكلما مضى شهر من هذه أعطي خراج شهر) من [تلك].
[ ٣ / ١٢٠٠ ]
الركن الثاني: [الأهلية]. ولا يصح التدبير من المجنون وغير المميز. وينفذ من المميز، ولا ينفذ من السفيه، وينفذ من ذات الزوج، وإن لم يكن لها سوى ما دبرت. قال ابنالقاسم: لأنها لا يخرج [من] يدها شيئ، بخلاف العتق. وقال سحنون: لا يجوز لها ذلك إلا بإذن زوجها. وقاله مطرف وابن الماجشون.
وأما الكافر الأصلي فيصح تدبيره لعبده بعد إسلامه، ثم يعتق عليه في قول مطرف لأنه منعنا من بيعه. ويؤاجر عليه في قول ابن القاسم.
ومن دبر نصيبه من عبد مشترك لم يسر إلى الباقي، لكن يتقاويانه فيكون رقيقًا كله أو مدبرًا كله. وروي: إن شاء الشريك قوم عليه، وإن شاء قاواه. وروي أيضًا: إن شاء ترك نصفه مدبرًا.
وكذلك لو دبر بإذن شريكه بقي نصفه مدبرًا، ولا حجة للعبد في التقويم. وروى ابن حبيب عن مطرف: أنه إن شاء (قاوى) أو (قوم) أو تماسك. قال مطرف: سواء كان الذي دبر موسرًا أو معسرًا. وروى أشهب في من دبر حصته بإذن الشريك أو بغير إذنه، أنه ليس للشريك الرضا بالتماسك، ولابد من المقاواة.
النظر الثاني: في أحكامه: وله أحكام:
الحكم الأول: ويرتفع بقتل سيده عمدًا، أو باسترقاق الدين له وللتركة، أو بمجاوزة الثلث. وهذا القسم يرفع كمال الحرية لا أصلها، فإذادبر عبدًالا مال له غيره عتق بموته ثلثه. وكذا لو دبر في الصحة. ولو ضاق الثلث وكان للسيد دين مؤجر على حاضر بيع بانقد فإن كان على غائب قريب الغيبة، وهو حال استوى بالعتق حتى يقبض الدين. وإن كان بعيد الغيبة، أو على حاضر معدم، بيع المدبر للغرماء الآن. فإن حضر بعد ذلك الغائب، أو أيسر المعدم، والعبد بيد الورثة، أعتق في ثلث ذلك بعد قضاء الدين. واختلف إذا خرج عن أيديهم ببيع، فقال ابن القاسم فيالعتبية: "يكون ما يقتضي من الدين للورثة ولا شيئ فيه للمدبر".
وقال عيسى وأصبغ: "يعتق منه حيث كان". قال الشيخ أبو محمد: "والذي قال عيسى
[ ٣ / ١٢٠١ ]
هو المعروف عن مالك وأصحابه في كل ديوان ذكرناه.
قال أبو الحسن اللخمي: "وهو ظاهر الكتاب، والأول أقيس"، ولا يرتفع بإزالة الملك، إذ لا يجوز له بيعه ولا المعاوضة عليه ولا الوصية به، ولا يخرجه (عن) ملكه إلا بالحرية، ولا له رفعه بالرجوع عنه إذ هو إيجاب لازم لموجبه. ولو جنى لم يبع في جنايته، وأسلمت خدمته فيختدمه المجني عليه بقدر أرض الجناية. إن شاء السيد، وإن شاء افتدى خدمته بقدر أرض الجناية. ثم إن استوفى من خدمته أرش الجناية والسيد حي رجع إليه مدبرًا على حاله. وإن مات السيد قبل ذلك وله مال يخرج المدبر من ثلثه، عتق، وكان ما بقي من أرش جنايته دينًا في ذمته. وقيل: لا شيئ عليه مما يبقى من أرش جنايته. فإن لم يكن لسيده مال غيرهعتق ثلثه ورق ثلثاه، وكان عليه ثلث ما بقي من أرش جنايته دينًا في ذمته، على ما تقدم، وكان ثلثًا ما بقي متعلقًا برقبته، وخير الورثة بين إسلام ثلثيه في الجناية وافتكاكه بثلثي ما بقي من الأرش. فإن جرح اثنين تحاصًا في خدمته. ولو جرح واحدًا فأسلم إليه ليختدمه فجرح آخر بعد إسلامه تحاصًا أيضًا في خدمته ببقية جناية الأول، وجملة جناية الثاني بخلاف القن لأنه قد ملكه المجني عليه إذا اسلم إليه، فإذا جنى خير هذا الذي قد ملكه كما خير الأول. والمجني عليه في المدبر لم يملك الخدمة لأنه إنما تجب له أولًا فأولًا، ولايكون أولى بما يأتي من الثاني. وخرج فيها الشيخ أبو القاسم وجهًا آخر وهو: أن يخير المجروح الأول في افتكاكه أو إسلامه، فإن افتكه اختص بخدمته، وإن أسلمه بطل حقه من خدمته.
فرع: روى أشهب أنه إذا جنى المدبر الصغير الذي لا عمل عنده لم يسلم حتى تبلغ (الخدمة)، فإن مات قبل ذلك سقط حق المجني عليه. وكذلك المدبرة لا عمل عندها ولا صنعة، قيل: فلم تؤخر المدبرة الكبيرة التي لا عمل عندها، قال: قد يموت سيدها أو يصيب مالًا أو يكون شيئ.
الحكم الثاني: السراية. وولد المدبر من أمته بمنزلته، وكذلك ولد المدبرة من غير سيدها بمنزلتها.
وإذا مات السيد والمدبرة حامل عتق معها حملها. وإن كانت حاملًا عند التدبير فولدها
[ ٣ / ١٢٠٢ ]
أيضًا بمنزلتها، علم بحملها أو لم يعلم. واختلف في أمة المدبر إذا حملت منه بعد التدبير ثم عتق هل [تصير بذلك] أم ولد أم لا؟
الحكم الثالث: فيمن دبر عبيدًا، فإن حمل الثلث جميعهم خرجوا منه، وإن ضاق بهم، فإن كانوا مترتبين قدم الأول فالأول وإن كانوا مدبرين في كلمة واحدة تحاصوا في الثلث بلا سهم.
الحكم الرابع: في ماله في حياة سيده وبعد وفاته.
أما في حياة السيد، فللسيد أخذ ماله ما لم تحضره الوفاة أو يفلس وليس للغرماء أخذ ماله.
وأما حكمه بعد وفاة سيده فإنه يقوم به. (قال ابن القاسم: "إن حمله الثلث بماله عتق، وإن لم يحمله بماله عتق منه بحمل الثلث، وأقر ماله بيده".
قال سحنون عن ابن القاسم: إذا كان قيمة المدبر مائة دينار وماله مائة دينار وترك سيده مائة دينار، فإنه يعتق نصف ويقر ماله بيده، لأن قيمته بماله مائتان، ولاينزع منه شيئ، هذا قول مالك.
وقال ابن وهب: "يجمع المدبر وماله إلى مال الميت، فإن خرج المدبر بماله في ثلث ذلك عتق وكان ماله في يديه، وإن كان الثلث يحمل رقبته وبعض ماله عتق وكان له من ماله ما حمله الثلث مع رقبته. وإن لم يدع غير المدبر وماله، وقيمة رقبته مائة وله [ثمان] مائة، عتق المدبر وكان له مائتا دينار من ماله، هكذا يحسب وكذلك يضم ماله إلى ما ترك الميت).
[ ٣ / ١٢٠٣ ]