الدماء خطيرة القدر في الدين، عظيمة الحرمة عند الله تعالى، وأدلة الشريعة من الكتاب ولاسنة والإجماع (مطابقة) على أن القتل كبيرة فاحشة موجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة.
وموجباتها في الدنيا خمسة: القصاص، والدية، والكفارة، والتعزير، والقيمة.
والنظر في القصاص في [النفوس] والأطراف. ومن النفس في الموجب والواجب والموجب للقصاص له ثلاثة أركان.
الركن الأول: القتل.
وهو كل فعل عمد محض عدوان من حيث كونه مزهقًا للروح. والنظر في أطراف.
الأول: في العمد المحض.
والخطأ: ما لا قصد فيه إلى الفعل، كما لو سقط على غير فقتله، أو ما لا قصد فيه إلى الشخص، كما لو رمى إلى صيد فأصاب إنسانًا. والعمد: ما خلف الخطأ، وهو الذي قصد به إتلاف نفس الشخص، وكان ما قصد به مما يقتل مثله من محدد أو مثقل، أو بإصابة المقاتل كعصر الإنثيين، وشدة الضغط، أو بأن يهدم عليه بيتًا، أو يضربه بحجر عظيم، أو بخشبة لها حد أو لا حد لها، أو يصرعه، أو يجر برجله على غير اللعب، أو يغرقه في الماء أو يحرقه بالنار، أو يخنقه، أو يطبق عليه بيتًا، أو يمنعه الطعام والشراب حتى يموت جوعًا. فأما إن لطمه أو وكزه فمات، فيتخرج على الروايتين في نفس شبه العمد وإثباته، فعلى رواية النفي هو عمد يجب فيه القصاص وهو مذهب الكتاب. وعلى الرواية الأخرى في إثباته يكون الواجب
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
فيه الدية دون القود ولو قتله بالسحر واعتراف بذلك لقتل.
الطرف الثاني: في بيان المزهق، وهو نوعان، تسبب ومباشرة.
فالتسبب كحفر البئر حيث لا يؤذن له فيه، قصد الإهلاك به، وكالإكراه وشهادة الزور في القصاص على إحدى الرواتين، وتقديم الطعام المسموم إلى الضيق، وحفر بئر في الدهليز وتغطية رأسه عند دخول الداخل، وكذلك لو حفره ليقع فيه لص فوقع فيه فهلك.
وأما المباشرة فما يقتضي الموت، إما بغير واسطة كحز الرقبة، وإما بواسطة كالجراحات المقتضية للموت، أو ما يقوم مقامها في اقتضائه كالخنق والرض والتحريق والتغريق وشبه ذلك.
الطرف الثالث: في اجتماع السبب مع المباشرة، وذلك على مراتب.
الأولى: أن يغلب السبب على المباشرة، وذلك ظاهر إذا لم تكن المباشرة عدوانًا، كمن حفر بئرًا على طريق رجل أعمى، وليس فيها غيره ولا طريق أخرى له، فوقع فيها فمات، أو طرح رجلًا مع سبع في مكان ضيق، أو أمسكه على ثعبان مهلك، أو فعل ما قدمناه من تقديم الطعام المسموم، أو تغطية رأس البئر. واتفقت الرواية على تغليب السبب أيضًا في شهود القصاص إذا رجعوا بعد الاستيفاء، واختلف هل تأثيره في إيجاب القود أو العقل على روايتي أشهب وابن القاسم، هذا (إذا) كان الولي غير عالم بتزوير البينة، فأما لو علم بذلك وبأن الحاكم علم بذلك وحكم مع علمه بتزويرهم لكان الولي معهم كالشريك لاعتدال السبب والمباشرة ولحقت هذه الصورة بالمرتبة الثالثة. وقال مالك فيمن حفر بئرًا للص ليهلك فيها فهلك فيها، أو حفرها في طريق المسلمين، أو وضع (فيها) سفًا أو سكينًا أو شيء ايطلب به هلاكهم فهلك فيها أحدهم: فإنه يقتل به.
قال البغداديون: من أصحابنا: أو طرح قشور البطيخ في طريق المسلمين قصدًا لإهلاكهم فهلك بها بعضهم، فإنه يقتل به.
قال بعض الأصحاب: ولو كان إنما فعل حيث يجوز له فعله، أو لم يقصد بذلك أذية أحد، لم يجب عليه قصاص.
[ ٣ / ١٠٩١ ]
فأما قول مالك في المجموعة وكتاب محمد فيمن حفر بئرًا على الطريقين أو ربط فيها دابة مما لا يجوز له: إنه ضامن لما أصاب في ذلك، وجعله فيه الدية دون القصاص، فلأنه لم يفعله لقتل أحد.
وكذلك قوله: لو حفر بئرًا أو سربًا للماء، مما يعمل مثله للماء، في أرضه أو داره، فعطب به إنسان فمات فلا يضمن، إنما قال ذلك لأنه فعله في ملكه.
وكذلك رواية ابن وهب عن مالك فيمن حدد قصبًا أو عيدانًا فجعلها في باب الجنان والثغرة لتدخل في رجل الداخل إلى حائطه، من سارق أو غيره، إنه يضمن ما أصاب فيه، فجعل فيه الدية دون القود، لأنه فعله في ملكه. وكذلك قوله: لو اتخذ فيه كلبًا عقورًا لكان ضامنًا لما أصاب.
وكطذلك قول أشهب فيمن احتفر بئرًا في داره أو أرضه ليسقط فيها إما سارق أو طارق، أ، عدو، فإنه يضمن من أصيب فيه من هؤلاء وغيرهم. قال: وكذلك من جعل على حائطه شركًا، أو تحت عتبته مسامير ليصيب فيها من دخل، فهو ضامن لما أصاب بذلك.
وإلى ما ذكرناه أشار الأستاذ أبو بكر فقال عقب ذكره لهذه المسائل: ليس هذا بخلاف لما تقدم من كلام العراقيين لأنه دائر بين من عمل ذلك في محله، وبين من لم يعمل في محله، ولا قصد قتل إنسان.
(واختلف في الإشارة بالسيف، فقال محمد: من أشار على رجل بالسيف وكانت
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
بينهما عداوة فتمادى بالإشارة عليه وهو يهرب منه فطلبه حتى مات، فعليه القصاص. قال: وإن مات مكانه من أو إشارة فالدية على عاقلته.
وقال ابن القاسم فيمن طلب رجلاص بالسيف ليضربه، فما زال يجري حتى سقط فمات، فليقسم ولائه لمات خوفًا منه ويقتلونه، قال ابن القاسم: ولو أشار عليه بالسيف فقط فمات وبينهما عداوة فهذا من الخطأ).
وقال ابن الماجشون فيمن طلب رجلًا بالسيف فعثر المطلوب فمات، ففيه القصاص، وقاله المغيرة وابن القاسم وأصبغ. وقال أحمد بن ميسر: لا قصاص في هؤلاء.
واستحسنه طائفة من شيوخ القرويين، وقالوا: لا قصاص في هذا الأصل، اعني المشير بالسيف والجاري خلفه قالوا: إذ لا يدري هل مات من شدة الخوف أو من شدة الجري أو من مجموعهما، ولا وجد تعمد القتل، قال: ولا يمكن إثبات القصاص على نفي شبه العمد وثبوت القصاص في ذلك الأصل.
(وقال أصبغ: ومن طرح على رجل حية مسمومة على غير وجه اللعب، مثل هؤلاء الحواة الذين يعرفون الحيات المسمومة والأفاعي التي لا يلبث لديها فإنه يقتل به، ولا يقبل قوله: أردت اللعب، وإنما معنى اللعب مثل ما يفعل الشباب بعضهم مع بعض، فيطرح أحدهم على الآخر الحية الصغيرة التي لا تعرف بمثل هذا، فهذا خطأ. فأما من يعرف ما هي ويتعمد طرحها، فإنه يقتل، ولا يقبل قوله: لم أرد قتله).
المرتبة الثانية: أن يصير السبب مغلوبًا بالمباشرة، كمن حفر بئرًا في داره لمنفعة نفسه لا يهلك فيها أحد، فوقف عليها رجل فرداه فيها غير الحافر، فالقود على المردي ولا شيء على الحافر تغليبًا للمباشرة.
المرتبة الثالثة: أن يعتدل السبب والمباشرة، فيجب القصاص على المسبب والمباشر جميعًا، كالإكراه على القتل، فإذا قتل المكره المستضعف قتل هو ومن أكرهه. ويلحق بالإكراه أمر من لا تتهيأ مخالفته من الأمرين مثل السيد يأمر عبده، والسلطان يأمر أحدًا من الناس، أو من لا يقدر المأمور على مخالفته ويخاف من شره، فأما [أمر] الأب ولده، أو المعلم بعض
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
صبيانه، أو الصانع بعض متعلميه، فإن كان المأمور محتلمًا قتل وحده دون آمره، وإن كان لم يحتلم فالقتل على الآمر، وعلى عاقله الصبي نصف الدية. وقال ابن نافع: لا تقتل الأب ولا السيد إذا أم رعبده، وإن كان أعجميًا بقتل إنسان. قال ابن حبيب: وبقول ابن القاسم أقول إن القتل عليهما.
فأما أمر من لا خوف على المامور في مخالفته فإنه لا يلحق بالإكراه، فليقتل المأمور دون الآمر، ويضرب الآمر ويحبس.
وكالإمساك للقتل، فإذا أمسك علىالقاتل للقتل فالقصاص عليهما للاعتدال.
وشرط القاضي أبو عبد الله بن هارون البصري من أصحابنا في وجوب القاص على الممسك شرطًا آخر، وهو أن يعلم أنه لولا الممسك لم يقدر على ذلك.
وكالحافر عدوانًا مع المردي، كمن حفر بئرًا ليقع فيها رجل فيهلك، فجاء ذلك الرجل فوقف على شفير البئر فراده غير الحافر فيها، فإن القاضي أبا الحسن قال: "يقتلان جميعًا للاعتدال"، وقال القاضي أبو عبد الهل بن هارون: يقتل المردي دون الحافر تغليبًا للمباشرة، فعدها من المرتبة الثانية. وكشهود القصاص مع الولي المباشر للقتل، كما سبق بيانه.
الطرف الرابع: في طريان المباشرة على المبشرة والحكم تقديم الأقوى، فلو جرح الأول وحز الثاني الرقبة، فالقود على الثاني. ولو أنفذ الأول المقاتل ثم أجهز عليه آخر، فالقصاص على الأول خاصة بغير قسامة، ويبالغ في عقوبة الثاني، قاله ابن القاسم وأشهب. قال ابن القاسم: وقد أتى عظيمًا.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم: "أنه إنما يقتل المجهز وإن كان لا يحيا من ذلك، ويعاقب الأول".
ولو اجتمع جماعة على رجل يضربونه، فقطع رجل يده، وفقأ آخر عينه، وجدع آخر أنفه، وقتله آخر، وقد اجتمعوا على قتله فمات مكانه، قتلوا به كلهم، وإن كان جرح بعضهم أنكأ من جرح بعض.
ولا قصاص له في الجراح ما لم يتعمدوا المثلة مع القتل. وإن لم يريدوا قتله اقتص من كل واحد بجرحه، وقتل قاتله.
ومن قتل مريضًا مشرفًا وجب عليه القود. فإن قيل: ظن الإباحة هل يكون دارئًا للقصاص؟ قلنا: من قتل رجلًا في دار الحرب على زي أهل الشرك فإذا هو مسلم فلا قصاص، وتجب الكفارة والدية. قال محمد: من قتل رجلًا عمدًا يظنه غيره ممن لو قتله لم يكن فيه
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
قصاص، فهو من الخطأ، لا قصاص فيه.
الكرن الثاني: القتيل.
وشرط كونه مضمونًا بالقصاص أن يكون معصومًا، والعصمة بالإسلام، والجزية والأمان ينزلان منزلته، والحربي مهدور، والمرتد كذلك. قال سحنون: "لا قصاص ولا دية على قاتل المرتد، إلا الأدب في افتياته على الإمام" وقاله أشهب. وكذلك من قتل زنديقًا أو زانيًا محصنًا، أو قطع سارقًا قد توجه عليه القطع، لأن هذه حقوق، لابد أن تقام، ولا تخيير فيها ولا عفو.
فأما من عليه القصاص فمعصوم في حق غير المستحق، فإن عدا عليه أجنبي فقتله، فدمه لأولياء المقتول الأول، ويقال لأولياء المقتول آخرًا: أرضوا أولياء الأول وشأنكم بقاتل وليكم في القتل والعفو، فإن لم يرضوهم فلأولياء الأول قتله أو العفو عنه، ولهم أن لا يرضوا بما بذل لهم من الدية أو أكثر منها.
وروى ابن عبد الحكم في المختصر: أنه لا دية لأولياء المقتول أولًا ولا قود، لأنه قد ذهب حقه، بمنزلة ما لو مات القاتل. قال عبد الله: والأول أعجب إلينا.
ولو كان القتل الثاني خطأ لكان الخلاف في الدية كالخلاف في القود. والعين واليد بمنزلة النفس في ذلك.
فأما من فقأ عين رجل ففقأ آخر عين الفاقئ ثم مات الفاقئ الثاني فلا شيئ للمفقوء الأول. ومن قطع يد رجل من المنكب، ثم قطعت يد القاطع من الكف، فالأول مخير إن شاء قطع كف قاطع قاطعه، وإن شاء قطع من الممنكب بقية يد قاطعه. ولو قتل زيد عمرًا عمدًا، فحبس زيد للقتل، ففقأت رجل عينه أو جرحه في السجن عمدًا أو خطأ، فله القود في العمد، والعقل في الخطأ، وله العفو في عمده، ولا شيئ لولاة المقتول في ذلك كله، وإنما لهم سلطان على من أذهب نفسه.
وكذلك لو أسلم إليهم للقتل، فقطع رجل يده قبل أن يقتلوه، فله القود بها، ويقتل هو بما قتل. فإنه كان ولي الدم هو القاطع، ففي المجموعة من رواية ابن القاسم وأشهب: أنه يقتص له منه. وروى أصبغ في الواضحة عن ابن القاسم: لا يقاد من أولياء الدم، لا، النفس كانت لهم، وليعاقبهم الإمام.
الركن الثالث: القاتل.
وشرطه أن يكون ملتزمًا للأحكام، فلا قصاص على الصبي والمجنون والحربي.
[ ٣ / ١٠٩٥ ]
ويجب على الذمي والسكران، ووراء هذا خصال يتصدى النظر فيها، يفضل القاتل بها القتيل، وهي ست:
الخصلة الأولى: الدين، فلا يقتل مسلم بكافر قصاصًا، ويقتل الكافر بالمسلم والكافر، ويقتل كل واحد من اليهودي والنصراني والمجوسي بالآخر، وبالجملة فكل من لا يقتص له من مسلم لنقصه عنه في الدين فيقتص لبعضهم من بعض وإن اختلفت مللهم وأحاكمهم.
الخصلة اثانية: الحرية، فلا يقتل حر برقيق، ولا من بعضه رق، ولا بمن فيه عقد من عقود الحرية من مكاتب أو مدبر أو أم ولد أو معتق إلى أجل، كما لا تقطع يده بيد أحد منهم. ويقتل الرقيق بالحر إن اختار ذلك أولياؤه، وإن شاؤوا استحياءه فلسيده فداؤه منهم بدية القتيل، وتقتل السمتولدة والمكاتبة ومن فيه عقد من عقود الحرية بمن ليس هو كذلك من الرقيق. وكل من لا يقتص لهم من الحر لنقصان حريتهم بالرق فدماؤهم متكافئة، يقتص لبعضهم من بعض. وإن رجح بعضهم على بعض بعقد من عقود العتق، أو بحصول بعض الحرية، ولا يقتصر من العبد المسلم للحر الذمي، ويخير سيده في أن يفتكه بدينه أو يسلمه فيباع على أولياء القتيل. ويقتص للعبد المسلم منه عند ابن القاسم، في رواية محمد ويحيكي بن يحيي وعبد الملك بن الحسن عنه، ورواه عبد الملك أيضًا عن أشهب. قال: وإن قال سيده: لا أريد قتله وآخذ قيمة عبدي فذلك له. وقال سحنون: إنما عليه قيمته وهو كسلعة. وقال محمد أيضًا: اختلف فيه قول ابن القاسم، فقال: يضرب ولا يقتل. وقاله أصبغ.
قال ابن القاسم: وليس لسيده أن يعفو على الدية، وهو كلاحر يقتل الحر فليس فيه إلا القتل، أو يصطلحان على شيئ.
وقال أصبغ: لا عفو فيه إن كان على حد الحرابة والغيلة، وإلا ففيه العفو الصلح جائز، ويصير كالنصراني يقتل الحر المسلم على العداوة والنايرة، فلأوليائه العفو على الدية أو القتل. قال محمد: وأحب إلي أن يخير سيد العبد، فإن شاء قتل النصراني وإن شاء أخذ قيمة عبده منه، لأنه ماله أتلف عليه، وقاله أصبع.
فرع: إذا صادف القتل تكافؤ الدماء من القاتل والمقتول لم يسقط القصاص بزواله بعد، كالكافرين يقتل أحدهما الآخر ثم يسلم فلا يسقط القصاص بذلك. وكالعبدين يعتق أحدهما بعد أن يقتل الآخر.
الخصلة الثالثة: الأبوة، وهي عند أشهب دارئه للقصاص على الإطلاق، فلا يقتل الأب بابنه عنده بحال. والمذهب أنها إنما تكون دارئة إذا كان القتل على وجه تثبت فيه الشبهة، وذلك إذا أمكن عدم القصد له، وادعى ذلك الأب، وإن كان غيره يقتل بمثل ذلك ولا تسمع دعواه، وهذا كمال لو حذفه بالسيف أو بغيره فقتله، ثم ادعى أنه لم يرد قتله وإنما أراد أدبه، لا،
[ ٣ / ١٠٩٦ ]
شفقة الأبوة شبهة (منتصبة) شاهدة بعد م القصد، ولو شركه غيره في هذه الصورة لقتل الغير، لان القتل عمد، وإنما سقط القود عن الأب لمعنى فيه لا لمعنى في القتل، ألا ترى أن مكره الأب على قتل ابنه يقتل، لأن فعله منقول إليه فأما لو فعل به ما تنتفي معه الشبهة ويظهر كذبه لو ادعى أنه لم يقصد القتل فإنهن يقتل به، وهذا كما إذا أضجعه فذبحه، أو شق جوفه، أو حز يده فقطعها، أو وضع أصبعه في عينه فأخرجها، فإنه يقتص منه في جميع ذلك. وكذلك لو اعترف بقصد القتل، وإن كان الاحتمال قائمًا، وهذا لأنه كشف الغطاء عن قصده فرتب الحكم عليه.
ثم حيث جعلناها دارئة. ففي معناها الجدودة، فكما لا يقتل الأبوان عند قيام الشبهة فكذلك لا يقتل الأجداد ولا الجدات من قبل الأب والأم من يرث منهم ومن لا يرث. وبهذا قال عبد الملك. وقال ابن سحنون عن أبيه: اتفقوا على أنها تغلظ في الجد والجدة من قبل الأب واختلفوا في الجد والجدة من قبل الأم، فقال ابن القاسم: هما كالأم، وبه قال سحنون وقال أشهب: هما (كالأجنبيين). ثم حيث لم تكن دارئة وأثبتنا القصاص بذلك إذا كان القائم بالدم غير ولد الأب مثل العصبة وما أشبه ذلك، قاله في كتاب محمد.
الخصلة الرابعة: التفاوت في تأبد العصمة، وذلك لا يعتبر، فيقتل الذمي بالمعاهد.
الخصلة الخامسة: فضيلة الذكورة، ولا تعتبر أيضًا، بل يقتل الرجل بالمرأة كما تقتل به.
الخصلة السادسة: التفاوت في العدد، ولا يؤثر أيضًا، بل تقتل الجماعة بالواحد، والواحد بالجماعة، إلا أن يكون القتل بالقسامة، فلا يقتل بها أكثر من واحد.
وشريك المخطئ أو الصبي أو المجنون عليه القصاص في أحد قولي ابن القاسم، وهو قول ابن الماجشون.
وقال ابنالقاسم: وذلك بعد القسامة، مات القتيل قعصًا أو تأخر موته. وقال ابن الماجشون: إن مات مكانه اقتص له بغير قسامة، وشركة من شركه من هؤلاء سبب لثبوت حظه من الدية.
وأما شريك السبع فقال فيه ابن القاسم مرة يقسم فيه على العمد، ومرة قال: على المتعمد نصف الدية في ماله بغير قسامة، ويضرب مائة ويحبس سنة.
فروع: إذا صدرت جراحتان من واحد، وإحداهما غير موجبة، (للعقوبة) لم تمنع القصاص كما لو جرح عمدًا وخطأ.
[ ٣ / ١٠٩٧ ]
فأما إذا جرح نفسه عمدًا وجرحه غيره عمدًا، أو جرحه مسلم، وجرحه حربين أو جرحه آدمي وسبع، فالمسألة على قولين. ولو جرحه إنسان ثم ضربته دابة فمات فلا يدري من أي ذلك مات، فقال ابن القاسم: نصف الدية على عاقلة الجارح، قيل: أبقسامه؟، قال: وكيف يقسم في نصف درية، وقال ايضًا في المجموعة: إن فيه القسامة. وقال: إذا جرح ثم مرض فمات ففيه القسامة وقال: إذا جرحه رجل ثم ضربته دابة أو وقع من فوق جدار فأصابته جراح أخر، ثم مات فلا يدري من أي ذلك مات، فلهم أن يقسموا لمات من جرح الجارح وهو كمرض المجروح بعد الجرح، قال محمد: ولو كان إنما طرحه إنسان من على ظهر بيت أقسموا على أيهما شاءوا على الجارح أو على الطارح وقتلوه وضرب الآخر مائة (وحبس) عامًا.
وقال مالك: إذا مرض المجروح فمات فليقسموا لمات من ضربه في الخطأ والعمد. وإذا تملأ جمع على واحد، وضربه كل واحد سوطًا فمات، وجب القصاص على الجميع.
الفصل الأول: في تغيير الحال بين الرمي والجرح، وبين الجرح والموت
ولنسرد الفروع ممتزجة متتالية، فنقول:
إذا تغير حال (الرمي) قبل إصابة السهم ثم أصابه، فالاعتبار عند ابن القاسم بحال الإصابة، وعند سحنون بحال الرمي، فلو رمي عبدًا ثم عتق ثم أصاب سهمه فقال سحنون: الجناية في رقبته اعتبارًا بحال الرمي.
قال الأستاذ: أبو بكر: ومن يعتبر حال الإصابة يجعل الدية على عاقلته. وعكس هذا لو رمي إلى عبد فعتق قبل الإصابة، فعلى الأصل الأول تجب دية حر، وعلىالأصل الثاني قيمة عبد. ولو رمى إلى عبد نفسه ثم أعتقه قبل إصابته، ف على الأصل الأول الدية عليه، وعلى الأصل الثاني لا شيئ عليه. ولو رمى إلى مرتد فأسلم (أو حربي) فأسلم ثم أصابه السهم فقتله أو جرحه، فقال سحنون: لا قصاص على الرامي لأنه رمى ي وقت لا قود فيه ولا عقل. قال ابن سحنون: وعليه، في قول ابن القاسم، الدية إن مات حالة في ماله، وإن لم يمت فدية الجرح حالة في ماله، لأنه لو جرح وهو مرتد ثم نزي في جرحه فمات بعد أن أسلم، فإن ولاته يقسمون لمات منه، وتكون ديته في ماله ألا ترى أنه لو رمى صيدًا وهو حلال، فلم تصل إليه الرمية حتى أحرم ثم أصابته، فعليه جزاؤه.
[ ٣ / ١٠٩٨ ]
قال الاستاذ أبو بكر: وأعلم أن الذي منه ألزم ابن سحنون لابن القاسم وجوب الدية في هذه الصورة أصل نذكره: وذلك أن ابن سحنون روى عن ابن القاسم في النصراني يسلم بعد أن جرح ثم يموت فيه دية حر مسلم في ماله حاله اعتبارًا بما يؤول إليه أمره.
وقال أشهب إنما علهي دية نصراني (لأني) إنما انظر إلى الضربة في وقتها لا إلى الموت، ألا ترى لو أن مسلمًا قطع يد مسلم ثم ارتد المقطوع فمات مرتدًا أو قتل، أن القصاص قد ثبت على الجاني فتقطع يده بيده، وليس لورثته أن يقسموا على الجاني فيقتلوه، لأن الموت كان وهو مرتد.
قال الأستاذ: فيجئ من هذا إلزامنا لابن القاسم أن الاعتبار في مسائل الرمي بآخر الأمر، وهو الإصابة، فلو رمى مرتد، ثم أسلم، ثم أصاب سهمه رجلًا خطأ، فقال سحنون أنا وإن كنت أعتبر وقت الرمي فأقول في هذه: إن الدية على العاقلة وإن كان ليس من أهل العاقلة وقت الرمي إذ لا عاقلة للمرتد، فإنما أنظر إلى الدية يوم ترفض على العاقلة، وهنا لم يحكم فيها حتى أسلم، وله وقت الإسلام عاقلة، وذلك عليهم كالخطأ. قال: وقد قال أصحابنا: أجمع ابن القاسم وغيره إن جنى خطأ ثم أسلم أن عاقلته تحمل ذلك، فكذلك هذا عندهم.
قال ابن سحنون: وفي قوله الأول هي في ماله نظرًا إلى الجناية يوم وقعت لا يوم الحكم.
قال ابن سحنون: واختلف أصحابنا في دية هذا المرتد، أعني إذا جرح المرتد ثم نزا في جرحه فمات بعد أن أسلم، فمن أصحابنا من (يقول): ديته دية من على الدين الذي ارتد إليه. وقال ابن القاسم: ديته دية مسلم، وبه قال سحنون.
وكذلك لو كان المرمي إليه نصرانيًا فأسلم قبل وصول السهم إليه، أنه لا قصاص فيه، وفيه دية مسلم في قول ابن القاسم، وفي جرحه، إن لم يمت، دية جرح مسلم. وفي قول أشهب: دية نصراني. قال سحنون: وينبغي، على قوله، أن لو كانمرتدًا فأسلم قبل وقوع (السهم) ف يه، أنه لا قود على الرامي ولا دية، لأنه وقت الرمي مباح الدم. وقد قال سحنون في عبد رمى رجلًا ثم عتق قبل وصوله رميته: إن جنايته جناية عبد.
قال ابن سحنون: وقد قال أصحابنا أجمع في مسلم قطع يد نصراني ثم أسلم ثم مات: إنه لا قود على المسلم، فإن شاء أولياؤه أخذوا دية يده دية يد نصراني، وإن أحبوا أقسموا ولهم دية مسلم في مال الجاني حالة، في قول ابن القاسم وسحنون.
وقال أشهب: دية نصراني. لأني أنظر إلى وقت الضربة. وإن كانت الجناية خطأ ولم
[ ٣ / ١٠٩٩ ]
يقسم ورثته فلهم دية يد نصراني على عاقلة الجاني. وإذا أقسموا دية نصراني على عاقلة الجاني مؤجلة. وفي قول ابن القاسم وسحنون: دية مسلم على عاقلته.
ومما أجري على هذا الأصل أن رجلًا لو قطع يد عبد، ثم أعتقه سيده، ثم ارتد فسرى إلى النفس، ففي قول سحنون الأول: عليه لسيده ما نقضته الجناية. وعلى قوله الثاني: لا شيئ على القاطع لأنه صار مباح الدم يوم مات.
وكذلك من رمى إلى قاتل أبيه ثم عفا عن القصاص قبل الإصابة، فعلى قول سحنون الأول، أيضًا، لا يجب عليه شيئ اعتبار بحال الرمي. وعلى القول الثاني: يجب اعتبارًا بحال الإصابة.
وكذلك لو جنى مسلم على نصراني، فتمجس النصراني ثم سرى إلى النفس، أو جنى المسلم على مجوسي ثم تهود المجوسي ثم سرى الجرح إلى النفس، فعلى قول أشهب [ديته]: دية أهل المذهب الأول في المسألتين. وعلى القول الثاني: دية المذهب الذي انتقل إليه.
فأما مسلم جرح مسلمًا فارتد المجروح ثم سرى الجرح إلى النفس فأجمع الناس على أنه لا يقاد منه لأن صار إلى ما حل دمه فيه، والذمي لم يصر إلى ما يبيح دمه، وفروع هذا الأصل كثيرة، فلنقتصر على ما ذكرناه، فهو منبه على ما سواه.
الفرع الثاني: القصاص في الطرف.
وهو في شرط القطع والقاطع والمقطوع كما ذكرنا في شروط القتل والقاتل والمقتول. قال الأستاذ: أبو بكر: وعقد الباب أن كل شخصين يجري بينهما القصاص في النفوس من الجانبين يجري في الأطراف. قال: فأما إذا كان أحدهما يقتص منه للآخر ولا يقتص للآخر منه في النفس، فقال مالك: لا يقتص في الأطراف، وإن كان يقتص منه في النفس، كالعبد يقتل الحر والكافر يقتل المسلم يقتلان. ولو قطع العبد أو الكافر الحر المسلم لم يكن له أن يقتص منهما في الأطراف في ظاهر المذهب.
قال محمد بن عبد الحكم: المسلم بالخيار، إن شاء أن يقتص أو يأخذ الدية. قال: وجعل أصحابنا هذه رواية مخرجة في العبد والكافر، فقالوا: للمسلم أن يقتص منهما، وخرجوا هذه الرواية من قول مالك في النصراني يفقأ عين المسلم. وروى ابن الحكم عن مالك قال: "يجتهد السلطان في ذلك أيضًا".
قال أصحابنا: تحتمل هذه الرواية وجوب القود، قالوا: وهذا هو الصحيح. قال الأستاذ أبو بكر: وهو كما قالوا.
[ ٣ / ١١٠٠ ]
وفي العتبية من سماع أشهب "أنه توقف فيه". وقال ابن نافع: المسلم مخير إن شاء استقاد، وإن شاء أخذ العقل".
ولا يشترط في القصاص في الأطراف التساوي في البدل، وإن اشترط التساوي في المنفعة، بل تقطع يد الرجل بيد المرأة، ولا تقطع اليد السليمة بالشلاء لعدم التساوي في المنفعة لا لتفاوت البدل. ولا يشترط التساوي في العدد، بل تقطع الأيدي باليد الواحدة عند تحقق الاشتراك بأن يضعوا السكين على اليد ويتحاملوا كلهم عليها حتى تبين. فأما لو تميزت الجنايات بأن يقطع أحدهما بعضًا وبينهما الآخر، أو يضع أحدهما السكين من جانب ويضع الآخر السكين من الجانب الآخر حتى يلقيا، فلا قصاص على واحد منهما في جميع اليد، ولكن يقتص من كل واحد بمساحة ما جرح إذا عرف ذلك.
والجنايات ثلاث: جرح وإبانة طرف. وإزالة منفعة.
أما الجرح: ففي الموضحة، وهي التي توضح العظم من الرأس (أو) الجبهة، القصاص. وكذلك ما قبلها من الحاصرصة، وهي التي تشق الجلد. والدامية، وهي التي تسيل الدم. والسمحاق: وهي التي تكشط الجلد. والباضعة، وهي التي تبضع اللحم. والمتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم غوصًا بالغًا وتقطعه في عدة مواضع. والملطاة: وهي التي يبقى بينها وبين العظم ستر رقيق. ولا قصاص فيما بعد الموضحة من الهاشمة للعظم والمنقلة له على خلاف فيها خاصة. والآمة: وهي البالغة إلى أم الرأس، والدامغة الخارقة لخريطة الدماغ. وفي هاشمة الجسد القصاص إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه. وأما هاشمة الرأس فقال ابن القاسم: "لا قود فيها لأنها لابد تعود منقلة". وقال أشهب: فيها القصاص، إلا أن تنتقل فتصير منقلة فلا قود فيها.
وأما الأطراف: فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها، وفي معنى الفاصل أبعاض المارن والأذنين والذكر والأجفان والشفتين والشفرين، لأنها تقبل التقدير. وفي اللسان روايتان. والقصاص في كسر العظم إلا ما كان متلفًا كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وشبهه.
[ ٣ / ١١٠١ ]
وبالجملة فلا قصاص في شيئ مما يعظم الخطر فيه كائنًا ما كان. ولو قطع اليد من المرفق لم يجز القطع من الكوع وأن رضي المقتص. وإن كسر عظم العضد ففيه القصاص. ولو قطع من المرفق وكانت يده مقطوعة من الكوع فطلب المجني عليه القطع من المرفق ففي وجوب إسعافه بذلك خلاف، أثبته ابن القاسم ونفاه أشهب.
وأما المعاني: فالسمع والبصر يجب القصاص فيهما بالسراية عند إضياح الرأس بأن يقتص منه في الموضحة، فإن ذهب سمعه وبصره فقد استوفى منه، إلا فعليه دية ما لم يذهب من ذلك في ماله عند ابن القاسم وأشهب. وقال أشهب أيضًا: على عاقلته.
وكذلك لو سرت إلى ذهاب يد أو رجل، ولو كان ذهاب عينه مثلًا من لطمة أو غيرها مما لا قصاص فيه كالضربة بعصا من غير أن تدمي، فإن انخسفت عينه أقيد له من عينه فقط، وإن لم تنخسف فليس فيها إلا عقلها.
الفصل الثاني: في المماثلة
والتفاوت في ثلاثة:
الأول: تفاوت المحل والقدر. فلا تقطع اليمنى باليسرى، ولا السبابة بالوسطى، ولا إصبع زائدة بمثلها عند اختلاف المنبت.
والتفاوت فيالموضحة يؤثر، أعني في سعتها لا في غوصها، فلو كان رأس الشاج أكبر لأخذ من رأسه مقدار طولها عند ابن القاسم. وقال أشهب: يؤخذ من رأس الجاني ما نسبته إليها نسبته موضحة الجناية من رأس المجني [عليه]، واختاره محمد.
وإذا فرعنا على قول ابن القاسم، فكان رأس الشاج أصغر؛ استوعب رأسه، ولم يكمل بالقفا ولا بغيره ولو زاد الطبيب المقتص على ما استحق قصاصًا فذلك على عاقلته إن بلغ ثلث الدية، وعليه إن قصر عن ذلك.
التفاوت الثاني: في الصفات. ولا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء، ولا تقطع الشلاء بالصحيحة وإن قنع بها، إلا أن يكون لها بها انتفاع ولا يضم إليها أرش، فأما عديمة الانتفاع بالكلية فلا.
وروى يحيي بن يحيي عن ابن القاسم: "أن المجني عليه يتخير في قطع اشلاء أو تركها وأخذ عقل يده".
[ ٣ / ١١٠٢ ]
وقال في كتاب أسد: ليس له إلا العقل. وكذلك ذكر محمد عن مالك وابن القاسم وأشهب، وذكره عنهم ابن عبدوس. قال أشهب في الكتابين: إن كان شللًا يابسًا أو كثرًا أذهب أكثر منافع يده. وأما في الخفيف فله أن يقتص. والذكر المقطوع الحشفة، والحدقة العمياء، ولسان الأبكم كاليد الشلاء.
وإذا قعلت سن الرجل فردها فثبتت فإن هـ العقل في الخطأ، والقود في العمد عند ابن القاسم. وقال أشهب والمغيرة: له القود في العمد، وليس له في الخطأ عقل. ووجه الفرق عندهما أن المعتبر في القود الجرح ساعة الجناية، وفي العقل الاعتبار بيوم النظر، فأما لو قلعت سنة فأخذ العقل، ثم نبتت لم يلزمه رده.
ولا تقلع سن البالغ بسن صبي لم يثغر، لأن سن الصبي فضلة في الأصل، وسن البالغ أصل. ولو عادت الموضحة ملتئمة لم يسقط القصاص.
التفاوت الثالث: في العدد. فإن كانت يد الجاني ناقصة بأصبع قطعت ولا شيئ للمجني عليه سوى ذلك. وروي أن له دية الأصبع الناقصة.
وإن كانت ناقصة أكثر من إصبع، فقال مالك وابن القاسم: "المجني عليه بالخيار في أن يأخذ العقل تامًا أو يقتص. وقال ابن الماجشون وأشهب: ليس له أن يستفيد. قال ابن الماجشون: لأنه من وجه التعذيب.
وإذا فرعنا على الأول فاختار القصاص، فهل له أخذ دية ما نقص من الأصابع أم لا؟. قولان لابن القاسم من رواية عيسى ومحمد، ورويا أيضًا عن مالك.
وإن كانت يد المجني عليه هي الناقصة، فإن كان النقص أصبعًا واحدة، فقال مالك وابن القاسم: "يقتص"، كانتالإبهام أو غيرها، أخذ لها عقلًا أو قصاصًا أو غيره. واختلف في ذلك قول أشهب. قال محمد: والثابت عندنا من قول أشهب وروايته أن ليس له إلا القصاص. وقال ابن الماجشون: حد ما لا يرفع القصاص في اليد والرجل من النقص أصبع واحدة، هذا أقصاه. قال: وزاد المغيرة على ذلك، وقول مالك أحوط. قال: إلا أن تكون الإبهام
[ ٣ / ١١٠٣ ]
فلا قصاص. قال سحنون: في كتاب ابنه: وما علمت من فرق بين الإبهام وغيرها غيره.
وإن كانت ناقصة أصبعين، فقال محمد: لا قصاص له، لم يختلف في هذا قول مالك وأصحابه.
وأما العين الضعيفة فتؤخذ بها العين السليمة إذا كان الضعف من أصل الخلفة، أو من كبر. وأما إن كان نقصهامن جدري أو كوكب أو قرحة أو رمية أو غيرها، أخذ فيها صاحبها عقلًا أو لم يأخذ، فلا قود فيها. وحمل عبد الملك هذا على ما كان نقصًا فاحشًا كثيرًا، قال: وأما النقص اليسير فله القصاص على كل حال.
وقال ابن القاسم في الكتاب: "إذا أصيبت العين خطأ فأخذ لذلك عقل، وصاحبها ينظر بها، ثم أصيبت عمدًا ففيها القصاص".
وأما صحيح العينين إذا جنى على عين من ليس له إلا عين واحدة ففقأها عمدًا، فقال مالك: "هو مخير إن شاء اقتص منه وإن شاء أخذ ديتها ألف دينار من ماله. وقد قال بأن ديتها ألف دينار الخلفاء الأربعة وابن عباس، وقال به سعيد بن المسيب وعروة وسليمان بن يسار وسليمان بن حبيب وعبد الملك بن مروان وابن شهاب وربيعة والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وإن فقأ صحاب العين الواحدة عين ذي العينين التي مثلها له، ف للصحيح الخيار في القود منها أو أخذ ألف دينار ما ترك له، ولا قول له إن أبى إلا القصاص، والخيار للمجني عليه. وكان مالك يقول قبل هذا: "إن أحب الصحيح اقتص، وإن أحب أخذ دية عينه خمس مائة دينار". وكان يقول أيضًا: إما اقتص وإلا فلا شيئ له". وبهذا قال أشهب، قال: إلا أن يصطلحوا على شيئ فيلزم إلا أن يكون ما قيل من الألف دينار سنة فتتبع.
وإن فقأ صاحب العين الواحدة عين الصحيح المعدومة له فليس عليه إلا خمس مائة دينار، كأقطع اليمين يقطع يمين رجل.
وإ فقأ عيني صحيح فله القصاص من عينه ونصف الدية في العين الأخرى. قال أشهب:
[ ٣ / ١١٠٤ ]
هذا إن فقأهما في فور واحد، وأما إن فقأ واحدة بعد أخرى، فإن بدأ بالمعدومة له فعليه خمس مائة دينار مع القصاص، وإن بدأ بالتي هي باقية له فعليه مع القصاص ألف دينار لأنها عين ليس لصاحبها سواها.
الفن الثاني في حكم القصاص الواجب، وفيه بابان:
الباب الأول: في الاستيفاء، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: فيمن له ولاية الاستيفاء
إذا كانوا جماعة فهو لجميعهم على فرائض الله تعالى. فإن كان فيهم نساء، فاختلف في دخولهن فيه، فروي أنه لا دخول لهن فيه، وروي أنهن يدخلن إذا لم يكن في درجتهن عصبا. ثم إذا فرعنا على دخولهن فهل في العفو دون القود، أو في القود دون العفو؟ روايتان أيضًا. وإن كان في المستحقي غائب انتظر وكتب إليه، إلا أن تطول غيبته جدًا، أو ييئس منه كالأسير بأرض الحرب وشبهه فلا ينتظر، ولمن حضر القتل. وإن كان فيهم صغير فقال عبد الملك: ينتظر. وقال ابن القاسم: لا ينتظر. وقال سحنون: إن كان مراهقًا أو قريبًا من المراهق انتظر، وإن كان دون ذلك فلا ينتظر.
وإذا اجتمع مستحق النفس ومستحق الطرف، وطلبا القود، قتل ولم تقطع يده. وكذلك لو قطع يد شخص ثم قتله، قتل به ولم يقطع به، إلا أن يكون قصده التمثيل به بذلك فيفعل به كما فعل.
ولا ينبغي للمستحق أن يستقل بالاستيفاء دون الرفع إلى السلطان، فغن فعل عزره ووقع الموقع، والسلطان يفوض إليه القتل. وقال أشهب: لا يتولى القتل بنفسه مخافة أن يتعدى فيقطع يده. وأجرة من يستوفي القصاص في الجراح والغبانة، والقتل عىل المستحق، إذ الواجب على الجانب التمكين.
وحكى الشيخ أبو إسحاق قولًا بإيجابها على الجانب، ثم اختاره وعلله بأن الحق عليه وعليه الخروج منه، فرأى أن الواجب عليه التمييز، ورأى في المشهور أن الواجب عليه إنما هو التمكين لا غير.
[ ٣ / ١١٠٥ ]
الفصل الثاني: في تأخير القصاص
ولا يؤخر باللياذ إلى الحرم، بل يقتل فيه. ويخرج من المسجد إن كان فيه فيقتل خراجه. ويؤخر قصاص الطرف وسائر الجراحات حتى تندمل وتبرأ، فيقتص منه. فإن أفضى إلى النفس قتل الجاني ولم يقتص منه في الجرح ولا في القطع إلا عند قصد المثلة كما تقدم. وإن ترامى الجرح إلى زيادة على المفعول ولم ينته إلى النفس بل اندمل اقتص منه. فإن سرى إلى حيث سرى إليه الأول فقد استوفى حقه، وإن وقف دونه أخذ أرش الزائد، والفرق أن النفس تطلب في كل عضو، وإنما يطلب سائر الأعضاء من مكان أعيانها.
ويؤخر القصاص فيما دون النفس للحر المفرط والبرد المفرط ومرض الجاني. ويمنع من الموالاة في قطع الأطراف قصاصًا خوفًا من قتله.
وتؤخر الحامل في النفس لعذر الحمل عند ظهور مخائله، ولا يكفي مجرد دعواها. قال محمد: وفي القصاص قال الشيخ أبو محمد: يريد في الجراح المخوفة، ثم تؤخر إلى الوضع، فإن لم يوجد سواها ترضعه فإلى أن يوجد، وتحبس الحامل في الحد والقصاص. ولو بادر الولي بقتلها فلا غرة في الجنبين إلا أن يزايلها قبل موتها فتجب فيه الغرة إن لم يستهل".
الفصل الثالث: في كيفية المماثلة
وهي مرعية في قصاص النفس، قال القاضي أبو بكر: "فمن قتل بشيئ قتل به، إلا في وجهين وصفتين:
الوجه الأول: المعصية، كالخمر واللواط.
والثاني: النار والسم. (وقيل: يقتل بالنار والسم).
وأما الصفة الأولى: فروى ابن نافع: إن كانت الضربة بالحجر مجهزة قتل بها، وإن كانت ضربات فلا. وقال مالك [أيضًا]: ذلك إلى الولي فروى ابن وهب: يضرب بالعصا حتى يموت ولا يطول عليه، وقاله ابن القاسم. وقال أشهب: إن رجي أن يموت بالضرب ضرب، وإلا أقيد منه بالسيف.
وقال عبد الملك: لا يقتل بالنبل ولا بالرمي بالحجارة لأنه من التعذيب.
[ ٣ / ١١٠٦ ]
وأما الصفة الثانية: فإذا قطع يده ورجله وفقأ عينه قصد التعذيب فعل ذلك به، كما فعل النبي ﷺ ذلك بمن فعله بالرعاء حسب ما روي في الصحيح عن أنس قال: "إنما سمل النبي ﷺ أولئك لانهم سملوا أعين الرعاء". وإن كان مدافعة ومضاربة قتل بالسيف.
قال القاضي أبو بكر: "والصحيح من قول علمائنا أن المماثلة واجبة إلا أن تدخل في حد التعذيب فلتترك إلى السيف، وإلى هذا ترجع جميع الأقوال. ثم مهما عدل المستحق إلى السيف من غيره مكن، لأنه أسهل.
الباب الثاني: في العفو، والنظر في طرفين
الأول: في حكم العفو، وهو مبني على أن موجب العمد القود أو الدية أحدهما لا بعينه، أو موجبه القود فقط، وفيه روايتان.
التفريع: إن قلنا: الواجب أحدهما لا بعينه، وهي رواية أشهب، فلو عفا الولي عنهما صح، وإن عفا عن الدية فله القصاص، ولو قال: اخترت الدية سقط القود، ولو قال: اخترت القود لم يسقط اختيار الدية، بل له الرجوع إليه، وإن قلنا: الواجب القود فقط، على رواية ابن القاسم وهي المشهور من المذهب، فلو عفا على ما ثبت المال إن وافقه الجانب، ولو مات قبل الإقباض ثبت المال، وإن عفا مطلقًا سقط القصاص والدية، ولو كان مفلسًا لكان له العفو عن القصاص إذ ليس بمال، نعم ليس له العفو عن الدية بعد تقررها، ولو كان استحقاق الدم [الوليين] مفلسين فعفا أحدهما ثم عفا الثاني صح عفو الأول ولم يصح عفو الثاني إلا فيما زاد على مبلغ دينه.
الطرف الثاني: في العفو الصحيح والفاسد، وفيه ثلاث مسائل:
الأولى: إذا أشهد له أنه قتله فقد وهبه دمه فقتله، فروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه قال: اختلف فيه أصحابنا، وأحسن ما رأيت ا، يقتل به، لأنه عفا عن شيئ قبل أن يجب، وإنما يجب لأوليائه، بخلاف عفوه عنه بعد علمه أنه قتله. ولو أذن له أن يقطع يده ففعل، لم يكن عليه شئ سوى العقوبة. ولو عفا عن جرحة العمد ثم نزى منها فمات فلولاته أن يقسموا أو يقتلوا لأنه لم يعف عن النفس. قال أشهب: إلا أن يقول عفوت عن الجرح وعما ترامى إليه، فيكون عفوًا عن النفس.
[ ٣ / ١١٠٧ ]
ولو صالحه عن موضحة على مال ثم نزى منها فمات فلولاته أن يقسموا ويقتلوا في العمد ويأخذوا الدية في الخطأ من العاقلة ويردون ما أخذ وليهم في الصلح.
المسألة الثانية: أن يدعي القاتل على رب الدم العفو، فله أن يستحلفه، فإن نكل ردت اليمين على القاتل يمينًا واحدة لا خمسين يمينًا لأنها المردودة عليه، فإن حلف برئ. فإن ادعى القاتل بينة غائبة على العفو تلوم له الإمام. وقال أشهب في كتاب محمد: لا يمين على ولي الدم، لأن اليمين لا يكون في استحقاق الدم إلا خمسين يمينًا، فهذا يريد أن يوجب عليه قسامة مع البينة أو مع قسامة أخرى قد كانت.
ولو قال القاتل: يحلف لي يمينًا واحدة، لم يكن له ذلك، أرأيت إن استحلفه فلما قدم ليقتل قال: قد عفا عني، أيستحلفه؟. ولو تأخر القصاص حتى مات أحد ورثة المقتول، فكان القاتل وارثه بطل القصاص، لأنه ملك من دمه حصة، فهو كالعفو ولأن كل من ورث قصاصًا على نفسه أو قسطًا منه سقط عنه القصاص، مثال ذلك في فروع:
الفرع الأول: أن يقتل أحد الأولاد أباه فيثبت القصاص عليه لجميع الإخوة، ثم يموت أحد الإخوة فيسقط القصاص عن القاتل لأنه ورث من دمه حصة (فهو) من العفو، ولبقية الإخوة (عليه) حظهم من الدية.
الفرع الثاني: إذا قتل أحد الإبنين أباه، وقتل الآخر أمه، فالقصاص عليهما، ولكل واحد منهما أن يقتل الآخر، لأن أحدهما ورث أباه والآخر ورث أمه، فإن بادر أحدهما فقتل الآخر استوفى حقه، وكان لورثة المقتول أن يقتلوا القاتل. فإن تنازعا بمن يبدأ منهما اجتهدالسلطان في ذلك حسب ما يرى. وإن عفا كل واحد عن صاحبه، جاز، ووجب لأحدهما دية أبيه وللآخر دية أمه. وقال خلف بن زرقون: سألت عنها محمد بن سحنون ومحمد بن عبدوس فقالا: نرى أن يعفى عنهما [جميعًا] لأنا إن ذهبنا نقتل أحدهما ورث الباقي الدم، فلا يكون عليه قتل، فكل واحد (يقول): يقتل هذا قبلي، فلا بد من أن يعفى عنهام.
الفرع الثالث: أربعة إخوة، قتل الثاني الكبير، ثم قتل الثالث الصغير، وجب القصاص على قاتل الصغير، لأن الثاني لما قتل الكبير ثبت القصاص عليه للثالث وللصغير، فلما قتل الثالث الصغير ورثه الثاني وحده، فورث ما كان له عليه من القصاص فسقط، وسقطت حصة الشريك إلى نصف الدية، وكان له قتل الثالث بالصغير، فغن عفا كان له عليه الدية يقاصه بنصفها.
[ ٣ / ١١٠٨ ]
المسألةى الثالثة: عفو الوارث صحيح، فإن تعددت الورثة فعفا بعضهم سقط القود إن كان العافي مساويًا لمن بقي ي الدرجة أو أعلى، وإن كان أنزل درجة لم يسقط القود بعفوه، فإن انضاف إلى (العلو) الأنوثة كالبنات مع الأب أو الجد فلا عفو إلا باجتماع الجميع، فإن انفرد الأبوان فلا حق للأم في عفو ولا قيام. وكذلك الإخوة والأخوات معه.
فأما الأم والإخوة فلا عفو إلا باجتماعهم معها، فغن اجتمعت الأم والأخوات والعصبة فاتفق العصبة والأم على العفو مضى على الأخوات، وإن عفا العصبة والأخوات لم يمض على الأم، ولو كان مكان الأخوات بنات لمضي عفو العصبة والبنات على الأم، ولم يجز عفو العصبة والأم على البنات لانهن أقرب، ومتى اجتمع البنات والأخوات فلا كلام للعصبة لأنهن يجوز الميراث دونهم، ولا تجري الجدة مجرى الأم في عفو ولا قيام.
هذا كله على الرواية بأن لهن مدخلًا في الدم، ولا تفريغ على الأخرى.
[ ٣ / ١١٠٩ ]