والنظر في أركانها وأحكامها. أما الأركان فأربعة:
الركن الأول والثاني: المتعاقدان.
ولا يشترط فيهما إلا أهلية الاستئجار والعمل. ولا يشترط في المجعول له التعيين لمصلحة العقد. بل لو قال الجاعل: من رد عبدي الآبق، أو جملي الشارد، فله كذا. فمن أحضر ذلك، بعد أن جعل ربه فيه ماجعل، فله الجعل، علم بما جعل فيه أو لم يعلم، تكلف طلب هذه الأشياء أو لم يتكلفها.
وأما إن أحضره قبل أن يجعل ربه فيه شيءا، فإن كان ممن شأنه وعادته طلب [الآبق]، ويعلم أنهم ممن يتكسب به، فله أجر مثله في قدر تعبه وسفره وتكلف طلبه. وإن لم يكن ممن نصب لذلك نفسه، فليس له إلا نفقته. وكذلك قال ابن الماجشون وأصبغ.
وقال ابن الماجشون أيضًا في كتابه: إن كان ليس من شأنه طلب الآبق، فلا جعل له، ولا نفقة، قولًا مجملًا.
(وفي العتبية، "فيمن جعل جعلًا في آبق، فأتى به، وقد أنفق عليه، فالنفقة من الذي جاء به، وله جعله فقط. ومن أخذ آبقًا ثم أرسله بعدما أخذه تعمدًا، ضمن قيمته.
قال عيسى: قال ابن القاسم: ومن جعل في آبق خمسة دنانير، فذهب رجل، فأتى به من إفريقية، فلما صار في بعض الطريق أفلت منه، فأخذه آخر، فجاء به، قال مالك: إذا أفلت قريبًا فالجعل بينهما بقدر شخوص كل واحد". قال عبد الله بن عبد الحكم: وإن جاء به من يطلق (الإباق)، فقطع في سرعة، فإن كان ربه جعل فيه جعلًا، فهو لازم، وإن لم يجعل فيه جعلًا، وكان لهب العبد حاجة أخذه وأدى الجعل، وإن شاء تركه ولا شيء عليه
[ ٣ / ٩٤٤ ]
وفي كتاب محمد: إذا استحق بعد أن وجده وقبل وصوله إلى ربه، فالجعل على الجاعل، ولا شيء على المستحق. قال ابن القاسم في العتبية: "وكذلك إن استحق بحرية". وقال أصبغ: إن استحق بحرية من الأصل، فلا جعل له على أحد).
الركن الثالث: العمل.
وهو كل عمر يجوز الاستئجار عليه، ولكن لا يشترط كونه معلومًا، فإن مسافة رد العبد لا تعرف. واحترزنا بالعمل الذي يجوز الاستئجار عليه عمن وجد آبقًا أو ضالًا من غير عمل، فليس له أخذ الجعل على رده، ولا على أن يدل ربه على مكانه، بل ذلك واجب عليه، ويشترط فيه أن لا تحصل للجاعل [فيه] منفعة إلا بتمامه.
قال القاضي أبو محمد: "ولا يجوز في الشيء الكثير، لما فيه من الغرر بذهاب العمل الكثير باطلًا".
وقال أبو الوليد بن رشد: "ولا يشترط ذلك ولا يجوز إلا في غير المقدر من الأعمال بزمن، فمتى قدر لم يكن جعلًا، وصار إجارة".
الركن الرابع: الجعل.
وشرطه أن يكون معلومًا مقدرًا كالأجرة، فلو قال: من رد عبدي الآبق، فله نصفه لم يصح، وكذلك في الجمل الشارد ونحو ذلك. فإن أحضره، فله جعل مثله.
ولو قال: من رده فله دينار، ف اشترك في رده إثنان، فهو لهما. وإن عين واحدًا، فعاونه غير لقصده معاونة العامل، فالكل للعامل. وإن قصد طلب الأجرة، فهي بينهما.
أما أحكام الجعالة، فخمسة:
الأول: الجواز من الجانبين ما لم يشرع في العمل كالقراض، فإن شرع، لزم من جانب الجاعل خاصة. وحكى أبو الحسن اللخمي قولين آخرين:
"أحدهما: أنها تلزم بالقول في حق الجاعل خاصة دون المجعول له.
والآخر: أنها كالإجارة، تنعقد لازمة بالقول لهما جميعًا"
[ ٣ / ٩٤٥ ]
الثاني: جواز الزيادة والنقصان في الجعل قبل فراغ العمل.
الثالث: وقوف استحقاق الأجرة على تمام العمل حتى لا يستحق بعضها ببعضه. بل لو مات العبد، أو هرب قبل التسليم لم يكن له شيء، إلا (على) ما فضل متقدمًا.
الرابع: في النزاع بينهما. وإذا أنكر المالك سعي العامل في الرد فالقول قول المالك.
وإن تنازعا في مقدار الجعل، تحالفا، ورجعا إلى جعل المثل.
الخامس: حكم فساد الجعالة وقد اختلف فيه:
(فقيل: ترد إلى حكم الإجارة، فيكون له إجارة مثله أتم العمل أو لم يتمه.
وقيل: ترد إلى حكم نفسها في مسائل، وإلى حكم الإجارة في مسائل. قال أبو الوليد بن رشيد: "وقيل غير هذا". ثم قال: "وهذا هو الصحيح فيها").
فروع مترددة بين الجعل والإجارة:
الفرع الأول: مشارطة الطبيب على برء العليل.
الفرع الثاني: مشارطة المعلم على تعليم القرآن.
الفرع الثالث: المعاقدة على استخراج المياه من الآبار والعيون على صفة معلومة من شدة الأرض ولينها، وقرب الماء وبعده.
[ ٣ / ٩٤٦ ]
الفرع الرابع: المغارسة، وهي أن يعطي الرجل أرضه لمن يغرس فيها عددًا من الأشجار، فإذا بلغت كذا وكذا سعفة كانت الأرض والشجر بينهما. وكل هذه الفروع مختلف فيها.
وسبب الخلاف في جميعها ترددها بين العقدين المذكورين.
وقد ألحق بها، أيضًا، كراء السفينة، وعليه الخلاف المتقدم في سقوط أجرتها إذا غرقت، على قول مالك وابن القاسم، وهو إنزال له منزلة الجعل المحقق. وقول ابن نافع: له قدر ما بلغ من المسافة. تنزيل له منزلة الإجارة المحضة. وقول أصبغ في التفرقة راجع إلى افتراق الحالين عنده، فأعطى أحدهما حكم الإجارة، وأعطى الآخر حكم الجعل.
[ ٣ / ٩٤٧ ]