وهي سبع: البغي، والردة، والزنى، والقذف، والسرقة، الحرابة، والشرب
الجناية الأولى: البغي، والنظر في صفات البغاة وأحكامهم:
أما الصفات: فقال القاضي أبو بكر: "بناء غ ي في لسان العرب للطلب، قا الله ﵎: (ذلك ما كنا نبغ)، ووقع التعبير بها ههنا عمن يبغي ما لا ينبغي، على عادة اللغة في تخصيص الأهم ببعض متعلقاته. وهو (في) الذي يخرج (على) الإمام يبتغي خلعه، أو يمتنع من الدخول في طاعته، أو يمنع حقًا وجب عليه بتأويل. قال: وقد قاتل الصديق ﵁ البغاة وهم مانعو الزكاة بالتأويلز قاتل علي ﵁ من البغاة، طائفة أبت الدخول في بيعته وهم أهل الشام، وطائفة خلعته وهم أهل النهروان.
أما أحكام البغاة: فإن لوا قاضيًا أو أخذوا زكاة أو أقاموا حقًا، فقال مطرف وابن الماجشون: ينفذ ذلك كله. قال ابن القاسم: لا يجوز ذلك بحال. وروي عن أصبغ القولان. وما أتلفوه في الفتنة فلا ضمان فيه من نفس ولا مال، هذا إن كانوا خرجوا على تأويل.
وأما أهل العصبية: وأهل خلاف لسلطانهم بغيًا بغير تأويل، فيؤخذون بالقصاص ورد المال قائمًا كان أو فائتًا.
وأما كيفية قتال البغاة: ففي كتاب ابن سحنون عن أبيه: إذا خرجوا بغيًا ورغبة عن حكم الإسلام، فغن الإمام يدعوهم أولًا إلى الرجوع إلى الحق، فإن فعلوا قبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا قاتلهم وحل له سفك دمائهم، حتى يقهرهم. فإن تحققت الهزيمة عليهم وظهر الإمام عليهم ظهورًا بينًا وبئس من عودتهم، فلا يقتل منهزمهم، ولا يذفف على جريحهم، وإن لم تستحق الهزيمة ولم يؤمن رجوعهم فلا بأس بقتل منهزمهم وجريحهم، ولا بأس أن يقتل الرجل
[ ٣ / ١١٣٨ ]
في قتالهم أخاه وقرابته مبارزة، وغير مبارزة وجده لأبيه وأمه، فأما الأب وحده فلا أحب قتله على العمد مبارزة أو غيرها. وكذلك الأب الكافر مثل الخارجي.
وقال أصبغ: يقتل فيها أباه وأخاه. قالا: ولا تصاب أموالهم ولا حريمهم، وإذا أصيب منهم أسير فلا يقتل، بل يؤدب ويسجن حتى يتوب. وإن ثبت عليه أنه قتل أحدًا قتل به إن كانوا أهل [عصبية] بغير تأويل. وإن كان خروجهم بتأويل فلا قصاص عليهم.
وأما ما أصيب من سلاحهم وكراعهم فقال ابن حبيب: إن كانت لهم فئة قائمة استعان به الإمام ومن معه على قتالهم إن احتاجوا إليه، فإذا زالت الحرب رده إلى أهله. وما سوى الكراع والسلاح فيوقف حتى يرد إلى أهله ولا يستعان بشيئ منه. وإن لم تكن لهم (فئة) قائمة رد ذلك كله من كراع وسلاح وغيره إليهم وإلى أهليهم عند الأمن منهم لا قبله.
وإذا امتنع أهل البغي، [من كانوا أهل بصائر] وتأويل أو أهل عصبية، من الإمام العدل، فله فيهم من رمي المجانيق وقطع (المير) والماء عنهم، وإرساله عليهم ليغرقهم، مثل ما له في الكفار، وإن كان فيهم النساء والذرية. ولا يرميهم بالنار إلا أن لا يكون فيهم نساء ولا ذرية فله ذلك، إلا أن يكون فيهم من لا يرى رأيهم ويكره بغيهم، أو خيف أن يكون فيهم فلا يفعل فيهم شيئ مما ذكرناه.
وإذا استعان أهل التأويل بأهل الذمة ردوا إلى ذمتهم، ووضع عنهم مثل ما وضع عن المتأولين الذين هم معهم.
وإن كان المستعينون بأهل الذمة أهل عصبية وخلاف للإمام العدل فهو نقض لعهدهم موجب لاستحلالهم.
وإن كان السلطان غير عادل وخافوا جوره واستعانوا بأهل الذمة، فليس ذلك نقضًا لعهد أهل الذمة.
فرعان:
الفرع الأول إذا قاتل النساء مع البغاة بالسلاح فلأهل العدل قتلهن في القتال، فغن لم يكن قتالهن إلا بالتحريض ورمي الحجارةفلا يقتلن، إلا أن يكن قد قتلن أحدًا بذلك فيقتلن. ولو أسرن وقد كن يقاتلن قتال الرجال لم يقتلن إلا أن يكن قد قتلن فيقتلن. قال الشيخ أبو محمد: يريد في غير أهل التأويل.
[ ٣ / ١١٣٩ ]
الفرع الثاني: إذا سأل أهل البغي الإمام العدل تأخيرهم أيامًا أو شهرًا حتى ينظروا في أمرهم، وبذلوا له على ذلك شيئًا، لم يحل له أن يأخذ شيئًا منهم، وله أن يؤخرهم إلى المدة التي سألوها ما لم يكونوا يقاتلون فيها أحدًا، أو يفسدون فلا يؤخرهم حينئذ.
الجناية الثانية: الردة، والنظر في حقيقتها وحكمها.
الطرف الأول: في الحقيقة، والردة عبارة عن قطع الإسلام من مكلف، وفي غير البالغ خلاف وتفصيل تقدم بيانه في كتاب اللقيط.
وظهور الردة إما أن يكون بالتصريح بالكفر، [إما] بلفظ يقتضيه، أو بفعل يتضمنه. ولا ينبغي أن تقبل الشهادة على الردة مطلقًا دون (تفصيل)، لاختلاف المذاهب في التفكير.
وإذا أظهر الاسير في دار الحرب التنصر ولم يدر أمركه هو أم طاعئ، والتبس ذلك علينا بعد البحث عن حقيقة أمره، فهو محمول على الطوع حتى يثبت الإكراه، ولو ثبت إكراهه لم يكن مرتدًا، كما أنه لو ثبت أختياره التنصير من غير إجبار لكان مرتدًا.
فرع: (روى ابن القاسم فيمن أسلم ثم ارتد عن قرب، وقال: إنما كان إسلامه عن ضيق ضيق عليه: إن عرف أنه عن ضيق ناله أو مخالفة أوشبهة، فعسى أن يعذر. وقاله ابن القاسم. وقال اشهب: لا عذر له ويقتل، وإن علم أن ذلك عن ضيق كما قال.
وقال أصبغ: قول مالك أحب (إلي)، إلا أن يقيم على الإسلام بعد ذهاب الخوف، فهذا يقتل. وقاله ابن وهب وابن القاسم إذا كان على ضيق أو عذاب أو غرم أو خوف. قال أصبغ: وذلك إذا صح ذلك، وكان زمان يشبه ذلك في جوره).
وقال محمد في النصراني يصحب القوم في سفر فيظهر الإسلام ويتوضأ ويصلي وربما قدموه، فلما أمن أخبرهم وقال: أصنع ذلك تحصنًا بالإسلاملئلا يؤخذ ما معي أو تؤخذ ثيابي ونحو ذلك، فذلك له إن أشبه ما قال، ويعيدون ما صولا خلفه في الوقتوبعده. وروى يحيي بن يحيي عن ابن القاسم عن مالك مثله.
[ ٣ / ١١٤٠ ]
وقال سحنون: "إن كان في موضع يخاف على نفسه فدرأ عن نفسه وماله فلا شيئ عليه، ويعيد القوم صلاتهم. وإن كان في موضع هو فيه آمن فليعرض عليه الإسلام، فإن أسلم لم يكن على القوم إعادة. وإن لم يسلم قتل ويعيدون".
الطرف الثاني: في الحكم: وذلك يظهر في نفس المرتد وولده وماله وزوجته وجنايته. والجناية عليه أما نفسه فتهدر إن لم يتب، فإن تاب عصمها. وتوبته رجوعه [وتغير حاله عما كان عليه]، وذلك يعرف من المتظاهر بكفره برجوعه (عن) التظاهر الذي كان عيه بأن يظهر من الإيمان ضد ما كان يظهر من الكفر فيعرف تغير حاله عما كان عليه.
وأما الزنديق الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر أي كفر كان، إذا ظهرنا عليه وهو في حال زندقته يبدي لنا أنه مؤمن فادعى التوبة عما كان عليه والرجوع عنه، فلا يرجع إلى مجرد دعواه إذ لم يظهر صدقه ورجوعه عما كان عليه بما أبداه من دعوى الرجوع عنه، لأنه بما أبداه لم يخرج عن عادته ومذهبه، فإن التقية عند الخوف عين الزندقة. ولذلك نقول: لم تظهر توبته وتعرف فتقبل ولا نقلو: لا تقبل توبته، وإلى هذا أشار مالك ﵁ بقوله: إن توبته لا تعرف نعم لو ظهرت لنا توبته لقبلناها، كما لو جاء تائبًال قبل أن يطلع على ما كان عليه إذا ظهرت التوبة بقوله، كما ظهر الكفر بقوله. ومن قال من أصحابنا: لا تقبل توبته إذا جاء تائبًا قبل الظهور عليه، فقوله شاذ بعيد عن المذهب.
فرع: اختلف في الساحر إذا طلع عليه، فقيل: لا يقبل منه ما يدعيه من التوبة التي لا يعرف صدقه في دعواها إلا أن يأتي تائبًا منه قبل أن يطلع عليه، وهذا اختيار القاضي أبي محمد.
وقال ابن عبد الحكم وأصبغ ومحمد: هو كالذنديق إن أظهر سحره قبلت توبته وإن كان مستترًا به قتل ولم يستتب.
قال عبد الحكم وأصبغ: (فإن) كانو لسحره مظهرًا فقتل (إذ) لم يتب، فماله لبيت
[ ٣ / ١١٤١ ]
المال، ولا يصلى عليه. وإن استسر بسحره فماله بعد القتل لورثته من المسلمين، ولا أمرهم بالصلاة عليه، فإن فعلوا فهم أعلم.
ثم عرض التوبة على المرتد (واجب)، والنص أنه يمهل ثلاثة أيام، وفي كون الإمهال واجبًا أو مستحبًا روايتان. قال مالك: وما علمت في استتابته تجويعًا ولا تعطيشًا، وأرى أن (يقات) من الطعام بما لا يضره، ولا عقوبة عليه إذا تاب.
وروى ذلك أشهب ف يالعتبية وكتاب محمد. ولا فرق قدمنا بين أن يكون المرتد حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، ارتد عن إسلام أصلي أو طارئ.
وأما ولد المرتد، فلا يلحق به في الردة إذا كان صغيرًا، إذ تبعية الولد لأبيه إنما تكون في دين يقر عليه، فإن قتل الأب على الكفر بقي الولد مسلمًا، فإن أظهر خلاف الإسلام أجبر على الإسلام. فإن غفل عنه حتى بلغ ففي إجباره على الإسلام. فإن غفل عنه حتى بلغ ففي إجباره على الإسلام خلاف إذا ولد قبل الردة، ثم في كونه بالسيف أو بالسوط خلاف أيضًا، وإن ولد بعدها أجبر إن بلغ. وقيل: إن بلغ ترك، ولا يكون كمن ارتد.
فرع: قال: قال ابن حبيب في قوم ارتدوا وتناسلوا، ثم ظهر بهم أنهم وذراريهم لهم حكم المرتد، يستتاب الأكابر منهم، فإن تابوا وإلا قتلوا. وكذلك من بلغ من ذراريهم، ولا يرقون ولا يحل استرقاقهم بالسبي، وكل ما ولد للمرتد بعد ردته فلهم حكم المرتد، فلا يسترق تناسل منهم، ويجبر الصغار على الإسلام، ويستتاب من بلغ، فإن لم يتب قتل. قال ابن حبيب: وكذلك ذكر لي من كاشفته من أصحاب مالك.
وأما مال المرتد فيوقف، فإن عاد أخذه. وروى الشيخ أبو إسحاق: أن ماله لا يعود إليه، بل يكون فيئًا وإن عاد إلى الإسلام. وقال بها ابن نافع.
فأما إن مات أو قتل على ردته فماله فيئ، إلا أن يكون عبدًا فماله لسيده. وأما حكم زوجة المرتد فقد تقدم في كتاب النكاح.
وأما حكم جنايته ففي كتاب محمد قال في المرتد: إذا قتل مسلمًا أو ذميًا عمدًا أو خطأ لم أجد لمالك فيه ما يتضح لي، واضطرب فيه أصحابه، فيجعله ابن القاسم مرة كالمسلم [إن رجع، ومرة كالنصراني]، ثم قال: أحب إلي إذا رجع أن يكون كأنه فعل ذلك وهو مسلم.
[ ٣ / ١١٤٢ ]
وكذلك فيما جرح أو جنى على عبد، أوس سرق أو قذف، فليقم عليه إن تاب ما يقام على المسلم إذا فعله، وتحمل عاقلته من الخطأ الثث فأكثر، ويقتص منه الحر في جراح العمد، ويحد في قذفه، ويقطع إن سرق. وأما إن لم يتب فليقتل ولا يقام عليه من ذلك إلا الفرية. ولو قتل حرًا عمدًا في ردته وهرب إلى بلد الحرب، لم يكن لولاة المقتول في ماله شيئ، ولا ينفق على ولده وعياله منه، بل يوقف، فإن مات فهو فيئ، وإن تاب ثم مات كان لورثته، وإن كان القتيل عبدًا أو ذميًا أخذ ذلك من ماله. وأشهب يرى لولاة المسلم أخذ الدية من ماله إن شاءوا عفوًا على القصاص وإن شاءوا صبروا حتى يقتلوه.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه إن قتل مسلمًا خطأ فديته في بيت المال، لأن ميراثه للمسلمين. وإن قتل نصرانيًا أو جرحه اقتص منه في القتل والجراح.
وإذا جرح مسلمًا لم يقتص منه، وإن قتله قتل به. قال محمد: والذي آخذ به أنه إن قتل مسلمًا عمدًا لم أعجل بالقصاص حتى أستتيبه، فإن لم يتب وقتل سقط عنه ذلك، إلا الفرية، وإن تاب اقتص منه. وإن قتل عبدًا أو نصرانيًا عمدًا، فذلك في ماله، قتل أو تاب.
وقال ابن حبيب: قال أصبغ: إذا قتل المرتد في ارتداده أو جرح أحدًا، عبدًا أو حرًا، مسلمًا أو نصرانيًا، أو افترى أو زنى أو سرق، أو شرب خمرًا، فإنه إن قتل فالقتل يأتي على ذلك كله، إلا الفرية فليحد للمقذوف ثم يقتل. وقتله الخطأ وجراحاته الخطأ في بيت المال إن قتل على ردته، وإن رجع إلى الإسلام سقط عنه ما كان من حد، وأخذ بالسرقة والفرية، وإن قتل عمدًا قتل ويقتص منه في الجراح العمد، ويحمل على عاقلته الخطأ في النفس.
ولو جرح عبدًا أو نصرانيًا أو قتله، لم يقتص منه في عمد، وغرم ديته أو ثمنه في مال.
وأما حكم الجناية عليه، فإن قتل عمدًا، فقال ابن القاسم: ديته في مال القاتل دية أهل الدين الذي ارتد إليه. وقال سحنون: لا قصاص ولا دية على عاقتله إلا الأدب فيما افتات على الإمام. وقاله أشهب. وقال أشهب في كتاب ابن سحنون: إذا قتله رجل فلا قصاص عليه ولا دية، ولو قطع يده ثم عاد إلى الإسلام فدية يده له دية الدين الذي كان ارتد إليه من مجوسي أو كتابي.
قال ابن القاسم: وإذا جرح عمدًا أو خطأ فعقل جراحاته للمسلمين غ، قتل، وله إن تاب، وعمد من جرحه كالخطأ لا يقاد منه. ولو جرحه عبد أو نصراني فلا قود له، لأنه ليس على دين يقر عليه، وفيه العقل.
[ ٣ / ١١٤٣ ]
الجناية الثالثة: الزنى
كتاب حد الزنا
الجناية الثالثة: الزنى، وهي جريمة موجبة للعقوبة. والنظر في طرفين:
الأول: في الموجب والموجب: والضابط أن انتهاك حرمة الفرج المحترم بالوطء المحرم في غير ملك، إذا انتفت عنه الشبهة، سبب لوجود الحد.
والحد نوعان: رجم وجلد. ثم الجلد ضربان: منفرد بنفسه، ومضموم إلى غيره، وهو تغريب عام.
فأما الرجم، فعلى الزاني المحصن، وعلى اللائط وإن لم يكن محصنًا، لقوله ﷺ: "اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا". وفي بعض طرقه إسقاط هذه الزيادة. فهو دال بنصه أو بعمومه. رواه الشيخ أبو إسحاق من طرق عديدة متفقة ومختلفة، وعموم اللفظ يقتضي رجمهما وإن كانا عبدين أو كافرين، وهو المشهور. وقال أشهب: يجلد العبدان خمسين خمسين، ويؤدب الكافران.
وأما الجلد فعلى غير المحضن. والمنفرد بنفسه منه ما كان على المرأة أو العبد.
وأما المضموم إلى التغريب، ففي حق الحر الذكر.
[ ٣ / ١١٤٤ ]
وفي الرابطة قيود لابد من كشفها بعد بيان الإحصان، وهو عبارة عن خمس خصال: [التكليف، والحرية]، والإسلام، والتزويج الصحيح، والوطء المباح فيه. والذي يخصه على الحقيقة ثلاثة: الحرية، والتزويج، والوطء، وما عدا ذلك [مشترط] في أصل الزنى.
وأما الوطئ بالشبهة أو في النكاح الفاسد فلا يحصن. ويشترط وقوع الإصابة بعد الحرية. ولا يشترط حصول اإحصان في الواطئين، بل إن كان المحصن أحدهما رجم وجلد الآخر كما لا يشترط بلوغ الموطوءة في حد اللواطئ، بل يحد إذا كان يوطأ مثلها، وإن كنا لا نجد الموطوءة حتى يكون الواطئ بالغًا. وانتفاء الإحصان يسقط الرجم. وانتفاء الحرية يسقط شطر الجلد، وأصل التغريب، نظرًا للسيد ثم في التغريب مسائل.
إحداها: أن يبعد به فينفى من مصر إلى مث شعب وإلى مثل أسوان وإلى ذويها، ومن المدينة إلى مثل فدك وخيبر، (وكراؤه في ذلك عليه في ماله، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال).
الثانية: أنه يسجن في البلد الذي يغرب إليه سنة، ويكتب إلى والي البلد أن يسجنه، ويؤرخ (لسجنه) لتكمل له السنة من يوم دخوله السجن.
الثالثة: لو عاد المُغَرَّربُ أَخْرَجْنَاهُ (ثَانِيَةً).
ولنعد إلى قيود الرابطة. أما قولنا: انتهاك حرمة الفرج، فيتناول اللواط، وقد تقدم بيان موجبه، والغلام المملوك كغير المملوك على القطع. وأما إتيان الأجنبية في دبرها فروى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه زنى وليس بلواط. وقال محمد، فيرجم المحصن منهما،
[ ٣ / ١١٤٥ ]
ويجلد من لم يحصن، وإن كان الرجل غرب.
وقال القاضي أبو الحسن: "حكم ذلك حكم اللواط، يرجمان جميعًا، أحصنا أو لم يحصنه".
اختلف في عقوبة المتفاعلتين من النساء، فقال ابن القاسم في العتبية: "ليس في عقوبتهما حد محدود، وذلك إلى اجتهاد الإمام. (وقال أصبغ: تجلدان خمسين خمسين).
وقولنا في الرابطة: المحترم، يشمل فرج الميتة فيحد واطئها ولا يدخل فيه فرج البهيمة، فلا يحد واطئها، لكن يعزر.
وفي كتاب الشيخ أبي إسحاق: عليه الحد.
قال الأستاذ أبو بكر: ولا يختلف مذهب مالك أن البهيمة لا تقتل ولا تذبح، وأنها إن كانت مما يؤكل فذبحت أكلت. وقولنا: بالوطء المحرم، احترزنا به عن الوطء الحلال. وقولنا: في غير ملك، احترزنا به عن وطء الحائض والمحرمة والصائمة في الملك. وقولنا: لا شبهة فيه، احترزنا به عن شبهة في المحل أو الفاعل أو الطريق.
أما شبهة المحل بأن تكون مملوكة. وإن كانت محرمة بسبب رضاع أن نسب، أو شركة أو عدة، أو تزويج، فلا حد عليه في وطئها. وأما في الفاعل فإن يظن أنها مملوكته أو زوجته.
وأما في الطريق بأن يختلف العلماء في إباحته كنكاح بلا ولي أو بغير شهود إذا استفاض واشتهر، فإن جميع ذلك يدرأ الحد.
واختلف في درء الحد عن الواطئ في نكاح المتعة، ومذهب الكتاب أنه يدرأ عنه الحد.
وأما من نكح خامسة، أو أخته من رضاع أو نسب، أو غير الأخت من ذوات المحارم، أو طلق امرأته ثلاثًا ثم تزوجها قبل زوج، أو طلقها قبل البناء واحدة، ثم وطئها بغير نكاح، أو طلقها بعد البناء ثلاثًا، ثم وطئها في العدة، أو أعتق أم ولده ثم وطئها في العدة منه، فإن يحد
[ ٣ / ١١٤٦ ]
في جميع ذلك، ولا يلحق به الولد إلا أن يدعي الجهالة بتحريمهن عليه، ومثله يجهل ذلك.
قال أصبغ: مثل الأغتم، ومن يجيئ من بلاد السودان وشبهه، فلا حد عليه.
وأما من نكح امرأة في عدتها، أو دخل بها فيالعدة، أو نكحها على عمتها أو خالتها، فوطئها أو وطئ بملك اليمين من ذوات محارمه من لا يعتق عليه إذا ملكه، [فلا يحد، وإن كان علامًا بتحريم ذلك] أدب. وكذلك إن وطئ أم ولده بعد أن ارتدت.
قال محمد: وإن وطئ من يعتق عليه بالملك حد، إلا أن يعذر بجهل.
وروى علي بن زياد فيمن نكح في العدة ووطئ فيها ولم يعذر بجهل: أنه يحد.
وقال أبو إسحاق التونسي: إذا كان التحريم من القرآن لسبب ولم تحرم ليعنها، وقد تحل يومًا ما، ففي الحد قولان، وكذلك في الخامسة لأنها تحل له إن طلق إحدى الأربع، وليست بمحرمة العين.
واختلف فيمن ادعى الجهل بتحريم الزنى، وهو ممن يظن به ذلك هل يحد أو يدرأ عنه الحد؟ " على قولين، لابن القاسم وأصبغ.
ومن أحلت له أمة فوطئها لم يحد، لأن شبهة الإذن فيها كالبيع. وتقوم على الواطئ حملت أو لم تحمل، شاء محلها أو أبى. وإن كان الواطئ عالمًا بالتحريم أدب.
ومن استأجر امرأة للزنى، لم يكن عقد الإجارة دارئًا عنه الحد، بل يحد.
ولا يسقط الحد عن أحد الزانين بجنون الآخر. وكذلك إكار أحدهما لا يسقط الحد الآخر، ولا كون الزاني يستحق على الزانية القصاص، وكذلك كونها حربية أو من المغنم. وإن كان له (فيها) نصيب لا يسقط الحد عن ابن القاسم. وقال أشهب: لا يحد. وقال عبد الملك: لا حد على من زنى بحربية.
وفي كون الإكراه على الزنى دارئًا خلاف. قال القاضي أبو بكر: "لا حد عليه، وحكى
[ ٣ / ١١٤٧ ]
بعض اأصحاب وجوب الحد". وقال القاضي أبو الحسن: "عندي أنه ينظر في حاله، فإن انتشر قضيبه حين أولج فعليه الحد سواء أكرهه سلطان أو غيره. وإن لم ينتشر قضيبه فلا حد عليه. والمكرهة على التمكين لا حد عليها.
فرع: قال ابن القاسم "فيمن أصابته مسغبة قباع امرأته، وأقرت له بالرق، ووطئها المبتاع: إنهما يعذران بالجوع، ولا تحد".
وقال ابن وهب: "إن طاوعته وأقرت أن المشتري أصابها طائعة، فعليها الحد".
هذا بيان موجب الحد، وليظهر للقاضي بجميع قيوده.
والأسباب التي بها يثبت الزنى ثلاثة، وهي: الإقرار، والبينة، وظهور الحمل.
فأما الإقرار، فتكفي منه مرة يقيم عليها، فإن رجع عنه إلى شبهة أو أمر يعذر به قبل، وإن أكذب نفسه، ففي (القبول منه) روايتان.
وأما البيئة فشهادة أربعة رجال عدول يشهدون مجتمعين، لا تراخي بين أوقات إقامتهم الشهادة، على معاينة الزنى الواحد، ورؤية فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، وما جرى مجرى ذلك. فإن قصر عددهم في الابتداء، أو يتوقف أحدهم عن الشهادة، أو برجوعه بعد
[ ٣ / ١١٤٨ ]
إقامتها وقبل الحكم بها، لم يحد المشهود عليه، وحد الشهود كلهم، وإن كان ذلك بعد إقامة جميعهم الشهادة حد الرابع وحده.
ولو شهد أربعة بزنى شخص فرجم، ثم ألفي مجبوبًا لم يحد الشهود لأنهم إنما قذفوا محبوبًا، وعليهم الدية في أموالهم مع وجيع الأدب وطول السجن.
ولو شهد أربعة على زناها، فشهد أربع نسوة على أنها عذراء، لم يسقط الحد عنها.
ولو شهد أربعة على أنه زنى، وعين كل واحد زاوية [أخرى] من البيت غير التي عين الآخر، فلا حد إذ لم يتفقوا على قول واحد.
ولو شهد اثنان على (أنه) زنى بها مكرهة، وغثنان على أنه زنى بها طائعة لم يجب عليها الحد.
وأما الحمل فإن يظهر بحرة أو أمة ولا يعلم لها زوج ولا سيد الأمة مقر بوطئها بل منكر، والحرة مقيمة ليست بغريبة، فإنها تحد، ولا يقبل قولها، إن قالت: غصبت أو استكرهت، إلا أن تظهر أمارة على ذلك بأن يرى بها أثر دم، أو يشاهد منها استغاثة أو صياح، أو ما أشبه ذلك مما يعلم (منه) في الظاهر صدقها.
واعتبار ظهور الحمل على الوجه المذكور سببًا لوجوب الحد، هو مذهب أمراء المؤمنين الثلاثة عمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين.
وقال عمر: الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء (إن) ترجم، فقال له علي: ليس ذلك عليها، واستدل بقوله تعالى: (وحمله وفصله ثلثون شهرًا)، فحكم] عثمان برجمها بظهور الحمل.
[ ٣ / ١١٤٩ ]
واعتذر علي ﵁ [عن] توجه الرجم عليها بإمكان كون الحمل من فراش النكاح، فبين أن دراءة الحد للإمكان المذكور لا لقصور في السبب.
الطرف الثاني: في كيفية الاستيفاء ومتعاطيه:
أما الكيفية: فلا يقتل بالسيف، بل ينكل بالرجم بالحجارة، ولا يقتل بصخرة كبيرة في دفعة واحدة، كما لا يعذب بالتطويل عليه بحصيات خفيفة، بل بما بين ذلك.
قال الشيخ أبو إسحاق: يرجم بأكبر حجر يقدر الرامي على حمله، [قال] ويتقي الوجه. ولا يؤخر الرجم لمرض الزاني. ويؤخر الجلد إلى البرء، وينتظر بالحامل وضع الحمل. ثم المعتبر ظهوره إن كان من الزنى، فأما إن كان الزوج مرسلًا عليها فإنها تستبرأ ثم ترجم، لان طالب النطفة قائم.
ولا يقام الحد في فرط الحر والبرد، بل يؤخر إلى اعتدال الهواء، وهذا التأخير واجب إذا غلب على ظن المستوفي هلاكه عند إقامة الحد. وروي أنه إنما يؤخر في البرد خاصة دون الحر.
وأما مستوفي الحد فهو الإمامفي حق الأحرار، والسيد في حق الرقيق فقيم حد الزنى على عبده وأمته بالبينة أو الإقرار أو ظهور الحمل. وفي حده لهما بالرؤية روايتان.
قال في المختصر الكبير: وإنما يحد السيد أمته إذا كانت غير ذات زوج أو كان زوجها عبده. قال أبو إسحاق التونسي: وكذلك العبد إذا له زوجة حرة أو أمة لغير سيده، فلا يقيم الحد عليها حنئذ إلا الإمام لحق الزوجين.
قال الشيخ أبو محمد عقب هذه المسألة: "وكل من فيه بقية رق من كتابة أو تدبير أو أمية أم ولد أو من بعضه حر، فحدهم حد العبيد في جميع الحدود. ولا يقيم السيد على عبده حر السرقة، لكن إن شهد هو وأجنبي عليه بالسرقة عند الإمام قطعه. وإذا كان للسيد إقامة الحد، فأولى أن يكون له التعزير. وليس له استيفاء القصاص من عبده لعبد له آخر [له] أو لأجنبي، ولا يقتص منه إلا عند الحاكم إذا ثبت الحق عنده".
فرع: كل من قتل حدًا أو لترك صلاة، غسل وكفن وصلي عليه، ودفن في مقابر المسلمين.
[ ٣ / ١١٥٠ ]
كتاب حد القذف
الجناية الرابعة: القذف، وفيه بابان:
الباب الأول: في ألفاظه، وموجبها، وفيه فصلان
الفصل الأول: في الألفاظ، وهي ثلاثة: التصريح. والنفي. والتعريض
الأول: اللفظ الصريح، وهو مثل أن يقول: زنيت أو لطت، أو يا زان ويا لائط، وكذلك كل لفظ يدل على الزنى واللواط صريحًا.
اثاني: النفي، كقوله: لست لأبيك، أو لست ابن فلان، يعني أباه أو جده، أو أنت ابن فلان، يعني غيرهما. وفي معنى ذلك الكناية، كقوله للعربي: يا نبطي، أو يا بربري، أو يا ورمي، أو لفارسي يا رومي، أو لرومي يا فارسي، أو يقول: يا ابن الخياط، ولم يكن من آبائه من هذه صفته. ففي جميع ذلك الحد. ولا يشترط في [توجه] الحد على النافي أن يكون أبو المنفي عن أبيه ممن يحد قاذفهما، بل لو كان عبدين أو كافرين لوجب الحد للمنفي لا لهما، نعم يشترط أن يكون المنفي ممن يحد قاذفة.
(ومن قال لرجل: لا أب لك، ففي كتاب محمد: لا شيئ عليه، إلا أن يريد النفي، وهذا مما يقوله الناس على الرضا، وأما من قاله على المشاتمة والغضب، فذلك شديد، وليحلف ما أراد نفيه).
[ ٣ / ١١٥١ ]
الثالث: التعريض، وأما أنا فلست [بزان، فو تعريض، وحكمه] حكم الصريح إذا فهم منه القذف أو النفي. ثم فيه مسائل:
إحداها: لو قال لامرأة: زنيت بك، فهذا إقرار وقذف. ولو قال لها: يا زانية، فقالت: بك زنيت، فعليها حد الفرية والزنى، إلا أن ترجع عن الزنى فتحد للقذف فقط، ولا يحد الرجل لأنها صدقته. وقاله مالك.
قال محمد: قال أشهب: إلا أن تقول: ما قلت ذلك إلا مجاوبة، ولم أرد قذفًا ولا إقرارًا، فلا حد عليها، ويحد الرجل.
وقال أصبغ: يحد كل واحد منهما لصاحبه وإن نزعت، لأن ردها عليه ليس إقرارًا بالزنى وهو وجوب، تقول: إنك كنت زنيت فبك.
الثانية: لو قال لرجل: يا زان، فقال: أنت أزنى مني، حدًا جميعًا حد القذف. وقال أصبغ: قوله: أزنى مني، إقرار منه بالزنى، ومحمله محمل الرد لما قال له، ولو قال لغيره: أنت أزنى الناس، كان قاذفًا.
الثالثة: إذا قال للرجل: يا زانية، بإثبات الهاء، فهو قاذف. كما لو قال للمرأة: يا زان، بإسقاطها، قاله القاضي أبو الحسن.
الرابعة: لو قال: زنى فرجك، فهو قذف، وكذلك لو قال: زنت (عينك) أو يدك، فإن يحد عند ابن القاسم، ورآه من التعريض. وقال أشهب: لا يحد.
الخامسة: (إذا قال الأب لابنه في منازعة: أشهدكم أنه ليس بابني، فطلبت الأم أو ولدها من غيره الحد وقد كان فارقها فعفاه ولده، فقال مالك: يحلف ما أراد قذفًا، وما قاله إلى بمعنى أنه لو كان ولدي لم ينصع ما صنع، ثم لا شيئ عليه.
فأما الجد والعم والخال. فروى ابن القاسم ي العتبية، يحدون له في الفرية إن طلب
[ ٣ / ١١٥٢ ]
ذلك وأما إ شتموه فلا شيئ عليهم، إذا كان على وجه الأدب، ولم ير الأخ مثلهم).
ومن قذف ولده بالزنى فقام بطلب حده، فله ذلك. وقال أصبغ: لا يحد الأب لولده.
وإذا فرعنا على المشهور فحده، فإن ذلك يسقط عدالته، رواه محمد، قال: لأن الله ﵎ يقول: (فلا تقل لهما أف)، وهذا يضربه.
ومن نفى ولد الملاعنة عن أبيه في مشاتمة حد، وإن كان على وجه الخبر لم يحد، ويحد قاذفها هي، لاعنت عن غير ولد أو عن ولد، والولد الذي لاعنت منه معها أو ليس معها.
فروع متتالية: من قذف مجهولًا فلا حد عليهز (قال محمد في رجل قال لجماعة: أحجكم زان، أو ابن زانية، لا يحد، إذ [لا] يعرف من أراد. وإن قام به جميعهم فقد قيل: لا حد عليه. وإن قام به أحدهم فادعى أنه أراده لم يقبل منه إلا ببيان أه أراده. ولو عرف من أراده لم يكن للإمام أن يحده إلا بعد أن يقوم به، لأن من (شرط) وجوب حد القذف أن يقوم به وليه.
وفي العتبية والواضحة عن ابن لاقاسم فيمن قال لرجل: يا زوج الزانية وتحته امرأتان، فعفت إحداهما وقامت الأخرى تطلبه، يحلف ما أراد إلا التي عفت ويبرأ، فإن نكل حد، وهذا لأن عفو المقذوف قبل القيام لازم له وجائز عليه.
ورأى القاضي أبو الوليد أنه يحتمل أن يفرق بين المسألتين، بأن الجماعة كانوا كثيرًا فخرجوا بكثرتهم عن حد التعيين، وأن الاثنين وما قرب من ذلك في حد المعين. قال: ويحتمل أن يكون اختلافًا من القولين".
وإذا بنينا على هذا الاحتمال فيجريان في كل مسألة منهما بالنقل والتخريج.
(ومن قال لرجل: ما لك أصل ولا فصل، فروي في العتبية: "لا حد في هذا). وقال
[ ٣ / ١١٥٣ ]
أصبغ: عليه الحد. وقيل: إلا أن يكون من العرب، فعليه الحد.
ومن قال: يا ابن منزلة الركبان، ففي لواضحة: يحد. وكذلك من قال: يا ابن ذات الراية).
ومن قال لابن أمة أو كتابية: يا ابن الزانية، فلا حد عليه. ولو قال يا ابن زنية، لحد. والفرق بينهما أن لفظ الثاني نفى له من نسبه وإضافته إلى فعل لا يلحق الولد فيه، وقوله الأول قذف لأمه لا نفي لنسبه.
وذكر القاضي أبو عبد الهل بن هارون المالكي البصري أن من قال لرجل: يا نغل، فإنه [يحد، لأنه قذف، قال: ولو قال] الرجل لنفسه: أنا نغل، فإنه يحد، لأنه قذف أمه وكذلك لو نسب إلى بَطْنِ أو نسبٍ أو عشيرة غير بطنه ونسبه وعشيرته فإن قذف أمه.
قال الشيخ أبو إسحاق: لو قال مولى لعربي: أنا خير منك، (حد). وكذلك لو كانا ابني عم قاله أحدهما لصاحبه. قال: وفي هاتين المسألتين اختلاف، وبهذا أقول.
(ولو قال لرجل: أنا أفتري عليك، أو أنا أقذفك، فلا حد عليه، ويحلف ما أراد الفاحشة.
ومن قال لرجل: أنت ابن فلان، فنسبه إلى غير أبيه أو غير جده، فقال ابن القاسم: عليه الحد، وإن لم يقله على سباب ولا غضب، إلا أن يقوله على وجه الإحسان.
وقال أشهب: لا يحد، إلا أن يقوله على وجه السباب، لأنه قد يقوله وهو يرى أنه كذلك. ولو نسبه إلى جده في مشاتمة لم يحد عند ابن القاسم. وقال أشهب: يحد. قال محمد: قول ابن القاسم أحب إلي، إلا أن يعرف أنه أراد القذف، مثل أن يتهم الجد با/هـ ونحوه، وإلا لم يحد، فقد ينسب إليه لشبهه له في خلق أو طبع.
[ ٣ / ١١٥٤ ]
(ولو) نسبه إلى عمه أو خاله أو زوج أمه فعليه الحد عند ابن القاسم. وقال أشهب: لا حد عليه إلا أن يقوله في مشتمة. وقاله أصبغ ومحمد.
قال أصبغ: وقد سمى الله ﷿ العم أبًا في كتابه الكريم فقال: "إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق).
هذا بيان ألفاظ القذف، ونعني به موجب الحد. أما التعزيز فيجب بأكثر من هذه الكلمات.
الفصل الثاني: في موجب القذف إذا صدر من مكلف
وهو التعزير. إذا قذف محصنًا فموجبه ثمانون جلدة، وهو الحد الكامل. ويتنصف على الرقيق. والمحصن هو المكلف المسلم الحر العفيف عما رمي به. ولا يشترط البلوغ في حق الأنثى، بل المطبقة للوطء كالبالغ في ذلك.
قال الأستاذ أبو بكر: ومعنى العفاف هو ألا يكون معروفًا بالقيان ومواضع الفساد والزنى، فلو قذف معروفصا بالظلم والغضب والسرقة وشرب الخمر وأكل الربا والقذف لحد له، إذا كان غير معروف بما ذكرنا ولم يثبت عليه ما رمي به، فإن ثبت أو كان معروفًا بذلك لم يحد قاذفه. ثم يسقط الإحصان المذكور بكل وطء موجب للحد.
أما الحرام الذي لا يوجب الحد كوطء المملوكة المحرمة بالرضاع، أو الجارية المشتركة، أو جارية الإبن، أو المنكوحة لحر، أو لعبد له أو لغيره، فلا يسقط الإحصان. وكذلك الوطء بالشبهة. والوطء في الصبا، ووطء الحائط والمحرمة الصائمة لا يسقط. ويسقط إحصان المقذوف بالزنى الطارئ بعد القذف، ومتى سقط الإحصان بالزنى لم يعد بالعدالة بعده.
وروى ابن الماجشون فيمن قذف من حد في الزنى بعد أن حسنت توبته لم يحد.
[ ٣ / ١١٥٥ ]
ولو مات المقذوف قبل استيفاء الحد قام ورثته مقامه. وكذلك لو قذف موروثه بعد موته لكان للوارث القيام بالحد.
الباب الثاني: في مجامع أحكام القذف
وإذا قذفه بزنيتين، وقد تخلل بينهما الحد، تعدد.
وذكر الشيخ أبو عمر: "أنه لا يحد له ثانيًا، بل يزجر عن ذلك فقط". ولو ضرب بعض الحد فقذف الأول أو غيره، (فقال ابن الماجشون: إن كان إنما مضى مثل السوط أو الأسواط السيرة، فإنه يتمادى ويجزيه لهما. قال أشهب: والعشرة الأسواط يسيرة. وقال ابن القاسم: يستأنف إلا أن يبقى من الحد الأول مثل سوط أو أسواط فيتم. ثم يبتدئ [حدًا ثانيًا].
وقال محمد: "إذا لم يبق إلا أيسر الحد مثل العشرة والخمسة عشر فليتم الحد، ثم يؤتنف.
قال القاضي أبو الوليد: "ويجيئ على قول أشهب أنه إن ذهب اليسر تمادى وأجزى الحد لهما، وإن مضى نصف الحد أو ما يقرب منه استؤنف لهما، وإن لم يبق إلا اليسير فيتمه ثم يستأنف حدًا آخر للقذف الثاني. وإن لم يتخلل بين القذفين حد ولا شيئ منه تداخلًا. وكذلك لو قذف جماعة".
وبالجملة [فحده للقذف يجزي عنه] لكل قذف تقدمه، لواحد أو لجماعة. قال القاضي أبوالوليد: "سواء قذفهم متفرقين أو مجتمعين".
وقال الشيخ أبو إسحاق: بعض أصحابنا يقول: إن قذفهم فقام به أحدهم حد له، ثم من قام حد له أيضًا هكذا.
وقال رجل من أصحابنا: سواء كان متفرقًا أو بكلمة واحدة يحد بعدد من رماه. قال: وبالأول أقول.
وخرج الأستاذ أبو بكر هذا الخلاف على الخلاف في أن حد [القذف] هل هو من حقوق اللهتعالى أو من حقوق الآدميين.
[ ٣ / ١١٥٦ ]
وحكى القاضي أبو محمد في هذه المسألة روايتين، وخرج عليهما جواز العفو عنه بعد بلوغه إلى الإمام، ثم قال: "والصحيح أنه من حقوق الآدميين بدليل أنه يورث عن المقذوف، وحقوق اللهتعالى لا تورث، وأنه لا يستحق إلا بمطالبة الآدمي.
(يوتخرج على الروايتين أيضًا حكم العفو قبل بلوغ الإمام، فروى ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم جوازه. وروى أشهب أن ذلك ليس بلازم له، وله القيام متى شاء، إلا أن يريد سترًا.
وعلل القاضي أبو الوليد الأول "بأنه حق لمخلوق ولم يبلغ الإمام فلزم العفو وعلل الثاني بأنه حق لله تعالى يجوز القيام به، ولا يزلم العفو عنه بعد بلوغ الإمام، فلا يلزمه قبل بلوغه كحد الزنى").
(ولو أعطى القاذف للمقذوف دينارًا على أن يعفو عنه، ففي العتبية من رواية أشهب: لا يجوز ذلك، ويجلد الحد").
(وفي كتاب محمد: قال مالك: للمقذوف أن يكتب بالقذف كتابًا أنه متى شاء قام به. قال وإني لأكرهه. قال اقاضي أبو الوليد: "ومعنى ذلك، عندي، قبل أن يبلغ الإمام". قال: "وقد رأيت لمالك نحو هذا". وقال: "هذا يشبه العفو").
فرع: إذا ادعى على رجل أنه قذف ولا بينة للمدعي، لم يكن له أن يحلف المدعى عليه، لكن إن أقام شاهدًا واحدًا أحلف له، فإن نكل سجن أبدًا حتى يحلف. قال محمد: ولم يختلف أصحاب مالك أنه يحبس أبدًا حتى يحلف.
[ ٣ / ١١٥٧ ]
كتاب السرقة
الجناية الخامسة: السرقة، والنظر في ثلاثة أطراف:
الطرف الأول: في الموجب، وهو السرقة، ولها ثلاثة أركان:
الركن الأول: المسروق، وهو كا ما تمتد إليه الأطماع، ويصلح عادة وشرعًا لانتفاع به. فإن منع منه الشرع فلا ينفع تعلق الطماعية به، ولا يتصور الانتفاع منه عادة كالخمر والخنزير وشبههما. ثم هو مال وغير مال.
فأما غير المال، فهو كالحر الصغير، فإذا سرق من حرز مثله قطع سارقه، وذلك مروي عن عمر رضي اللهعنه وعبد الملك بن مروا، وبه قال الفقهاء السبعة والقاسم بن محمد والشعبي والزهري وربيعة. وقال عبد الملك بن الماجشون: "لا قطع في سرقة الحر".
ودليل المذهب عموم الآية، وما روي عن النبي ﷺ، أنه ذكر عنده رجل يسرق الصباين فأمر بقطعه.
وأما المال فشرطه أن يكون نصابًا مملوكًا لغير السارق ملكًا محترمًا تامًا محرزًا لا شبهة فيه. فهذه ستة شروط.
[ ٣ / ١١٥٦ ]
الشرط الأول: النصاب، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي الثلاثة (درام). وقيل: ما يساوي أحدهما إذا كانا غالبين. وتأوله الشيخ أبو بكر [عن] ابن القاسم، ونزل كلامه عليه.
وقال القاضي أبو الوليد: "يجب أن يكون الاعتبار في قيمة العرض بما يباع به غالبصا في بلد التقويم. كقيم المتلفات". ويقطع في خاتم وزنه ثلاثة دراهم وإن لم يساو ربع دينار، واختار القاضي أبو بكر الاقتصار على اعتبار الذهب خاصة.
ولو سرق دنانير وظنها فلوسًا لم تبلغ نصابًا قطع. وكذلك من سرق ثوبًا لا يساوي ثلاثة دراهم، فيه دنانير أو دراهم مصرورة وهو لا يشعر، فقال مالك: أما الثوب وشبهه مما يعلم الناس أنه يرفع ذلك في مثله، فإنه يقطع، وإن لم يدر ما فيه، (وأما ما لا) يرفع ذلك في مثله كالخشبة والعصى والحجر، ف لا يقطع إلا في قيمة ذلك دون ما رفع فيه من ذهب أو فضة. فأما لو سرق مالًا قطع فيه فلم يعلم به حتى سرق ما يكون [فيه مع الأول القطع]، فقال أشهب في كتاب محمد: لا يقطع حتى يسرق في مرة واحدة نصابًا. قال: ولو سرق قمحًا من بيت، فكان يدخل إلى البيت عشر مرات في ليلة، يخرج (في) كل مرة بقيمة درهم أو درهمين، فإنه لا يقطع حتى يخرج في مرة واحدة ثلاثة دراهم.
[ ٣ / ١١٥٩ ]
وقال سحنون: إذا كانفي فور واحد فإنه يقطع. وهذا من باب الحيلة والتسبب إلى أخذ أموال الناس.
ولو أخرج نصابًا من حزرين، فقال عبد الملك: لا يقطع حتى يسرق من حرز واحد.
قال محمد: ولو كان لرجل تابوتان في دار، فسرق السارق من كل تابوت درهمًا ونصفًا لم يقطع إذا كانت دارًا مشتركة، ولو خرج بذلك من الدار كلها. ولو لم تكن مشتركة، وخرج بذلك من جميع الدار لقطع، وإن أخذ فيها لم يقطع.
ولو اشترك رجلان في حمل ما يساوي نصف دينار قطعًا. ولو كان إنما يساوي ربع دينار فقط، فقال ابن الماجشون: يقطعان إذا كان المسروق بحيث لا يمكن أحدهما إخراجه دون الآخر. فا/الو اشتركا فيما يستقل أحدهما بإخراجه، فلا قطع على واحد منهما، إلا أن يكون في نصيبه نصاب. وقال غيره: بل يقطعان، وإن كان المسروق مما يستقل أحدهما بحمله إذا ساوى بجملته نصابًا، لو خرج كل واحد منهما بشيئ لم يقطع إلا من أخرج نصابًا.
قال ابن القاسم: "ومن سرق هو وصبي أو مجنون شيئًا قيمته ثلاثة دراهم، لم يقطع الصبي والمجنون، وقطع الذي معه. وينبغي أن تكون القيمة بالغة نصابًا بقول عدلين من أهل المعرفة بقيمة جنس المسروق.
فرع: المعتبر في القيمة المنعفة المقصودة من المسروق عادة وشرعًا، فلو سرق حمامًا عرف بالسبق، أو طائرًا عرف بالإجابةإذا ادعي، قوم ذلك على أنه ليس فيه ذلك ولا سواء مما هو للعب والباطل. وأما سباع الطير المعلمة، فينظر إلى قيمتها على ما فيها من ذلك. وذكر عن أشهب: أنه يقوم ذلك كله بغير ما فيه، كان بازيًا معلمصا أو غيره. قال: وهو نحو قول مالكف ي قتل المحرم إياه.
الشرط الثاني: أن يكون مملوكًا لغير السارق، فلو سرق ملك نفسه من المرتهن أو المستأجر، فلا قطع. ولو طرأ الملك بإرث قبل الخروج من الحرز، فلا قطع، وبعده لا يؤثر. وكذلك نقصان القيمة باأكل والإتلاف قبل الإخراج يؤثر، وبعد لا (يؤثر).
[ ٣ / ١١٦٠ ]
ولو قال عن متاع في يده: سرقته من فلان، فكذبه فلان لقطع بإقراره، يبقى المتاع له، إلا أن يدعيه ربه فيأخذه.
ومن سرق متاعًا مستسرًا لرجل غائب، فقام به أجنبي، فقال: بعثني (به) ربه، قطع، وإن صدقه ربه أنه بعثه، كان معه في بلد أو لم يكن.
(وقال مالك "فيمن أخذ ف يجوف الليل ومعه متاع أخذه من منزل رجل، وقال: وهو أرسلني بذلك، وصدقه ربه، فإن عرف منه انقطاع إليه وأسبه ما قال، لم يقبطع، وإلا قطع ولم يصدق". وقال عيسى: "أحب إلي، إذا صدقه، ألا يقطع".
وقال أصبغ: معنى قول مالك: ويشبه ما قال، أن يدخل إلى المتاع من مدخله غير مستسر وأتى في وقت أن يدخله فيه".
الشرط الثالث: أن يكون محترمًا، فال قطع على سارق الخمر والخنزير، (ولا على سارق الطنبور والملاهي من المزمار والعود، وشبهه من آلات اللهو، إلا أن يكون في قمية ما يبقى منها، بعد إفساد صورتها وإذهاب (المنفعة) المقصودة بها، ربع دينار فأكثر). وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها، فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة. وكذلك الصليب من ذهب أو فضة، والزيت النجس إن كانت قيمته [على نجاسته نصابًا]. وقال غيره: إنما يقطع فيه إذا كانت قيمة ما فيه من الصنعة نصابًا. وروي أنه لا يقطع في جلد ميتة أصلًا وإن دبغ.
[ ٣ / ١١٦١ ]
ولا يقطع سارق الكلب عن ابن القاسم. (وقال أشهب: ذلك في المنهي عن اتخاذه، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه.
(ومن سرق لحم أضحية أو [جلدها] قطع، إذا كانت قيمة ذلك ثلاثة دراهم، وقاله أشهب. وقال ابن حبيب: قال أصبغ، إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع، وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع لأنها لا تباع. ولو سرقت ممن تصدق بها عليه لقطع إن كانت قيمة ما سرق نصابًا، قولًا واحدًا).
ومن سرق سبعًا يذكى لجلده وينتفع به، على ما تقدم، قطع فيه، إلا أن الاختلاف واقع في المعتبر في نصاب القطع، هل هو قيمة جلده ذكيًا أو قيمة عينه حيًا، على قولين بين ابن القاسم وأشهب.
الشرط الرابع: أن يكون الملك تامًا قويًا، فلو كان للسارق فيه شركة ولو بجزء يسير، ولم يحجب عنه، بل يده جائلة مع شريكه، فلا قطع.
وأما ما حجب عنه فسرق منه ما يزيد على نصيبه من المسروق نصابًا كاملًا، فعليه القطع، أما مال بين المال، وأهداء المسلمين، والمغانم بعد حيازتها، فيقطع سارقها وإن لم يزد ما أخذ على النصاب، إذ لا بال لما يستحقه من ذلك.
وقال عبد الملك: لا قطع عليه، إلا أن يسرق ربع دينار زيادة عىل سهمه. ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما. ويقطع في سرقة مالهما. واختلف في الجد، فقال مالك وابن القاسم: لا يقطع. وقال أشهب: يقطع.
[ ٣ / ١١٦٢ ]
قال ابن القاسم وأشهب: ويقطع من سواهما من القرابات. وقال مالك: "أحب إلي أن لا يقطع الأجداد من قبل الأب والأم لأنهم آباء وإن لم تجب لهم نفقة، والدية تغلظ على أبي الأب. ولا يقطع العبد في ماله سيده". وقال ابن القاسم: ولا يقطع من سرق من جوع أصابه.
الشرط الخامس: أن يكون المال خارجًا عن شبهة الاستحقاق في حق السارق، فلا قطع على مستحق الدين إذا سرق من غريمه المماطل جنس حقه.
وأما الزوجان فمن سرق منهما من مال الآخر نصابًا من بيت حجر عنه، وفي الدار ساكن [غيرهما)، فعليه القطع، وإن لم تكن الدار مشتركة وليس معهما ساكن غيرهما، ففي وجوب القطع خلاف، وحكم الضيف حكم أحدا لزوجين للإذن.
وما سرق عبد أحد الزوجين من مال الآخر من حرز لم يؤذن له في دخوله، فعليه القطع. وكذلك ولد كل واحد منهما إذا سرق من مال الآخر مما أحرز عنه فعليه القطع.
ولا يسقط القطع كون المسروق مباح الأصل، كالحطب وشبهه، بل قال في كتاب محمد: يقطع في كل شيئ، حتى الماء إذا أحرز لوضوء أو شرب أو غيره. وكذلك العلف والتين والحطب وشبهه إذا بلغ نصابًا وسرق من حرزه، ولا كونه طعامًا رطبًا متعرضًا للفساد كاللحم والسمك والأمراق والهرائس والثرائد، ونحوه من الفواكه مثل الرطب والعنب والتين والقثاء والبطيخ وما أشبهه، ولا كون المسروق قطع فيه دفعة أخرى، بل يقطع ثانيًا. (ويقطع بسرقة المال من يد المودع والوكيل، والمرتهن والمستعير).
[ ٣ / ١١٦٣ ]
الشرط السادس: أن يكون محرزًا، ومعناه أن يكون في مكان هو حرز لمثله في العرف والعادة، وذلك يختلف باختلاف عادات الناس في إحراز أموالهم، وهو في الحقيقة كل مال لا يعد صابح المال في العادة مضيعًا لماله بوضعه له فيه.
وجملة القول فيه: أن كل شيئ له مكان معروف به، فمكانه حرزه، وكل شيئ معه حافظ، فحافظه حرزه، فمن ذلك أن (الدور) والمنازل والحوانيت حرز لما فيها، غاب أهلها [أو حضروا. وكذلك ظهور] الدواب حرز لما جملت، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في الموقف للبيع، وإن لم يكن هناك حانوت، [كان معه] أهله أم لا، سرقت في ليل أو نهار. وكذلك موقف الشاة في السوق، مربوطة أو غير مربوطة، والدواب على مرابطها محرزة، كان أهلها معها (أم) لا، فإن كانت الدابة بباب المسجد أو في السوق لن تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ. ومن ربط دابة بفنائه، أو اتخذ موضعًا مربطًا لدوابه، فإنه حرز لها. والسفينة حرز لما فيها، وسواء كانت سائبة أو مربوطة، فإن سرقت السفينة نفسها، فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة، وإن كان صاحبها ربطها في موضع وأرساها فيه فرباطها حرز. وهكذا إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة كالدابة باب المسجد معها حافظ، إلا أن ينزلوا بالسفينة في سفرهم منزلًا فيربطونها فهو حرز لها، كان صاحبها معها أم لا.
(وأما حصر المسجد، فروي عيسى عن ابن القاسم: "أن سارقها يقطع وإن لم يكن للمسجد باب، ورآها محرزة. وإن سرق الأبواب قطع أيضًا".
قال أصبغ: ويقطع سارق حصر المسجد وقناديله وبلاطه، (كما) لو سرقث بابه مستسرًا أو خشبة من سقفه أو من حوائزه.
وروي عن ابن القاسم: "إن كانت سرقته للحصر نهارًا لم يقطع، وإن كان تسور عليها ليلًا قطع".
[ ٣ / ١١٦٤ ]
وذكر عن سحنون في غير العتبية: إن كانت حصره خيط بعضها إلى بعض قطع، وإلا لم يقطع. وقال ابن القاسم: أيضًا: "من سرق من المسجد الحرام أو مسجد لا غلق عليه لا يقطع. ومن سرق القناديل ليلًا أو نهارًا قطع".
وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع في شيئ من حصر المسجد وقناديله وبلاطه. قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: وإن سرق من ذهب باب الكعبة قطع. ويقطع في القناديل والحصر والبلاط. وإن أخذ في المسجد، كان في ليل أو نهار وحرزها مواضعها. وكذلك الطنفسة ببسطها الرجل في المسجد لجلوسه إذا كانت تترك فيه ليلًا ونهارًا كالحصر. وقاله مالك. وأما الطنافس تحمل وترد، فربما نسيها صاحبها وتركها، فلا يقطع فيها، وإن كان على المسجد غلق، لا، الغلق لم يجعل من أجلها).
(وقال ابن القاسم في العتبية "فيمن سرق من بسط المسجد التي تطرح فيه في رمضان، فإن كان عنده صاحبه قطع، وإلا فلا.
وكذلك قال مالك في محارس الإسكندرية يعلق الناس فيها السيوف والمتاع فيسرق. قال: إن كان صاحبه عنده قطع سارقه. قال مالك: لأن صفوان لم يقم عن ردائه ولا تركه").
(وفي العتبية، من رواية محمدب ن خالد عن ابن القاسم، "فيمن جعل ثوبه قريبًا منه، ثم قام يصلي فسرقه رجل: إنه يقطع إذا أخذ وقد قبضه قبل أن يتوجه به، قال: ولو قلت: لا يقطع حتى يتوجه به، لقلت: لا يقطع حتى يخرج من المسجد". وقد قال أصبغ في غير رواية ابن حبيب: يقطع، كان معه حارس أو لم يكن، كقناديل المسجد وحصره).
[ ٣ / ١١٦٥ ]
وما كان على راس رجل في قفة أو غيرها، فهو محرز به. وكذلك ما كان في جيبه، فالجيب حرز لما فيه، وكمه، أيضًا، حرز لما فيه، كان مشدودًا في كمه أو غير مشدود. وهذا كله إذا استسر في أخذه، فأما إذا أخذه اختلاسًا أو مكابرة، فقال ابن القاسم: "لا يقطع إلا أن يؤخذ المكابر بحكم الحرباة".
ولو دخل الحرز فأخذ منه إزارًا فاترز به، ثم أخذ في الحرز والإزار عليه، فانفلت من أيديهم، وخرج هاربصا والإزار عليه، وقد علم أصحاب الحرز به أو لم يعلموا، لم يقطع. وأما لو أدرك [صاحب البيت فيه سارقًا] فتركه حتى أحضر من يشهد عليه، ولو شاء لمنعه الأخذ، فتركه حتى خرج بالمسروق، فهل يقطع أم لا؟ ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن يشعر برؤيتهم له فيقر، فلا يقطع لانه مختلس، وبين أن لا يشعر بذلك فيقطع لأنه سارق. والقطع لأصبغ. ونفيه لمالك. والتفرقة لبعض المتأخرين.
ولو سرق شيئ من بين يدي صاحبه لقطع سارقه، لأن ذلك حرزه. (ومن سرق متاعًا من الحمام، فإن كان دخل من بابه لم يقطع، إلا أن يكون عند الباب حارس يحرسه).
وفي الكتاب: "إن دخل الحمام من غير بابه، مثل أن ينقب أو يتسور على الحائط ونحوه، فإنه يقطع، وإن لم يكن معه ربه والحمام مشترك لمن دخله، والموضع الذي فيه الثياب مشترك، بمنزلة (الصنيع يصنع) في البيت فيدخله القوم ويسرق أحده من البيت، فإنه لا يقطع".
وخباء المسافر حرز لما فيه ولما خارجه. وإن كان ربه قد ذهب لحاجته. وكذلك لو سرق الخباء نفسه، فإن سارقه يقطع. وكذلك القطار من الدواب حرز لما فيه، من سل منها شيئًا أو أخرجه من القطارقطع، سواء كانت سائرة أو واقفة، كان معها حافظ أم لا.
والمحمل حرز لما فيه، من أخذ منه ستسرًا، أو أخذ من ظهر البعير شيئًا استسر يأخذه ولم يختلسه قطع.
وأما الثوب المنشور على الحائط إلى الزقاق، فلا قطع فيه. وروي عن ابن القاسم رواية
[ ٣ / ١١٦٦ ]
ارخى: أنه يقطع. وقاله غير ابن القاسم. واختلف الرواية في ما على حبل الصباغين والقصارين.
ما الرفقاء في السفر يكون كل واحد على حدته، فإن سرق أحدهم من الآخر قطع.
وأهل الدار الواحدة ذات المقاصير يسرق أحدهم من بعضها يقطع. وإذا كانت دار مشتركة مأذون فيها، وبيوتها محجورة على الناس، فإن السارق إذا أخرج المتاع من بيت منها إلى الساحة المشتركة قطع. وقال سحنون: وذلك إذا كان السارق من سكانها، وإلا لم يقطع حتى يخرجه من جميع الدار. وقال محمد: يقطع وإن لم يكن من أهل الدار. ولا يختلفان أن أحد ساكنيها لو سرق مما في العرصة المشتركة وأخرجه من الدار قطع.
والقبر حرز لما فيه، سواء كان في الدور أو في الصحراء. فيقطع النباش إذا سرق منها ما يساوي ربع دينار بعد الإخراج. ولا يقطع حتى يخرجه إلى وجه الأرض.
ولو مات في البحر فكفن وطرح في البحر لقطع من أخذ كفنه، سواء شد في خشبة أم لا.
وهكذا المطامير في الجبار والصحاري هي حرز لما فيها، فيقطع من سرق منها نصابًا، سواء كانعليها حائط أو م يكن.
الكرن الثاني: نفس السرقة، وهي الإخراج، والنظر في ثلاثة أطراف.
الطرف الأول: في إبطال الحرز، (فلو نقب وأخرج غيره، [فإن] كانا متعاونين قطعًا، وإن انفرد كل واحد بفعله دون اتفاق بينهما فلا قطع على واحد منهما)، وإن تعاونا في
[ ٣ / ١١٦٧ ]
الطرف الثاني: في وجوه النقل
النقب، وانفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة. ولا يشترط في الاشتراك في النقب التحامل على آلة واحدة، بل التعاقب في الضرب تحصل به الشركة. ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز، فأدخل اآخر يده فأخذه، فعليه القطع، ويعاقب الأول. وقال أشهب: يقطعان. وإن وضعه خارج الحرز، فعليه القطع لا على الآخر. وإن وضعه في سوط النقب وأخذه الآخر، والتقت ايديهما في النقب قطعًا جميعًا.
الطرف الثاني: في وجوه النقل. ولو رمي المال إلى خارج الحرز قطع، أخذه أو تركه. ولو أخذ داخل الحرز بعد رمي المتاع إلى خارجه، فقال ابن القاسم: "يقطع". ووقف فيه مالك. وروى أشهب وابن عبد الحكم أنه يقطع. وروى مثله ابن القاسم.
ولو استخرج من الحرز بمحجن لقطع. ولو ربطه أحدهما بحبل وجذبه الآخر قطعًا جميعًا [وروي أنه يقطع الجاذب] فقط. ولو أكل في الحرز لم يقطع. ولو ابتلع درة في الحرز وخرج لقطع). ولو ادهن بالدهن داخل الحرز وخرج، فإن كان يخرج عنه بالسلت وغيره ما يساوي نصابًا قطع. ولو وضع المتاع في الماء حتى خرج به إلى خارج الحرز لقطع. وكذلك لو فتح أسفلا الكندوج حتى أنصب ما فيه من حب ونحوه. ولو وضع المتاع على ظهر دابة فخرجت به، فكذلك أيضًا. ولو أشار إلى شاة بالعلف فخرجت من حرزها لم يقطع في رواية أشهب،] ويقطع] في قوله وقول ابن القاسم. ولو حمل السارق عبدًا صغيرًا من دار رواية أشهب، [ويقطع] في قوله وقول ابن القاسم. ولو حمل السارق عبدًا صغيرًا من دار سيده قطع لأنه حرزه. ولو دعاه وخدعه وهو مميز، فلا قطع، وإن لم يكن مميزًا قطع،
[ ٣ / ١١٦٨ ]
الطرف الثالث: في المحل المنقول إليه
ولو أكره بالسيف على الخروج فلا قطع.
الطرف الثالث: في المحل المنقول إليه، ولا يقطع بالنقل من زاوية الحرز إلى زاوية أخرى، وإنما يقطع بنقل المسروق عن الحرز إلى ما ليس بحرز له. فإن نقل من البيت إلى صحن الدار، فإن كانت مشتركة قطع على الخلاف المتقدم، وإن لم تكن مشتركة فال قطع. وعرصة الخان حرز لبعض الأمتعة. وكذلك ساحة الدار المشتركة، ولكن في حق السكان ليس بحرز إلا أن يكون مثل اشيئ الثقل والأعكام التي قد أنزلها مالكها، فيه وجعله موضعها، فيقطع، وإن كانت الدار مشتركة. وكذلك الدابة على مذودها. فإن لم يكن في الدار ساكن أو لم يكن فيها سوى ساكن واحد ولم تكن مشتركة، فلا قطع في شيئ من ذلك حتى يخرج به من جميع الدار.
الكرن الثالث: السارق، وشرطه التكليف، فلا قطع على الصبي والمجنون. ويجب على الذمي والمعاهد، والحربي، إذا دخل إلينا بأمان ثم يستوفي، قهرًا سرق مال مسلم أو دمي، وإن لم يترافعوا إلينا، لأن ذلك من الحرابة، ولا يقرون عليها بينهم.
ويستوىي في القطع الرجل والمرأة، والحر والعبد، إلا أن يكون ملكًا للمسروق منه.
النظر الثاني من الكتاب: في إثبات السرقة. وثبت بالإقرار والشهادة.
الحجة الأولى: الإقرار مع الإصرار، فإن رجع لم يسقط الغرم، ويسقط الحد إن رجع إلى شبهه. وفي سقوطه إن رجع إلى غير شبهة روايتان، كما لو أقر باستكراه امرأة على الزنى ثم رجع، لسقط الحد ولم يسقط المهر. ولو أقر السارق قبل الدعوى قطع، ولم يقف على دعوى الملك. ولو رد اليمين فحلف الطالب ثبت الغرم دون القطع.
أما البعد إذا أقر بسرقة توجب القطع فإنه يقطع، ولا يقبل في المال ولو أقر بسرقة دون النصاب فأولى [أن لا] يقبل في المال أيضًا.
الحجة الثانية أيضًا للسرقة: الشهادة، وثبت برجلين، فإن لم يشهد إلا رجل وامرأتان ثبت الغرم دون القطع. وكذا في شاهد ويمين. ولا تقبل الشهادة على السرقة مطلقًا. بل لابد من التفصيل.
النظر الثالث: في الواجب، وهو القطع ورد المال مع قيامه، فأما مع تلفه بالغرم إن كان
[ ٣ / ١١٦٩ ]
موسرًا من حين السرقة إلى حين القطع عند ابن القاسم. وعند أشهب إلى حين القيام عليه فأما إن [تغير] حاله من يسر إلى عسر، أو سرق وهو معسر ثم أيسر، أو تكرر ذلك من أحواله في الوجهين لم يضمنها إن لم تكن قائمة. قال محمد: ولو قطع وهو ملي فلم يغرم حتى أعدم، فقال أشهب: لا يتبع، وقال ابن القاسم: يتبع.
قال الشيخ أبو إسحاق: وقد قيل: أنه يتبع بها مع القطع، كان موسرصا أو معسرًا، قال: وهو قول غير واحد من أهل المدينة، واستدل على] صحته بأنهما حقان لمستحقين، فلا يسقط أحدهما الثاني. ثم قال: وبهذا القول أقول. واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله ﷺ: "إذا أقيم علىالسارق الحد، فلا ضمان عليه". وأسنده في كتابه، وفسر الضمان بما يلزم الذمة ولا يسقط بالعسر.
وأول ما (يقطع) اليد اليمنى من الكوع، قال في المختصر: "ويسحم موضع القطع بالنار". قال في موضع آخر: وكذلك في الرجل. فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فغن عاد فيده اليسرى، فإن عاد فرجله اليمنى، فغن عاد عزر وحبس. وقال أبو مصعب:
[ ٣ / ١١٧٠ ]
"يقتل" هذا مع سالمة الأعضاء، ولو نقصت يده إصبعًا [اكتفينا] بها.
وقيل: يكتفي بها ما بقي أكثر الأصابع، أما لو يبق إلا لكف أو الأقل، فإنها لا تقطع، بل ينتقل إلى ما بعدها. ولو كانت شلاء، أو كان لا يمين له فسرق، قطعت يده اليسرى، في الرواية الأخيرة. وفي الأولى تقطع رجله اليسرى. وقال أبو مصعب: "تقطع الشلاء". وقال ابن وهب: تقطع إذا كان ينتفع بها.
ولو سرق فسقطت يمناه بآفة سقط الحد. (ولو بادر الجلاد فقطع اليدي اليسريى عمدًا، فعليه القصاص والحد باق)، وكذلك إن فعل ذلك الإمام. ولو كان غلطًا لأجزأ ذلك عنه.
وقال ابن الماجشون: لا يجزيه وتقطع اليمنى، ويكون عقل الشمال في مال السلطا، أو المباشر في الخطأ. قال: وإليه رجع مالك.
وإذا فرعنا على الأول، ثم سرق، قطعت رجله اليمنى عند ابن القاسم، واليسرى عند ابن نافع.
فرع: في تداخل الحدود وسقوطها.
وما تكرر من الحدود من جنيس واحد، فإنه يتداخل كالسرقة إذا تكررت، أو الزنى، أو الشرب، أو القذف، فمتى أقيم حد من هذه الحدود أجزأ عن كل ما تقدم على الحد من جنس تلك الجناية التي حد عليها، ثم لا يحد حتى يستأنف [ارتكاب الجناية] دفعة أخرى.
ولا تسقط الحدود بالتوبة، ولا بصلاح الحال، ولا بطول الزمان، [بل] لو قامت البينة
[ ٣ / ١١٧١ ]
عليه، أو أقر بأنه كان أتى جناية من هذه الجنايات، ولو يقم عليه حدها لأقيم عليه الآن، وإن كان من أحسن الناس حالًا، وأجملهم سيرة، وأجلهم قدرًا، ولو طال الزمان وتمادى الأمر البعيد.
الجناية السادسة: الحرابة، والنظر في ثلاثة أطراف:
الطرف الأول: في صفة المحاربين، وحكم قتالهم.
أما صفتهم، فإن المشهرين السلاح قصد السلب محاربون، كان ذلك في مصر أو قفر، صدر من ذي شوكة، أو ممن لا شوكة له، ولا تشترط الذكورة، ولا آلة مخصوصة، فقد يقتل المحارب بالحبل أو [بالحجر]، وقد يقتل بغير آلة كالخنق باليد وبالفم وبغير ذلك، وهو محارب وإن لم يقتل، وقد يخرج بالسلاح، وقد لا يحتاج إليه. وكل من قطع الطريق،اخاف الناس، فهو محارب. وكذلك من حمل عليهم السلاح بغير عداوة ولا نايرة، فهو محارب. وقتل الغيلة أيضًا، من الحرابة، وهو أن يغتال رجلًا أو صيبًا فيخدعه حتى يدخله موضعًا فيأخذ ما [معه]، فهو كالحرابة. ولو دخل دارًا بالليل (وأخذ) المال بالمكابرة ومنع الاستغاثة، فهو محارب. والخناقون، والذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون. وكل من قتل أحدًا على ما معه، قل أو كثر، فهو محارب، فعل ذلك بعبد أو حر، مسلم أو ذمي.
وأما حكم قتالهم، فقال مالك وابن القاسم: "جهادهم جهاد". وفي كتاب محمد قال: ولم يختلف قول مالك وأصحابه في إجازة [قتال] المحاربين.
(قال مالك: ويناشد المحارب الله تعالى ثلاثًا، وإن عاجله قاتله. وقال عبد الملك: لا يدعوه، وليبادر إلى قتله.
"وفي كتاب ابن سحنون وغيره: قال مالك: يدعى اللص إلى التقوى، فإن أبى (فقاتله)،
[ ٣ / ١١٧٢ ]
وإن طلبوا مثل الطعام والثوب وما خف فليعطوه ولا يقاتلوا.
وقال عبد الملك: لا تدعه وقاتله واقتله وأجهز عليه.
وقال سحنون: وأنا أرى ألا يعطوا [شيئًا وإن قل، ولا يدعوا]، وليظهر لهم الصبر والجلد، والقتال بالسيف، فهو أكسر لهم، وأقطع لطمعهم".
الطرف الثاني: في العقوبة والغرم.
ما العقوبة، فما (ذكر) الله سبحانه في محكم كتابه من القتل، والصلب، وقطع الأيدي والأرجل والنفي.
فأما القتل والصلب فيجمع بينهما، ويقدم الصلب عند ابن القاسم، ويؤخر عند أشهب. وروى ابن حبيب تقدمه الصلب كقول ابن القاسم. وأما قطع اليد والرجل فمن خلاف. وأما النفي ففي حق الحر كما تقدم في الزاني البكر، ينفي إلى بلد ويحبس فيه حتى تظهر توبته.
ثم التعيين موكول إلى اجتهاد الإمام على ما يراه كافيًا في ردعه وزجره، فإن كان ذا قوة وبطش ورأي وتدبير، ويجتمع إليه، ويتحير إلى جهته، فهذا حده القتل، وإن كان ذا قوة وبطش فقط، قطع من خلاف، وإن كان الذي ليس فيه ذلك، وإنما فعل مرة ولعله أن يتوب، فهذايضرب على ما يراه الإمام، وينفي إلى غير بلده فيحسن (به) حتى تظهر توبته بعد طول السجن.
قال أشهب: وإن جلده مع النفي لضعيف، وإنما استحسنه لما خفف عنه من غيره. ولو قال به قائل لم أعبه. وروى مطرف: أنه يسجن ببلده.
"وقال ابن الماجشون: معنى النفي أن يطلبوا فيختفوا فيدون الطلب عليهم حتى يظفر بهم، فيقام عليهم القتل أو الصلب أو القطع".
[ ٣ / ١١٧٣ ]
وقال الشيخ أبو إسحاق: وقد قيل: إن النفي أن ينفي من قراره، ثم يطلب ويختفي، ثم يطلب فلا يزال هكذا أبدًا، ولا ينفي إلى بلد الشرك. قال: وبهذا أقول، وهو المفعول كان ببلد الرسول ﷺ.
ويجوز قتل المحارب وإن لم يكن قتل. ويجوز قتل الربيئة كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
(وإذا تاب المحارب، وقد كان زنى أو سرق في حرابته، فقال عبد الملك بن الحسن: قال أشهب: "لا يوضع ذلك عنه".
وفي كتاب محمد: قال مالك وابن القاسم وأشهب: وإذا ولي أحد المحاربين قتل رجل ممنن [قطعوا] عليه، ولم يعاونه أحد من أصحابه على قتله؛ فإنهم يقتلون كلهم، ولا عفو (فيهم) للأولياء ولا للإمام).
وكذلك لو ولي أخذ المال وأخذ منهم ثم ظفرنا بغيره، فإنه يلزمه غرم جميع ذلك المال، كان قد أخذ من ذلك حصة أو لم يأخذ.
"قال مالك: ولو تاب واحد منهم ثم ظفرنا بغيره، فغنه يلزمه غرم جميع ذلك المال، كان قد أخذ من ذلك حصة أو لم يأخذ.
"قال مالك: ولو تاب واحد منهم، وقد أخذ كل واحد منهم حصته من المال، فإن هذا التائب يضمن جميع المال، لأن الذي ولي أخذ المال إنما قوي بهم.
قال ابن القاسم: وكذلك القتل عندي، يقتل من لم يل القتل منهم، ولا أعان [فيه].
وقال في العتبية: "وقد استوجبوا القتل كلهم، ولو كانوا مائة ألف".
قال في كتاب محمد: وكذلك لو تابوا كلهم قبل أن يقدر عليهم كان للأولياء قتلهم كلهم، وإن شاءوا عفوا عن بعضهم على الدية. ولو ظفر بهم الإمام قبل التوبة قتلهم أجمعين. وقال أشهب: إن أخذوا قبل أن يتوبوا قتل جميعهم ولا عفو فيهم.
وأما إن تابوا قبل أن يقدر عليهم، فقد سقط عنهم حكم الحرابة كله، ولم يقتل منهم إلا
[ ٣ / ١١٧٤ ]
من ولي القتل، ومن أعان عليه، ومن أمسكه له، وهو يعلم أنه يريد قتله، ولا يقتل الآخرون، ولكن يضرب كل واحد منهم مائة، ويحبس عامًا".
أما الغرم، فحكم المحارب فيه في حال ثبوت الحد، وسقوطه في حالتي اليسر والعسر، وتبدلهما، حكم السارق، على ما تقدم.
قال سحنون في العتيبة: "إذا أقيم على المحارب الحد، فحكمه حكم السارق فيما وجب عليه من مال إن كان وفره متصلًا، أخذ كل ما لزمه من استكراه النساء، واستهلاك مال، ودية النصراني، وقيمة العبد، وإن لم يتصل وفره لم يتبع بشيئ. وإن لم يقم عليه حد الحرابة اتبع بذلك، يلزمه في ماله وذمته، [ويلزمه القصاص لمن] له قصاص".
الطرف الثالث: في حكم هذه العقوبة، ولها حكمان:
أحدهما: أنها تسقط بالتوبة قبل الظفر بهم لا بعده. ثم إنما يسقط الحد دون القصاص والغرم، كما تقدم.
الحكم الثاني: أن القتل حق لله تعالى، حتى لو عفا ولي الدم قتل حدًا، ولا يثبت حق القصاص، ويقتل بمن ليسوا كفؤًا. ولا يتحتم قتل المحارب على الإمام إلا إذا قتل.
فروع:
الفرع الأول: الجرح الساري يوجب قتلًا منحتمًا.
الفرع الثاني: أنه يوالي بين قطع اليد والرجل، ومن استحق يساره بالقصاص، ويمينه بالسرقة، قطعت يمينه بالسرقة، فغ، عاش قطعت شماله قصاصًا، وإن مات سقط اقصاص، ويجمع ذلك عليه، إلا أن يخشى هلاكه فيفرق.
الفرع الثالث: إذا اجتمعت عقوبات الآدميين، كحد القذف والقطع والقتل، وطلبوا جميعًا، جلد، ثم قتل، ودخل القطع في القتل.
الفرع الرابع: إذا اجتمعت حدود الله (تعالى)، كجلد الشرب والزنى وقطع السرقة والقتل، قتل، وهو يأتي على ما قبله.
ولو اجتمع حد القذف وحد الشرب، تداخلا، وأجزأ عنهما جلد ثمانين أو أربعين.
من زنى وهو بكر، ثم زنى وهو ثيب، اندرج الجلد تحت الرجم
[ ٣ / ١١٧٥ ]
النظر الأول: في الموجب
الفرع اخامس: إن قطع الطريق يثبت بشهادة رجلين ولو من الرفقة، إذا لم يضيفا في الشهادة الجناية إلى أنفسهما، فتجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدولًا، إذ لا سبيل إلى غير ذلك، ولأن المحاربين إن قالوا: ما قطعنا عليكم، فقد أزالوا عنهم الظنة، وإن أقروا فقد صدقوهم في [قطعهم] الطريق عليهم، شهدوا بقتل أو بأخذ مال أو غيره. ولا تقبل شهادة أحد منهم لنفسه، وتقبل شهادة بعضهم لبعض.
(وإذا كان المحارب مشهورًا، كان حاله في الحرابة مستفيضًا، فشهد عليه من يعرفه بعينه أن هذا هو فلان المشهور، (بعينه) أقام الإمام عليه الحد بهذه الشهادة وقتله، وإن لم يشهد عليه هؤلاء الشهود بمعاينة القتل والسلب وقطع الطريق).
وإذا أخذ المحاربون ومعهم أموال، فادعاها قوم لا بينة لهم، فلتدفع إليهم بعد الاستيناء في استبراء ذلك من غير طول، فإن لم يأت من يدعيها دفعت إليهم بعد أيمانهم بغير حمل، ولكن يضمنهم الإمام أياها ويشهد عليهم. قال أشهب: وذلك إذا أقر اللصوص أن ذلك المتاع مما قطعوا فيه الطريق، فإن قالوا: بل هو من أموالنا، كان لهم، وإن كان كثيرًا لا يملكون مثله، حتى يقيم مدعوه البينة.
قال محمد: وما لم يأت له به طالب فهو كاللقطة، كضوال الإبل وغيرها. فإن أضاف الشهود على المحاربين من الرفقة الشهادة لأنفسهم مع الشهادة لغيرهم كقولهم: أخذ مال رفاقتنا ومالنا، لم تقبل شهادتهم، إلا أن يكون مالهم يسيرًا، فتجوز لهم ولغيرهم.
وقال المغيرة وابن دينار: لا يجوز في ذلك أقل من شهادة أربعة، قالا: وإنما تجوز في القطع في الرفقة وفي أموالهم غير الشهداء. ولا تجوز في شهادتهم لأنفسهم.
الجناية السابعة: الشرب،
والنظر في الموجب والواجب.
النظر الأول: في الموجب، فكل مسلم مكلف شرب ما يسكر جنسه، مختارًا من غير ضرورة وعذر، لزمه الحد. ولا يستثنى عن ذلك من كان حديث العهد بالإسلام، بل يجب الحد عليه وإن لم يعلم التحريم. (رواه محمد عن مالك وأصحابه، إلا ابن وهب فإن أبا زيد روى عنه أنه قال: إذا كان كالبدروم الذي لم يقرأ الكتاب ولم يعلم ويجهل مثل هذا، فإنه لا يحد ويعذر. قال محمد: واحتج مالك بأن الإسلام قد فشا، ولا أحد يجهل شيئًا من الحدود، فأما لو علم التحريم وجهل وجوب الحد لحد قولًا واحدًا. ولا حد على الحربي والذمي والمجنون والصبي. من تأويل في المسكر من غير الخمر، فرأى أن ما دون الإسكار منه حلال، فلا عذر له في ذلك، وعليه الحد. رواه محمد).
[ ٣ / ١١٧٦ ]
النظر الثاني: في الواجب
قال القاضي أبو الوليد: "ولعل هذا فيمن ليس من أهل الاجتهاد والعلم، فأما من كان من أهل العلم والاجتهاد، فالصواب أنه لا حد عليه إلا أن يسكر منه". قال: "وقد جالس مالك سفيان الثوري وغيره من الأئمة ممن كان يرى شرب النبيذ مباحًا، فما أقام على أحد منهم الحد، ولا دعا إليه، مع إقرارهم بشربه، وتظاهرهم به، ومناظرتهم (عليه").
ولا يجب على المكره، ولا على من شرب لاضطراره إليه في إساغة الغصة، إذ يجوز له ذلك على الخلاف المتقدم.
ولا يجوز التداوي بالخمر: ولا بالأعيان النجسة. وأما الدواء الذي فيه الخمر فقال القاضي أبو بكر: "تردد في ذلك علماؤنا"، قال: "والصحيح أنه لا يجوز لقوله ﷺ: "إنها ليست بدواء، ولكنها داء".
ثم يجب الحد بشرب النبيذ المسكر جنسه وإن قل المشروب منه. ومن شرب المسكر على ظن أنه شراب آخر غير مسكر، فلا حد عليه، وإن سكر وهو كالمغمى عليه. ولا يحد الشارب ما لم يظهر الموجب للقاضي بشروطه، ويظهر ذل ك بشهادة رجلين أو إقراره، ويلحق بذلك إن شم منه رائحة المسكر ويشهد بها من يتيقنها ممن كان شربها في حاله كفره أو فسقه، ثم تغيرت حاله إلى الإسلام والعدالة. وقد يعرف كثير من الأشياء بالرائحة، مثل الزنبق والخيري والبان وزيت الزيتون، وكل ما ثبتت معرفته بالروائح، ولولا ذلك لم يجب على سكران حد أبدا، لعله سكران من علة أو من غير شراب إذا كان الشراب لا تعرف رائحته، والخل والخمر لا يعرفان إلا برائحتهما لأن لونهما واحد (و) يشتبهان. وقد حكم بذلك عمر بن الخطاب ﵁، وقبل فيه شهادة العدول على الرائحة. وهو قول عائشة وابن مسعود.
ثم يكفي في الشهادة أن يقول الشاهد: شرك مسكرًا، أو شرب شرابًا شربه غيره فسكر.
النظر الثاني: في الواجب، وهو ثمانون جلدة، وتيشطر بالرق. وكيفية [الجلد] أن
[ ٣ / ١١٧٧ ]
يضرب بسوط معتدل بين السوطين.
قال ابن القاسم: ضربا بين الضربين، ليس بالخفيف ولا بالمبرح. ويضرب قاعدًا، ولا يربط، ولا يمد، وتخلى يداه. ويضرب على الظهر والكتفين دون سائر أعضاء. وتضرب المرأة قاعدة، وعليها ما يستر ولا يقي. قال: واستحسن أن تقعد في قفة. ويوالي بين الضرب، ولا يفرق على الأيام، إلا أن يخشى من تواليه هلاك المجلود. ولا يجلد في حاله سكره. ولا يجلد المريض إن خيف عليه، بل يؤخر إلى برئه. ولا يجلد في البرد والحر الشديدين الذين يخشى من جلده فيهما هلاكه، بل يؤخر إلى حيث يؤمن ذلك فيه غالبًا، كما تقدم في الزاني. هذه هي الجنايات الموجبة للحد، وما عداها ومقدماتها فتوجب التعزيز.
والنظر في موجب التعزيز وقدره وجنسه ومستوفيه.
أما موجبه، فهو ما يعصى به العبد ربه من جناية على حق الله سبحانه، أو حق آدمي.
وأما قدره، فلا يتقدر أقله ولا أكثره، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام بحسب ما يراه في جناية جناية، ولا يلزمه الاقتصار على ما دون الحدود، ولا له الانتهاء به إلى القتل.
وأما جنسه، فلا يتخصص بسوط، أو يد أو حبس أو غيره، إنما ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام.
قال الأستاذ أبو بكر: وفي أخبار الخلفاء المتقدمين أنهم كانوا يابلون الرجل على قدره وقدر جنايته، فمنهم من يضرب ومنهم من يحبس، ومنهم من يقاوم واقفًا على قدميه في تلك المحافل، ومنهم من تنزع عمامته، ومنهم من تحل أزراره. قال أصحابنا: ويلزم النكال على قدر القائل والمقول له والقول. فإن كان القائل ممن لا قدر له، أو عرف بالأذى، والمقول له من أهل الخير والصيانة، كانت العقوبة أشد، وإن كانا من أهل الخير والصيانة كانت العقوبة أخف، إلا أن يكون مضمون القول الأمر الخفيف فلا يعاقب، ويزجر بالقول. وإن كان القائل ممن له قدر، وهو معروف بالخير، والمقول له غير ذلك زجر بالقول.
قال مالك: وقد يتجافى السلطان عن الفلتة التي تكون من ذوي المروءات. قال في الكتاب: "ومن قال لرجل: يا سارق، نكل، وأما إن قال له: سرقت متاعي، وكان ممن يتهم، فلا شيئ عليه، وإن لم يكن ممن يتهم نكل. وإن ناداه (يا شارب) الخمر، أو آكل الرباء أو خائن، نكل. وكذلك إن ناداه بثور أو خنزير أو حمار وابن الحمار، أو ناداه بيهودي أو
[ ٣ / ١١٧٨ ]
نصراني أو عابد وثن أو مجوسي، ففي ذلك كله النكال. ولم يحد مالك في النكال حدًا ولكنه يختلف في الناس".
وأما الحدود فالناس فيها سواء. ويجوز العفو في النكال، والشفاعة، وإن بلغ الإمام، وقد قال مالك فيمن توجه عليه التعزيز وانتهى إلى الإمام: إن كان من أهل العفاف والمروءة، إنما هي طارئة منه فيتجافى عن عقوبته، وأما من عرف بالأذى والتسلط فلا يقله ولينكله.
قال الأستاذ: أبو بكر: وظاره هذه الأمالي والغطلاقات (يقتضي) أن التعزيز واجب إذا قام به صاحبه (الذي)، وإن لم يطالبه لم يعزز. قال: ولم يفصل أصحابنا هل ما يتعلق من العزيرات بما سوى حقوق الآدميين واجب كالمتعلق به منها أم لا، بل أطلقوا القول أن التعزير واجب في الجملة، ولمي فصلوا هذا التفصيل.
فرع: قال الأستاذ: والمعتبر في الرفيع القرآن والعلم والآداب الإسلامية. والمعتبر في الدناءة الجهل.
وأما المستوقى، فهو الإمام والأب والسيد والزوج. لكن الأب يؤدب الصغير (دون الكبير)، ومعلمه، أيضًا، يؤدبه بإذنه، والسيد يعزر في حق نفسه وفي حق الله ﷿. والزوج يعزر في النشوز وما يشبهه مما يتعلق بمنع حقه.
والتعزير جائز بشرط سلامة العاقبة، فإن سرى ضمنت عاقلة المعزر، بخلاف الحد. فلو كانت المرأة لا تترك النشوز إلا بضرب مخوف لم يجز تعزيرها أصلًا.
[ ٣ / ١١٧٩ ]