وأسباب الحجر سبعة: الصبا والجنون والتبذير والرق والفلس والمرض والنكاح في حق الزوجة.
فأما حجر الصبا فينقطع بالبلوغ مع الرشد (عند الابتلاء.
ويشترط في ابتلاء الأنثى أن تتزوج ويدخل بها زوجها على المشهور، وحينئذ يقع الابتلاء في الرشد) لأن الذكر بتصرفه وملاقاته للناس في أول (نشئه) إلى بلوغه يحصل له الاختيار ويكمل عقله بالبلوغ، فيحصل له الغرض.
وأما المرأة فبكونها محجورة لا تعاني الأمور ولا تبرز لأجل حياء البكارة وقف فيها على وجود الدخول في النكاح فيه تفهم المقاصد كلها، ثم تبتلى بعد ذلك.
واختلف في (العانس)، فقال ابن القاسم في الكتاب: «لا تجوز كفالة البكر ولا بيعها
[ ٢ / ٧٩٦ ]
ولا صدقتها ولا عتقها ولا معروفها. وإن أجازه الوالد لم ينبغ للسلطان أن يجيزه. هذا قول مالك ورأيي».
قال: «ولا تجوز عطيتها لوالديها، وهما في ذلك بمنزلة الأجنبيين، وكان مالك يقول فيما رأيت في كتاب عبد الرحيم: إنها إذا عنست جاز صنيعها».
قال ابن القاسم: فإذا بلغت (سن) التعنيس جاز صنيعها إلا أن تولى بوصي أو أب.
وقال ابن عبد الحكم في البكر إن لم تول بأحد فبيعها جائز إذا كان على سداد، وأما هبتها وصدقتها فلا تجوز.
وروى ابن عبد الحكم ومطرف وغيرهما أنها إذا عنست جاز صنيعها وإن كان لها أب أو وصي، ورواه عبد الرحيم.
فرع: في تحديد المدة التي يقف الابتلاء على مضيها بعد الدخول على المشهور.
وقد اختلف فيها، فقيل الخمسة الأعوام. وقيل: الستة والسبعة في ذوات الأب والعام الواحد في اليتيمة التي لا وصي عليها. وحكى الشيخ أبو الوليد رواية بأن الأنثى كالذكر يعتبر رشدها، وإن لم تتزوج بل بمجرد الحيض.
ثم البلوغ في الذكور بالاحتلام أو الإنبات، أو بلوغ سن تشهد العادة ببلوغ من بلغه واختلف في مقداره.
فقال ابن القاسم: هو ثمان عشرة سنة. وقال غيره: سبع عشرة. وذكر ابن وهب أن سن البلوغ خمسة عشرة سنة. وهو اختيار القاضي أبي بكر.
وأما الإناث فيزدن على الذكور مع مساواتهن لهم فيما تقدم بالحيض والحمل.
فرع: في طريق معرفة هذه العلامات:
[ ٢ / ٧٩٧ ]
أما السن فبالعدد. وأما الاحتلام فبقوله: إذا كان ممكنًا إلا أن تعارضه ريبة. وأما الإنبات فقال القاضي أبو بكر: «يكشف عنه، ويستدبره الناظر، ويستقبلان جميعًا المرآة وينظر إليها الناظر، فيرى الإنبات أو البياض المسطح». وأما الرشد فبأن يكون مصلحًا لماله، حافظًا له، عارفًا بوجوه أخذ المال وإعطائه والحفظ له عن التبذير. وزاد ابن الماجشون: وأن يكون جائز الشهادة. ولم يعتبر ابن القاسم ذلك.
ومهما حصل انفكاك الحجر فلو عاد إلى التبذير لعاد الحجر.
صفة السفيه المستحق للحجر عليه: أن يكون يبذر ماله (سرفًا) في لذاته من الشراب وغيره، ويسقط فيه سقوط من لا يعد المال شيئًا. قال ابن القاسم: ويحجر على كل من لو كان في ولاء لم يعط ماله. وقال أشهب: لا يحجر إلا على البين أمره المبذر لماله ولا بحكم إمساكه.
فرع: (اختلف في أفعال من يستحق الحجر إذا تصرف في ماله قبل الحجر. فقال ابن كنانة وابن نافع: تمضي. وقال ابن القاسم: تصرفه على الرد كالمحجور عليه. وقال مطرف وابن الماجشون: إذا كان سفهه قبل البلوغ ثم لم يأت عليه حال رشد كانت أفعاله مردودة، لأنه لم يزل في ولاء، وإن كان رشد ثم أحدث سفهًا كان فعله نافذًا، إلا أن يكون بيعة خديعة فباع ما يساوي ألفًا بمائة، فإنه يرده، وفرق بين هبته وبيعه).
وحكى الإمام أبو عبد الله قولًا آخر فقال: «وقيل يرد إن كان ظاهر السفه، ويمضي إن كان خفيه»، ثم قال: «وكان المحققون من شيوخنا يختارون الرد، لأن السفيه المحجور
[ ٢ / ٧٩٨ ]
عليه يرد بيعه اتفاقًا (قال): فكأن المحققين من شيوخنا رأوا أن الرد من مقتضى السفه، فردوا أفعال المهمل».
ورأى بعض أصحاب مالك الرد من مقتضى الحجر، فأجازوا أفعاله إذ لا حجر عليه.
قال: «والأصح عند شيوخنا أنه من مقتضى السفه، لأن الحجر كان عن السفه، ولم يكن السفه عن الحجر، وإذا كان الحجر عن السفه ومن مقتضاه وجب أن يكون الرد في السفيه المحجور عليه لأجل السفه لا لأجل الحجر. وقال: وكان شيخي ﵀ يقول: الدليل على أن السفه علة في رد الأفعال الاتفاق على رد أفعال الصغير والمجنون. وأن السفيه إذا ثبت رشده وجب تسليم ماله إليه، فدل ذلك على أن العلة وجود السفه».
قال (الإمام): «وكذلك اختلف المذهب في المحجور عليه إذا رشد ولم يفك الحجر عنه، هل تمضي أفعاله وهو عكس السفيه المهمل».
قال: «والنظر عند شيخنا يقتضي جواز أفعاله لوجود علة الجواز وهي الرشد، وارتفاع علة الرد وهي السفه».
قال: «وهكذا يجري الاختلاف في المرتد إذا باع قبل الحجر عليه قياسًا على السفيه المهمل».
ثم فائدة الحجر صرف استقلاله في التصرفات المالية كالبيع والشراء والهبة والإقرار بالدين، وسلب عمارته عند التوكيل. ويستثنى من ذلك وصية الصغير فإنها تنفذ إذا لم يخلط فيها.
ويصح قبول المحجور عليه للهبة والوصية، ولا حجر عليه فيما لا يدخل تحت حجر الولي كالطلاق والظهار واستلحاق النسب ونفيه وإقراره بموجب العقوبات لأنه مكلف، والولي لا يتولى ذلك، فلا بد أن يتولاه بنفسه، ولا يقبل إقراره بإتلاف مال الغير.
وولي الصبي أبوه، وعند عدمه الوصي أو وصيه، فإن لم يكن فالحاكم. ولا ولاية للجد ولا للأم ولا لغير من ذكرنا.
ولا يتصرف الولي إلا على ما يقتضيه حسن النظر، ولا يبيع عقاره إلا لحاجة الإنفاق عليه أو لغبطة في الثمن أو لخشية سقوطه إن لم ينفق عليه من المال ما يكون معه بيعه وابتياع غيره بثمنه أفضل، أو لكونه في موضع حرب، أو يخشى انتقال العمارة من موضعه فيبيعه ويستبدل بثمنه في موضع أصلح منه.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
ولا يستوفي الولي قصاصه ولا يعفوا عنه، ولا يعتق رقيقه، ولا يطلق نساءه إلا أن يكون بعوض على وجه النظر في غير البالغ من الذكور، أو يفعل ذلك الأب خاصة فيمن يجبر من الإناث، وفي مخالعته عمن لا يجبر (ممن تملك) أمرها خلاف، وكذلك في البائع السفيه على ما تقدم في كتاب الخلع.
ولا يعفو عن حق شفعته إلا لمصلحة، ثم إذا تركها فليس للصبي الطلب بعد البلوغ.
هذا حكم من حجر عليه لحق نفسه. أعني الصبي والمجنون والسفيه. فأما الباقون فالحجر عليهم لحق غيرهم، وقد مضي حكم المفلس منهم.
فأما الرقيق فلساداتهم الحجر عليهم ومنعهم من التصرف في قليل أموالهم وكثيرها بمعاوضة وغيرها كانوا ممن يحفظها أو يضيعها.
وأما المريض فمحجور عليه لحقوق ورثته إذا كان مرضه مخوفًا.
ويلحق بالمريض من كان في معناه بحصوله في حالة يعظم الخوف عليه فيها كالزاحف (في) الصف والمحبوس للقتل والحامل إذا بلغت ستة أشهر، وفي راكب اللجة وقت الهول خلاف، تفصيله مذكور في الوصايا.
وأما الزوجة مع الزوج فله منعها من التصرف فيما زاد على ثلثها بهبة أو صدقة أو عتق أو غير ذلك مما ليس بمعاوضة.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: روي أن النبي ﷺ قال: «لا يجوز لامرأة أن تقضي في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها» فرأى العلماء أن الثلث ذو بال، ولم تكون أسوأ حالًا من المريض.
وروي أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة يملك زوجها عصمتها عطية في مالها إلا بإذنه».
وقال ﷺ: «تنكح المرأة لأربع». فذكر المال، وذلك يفيد حقًا في تبقية المال بيدها،
[ ٢ / ٨٠٠ ]
ولأن العادة جارية بأن الزوج يتجمل بمال زوجته وله فيه معونة وترفيه، يبين ذلك أن مهر المثل يقل ويكثر بحسب قلة مالها وكثرته، كما يكثر ويقل بحسب بروزها في الجمال أو عدمه. وإذا ثبت ذلك (فليس) لها إبطال غرض الزوج مما لأجله رغب في نكاحها وحمل لأجله صداقها.
فرعان: الأول: إذا تبرعت بأكثر من ثلث مالها، فقال ابن القاسم: «هو جائز حتى يرده الزوج كعتق المديان»، ورواه.
وقال مطرف وابن الماجشون: قد قال في الحديث: «لا يجوز لامرأة» فهو مردود في الأصل. قالا: وإذا قضت بأكثر من الثلث ولم يعلم الزوج بما فعلت حتى ماتت فذلك مردود.
قالا: فأما إذا لم يعلم بما فعلت حتى تأيمت بموته أو طلاقه أو علم فرده، فلم تخرجه من ملكها حتى تأيمت فذلك نافذ عليها لانتفاء الضرر.
وقال ابن القاسم: إن لم يعلم الزوج حتى تأيمت أو ماتت، فذلك ماض إلا أن يكون الزوج رده حين علم.
وقال أصبغ: أقول بقوله في الموت، وأما في التأيم فيقول مطرف وابن الماجشون. وقال ابن حبيب بقولهما في كل شيء.
(وقد) أجمعوا في التأيم واختلفوا في الموت.
[الفرع] الثاني: إذا تبرعت بما زاد على ثلثها فالزوج بالخيار بين أن يجيز أو يرد جميعه.
وقال المغيرة وابن الماجشون: يرد ما زاد على الثلث خاصة إذ هو المحجور عليها فيه كالمريض.
قال ابن الماجشون: حاشا العتق، فإنها إذا زادت فيه على الثلث بطل جميعه لأنه لا يتبعض.
ثم ليس لها التصرف في بقية المال الذي أخرجت ثلثه، ولها ذلك في مال آخر إن (طرأ) لها.
[ ٢ / ٨٠١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا