وفيه أبواب:
الباب الأول: في حقيقته
وهو عبارة عن خلع العصمة بعوض من الزوجة أو غيرها. وفيه فصلان:
الفصل الأول: في أثره. وهو الطلاق، فتقع طلقة بائنة
فرعان: الأول: لو وقع التنصيص على أنها رجعية مع وجود البدل، فهل تمضي كذلك مراعاة للقصد ولما دخلا عليه؟، أو ترجع إلى الأصل؟ روايتان. والرجوع إلى الأصل مذهب الكتاب.
وسبب الخلاف معارضة البدل للشرط
الفرع الثاني: عكسه، وهو أن يعرى الطلاق من العوض، ويقصد البينونة، فحكى القاضي أبو محمد «أن الطلاق يكون بائنًا عند مالك، ورجعيًا عند أشهب».
وقد روي فيمن قال: أخالعك على أن أعطيك مائة درهم، فقبلت، كانت بائنة، لا يملك رجعتها.
وكذلك لو لم يعطها الزوج شيئًا، فخالعها، فهي بذلك أيضًا بائن، وفي الكتاب أنه سئل عن المطلق طلاق الخلع، أواحدة بائنة، أم واحدة وله الرجعة؟ فقال: لا، بل البتة، لأنه لا تكون واحدة بائنة أبدًا إلا بخلع، وصار كمن قال لزوجته التي دخل بها: أنت طالقة
[ ٢ / ٤٩٤ ]
طلاق الخلع. ومن قال ذلك، فقد أدخل نفسه في الطلاق البائن. ولا يقع في الطلاق بائن إلا بخل، أو يبلغ به الأقصى، وهي البتة.
ثم عقب هذا في الكتاب بذكر اختلاف رواية ابن وهب عن مالك فيمن طلق وأعطى، أنها رجعية، أو بائن.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: صحيح المسألة خالع وأعطى. وكذلك ذكرها محمد عن الحرث عن ابن وهب عن مالك.
وقال عبد الحق: «الاختلاف الذي ذكر إنما هو في كتاب ابن وهب، فيمن صالح وأعطى وليس فيمن طلق وأعطى. وكذلك أيضًا في كتاب ابن المواز». قال: «هذا هو الصحيح. إذ من طلق وأعطى لا خلاف أن الرجعة له، لأنه إنما وهبها هبة وطلقها، فليس هذا من الخلع في شيء».
وقد نقل بعض المتأخرين فيمن طلق وأعطى إذا قصد بذلك طلاق الخلع ثلاثة أقوال: واحدة رجعية، واحدة بائنة، وثلاث.
ثم قال: «والأقوال الثلاثة جارية فيمن قال: أنت طالق طلاق الخلع».
فرع: قال ابن القاسم في العتبية: «قال مالك فيمن طلق امرأتة واحدة، فأعطته مالًا في العدة على أنه لا رجعة له عليها، قال: أراه خلعًا، وتلزمه طلقة بائنة». وقال عيسى عن ابن القاسم مثله. وقال: «على أن لا يراجعها، قال: وتبني على عدتها». وروى عبد الملك بن الحسن عن أشهب أنه قال: إن شاء راجعها ورد إليها المال.
وفي كتاب محمد روى عبد الرحمن بن أبي جعفر الدمياطي عن ابن وهب أنه قال: لا يلزمه غير الطلقة الأولى، ولا رجعة له عليها.
الفصل الثاني: في نسبة الخلع إلى المعاملات
وهو يجري في ثبوت العوض في الذمة مجرى البياعات، فيقول: خالعتك أو طلقتك
[ ٢ / ٤٩٥ ]
على ألف. فهو كالمعاوضة في اشتراط القبول. ولو قال: طلقت ثلاثًا على ألف، فقالت: قبلت واحدة على ثلث الألف، لم تقع. ولو قبلت الواحدة بكمال الألف وقعت.
أما إذا أتى بصيغة التعليق فقال: متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق. فهذا تعليق محض، فلا يحتاج إلى قبولها، ولا إلى إعطائها في المجلس، ولا له الرجوع قبل الإعطاء.
ولو قال: إن أعطيتني، فهو كذلك، إلا أن يظهر من قصده أنه أراد تعجيل الإعطاء في المجلس فيتقيد به، فإن أتت صيغة التعليق من جانب المرأة فقالت: متى طلقتني فلك ألف، لم تختص بالمجلس، إلا أن تكون قرينة تدل على ذلك.
ولو قالت: طلقني ثلاثًا على ألف، فقال: طلقتك واحدة على ثلث الألف، استحق ثلث الألف. وكذلك لو قال: على الألف، نفذ واستحق الألف على المنصوص، ولا كلام لها، لأن مقصودها حاصل.
الباب الثاني: في أركان الخلع
وهي أربعة: العاقدان والعوضان.
الأول: الموجب، وشرطه أن يكون مكلفًا زوجًا، أو من أقيم مقامه، كالأب في غير البالغ من بنيه إذا أخذ له شيئًا. فإن كان بالغًا سفيهًا، فقيل: يجوز حلع الأب عنه قياسًا على نظره في أمواله. وقيل: لا يجوز قياسًا على الطلاق وكالوالي في الصغير. وكالسيد في عبده وأمته.
وقيل: لا يمضي خلع السيد عليهما بغير اختيارهما.
ومنشأ الخلاف النظر إلى الإجبار على النكاح وهذا من توابعه، أو إلى كون العقد قد استقل ولا حكم للسيد فيه فلا يزيله بغير اختيارهما. وعن هذا رأى أبو الحسن اللخمي: أنه يخالع عن الأمة التي العصمة بيد غيرها، دون العبد الذي العصمة بيده.
واختلف في صحة خلع السفيه. ثم إذا صححنا، فلا يبرأ المختلع بتسليم المال إليه، بل إلى الوالي.
الركن الثاني: القابل
وشرطه أن يكون أهلًا لالتزام المال، والتزام الأمة فاسد، واختلاعها بإذن السيد صحيح، ولا يكون السيد ضامنًا للمال.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
واختلاع السفيه فاسد لا يوجد المال، ويرد إن كان قبض، لكن إذا قبلت وقع الطلاق وإذا اختلعت الصبية لم يلزمها العوض، ووقع الطلاق. وروي عن ابن القاسم في التي لم تحض، وقد بنى بها الزوج، فصالحته على مال أعطته إياه، فذلك نافذ وله ما أخذ إن كان يصالح به مثلها.
«قال أبو بكر بن محمد: المعروف من قول أصحابنا، أن المال مردود، والصلح ماض».
ويصح صلح الأب عمن يجبر من بناته، وعن صغار ذكور ولده. واختلف في سفهاء بالغيهم، وفيمن لا يجبر، ولا تملك أمرها.
ومنشأ الخلاف أن النظر فيه مشترك بين المال والبضع بأيهما يغلب؟
والمريضة إذا اختلعت بخلع مصلها مضى ذلك على ورثتها في رواية ابن وهب.
ومذهب الكتاب في ذلك أنه لا يجوز للزوج منه إلا قدر ميراثه منها أو أقل.
فرع: وهل يعتبر قدر ميراثه منها يوم الخلع أو يوم الموت؟ فيه خلاف.
ثمرته الحكم برجوع الورثة على الزوج لو هلك مالها أو بعضه قبل الموت، وعدم رجوعهم.
الركن الثالث: المعوض
وشرطه أن يكون مملوكًا للزوج، فلا يصح خلع البائنة، والمختلعة، والمرتدة، ويصح خلع الرجعية.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
الركن الرابع: العوض
وشرطه أن يكون متمولًا. ولا يشترط في صحة الخلع كونه سليمًا من الغرر والجهالة، بل لو خالع على مجهول صح الخلع، ووقع الطلاق، إذ ليس سبيله سبيل المعاوضات المحضة كالمبايعات التي تبتغي فيها الأثمان، وإنما [المبتغى] في هذا تخلص الزوجة من الزوج، وملكها لنفسها، وفارق النكاح لأن الصداق حق لله سبحانه، وتجويز الجهالة فيه ذريعة إلى إخلاء النكاح عنه، وليس كذلك الخلع.
واختلف في حكم الإقدام عليه، فحكى فيه بعض المتأخرين ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة.
أما لو اختلعت بخمر أو خنزير أو مغضوب، فلا يختلف المذهب في منعه ابتداء، ونفوذه إذا وقع، والمنصوص أنه لا شيء للزوج فيه. واستقرأ أبو الحسن اللخمي إيجاب خلع المثل من خلع المريضة.
ولو خالعها على أن أخرته بدين واجب لها تعجيله، أو على أن أسقطته وأخذت ماله تأجيله، فالخلع ماض، والدين باق بحاله، يبطل فعلها، ويخرج على الخلاف المتقدم في إيجاب خلع المثل.
وإن خالعته على حلال وحرام، كمال وخمر، جاز منه الحلال، ولا شيء للزوج غير ذلك.
وإن خالعها على عبد آبق، على أن زادها ألف درهم، فجوزه في الكتاب، وقدر أن العبد يجعل في مقابلة العموم، وهي الدراهم، فإن فضل فضل كان الخلع.
قال أبو محمد عبد الحق: «وهو جار على مذهب ابن نافع في الموضحتين، أنه يجعل الشقص المصالح به لموضحة الخطأ. وأما على مقتضى قول ابن القاسم في قسمة المأخوذ بين الموضحتين، فيكون نصف العبد ها هنا في مقابلة نصف الألف، فيفسخ البيع فيه، وترد المرأة نصف الألف للزوج، ويبقى لها نصف العبد الآبق، وللزوج النصف الآخر بحق الخلع».
وإذا فرعنا على القول الأول، فهل تعتبر القيمة يوم الخلع، أو يوم قبض العوض، المشتمل على الغرر، وهو المشهور؟ قولان.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
«ولو خالعها على ما في يدهل، ورضي، ففتحت يدها فلم يجد فيها شيئًا، فقال أشهب: لا يلزمه طلاق. قال: وكذلك إن وجد حجرًا. وإن وجد ما ينتفع به كالدرهم ونحوه لزمه الخلع.
وقال ابن الماجشون: يلزمه الخلع لأنه رضي بما غرته. وقاله محمد وسحنون».
قال عبد الملك: ولو قالت أخالعك بعبدي هذا، ثم استحق، فإن كان لها فيه شبهة ملك لزمه الطلاق، ورجع عليها بقيمته، وإن لم يكن لها فيه شبهة ملك لم يلزمه طلاق. قال: كذلك لو قالت: خالعني على عطائي، ولا عطاء لها، أو لها عطاء معوق عنها.
فرع: حيث وقع الخلع بالغرر وأمضيناه، فالجعل في طلب الآبق والشارد على الزوج إذا لم تتحمل له المرأة النفقة على ذلك.
(وأما الجنين والثمرة، فقال أبو محمد عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين: «إذا خالعته على جنين في بطن أمه، فالنفقة على المرأة إلى خروج الجنين».
قال: وكذلك إذا خالعته على ثمر لم يبد صلاحه، فالنفقة على الأصول على المرأة، كالبيع على التبقية إذا أمضينا ذلك على غرره. وليس للمرأة أن تجبر الزوج على جد الثمرة، لأنه إنما دخل على بقائها. قال: وقال غيره من شيوخنا القرويين: سقي الثمرة على الزوج، وليس ذلك كالبيع، وجعل السقي كالجائحة».
ولو خالعها على أن ترضع ولده حولين، وتحضنه، صح، فإن أضاف إليه نفقة عشر سنين سقطت. وقال المخزومي: لا تسقط.
قال أبو القاسم بن محرز: ومذهب المخزومي أظهر وأشبه بمذاهبهم في الخلع بالغرر.
قال: وإنما فرق مالك بينه وبين من خالع بغرر كالآبق والشارد، ونحو ذلك، لأن هذا الذي خالع على الآبق والشارد، إنما خالع على عين إن أخذها، وإلا فلا شيء له. والذي خالع على نفقة الولد أكثر من عامين، شرط النفقة في ذمة على غرر، وقد لا يسلم الولد، فيؤدي الأمر إلى الخصومة فيما شرطت على نفسها لاشتباه الحكم في ذلك. وإنما سامح في العامين وما دونهما وإن كانت غررًا أيضًا، لأن الصبي مضطر إلى رضاع أمه في الحولين. ولو لم يشترط ذلك عليها لشق على أبيه تكلف من يرضعه له. وليس في النفقة بعد الحولين في
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الطعام والشراب ما يشق على الأب تكلفه.
وإذا فرعنا على المشهور في قصر الصحة على الحولين، ثم ماتت الأم رجع الأب ذلك في تركتها.
ولو كان الولد هو الذي مات قبل انقضاء مدة الرضاع، ففي رجوع الأب عليها بما بقي خلاف.
ومما يتعلق بالعوض موافقة الوكيل ومخالفته، والنظر في وكيله ووكيلها.
أما وكيله، فإن قال له: خالعها بمائة فخالف ونقص، بطل الخلع ولم يقع الطلاق.
ولو قال مطلقًا: خالعها، فنقص عن خلع المثل، فادعى الزوج أنه أراد خلع المثل فالقول قوله.
وأما وكيلها بالاختلاع بمائة، فإن زاد وقع الطلاق، ولزمتها المائة، والزيادة على الوكيل. وإن أضاف الوكيل الاختلاع على نفسه، صح، ولزمه المسمى. وإن لم يصرح بالإضافة إليها ولا إلى نفسه حصلت البينونة، وعليها ما سمت، والزيادة على الوكيل. وإن أذنت مطلقًا فهو كالمقيد بخلع المثل.
الباب الثالث: في موجب الألفاظ المعلقة بالإعطاء
وفيه مسائل:
الأولى: إذا قال: إن أعطيتني ما أخالعك عليه خالعتك، فأعطته نصف دينار مثلًا، فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت نصف ما [تملكين]، فلا يلزمه الخلع. قال في الرواية: ويخلى بينه وبينها. وعند الشيخ أبي إسحاق: أن له أن يطالبها بجميع ما تملكه. وأنكر هذا الشيخ أبو الحسن اللخمي، ورأى أن ذلك ليس من مقاصد الناس، وإنما يقصدون بعض المال لا كله.
الثانية: إذا علق بالإقباض والأداء والإعطاء، لم يختص بالمجلس، إلا أن يظهر ما يدل على اختصاصه به. وإن كان بما يقتضي الجواب، وففي بقائه لها وإن تفرقا خلاف.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
ولو قال لها: متى ما جئت بكذا فارقتك، أو أفارقك، فأصل هذا أن ينظر فإن فهم عنه الالتزام لزمه، وإن فهم عند الوعد ففي المذهب قولان في وجوب الوفاء به.
قال الشيخ أبو الطاهر: «فأما لو أدخلها في شيء بذلك الوعد، فالمذهب اللزوم».
قال: «وفي هذه المسألة قولان منصوصان، وهما منزلان على ما قلناه».
الثالثة: إذا قال: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، فأعطته ألفين، طلقت.
وكذلك لو قال: خالعتك على ألف، فقالت: قبلت ألفين.
الرابعة: إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، وفي البلد نقود مختلفة، والغالب واحد، فأتت بغير الغالب، لم يقع الطلاق، بل يختص وقوعه بالغالب، كالإقرار والمعاملة. ولو أتت بألف معيب لم تطلق، لوجوب تنزيل المطلق على المعتاد، وهو السليم.
الخامسة: إذا كان الغالب دراهم عددية، قبل تفسير التعليق بالمعتاد، كما ينزل عليها البيع والإقرار. وكذلك الحكم في الدراهم المغشوشة إذا كانت هي الغالبة في التعامل.
السادسة: إذا قال: إن أعطيتني عبدًا فأنت طالق، ووصف العبد بما يميزه من الأوصاف، فأتت به على الصفة المذكورة طلقت، وملكه الزوج.
وإن اقتصر على ذكر العبد مطلقًا، طلقت (بما) ينطلق عليه اسم العبد من السليم.
ولو قال: إن أعطيتني هذا العبد، فأعطته، فخرج مستحقًا، رجع بقيمته. ولو خرج حرًا رجع بقيمته أيضًا أن لو كان عبدًا. وقيل: لا يرجع بشيء. ولو قال: إن أعطيتني هذا الحر وقع الطلاق بإعطائه رجعيًا. ولو قال: إن أعطيتني هذا الثوب المروي فإذا هو هروي، طلقت إذا أعطته.
الباب الرابع: في سؤال الطلاق
وفيه فصول:
الفصل الأول: في ألفاظه
وفيه صور نذكرها متتالية. فنقول: إذا قالت: متى ما طلقتني فلك ألف، لم يختص الجواب بالمجلس، إلا أن يظهر من قرينة حالها ذلك.
ولو قالت: طلقني ولك علي ألف، فطلق، لزمها الألف، وصلحت هذه الصيغة منها للالتزام، وإن لم يصلح منه للالتزام. ولو قالت: طلقني على ألف، فقال: طلقتك ولم يذكر
[ ٢ / ٥٠١ ]
المال لزمه الطلاق، وكان جوابًا. ولو قالت: أبني بألف، فقال: أبنتك بعد الخلع، ولزمها الألف.
ولو قالت: أبني، من غير ذكر مال، فقال أبنتك، وقع الطلاق الثلاث، ولم يلزمها مال.
الفصل الثاني: في التماسها طلاقًا مقيدًا بعدد
فإذا قالت: طلقني ثلاثًا بألف، فطلق واحدة، استحق الألف على المنصوص، وكذلك لو قالت: طلقني عشرًا بألف، استحق الألف بالواحدة.
ولو قالت: طلقني واحدة بألف، فطلقها ثلاثًا، استحق الألف، ولا كلام لها على المنصوص.
ولو قالت: طلقني نصف طلقة، أو طلق نصفي بألف، فطلق، بانت، وعليها الألف.
الفصل الثالث: في المعلق بزمان
فإذا قالت: طلقني غدًا ولك (ألف)، استحق الألف مهما طلق، إما في الغد، وإما قبله إذا فهم من مقصودها تعجيل الطلاق. وإن فهم منها تخصيص اليوم لم يستحق، ولو طلق بعده لم يستحق. ولو قالت له: لك ألف إن طلقتني في جميع هذا الشهر، ولم تؤخر، استحق الألف إن وافق. ولو قال: أنت طالق غدًا على ألف، فقالت في الحال: قبلت، وقع الطلاق في الحال، واستحق الألف.
الفصل الرابع: في اختلاع الأجنبي
وهو صحيح، كاختلاعها، ولا يشترط رضاها، لكن المال يجب على الأجنبي، وإن كان وكيلًا من جهتها، يخبر بين أن يخلع مستقلًا، أو بالوكالة، ويعرف ذلك من لفظه ونيته. فإن لم يصرح بالسفارة ونوى النيابة، تعلقت به العهدة، كما في الشراء.
ولو كان المختلع أباها وهي صغيرة، كان كالوكيل.
وإن اختلعها بالبراءة من الصداق صح إذا رآه نظرًا.
الفصل الخامس: في النزاع، وفيه صور:
(إحداها): أن يقع في أصل ذكر العوض، فالقول قولها مع يمينها إذا أنكرت أصل العوض، والبينونة تحصيل مؤاخذة له بقوله.
وقال عبد الملك: القول قوله، وتعود زوجة بعد أن يحلف الزوج أنه خالع على ما ذكر، وتحلف هي أنه كان طلاقًا بغير عوض.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وقال أصبغ: إلا أن يقول الزوج: إنما أردت أن لا يتم الخلع حتى تعطيني إذا نسق ذلك بإقراره بالخلع، فأما إذا قاله بعد ذلك، فلا قول له.
الثانية: النزاع في جنس العوض وقدره، والقول قولها فيهما مع يمينها.
الثالثة: إذا توافقا على جريان الخلع بألف درهم مطلقًا، وفي البلد نقود مختلفة لا غالب فيها، ولكن نويا نوعًا واحدًا، صح الخلع.
الرابعة: النزاع في المعوض. فإذا قالت: سألتك ثلاث تطليقات بألف. فأجبتني، فقال: بل سألت واحدة. فقد اتفقا على الألف ووقوع البينونة بها وتنازعا في عدد الواقع من الطلاق، فالقول فيه قوله.
الخامسة: إذا خالعته على عبد غائب، فمات، أو وجد به عيبًا، فقال: كان ذلك قبل الصلح، وقالت هي: بل بعده. فهي مدعية، وعليها البينة. وإن ثبت أنه مات بعد الصلح، فلا عهدة، بخلاف البيع.
قال عبد الحق: «وقال غير واحد من شيوخنا القرويين: إذا خالعته على عبد آبق فثبت أنه مات قبل وقوع الخلع بينهما، لم يكن للزوج درك على المرأة، لأنه على الغرر دخل، إلا أن يثبت أن المرأة علمت بموت الآبق قبل الخلع، فتكون قد غرته، فعليها قيمة الآبق على غرره».
فروع: لو خالع ثم تبين كون النكاح فاسدًا، رد ما أخذ منها إن كان النكاح مجمعًا على فساده. وإن كان مختلفًا فيه، جرة على القولين في مراعاة الخلاف.
وإن تبين أن به عيبًا يوجب الخيار، أو بها، فقال محمد: يمضي الخلع، وله ما أخذ في كل شيء يجوز المقام عليه. وإنما يرد ما أخذ في نكاح لا يقران عليه مثل الحرام ونحوه.
وخالف عبد الملك بين عيوب الرجال وعيوب المرأة، فقال: إن كان العيب بالرجل، رد عليها ما أخذ منها. وكذلك في كتاب ابن سحنون.
قال محمد: والحجة على عبد الملك أن الرجل يفارق امرأته، ثم يقول بعد ذلك: إنه قد كان بها من العيوب ما كان، له أو يردها به، فلا يكون له بذلك حجة، ولا ينتفع بشيء من ذلك.
قال: أبو إسحاق التونسي: ولا يمتنع عبد الملك أن يقول ما قاله محمد إذا ثبت أن بها عيوبا قبل أن يفارقنا لو علم الزوج بها لفارقها، ولم يلزمه صداق، لأنه يقول: ظننت أنه لا عيب بها، فلهذا أعطيتها نصف الصداق حين طلقتها.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
كما تقول المرأة إذا أعطت الزوج شيئًا على الخملع ثم ثبت أن به عيبًا لو علمته لقدرت على فراقه بغير شيء، فتقول: لو علمت لاخترت فراقه، ولم أعطه شيئًا. ولا فرق بين السؤالين. قال: وقد اختلف في خلعها في النكاح المختلف فيه، مما يجب أن يفسخ لو علم به قبل خلعها، فقيل: يمضي الخلع، وقيل: يرد.
ومسألة عيب الرجل أشد في الخلع من النكاح المختلف فيه، لإمكان أن يرفع إلى من يرى إثباته، فقد انتفعت بالخلع، إذ قد يمكن لو رفعته إلى حاكم لأقره.
وأجرى الشيخ أبو الطاهر الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في الرد بالعيب هل هو نقض للعقد من أصله، فيرد ما أخذ منها، أو هو نقض عند الرد خاصة فيمضي.
ولو حلف بطلاقها إن خالعها، ثم خالع، فإن كانت يمينه بالثلاث، ففي الرواية أنه يرد ما أخذ منها، ويمضي عليه الطلاق الثلاث.
وأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في حق من قال: إن بعث عبدي فهو حر، ثم باعه. والمشهور مضي العتق. والشاذ أن البيع ماض، ولا عتق، وعلى هذا يمضي الخلع، ولا ترجع عليه بشيء.
وإن كان الطلاق المحلوف به دون الثلاث، ففي الرواية أنه يقع ما حلف به وطلاق الخلع.
وأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف فيمن أتبع الخلع طلاقًا، أو قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، نسقًا، هل يلزمه ما بعد الواحدة أم لا؟.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
الفصل الأول: في بيان الطلاق السني والبدعي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ