وهي تدور على خمسة أركان: الدعوى، والجواب، واليمين، والنكول، والبينة.
الركن الأول: الدعوى، وفيه مسائل:
الأولى: من يحتاج إلى الدعوى.
ومن غضب منه شيء وقدر على استرداده مع الأمن من تحريك فتنة أو سوء عاقبة بأن يعد سارقًا أو نحو ذلك، جاز له أخذه ولم يلزمه الرفع إلى الحاكم. فأما إن كان حقه عقوبة فلابد من الحاكم.
ولو كان حقه دينًا، ومن هو عليه ممتنع من أدائه، وحصل له في يد صاحب الحق شيء من جنس ما عليه أو غير جنسه، فقد اختلفت الرواية في ذلك، فروي أن له مقدار دينه من الجنس إن كان الغريم غير مديان، أو مقدار ما يخصه لم حاصص بدينه، إن كان مديانًا. وروي أنه ليس له ذلك من الجنس ولا غيره، على أي تقدير كان. وروي: له ذلك وإن كان غير جنس حقه، يتحرى قيمته ويأخذ مقدار ما يستحق، حكاها القاضيان أبو الحسن وأبو بكر، واختاراها، واستدل عليها القاضي أبو الحسن بقصة هند.
ولو جحد من عليه الحق، وله على المستحق مثله، والحقان حالان. لجاز له أن يجحد على الرواية الأولى والأخيرة ويحصل التقاص.
الثانية: في حد المدعي.
[ ٣ / ١٠٧٤ ]
وهو مت تجردت دعواه عن أمر يصدقه، أو كان أضعف المتداعين أمرًا في الدلالة على الصدق، أو اقترن بها ما يوهنها عادة، وذلك كالخارج عن معهود، والمخالف لأصل، وشبه ذلك. ومن ترجح جانبه ب شيء من ذلك فهو المدعى عليه.
فإذا ادعى أحدهما ما يخالف العرف، وادعى الآخر ما يوافقه، فالأول المدعي. وكذلك كل من ادعى وفاء ما عليه أو رد ما عنده من غير أمر يصدق دعواه، فإنه مدع، إلا المودع إذا ادعى رد الوديعة فإنه يصدق لترجح جانبه بالاعتراف له بالأمانة. فإن أشهد عليه فهل هو باق على ائتمانه أم لا؟ فيه خلاف ينبني عليه الخلاف المتقدم في كتاب الوديعة.
ثم الدعوى المسموعة هي الدعوى الصحيحة، وهي أن تكون معلومة محققة، فلو قال: له عليه شئ، لم تسمع دعواه. وكذلك لو قال: أظن أن لي عليك شيء. أو قال: لك علي كذا وأظن أني قضيته، لم تسمع.
الثالثة: من قامت عليه البينة فليس له أن يحلف المدعي ما لم يقدم الدعوى الصحيحة ببيع أو إبراء.
الرابعة: إذا قال من قامت عليه البينة: أمهلوني فلي بينة دافعة، أمهل، ما لم يبعد فيقضي عليه، ويبقى على حجته إذا أحضرها. ولو قال: أبرأني فحلفوه، فليحلف قبل أن يستوفي. ولو قال: أبرأني موكلك الغائب، فقال ابن كنانة: يحلف الوكيل أنه ما علم أنه أبرأه ويقبض الدين ولا ينظره، إلا أن يكون الطالب قريبًا على مثل اليومين فيكتب إليه ويحلفه. وقال ابن القاسم: لا يحلف الوكيل، وينظر حتى يجامع صاحبه.
الخامس: إذا ادعى في النكاح أنه تزوجها تزوجًا صحيحًا سمعت دعواه ولا يشترط أن يقول بولي ويرضاها، بل لو أطلق سمع أيضًا. وكذلك في البيع، (بل) لو قال: هي زوجتي لكفاه الإطلاق.
السادس: المسترق إذا ادعى أنه حر الأصل صدق مع يمينه، إلا أن يكون بيد من هو له حائز حوز الملك. وإن ادعى الإعتاق فعليه البينة. والصغير المعرب عن نفسه يدعي الحرية، فإن تقدمت لمن هو في يده فيه حيازة وخدمة لم يصدق في دعوى الحرية، وإن كان متعلقًا به لا يعلم له فيه قبل ذلك حيازة ولا خدمة صدق في دعوى الحرية.
الركن الثاني: جواب المدعى عليه.
وهو إقرار أو إنكار، فإن قال: لا أقر ولا أنكر، ولكن يقيم البينة على دعواه، أو قال للحاكم: لا أحاكمه إليه، أجبره على أن يقر أو ينكر، فإن أبى حبسه حتى يقر أو ينكر، رواه أشهب. وقال أصبغ: يقول له القاضي: إما أن تحاكم، وإما أحلفت هذا المدعي وحكمت له عليك.
[ ٣ / ١٠٧٥ ]
هذا إذا كانت الدعوى مشبهة وكانت تستحق باليمين مع النكول، لأن نكوله عن الكلام نكول عن اليمين. وإن كانت الدعوى فيما لا يثبت إلا بالنية دعا خصمه بها وحكم عليه أن تمادى على ترك الكلام. وقال محمد: أحكم عليه بغير يمين من المدعي. وقال أبو الحسن اللخمي: "المدعي بالخيار بين ثلاث: إما أن يأخذ المدعي به بغير يمين، على أنه متى عاد إلى الإنكار كان ذلك له.
وإما أن يحلف الآن، ويحكم له به ملكًا، بعد أن يعلم المدعى عليه أ، هـ إن لم يقر أو ينكر حكم عليه كما يحكم على الناكل، ولا ينقض له الحكم بعد إن أتى بحجة إلا أن يأتي ببينة لم يكن علم بها.
وإما أن يسجن له حتى يقر أو ينكر لأنه يقول: هو يعرف حقي، فإذا سجن أقر واستغنيت عن اليمين".
فروع:
الفرع الأول: (قال محمد: من ادعي عليه بستين دينارًا فأقر بخمسين وتأبى في العشرة أن يقر أو ينكر، فإنه يجبر بالحبس حتى يقر بها أو ينكر إذا طلب ذلك المدعي، فإن أصر على الامتناع والتمادي عليه حكم عليه بغير يمين. قال محمد: لأن كل مدعى عليه لا يدفع الدعوى فإنه يحكم عليه بغير يمين. قال: وكذلك المدعى عليه بدور في يده لا يقر ولا ينكر، فإذا أجبر على ذلك فتمادى حكم عليه للمدعي [بلا يمين].
[الفرع] الثاني: لو قال المطلوب: تقدمت بيني وبين الطالب مخالطة فمن أي وجه يدعي هذا؟ لزم أن يسأل عن ذلك الطالب، فإن بين وجه طلبه وقف على ذلك المطلوب، وألزم ما يدعيه، إذ لعله بذكر السبب يجد مخرجًا، وإن امتنع عن ذكر السبب من غير أن يدعي نسيانًا لم يسأل المطلوب عن شيء.
الفرع الثالث: لو ذكر السبب فقال المطلوب: أنا أحلف أنه لا شيء عندي من هذا السبب، فقال أشهب: لا يجزيه بحال حتى يقول: ولا أعلم له شيء ابوجه من الوجوه،
[ ٣ / ١٠٧٦ ]
ونحوه في كتاب ابن سحنون".
قال القاضي أبو الوليد" (وكان) الظاهر أن يجزيه يمينه أن لا شيء له عنده من جهة مطلبه، لا، الطالب لم يطلبه بغير ذلك".
وفي الركن مسائل:
الأولى: لو قال: لي عليك عشرة، فقال: لا تلزمني العشرة، لم يكلف اليمين مطلقًا، بل يحلف أنه ليس عليه عشرة ولا شيء منها.
الثانية: لو قال: لي عليك عشرة، فقال: لا تلزمني العشرة، لم يكلف اليمين مطلقًا، بل يحلف أنه ليس عليه عشرة ولا شيء منها.
الثانية: إذا ادعى سلفًا أو بيعًا لم يجزيه من الجواب أن يقول: لا حق لك عندي حتى يقول: لم تسلفني ما تدعيه، أو لم تبع مني شيء امما ذكرت، رواه ابن سحنون عن أبيه. وقال: هو مقتضى قول مالك. قال: وكان ربما قبل منه: ما له علي حق. وإلى القول الأول رجع أخيرًا مالك.
الثالثة: إذا ادعى عليه ملكًا، فقال: ليس لي، إنما هو وقف على الفقراء (أو) على ولدي، أو هو ملك لطفل، لم يمنع ذلك من إقامة البينة للمدعي ما لم يثبت ما ذكر فتقف المخاصمة على حضور من تثبت له عليه الولاية، ولو قال: ليس هو لي، أو هو لمن لا أسميه، فأولى ألا يمنع من تمام المحاكمة. ولو قال: لفلان، وهو حاضر، فحضر، فللمدعي أن يحلف المقر له، فإن نكل حلف المدعي وأخذ المدعى به. وإن حلف المقر (له) فللمدعي أن يحلف المقر لأنه أتلفه عليه بإقراره، فإن نكل حلف المدعي وأخذ قيمة المقر به من المقر. ولو أضاف إلى غائب، فإن أثبت ذلك بينة انصرفت الخصومة عنه إلى الغائب، وإن لم يثبت ذلك لم يصدق وحلف، فإن رجع المدعي به إلى المدعي بغير يمين، فإن جاء المقر له فصدق المقر أخذه، لأن من هو في يده يتهم أن يكون أراد صرف الخصومة عن نفسه.
الرابعة: إذا خرج المبيع مستحقًا فله الرجوع على البائع بالثمن، فإن صرح في نزاع المدعي بأنه كان ملك البائع لم يرجع عليه لأن الغاصب ظلم البائع.
الخامسة: جواب دعوى القصاص على البعد يطلب من العبد، ودعوى الأرض يطلب جوابها من السيد.
السادسة: إذا ادعى ولم يحلف، فقال: لي بينة قريبة فاطلبوا منه كفيلًا، أخذ منه كفيل
[ ٣ / ١٠٧٧ ]
بنفسه ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة، كذلك إذا قامت البينة، فله طلب الكفيل قبل التعديل. ولو ادعى عليه خلطة وادعى بينة قريبة على اللطخ كاليوم ونحوه وكل بالمطلوب، وقال سحنون: يؤخذ منه كفيل.
الركن الثالث: اليمين والنظر في الحلف، والمحلوف عليه، والحالف، والحكم.
أما الحلف، فهو: بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزاد على ذلك في شيء من الحقوق ولا تغليظ بالألفاظ.
(وفي كتاب ابن سحنون من رواية ابن كنانة: يحلفون فيما يبلغ من الحقوق ربع دينار، وفي القسامة واللعان عند المنبر: بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم. وحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: أن الإيمان في الحقوق والدماء واللعان وفي كل ما فيه اليمين على المسلمين، بالله الذي لا إله إلا هو.
قال القاضي أبو الوليد: "وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وبه قال ابن القاسم، ورواه عن مالك في المدونة. قال ابن القاسم: "ولا يزاد على الكتابي: الذي أنزل التوراة والإنجيل، ولا يحلفون إلا بالله".
وروى الواقدي عن مالك: أن اليهود يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ويحلف النصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عسى، ويحلف الكافر حيث يعظم من كنيسته أو بيت ناره). قال ابن حبيب عن مالك: إن الكافر يحلف بالله الذي لا إله إلا هو.
وتغلظ اليمين بالمكان في الأموال وغيرها من الحقوق على الطالب والمطلوب. (واختلف في التغليظ بالزمان، ففي كتاب ابن سحنون من رواية ابن كنانة: يتحرى بأيمانهم في المال العظيم وفي الدماء واللعان الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من مال وحق ففي كل حين.
[ ٣ / ١٠٧٨ ]
وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: لا يحلف حين الصلاة إلا في الدماء واللعان، وأما في الحقوق ففي أي وقت حضر الإمام استحلفه، وقاله ابن القاسم وأصبغ).
وتخرج المخدرة فيما له بال من الحقوق إلى المسجد وتحلف فيه، والتي لا تخرج نهارًا فلتخرج ليلًا، وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن تخرج ويبعث إليها من يحلفها، ويجزي رجل واحد. وأم الولد مثل ذلك فيمن تخرج أو لا تخرج.
وقال محمد بن عبد الحكم: والإماء في ذلك كالحرائر أمهات الأولاد وغيرهن. قال: فإن احتاج الحاكم أن يحلف امرأة في بيتها من علة أرسل إليها رجلين عدلين أحب إلي ممن يعرفها. قال: وإن أرسل واحدًا أجزأ ذلك إن شاء الله. والعبد ومن فيه بقية رق كالحر في الأيمان.
ويحلف الحالف قائمًا مستقبل القبلة، روى ذلك ابن الماجشون. وحكى ابن حبيب أن ذلك يختص بالحلف في المساجد، وأما في غيرها فيكونون قعودًا. وحكى ابن عبدوس عن أشهب أن القيام في الأيمان إنما هو في اللعان والقسامة دون سائر الحقوق.
قال ابن القاسم: "ولا يعرف ملك اليمين عند المنبر إلا في منبر الرسول ﷺ في ربع دينار فأكثر. قال مالك: ومن أبى أن يحلف عند المنبر فهو كالناكل عن اليمين".
فرعان في صفة اليمين:
الفرع الأول: قال في الكتاب: "وشرط اليمين أنتطابق الإنكار".
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا شهد الشاهد بإقرار المدعى عليه لم يكن للطالب أن يحلف أن عليه كذا، ولا أنه عصب كذا، ولكن يحلف بالله لقد أقر له فلان بكذا. وقال: فإن كان المدعى عليه غائبًا زاد في يمينه: إن حقه عليه لباق ولا عنده به رهن ولا وثيقة، ثم يقضي له بذلك. وإن كان ميتًا زاد، بعد قوله: ما عنده به رهن ولا وثيقة: ولا أبرأه منه، لا من شيء منه، ولا أحال به ولا شيء منه أحدًا، ولا أحتال به ولا بشيء منه على أحد وإنه عليه لثابت إلى يومه هذا، ثم يقضي له به. قال: وإن كان صاحب الحق قد مات أحلف من بلغ من ورثته على مثل ذلك مما كان هو يحلف عليه، إلا أنهم يحلفون على العلم، وليس على من لم يبلغ يمين، ويقضي لهم جميعًا بالحق.
[ ٣ / ١٠٧٩ ]
الفرع الثاني: (لو جحد البائع قبض الثمن وادعى به على المبتاع فأنكره وأراد أن يحلف: ما له عنده شيء، لم ينفعه حتى يحلف ما اشترى منه سلعة كذا، وبه قال مطرف.
وقال ابن الماجشون: إذا حلف: ما له عليه شيء من كل ما يدعيه. فقد برئ، واختاره ابن حبيب. وروي عن ابن القاسم القولان).
وقال ابن حارث: قال أحمد بن زياد.: قلت لمحمد بن إبراهيم بن عبدوس: إذا أسلف الرجل الرجل مالًا فقضاه إياه بعد ذلك بغير بينة وجحد القابض، فإن أراد أن يحلفه أنه ما أسلفه، وقال المسلف: بل أحلف ما له عندي شيء، وقال: لابد أن يحلف: ما أسلفه شيء ا، قال: قلت له: فقد اضطررتموه إلى يمين كاذبة، أو إلى غرم ما لا يجب له عليه، قال: فقال: يحلف: ما أسلفه، فإن علم باطن أمره أنه قد قضاه عني في ضميره سلفًا يجب علي رده إليك في هذا الوقت، وبرئ من الإثم في ذلك.
وأما المحلوف عليه، فيحلف الحالف على البت في كل ما ينسبه إلى نفسه من نفي أو إثبات.
ويحلف على البت، أيضًا، في الإثبات المنسوب إلى غيره. وأما في النفي، فيكفي الخلف على نفي العلم، فيقول: لا أعلم على موروثي دينًا، ولا أعلم منه إتلافًا وبيعًا.
ويحلف من ادعى عليه: أنه دفع رديئًا في النقد، ما أعطاه إلا جيادًا في علمه. ولو قال: ما أعرف الجيد من الردئ،، فقال بعض الأصحاب: يحلف: ما أعطيته رديئًا في علمي. وأما النقص، فإنما يحلف فيه على البت، على العلم.
ثم الحالف تحل له اليمين بظن غالب يحصل له من خط أبيه، أو خط نفسه، أو من يثق به، أو قرينه حال من نكول خصم، وغير ذلك، وقيل: لا يحلف إلا على ما يتيقنه. وذكر الإمام أبو عبد الله (عن بعض أشياخه) إضافة هذين القولين إلى مالك ﵁.
ثم النظرفي اليمين إلى نية القاضي وعقيدته، فلا يصح تورية الحالف ولا ينفعه قول: إن شاء الله، بحيث لا يسمع القاضي.
[ ٣ / ١٠٨٠ ]
وأمال الحلاف، فهو كل ما توجهت عليه دعوى صحيحة مشبهة. والدعاوي على مراتب:
الأولى: وهي أعلاها، ما يشهد العرف بأنها مشبهة.
والثانية: ما شهد بأنها غير مشبهة، إلا أنه لم يقض بكذبها.
والثالثة: ما قضي بكذبها.
أما الأول: فمثل أن يدعي سلعة معينة بيد رجل، أو يدعي غريب وديعة عند خير، أو يدعي مسافر أنه أودع أحد رفقته، وكالمدعي على صانه منتصب للعمل أنه دفع إليه متاعًا يصنعه والمدعي على بعض أهل الأسواق والمنتصبين للبيع والشراء أنه باع منه أو اشترى وكالرجل يذكر في مرض موته أن له دينًا قبل رجل، ويوصي أن يتقاضى منه فينكره، وما أشبه هذه المسائل. وهذه الدعوى مسموعة من مدعيها، وله أن يقيم البينة على مطابقتها، أو يستحلف المدعى عليه، ولا يحتاج في استحلافه إلى إثبات خلطة.
وأما المرتبة الثانية: وهي التي تليها، فمثل أن يدعي الرجل على رجل دينًا في ذمته، ليس داخلًا في الصور المتقدمة. وهذه الدعوى أيضًا تسمع، (ولمدعيها) أن يقيم البينة على مطابقتها، فأما استحلاف المدعى عليه فليس له ذلك إلا بإثبات خلطة بينة وبينه.
ثم النظر في الخلطة، في تفسيرها، وما تثبت به، ودليل اعتبارها.
الأول في تفسيرها: وقد اختلف أصحابنا فيه، فروى أصبغ عن ابن القاسم أنه قال: هي أن يسالفه أو يبايعه ويشتري منه مرارًا، وإن تقابضا في ذلك الثمن والسلعة وتفاصلا قبل التفرق، وقاله أصبغ. وقال سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء من الرجلين، يريد المتداعيين.
(وقال الشيخ أبو بكر: معنى ذلك أن ينظر إلى دعوى المدعي، فإن كانت تشبه أن يد
عي بمثلها على المدعى عليه أحلف له، وإن كانت مما لا تشبه وينفيها العرف لم يحلف، إلا أن يأتي المدعي بلطخ. وقال القاضي أبو الحسن: "ينظر إلى المتداعيين، فإن كان المدعى عليه يشبه أن يكون يعامل المدعي أحلف". ومنهم من قال: المسألة على ظاهرها، ولا يحلف إلا بثبوت الخلطة بينهما أو المعاملة.
فرع: وإذا لم تكن خلطة، وكان المدعى عليه متهمًا، لم يستحلف. وقال سحنون: يستحلف المتهم وإن لم (تكن) خلطة.
[ ٣ / ١٠٨١ ]
(وثبت بإقرار الخصم بها، وبالشاهدين واليمين. وقال ابن كنانة في المجموعة: تثبت بشهادة رجل واحد، [و] امرأة واحدة. وروى عيسى عن ابن القاسم في المدنية مثل ذلك وقال محمد: لا تثبت بالشاهد بغير يمين.
وفي تحليف من قامت عليه بينة فدفعها بعداوة قولان، المشهور منهما أنه لا يحلف).
النظر الثالث: في دليل اعتبار الخلطة. والدليل على لزوم اعتبار الخلطة، حيث قلنا بلزوم اعتبارها، النص والمعنى.
أما النص، فما روى سحنون عن ابن نافع عن حسين بن عبد لله عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر" إذا كان بينهما خلطة وبإثباتها أخذ علي بن أبي طالب ﵁ والفقهاء السبعة والقاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
[ ٣ / ١٠٨٢ ]
وأما المعنى، فلما في ذلك من صيانة أهل الفضل والمنزلة عن البذلة وكف الأطراف عنهم.
فأما الحديث المنقول بدون الزيادة [المذكورة] في الحديث الذي استدللنا به، وإن كان هو الأشهر من حيث النقل، فإنه لم يرد لإرادة باين العموم والاستغراق لمن تجب عليه اليمين أو لخصوصه، وظهور هذا القصد فيه يمنع من التعلق بعمومه، إذ المعتمد في المفهوم من ألفاظ العموم وشبهها ما يظهر من قصد (مطلقها)، لا [مجرد] صيغة العموم، ولهذا المعنى قلنا في قوله ﷺ: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنصح أو دالية نصف العشر": "إن المقصود منه تمييز النوعين، وتخصيص كل واحد منهم بحكم، الاستغراق في مقتضى الصيغة ولذلك لم نعمم الحكم في الجنس ولا في القدر.
فإن قال قائل: إن هذا لا يمنع من التعلق به في الجملة، فلا [يمكنه] أن يجحد ضعفه لما ذكرناه، فإذا تنزلنا على صحة التعلق به مع ضعفه خصصناه بالمعنى الجلي في صيانة الأعراض كما تقدم. ثم الحديث الذي استدللنا به يقضي (عليه)، على جميع الأحوال، بالاتفاق، لتقييده وإطلاق هذا.
وأما المرتبة الثالثة: فمثالها أن يكون رجل حائزًا لدار يتصرف فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة، وينسبها إلى نفسه، ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، هو مع ذلك لا يعارضه ولا يذكر أن له فيها حقًا، ولا مانع يمنعه مطالبته من خوف [سلطان]، أو ما أشبه ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ولا شركة في (ميراث)، (و) ما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أخذهم أموال الشركة إلى نفسه، ولا منعته غيبة، بل كان عريًا عن ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويزعم
[ ٣ / ١٠٨٣ ]
أنها له. ويريد أن يقيم بذلك، فدعواه غير مسموعة أصلًا، فضلًا عن بينته، وتبقى الدار بيد حائزها، لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة مرفوضة غير مسموعة، قال الله تعالى: (وأمر بالعرف) وأوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوي كالنقد والحمولة والسير، وفي الأبنية ومعاقد القمط ووضع الجذوع على الحائط وغير ذلك، فكذلك في هذا الموضع، ولان ذلك خلاف العادات، لأن الناس لا يسكنون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر.
فرع: إذا اعتبرنا طول المدة، فقد اختلف في تحديدها، فحدها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ بعشر سنين، واستدل لهم بما ذكره سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: "من حاز شيء اعشر سنين فهو له". وقال ابن القاسم أيضًا: إن التسع والثمان وما قارب العشر مثل العشر. ولم يؤقت مالك، ورأى أن ذلك على قدر ما ينزل ويجتهد فيه الإمام، فرب حائظ يغتل ويخدم ويبني ولا يدع المالك ملكه ويتجافى عن هذا. قال: وما اغتل من ذلك أقصر مدة في الحيازة مما يحاز بالسكنى والحرث. وقال مطرف بقول ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون بقول مالك، وكان يرى من ورث عمن حاز أقوى من موروثه ي الحيازة، إلا أن يأتي الطالب ببينة على إسكان أو إعمار أو مساقاة ونحوه فيكون أولى.
فرع: كل دعوى لا يقبل في إثباتها إلا شاهدان فلا تجب فيها اليمين بمجرد الدعوى، ولا ترد على المدعى، ولا يجب فيها شيء، وذلك مثل القتل العمد والنكاح والطلاق والعتاق والنسب والولاء والرجعة وشبه ذلك.
وأما حكم اليمين، فهو انقطاع الخصومة في الحال لا براءة الذمة، بل لملدعي بعد ذلك أن يقيم البينة ويعتذر بأنه لم يعلم بأن له بينة، أو بأنها كانت غائبة. أما إذا كان علامً بها وهي حاضرة، ففي الحكم له بها روايتان، المشهورة منها: أنه ليس له أن يقيمها ولا تسمع بعد يمين المدعى عليه. قال القاضي أبو الحسن: "وقد قال به مالك. (قال). وهو (الأحود
[ ٣ / ١٠٨٤ ]
والأصح. وبالأولى قال ابن القاسم، وبالثانية قال ابن وهب وأشهب.
الركن الرابع: النكول.
ولا يثبت الحق بمجرده، لكن ترد اليمين على المدعى إذا تم نكول المدعى عليه. ويتم نكوله بأن يقول: لا أحلف، أو أنا ناكل، أو يقول للمدعي: احلف، أو يتمادى على الامتناع من اليمين، فيحكم القاضي بنكوله. ثم حيث تم نكوله، ثم قال: أنا أحلف، ليم يقبل منه.
وينبغي أن يعرض القاضي اليمين على المطلوب ويشرح له حكم النكول. ثم المدعي إن نكل فنكوله كحلف المدعى عليه، وإن حلف استحق. ولو قال: أمهلوني، أمهل. وإن قال المدعى عليه: إن بيني وبينه حسابًا، وسأل المهلة حتى يراجع حسابه، أمهل اليومين والثلاثة، بعد إقامة كفيل بوجهه. وقال محمد بن عبد الحكم: يمهل على قدر ما يرى من ذلك.
الركن الخامس: البينة.
وقد ذكرت شروطها وصفاتها في الشهادات. والمقصود ههنا النظر في تعارض الينتين، ومهما أمكن الجمع بينهما جمع، وإن تناقضتا وأمكن الترجيح رجعنا إليه، وإن استوتا تساقطتا وبقي المدعي في يد من هو في يده مع يمينه إن كان من المتداعيين. واختلف إذا كان من غيرهما، فقيل: يبقى في يده، وقيل: يقسم بين مقيمي البينتين لأنههما قد (اتفقا) على إسقاط ملك الحائز. وروى مطرف وابن الماجشون أنه يقضي بأكثرهما عددًا عند التكافؤ في العدالة، إلا أن يكون هؤلاء كثيرًا يكتفي بهم فيما يلتمس من الاستظهار، والآخرون أكثر جدًا، فههنا لا تراعى الكثرة.
ولو أقر من هو في يده لأحدهما لتنزل إقراره منزلة اليد للمقر له حتى ترجح البينة. ولو كان في أيديهما جميعًا لقسم بينهما بعد أيمانهما.
فرع: حيث قلنا: يقسم بينهما، فإن لم يكن في أيديهما قسم على قدر الدعاوي، وإن كان في أيديهما، فاختلف أصحابنا على وجهين.
أحدهما: أنه يقسم بينهما على قدر الدعاوي أيضًا، كما لو كان خارجًا عن أيديهما.
والآخر: أنهما لا يتفاضلان بمجرد تفاضل الدعاوي، إذ سبب الاستحقاق بعد تساقط البينتين الحيازة وهما فيها سيان، بل يقسم بينهما نصفين لتساويهما فيها، إلا أن يسلم أحدهما للآخر بعد حيازته. وكذلك لو كانوا جماعة لقسم بينهم على عدد رؤوسهم، إلا أن يسلم أحدهم بعض ما تخص حيازته.
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
فرع مرتب: إ١اقلنا بأن القسمة على قد الدعاوي إما تفريعًا على القول بذلك مطلقًا وإما لأن المدعى خارج عن أيدي المتداعيين. فقد اختلف في كيفية ذلك. فروى ابن حبيب عن مالك: أن المدعى به يقسم جميعه على قدر الدعاوي، وإن اختلفت الحصص المدعى بها كعول الفرائض. وبه قال مطرف وابن كنانة وابن وهب وأشهب وأصبغ.
وقال ابن القاسم وابن الماجشون: إن اختلفت الدعوى فإنما يقسم ما اشتركوا في الدعوى فيه، فيقسم بينهم على السواء، أما ما اختص بالدعوى به بعضهم فلا يقاسمه فيه من اختص عنه بدعواه.
ثم اختلف في اعتبار الاختصاص على طريقتين، يأتي بيان كل طريق منهما وفائدته في أثناء التمثيل، وذلك في صورتين.
مثال الصورة الأولى: إذا تداعى رجلان في شيء، فادعى أحدهما جميعه، وادعى الآخر نصفه، وأقاما بينتين متكافئتين، فعلى قول مالك ومن وافقه (عليه): يقسم المدعى بينهما على ثلاثة أسهم، لمدعي الكل سهمان، ولمدعي النصف سهم واحد. وعلى قول ابن القاسم وابن الماجشون: يقسم بينهما على أربعة أسهم، لمدعي الكل ثلاثة أسهم، ولمدعي النصف سهم واحد، لأن مدعي النصف قد سلم لمدعي الكل النصف، وبقي النزاع بينهما في النصف الآخر فيقسم بينهما نصفين.
ومثلا الصورة الثانية: إذا كانوا ثلاثة [وادعى أحدهم الجميع، وادعى الآخر النصف] وادعى الثالث الثلث، فعلى قول مالك: يقسم بينهم على أحد عشر سهمًا، لمدعي الكل ستة أسهم، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعي الثلث سهمان، وذلك على ما تقدم من التشبيه بعول الفرائض.
وعلى قول ابن القاسم وابن الماجشون: تنقسم من إثنى عشر، وتصح من ستة وثلاثين على إحدى الطريقتين.
وبيان ذل ك: أن مدعي الكل قد سلم له النصف على هذا الطريق إذ لا ينازعه فيه أحد من صاحبيه، وسلم مدعي الثلث السدس، وهو الثلث من النصف الآخر وهو متنازع فيه بين مدعي الكل ومدعي النصف فيقتسمانه بينهما نصفين، ويبقى الثلث يقتسمونه كلهم، فيخص مدعي الكل النصف ستة أسهم، ونصف السدس سهم، وثلث الثلث سهم وثلث، تكون الجملة ثمانية أسهم وثلث سهم، ويخص مدعي النصف نصف السدس سهم وثلث، الثلث سهم وثلث تكون الجملة سهمين وثلث سهم، ولا يخص مدعي الثلث سوى ثلث سهم، فيضرب أصل
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
المسألة في مخرج الكسر تبلغ ستة وثلاثين كما تقدم.
وأما على الطريق الثاني، فتقسم من أربعة وعشرين سهمًا، ومنها تصح، وبيان ذلك أن مدعي الكل إنما سلم له على هذا الطريق السدس لا غير، إذ لا ينازع فيه بوجه، وذلك أربعة أسهم من أربعة وعشرين سهمًا تبقى عشرون، مدعي الكل يدعيها وصاحباه يدعيانها، فتقسم بينه وبينهما نصفين، له نصفها عشرة أسهم يصير له أربعة عشر سهمًا، وتبقى لهما عشرة أسهم، مدعي الثلث يسلم منها سهمين، لزيادتهما على الثلث، يأخذهما مدعي النصف، ثم يقتسمان الثلث الباقي بينهما نصفين، فيحصل لمدعي النصف ستة أسهم، ولمدعي الثلث أربعة، ف هذا فرق بين الطريقتين وثمرته.
أما إذا وجد الترجيح فمداركه أربعة:
المدرك الأول: زيادة المزية في العدالة دون زيادة العدد، على الرواية المشهورة.
المدرك الثاني: قوة الحجة، قال أشهب: يقدم الشاهدان على الشاهد واليمين، وعلى الشاهد والمرأتين، إن استووا في العدالة. وقال ابن القاسم: لا يقدمان. قال: ولو كان الشاهد أعدل من كل واحد منهما لحكم به مع اليمين، وقدم على الشاهدين. وفي العتبية من رواية أصبغ عنه تقديم الشاهدين. وأخذ أصبغ بقوله الأول.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا يقدم، وإن كان أعدل أهل زمانه.
ولو اقترنت اليد بالحجة الضعيفة لم تعتبر اليد، وقد بينا أن زيادة العدد في الشهادة لا تؤثر في الترجيح، على مشهور العدالة بخلاف الرواية.
فرع: إذا قدمنا الأعدل، فلو كانت البينة من الجانبين مقبولة بالتعديل، فهل ينظر إلى كون المعدلين في أحد الجانبين أظهر عدالة، أو أعرف بوجوهها من المعدلين في الجانب الآخر أم لا؟ لم يعتبر ذلك ابن القاسم وابن الماجشون، واعتبره مطرف، وروى نحوه.
المدرك الثالث: اليد، فتقدم بينة الداخل على بينة الخارج، عند التكافؤ، مع يمينه على الرواية المشهورة لو ترجحت بينة الخارج لقدمت مع يمينه على الخلاف أيضًا.
وذهب عبد الملك إلى أن الحائز لا ينتفع ببينته، وأن بينة المدعي أولى لتخصيص البينة به في الحديث.
فرعان:
الفرع الأول: إذا قامت (البينة) على الداخل فادعى الشراء من المدعي، أو ثبت
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
الدين، فادعى الإبراء، فإن كانت البينة حاضرة سمعت قبل إزالة اليد وتوفية الدين، وإن كانت غائبة غيبة قريبة أمهل (ليأتي) (بها)، وإن كانت بعيدة طولب ف يالوقت بالتسليم، ثم إذا أقام البينة استرد.
الفرع الثاني: من أقر لغيره بملك، ثم عاد إلى الدعوى لم تقبل منه دعواه حتى يدعي تلقي الملك من المقر له.
المدرك الرابع: استمال إحدى البينتين على زيادة تاريخ أو سبب ملك. فإذا شهدت بينة أنه ملكه منذ سنة والأخرى منذ أكثر من ذلك قدم السابق. وإن كانت إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة، قدمت المؤرخة على المطلقة. وحكى أبو الحسن اللخمي فيها خلافًا.
ولو كانت إحداهما مطلقة والأخرى مضافة إلى سبب من نتاج أو زراعة أو غيره لقدمت المضاف إلى السبب.
فروع:
الفرع الأول: لو شهدت البينة بملكه بالأمس، ولم تتعرض للحال، لم تسمع حتى يقول في الشهادة: إنه لم يخرج عن ملكه في علمهم. ولو شهدت أنه أقر له بالأمس ثبت الإقرار ويستصحب موجبه.
ولو قال المدعى عليه: كان ملكك بالأمس، نزع من يده، لأنه يخبر عن تحقيق فيستصحب. كما لوا قال الشاهد: هو ملكه بالأمس، أو اشتراه من المدعى عليه بالأمس.
ولو شهد على أنه كان في يد المدعي بالأمس لم يأخذه بذلك حتى تشهد البينة أنه ملكه. ولو شهدوا أنه انتزعه منه أو غصبه أو غلبه عليه هذا، فالشهادة على هذا جائزة، ويجعل المدعي صاحب اليد.
الفرع الثاني: لو شهدت بينة أحدهما بالملك وبينة الآخر بالحوز، قضي لمن شهد له بالملك، ولو كان تاريخ الحوز متقدمًا.
الفرع الثالث: إذا ادعى ملكًا مطلقًا، فذكر الشاهد الملك والسبب لم يضر.
الفرع الرابع: ابن مسلم وآخر نصراني، ادعى المسلم أن أباه أسلم ثم فالقول قول النصراني، والمقدمة بينة المسلم إن تعارضتنا لأن الناقلة أولى من المستصحبة. وكذلك لو ادعى الابن الإرث في دار، وادعت زوجة أبيه أن أباه أصدها إياها أو باعها لها قدمت بينتها.
[ ٣ / ١٠٨٨ ]
ولو شهدت بينة النصراني أنه نطق بالتنصير ومات عقيب ذلك، فهما متعارضتان. ولو كان الميت مجهول الدين، فادعى كل واحد أنه ما مات على دينه، فلا ترجيح لبينة المسلم. وقيل: ترجح. وإن لم تكن بينة، فليست دعوى أحدهما بأولى من دعوى الآخر بالتصديق، فيجعل كأن المال في أيديهما فيقسم بينهما. ولو كان في يد أحدهما لم يخص في التصديق بعد إقراره بأنه من جهة الإرث. ولو كان عوض الاثنين جماعة واختلفت الدعوة منهم وقلنا بالقسم بينهم، قسم المال عليهم نصفين وإن تفاوتت أعدادهم، بل لو كان في إحدى الجهتين جماعة وفي الأخرى واحد، لكان لهم النصف وله النصف، لأن استحقاق من في إحدى الجهتين كاستحقاق من في الجهة الأخرى على حد سواء. فإن كان مع الولدين المتداعيين في دين أبيهما طفل، فقال سحنون: "يحلفان ويوقف ثلث ما بيد كل واحد منهما حتى يكبر الصغير فيدعي دعوى أحدهما فيأخذ ما أوقف من سهمه، ويرد إلى الآخر ما أوقف له من سهمه".
وقال أصبغ في التعبية: "كلامها مقر للصغير، فله لنصف، ويجبر على الإسلام، ولهذين جميعًا النصف بينهما. قال سحنون: " فإن مات قبل أن يبلغ حلفًا واقتسما ميراثه، وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يعرفون فهم أحق بميراثه وإلا ترك، فإذا كبر الصبي وادعاه كان له".
الفرع الخامس: إذا مات النصراني في رمضان، وادعى أحد ابنيه أنه أسلم في شوال فيرثه، وقال الآخر: له بل أسلمت في شعبان فلا ترثه، فبينة النصراني أولى لأنها ناقلة، والقول قول المسلم إذا لم تكن بينة، لأن الأصل بقاء الكفر.
ولو اتفقا على أن أباهما مات مسلمًا وأن أحدهما كان حينئذ مسلمًا، وادعى الآخر أنه كان أيضًا مسلمًا قبل موت أبيه وناكره أخوه في ذلك فعلى المدعي البينة، لإنكار أخيه ما ادعاه من تغيير الأصل، ويرث المتفق على إسلامه والله أعلم ..
[ ٣ / ١٠٨٩ ]