القسم الأول: السلم.
والأصل فيه قول ﷺ: «من أسلم في تمر، فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
وفيه بابان: الأول في شرطه، والثاني في أداء المسلم فيه.
الباب الأول: في شروط السلم، وهي ستة:
الأول: تسليم جميع رأس المال، حذارًا من الدين بالدين. ولا يشترط قبضه في المجلس، ولا يفسد العقد بتأخيره بالشرط: اليوم واليومين. وفي كتاب بيع الخيار: الثلاثة أيضًا.
وحكى ابن سحنون وبعض البغداديين فساد السلم إذا افترقا قبل القبض. وهو خلاف في حكم المقارب للشيء هل هو كحكم الشيء أم لا؟.
ويرجع الخلاف أيضًا إلى اعتبار ما يسمى دينًا بدين وما لا يسمى بذلك.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
أما تأخيره بالشرط زيادة على الثلاثة فمفسد للعقد. وأما بغير شرط ففي الفساد به قولان في العين خاصة.
ولا يفسد بتأخير العرض، إذ لا يتصور فيه دين بدين، لكن يكره إذا كان مما يغاب عليه كالطعام والثوب.
قال بعض المتأخرين: لأنه يقرب شبهه بالدنانير والدراهم فضاهى الدين بالدين. قال غيره منهم: إنما يتصور هذا إذا كان الطعام لم يكل: والثوب غائبًا عن مجلس العقد، وأما لو كيل الطعام وحضر الثوب لم تكن كراهية إذ لم يبق حق توفية، كما أجازوا أخذ سلعة حاضرة من دين (يتركها) مشتريها اختيارًا مع (التمكن) من قبضها. ويستوي في إفساد العقد بجملته تأخير بعض المال وكله. ومهما فسخ السلم استرد رأس المال. ولو كان رأس المال غير الدنانير والدراهم وقد عين، وهو جزاف غير مقدر جاز العقد، كما يجوز مع البيع، وكما يجوز في الجهل بقيمته.
وقال الشيخ أبو الطاهر: ظاهر قول القاضي أبو محمد منع كون رأس المال جزافًا.
قال: والمذهب كله على خلافه.
فرع: إذا اتحد جنس المسلم والمسلم فيه، فتشترط السلامة من التفاضل والنساء: بأن يكون غير طعام ولا نقد، ومن سلف جر نفعًا، بألا يسلم الشيء في ما يزيد عليه، كانت الزيادة من جنسه أو من غير جنسه، إلا أن تختلف منافعها، كإسلام الحمار الفاره النجيب في الحمر الأعرابية، والفرس الجواد الذي له سبق يسلم في حواشي الخيل، وكذلك ما عرف فبان بالنجابة والحمولة من الإبل في حواشيها، والبقرة الفارهة القوية على العمل والحرث في حواشي البقر، وكذلك الشاة الغزيرة اللبن في حواشي الغنم، ومثل كبار الخيل والبغال والحمير والبقر في صغارها، وكجذع نخل كبير غلظه وطوله كذا في جذوع صغار لا تقاربه، وكعبد له نفاذ وتجارة في نوبيين أو غيرهما لا تجارة فيهما. وكذلك في جميع أجناس الأموال.
الشرط الثاني: أن يكون المسلم فيه دينًا، (فاعلم) فلا ينعقد في عين محاذرة من الغرر ببيع المعين إلى أجل، أو على تخليصه من يد مالكه، ولأن لفظ السلم للدين. ولو أسلم
[ ٢ / ٧٥١ ]
بلفظ الشراء انعقد سلمًا وعجل رأس المال.
ثم يترتب على اشتراط التعلق بالذمة فرعان:
الأول: إنه لا يجوز أن يسلم في نسل حيوان بعينه وإن وصفه صفة تحصره، نفذ أو لم ينفذ. وقال أبو القاسم السيوري: إذا لم ينفذ وشرط أنه إن سلم ووافق تم البيع، وإلا لم يتم، جرى على قولين تخرجا من مسألة كراء الأرض الغرقة. وكذلك من اشترى ما يخرج من شيء واشترط التمام إن خرج على صفة ولم ينفذ فيه الخلاف أيضًا، وينخرط في هذا السلك السلف في حديد معدن بعينه أو صوف غنم وألبانها، وما أشبه ذلك.
فأما لو كانت الإشارة إلى نعم كثيرة لا يتعذر الشراء منها لمن أراد، وإنما أشير إليها لمعنى انفردت به لجاز السلم في نسلها إذا وصف.
وكذلك يجري الحكم في ما ذكرناه من الحديد والغلات وما جرى مجرى ذلك.
الفرع الثاني: السلف في تمر موضع مشار إليه، وله ثلاث صور:
الأولى: أن يكون حائطًا بعينه. فهذا حكمه حكم البيع. والنص على أنه يلزمه، إن كان البيع بعد أن أزهى وصار بسرًا على أن يأخذ بسرًا أو رطبًا ويضرب أجلًا لا يتمر إليه ويسمى ما يأخذ كا يوم. ولا يشترط أن يأخذ كل يوم ما شاء. ولو (اشترط) أخذ الجميع في يوم سماه لجاز. وقال بعض المتأخرين: إن سموه بيعًا لم يلزم ذلك فيه، وإن سموه سلمًا لزم.
الصورة الثانية: عكس الأولى، وهي أن يسلم في تمر مصر عظيم. فهذا حكمه حكم السلم المحض، فيجوز، وإنما يشار إلى الموضع، لكونه كالصفة لما يسلم فيه، كما تقدم في الحيوان.
الصورة الثالثة: أن تكون القرية الصغيرة، وهذه الصورة قد أعطوها حكم السلم في اشتراط النقد وفي جواز السلم لمن لا يملك فيها تمرًا على خلاف بين المتأخرين في هذا الوجه خاصة، وأعطوها أيضًا حكم الحائط بعينه، في أنها لا يجوز السلم فيها إلا بعد الزهو، وفي أن العاقدين يؤمران أن يشترطا أخذ ما أسلما فيه قبل بلوغه إلى أن يصير تمرًا، وفي اشتراط تسمية ما يأخذ كل يوم كما تقدم.
الشرط الثالث: أن يكون المسلم فيه مؤجلًا، لئلا يكون من بيع ما ليس عند الإنسان (وروى ابن وهب وابن عبد الحكم جواز السلم إلى يومين أو ثلاثة. وزاد ابن عبد الحكم عنه
[ ٢ / ٧٥٢ ]
الإجارة إلى يوم، فقيل: (هذه رواية في جواز السلم الحال).
وقيل: لا يختلف المذهب في اشتراط الأجل، وإنما هذا الخلاف في مقداره.
والمشهور من المذهب أنه المسافة التي تختلف فيها الأسواق غالبًا، كخمسة عشر يومًا ونحوها. ويقوم مقام ضرب الأجل أن يعين القبض ببلد غير بلد العقد مما تتغير الأسواق بينهما كثلاثة أيام، ونحوها.
ثم يجوز تأقيت الأجل بالنيروز والمهرجان وفصح النصارى وفطير اليهود، إن كان ذلك يعلم دون مراجعتهم. وكذلك يجوز بالحصاد والدراس وقدوم الحاج وشبهه مما نضبطه العادة، فيرجع إلى ميقات معلوم عند الناس، أو في حكم المعلوم عبر عنه بما يكون غالبًا، لا أن المراد به وجود ذلك الفعل في أي زمان كان، وهذا كخروج العطاء مثلًا، فإن المقصود بذكره الزمن المعتاد خروجه فيه، وليس المراد به هروج العطاء في أي زمان خرج.
ثم حيث أقت بالحصاد أو الدراس وشبههما، فيكون الأجل وجود معظم ذلك، لا أوله ولا آخره.
ولو قال: إلى ثلاثة أشهر احتسب بالأهلة، إلا أن يكون الشهر الأول انكسر في الابتداء، فيكمل ثلاثين من الشهر الرابع. ولو قال: إلى الجمعة أو إلى رمضان حل بأول جزء. ولو قال: في الجمعة أو في رمضان، فهو من أوله إلى آخره، ويكره بدءًا.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
فإن وقع فقال القاضي أبو الوليد: «إن كان هذا المقدار إذا نسب إلى جملة الأجل زاد الثمن أو نقص فسخ السلم، وإن كان الأجل من البعد على حد تكون نسبة الشهر إليه في حد اليسير، ولا يؤثر في الثمن، فلا ينقص السلم».
ولو قال: إلى أول الشهر أو آخره جاز. ولو قال: إلى آخر يوم في أوله أو أول يوم في آخره لجاز، إذ الأول الخامس عشر، والثاني السادس عشر.
الشرط الرابع: أن يكون المسلم فيه مقدورًا على تسليمه عند المحل؛ لئلا يكون (ذلك) تارة بيعًا وتارة سلفًا، فلا يصح السلم في المنقطع لدى المحل، ولا يضر الانقطاع قبله ولا بعده.
ولو أسلم في وقت الباكورة في قدر كثير يعوز تحصيله لم يصح.
فرع: إذا آخر المسلم إليه المسلم فيه حتى انقطع وخرج إبانة وأعوز وجوده، فالمسلم بالخيار في الفسخ أو الإبقاء إلى عام ثان. وإن قبض البعض ثم انقطع، فقال مالك: «يتبعه إلى عام قابل». ثم قال: «لا بأس بأخذ بقية رأس ماله». واختلف أصحابه وأصحابهم، فقال سحنون: يجب التأخير. وقال أشهب: تجب المحاسبة. وقال ابن القاسم: يجب التأخير إلا أن يتراضيا بالمحاسبة. وقال أصبغ: تجب المحاسبة إلا أن يتراضيا بالتأخير. وقال غيرهم: الخيار للذي له السلم في المحاسبة والتأخير.
وحكى المتأخرون عن ابن القاسم أنه متى قبض الأكثر جاز تأخير الباقي إلى قابل، وإن قبض اليسير وجبت المحاسبة.
قال بعض المتأخرين: وهذه الأقوال تجري على أصلين، أحدهما: من خير بين شيئين فاختار أحدهما: هل يعد كالمنتقل من أحدهما إلى الآخر أو يعد كالآخذ ما وجب له.
والأصل الثاني: هل المقصود المشتري والأجل في حكم التبع أو المقصود المشتري في أجل محصور (و) لأنه إنما تحصل المنفعة الكبرى بتعجيله؟
فرأى سحنون وابن القاسم أن المقصود الأول هو المشتري، إلا أن سحنون عد المخير منتقلًا، فيصير كمن باع طعامًا قبل قبضه. ولم يعده ابن القاسم منتقلًا. وعلى هذه الطريقة يخرج قول مالك.
وروى أصبغ وأشهب أن المقصود الثمرة في زمن محصور إلا أن أشهب عد المخير
[ ٢ / ٧٥٤ ]
منتقلًا، فيصير كمن وجب له دين معجل ففسخه في ثمرة إلى عام ثان. ولم يعده أصبغ منتقلًا.
وكذلك القائل الخامس لم يعده منتقلًا، ورأى أن الآجل مملوك للمشتري، فيصرف الأمر فيخ إلى اختياره.
وأما الرواية بالتفرقة بين قبض القليل والكثير فبناء على إعطاء الأتباع حكم متبوعاتها.
الشرط الخامس: أن يكون معلوم المقدار بما جرت العادة بتقديره به من الوزن أو الكيل أو العدد أو الزرع أو غير ذلك من المقادير المعتادة فيه، فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم أو عدد معلوم أو ذرع معلوم إلى أجل معلوم.
ويكفي العدد في المعدودات ولا يفتقر إلى الوزن إلا أن تتفاوت آحاده تفاوتًا يقضي باختلاف أثمانها، فلا يكفي فيها حينئذ مجرد العدد والمعدود كالبيض والباذنجان والرمان، (وكذلك) الجوز واللوز إن جرت عادة بيعه بالعدد، وكذا التين، وكذا البطيخ إذا كان متقاربًا غير بين التفاوت، وكذلك جميع ما يشبه ما ذكرنا.
ولو عين في المكيل مكيالًا لا يعتاد كالكوز فسد العقد، إلا أن تعرف نسبته من المعتاد.
وإن كان معتادًا صح العقد وبطل الشرط لأنه لغو.
الشرط السادس: معرفة الأوصاف لرفع الخطر بجهل الصفة، فلا يصح السلم إلا في ما ينضبط فيه كل وصف تختلف به القيمة اختلافًا ظاهرًا لا يتغابن الناس [بمثله] في السلم.
ويصح في المصنوعات والمختلطات إذا أمكن ضبطها بالصفة. ويجوز في الحيوان للأخبار والآثار، فيتعرض للنوع واللون والذكورة والأنوثة والسن، وبالجملة فيتعرض لكل ما تختلف
[ ٢ / ٧٥٥ ]
الأغراض وتتفاوت الأثمان بسببه إذا لم يؤد إلى عزة الوجود. فيذكر في الرقيق الجنس، فيقول: رومي أو حبشي أو تركي أو غير ذلك. واللون فيقول: أحمر أو أسود أو ذهبي أو غير ذلك. والذكورة أو الأنوثة، ويذكر فيها البكارة أو الثيوبة إن كان الثمن يختلف بذلك عندهم اختلافًا مقصودًا. ويذكر السن فيقول: يفاع أو محتلم أو غير ذلك مما ينبي عن سنه، أو يذكر عدد السنين، ويذكر القد، فيقول: قصير أو طويل أو ربعة، ويذكر الجودة أو الدناءة.
ثم يترك كل شيء على الغالب، فإن لم يكن فالوسط. ويقول في البعير: ثني أحمر من نعم بني فلان، ويتعرض في الخيل للون والسن والنوع أيضًا. ويتعرض في الطير للنوع والكبر والصغر من حيث الجثة. ويقول في اللحم: لحم بقر أو غنم ضأن أو معز ذكر أو أنثى، خصي أو غير خصي، رضيع أو فطيم، معلوفة أو راعية. ولا بد من بيان السن، فيقول: ثني، أو رباع، أو جذع إلى غير ذلك من أوصاف السن التي يختلف الثمن باختلافها.
ولا يشترط تعيين الفخذ أو الجنب أو غيرهما. (قال ابن حبيب: فإن اشترطه فحسن).
وقال ابن القاسم: إنما يشترطه أهل العراق، وهو باطل، قيل له: أفيعطيه من البطن؟ فقال: أفيكون لحم بلا بطن؟ فقيل: وما مقدار ما يعطيه من البطن؟ قال: قد جعل الله لكل شيء قدرًا.
قال الإمام أبو عبد الله: وإذا كان الثمن يختلف باختلاف هذه الأعضاء فالأولى اشتراطه.
قال: ولعل الذي وقع في المذهب مبني على أن ذلك لا يختلف عندهم، أو يختلف ولكنه يعطيه من كل عضو بمقداره، حتى يجمع له ما بين الجيد والدنيء بالنسبة المعلومة فيها.
وحمل قول ابن القاسم أنه يعطيه من البطن إذا أسلم في اللحم على عادة عندهم. قال: والعوائد عندنا بخلاف هذا. ويذكر المسلم في اللحم السمن أيضًا.
ويصح السلم في المطبوخ والمشوي إذا كان يعرف تأثير النار فيه بالعادة، وكانت الصفة تحصره، ويصح السلم في رؤوس الحيوانات وفي الأكارع. ويجوز السلم في اللبن والسمن والزبد والمخيض، وفي الوبر والصوف والقطن والإريسم والغزل المصبوغ وغير
[ ٢ / ٧٥٦ ]
المصبوغ، وكذا في الثياب بعد ذكر الرقة والغلظ والنوع والطول والعرض. وكذا في الحطب والخشب والحديد والرصاص وسائر أصناف الأموال إذا اجتمعت الشرائط التي ذكرناها.
ولو اشترط الجودة جاز، ونزل على الغالب، فإن لم يكن فالوسط منها، وكذلك الدناءة.
قال الإمام أبو عبد الله: والظاهر من مقتضى أصولنا جواز السلم وإن اشترط أجود الطعام أو أدناه.
تكملة: قال الإمام أبو عبد الله: الصفات التي تجب الإحاطة بها هي التي يختلف الثمن باختلاف أحوالها، فيزيد عند وجود بعضها وينقص عند انتقاص بعضها، ولا طريق إلى العلم بهذه الصفات التي يختلف الثمن باختلافها وإلا بالرجوع إلى العوائد واعتبار المقاصد.
قال: وقد تختلف العوائد باختلاف البلاد وأغراض سكانها، فيجب على الفقيه أن يجعل العمدة في هذا الإسناد إلى عوائد سكان البلد الذي يفتي أهله، فينظر ما يقصدون إليه من الصفات، ويزيدون في الثمن لأجله فيضبطه، ويشترط في صحة السلم ذكره.
الباب الثاني: في أداء المسلم فيه،
والنظر في صفته وزمانه ومكانه
أما صفته: فإن أتى بغير جنسه فذلك اعتياض، وهو غير حائز في المسلم فيه إلا بثلاث شرائط:
- أن يكون المسلم فيه مما يجوز بيعه قبل قبضه.
- وأن يكون المقتضي مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال.
- وأن يكون مما يجوز بيعه بالمسلم فيه يدًا بيد.
وإن أتى بجنس وهو أجود وجب قبوله، وإن كان أردأ جاز قبوله ولم يجب.
وإن زاده بعد الأجل دراهم على أن أعطاه أزيد في الثوب طولًا أو عرضًا، جاز إذا عجل الدراهم. قال في الكتاب: «لأنهما صفقتان، كما لو دفعت إليه غزلًا ينسجه ثوبًا، ثم زدته في الأجر على أن يزيدك في طول أو عرض». وأنكره سحنون ورآه دينًا بدين، وأجازه في الإجارة لأنه شيء بعينه، والسلم مضمون.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وإن أتى بنوع آخر، فإن أسلم في الزبيب الأبيض فجاء (بالزبيب) الأسود جاز القبول.
وأما الزمن: فلا يطلب به قبل محله، ولو جاء به قبله بالزمن الكثير لم يلزم قبوله.
وألزمه المتأخرون قبوله في اليوم واليومين إذ لا تختلف فيه الأغراض ولا تتغير فيه الأسواق.
وأما مكانه: فحيث يشترطان، ولا يقتصر على ذكر عمل كمصر مثلًا حتى يسمي أي موضع منها، فلو عين الفسطاط جاز. فإن تشاحا في أي موضع منه لزم في سوق السلعة المبيعة. فإن لم يكن لها سوق معروف لزمه القبض حيثما أعطاه. فإن لم يعينا في العقد مكانًا، فمكان العقد. فإن ظفر به في غيره وكان في النقل مؤونة حمل لم يطلب به، وإن لم تكن مؤونة حمل ففي ثبوت المطالبة خلاف.
ولا يجوز أن يقضيه بغير المكان المعين، ويأخذ كراء مسافة ما بين المكانين، لأنهما بمنزلة الأجلين.
القسم الثاني من الكتاب: النظر في القرض
والنظر في حقيقته، ومحله وهو المقرض، وشرطه وحكمه.
أما حقيقته: فهو دفع المال على جهة القربة لينتفع به آخذه، ثم يتخير في رد مثله أو عينه ما كان على صفته، ويجوز شرط الأجل فيه، ويلزم.
وأما المقرض: فكل ما يجوز أن يثبت في الذمة سلفًا جاز قرضه، ما لم يؤد إلى عارية الفروج. وفيه احتراز عن قرض الجواري. وخصص محمد بن عبد الحكم المنع بقرضهن لغير ذي محرم منهن.
قال الشيخ أبو الطاهر: «ومر أكثر الأشياخ على أنه غير خلاف». قال: «وهكذا أجروا الحكم في استقراض النساء لهذا الصنف». أو الصغير يقترض له وليه، أو الصغيرة التي لا تشتهي تقرض.
فرع: فإن اقترضها حيث منعنا من قرضها فإن لم يطأها ردت، وإن وطئها فات الرد، ويكون على المقترض قيمتها على المنصوص.
وقد اختلف المتأخرون فيما يقضى به في فاسد القرض، فأكثرهم على رده إلى البيوع الفاسدة، فيجب المثل في ما له مثل والقيمة في غيره. ورأى أبو القاسم بن محرز ألا يؤخذ المقترض إلا بما دخل عليه، فيغرم المثل، ثم يباع للمقرض ويعطى له إن كان مساويًا للقيمة أو
[ ٢ / ٧٥٨ ]
ناقصًا عنها، وليس له سواه. وإن زاد عليها وقف الزائد، فإن طال وقفه تصدق به عن من هو له. قال بعضهم: وقول أبي القاسم هذا يجري في مسألة الجارية.
وأما شرطه: فهو ألا يجر المقرض منفعة، فإن شرط زيادة قدر أو صفة فسد، ولم يفد جواز التصرف، ووجب الرد إن كان المقرض قائمًا، وإن فات وجب ضمانه بالقيمة أو بالمثل على المنصوص، وبالمثل فقط على قول أبي القاسم بن محرز.
وسبب الخلاف: أن المستثنيات عن الأصول إذا فسدت هل ترد إلى صحيحها أو إلى صحيح أصولها التي استثنيت عنها؟.
فروع: الأول: أنه متى تمحضت المنفعة للمقترض جاز، وإن تمحضت للمقرض منع لأنه سلف جر نفعًا. فإن دارت المنفعة من الطرفين منع أيضًا ما لم تكن ضرورة. فإن كانت كالسفاتج التي تدفع في بلد وتقتضى في غيره فينتفع المقرض بالسلامة من غرر الطريق ففيها روايتان: المشهور منهما المنع. (وروى) القاضي أبو الفرج الجواز.
ومن هذا النمط سلف الطعام السايس والمعفون والمبلول والرطب والقديم، ليأخذ سالمًا جديدًا يابسًا، فإن لم تكن مسغبة منع، بلا خلاف، وإن كانت وتمحضت المنفعة للقابض فقد أجازه في الواضحة. وإن كانت للدفاع بعض منفعة فهي كمسألة السفاتج.
ومن ذلك الحج يتسلف الدقيق والكعك يحتاج إليه، ويقول للدافع: أو فيكه في موضع كذا، لبلد آخر منعه في المشهور. قال: «لكن يتسلف ولا يشترط». وحكى حمديس
[ ٢ / ٧٥٩ ]
عن سحنون جوازه.
(ومن ذلك من أتى غلى رجل له زرع قد يبس، فقال: أسلفني فدانًا أو اثنين أحصدهما وأذربهما وأكيلهما.
وقد (روي) في هذه أنه لا بأس به إذا كان على وجه المرفق فيحصد اليسير من الكثير وما لا يخفف به عن صاحبه مؤونة.
الفرع الثاني: إذا أهدى إليه مديانه لم يحل له أخذ الهدية، إذ قبولها ذريعة إلى التأخير بزيادة. فالمنع فيها محكي عن عمر ﵁ وغيره.
قال بعض المتأخرين: «وهذا إذا لم تجر بين المتعاملين هدية، فإن كانت العادة جريان الهدية بينهما من غير معاملة أو كان بينهما من الاتصال ما يعلم أن الهدية له جازت. ثم إذا وقعت الهدية على الوجه الممنوع ردت مع القيام، فإن فاتت ضمنت بما يضمن به المبيع بيعًا فاسدًا». وهل يلحق بالهدية مبايعته؟
حكى أبو الحسن اللخمي قولين: الجواز والكراهة، وأشار إلى تنزيل الخلاف على حالين: فإن استوفى الثمن أو كانت الزيادة يسيرة مما يتغابن الناس بمثلها جاز، وإن كثر الغبن لم يجز.
وألحق المتأخرون بذلك أن يهيد رب المال لمن عامله مقارضة، لئلا يقصد بذلك أن يديم العامل العمل، فيصير سلفًا جر منفعة.
وأما هدية العامل لرب المال، فإن لم يشغل المال فهي ممنوعة باتفاق أهل المذهب، وإن شغله فقولان للمتأخرين فالمنع والجواز، وهما على النظر إلى الحال أو المآل.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وأما حكم القرض فهو التمليك وإن لم يتصرف. فلو أراد الرجوع في عينه لم يكن له ذلك إلا بعد انتهاء المدة المحددة للانتفاع بالشرط أو بالعادة.
وكذلك لو طلب العوض عنه. فإن قيل: المقرض ماذا يؤدي؟ قلنا: المثل في المثليات، وفي ذوات القيم أيضًا للحديث: «استقرض رسول الله ﷺ بكرًا ورد (بازلًا».
خاتمة: بذكر المقاصة في الديون.
والمعتبر في أنواع المقاصة جنس الدينين في تساويهما واختلافهما وسببهما: في كونهما من سلم أو قرض، أو أحدهما من قرض والآخر من سلم، وأجلهما في الاتفاق والاختلاف والحلول في أحدهما أو كليهما أو عدمه.
ومما تنبني عليه أحكام المقاصة أيضًا أن المؤجل (من الديون) إذا وقعت المعاوضة عنه هل يعد كالحال أو يجعل من هو في ذمته كالمسلف عنها ليأخذ منها إذا حل الأجل؟
ومنها أن الصور إذا تصور فيها مبيح وقصد إلى التعامل عليه، وتصور مانع هل يعطى الحكم للمبيع أو للمانع؟
وعليه اختلاف ابن القاسم وأشهب إذا كان الطعامات من سلم واتفقت الآجال ورؤوس الأموال: هل تجوز المقاصة وتعد إقالة؟ وهو مذهب أشهب، أو تمنع وتعد بيع الطعام قبل قبضه؟. وهو مذهب ابن القاسم. وعلى ما قدمناه تجري أحكام المقاصة بالديون.
وقد جمعت المقاصة المتاركة والمعاوضة والحوالة وما يقع فيها من الخلاف، فالجواز تغليب للمتاركة، والمنع تغليب للمعاوضة أو الحوالة، ومتى قويت التهمة وقع المنع، ومتى فقدت فالجواز، وإن وجدت ضعيفة، فالقولان على ما تقدم من مراعاة التهم البعيدة.
ولنبين ما أجملناه من أحكامها بتفضيل ذكره بعض المتأخرين واستوفى الكلام عليه، فلنورد ما ذكره، ونبدأ بحكم الدينين إذا كانا غينا من بيع فنقول: إن تساويا صفة ومقدارًا وحل الأجلان أو كانا حالين فلا خلاف في الجواز، إذ لا يتصور ها هنا منع لوجه. وإن اختلف الصفة والوزن، أو اختلفت الوزن، وإن اتفقت الصفة فلا يختلف في المنع، إذ هو بدل العين بأكثر منه.
[ ٢ / ٧٦١ ]
وإن اختلفت الصفة والنوع واحد أو مختلف، فإن حل الأجلان أو كانا حالين جاز أيضًا، إلا على القول بمنع صرف ما في الذمة، فينبغي أن يمنع هذا.
وإن لم يحل الأجلان منع على المشهور من المذهب، إذ يقدر المعطي الان كالمسلف من ذمته ليأخذ منها، فيصير صرفًا أو بدلًا مستأخرًا، ويجوز على رأي القاضي أبي إسحاق المقدر لذلك بالحلول.
وإن اتفق العينان صفة ومقدارًا ولم يحل أحدهما أو حل أحدهما والأجلان مختلفان أو متفقان، فابن القاسم يحيز وساعده ابن نافع إذا حلا أو حل أحدهما، ومنع إذا لم يحل واحد منهما، واتفق الأجل أو اختلف. وروى أشهب عن مالك أنه منع إذا اختلف الأجل، ووقف إذا اتفق.
وقول ابن نافع أجرى على المشهور، إذ عد المؤجل على حالته، لكن إذا حل أحدهما عد حوالة، إذ تجوز بما حل في ما لم يحل.
وكان ابن القاسم لاحظ تساوي الديون وعدم الضمان في العين، وكل واحد منهما له التعجيل، والتفت إلى بعد التهمة فأجاز.
وقال أبو الحسن اللخمي: «إذا كان أحد الدينين أجود وحل الأجلان أو حل الأجود منهما أو لم يحلا وكان الأجود أولهما حلولًا جازت المقاصة، وإن حل الأدنى أو كان هو أولهما حلولًا لم يجز ودخله ضع وتعجل».
قال: «وكذلك إن كان أحدهما أكثر عددًا، فتتاركا على ألا يطلب صاحب الفضل تجوز المقاصة حسبما تقدم في الأجود». قال: «وهذا الذي ذكره في الجودة إن بناه على رأي القاضي أبو إسحاق فهو صحيح. وأما المشهور من المذهب فالجاري عليه ما قدمناه.
وأما ما ذكره من اختلاف العدد فلا ينبغي أن يختلف في منعه لما ذكرناه من أنه مبادلة بتفاضل مع ما يدخل ذلك على المشهور من التراخي إذا لم يحل الأجلان أو لم يحل أحدهما.
وإن كانا من قرض فإن اتفقا صفة ومقدارًا وحل الأجلان أو أحدهما فلا شك في الجواز، وإن لم يحلا فالمنصوص الجواز أيضًا، وقد يجري على رأي ابن نافع. وما روى أشهب عن مالك، المنع.
وإن اختلفت صفتهما والوزن واحد واختلف نوعهما فعلى ما قدمناه. إن حل أجلهما أو كانا حالين جاز. وإن لم يحلا لم يجز. قاله أبو القاسم بن محرز وغيره، وهو جار على
[ ٢ / ٧٦٢ ]
المشهور من المذهب وعلى رأي القاضي أبي إسحاق. وكذلك هذا إذا كان أحدهما من قرض والآخر من بيع.
وإن اختلف الوزن، فإن كان يسيرًا جازت المقاصة، لأنه زيادة من أحدهما، وزيادة اليسير في قضاء القرض جائزة.
وإن كثرت جرى الخلاف في الزيادة في الوزن أو العدد إذا كثرت هل تجوز في القرض أم لا؟.
وقال أبو الحسن اللخمي: «إذا كانا من قرض جازت المقاصة إذا كان أكثرهما أولهما قرضًا، وإن كان الأكثر آخرهما منع عند ابن القاسم، فاتهم على سلف بزيادة. وأجازه ابن حبيب وغيره، وهذا يجري على قانون المذهب».
قال: «وإن حل أحدهما وهو الأقل، أو لم يحل واحد منهما لكن كان أقلهما أولهما حلولًا لم تجز المقاصة وإن حل الأكثر أو كان هو أولهما حلولًا أولهما قرضًا جاز، وإلا لم يجز» [قال]. «فإن استوى الأجل جاز ما لم يكن الأكثر آخرهما قرضًا».
وهذا الذي قاله هو بناء على ما سلكه إذا كانا من بيع، وقد قدمنا ما فيه.
قال أبو الحسن اللخمي: (وإن) كان أحد الدينين دنانير والآخر دراهم جازت المقاصة إن حل الأجلان، وأجراه إذا لم يحلا أو لم يحل أحدهما على الخلاف في حكم المؤجل».
وأما إن كان الدينان طعامًا من بيع، فإن اختلف الطعامان أو رؤوس الأموال لم يجز. وإن اتحد جنسهما واتفقت رؤوس أموالهما، فإن كانت الآجال مختلفة لم يجز أيضًا، وإن اتفق الأجلان فقولان:
منع ابن القاسم وأجاز أشهب. وهو على ما قدمناه من النظر إلى المعنى الإقالة فيجوز، أو إلى صورة المبايعة ويتهمان على أن يكونا تعاملا على بيع الطعام بالطعام نسيئة، وعلى بيع الطعام قبل استيفائه فيمنع وإن حلت الآجال لاختلاف الأحوال في الذمم.
والذي قلناه من المنع إذا اختلف الأجلان فهو جار على منصوص المذهب. وأما على ما قاله القاضي أبو إسحاق في إسقاط التأجيل فتجوز. وإن كان الطعامان جميعًا من قرض جازت المقاصة إذا اتفقا، حلت الآجال أو لم تحل. وإن كان أحدهما من قرض والآخر من بيع، فإن حل الأجلان جازت وإن لم يحلا أو حل أحدهما فثلاثة أقوال:
[ ٢ / ٧٦٣ ]
* المنع وهو مذهب ابن القاسم.
* والجواز وهو مذهب أشهب.
* والتفرقة بين أن يحل المسلم فيجوز، أو يحل القرض ولا يحل المسلم فيمنع.
والجواز نظرًا إلى حقيقة الإقالة، والمنع نظرًا إلى صورة المبايعة. واختلاف الأجلين في الحلول أو عدم حلولهما يقتضي اختلاف الأثمان، والذمم أيضًا تختلف.
والتفرقة لأن الأجل في السلم مستحق من الجهتين: جهة البائع وجهة المشتري، فهو مقصود وله قسط من الثمن، والأجل في القرض منفعة من جهة المعطي لا من جهة الآخذ فكان غير مقصود ولا له قسط من الثمن.
وأما إن كان الدينان عرضين، فإن استويا في الجنس والصفة فالمقاصة بينهما جائزة على الإطلاق، من غير التفات إلى تماثل الآجال أو اختلافهما، ولا إلى تساوي الأسباب أو تباينها، وهذا لأنه لا غرض ها هنا يقتضي التهمة على القصد إلى الوقوع في بعض المحرمات التي تقدم ذكرها، لكون المتاركة ها هنا والمباراة لا يظهر فيها قصد إلى المكايسة والمغابنة في التعارض.
وأما إن اختلفا في الصفة مع اتفاقهما في الجنسية، فإن اتفق أجلهما جازت المقاصة، لأن اتفاق الأجل تضعف معه التهمة بالقصد إلى التكايس.
وأما إن اختلفت الآجال ولم يحلا فالالتفات ها هنا إلى تنوع الأسباب، فإن كان الدينان من مبايعة منعت المقاصة إذا كان أحد الدينين أجود من الآخر لأنا نمنع في العرض إذا كان دينًا مؤجلًا أن يعجل ما هو أدنى منه لأن ذلك: ضع وتعجل، أو يعجل ما هو أجود منه لأن ذلك معاوضة على طرح الضمان.
وكذلك إذا كانا من قرضين، فإن أحدهما إذا كان أجود من الآخر صار من قبل الأدنى من حقه رضي بتعجيل بعض حقه وإسقاط باقيه.
وإن كان مختلفي الأسباب أحدهما من بيع والآخر من قرض، فإن كان ما حل منهما أو ما هو أقرب حلولًا هو القرض لم تجز المقاصة على حال، لأن الذي حل أو كان هو الأقرب حلولًا إن كان خيرًا من المبيع فقد حط الضمان الذي يجب عليه في السلم بما بذله من زيادة القرض الذي له، وإن كان القرض الذي حل هو الأدنى فقد وضع من السلم الذي له على أن عجل له.
والضابط لهذا الباب أن ما حل أو كان أقرب حلولًا كالمقبوض المدفوع عن الدين الآخر الذي يتأخر حلوله، فيعتبر هل يوقع في أحد هذين الوجهين الممنوعين، فيمنع منه أو لا يوقع في أحدهما؟.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
وقد علمت أن ما كان من (العروض) سلمًا في الذمة (يمنع) تعجيل ما هو أجود في الصفة أو أدنى، وما كان قرضًا يمنع من تعجيل ما هو أدنى منه في الصفة لما يتصور فيه من ضع بشرط التعجيل إذ لا يلزم من عليه القرض أن يعجله قبل أجله إلا برضاه ولا يمنع تعجيل ما هو أجود منه في الصفة لكون من عليه القرض له أن يعجل، وإن كره ذلك من هو له. ويعتبر أيضًا في القرض وجه آخر، وهو كونه قد زيد في عدده عن أصل القرض، وقد قدمنا أن قضاء القرض لا تمنع فيه الزيادة في وجوه الصفات، وتمنع فيه الزيادة في العدد في المشهور من المذهب.
وإذا استعملت هذه الوجود التي عددناها في المقاصة بالدينين اللذين حلا أو لم يحلا أو أحدهما أقرب حلولًا أو حل أحدهما دون الآخر وهما قرضان أو بيعان أو أحدهما قرض والآخر بيع لم تخل مسألة من هذه الأقسام، باعتبار ما نبهنا عليه مما يمنع أو يجوز.
[ ٢ / ٧٦٥ ]