وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركان الاستحقاق
وهي ثلاثة: المأخوذ، والآخذ، والمأخوذ منه
الأول: المأخوذ. ومتى كان المبيع عقارًا منقسمًا غير تابع في الانتفاع به لغيره، كان مأخوذًا (باتفاق)، ويلحق به ما كان تابعًا لهو متعلقًا به مما هو ثابت فيه لا ينقل ولا يحول، وذلك كالجدران والبئر وفحل النخل، فتجب الشفعة في ذلك، ما دام أصله على صفة تجب فيها الشفعة، وهي: أن يكون مشاعًا غير مقسوم؛ واختلف في قسم ثالث كالثمار. فقال ابن الجاجشون: "لا تؤخذ بالشفعة". وقال أشهب: "للشريك الشفعة في الثمن، كان الأصل لهما أو لم يكن"
[ ٣ / ٨٧٦ ]
وفي الكتاب قال مالك في قوم شركاء في ثمرة: "إذا كان الأصل لهم أو [كانت] النخل في أيديهم مساقاة، أو كانت حبسًا على قوم، وأثمرت هذه النخل وحل بيعها، فباع أحدهم، فإن (شركاءه) في الثمرة يأخذون ما باع (بالشفعة) بما باع) به". قال محمد: وهو صواب ما لم (ييبس)، وإذا كان الأصل بينهما.
واختلف أيضًا في مكاتبة المكاتب، وفي الأرض بين الشركين يؤاجر أحدهما حصته للزرع، وفي البناء القائم لقوم في عرصة ليست لهم، كأهل حبس بنوا فيه، ثم مات أحدهم، فباع ورثته حصته من البناء. وكذلك إن بنوا في عرصة معارة، فباع أحدهم حصته من النقص، فرب الأرض مبدأ، فإن شاء أخذ ذلك بالأقل من قيمته نقضًا أو الثمن، فإن أبي فلشريكه أخذها بالثمن.
وقال أشهب: لا شفعة في ذلك لشريكه، إذا لا ملك له في العرصة، وهو بيع لا يجوز، باعا جميعًا أو أحدهما، لأن رب الأرض له أن يبقيه ويؤدي قيمته نقضًا؛ أو يأمر بقلعه، فلم يدر المبتاع ما اشترى نقضًا أو ذهبا. ورواه عن مالك فيمن بنى في عرصة رجل بإذنه، ثم باع بناءه أن ذلك لا يجوز، وكذلك إن بني في عرصة محبسة عليهما، لم يجز بيعهما ولا بيع أحدهما.
واختلفت الرواية في أخذ ما لا ينقسم من الرباع والأرحية والآبار والعيون والشجرة الواحدة وشبه ذلك.
ومنشأ (هذا) الاختلاف: النظر إلى علة الشفعة هل هي ضرر القسمة فلا تجب فيما لا ينقسم، (أو ضرر الشركة فتجب فيما لا ينقسم) كما تجب فيما ينقسم؟
قال القاضي أبو الحسن: "والذي يقوى في نفسي أن فيه الشفعة". ولا شفعة فيما عدا هذا من الحيوان والعروض والطعام وغير ذلك من أعيان الأملاك، ولا في حق من حقوق الملك كالممر ومسيل الماء والطريق إلى العلو، وشبه ذلك.
[ ٣ / ٨٧٧ ]
الركن الثاني: الآخذ.
وهو كل شريك بالملك، فلا شفعة للجار، وإن كان ملاصقًا، وثبت للشريك وإن كان كافرًا، إذا كان البائع مسلمًا، كان المشتري مسلمًا أو ذميًا، وقيل: "إن كان المشتري والشفيع ذميين فلا شفعة لأن المحاكمة بينهما". وقال أشهب: "تجب الشفعة إذا كان فيهم مسلم من غير تفصيل".
فرع: من شارك بحصة موقوفة، فإن كان مرجعها إلى المحبس فالشفعة له، وإن كانت لا مرجع لها إليه فلا شفعة له، إلا أن يريد المحبس أو المحبس عليه أن يلحق ذلك بالمحبس فذلك له. وقيل: ليس ذلك له. قال أبو الحسن اللخمي: "وهو أقيس، إذ لا أصل له يستشفع به".
الركن الثالث: المأخوذ منه.
وهو كل (من) تجدد ملكه اللازم باختيار. وفي اشتراط / تجدده بمعاوضة روايتان، ثمرتهما نفي الشفعة في الصدقة والهبة لغير ثواب أو ثبوتها.
احترزنا بالمتجدد عن رجلين اشتريا دارًا معًا، فلا شفعة لأحدهما على الآخر، واحترزنا باللازم عن الشراء في زمن الخيار، فإنه لا يؤخذ فيه بالشفعة حتى يختار.
واحترزنا بالتقييد بالاختيار عن الحاصل بالإرث.
وتثبت الفعة في ما وراء ذلك من وجوه المعاوضات، بأي نوع كان من التمليكات، من مهر، أ، خلع، أو بيع، أو إجارة، أو صلح من أرش جناية، أو قيمة متلف، أو دم عمد أو خطإ، أو غير ذلك من المعاوضات، سوى المناقلة (فإنها) قد اختلف فيها.
فقال ابن القاسم في العتبية، فيمن باع نصف أرضه بأرض أخرى وبزيادة دنانيره ففيه الشفعة
[ ٣ / ٨٧٨ ]
قال: "وقال بعض أصحابنا: إنه كان من قول مالك وغيره من المدنيين: إنه إن علم أنه أراد المناقلة والسكنى ولم يرد البيع فلا شفعة، لأنه لم يكن يرضى أن يخرج من داره ويبقى لا دار له. وقاله ربيعة، وكرناه لمالك فلم يره، وقال: فيه الشفعة".
قال العتبي: "وقال مطرف وابن الماجشون إنما قال مالك: لا شفعة، إذا كان بين أشراك داران أو حائطان، فيناقل أحدهم بعض أشراكه حصته من هذه الدار بحصته من الدار الأخرى أو الحائط، فيجتمع حظ كل واحد منهم في شيئ واحد، لأنه إنما أراد توسعة حظه وجمعه، وأما إن ناقل بنصيبه (من دار بنصيب) من دار أخرى لا نصيب له فيها ففيها الشفعة، عامل بذلك بعض أشراكه أو أجنبيًا".
وحكى مثله كله ابن حبيب عن مطرف عن مالك وقال: قد كان ابن القاسم يروي أن في ذلك كله الشفعة، والأول أحب إلي. ويأخذ بالشفعة في الإقالة والشركة والتولية كما يأخذ في ابتداء البيع سواء.
وفي وجوب عهدته في الإقالة على المشتري أو تخبيره بين البائع والمشتري خلاف، منشؤه تنفيذ الإقالة والأول أحب إلي. ويأخذ بالشفعة في الإقالة والشركة والتولية كما يأخذ في ابتداء البيع سواء.
وفي وجوب عهدته في الإقالة على المشتري أو تخييره بين البائع والمشتري خلاف، منشؤه تنفيذ الإقالة وعدم تنفيذها. فقال مالك في كتاب محمد: يأخذ الشفيع بعهدة بيع الإقالة.
"قال أشهب: هو استحسان، كان المستقيل البائع أو المشتري، والقياس أن يأخذ من أيهما شاء، ولو قاله قائل لم أعبه.
وقال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: إن ظهر من حال المتقايلين أنهما إنما قصدا قطع الشفعة فالعهدة على المبتاع لا تعدوه، وإن ظهر أن الإقالة لقصد صحيح لا لقصد قطع الشفعة فالخيار إلى الشفيع في أن تكون عهدته على أيهما شاء. وفي كتاب محمد وقاله أشهب وابن الماجشون في المجموعة، وقاله مطرف في الواضحة.
وإذا سلم الشفيع الشفعة (ثم) تقايلا، كان للشفيع أخذها بالشفعة بعهدة الإقالة لأنه بيع حادث زالت فيها التهمة.
قال ابن الماجشون في المجموعة ومطرف في كتاب ابن حبيب: وكذلك لو ولاه (أو) أشرك فيه فللشفيع الشفعة بذلك
[ ٣ / ٨٧٩ ]
قال أشهب في كتاب محمد: ولو تقايلا بزيادة أو نقصان قبل تسليم الشفيع فله الشفعة على أيهما شاء".
وبالجملة، فحيث صححنا الإقالة ولم يتهما فهي بيع مؤتنف، فيرجع البائع مبتاعًا، فيؤخذ منه بالشفعة لا لكونه بائعًا.
قال الشيخ أبو الوليد: "وإنما تكون العهدة (عندنا) على البائع للشفيع في المقارض يبتاع بمال القراض شقصًا هو شفيعه أو رب المال شفيعه، لأن رب المال إن كانت له الشفعة فالمال (ماله)، فلا يصح له أن يكتب العهدة على نفسه، وإن كان (للعامل) فلا يجوز له أن يجعل العهدة على رب المال فيما ابتاع بماله".
ومن باع شقص طفل تحت نظره فله الأخذ لطفل آخر؛ وإن كان له شريك معهم فأخذ بحصته تعقب فعله: فإن كان البيع أحظ لليتيم أمضى وإلا رد. وكذلك لو كان هو الشريك وحده.
وإن كان للمشتري في الدار شركة قديمة وطولب بالشفعة، فليترك له ما يخصه لو كان المشتري غيره، فأما لو بقي للبائع حصة، فأراد أن يأخذ بها لم يكن له ذلك. وليس لبائع فيما باع شفعة.
(قال أشهب في المجموعة: من باع بعض حصته من دار فلا شفعة له مع الشريك بما بقي له لأنه باع راغبًا في البيع، وإنما الشفعة للضرر.
قال غيره: لو باع السلطان على غائب بعض شِقْصِهِ في دَيْنٍ عليه، ثم قدم فلا شفعة له فيه، وهو كما لو باعه هو.
قال الشيخ أبو محمد: "ويتبين لي أن رجلًا لو باع شقصًا له في دار، ثم إن المشترى من باع ذلك الشقص من رجل آخر، أن لبائعه الأول فيه الشفعة، لأن هذا بيع ثان لم يله البائع الأول، فأما ما وليه البائع الأول فلا حجة له فيه، وليس له أخذه بالشفعة من المشتري منه، لأنه ولي بيعه.
(وإذا تساوى الشريكان إلى مجلس الحاكم، وزعم كل واحد أن شراء الآخر متأخر وله
[ ٣ / ٨٨٠ ]
هو الشفعة عليه، فالقول قول كل واحد في عصمة ملكه عن الشفعة). فإن تحالفا تناكلا (تساقط) القولان. وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى لمن حلف بالشفعة.
فرع: بيع الشقص بيعًا فاسدًا رد، ولم تكن فيه شفعة إلا أن يفوت بما يفوت به البيع الفاسد، وتجب فيه القيمة، فيستشفع فيه حينئذٍ بها، إن كان الفوات بغير البيع الصحيح.
فإن كان به أخذ الشفيع بثمنه، وليس له أن يأخذ بالعقد الأول، لأنه إذا أزيل البيع الصحيح بقي البيع الفاسد لا فوت فيه فيرد.
ولو أخذه من المبتاع الأول قبل الفوت رد. فإن فات عنده قبل الإطلاع عليه بقي بيده، وعليه فيه الأقل من قيمته يوم قبضه هو القيمة التي وجبت على المشتري الأول، لأنه لا يقدر على رده لفواته عنده، ولأن له أن يستشفع بالقيمة التي وجبت على المشتري الأول.
الباب الثاني: في كيفية الأخذ. والنظر في أطراف:
الأول: فيما يملك به.
(ويملك تبسليم الثمن، وإن لم يرض المشتري، ويقضي القاضي له بالشفعة عند الطلب، وبمجرد الإشهاد على الأخذ)، وبقوله أخذت، وتملكت. ثم يلزمه إن كان علم بمقدار الثمن، وإن لم يكن علم لم يلزمه.
الطرف الثاني: فيما يبذل من الثمن.
وعلى الشفيع بذل (مثل) ما بذله لمشتري إن كان مثليًا، أو قيمته يوم العقد، إن كان من ذوات القيمة، وما لا تتحرر فيه القيمة فقيمة الشقص فيبذل في الممهور، وما عليه الخلع، وما صولح عليه من دم عمديمة الشقص يوم العقد
[ ٣ / ٨٨١ ]
وقيل: يبذل في المهمور صداق المثل، كما في استحقاقه من يدها، وفي هبة الثواب يأخذ بقيمة الثواب أو بمثله، ولا يأخذ بالشفعة إلا بعد دفع الثواب، فإن أثابه أكثر من القيمة، (فقال ابن القاسم وعبد الملك: (يأخذ) بقيمة العوض، ما بلغ. وقال أشهب: ذلك فيما قبل الفوات، فأما بعده فيأخذ بالأقل من الثواب أو قيمة الهبة).
وإذا باع الشقص بألف إلى سنة فللشفيع أخذه بمثل ذلك الدين من أجله إن كان مليًا، أو أتى بضامن ملي. وإن احتال البائع على الشفيع بالثمن لم يجز، لأنه دينه لم يحل. وإن عجل الشفيع الثمن قبضه المبتاع. ثم ليس عليه أن يعجل للبائع.
ومن ابتاع شقصًا وعرضًا بألف أخذ الشفيع الشقص بما يخص باعتبار قيمته يوم العقد، ثم لا خيار للمشتري فيما فرق عليه من الصفقة.
والأصل في المشتري أنه لا يضمن للشفيع شيئًا مما حديث في الشقص من (غصب) أو هدم في حرق أو غرف، أو ما غار من أعين أو بئر.
ولا يحط الشفيع لذلك من الثمن شيئًا، بل إما أخذ بجميع الثمن، وإما ترك.
وكذلك (لو) هدم البناء ليبينه أو ليوسع، فإما أخذ ذلك مهدومًا مع نقصه، أو ترك. وكذلك لو سكن حتى ينهدم البناء، فلا شيئ عليه. ولا يحط لذلك من الثمن شيئًا، بل إما أخذ بجميع الثمن، وإما ترك.
وكذلك (لو) هدم البناء ليبينه أو ليوسع، فإما أخذ ذلك مهدومًا مع نقضه، أو ترك. وكذلك لو سكن حتى ينهدم البناء، فلا شيئ عليه. ولا يحط لذلك من الثمن شيئًا.
وإن هدم المشتري ثم بنى، قيل للشفيع: خذ بجميع الثمن وقيمة ما عمر. قال أشهب: يوم القيامة، وله قيمة البناء الأول منقوضًا، قال ابن القاسم: وإلا فلا شفعة لك. وكذلك لو غرس لقيل له: خذ بجميع الثمن وقيمة الغرس.
فرع: في تصوير هذه المسألة.
وهي تصرف المشتري في الشقص قبل الشفيع، وذلك أنه لا يتصرف بالبناء في ملك مشاع، ولو فعل ذلك لكان حكمه حكم الغاصب. وإنما يبني ويغرس بعد القسمة، وبعدها شفعة، لكن فرض لها العلماء صورًا وقعت فيها القسمة بعد شراء الشقص
[ ٣ / ٨٨٢ ]
المشفوع من غير إسقاط الشفيع لحقه في الأخذ.
منها: أن يكون الشفيع غائبًا، ويطلب الشركاء القسمة فيقاسم القاضي على الغائب.
ومنها: أن يكون المشتري كذب في الثمن، فترك الشفيع الأخذ استغلاء، ثم قاسمه.
ومنها: أن يكون أحد الشريكين غاب ووكل في مقاسمة شريكه، فباع شريكه نصيبه، ثم قاسم الوكيل المشتري، ولم يأخذ بالشفعة.
ومنها: أن يكون الشفيع غائبًا وله وكيل حاضر على التصرف في أمواله فباع الشريك، فلم ير الوكيل الأخذ بالشفعة وقاسم المبتاع.
ومنها: أن يقوم ٠اتهبت) الشقص لغير ثواب ولم أشتره، فتسقط الشفعة على إحدى الروايتين فيقاسمه، ثم يثبت (الشراء).
وليس للشفيع شئ فيما اغتل المبتاع من غلة دار أو أرض أو ثمرة نخل قبل قيامة. وله الشفعة في النخل بما) فيها من ثمر ما لم ييبس.
قال سحنون: الشفعة في الثمر مع الأصل ما لم ييبس ويستغني عن الماء، بخلاف الزرع، لأن (الثمرة ولادة، ثم على الشفيع للمتباع قيمة ما سقى وعالج. وقال عبد الملك وسحنون: ليس عليه شيئ إلا الثمن)، لأن المنفق أنفق على مال نفسه.
ولو اشترى الشقص بثمن ثم حط عنه بالإبراء بعضه نظر: فإن أشبه أن يكون (ثمن الشقص عند الناس ما بقى إذا تبايعوا بغير غب، أو بالغبن الجاري به العادة بينهم، وضع عن الشفيع ما) وضع عن المبتاع، لأن ما أظهرا من الثمن الأول يبين أنه إنما كان تسبيبًا لقطع الشفعة؛ وإن لم يشبه أن (يكون ثمنها ما بقي بعد الحطيطة لم يحط للشفيع شيئ.
وقال ابن القاسم أيضًا: إن كان ما حط مما جرت العادة بحطه) في البياعات لحق الشفيع وإن كان كثيرًا مما لم تجر العادة بحط مثله لم يلحقه. وقال أشهب: يلحقه الحط على الإطلاق، من غير تفصيل.
ولو وجد المبتاع بالشقص عيبًا، (وأراد رده على البائع قبل أخذ الشفيع فذلك له. وكذلك إن وجد البائع بالعبد الذي هو عوض الشقص عيبًا) فأراد استرداد الشقص قبل أخذ
[ ٣ / ٨٨٣ ]
الشفيع، فأما (إن) كان بعد أخذه فليس له ذلك، ولا تنقص صفقة الشفيع.
ثم هل يقع الاستشفاع بقيمة العبد أو الشقص؟
قولان: الأول لابن القاسم، والثاني لعبد الملك وسحنون. فشبهة ابن القاسم بما لو كان قائمًا بيد مشتريه ولم يرده، لأن ذلك الأخذ بيع حادث. ورأى عبد الملك وابن الماجون وسحنون أن القيمة عادت ثمنًا، وهي التي وزن المشتري فيه.
وإذا فرعنا على قول عبد الملك وسحنون، فكانت قيمة الشقص أكثر من قيمة العبد، كان الشفيع بالخيار بين الأخذ بذلك أو الرد، كما لو استشفع على ثمن ثم تبين أن الثمن أكثر منه.
ولو وجد المشتري بالشقص عيبًا بعد أخذ الشفيع لم يكن له طلب أرض، فإن رد الشفيع عليه رد هو (حينئذ على البائع.
ولو أطلع على عيب قبل أخذ الشفيع، إلا أنه حدث عنده عيب منع من الرد فأخذ أرشه)، فذلك الأرض محطوط عن الشفيع قولًا واحدًا.
وإذا اشترى الشقص بكف من الدراهم لا يعرف وزنه، فليأخذ الشفيع بالقيمة وقيل: تبطل الشفعة.
ولو خرج ثمن المبيع مستحقًا قبل أخذ الشفيع وهو متعين تبين بطلان البيع والشفعة. (ولو استحق بعد أخذ الشفيع فهو فوت، ومضى البيع والشفعة)، ثم لبائع الشقص على مبتاعه قيمته، كانت أكثر من الثمن أو أقل، ثم لا تراجع بينه وبين الشفيع. وقال سحنون: إن غرم الشفيع أقل رجع عليه بما بقى، وإن غرم أكثر خير الشفيع بين غرم المزائد أو رد الشقص. وإن كان الثمن مما يكال أو يوزن واستحق بعد أخذ الشفيع رجع البائع بمثل ذلك. وقال سحنون: يرجع بقيمة الشقص لقواته.
وإن خرج ثمن الشفيع مستحقًا لزمه الإبدال، ولم يبطل ملكه ولا شفعته، وكذلك إذا خرج زيوفًا.
فرع: من اشترى أرضًا فزرعها (واستحق) نصفها، وأراد المستحق أن يأخذ النصف الآخر بالشفعة والزرع لم يطلع، فأما النصف المستحق فزرعه للمشتري وعليه فيه الكراء في إبان الزرع، أما النصف المستشفع فهل يبقى زرعه للمشتري ولا كراء عليه فيه، أو يأخذ الشفيع
[ ٣ / ٨٨٤ ]
نصف الأرض بنصف الثمن وقيمة نصد البذر والعمل؟. قولان:
سببهما: الخلاف في أن الأخذ بالشفعة كالاستحقاق أو حكمه حكم البيع. ولو تصرف المشتري بوقف أو هبة نقض، وأخذ الشفيع الشقص وكان الثمن للمشتري، وإن كان ببيع فالشفيع بالخيار بين أن يأخذ بالبيع الأول فينقضه، أو بالبيع الثاني. وكذلك لو توالت عليه بياعات كثيرة، كان له أن يأخذ بأيها شاء فينتقض ما بعده.
ولو تنازع الشفيع والمشتري في العفو عن الشفعة فالقول قول الشفيع.
وأما في قدر الثمن، فقال ابن القاسم: "القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه مع اليمين، فإن أتى بما لا يشبه فالقول قول الشفيع).
وقال أشهب: القول قول المشتري (بلا يمين إن أتى بما يشبه، وباليمين إن أتى بما لا يشبه.
وأما في كون الشفيع شريكًا فالقول قول المشتري) فيحلف أنه لا يعرف له [شريكًا].
ولو أقر المالك ببيع الشقص وأنكر الآخر الشراء حلف أنه لم يشتر، وتسقط الشفعة، لأن عهدة الشفيع على المبتاع، ولم يثبت له ابتياع.
ولو أقر أنه باع من فلان الغائب فقدم فأقر كتب الشفيع العهدة عليه،
وإن أنكر حلف ورجع، الشقص إلى البائع.
وقال محمد: أحب إلي ألا يرجع وإن أنكر الغائب، لأنه مقر أن الشفيع أحق به بذلك الثمن. قال أبو الحسن اللخمي: وقول محمد أصوب. قال: وأرى أن الحاضر مثله. له الشفعة، لأن المالك مقر بانتقال ملكه، وأن الشفعة واجبة للشفيع، وأن المشتري ظلمه في جحوده.
الطرف الثالث: في تزاحم الشركاء.
وإن توافقوا في الطلب (واستوت) حصصهم وزع الشقص المشفوع بينهم على قدرها، وكذلك إن تفاوتت حصصهم، فإنه يقسم بينهم على قدرها أيضًا على المنصوص.
واستقى أبو الحسن اللخمي من قول عبد الملك وتعليله في مسألة تقويم الحصة الرقيق من العبد المعتق بعضه على المعتقين المختلفي الحصص (أن تكون الشفعة بين الأشراك
[ ٣ / ٨٨٥ ]
المختلفي الحصص على السواء.
فإن طلب بعضهم وترك البعض، فليس لمن طلب الاقتصار على ما يخصه لو طلب الجميع، بل إما أخذ جملة المبيع المشوفع، وإما ترك الأخذ جملة، واحدًا كان الشفيع أو جماعة.
هذا إذا كانوا في الشركة سواء لا خصوصي لبعضهم على بعض، فأما إن كان فيهم من له شرك أخص من غيره من الإشراك فهو أشفع وأولى من غيره ممن له شرك أعم، وذلك كأهل المورث الواحد يتشافعون بينهم دون الشركاء الأجانب، ثم أهل السهم الواحد أولى من بقية أهل الميراث.
وبالجملة: فكل صاحب شرك أخص ف هو أشفع، إلا أن يسلم فيشفع صاحب الشرك الذي يليه، أعني الذي هو أعم منه. فإن سلم الآخر شفع من هو أبعد منه، فإذا باعت إحدى الجدتين أ، الأختين أو الزوجتين شفعت الأخرى خاصة، فإن (سلمت) شفع بقية أهل السهام والعصبة، فإن سلموا شفعت الشركاء الأجانب.
ولو باع بعض العصبة كانت الشفعة بني بقيتهم وبين أهل السهام، فيدخل ذوو السهام على العصبة، ولا يدخل العصبة على ذوي السهام، لأن العصبة ليسوا أهل سهم معين.
وقال أشهب: لا (تدخل) العصبة على أهل السهام ولا أهل السهام على العصبة، بل أهل كل سهم أشفع فيما باع بعضهم مما ورث معهم.
وروي عن مالك أيضًا، أن الشريك الأعم (كالشريك)، الأخص فيتشافع جميع الأشراك من أهل المورث وغيرهم، فكل من له ملك في المبيع فله حقه من الشفعة فيما يبيعه أحد الشركاء. قال القاضي أبو الحسن: "وهو القياس، والأول استحسان".
فرع: (اختلف فيمن أوصى لهم بثلث حائط أو سهم معلوم فباع بعضهم حصته: فروى أشهب أن شركاءه أحق بالشفعة في ما باع من الورثة. قال محمد: وقاله أشهب وابن عبد الحكم. وقال ابن القاسم: للورثة الدخول معهم، كأهل السهام مع العصبة).
[ ٣ / ٨٨٦ ]
وإذا اتحدت الصفقة والشفيع فلا ينظر إلى تعدد البائعين والمشترين أو الأشقاص، بل إما أخذ الجميع وإما ترك، وكذلك لو اتحدت الصفقة والبائع والمشتري (وإن) تعدد الشفيع. وقال أشهب وسحنون: إذا تعددت الأشقاص والمشترون واتحد الشفيع، فله أن يأخذ من أحدهم وإن اتحدت الصفقة. وقاله ابن القاسم مرة، ثم رجع عنه.
ولو تعدد الشفعاء والأشقاص لكان لكل واحد أن يأخذ ما هو شفيع فيه خاصة.
الباب الثالث: فيما يسقط به حق الشفعة
وللسقوط أسباب ثلاثة:
الأول: الترك بصريح اللفظ.
الثاني: ما يدل عليه كالمقاسمة، وكالسكوت مع رؤية المشتري يهدم ويبني ويغرس. وقيل: لا يكون ذلك قطعًا شفعته، لكن يكون مقصرًا لمدة المهلة له في الطلب.
فأما ابتياع الشفيع الشقص من المبتاع أو مساومته له فيه، أو مساقاته، أو إكراؤه منه، فإن ذلك مسقط لحقه في الشفعة عند ابن القاسم. وقال أشهب في كتاب محمد: هو على شفعته في ذلك كله.
واختلف أيضًا، في بيع الحصة التي يستشفع بها هل يسقط حقه من الاستشفاع بها أم لا؟ ثم إذا قلنا: إنه يسقطه ففي إسقاطه الاستشفاع في بعض الحصة المشتراة ببيع بعض الحصة المستشفع بها خلاف أيضًا.
تركيب:
قد تقدم في هذا الكتاب أن بيع الخيار لا يؤخذ فيه بالشفعة إلا بعد إمضائه، وتقدم في كتاب البيع الخلاف في أن بيع الخيار إذا أمضى هل يعد ماضيًا من حقين عقده أو من حين إمضائه؟ وعلى هذا الخلاف يتركب الخلاف في فرع.
وهو: من باع نصف دار من شخص بالخيار، ثم باع النصف الآخر من شخص آخر على البتل هل تكون الشف عة لمبتاع الخيار أو لمبتاع البتل؟.
ويتركب على الخلاف ف يالفرعين، أعني بيع الحصة المستشفع بها وحكم بين الخيار إذا أمضى الخلاف في فرع ثالث.
وهو: ما إذا باع أحد الشريكين حصته بيع خيار، ثم باع الآخر حصته بيع بتل. وقد اختلف في تعيين من له الاستشفاع في هذا على أربعة أقوال مبنية على صور الخلاف الأربع.
[ ٣ / ٨٨٧ ]
وبيان ذلك: أنا إذا فرعنا على أن بيع الحصة المستشفع بها يسقط حق بائعها من الاستشفاع بها انحصر حق الاستشفاع (في جانب) من ابتاع في الصورة المفروضة، ثم كان في تعيينه لمبتاع الخيار أو لمبتاع البتل قولان منشؤهما الخلاف في إمضاء بيع الخيار: هل هو إمضاء له من حين عقده أو من حين إمضائه؟.
وإن فرعنا على أن بيع الحصة لا يسقط حق الاستشفاع كان الأخذ بالشفعة من جانب من باع.
ثم كان في تعيينه لبائع البت أو البائع الخيار قولان مبنيان على الخلاف المتقدم في أن إمضاء بيع الخيار إمضاء له من حين عقده أو من حين إمضائه.
الثالث: ترك القيام بعد العلم من غير عذر.
(فقال ابن وهب في كتاب الشيخ أبي إحسحاق: إذا علم بوقوع الشفعة فسكت فلا شفعة له. والمشهور من المذهب: أنه لابد أن يمضي من طول الزمان ما يعلم معه أنه تارك لها.
واختلفت الرواية في تحديد ذلك الزمان: فروى أشهب في تحديده سنة، وقال بما روى وروي عنه أنه بالغ في تحديد التحديد حتى قال: إذا غربت الشمس من آخر أيام السنة ولم يقم فلا شيئ له. وقال ابن ميسر: ما قارب السنة حكمه حكمها).
وفي التعبية من رواية أصبغ عن أشهب أنه قال: "إذا علاج فيها المبتاع هدمًا أو مرمة فلا أرى إلا وستنقطع قبل السنة، وإن لم يكن كذلك فإلى سنة". وروى ابن القاسم: ما زاد عليها، وقال به. وقال أصبغ: السنتان والثلاث قليل.
وقال ابن الماجشون: الخمس سنين قليل، إلا أن يحدث المشتري فيها بنيانًا أو غرسًا فتنقطع شفعته في أقل من ذلك.
وحمل عليه الشيخ أبو الوليد أنه رأى في ذلك (رأيه) في الحيازة وهو عشرة أعوام. (وقال): قال أحمد بن المعذل: (إن) ابن الماجشون رجع في شفعة الحاضر إلى العشرة
[ ٣ / ٨٨٨ ]
بعد كان يقول بأربعين سنة". وروي أن الشفيع على شفعته وإن طال ما لم يصرح بتركها.
والأصل في هذا الباب شواهد أحوال الشفيع القائمة مقام التسليم، وعلى ذلك يخرج منها نقل من الخلاف. ومتى مضى من المدة ما يحتمل أن يكون سكوته فيها عن الطلب تركًا لحقه فللمشتري استحلافه على ذلك.
وفي العتبية من رواية ابن القاسم "في شفيع قام بعد شهرين أيحلف؟ قال: "لا". "وروي عنه فيمن قام بعد تسعة أشهر، قال: يحلف".
وروي في كتاب محمد أنه يحلف في سبعة أشهر أو خمسة ولا يحلف في شهرين.
قال ابن عبد الحكم: وإذا قال الشفيع: لم أعلم بالبيع وهو بالبلد فهو مصدق ولو بعد أربع سنين.
محمد: وإن الأربع لكثيرة، ولا يصدق في أكثر منها. وقاله (لي) ابن عبد الحكم.
ثم للمشتري أن يرفع الشفيع إلى الحاكم متى شاء، فيلزمه بالأخذ أو بالإسقاط، فإن طلب مهلة ليروي في الأخذ أو الترك، ففي وجوب إسعافه بذلك خلاف: روي في المختصر: أنه يؤخر اليومين والثلاثة. وقيل: يجيز الآن على الأخذ أو الترك ولا يؤخر.
ولو نجز الأخذ وطلب المهلة بالثمن آخر ما لا يضر بالمشتري. قال ابن القاسم؛: يتلوم له اليومين والثلاثة
[ ٣ / ٨٨٩ ]
هذا حكم الحاضر؛ أما الغئب فعلى شفعته وإن طال الزمان ما لم يصرح بإسقاطها إلى أن يحضر، فيعتبر في حقه من المدة ما اعتبر في حق الحاضر. وكذلك الصغير إذا استقل بالنظر لنفسه، فيوم استقلاله كيوم حضور الغائب.
والسفيه والمجنون كالصبي والغائب، إلا أن يكون لأحد هؤلاء من ينظر في أمره، فيكون الاعتبار بحاله في الأخذ أو الترك وطول الزمان وقصره في حقه.
فرعان: أحدهما: لو كان الشفيع حاضرًا فأنشأ السفر بعد علمه بالشراء، فإن كان سفرًا قريبًا لم تبطل شفعته وإن حبسه عذر عن قرب العودة.
وأما إن كان سفرًا بعيدًا بحيث لا يرجع منه في العادة إلا بعد انقضاء أمد الشفعة على الخلاف المتقدم بطلب حقه.
الثاني: إذا دفع المشتري للشفيع عوضًا، دراهم أو غيرها، على ترك الأخذ بالشفعة جاز له أخذها، وتملكها إن كان ذلك بعد الشراء، فإن كان كله قبله بطل ورد المال وكان على شفعته. وكذلك لو سلم إليه الشفعة على غير مال، (لاختلف) الحال، (فلزم) بعد الشراء، ولم يلزم (قبله).
[ ٣ / ٨٩٠ ]