وفيه ستة أبواب:
الباب الأول: فيما يفيد أهلية الشهادة، وما يفيد قبولها وما يمنع منه.
فأما ما يفيد أهليتها فثلاثة أوصاف، وهي: التكليف، والحرية والإسلام. فلا تقبل شهادة غير مكلف، ولا يستثنى من ذلك إلا شهادة الصبيان [بعضهم] على بعض في الدماء على شروط يأتي بيانها، وإنما استثنيت لأن الشرع ندب إلى تعليمهم الرمي والثقاف والصراع إلى سائر ما يدربهم على حمل السلاح والطعن والضرب، والكر والفر وتوقيح أقدامهم وتصليب أعضائهم، وتعليمهم البطش والحمية والأنفقة من العار والفرار، ومعلوم أنهم في غالب أحوالهم يخلون بأنفسهم في ذلك وقد يجني بعضهم على بعض. فلو لم يقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم، لا سيما وقد احتاط الشرع (فحقن) الدماء حتى قبل فيها اللوث واليمين وإن كان لم يقبل ذلك في درهم واحد.
وعلى قبول [شهادتهم] تواطأت مذاهب السلف الصالح رضوان الله عليهم، فلقال به من الصحابة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ﵄. ومن التابعين سعيد بن المسيت وعبد الله وعروة إبنا الزبير ومحمد بن علي بن الحسين وعمر بن عبد العزيز
[ ٣ / ١٠٣٠ ]
والشعبي والنخعي وشريح وابن أبي ليلى وابن شهاب وابن أبي مليكة، وقال: ما أدركت القضاة إلا وهم يحكمون بقول ابن الزبير وأبي الزناد، وقال: هي السنة وهو مذهب أهل المدينة.
إذا ثبت ذلك فالشروط: كونهم يعقلون الشهادة، أحرارًا، ذكورًا محكومًا لهم بالإسلام، اثنين فصاعدًا، متفقين غير مختلفين، يكون ذلك بديهتهم قبل تفرقتهم وتخيبهم. ويكون ذلك لبعض على بعض، ويكون في القتل والجراح خاصة. ولا تقبل شهادتهم على كبير أنه قتل صغيرًا، أو على صغير أنه قتل كبيرًا.
فإذا شهدوا ثم رجعوا عن شهادتهم أخذ بالشهادة الأولى، ولم يلتفت إلى ما رجعوا إليه.
واختلف من هذه الأوصاف في اثنين: أحدهما الذكورية، فروي اشتراطها، وبه قال أشهب. وحكى سحنون في المجموعة اختلاف قول ابن القاسم في اشتراطها. وقال المغيرة في كتاب ابن سحنون: تجوز شهادة إناثهم.
والآخر قبول شهادتهم في القتل، فروي ابن القاسم قبولها فيه، وبه قال المغيرة. وأشهب يمنع من ذلك ويخصها بالجراح.
فرع: اختلف في العداوة والقرابة هل تقدح في شهادتهم أم لا؟ ولم يختلف أنه لا يعتبر فيهم تعديل ولا تجريح.
عدنا إلى الأصل. ولا تقبل شهادة عبد، ولا كافر أصلًا، ولا على كافر، ولا شهادة مبتدع كالقدري والخارجي وشبههم من أهل [الضلالات]، وإن كانوا يصلون بصلاتنا، ويستقبلون قبلتنا. قال القاضي أبو الحسن: "وذلك (لفسقهم)، والفسق يوجب رد الشهادة، ولو كان عن تأويل غلط فيه متأول".
وأما ما يفيد قبول الشهادة وهو ما يشترط الاتصاف به بعد ثبوت الأهلي فوصفان:
الوصف الأول: العدالة، والمراد بها الاعتدال والاستواء في الأحوال الدينية، وذلك بأن يكون ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوفيًا (للإثم)، بعيدًا من الريب، مأمونًا في الرضا
[ ٣ / ١٠٣١ ]
والغضب. قال بعض علمائنا: وليست العدالة أن يمحض الرجل الطاعة حتى لا تشوبها معصية، وذلك متعذر لا يقدر عليه إلا الأولياء والصديقون، ولكن من كانت الطاعة أكثر حاله وأغلبها عليه، وهو مجتنب للكبائر، محافظ على ترك الصغائر، فهو العدل.
قال في الكتاب: "لو ثبت على الشهود أنهم شربة خمر، أو أكلة ربا، أو معروفون بالكذب في غير شيء، أو أصحاب يان، أو مجان يلعبون بالنرد والشطرنج فذلك يسقطهم، وغيره مما يشبه، وكذلك اللاعب بالحمام إذا كان يقامر عليها، وكذلك لو كان يعصر الخمر وإن كان لا يشربها، أو يكري (نفسه) من (الخمار). واشترط في تجريح لاعب الشطرنج أن يكون مدمنًا عليه. وكره اللعب بها وإن قل، وقال: هي أشد من النرد. وقال غيره: لا تجوز شهادته وإن لم يكن مدمنًا.
الوصف الثاني: المروءة، فيشترط في العدل أن يكون مستعملًا لمروءة مثله في دينه ودنياه، وكل من صدر منه فعل أذن بسقوط الدين أو المروءة، فهو قادح في شهادته.
فأما حقيقة المروءة فقال القاضي أبو بكر: "الضابط في المروءة ألا يأتي الإنسان ما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل".
وقال أبو القاسم بن محرز: ليس المراد بالمروءة نظافة الثوب، وفراعة المركوب، وجودة الآلة، وحسن الشارة، ولكن المراد بها التصون ولاسمت الحسن، وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون، والارتفاق عن كل خلق ردئ يرى (أن) من تخلق به لا (يحافظ) (معه) على دينه وإن لم يكن في نفسه جرحة، وذلك كالإدمان على لعب الحمام والشطرنج وإن لم يقامر عليها، وشبه ذلك من الأمور. وقال: وقد رأى بعض الناس أن شهادة البخيل لا تقبل، قالوا: وذلك أن إفراط البخل يؤديه إلى منع الحقوق وأخذ ما ليس بحق.
ولا ترد شهادة أرباب الحرف الدنيئة كالكناس والدباغ والحجام والحائك، (وما)
[ ٣ / ١٠٣٢ ]
أشبهم، إلا أن يكون التحرف بذلك على جهة الاختيار لها ممن لا يليق به، فإنها تدل على خبل في العقل، وتخرم المروءة.
قال القاضي أبو الوليد: "ويشترط فيمن اجتمع فيه هذان الوصفان أن يكون عالمًا يتحمل الشهادة، لأنه من لم يكن عنده علم بتحملها لم يؤمن عليه الغلط فيها وترك ما هو شرط في صحتها. وأن يكون متحرزًا فيها ليؤمن عليه التحيل من أهل الحيل فيشهد بالباطل وهو لا يعلم. وقال محمد بن عبد الحكم: قد يكون الرجل الخير الفاضل ضعيفًا لا يؤمن عليه، لغفلته، أن يلبس عليه، فإذا كان كذلك لم يجز للإمام قبول شهادته.
وأما ما يمنع من قبول الشهادة بعد وجود الوصفين المقتضين للقبول فالتهمة، ولها أسباب:
السبب الأول: أن يجر إلى نفسه بشهادته أو يدفع.
أما الجزء، فكمن يشهد أن فلانًا جرح موروثه، وكمن شهد بدين له ولغيره. فالمشهور أنها لا تقبل له ولا لغيره. وفي كتاب محمد أنها لا تجوز، إلا أن يكون الذي له يسيرًا جدًا. وكذلك لمن يتهم عليه، وإن كان الحق المشهود به وصية، فإن كان ماله فيها كثيرًا لم تجز شهادته له ولا لغيره. وإن كان يسيرًا، ففي الكتاب: "تجوز له ولغيره"، وكذلك قال مطرف. وروى غيره لا تجوز له ولغيره، وبهذا قال ابن عبد الحكم. وروي أيضًا: لا تجوز له، وتجوز لغيره، وبها قال ابن الماجشون. وألحق بالجار إلى نفسه شهادة الوصي بدين الميت إذا كان يلي ما يقبض منه.
وأما الدفع، فكشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل الخطأ، فأما لو شهد رجلان لرجلين بدين لهما على رجل، وشهد المشهود لهما أيضًا للشاهدين لهما بدين على رجل آخر لقبلت الشهادتان. وكذلك شهادة رفقة القافلة في قطع الطريق بعضهم لبعض على قول ابن القاسم وروايته في الكتاب.
السبب الثاني: (البعضيه) وما يلحق بها في تطرق التهمة من جهة النسب والسبب وما ف معناهما. فلا تجوز شهادة الولد لوالده و[لا] الوالد لوده، ولا الجد لولد ولده، ولا ولد
[ ٣ / ١٠٣٣ ]
الولد لجده، وذلك يتضمن عمودي النسب الأعلى والأسفل، والأجداد والجدات من قبل الأب والأم والولد وولد الولد من ذكور وإناث.
وأما شهادة الأخ لاخيه، فأجازها في الكتاب من رواية ابن القاسم إلا أن يكون في عياله.
وقدال بعض أصحابنا: "لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز على شرط، ثم اختلف في تحقيق ذلك الشرط، ففي كتاب محمد لا تجوز شهادته له إلا أن يكون مبرزًا. وقيل: تجوز إذا لم تنله صلته. وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير، إلا أن يكون مبرزًا فتجوز في الكثير".
وقال غير هؤلاء: "تقبل الشهادة للأخ إلا فيما تتضح فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكتسب به الشاهد شرفًا وجاهًا، أو يدفع به معرة، أو تقتضي الطباع والعصبية فيه الغضب والحمية، كشهادته بأن فلانًا قتله، أو بجرح من جرحه). وفي جواز تعديله له ومنعه قولان "لابن القاسم وأشهب".
فرع: قال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا يجيزون شهادة الأب والابن والزوج والزوجة
[ ٣ / ١٠٣٤ ]
على أنه وكل فلانًا، ولا تجوز شهادتهم أن فلانًا وكله، لأن الذي يوكل لا يتهمان عليه في شيء.
(وقال ابنالقاسم في المجموعة: لا تجوز شهادة القرابة والموالي في الرباع التي يتهمون [بجرها] إليهم أو إلى بنيهم اليوم أو بعده، مثل حبس مرجعه إليهم أو إلى بنيهم. وقال أيضًا: لا تجوز شهادة الرجل لابن امرأته أو لابنتها، وكذلك المرأة لابن زوجها. وكذلك شهادة الرجل لزوج ابنته وزوجة ابنه، ورواه عيسى عنه. وقال سحنون: ذلك جائز.
استحسن بعض المتأخرين في الشهادة لزوج البنت وزوجة الابن أن تقبل إن كان الشاهد مبرزًا في العدالة، وألا تقبل إ لم يكن كذلك.
قال أبو القاسم بن محرز: وقد اختلف في شهادة الأب لبعض ولده على بعض، والولد لأحد أبويه على الآخر، قال: والصواب إجازة ذلك، لأن الشاهد قد استوت حاله فيمن شهد له ومن شهد عليه، فصار بمنزلة شهادته لأجنبي على أجنبي، ما لم يكن هنالك ميل ظاهر إلى المشهود له مثل أن يكون بارًا به أو صغيرًا أو سفيهًا في ولايته، أو يكون المشهود عليه عاقًا له، أو تكون حالة الشاهد مع أحد أبويه حالة توجب تهمة، فيمنع ذلك من قبول شهادته بينهما لمن يتم له منهما. وهذا كله إذا اعتبر عند نزوله لم يخف وجه الصواب.
ورأى الإمام أبو عبد الله أن هذا مقتضى التعليل بالتهمة، ثم قال: "لكن سحنون يمنع قبول شهادته، هذه وإن وقعت للأكبر من ولده على (الأصغر)، [والرشيد] منهما على السفيه الذي في ولايته". قال: "وكأنه لم يطلب مقتضى هذه العلة، بل أشار إلى أنه كالحكم الذي ليس بمعلل فقال: ترد الشهادة، لأن رد شهادة الوالد لابنه من السنة".
قال الإمام: وأما إن كان الأمر بالعكس بأن (شهد) للصغير على الكبيرة، ولمن في ولايته على من خرج منها، وللبار على العاق، فإنه لا يختلف عندنا في رد شهادته لظهور التهمة
[ ٣ / ١٠٣٥ ]
بكون المشهود له آثر عنده، وأحب إليه من المشهود عليه".
فرع مرتب: إذا اعتبرنا اختلاف أحوال المشهود له والمشهود عليه، ورتبنا القبول والرد عليهما، فلو فرضنا خفاء علم ذلك عنا، ولم يظهر لنا منه ميل إلى أحد الأولاد، وكانوا في السن والرشد على حالة واحدة، وكذلك في البر والعقوق، فاختلف في شهادته بينهما:
فقيل: تُقْبَلُ، لان الأصل قبولها ولم يتحقق سبب التهمة، وهذا القول موافق لما اختاره أبو القاسم بن محرز.
وقيل: ترد، لأنه قد يحب أحد بنيه أكثر، ويخفي ذلك إشفاقًا على قلوب إخوته، فالتهمة ها هنا متطرقة بخلاف شهادته لأجنبي.
تتمة لهذا الوصف:
اختلف في أخوة الصداقة، هل تلحق بالقرابة المانعة من قبول الشهادة، أم لا؟ والمشهور أنها لا تلحق إذا كان ليس في نفقته ولا يشتمل عليه بره وصلته، وحكى ابن سحنون عن ابن كنانة أن شهادته إنما تقبل لصديقه في المال اليسير، ورأى أن الصداقة ربما كانت كأخوة من جهة النسب.
قال الإمام أبو عبد الله: "وهكذا كل من كان في عيال إنسان ونفقته لا تقبل شهادة المنفق عليه للمنفق، لأن منفة المنفق بالمشهود به في النفقة وهو شريكه فيها، فكأنه شهد لنفسه.
وأما شهادة المنفق للمنفق عليه فنص ابن حبيب على قبولها. ورأى بعض المتأخرين أنه إذا شهد لأخيه الذي في عياله لم يقبل"، قال: "لأنه (يدفع) بها نفقته عنه، إذ لو تركه بغير إنفاق للحقته معرة وسوء أحدوثة، فهو يدفع ذلك عن نفسه بشهادته له".
ومما تطرق إليه التهمة شهادة المديان المعسر لمن له عليه الدين، فلا تقبل لأنه كأسيره فيصانعه بها. وكذلك شهادة رب الدين له لا تقبل، لأنه يريد الاستيفاء مما يتحصل بشهادته له، فالأول دافع عن نفسه والثاني جار لها.
السبب الثالث: العداوة.
فلا (يقبل) العدو على عدوه، لكن يقبل له، فإن قيل: ما العداوة التي تمنع قبول
[ ٣ / ١٠٣٦ ]
الشهادة؟ قلنا: هي التي تكون لسبب من أسباب الدنيا، كالمنازعة في مال أو جاه أو ما في معنى ذلك، وهي التي تظهر التعصب وتحمل على الفرج بالمصيبة والغم بالسرور.
(فأما إن كانت العداوة غضبًا لله سبحانه فلا تمنع القبول، فأن الغضب لله، لكون المغضوب عليه كافرًا أو فاسقًا، يدل على قوة الإيمان، فهو أولى بان يؤكد العدالة.
قا الإمام أبو عبد الله: "لكن لو سرى ذلك إلى إفراط أذى من الفاسق المعادي لفسقه لمن غضب عليه وهجره لله سبحناه، حتى أوغر صدره وأحب من أجله ضرره، لوجب الوقف عن شهادته، إذ تحققت التهمة بينهما لخروجه عن العداوة الدينية إلى عداوة دنيوية، ولا، العداوة الدينية لو كانت تمنع لما قبلت شهادتنا على الكفار").
فرعان:
الفرع الأول: قال أبو الحسن اللخمي: "اختلف فيمن كان عنده شهادة وكان يذكرها، ثم عاداه المشهود عليه فاحتج إلى القيام بالشهادة قال: وقبولها ها هنا أخف إذا كانت قيدت".
قال: "واختلف في شهادة الرجل على ابن عدوه بمال أو بما لا يلحق الأب منه معرة، فأجازها محمد وإن كان الأب حيًا والابن في ولاء أبيه. وقال ابن الماجشون: لا ترد إذا لم يكن في ولائه. وقال أيضًا: لا تجوز بمال إذا كان الأب حيًا، يريد: وإن كان رشيدًا". قال: "وإن شهد بعد موته بمال على الصبي جازت. وإن شهد بمال على الأب لم تجز، وإن كان المال صار للولد.
وقال ابن القاسم: إذا كانا أعداء لأب الصبي لم تجز شهادتهما ولو كانا مثل ابن أبي شريح وسلميان بن القاسم".
الفرع الثاني: كل من لا تجوز شهادته على رجل فلا تجوز تزكيته لمن شهد عليه، ولا تجريحه لمن شهد له. وكذلك كل من لا تقبل شهادته لرجل فلا تقبل تزكيته لمن شهد له ولا تجريحه لمن شهد عليه.
السبب الرابع: التغفل.
قرب عدل لا يكون مطلعًا بفهم ما شهد فيه، (وتذهب) الأمور فيحمل الشيء على خلاف ما هو عليه. وقد يلقن فيقبل التلقين. ورب شيء يحمله (فهم) بعض الناس ولا
[ ٣ / ١٠٣٧ ]
يحمله فهم بعضهم. ورب شيء خفيف يفيئ بتحمله كل أحد، فما كان مثل ال شيء الذي لا يكاد يلتبس، [أو] اللفظة التي لا تتعلق بغيرها ولا يطول الخطاب معها قبلت فيه شهادة كل عدل، وما كان من القصص الطويلة والأمور التي فيها مراجعة، ولا يؤمن على الشاهد إذا كان مغفلًا أن يذهب عليه بعضها، ولعل ما فهم متعلق بما ذهب عليه، فإن هذا وشبه لا يقبل فيه إلا من المتيقظ المميز.
السبب الخامس: الحرص على زوال (التعبير) اللاحق للشاهد، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: إظهار البراءة مما رمي به، وذلك مثل دفع عار الكذب، فمن ردت شهادته لفسق [فتاب]، [ثم شهد] بشهادته التي رد فيها، لم تقبل منه، لأنه يدفع بها عار التكذيب. وكذلك الشهادة المعادة من العبد والصبي والكافر إذا زال نقصهم الذي ردت شهادتهم من أجله لا تقبل أيضًا، لما في الطباع البشرية من شدة الحرص على غسل المعرة بالتكذيب للشاهد.
الوجه الثاني: قصد التأسي والتسلي بأن يجعل غيره مثله ليتسلى بذلك عند عجزه عن براءة نفسه كقصة زليخا. وقد قال عثمان ﵁: "ودت الزانية أن النساء كلهن زنين". وقد نبه الله تعالى على التسلي بالاشتراك بقوله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون).
إذا تقرر هذا: (فمن أتى [كبيرة] فحد (لها) كزان بكر جلد، أو سارق قطع، أو شارب حد، أو قاذف جلد، ثم تاب هؤلاء وصلحت أحوالهم حتى صاروا عدولًا، فإن شهادتهم لا تقبل في مثل ما حدوا فيه، هذا مذهب مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون.
زاد مطرف وابن الماجشون في الزاني والمنبوذ رد شهادتهما فيما يتعلق بالزنى أيضًا كاللعان والقذف. وقال ابن الكنانة بقبول شهادة هؤلاء كلهم فيما حدوا فيه.
قال الإمام أبو عبد الله: "وهو ظاهر الكتاب، وظاهر إطلاق غيره من الكتب المذكور
[ ٣ / ١٠٣٨ ]
فيها قبول شهادة هؤلاء مطلقًا". قال: "وأما ولد الزنى فلم يختلف المذهب في رد شهادته في الزنى، وقبولها فيما سوى ذلك مما لا تعلق له بالزنى) والفرق على قول ابن كنانة وظاهر الكتاب أن المعرة بإتيان كبيرة يكفرها الحد وتمحوها التوبة والورع والعفاف فيصير فاعلها كأنه لم يأت قبيحًا، "إذ التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
وأما ولد الزني فالمعرة لاصقة به أبدًا ما عاش، ولا تصح منه توبة عنها، إذ لم تكن من فعله، فافترقا.
السبب السادس: الحرص على الشهادة، وذلك في التحمل والأداء والقبول.
أم الحرص على التحمل فمثل أن يجلس مختفيًا في زاوية لتحمل شهادة، ينبني قبول شهادته على جواز تحمل الشهادة على المقر من غير أن يشهد على نفسه بما أقر به وهو المشهور. وإذا فرعنا عليه ففي كتاب محمد: تقبل شهادة المختفي إذا لم يكن المشهود عليه ضعيفًا أو مخدوعًا أو خائفًا، فقيل له: أيجوز أن يختفي له ليشهد عليه؟ فأجاب بأنه يتخوف ألا يحيط الشاهد علمًا بما كان من الخصمين، ثم قال: ولكن إن تحقق الإقرار كما يجب فليشهد. وحيث أجزنا شهادته فلا تحمل على الحرص.
وأما الحرص على الأداء فهو الابتداء به قبل طلبه، حيث لا تجب الابتداء به. والحقوق المشهود بها قسمان: حق الله تعالى، وحق لآدمي. وحق الله سبحانه نوعان: نوع (يستفاد) فيه التحريم، ونوع لا (يستفاد) فيه.
فأما ما يستفاد فيه التحريم فتقبل فيه الشهادة مع المبادرة، إذ تجب المبادرة بها وتأخير القيام بها من غير عذر جرحة، وهذا كالطلاق والعتاق والخلع والعفو عن (القصاص) وتحريم الرضاع والوقف على غير المعينين وشبه هذا، ولا يحمل ذلك على الحرص [على) الشهادة إذ هو مأمور به.
أما النوع الثاني وهو ما لا (يستفاد) تحريمه كالزنى وشرب الخمر وشبههما، فلا يجب الابتداء بها ولا يضر إخفاؤها، لأنه ستر وقد أمر به. وقال ابن القاسم في المجموعة: يكتمها
[ ٣ / ١٠٣٩ ]
ولا يشهد بها إلا في تجريح إن شهد على أحد.
وأما القسم الثاني: وهو ما كان حقًا لآدمي فلا يبتدئ به وإن كان صاحب الحق لم يعلم بشهادته له، لكن إ١اعلم ذلك منه أعلمه بما له عنده من الشهادة، فإن طلبه بأدائها، أداها، وإن سكت عنه تركها، فإن بادر بها (دون طلب) لم تقبل.
وأما الحرص على القبول، فقال الإمام أبو عبد الله: "قد قيل في الشهادة: إنه إذا شهد وحلف على صحة شهادته إن ذلك يقدح في شهادته، بكون اليمين كالعلم على التعصب والحميدة وشدة الحرص على إنقاذها. قال: "وكذلك اختلف ابن القاسم (ومطرف في حقوق الله ﷿، إذا قام بها شهود وخاصموا المشهود عليه فيها، فرأى ابن القاسم) أن ذلك يمنع من قبول شهادتهم، لأن المخاصمة علم على شدة الحرص على إنقاذ الشهادة والحكم بها، وشدة الحرص على إنفاذها قد تحمل على تحريفها أو زيادة فيها أو نقص منها لتنفيذ الشهادة بالتحريف. ورأى مطرف أن ذلك غير قادح لأن هذا تصرف فيه التهمة لأمور الآخرة، وقد تقدم أن العداوة لله سبحانه لا تؤثر في الشهادة، ولذلك قبلت شهادة المسلمين على الكفار، وإن كانوا أعداء من ناحية الدين.
ا
لسبب السابع:
(تطرق التهمة من جهة الشذوذ في الشهادة ومخالفة العادة، كشهادة البدوي على القروي، وفيه ورد النص، فروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقبل شهادة البدوي على القروي. وفي طريق أبي داود: "ولا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية".
قال محمد بن عبد الحكم: تأوي لمالك هذا الحديث على أن المراد به الشهادة في الحقوق والأموال، ولم ترد (به) الشهادة في الدماء و[ما] في معناها مما يطل به الخلوات)، فلهذا قلنا: لا تقبل شهادة البدوي على القروي أوله في الحقوق التي يمكن
[ ٣ / ١٠٤٠ ]
الإشهاد عليها في الحضر دون القتل والجراح [وشبههما].
قال الإمام أبو عبد الله وشيخه: والمراد بالحديث قصر الرد على موضع تحقق التهمة، قالا: وذلك إذاكتب خطه في الوثيقة أو في الصداق وهما في الحضر، فالعدول عن إشهاد العدول إلى إشهاده ريبة، قالا: فأما لو قال: مرًا به فسمعتهما يتقارران، أو كانوا في سفر، فلا تهمة تقتضي الرد. قال الإمام: "وعلى هذا الأسلوب جرى الأمر فيما ذكره في الكتاب في شهادة السؤال أنها لا تقبل إلا في التافه، اليسير، لأن العادة مطردة أن مثلهم لا يستشهدون ويوثق بشهادتهم، فالعدول إليهم في المعاملات عن الأغنياء (المشهورين) ريبة، وكذلك يسترابون في غير الأموال أيضًا لما استولى عليهم من كدية الناس، وتطلب أدنى محتقر من الطعام منهم، وتذللهم لهم في ذلك، فتنخرم الثقة بهم في كل ما له بال وقدر مما يشهدون به، اللهم إلا أن يكونوا فقراء لا يسألون ولا يقبلون الصدقة إن أعطوها، فإن شهادتهم تقبل في الظاهر من المذهب. وقال ابن كنانة: لا تقبل في المال الكثير كخمسمائة دينار إذا لم يكونوا ظاهري العدالة.
قال الإمام أبو عبد الله: "وهذا الذي انفرد به بعيد عن ظاهر الشرع وقواعده. وأشار بعض الأشياخ إلى تأويل هذه الرواية والاعتذار عنها بأن المراد بها كون إشهاد مثل هؤلاء فيما له بال والاستعداد بشهادتهم من الشاذ النادر، فرجعت إلى معنى الشذوذ". قال: "وأما المتكفف فحكمه ما ذكر في الكتاب".
"وأما من يسأل ولا يشهر بالمسألة، ولكن يسأل عند نائبه تنوبه الإمام أو رجلًا شريفًا، فإن ذلك يلحق أيضًا بالفقير المقبول الشهادة.
وأما من اشتهر بالمسألة وعرف بها وإن لم يكن متكففًا، فظاهر الرواية أنه يلحق بالفقير المتكفف
[ ٣ / ١٠٤١ ]
فروع:
الفرع الأول: إن هذه الأسباب إذا زالت قبلت الشهادة، ولا يخفى حكم زوال الصبا والرق وأمثاله، وإنما يحتاج إلى النظر في زوال الفسق والعداوة، فإن التوبة مما تخفى، ولا يكفي قول الفاسق: تبت ولا أعود، ولا إقرار القاذف على نفسه بالكذب، بل يجب استبراء حالهما، وكذلك كل فاسق يقول: تبت، فإنه لا يصدق حتى يستبرأ مدة يظهر بقرائن الأحوال صلاح سريرته فيها، ويغلب على ظن أنه قد ندم عليها وكفرها بالتوبة والأعمال الصالحة.
قال الإمام أبو عبد الله: "وقد حد بعض العلماء أمر الاستبراء لحال هذا التائب بمضي سنة من حين إظهاره التوبة. وأشار إلى ما أشار إليه من حد أجل العنين بسنة من أجل اختلاف أحوال الأزمان وجعل تأثيره في العزائم والشهوة في حق التائب كتأثيره في الطبائع والقوى في حق العنين". قال الإمام: "وهو ضعيف"، ثم قال: "ومنهم من وقت بستة أشهر، وهو أضعف. ثم قال: "والتحقيق أن يستند في ذلك إلى قرائن أحوال الرجال، فإن منهم من لا يظهر معتقده وباطنه على طول الدهر، ويغالط الحذاف بظاهره حتى يظنوه صالحًا وإن كان فيالباطن (زنديقًا). ومهم من هوب العكس من ذلك لا يقدر أن يظهر خلاف ما يبطن إلا زمنًا قليلًا يتكلف [فيه] استعمال نفسه"، قال: " (فالصحيح) الرجوع إلى قرائن الأحوال، وإسناد غلبة الظن، في الانتقال إلى العدالة، إليها، لا إلى مجرد مضي زمن".
الفرع الثاني: إذا ظهر للقاضي بعد الحكم أنه قضى بشهادة عبدين أو كافرين أو صبيين نقض الحكم. وفي نقضه إذا كانا فاسقين خلاف، نقضه ابن القاسم، ولم ينقضه أشهب وسحنون.
الفرع الثالث: إذا حدثت التهمة بعد أداء الشهادة لم تبطل الشهادة، وذلك كالرجل يتزوج المرأة بعد أن شهد لها، أو تقع بينه وبين المشهود عليه خصومة بعد أن شهد عليه.
وأما حدوث الجرحة في الشاهد بعد أداء شهادته فإنها تبطل شهادته فيها، وتبطل فيما
[ ٣ / ١٠٤٢ ]
يستقل أيضًا. قال ابن الماجشون: لا تبطل شهادته هذه إ١اكانت الجرحة شيء اظاهرًا كالجراح والقتل ونحو ذلك.
خاتمة للباب: يذكر عبارة جامعة أوردها أبو القاسم بن محرز عن الشيخ أبي بكر في صفة من تقبل شهادته، قال: هو المجتنب للكبائر، المتوقي لأكثر الصغائر، إذا كان ذا مروءة وتمييز مستيقَظا، متوسط الحال بين البغض والمحبة. قال أبو القاسم: وقد أتت هذه الصفة على جميع ما ينبغي في الشاهد العدل.
الباب الثاني: في العدد والذكورة.
والعدد مشترط في كل شهادة، فلا يثبت بشهادة واحد حكم أصلًا، ثم الشهادات في العدد على ثلاث مراتب.
المرتبة الأولى: بينة الزنى، ويشترط فيها العدد والذكورة، وهي أعلى البينات، وعددها أربعة، قال يثبت إلا بأربعة رجال يشهدون أنه أدخل فرجه في فرجها كالمردود في المكحلة، وقد أتوا مجتمعين غير مفترقين.
قال الإمام أبو عبد الله: "وظاهر المذهب أن للعدل النظر إلى العورة قصدًا لتحمل الشهادة".
واللواط في الشهادة كالزنى، وهل يثبت الإقرار بالزنى بشاهدين أم لابد من أربعة كما في الرؤية؟ فيه خلاف على القول بأنه إذا رجع عن إقراره لغير عذر لم يقبل رجوعه.
المرتبة الثانية: ما عدا الزنى مما ليس بمال ولا يؤول إلى مال كالنكاح والجرعة والطلاق والعتق والإسلام والردة والبلوغ والولاء والعدة والجرح والتعديل والعفو عن القصاص وثبوته في النفس وفي الأطراف على خلاف فيها، وثبوت النسب والموت والكتابة والتدبير وشبه ذلك، وكذلك الوكالة والوصية عند أشهب وعبد الملك، فهذه كلها أيضًا يشترط فيها الوصفان فإنما تثبت بشهادة رجلين، ولا تثبت برجل وامرأتين.
وقال مالك وابن القاسم وابن وهب: يجوز في الوكالة بطلب المال، وإسناد الوصية التي ليس فيها إلا المال، شاهد وامرأتان.
أما ما لا يظهر للرجل كالولادة وعيوب النساء والرضاع، فإنه إنما يشترط فيه العدد
[ ٣ / ١٠٤٣ ]
فحسب، ويقول النساء فيه مقام الرجال، فيثبت بامرأتين، وكذلك الاستهلال والحيض.
المرتبة الثالثة: الأموال وحقوقها، كالأجل والخيار والشفعة والإجارة وقتل الخطأ وكل جرح لا يوجب إلا المال، فلا يشترط فيها أيضًا إلا العدد، فيثبت برجل وامرأتين. وكذا فسخ العقود، وقبض نجوم الكتابة، حتى النجم الأخير، وإن ترتب العتق عليه.
فرعان:
الفرع الأول: إذا شهد على السرقة رجل وامرأتان ثبت المال وإن لم تثبت العقوبة. وكذلك لو شهد على النكاح بعد الموت رجل وامرأتان أو رجل مع يمين الطالب ثبت الميران عند ابن القاسم. وقال أشهب: لا يصح الميراث إلا بعد ثبوت النكاح، ولا يثبت بذلك.
الفرع الثاني: من أقام شاهدين وطولب بالتزكية فله أن يطلب الحيلولة، فيوقف الحيوان والعروض التي تعرف بعينها ويشهد عليها، وما خشي عليه في الإيقاف الفساد من طعام وشبهه بيع (ووقف) ثمنه، فإن ضاع فهو ممن ثبت له. وأما العقار فيمنع فيه من الإحداث والهدم والبناء، ولم هو بيده قبض أجرته إلى حيث [ما] ينفذ القضاء. وللعبد طلب الحيلولة إقامة الشاهدين على العتق. وأما الأمة فيفعل القاضي فيها ذلك وإن لم تطلب، إلا أن يكون السيد مأمونًا فيؤمر بالكف عنه. وقال أصبغ: إن كانت من الوخش رأيتها مثل العبد، وإن كانت رائعة فلا يؤتمن عليها. وينزل شاهد واحد منزلة شاهدين في إيجاب الحيلولة إلا في الطعام الذي يخشى فساده، فلا يباع، ولكن إذا خشي عليه خلي بينه وبين من كان في يديه بعد استحلافه.
[ ٣ / ١٠٤٤ ]
الباب الثالث: في مستند علم الشاهد وتحمله وآدابه، وفيه فصلان:
الفصل الأول: في مستند علمه. والأصل فيه اليقين الواضح كالشمس،
ولكنا قد نلحق الظن به للحاجة فنقول: المشهود به قسمان:
القسم (الأول) ما يدرك بالحاسة فيستند إليها كالإبصار (المجرد) في الأفعال، والسمع المجرد في الأوقال، فتقبل شهادة الأصم في الأفعال، والأعمى في الأقوال.
وأما اعتماد الشاهد في الخط [فمختلف] فيه، وهو ينسم إلى ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: الشهادة على خط المقر، وهو أقواها في جواز الشهادة. ويليه:
الوجه الثاني: وهو الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب. ويليه:
الوجه الثالث: وهو شهادة الشاهد على خط نفسه، وهو أضعفها في إجازة الشاهد، فمن يجيزها (فيه يجيزها) في الوجهين الأولين أيضًا، ومن لا يجيزها في شهادة الشاهد على خط المقر لا يجيزها في شيء من الأوجه الثلاثة.
وفي حكاية الخلاف في قبول الشهادة على الخط طريقان:
الطريق الأول: على جهة الجمع، فنقول: المذهب في قبول الشهادة في الأوجه الثلاثة على أربعة أقوال:
القول الأول: نفي الجواز في شيء من الأوجه الثلاثة.
القول الثاني: تخصيص الجواز بالشهادة على خط المقر خاصة.
القول الثالث: تخصيص نفي الجواز بشهادة الشاهد على خط نفسه.
القول الرابع: جوازها في الأوجه الثلاثة.
الطريق الثاني: على جهة التفصيل: فنقول: أما الشهادة على خط المقر فالمذهب أنها جائزة مقبولة، وأنها كالشهادة على إقراره، فيحكم له بمجرد الشهادة على الخط.
[ ٣ / ١٠٤٥ ]
وحكى الشيخ أبو القاسم رواية بأنه لا يحكم له بها حتى يحلف معها، فرأى في (الأولى) أنها كالشهادة على الإقرار. ورأى في الثانية أنها لم تتناول المال، وإنما تناولت ما يجر إليه. ويخرج على الروايتين ما إذا أقام على الخط شاهدًا واحدًا هل يحلف معه ويستحق أم لا؟.
قال الشيخ أبو الوليد: "والمشهور من المذهب أن الشهادة على الخط في ذلك جائز عاملة، لم يختلف في ذلك قول مالك ولا قول أحد من أصحابه فيما علمت، إلا ما يروى عن محمد بن عبد الحكم من قوله: لا تجوز الشهادة على الخط، هكذا مجملًا، ولم يخص موضعًا من موضع".
وأما الشهادة على خط الشاهد الميت أو لغائب فقال الشيخ أبو الوليد "لم يختلف" في الأمهات المشهورة قول مالك في إجازتها وإعمالها". قال: "وروي عنه أيضًا أنها لا تجوز، وإليه ذهب محمد، وجعل الشهادة على خطه كالشهادة على (شهادته) إذا سمعها منه، ولم يشهده عليها". قال: "وقد يكتب خطه بما قد يستريب فيه عند الأداء وقد يكتب على من لا يعرفه إلا بعينه، وقد لا يعرفه ولا باسمه. والفرق على المشهور أن الرجل قد يخبر بما لا يتحققه، ولا ينبغي للرجل أن يكتب شهادته حتى يحقق ما يشهد عليه، ويعرف من أشهد بالعين والاسم، مخافة أن يموت أو يغيب فيشهد على خطه، فأشبه ذلك من يسمع رجلًا يؤدي شهادته عند الحاكم أو يشهد عليها غيره أنه يشهد على شهادته بما سمع منه وإن لم يشهده عليها". قال الشيخ أبو الوليد: "والقول الأول أظهر، إذ قد قيل، وهو قول محمد: إنه لا يجوز له أن يشهد على شهادته حتى يشهده عليها، وإن سمعه يؤديها عند الحاكم أو يشهد عليها غيره مع أن وضع الشاهد شهادته في الكتاب لا قوى قوة ذلك. قال: "وقد قال ابن زرت: لا تجوز الشهادة على خط الشاهد حتى يعرف أنه كان يعرف من أشهده معرفة العين".
قال الشيخ أبو الوليد: "وذلك صحيح لا ينبغي أن يختلف فيه لما قد يتساهل الناس فيه
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
من وضع شهادتهم على من لا يعرفون. قال: "والذي جرى عليه العمل عندنا، على ما اختاره الشيوخ، إجازتها في الأحباس وما جرى مجراها مما هو حق لله تعالى وليس هو بحد".
فرعان:
الفرع الأول: اختلف في حد الغيبة التي تجوز فيها الشهادة على خط الشاهد الغائب عند من يجيزها، فقال ابن الماجشون: قدر ما تقصر فيه الصلاة. وحكى ابن مزين عن أصبغ أنها مثل مصر من إفريقية، أو مكة من العراق.
وقال سحنون، في رواية ابنه عنه: الغيبة البعيدة، ولم يحدها.
(الفرع الثاني: إذا قلنا بقبول الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب، فقد قال مطرف وابن الماجشون: إنها تجوز في الأموال خاصة، حيث تجوز اليمين مع الشاهد. وقاله أصبغ). في العتيبية، سئل مالك عن امرأة كتب لها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له، فوجدت المرأة من يشهد أن هذا خط زوجها، فقال: إن وجدت من يشهد لها بذلك نفعها، واختلف في مراده بقوله: نفعها، هل تطلق عليه أو تستحلفه؟.
وأما شهادة الشاهد على خطه، إذا لم يذكر الشهادة، فروى مطرف في الواضحة: إن عرف خطه ولم يذكر الشهادة ولا شيء ًا منها، فإن لم يكن في الكتاب محو ولا ريبة فليشهد بها، ون كان الرق طلسًا أو مغسولًا أو فيه محو فلا يشهد.
قال مطرف: ثم رجع فقال: لا يشهد، وإن عرف خطه، حتى يذكر الشهادة أو بعضها، أو ما يدل منها على أكثرها. قال: وبالأول أقول ولابد للناس من ذلك. وبه قال ابن الماجشون والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار، وإن لم يحط بما في الكتاب عددًا فليشهد،
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
وبه قال أيضًا ابن وهب وابن عبد الحكم، وهو اختيار سحنون في نوازله.
وقال ابن القاسم وأصبغ بالقول الثاني أنه لا يشهد. قال ابن حبيب: هذا أحوط، والأول جائز.
التفريع: أما على القول الأول فقالوا: يشهد، ولا يقول للسلطان إنه لا يعرف منه إلى خطه. ويشهد أن ما فيه حق، وذلك لازم له أن يفعله قالوا: وإن ذكر للحاكم أنه لا يعرف من الشهادة شيء اوقد عرف خطه ولم يرتب، فلا يقبلها الحاكم.
وأما على القول الثاني الذي رجع إليه مالك، فروى أشهب "عنه أن الشاهد يرفعها إلى السلطان على وجهها، ويقول: إن كتابًا شبه كتابي وأظنه إياه ولست أذكر شهادتي ولا أني كتبتها، يحكى ذلك على وجهه ولا يقضي بها. قيل: فإن لم يكن في الكتاب محو ولا شيء، وعرف خطه، قال: قد يضرب على خطه ولم يذكر الشهادة، فلا أرى أن يشهد، وقد أتيت غير مرة بخط يدي أعرفه ولم أثبت الشهادة عليه، فلم (أشهد).
قال الشيخ أبو محمد: "قال أبو بكر: كان القاسم بن محمد إذا شهد بشهادة كتبها، وكان مالك بفعله". ومن لا يعرف نسبه فلابد من الشهادة على عينه.
ولا يجوز تحمل الشهادة على المرأة المنتقبة، بل لابد من أن تكشف عن وجهها ليعرفها ويميزها، عند الأداء، عن أمثالها بالإشارة والمعرفة المحققة، ولو عرفها رجلان فلا يشهد عليها بل على شهادتهما بأن فلانة أقرت، وذلك عند تعذر الأداء منهما لأنه فرعهما. وقال ابن نافع: يشهد، ورواه عن مالك.
قال الشيخ أبو الوليد: "والذي أقل به: أنه إن كان المشهود له أتاه بالشاهدين ليشهد له عليها بشهادتهما عنده أنها فلانة، فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة فليشهد عليها". قال: "وكذلك لو سأل عن ذلك رجلًا واحدًا يثق به أو امرأة لجاز له أن يشهد". قال: ولو أتاه المشهود له بجماعة من لفيف النساء يشهدن عنده أنها فلانة لجاز له أن يشهد إذا وقع له العلم بشهادتهن.
[ ٣ / ١٠٤٨ ]
وإذا شهدت بينة على عين امرأة بدين وزعمت أنها بنت زيد، فليس للقاضي أن يسجل على بنت زيد حتى يثبت بالبينة أنها بنت زيد.
القسم الثاني: ما لا يدرك بالإحساس، وإنما يثبت بقرائن الأحوال أو بالتسامع.
أما القرائن فكالشهادة بالإعسار، فإنه إنما يدرك بالخبرة الباطنة، وقرائن الأحوال في الصبر على الضر والجوع، ولا يعلم ذلك بيقين، لكن إذا حصل ظن قريب من اليقين جازت الشهادة. وكالشهادة للمرأة بضرر زوجها، ففي العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم أن ذلك جائز بالسماع من الأهل والجيران.
وأما التسامع، فهو أن يقو الشهود: سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل وغيرهم. وقال محمد: يقولون: إنا لم نزل نسمع من الثقات. وقال مطرف وابن الماجشون: يقولون: سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل. قالا: ولا يجوز من غير أهل العدل من سامعين أو مسموع منهم، ولا يسمون من سمعوا منه، فغن سموا كان نوقل شهادة لا شهادة سماع.
قال أبو إسحاق التونسي: وشهادة السماع أجيزت للضرورة، ولا يستخرج بها شيء من يد حائز، وإنما تصح للحائز، مثل أن يثبت رجل على رجل حائز لدار أنها لأبيه أو لجده، وهذا الطالب غائب، فيقيم الذي هي في يده بينة على السماع في تطاول الزمان أنه اشتراها من أبي هذا القائم، أو جده، أو ممن صارت إليهم عنهم، فيثبت له بقاؤها في يده بهذه الشهادة، (أو إن أباه هو أو جده اشتراها من أبي هذا القائم أو جده أو ممن صارت إليه عنهم، فيثبت له بقاؤها في يده بهذه الشهادة). قال: وكذلك السماع في الأحباس أن تكون دارًا ليست في يد (مشتر لها)، وإنما هي في يد حائزين لها، فتشهد بينة على السماع أنها حبس على الحائزين لها وعلى أعقابهم، أو تكون لا يد عليها لأحد، فتشهد بينة أنها حبس على بني فلان، أو حبس لله تعالى ما بقيت الدنيا، فهذا الذي تصح فيه شهادة السماع طال الزمان.
وقال أبو القاسم بن محرز، بعد أن ذكر (مثل) ما ذكر أبو إسحاق: ولن يقضي لأحد من هؤلاء؛ بما وصفنا من شهادة السماع، إلا بعد يمينه. قال: وذلكم أن السماع إنما هو نقل وإن لم يكن من شرطه إذن المنقول عنهم الشهادة، ولعل أصل السماع عن شاهد واحد،
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
فالشاهد الواحد لا يقوم به الحق إلا مع اليمين. قال: ولن تقبل شهادتهم إلا مع السلامة من الريب، فلو شهد رجلان على السماع، وفي القبيل مائة رجل من أسنانهما لا يعرفون شيء امن ذلك، لم تقبل شهادتهما، إلا أن يكون العلم بذلك فاشيًا فيهم، قال: فأما لو شهد شيخان قديمان قد باد جيلهما لقبلت شهادتهما وإن لم يشهد بذلك غيرها. كذلك قال ابن القاسم.
إذا تقرر هذا فيثبت بشهادة السماع إذا وقعت على هذه الأوصاف الوقف والملك. والمشهور في المذهب: الاجتزاء فيها بقول عدلين. وقال عبد الملك في المبسوط: أقل ما يجوز في الشهادة على السماع أربعة شهداء، قال: وذلك أنه شبيه بالشهادة على الشهادة، فاحتيط في شهادة السماع، ثم حيث قلنا بقبولها في لوقف والملك، فتقبل في الدور والأرضين والحيازات والصدقات وفي الموت فيما بعد من البلاد، ولا يكون جميع ذلك إلا (فيما تطاول فيه) الزمان. واختلف في الخمس عشر سنة، فلم يرها في كتاب محمد طولًا، (ورآها) طولًا في كتاب ابن حبيب. وقيل: إن كان وباء فهي طول وإلا فلا. وفي ثبوت النكاح والنسب والولاء بها خلاف.
(فأما النكاح فقال سحنون في العتبية: "جل أصحابنا يقولون في النكاح إذا انتشر خيره في الجيران: أن فلانًا تزوج فلانة وسمع الدفاف، فله أن يشهد أن فلانة زوجة فلان". زاد (محمد بن عبد الحكم): وإن لم يحضر النكاح).
(وأما الولاء والنسب فقال محمد: اختلف قول مالك في شهادة السماع في الولاء والنسب. وذهب أصبغ إلى أنه يؤخذ بذلك المال ولا يثبت له نسب به. ولا يعجبنا هذا. وأكثر قول مالك وابن القاسم أنه يقضي له بالسماع بالولاء والنسب، وكذلك في الأحباس والصدقات فيما تقادم.
وفي العتبية من رواية أبي زيد عن ابن القاسم: "يقضي له بالميراث ولا يجر بذلك ولاء، ولا يثبت له نسب، إلا أن يكون أمرًا منتشرًا، وفي بعض الروايات: سماعًا فاشيًا ظاهرًا مستفيضًا يقع به العلم فيرتفع عن شهادة السماع، ويصير في باب الاستفاضة والضرورة، وذلك مثل أن يقول: أشهد أن نافعًا مولى ابن عمر وأن عبد الرحمن بن القاسم وإن لم يعلم الشاهد
[ ٣ / ١٠٥٠ ]
لذلك أصلا. وفي آخر المسألة قيل لابن القاسم: أفتشهد أنك ابن القاسم ولا تعرف أباك ولا أنك ابنه إلا بالسماع، قال: نعم يقطع بهذه الشهادة، ويثبت بها النسب".
وأما الملك، فإنما يشهد به إذا طالت الحيازة وكان يفعل فيه من التصرف ما يفعل المالك من البناء والهدم ونحو ذلك، ولا ينازعه فيه أحد، وإن لم يعلم حين دخوله في ملكه وليس يكتفي بشهادة هؤلاء أنه يحوزها وإن طالت حيازته حتى يقولوا شهادتهم: إنه يحوزها بحقه، وإنها لم ملك. فأما من رأى من يشتري شيء امن سوق المسلمين، فلا يجوز له أن يشهد له بالملك، لأنه قد يشتري من غير مالك.
الفصل الثاني: في وجوه التحمل والأداء
أما التحمل: فحيث يفتقر إليه ويخشى تلف الحقوق لعدوه، فهو من فروض الكفايات، لأن إباية الناس كلهم عنه إضاعة للحقوق، وإجابة الكل إليه إضاعة للأشغال.
وأما الأداء: فيجب على من تحملها إذا كان متعينًا ودعي لأدائها من مسافة قريبة كالبريد والبريدين، فإن دعي من مسافة بعيدة لم يلزمه. وحيث قلنا باللزوم بقرب المسافة، فلو كانوا أكثر من إثنين فأدى منهم إثنان، واجتزأ بهما الحاكم لسقط الفرض عن الباقين، فإن لم يجتزي بهما تعين المشي إليه حتى يقع الإثبات إذا دعاهم صاحب الحق لإحياء حقه. (وإن كانوا اثنين فقط تعينا، فإن امتنع أحدهما وقال: أحلف مع الآخر، أثم). وكذلك لم يتعين وامتنع جميعهم لأثموا.
ولا يستحق الشاهد أجرة، لكن إن كانت المسافة بعيدة بحيث لا يلزمه الإتيان منها، فيجوز أن ينفق على الشاهد في إتيانه. وأما إن كانت المسافة مما يلزمه الإتيان منها، فلا يجوز له أن ينتفع من جهته، إلا ألا تكون له دابة ويشق عليه المشي، فيجوز له أن يركب دابة المشهود له لا غير.
وقال الشيخ أبو الوليد: "إذا ركب دابة المشهود له وله دابة، أو أكل طعامه والمسافة قريبة فقيل: تبطل شهادته، وقيل: لا تبطل.
ولو كان الشاهد لا يقدر على النفقة ولا على اكتراء دابة، وهو ممن يشق عليه الإتيان راجلًا، فلا تبطل شهادته (إن أنفق عليه المشهود له أو اكترى له دابة، وقيل): تبطل شهادته)
[ ٣ / ١٠٥١ ]
بذلك. إذا لم يكن مبرز العدالة. وكذلك لو كان الشاهد بمكان بعيد لا يلزمه الإتيان للأداء، قيل: لا يضره أكل طعام المشهود له وإن كان له مال، ولا ركوب دابته وإن كانت له دابة. وكذلك في انتظاره للأداء إذا احتجب السلطان فأنفق عليه المشهود له مدة الانتظار إذا لم يجد من يشهده على شهادته وينصرف. وقيل: إن شهادتهم تبطل بذلك لأنهم يوفرون به النفقة على أنفسهم".
قال الشيخ أبو الوليد: "وهو الأظهر، قال: فانظر على هذا أبدًا إذا أنفق المشهود له على الشاهد في موضع لا يلزم الشاهد الإتيان إليه والمقام فيه (جاز، وإن أنفق عليه في موضع يلزم الشاهد الإتيان إليه والمقام فيه) فلا يجوز ذلك إلا فيما يركب الشاهد إذا لم تكن له دابة ولم يقدر على المشي، فلا اختلاف في أنه يجوز للشاهد أن يركب دابة المشهود له إذا لم تكن له دابة [وشق] عليه المشي. جملة من غير تفصيل بين قريب ولا بعيد ولا موسر ولا معسر، وإنما يفترق ذلك حسبما ذكرناه في النفقة وفي الركوب إذا كانت له دابة". وأما الكاتب فيستحق الأجرة.
الباب الرابع: في الشاهد واليمين
والأموال وحقوقها، الخسيس منها والنفيس، العين وغيره، من مشار إليه أو في الذمة، يثبت بشاهد ويمين. قال محمد بن عبد الحكم: الشاهد العدل البين العدالة.
ولا يثبت بهما النكاح والطلاق والعتاق وغير ذلك من الحقوق الخارجة عن الأموال. لكن إن شهد عليه بالطلاق أو بالعتاق فلا تلغى الشهادة حتى يكون وجودها كعدمها، بل يطالب المشهود عليه بأن يقر أو يحلف، فإن امتنع منهما، فهل يحكم عليه بمقتضى الشهادة أو يحبس ليقر أو يحلف؟، روايتان: وبالأولى قال أشهب ومحمد بن عبد الحكم، وبالثانية أخذ ابن القاسم وأكثر الأصحاب وهي الأخيرة.
ثم إذا قلنا بأنه يحبس، فهل تحدد مدة حبسه بالسنة فيخلى سبيله بعدها إن تمادى على الامتناع من الإقرار واليمين، أو يتمادى حبسه أبدًا حتى يحلف أو يقر؟، قولان: والأول لابن
[ ٣ / ١٠٥٢ ]
القاسم، والثاني قاله مالك، وأخذ به سحنون.
ومن ادعى عبدًا في يد غيره أنه كان ملكه فأعتقه فلا يكفيه شاهد ويمين، لأنه يثبت الحرية دون الملك، فأما إن اتفق اجتماع الصنفين بترتب أحدما على الآخر مثل أن تكون الشهادة بمال إلا أن ثبوت يتضمن (معنى آخر) لا يحكم فيها بالشاهد واليمين كالشهادة بشراء الزوجة الأمة، أو عكس هذا بأن يشهد الشاهد بما ليس بمال، لكن يتضمن مالًا في المآل كالشهادة بالوكالة على قبض مال مثلًا، فهل تقبل الشهادة حينئذ أم لا؟.
أما المثال الأول: وهو مباشرة الشهادة للمال فتقبل وإن آلت إلى غير مال، لأن ترك قبولها يؤدي إلى مخالفة أحد أصلين متقررين وهما: قبول الشاهد واليمين في بيع الإماء، وفسخ النكاح بملك أحد الزوجين للآخر.
وأما المثال الثاني: فاختلف فيه كما تقدم، فقال ابن القاسم: تقبل فيه لأن المقصود البراءة من المال، وما قبله في حكم اللغو إذ ليس المقصود منه إلا ما ذكرناه. وقال أشهب وابن الماجشون: لا تقبل.
وسبب الخلاف: الاعتبار بالمآل أو بالحال.
قال الإمام أبو عبد الله: "ولا خلاف في أن شهادة الواحد دون اليمين معه لا يقضي بها من باب الشهادة، كما أن يمين المدعي دون شهادة من يشهد له لا يقضي بها، وإنما يقضي بمجموعها على اضطراب بين العلماء هل القضية مستندة إلى الشاهد واليمين مع شهادته كالتقوية له، أو مستندة إلى اليمين والشاهد كالمقوي لها، أو مستندة إليهما؟ فأما إذا رجع الشاهد عن شهادته غرم نصف الحق كرجوع أحد الشاهدين. ثم قال: ولو أسندت القضية إلى اليمين لكان لتغريم الشاهد وجه، لان بشهادته صارت اليمين في جنبة الحالف. قال: فينظر في هذا، كرجوع المزكين عن التزكية.
إذا تقرر أنه لا يحكم بمجرد شهادة الشاهد الواحد حتى يقترن به اليمين، فلليمين أربعة أحوال:
الأول: أن تكون ممكنة، فيحلف الطالب ويستحق، واحدًا كان أو جماعة، مؤمنًا أو كافرًا، حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، فإن نكل ردت على المطلوب، فإن حلف برئ، وإن نكلك غرم.
فرع: لو حلف المطلوب ثم وجد الطالب شاهدًا آخر فهل يحكم له به أم لا؟ قولان:
الأول: في كتاب محمد.
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
والثاني: لابن القاسم وابن كنانة، وعدا نكوله قاطعًا لحقه.
وإذا فرعنا على الحكم له به، فالمراد بذلك أنه يحلف معه، لا أنه يضم إلى الأول. وإن نكل فهل يحلف المطلوب مرة ثانية، لأنه لم يستفيد باليمين الأولى سوى إسقاط الشاهد الأول، أو يسقط حقه بدون يمين المطلوب، لا، يمينه قد تقدمت فلا تتكرر اليمين عليه؟ قولان أيضًا.
الأول: في كتاب محمد.
والثاني: لابن مسير.
الحال: [الثاني] أن تكون اليمين ممتنعة غير مرجوة الإمكان، كما إذا شهد الشاهد، مثلًا، على رجل أنه حبس ربعًا على الفقراء أو تصدق عليهم بمال، فلا يمكن أن يستحلف جميع الفقرا، إذ ذلك ممتنع عادة، ولا سبيل إلى التحكم بتخصيص بعضهم باليمين، إذ لا يستحلف إلا من يستحق الملك أو القبض، وليس في الفقراء من يشار إليه إلا ويمكن أن تصرف الصدقة عنه إلى غيره، فلا يتعين لأحد منهم استحقاق ملك ولا قبض، فإذا ظهر امتناع اليمين لحق هذا القسم بقيام الشاهد الواحد في الطلاق والعتاق، لا، تعذر هذا عرفًا كتعذر الأول شرعًا، فلا جرم تنتقل اليمين إلى جانب المطلوب كما تقدم.
الحال: [الثالث] أن تكون اليمين ممتنعة الآن، مرجوة الإمكان في الاستقبال كشاهد شاهد لصبي بحق، فإن اليمين تمتنع من الصبي حتى يبلغ، (لكن) لا بد لشهادة الشاهد من أثر ناجز، والمنصوص في المذهب والمعروف منه تحليف المطلوب كما في القسم الثاني، فإن حلف ففي إيقاف المشهود به إذا كان معينًا كدار أو عبد، أو كان مما يخشى تلفه إن لم يوقف، قولان مبنيان على الخلاف في أن القضية مستندة إلى الشاهد، وإنما اليمين كالمقوية، فيوقف المطلوب إذا وجد سببه، أو ليس استنادها إليه فلا يوقف لعدم السبب. وإن نكل المطلوب أخذ المشهود به منه لكن هل يؤخذ أخذ تمليك أو أخذ إيقاف؟ قولان:
الأول: في كتاب محمد
الثاني: في كتاب ابن حبيب. ويتخرج على هذا الخلاف استحلاف الصبي وعدم استحلافه.
فروع:
الفرع الأول: إذا قلنا: يؤخذ أخذ إيقاف، استحلف الصبي بعد البلوغ، فإن نكل حلف المطلوب حينئذ ويرى، فإن نكل أخذ الحق منه.
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
الفرع الثاني: إذا استحلف المطلوب فحلف، ثم استحلف الصبي فنكل، اكتفي بيمين المطلوب [الأول]. هذا هو المشهور من المذهب، وأشار بعض المتأخرين إلى إمكان إجراء الخلاف في ذلك (على الخلاف المتقدم).
الفرع الثالث: (إذا شهد الشاهد واستحلف المطلوب فحلف أو نكل، فلم يحكم عليه، (على الخلاف المتقدم)، فإن الحكم يكتب شهادة الشاهد ويثبتها ويسجلها للصغير صيانة لحقه خوفًا من موت الشاهد أو تغير حاله عن العدالة قبل بلوغ الصبي. ولو مات الصبي قبل بلوغه لحلف وارثه الآن واستحق).
الفرع الرابع: (لو كان الصغير لا مال له، وإنما ينفق عليه من مال أبيه بالحكم عليه، فطلب الأب أن يحلف هو مع شهادة شاهد قام لولده الصغير الذي في كفالته ونفقته، فأشار في كتاب محمد إلى أن الأب لا يمكن من ذلك، ورآه كالحالف على مال ليملكه غيره. وروي أن له أن يحلف مع الشاهد لما له في ذلك من المنفعة لسقوط النفقة عنه).
قال الإمام أبو عبد الله: "وكأن هذا الخلاف يلتفت إلى ما تقدم من الخلاف في كون القضية مستندة إلى مجرد شهادة الشاهد أم لا؟ ".
الحال [الرابع] أن تكون اليمين ممكنة من بعض من له الحق، وممتنعة من بعضهم، وذلك كشهادة شاهد على رجل بأنه وقف داره على بنيه وعقبهم بطنًا بعد بطن، فإن من لم يلحق من الأعقاب يستحيل أن يستحلف إلا مع شهادة من شهد له، والموجودة من ولد الصلب لا تستحيل يمينهم، فاختلف المذهب ها هنا لكون هذه الشهادة وقعت ب شيء واحد تصح اليمين فيه مع الشاهد من وجه وتتعذر من وجه آخر. فذكر محمد أن الذي يذهب إليه أصحابنا امتناع اليمين مع هذه الشهادة على الإطلاق. وروى ابن الماجشون أنه إذا حلف الجل من أهل هذه الصدقة ثبت جميعها على حسب ما أطلقه المحبس. وروى ابن وهب ومطرف وابن الماجشون أنه إذا حلف واحد ممن يستحق هذه الصدقة ثبت جميعها للحاضر والغائب ومن يولد بعد.
وسبب الخلاف: أن الشهادة اشتملت على ما تصح اليمين معه وما لا تصح، فمن التفت إلى جانب تعذرها أبطل الحبس، ومن التفت إلى جانب الصحة صحح الحبس.
(ثم اختلف على القول بالتصحيح، هل يكتفي بيمين الجل لكونهم يقومون مقام الكل،
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
أو يكتفي بواحد لان الجل إنما يستحق بيمينهم غيرهم ممن لم يحلف، لأن يمين الحالف تنسحب على حقوق غيره لما كانت لا شهادة بشيء واحد لا يتبعض في الحكم [تصحيحًا] لها على الإطلاق، وكذلك يمين الواحد.
قال الإمام أبو عبد الله: "وربما هجس في نفسي تعليل آخر، وهو أنه حلف واستحق نصيب طالبه بقية طبقته بنصيبهم مما أخذ، إذ حقهم فيه على الشياع وهو مقر لهم، فإذا أخذ منه شيء عاد (اليمين) لإكمال نصيبه، فلا يزال هكذا حتى يؤخذ الحبس كله، فاكتفى بيمينه وحده يمينًا واحدة، لأنه حلف على الجميع لحق نفسه على هذا التخريج").
وروى بعض القرويين، تفريعًا على ثبوت هذا الحبس بيمين الحاضرين مع الشاهد، أنه إن حلف الجميع ثبت الحبس، وإن نكل الجميع لم يثبت لواحد منهم حق، وإن حلف بعضهم ونكل البعض، فمن حلف استحق نصيبه، ومن نكل لم يستحق شيء ا، وقدر أن كل نصيب كحق منفرد شهد به شاهد لرجل واحد، فإن حلف استحق، وإن نكل لم ستحق. قال: "وكذلك إذا انقرض البطن الأول ووجد البطن الثاني، فإنهم لا يستحقون شيء اإلا بالإيمان كالبطن الأول. وقيل فيمن لم يحلف أبوه: إنه لا يستحق شيء اوإن أجاب إلى اليمين").
وسبب الخلاف: هل يلتقي البطن الثاني منافع الوقف عن الواقف أو عن الأول؟ وعلى تحقيق هذا المعنى أيضًا يتخرج حكم ما لو حلف واحد من البطن الأول ونكل سائرهم، وقلنا بأنه يستحق نصيبه دون غيره، ثم مات هو وبقي إخوته الناكلون، هل يرجع نصيبه إلى بقية أهل طبقته أو إلى البطن الثاني؟
قال الإمام أبو عبد الله: "وقدج قيل: إن نكولهم يصيرهم (كالموتى)، ويرجع الحق إلى البطن الثاني". قال: "والأظهر عندي أن المحبس إذا شرط أن لا يأخذ البطن الثاني إلى أهل البطن الثاني". قال: "والأظهر عندي أن المحبس إذا شرط أن لا يأخذ البطن الثاني شيء اإلا بعد انقراض البطن الأول وموت جميعهم، فما دام أحد من الناكلين حيًا لا يستحق أهل البطن الثاني شيء ا، فإذا مات جميعهم، من حلف ومن نكل، انتقل حكم الشهادة إلى البطن
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
الثاني، فمن حلف استحق، ومن لم يحلف لم يستحق شيء ا.
ويتخرج على تحقيقه، أيضًا، أنه هل يفتقر أهل البطن الأول في استحقاق ما يرجع إليهم عمن مات من طبقتهم إلى يمين مجدة، كما في استحقاق البطن الثاني بعد انقراض البطن الأول؟ قولان، سببهما ما تقدم.
فرع: فيما يقوم مقام الشاهد واليمين.
ويقوم مقامهما الشاهد والنكول، والمرأتان واليمين، والمرأتان والنكول، واليمين النكول.
الباب الخامس: في الشهادة على الشهادة
وهي تجري في كل شيء من حقوق الله تعالى وحقوق الأدميين من مال أو حد أو قصاص. ثم النظر في أربعة أطراف.
الطرف الأول: في التحمل. ولا يجوز تحمل الشهادة على الشهادة إلا إذا قال الشاهد: أشهد على شهادتي. أو رآه الفرع وهو يشهد بين يدي الحاكم، فله أن يشهد على شهادته وإن لم يشهده.
وقال محمد: لا يشهد على شهادته وإن رآه يؤيدها حتى يشهده، ولو قال في غير مجلس (الحاكم) لفلان على فلان كذا وعندي به شهادة لم يجز التحمل لأنه يتساهل في غير مجلس الحكم، وكذلك لو قال: أشهد أن له عليه كذا، لم يتحمل أيضًا.
الطرف الثاني: (في) الطوارئ على شهود الأصل. ولا يضر موت شاهد (الأصل) وغيبته ومرضه، بل هو المراد من شهود الفرع. أما إذا طرأ عليه الفسق أو العداوة أو الردة امتنعت شهادة الفرع، ولو طرأ الجنون لم تمتنع.
فرع: إذا أكذب شهود الأصل شهود الفرع قبل الحكم بطلب شهادة الفروع. قال أبو الحسن اللخمي: "واختلف إذا كان إكذابهم لهم بعد حكم القاضي بشهادتهم، فقال محمد في رجلين نقلًا عن أربعة أنهم أشهدونا أنهم يشهدون على فلان بالزنى، فلم يحد الناقلان حتى قدم الأربعة فأنكروا أن يكونوا أشهدوهم، قال: يحد الأربعة القادمون حد القذف، ويسلم الاثنان لأنهما صارا شاهدين على الأربعة بالقذف. قال: فأثبت النقل وجعل إنكار الأربعة رجوعًا.
وقال مالك، في كتاب ابن حبيب، في رجلين نقلًا عن غائب فحكم بشهادتهما مع يمين
[ ٣ / ١٠٥٧ ]
الطالب، ثم قدم الغائب فأنكر الشهادة فإن الحكم ينقض ويرد. وقال ابن القاسم ومطرف: الحكم ماض ولا غرم عليه ولا على الناقلين. قال: ولو قدم قبل الحكم بها لكان أحق بشهادته".
الطرف الثالث: في العدد. ويشهد على كل شاهدان. وإن شهدا على شهادتهما جميعًا جاز في غير الزنى. وقال عبد الملك: لا تجوز أن يشهد على الآخر اثنان سوى الاثنين الذين شهدا على الأول ولا يجوز أن يشهد أحد شاهدي الأصل مع شاهد آخر على شهادة الأصل الآخر.
وأما شهادة الزنى فلا تثبت بالنقل، على رواية مطرف، إلا بستة عشر شاهدًا على كل شاهد أربعة غير الأربعة الذين يشهدون على غيره. وقال ابن الماجشون: "إذا شهد أربعة على كل واحد من الأربعة جاز، فإن تفرقوا فثمانية على كل واحد اثنان".
وحكى القاضي أبو محمد، رواية ثانية بالاكتفاء بشهادة اثنين على كل واحد من شهود الأصل، ثم قال: "والأولى هي الصحيحة". وقال محمد: "إن شهد اثنان على شهادة واحد واثنان على شهادة ثلاثة تمت الشهادة. قال: وإن شهد اثنان على رؤيتهما ونقل الاثنان عن اثنين جازت الشهادة".
الطرف الرابع: في العذر المرخص لشهادة الفرع. وهو الموت والغيبة والمرض ونحوها من الأعذار، فلا تسمع شهادة الفرع إلا إذا مات الأصل أو مرض مرضصا يشق عليه الحضور، أو غاب بمكان لا يلزمه الحضور منه لأداء الشهادة. قال محمد: ولا تنقل في الحدود إلا في غيبة بعيدة. فأما اليومان والثلاثة فلا، إلا المرأة فإنه ينقل عنها مع حضورها بالبلد. ورواه ابن حبيب عن مطرف قال: ولم أر بالمدينة امرأة قط قامت بشهادتها عند الحاكم، ولكنها تحمل عنها، وذلك لأن ما يلزمها من الستر عذر يسقط عنها فرض الجمعة، فكان كالمرض وخوف الغريم فكل ما تترك به الجمعة كالمرض.
وليس على شهود الفرع تزكية شهود الأصل، لكن إن زكوهم ثبتت عدالتهم وشهادتهم بقولهم، وليس عليهم أن يشهدوا على صدق شهود الأصل.
فرع: يجوز أن يشهد النساء على شهادة غيرهن فيما تجوز شهادتهن عليهن، وليكن مع
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
وقال أشهب وعبد الملك: لا يجوز نقلهن (للشهادة) بحال، لا في مال ولا في غيره، إذ النقل لا يجوز فيه الشاهد واليمين، وإنما تجوز شهادتهن حيث يحكم بالشاهد واليمين.
الباب السادس: في الرجوع عن الشهادة
قال محمد: لم يحفظ أصحاب مالك عنه في غرم الشاهد جوابًا، إلا أن جميع أصحابه يرون أن يغرم ما أتلف بشهادته إذا أقر بتعمد الزور. قال عبد الملك بن الماجشون: وإن رجع ولم يقر بالتعمد لم يغرم.
وقال ابن القاسم وأشهب: إن شهدا على رجل بحق واحد ثم قالا قبل الحكم: بل هو هذا، لرجل غيره وقد وهمنا، لم يقبلا في الأولى ولا في الأخيرة. ثم النظر في المشهود به يتعلق بأطراف.
الأول: القصاص، وللرجوع ثلاث حالات.
الحالة الأولى: أن يكون قبل القضاء، فيمتنع القضاء ولو لم يصرح الشاهد بالرجوع ولكن عاد فقال للقاضي: توقف في قبول شهادتي، ثم عاد وقال: اقض فقد ذهب عني التشكك، فقال الإمام أبو عبد الله: "لا يبعد أن يجري في قبولها القولان الجاريان في التشكك قبل الأداء، كما لو سئل عن شهادة فلم يذكرها ثم عاد فقال: تذكرتها"، قال: "، قال: "ولكن اشترط مالك ﵁ في قبول هذه الشهادة البروز في العدالة"، قال: "والواجب قبولها على الإطلاق لأن التشكك يعرض للعالم بال شيء ثم يذهب عنه ويرجع على اليقين.
الحالة الثانية: الرجوع بعد القضاء وقبل الاستيفاء، وفي ذلك خلاف، قال أصبغ: لا يستوفي. وقال ابن القاسم: يستوفي كما في الأموال. وقال أيضًا: القياس نفوذه، واستحسن ألا ينفذ لحرمة الدم، ورأى فيه العقل. ويقرب من قوله هذا قول محمد، في رجوع الشهود بزنى المحصن بعدا لحكم وقبل تنفيذه: إنه لا يرجم ولكن يجلد حد البكر.
الحالة الثالثة: الرجوع بعد الاستيفاء، كما لو شهدا بقتل واستوفى، ثم رجعا، فإنهما يغرمان الدية في الخطأ، وكذلك في العمد أيضًا عند ابن القاسم. وقال أشهب: يقتص منهما في العمد.
ثم حيث قلنا: لا يقتلان، فلا خلاف في عقوبتهما في العمد إذا ظهر عليهما أنهما تعمدا الزور ولم يأتيا تائبين. ولو علم القاضي بكون الشهود كذبوه وحكم، (فأراق) الدم لكان
[ ٣ / ١٠٥٩ ]
حكمه كحكمهم إذا لم يباشر القتل بنفسه، بل أمر به غيره ممن تلزمه طاعته. ولو علم ولي القصاص أن الشهود تعمدوا الكذب وأن القاضي علم ذلك منهم، ثم باشر قتل قاتل وليه بهذا الحكم لكان عليه القصاص أن اعترف بالعمدية، والشاهد معه كالشريك.
الطرف الثاني: الحدود.
وإذا رجع الشاهد قبل الحكم ردت شهادتهم وحدوا، وإن رجعوا بعد إقامة الرجم، فإن اعترفوا بتعمد الزور حدوا، ثم هل يقتلون، أو تؤخذ الدية من أموالهم، قولان لأشهب وابن القاسم، وإن لم يتعمد فالدية على عواقلهم.
فروع:
الفرع الأول: إذا شهد أربعة بالزنى ثم رجع أحدهم قبل الحكم حدوا، ولو كان رجوعه بعد الحكم وإقامة الحد على الزاني لحد الراجح بغير خلاف.
واختلف هل يحد الباقون، لأن الزنى لم يثبت بأربعة أو لا يحدون لأن الحكم نفذ بشهادتهم وهم الآن باقون عليها لم يكذبوا أنفسهم؟
الفرع الثاني: لو كان الشهود ستة فرجع اثنان منهم، لم يحد الباقون لاستقلال الحد بشهادتهم وهم لم يرجعوا عنها. واختلف قول ابن القاسم في وجوب الحد على من رجع.
وسبب الخلاف: النظر إلى أنهما معترفان بالقذف ومقران بأن من شهد معهما شهدوا بزور، أو النظر إلى أنهما كالقاذفين شهد لهما أربعة بأن المقذوف زنى، قال الإمام أبو عبد الله: "والتحقيق أن يكشف الراجعان، فإن قالا: إنهما كذبا وكذب من شهد معهما، حدًا، وإنقالا: لا نعتقد كذب من شهد معنا بل الغالب صدقهم لعدالتهم عندنا لم يحدا".
الفرع الثالث: لو انكشف بعد رجوع الاثنين أن أحد الأربعة الذين بقوا عبد فقال في كتاب محمد: يحد الراجعان، ويغرمان ربع الدية لكون الحد أقيم بأربعة بطل أحدهم بكونه عبدًا، ولا غرامة على العبد لأنه لم يرجع عن شهادته، ولكن عليه الحد لأن الشهادة لم تتم، ولا يلزم الثلاثة حد ولا غرامة. ولو لم يشهد عليه إلا أربعة فرجم بشهادتهم ثم وجد أحدهم عبدًا، فإن عليهم الحد أجمعين للقذف، وعلى العبد نصف حد الحر. قال الإمام: "وهذا قد يعترض بأن العبد إذا حد لأن الشهادة لم تتم بأربعة، فكذلك يجب الحد على الأحرار الثلاثة أيضًا. قال: "ويفرق ههنا بين بطلان شهادة الرابع الحر برجوعه وبين بطلان شهادة العبد، لأجل أن العبد لم يرجع عن شهادته فيوهن شهادة الثلاثة، وإنما ردت شهادته شرعًا.
[ ٣ / ١٠٦٠ ]
الفرع الرابع: إذا رجع من لستة اثنان بعد إقامة الحد فقد تقدم حكمهما، فلو رجع ثالث لزمه غرم ربع الدية، يدخل معه فيه من سبقه بالرجوع قلوا أو كثروا، مع الحد على كل واحد منهم، سواء رجعوا معًا أو مفترقين. فإن رجع آخر، أيضًا لزمه ربع الدية، يشاركه فيها كل من رجع قبله ويشركهم فيما غرموا قبله، فيصير نصف الدية بين جميعهم على عددهم، فإن رجع ثالث لزمه مع كل من رجع قبله ثلاثة أرباع الدية.
الفرع الخامس: (إذا رجم المشهود لعيه، فلما فقئت عينه في الجرم رجع واحد من الستة ثم تمادى الرجم عليه، فأوضح موضحة، فرجع ثان ثم تمادى الرجم عليه فمات فرجع ثالث، فقال محمد: إنه لو يرجع هذا الثالث ما كانعلى من تقدم من رجوعه شيء، وأرى على الراجع الأول سدس دية العين، وعلى الثاني مثل ذلك وخمس دية الموضحة، وعلى الثالث ريع دية النفس فقط، قال: وقيل مضافًا إلى السدس والخمس المتقدمين، والأول أصح).
الفرع السادس: إذا شهد أربعة بالزنى واثنان بالإحصان، ثم رجع الجميع، فهل يختص غرم الدية بالأربعة أو يعمم الجميع؟، قولان:
القول الأول: قول ابن القاسم واختاره سحنون وأصبغ، ووجهه أن شهادتهم لم تباشر ما يوجب الحد، لأن السبب هو الزنى، وشهوده مختارون لأداء الشهادة، إذ لو شاءوا لم يشهدوا.
والقول الثاني: ذهب إليه أشهب وابن الماجشون ومحمد، ووجهه أن السبب مركب [من مقتضى الشهادتين، إذ لو انفردت الشهادة بالزنى عن الشهادة بالإحصان لم تقبل.
ثم [إذا فرعنا] على القول الثاني فهل تقسم الدية على آحاد الجنسين فتكون بينهم أسداسًا أو على الجنس فيكون على كل جنس نصفها، فيخص كل واحد من الأربعة ثمن الدية، وكل واحد من الاثنين ربعها؟ قولان، أيضًا:
الأول: لأشهب وعبد الملك، ووجهه أن الستة اشتركوا في الموجب للحد وأيهم قدر عدمه بطل الموجب، فكانوا كلهم فيه سواء.
والقول الثاني: لمحمد، ووجهه أن الموجب مركب من وصفين: الزنى والإحصان، والمقصود بعدة الشهود إنما هو ثبوت كل واحد منهما، وليس العدد بمقصود في نفسه فعتبر، وإنما يعتبر المقصود وهو ثبوت الوصفين.
[ ٣ / ١٠٦١ ]
الفرع السابع: إذا شهد شاهدان على رجل بأن قد قذف رجلًا، فحد المشهود عليه بشهادتهما، ثم رجعا وأكذبا أنفسهما، فقال سحنون: لا غرم في ذلك ولا قود عند جميع أصحابنا، وإنما في ذلك الأدب. وكذلك لو شهد بأنه شتمه أو لطمه أو ضربه سوطًا، ثم رجعا بعد الحكم، بها فإنما في ذلك الأدب. قال بعض المتأخرين: لأنهما لم يتلفا مالًا فيغرماه، ولا نفسًا بتعمده شهادة الزور [فيطلبان] بديتها عند ابن القاسم، أو بالقصاص عند أشهد.
الفرع الثامن: إذا ادعى المقتضي عليه أن الشهادتين عليه رجعا عن شهادتهما وقالا: شهدنا بزور، وطلب إقامة البينة مكن منه، فإن أقامها قضي عليهما بالمال.
وكذلك في قيام البينة برجوع أحدهما يغرم نصف المال، فإن طلب يمينهما أنهما لم يرجعا، ففي إلزامهما اليمين له قولان:
الأول: رواية ابن سحنون عن أبيه، قال: إذا أتى بلطخ يوجب عليهما اليمين.
والثاني: لمحمد بن عبد الحكم.
ولو رجعا عن الرجوع لم يقالا، بل يقضي عليهما بما يقضي به على الراجع المتمادي في رجوعه. ووجه ذلك أن رجوع الشاهد عن شهادته ليس بشهادة، وإنما هو إقرار على نفسه بما أتلف بشهادته، وقد نص على ذلك محمد، وكان عن ابن القاسم وعبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ، وعليه يخرج قول سحنون في استحلاف الشاهد إذا ادعى عليه بالرجوع فنكل.
الفرع التاسع: في ذكر ما يلحق برجوع الشهود، وهو ظهور كذبهم وإن لم يعترفوا بالكذب، وفي ذلك صور:
الأولى: إذا شهد شاهدان على رجل أنه قتل ابن رجل عمدًا، فحكم له بالقصاص وقتل المشهود عليه بأنه قاتل، ثم قدم الابن حيًا بعد ذلك، وتبين كذب الشهود، فذكر الإمام أبو عبد الله أن المذهب لم يختلف في تعلق الغرامة بالشهود، وإنما الخلاف في البداية والترتيب في الغرم وفي رجوع من غرم بما غرم على من لم يغرم. والذي أشار إليه هو أن ابن القاسم وسحنون قالا: تؤخذ الدية من الشهود إلا أن يكونوا فقراء فتؤخذ من الأب القاتل.
وروي نفي الترتيب، وأن ولي الدم يخير: إن شاء اتبع بالدية الشاهدين، وإن شاء اتبع بها الولي القاتل. ثم إن اتبع الشهود فليس له العدوان عنهم إلا أن يجدهم فقراء، وإن ابتدأ باتباع القاتل لم يكن له العدول عنه مليًا كان أو فقيرًا. وروي أيضًا أنه لا يرجع على الولي بشيء، وأما الرجوع فقال سحنون: من غرم لا يرجع على غيره بما غرم، كان ولي الدم أو الشهود.
[ ٣ / ١٠٦٢ ]
وفي رواية التخيير: أن الشهود يرجعون بما أدوا على القاتل، ولا يرجع هو عليهم بما ودى.
ولو كانت الشهادة بقتل الخطأ فأخذت الدية من العاقلة ثم قدم المشهود بقتله حيًا لردت الدية، فإن أعدم آخذها غرمها الشهود، ثم لا يرجعون بها على الأخذ، ولا يرجع هو بها عليهم إن أخذت منه، وأما إن كانت الشهادة إنما هي على إقرار القاتل فلا يلزم الشهود غرم ولا عقوبة، والدية على آخذها. وكذلك ولو كانوا فروعًا ناقلين عن غيرهم.
الصورة الثانية: أن يشهد على رجل بالزنى فيرجم بالحكم المرتب على الشهادة، ثم يطلع بعد الرجم على أنه مجبوب، ويتبين كذب الشهود، ففي الكتاب: "يغرم الشهود الدية في أموالهم". وذكر محمد عن أشهب أنه يرى الدية على عاقلة الإمام. وبه قال محمد بن عبد الحكم.
الصورة الثالثة: (قال محمد بن عبد الحكم في رجل قيد عبده وحلف، قال الشيخ أبو محمد: "يعني بحريته ألا ينزع عنه القيد شهرًا لفعل استوجب [به] ذلك، وحلف بحريته أن في القيد عشرة أرطال، ثم جاء شاهدان فشهدا أنه ليس في القيد إلا ثمانية أرطال"، قال الشيخ أبو محمد: "أراه يريد، فحكم القاضي بعتق العبد"، قال: "ثم إن السيد نزع القيد"، قال الشيخ أبو محمد: "يريد بعد الشهر"، قال: "فوجد فيه عشرة أرطال، قال محمد: فلينقض القاضي حكمه لأنه ظهر كذب الشاهدين.
الطرف الثالث: في البضع. وإذا رجع الشاهدان بعد الشهادة على الطلاق وبعد القضاء نفذ الطلاق، ولا غرم عليهما إن كانت مدخولًا بها، لأنهما إنما أتلفا وفوتا (عليه) بشهادتهما منافع بضع، وذلك ما يتقوم. وإن كانا شهد أنه تزوج بامرأة ثم طلقها قبل الدخول، فقال،
[ ٣ / ١٠٦٣ ]
ابن القاسم: يغرمان نصف الصداق. قال: وكذلك لو شهد على دخوله بزوجة عنده مع إقراره بالطلاق وإنكار الدخول، لغرما النصف، أيضًا، إذا رجعا. وقال أشهب وابن عبد الحكم: إذا شهدا عليه بالطلاق قبل الدخول فلا غرم عليهما بحال.
وسبب الخلاف: النظر إلى أصلين: أحدهما هل منافع البضع مما يتقوم أم لا؟. والأصل الآخر هل الصداق كله يثبت بالعقد، أو كله مترقب؟، فابن القاسم بنى على أن الصداق كله مترقب لجواز أن ترتد المرأة قبل الدخول فيسقط جملة، وقد ألزمه الشهود بشهادتهم، على هذا القول، مال لم يكن لزمه وحالوا بينه وبين الزوجة، فصاروا كمن ألزمه الثمن وحال بينه وبين المثمن. وبنى أشهب وابن الحكم على أن منافع البضع مما لا يتقوم، وأن الصداق كله واجب بالعقد، والشهود إنما يغرمون ما (أتلفوه) بشهادتهم، وإنما حالوا بينه وبين ما اشتراه بالصداق من منافع البضع وذلك مما يتقوم، وصار ذلك كمن شهد على مستحق لقصاص أنه عفا، فإنه لا يغرم شيء الأنه إنما فوت بشهادته استحقاق دم، وذلك مما لا يتقوم.
ولو شهد بطلاق زوجة ثابت نكاحها بشهادة غيرهما، وشهد آخران بأن الزوج دخل بها، ولا يعلم شاهدا الطلاق هل أوقعه قبل البناء أو بعده، وكذلك الشاهدان الآخران لا يعلمان أنه طلق، فإن شاهدي الطلاق إن رجعا لا غرامة عليهما على مذهب الجماعة أشهب وعبد الملك ومحمد وغيرهم. وذكر ابن سحنون أن أصحابنا على هذا المذهب وإن بعض الرواة خالف فيه، قال: وأكثر الرواة على خلافه. ولو رجع الشاهدان بالدخول لغرما نصف الصداق، بينهما نصفين، لأنه الثابت بشهادتهما. وإن رجع أحدهما غرم ربع جميع الصداق.
فروع:
الفرع الأول: إن الشاهدين بالدخول إذا غرما نصف الصداق لرجوعهما ثم ماتت الزوجة قبل الدخول استرجعاه، لاعتقاد الزوج أنها ماتت في عصمته لأنه منكر للطلاق.
الفرع الثاني: إذا شهد شاهدان على الزوج أنه طلق قبل البناء فقضي عليه بنصف الصداق على قول ابن القاسم، ثم مات الزوج فرجع الشاهدان عن شهادتهما فإنهما يغرمان للمرأة ما حرماها من ميراثه وما أسقطا من صداقها. ولو كان إنما ماتت هي لرجع الزوج عليهما بميراثه فقط لا شيء مما غرم من الصداق. وهذا الجواب إذا كان كل واحد من الزوجين منكرًا ما شهد به الطلاق.
الفرع الثالث: إذا شهدا بطلاق أمة من زوجها ففرق القاضي بينهما بشهادتهما، ثم جاء شاهدان آخران فشهدا بأن الأولين مزوران، إما لعلمهما بغيبتهما عن البلد الذي فيه
[ ٣ / ١٠٦٤ ]
الزوجان أو لغير ذلك، ثم رجع الشاهدان المكذبان غرما للسيد ما نقص من ثمنها بما ألصقا بها من عيب الزوج فتبقى معه، ويغرمان للسيد ما بين قيمتها ذات زوج وخالية من زوج.
الفرع الرابع: إذا شهدا على امرأة أنها اختلعت من زوجها بمال، وهي تنكر ذلك وتذكر أنه طلقها من غير عوض، فإذا غرمت بشهادتهما ثم رجعا غرمًا لها ما غرمت للزوج.
الفرع الخامس: وهو مرتب على الرابع: لو كان الخلع المشهود به على ثمرة لم يبد صلاحها فقضي بذلك للزوج، ثم رجعا، (فقال عبد الملك: عليهما قيمة الثمرة على الرجاء والخوف، قساسًا على من أتلف الثمرة قبل زهوها. وذهب محمد إلى أنها لا ترجع عليهما بشيء حتى يجد الزوج الثمرة ويقبضها، فيطالب الشاهدان حينئذ بالغرامة.
وإن كان الخلع بعبد آبق أو بعير شارد، فقال عبد الملك: يغرمان قيمة الآبق والشارد على أقر صفاتهما. فإن ظهر بعد ذلك أنهما كانا معيين عند الخلع استردا مما غرماه ما يقابل العيب. وعلى قول محمد إذا كان حصول الآبق أمرًا قريبًا أخذت الغرامة إلى حصوله حسبما قاله في الثمرة، وإن كان بعيدًا غرم الشاهدان قيمته على الصفة التي أبق عليها. ثم رجع محمد فقال: لا غرامة على الشاهدين في هذا ولا في الجنين، إذا وقع الخلع به، ورجع الشاهدان، إلا بعد خروج اجنين وقبضه، وبعد وجدان العبد الآبق والبعير الشارد وقبضهما، فيغرمان قيمة ذلك يومئذ، وقد كان قبل ذلك تالفًا. وكذلك الجنين وكذلك الثمرة قبل بدو صلاحها.
الفرع السادس: (إذا شهد شاهدان على امرأة أن فلانًا تزوجها على مائة دينار، وصداق مثلها مائتان دينار، وهي تجحد، فقضى القاضي بذلك ودخل بها الزوج، ثم أقرأ أنهما شهدا بزور، فالنكاح ماض بالحكم وعليهما ما أتلفا عليهما من صداق مثلها. ولو كان صداق مثله مائة دينار فأقل لمترجع عليهما بشيء. وإن طلقها الزوج قبل البناء فإنها تسأل عما أنكرت، فإن ثبتت على أنه لم يكن نكاح قط فلا شيء لها، وإن قالت: قد كان نكاح وجحدته كراهية للزوج، فلها أخذ نصف الصداق منه كالمرأة تدعي أن زوجها طلقها ثلاثًا ولم تجد بينة فبقيت تحته حتى مات وصارت وارثة، فإنها إن تمادت على تلك الدعوى فلا ميراث لها، وإن قال: كنت كاذبة كراهية للزوج، كان لها الميراث. قال الشيخ أبو محمد: "يريد وتحلف").
[ ٣ / ١٠٦٥ ]
الطرف الرابع: في العتق وما يتصل به: وإذا شهد شاهدان على مالك لعبد أنه أعتقه عتقًا ناجزًا، والمال يجحد، فقضي عليه بعتقه بشهادتهما، ثم رجع الشاهدان، فإنهما يغرمان للسيد قيمة عبده، لأنهما منعاه من بيعه والانتفاع به، فصارا بذلك كالمانعين له بقتله، ويكون الولاء لسيده لأنهما معترفان بذلك، والسيد يستحق ماله على مقتضى إنكاره، فإن لم يكن له وارث أخذ السيد ماله على مقتضى قوله وقول الشاهدين. وإن كان العتق في أمه وهي تعلم أن الشاهدين مزوران فلا يحل لهما أن تبيح فرجها بالتزوج لأحد.
وإن كان الشهادة بأنه أعتقه إلى أجل فقضى عليه بذلك، ثم رجعا، غرما قيمته حالة، أيضًا، لا، المعتق إلى أجل امتنع فيه البيع، وهو من أعظم المقاصد في الأملاك، وقد حالا بين السيد وبينه، إلا أن السيد إذا أخذ قيمته وقد دخلت فيها قيمة خدمة العبد للسنة التي يعتق لانقضائها، فلا يجمع له بين أخذ الشيء وأخذ قيمته، والشاهدان يقولان: نحن نستحق منافع العبد إلى أجل عتقه لكون السيد أخذ منا قيمتها فيما أخذ، فيستحق الرجوع على السيد بمقدار ما أخذ منا من قيمة هذه المنافع التي أثبتناها حين شهادتنا في يده. فههنا وقع الخلاف في المذهب.
فذهب عبد الله بن عبد الحكم إلى أن هذه المنافع تقوم على غررها وتجويز أن يموت العبد قبل الأجل أو يعيش إليه فيخرج حرًا، فتحط القيمة على هذه الصفة من جملة القيمة التي يغرمانها، وتبقى منافع العبد لسيده على حسب ما كانت قبل أن يرجعا عن الشهادة.
قال محمد: وهذا الذي قاله ليس بمعتدل، لأنه قد تكون قيمة هذه المنافع أوفى من قيمة رقبته فيكون الشاهدان أتلفا عليه العبد ثم لا يغرمان شيء ا.
قال الإمام أبو عبد الله: "وهذا الذي قاله محمد صحيح من جهة الفقه لو أمكن تصوره، ولكنه كالممتنع من جهة العادة لأنه إذا حكم بقيمة الرقبة التي تباع بها ويبقى العبد مملوكًا طول أيام حياته فقد علم قطعًا أن قيمة المنافع المؤجلة قد دخلت في هذا التقويم فلا يصح أن تكون أكثر منه".
(ورأى) سحنون أن تسلم منافع العبد إليهما إلى أن ينقضي الأجل يؤاجران العبد أو يستخدمانه ويحسب ذلك عليهما حتى يستوفيا ما غرما، وما بقي من منافع المدة فللسيد. وإن لم تف منافع المدة بما غرما لم يرجعا بشيء مما بقي على أحد. وكذلك لو مات في أضعاف المدة أو بعد فراغها ولم يستوفيا لم يرجعا بشيء، إلا أن يترك مالًا فيأخذا منه مقدار ما غرماه أو بقي منه بعدما قبضًا في حياته. وكذلك لو قتل لم يكن لهما شيء إلا أن تؤخذ قيمته من قاتله
[ ٣ / ١٠٦٦ ]
قاتله فيأخذا منها، لأن السيد معترف أن ما يستحقه من مال العبد فيه دين، وهو مقدار ما أخذ منهما.
ورأى محمد أن سيد العبد بالخيار بين أن يسلم خدمته إليهما، كما قال سحنون، وبين أن يتمسك بها ويدفع إليهما قيمة هذه المنافع وقتًا بعد وقت، بحسب ما يرى في ذلك من مقتضى الاجتهاد، وبهذا قال عبد الملك بن الماجشون.
ومنشأ هذا الاختلاف: النظر إلى تقابل الحقوق، فمن حق السيد أن يتمسك بالعبد أو الأمة ليأمن عليهما ويدفع القيمة إلى الشاهدين، ومن حق الشاهدين أم يقولا: نحن غرمنا قيمة المنافع في قيمة الرقبة فكأنها اشتريناها (منه)، فنحن أحق بعين المنافع.
وإن كانت الشهادة بأن دبر عبده فقضي عليه بذلك ثم رجعا، فإنهما يغرمان قيمته ناجزًا ويقال لهما: ادخلا فيما أدخلتماه فيه فاقبضا من الخدمة التي أبقيتما بيده من رقة ما وديتما، ثم ترجع خدمته لسيده. ثم حكمهما في موته في مدة حياة السيد أبو بعدها، ولم يستوفيا ما غرم حكمهما في المعتق إلى أجل، فإن خرج بعد موت السيد حرًا فلا شيء لهما، وإن رق منه شيء فهما أولى به حتى يستوفيا منه، وإن رده دين فهما أولى من صاحب الدين، وهما كأهل الجناية.
وإن كانت الشهادة بالكتابة وقضى بها ثم رجعا فليؤديا قيمته ناجزة أيضًا.
(قال محمد: قيمته يوم الحكم، ثم يتأديانها من الكتابة على النجوم حتى يستوفيا، ثم يتأدى السيد ما بقي منها، ولو رق (بعجزه) قبل أن يستوفيها لبيع لهما منه بتمام ما بقي لهما، فإن لم يبلغ ما بقي فلا شيء لهما). (قال محمد: هذا قول عبد الملك. وروي عن ابن القاسم أنهما يغرمان القيمة فتوضع بيد عدل ويتأدى السيد الكتابة، فإن استوفى من الكتابة مثلها رجعت إلى الشاهدين، وإن كانت الكتابة أقل أو مات المكاتب قبل الاستيفاء دفع (للسيد) من تلك القيمة تمام قيمة عبده).
(قال محمد: ويقول عبد الملك: أقول وعليه أصحاب مالك، لأن السيد في قول ابن القاسم مظلوم، قد منع منه عبده، وما كان له فيه من التصرف، ولم تدفع له القيمة، ولإراحة
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
الشاهدين، أيضًا، في إيقافها، إذ لعلها تنوي فيغرمانها ثانية. قال: ولو استحسنت قول ابن القاسم لقلت: فكلما قبض السيد من الكتابة شيء ارد مثله من القيمة الموقوفة إلى الشاهدين، ولم أوقفها كلها إلى انقضاء الكتابة كما في ظاهر قوله).
(وقال سحنون: إذا رجعا بيعت الكتابة بعرض، فإن كان فيها وفاء بقيمة العبد أو أكثر فللسيد، وإن كان أقل رجع عليهما بتمام القيمة، والقول الأول أكثر.
وإن كانت الشهادة أنه استولد أمته فحكم بذلك ثم رجعا، فعليهما قيمتها للسيد، لما قدمناه من التعليل، ولا شيء لهما إذ لم يبق فيها خدمة يرجعان فيها بما يغرمانه إلى أن تجرح أو تقتل فيؤخذ لذلك أرض فلهما الرجوع فيه بما غرماه، وما فضل للسيد. قال سحنون: وكذلك إن أفادت مالًا فليرجعا فيه بما وديا. وقال محمد: لا يرجعان فيما تفيد من مال بعمل أو بهبة أو بغير ذلك، بل ذلك للسيد مع ما أخذ. وقال محمد بن عبد الحكم: عليهما قيمتها، ويخفف عنهما لما بقي له فيها من الاستمتاع. وكذلك إن كانت حاملًا غرما قيمتها على التخفيف. ولو كان لها ولد وكانت شهادتهما أنه أقر أنها ولدته منه فألحق به، ثم رجعا فعليهما له قيمته.
قال الشيخ أبو محمد: "وروي عن بعض مشائخنا: أنه لا شيء عليهما إذا رجعا بشهادتهما عن استيلاد الأمة، قال: وهي رواية ما أدري ما حقيقتها، ولا أرى ذلك.
وإن كانت الشهادة أنه أعتق أم ولده فقال محمد: قال عبد الملك، وأخبرنا أصحابنا مثله عن أشهب: إنه لا شيء على الشاهدين لأنه لم يبق له فيها غير الوطء ولا قيمة له. وقال ابن القاسم: على الشاهدين قيمتها للسيد كما لو قتلها رجل، قال محمد: والقول الأول أقوى وأصح. وقال محمد بن عبد الحكم: يغرمان له قيمتها ويخفف عنهما من ذلك بقدر ما كان بقي له فيها من الرق".
الطرف الخامس في النسب، والولاء، وإرقاقالحر.
أما النسب: فمن ادعى أنه ابن رجل، والرجل ينفيه، فأقام بينة أن الأب أقر به أنه ابنه فحكم بذلك، ثم رجعا وأقرا بالزور بقرب ذلك، ولم يمت الأب، فلا شيء عليهما في تثبيت النسب قبل أن يؤخذ [بشهادتهما] المال بالميراث، بأن يموت الملحق به فيرث المقضي له وتمنع العصبة، فحينئذ يغرمان للعصبة ما أتلفا عليهم. وإن كان المشهود (ببنوته) عبدًا لرجل
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
فقضي بإلحاق نسبه وحريته، ثم رجعا والسيد صحيح البدن، فالحكم بالنسب ماض، وعليهما للسيد قيمة العبد، فإن مات الأب بعد ذلك وترك ولدًا آخر غير المستلحق فليقسمان تركته، إلا قدر قيمة المستلحق التي أخذ الأب من الشاهدين فإنها تعزل من التركة فتكون للابن الأول خاصة، لأن المستحلق مقر أن أباه ظلم فيها الشهود، وأنه لا ميراث له فيها، وينظر إلى ما حصل للمستلحق من الميراث من غير القيمة فيغرم الشاهدان مثله للابن الأول بما أتلفاه عليه.
"قال محمد: وإنما جعلنا القيمة للابن الأول، لا، الو قسمناه بينهما لرجع الشاهدان على المستلحق فيما أخذ منهما فأخذاه منه، لأنه مقر بأنه لا رجوع لأبيه عليهما لصحة نسبه عنده، فإذا أخذا ذلك منه قام عليهما الابن الأول فأخذه منهما، لأنه يقول: لو بقي ذلك بيد المستلحق لوجوب لي عليكما الرجوع بمثله لأن عليهما أن تغرما كل ما أخذ من التركة. قال: ولو طرأ على الميت بعد ذلك دين مائة دينار لرجل، فإنه يأخذ من كل واحد من الولدين نصفها، فإن عجز عن ذلك [تم] قضاء الدين من تلك القيمة التي انفرد بها الأول ورجع الشاهدان (عليه) فأغرماه مثل الذي غرمه الملحق للغريم، لأنه أخذه منهما عوضًا عما أخذه الملحق من تركة أبيه، والآن فقد صرف في دين أبيه فلم يتلفا عليه شيء ًا بشهادتهما. وقال: ولو لم يكن للميت غير المستلحق وحده، وقد ترك مائتي دينار، مائة من كسبه ومائة أخذها من الشاهدين في قيمة المستلحق، فالمائة الواحدة له فقط والمائة الاخرى للعصبة فإن لم يكونوا فلبيت المال ويغرم الشاهدان مائة أخرى للعصبة أو لبيت المال [لأنهما] لولا شهادتهما أخذ العصبة مائتين. فإن طرأ على الميت دين مائة دينا أخذها من الملحق وحده، ورجع الشاهدان فأخذا المائة التي وديا للعصبة أو لبيت المال بعد موت الميت".
وأما المواريث: فمن ترك مائة دينار فورثها مولاه، ثم قدم رجل فأثبت أنه ابن عمه فنزعها من المولى، ثم قدم آخر فأثبت أنه أخو (الميت)، فأخذها من يد أبن العم، ثم قدم آخر فأثبت أنه ابن الميت فانتزعها من يد الأخ، ثم رجع جميع الشهود، فعلى شهود تلابن غرمها للأخ لا، هم أتلفوها عليه، وكذلك على شهود الأخ غرمها لابن العم وعلى شهود ابن العم غرمها للمولى.
وأما الولاء: فإذا شهد شاهدان أن فلانًا مولي فلان، والمشهود عليه ينكر، فقضي
[ ٣ / ١٠٦٩ ]
بالولاء، ثم رجعا وأقرا بالزور، فلا شيء عليهما إلا أن يموت ويترك مالًا ولا يرثه غير ذلك المولي المحكوم له، فإنهما يغرمان لمن أتلفا ذلك عليه حتى صار لهذا إن أقرا أنهما انتزعا ولاءه من الذي نازع الآخر فلي الولاء إن كان أحد نازعه. وأما إن لم يعرف فيه منازع فيوقف ما (يضمنانه) حتى يثبت مستحق وإنما يضمنان تركته التي مات عنها، كانت أكثر مما كان معه يوم الحكم أو أقل.
وأما إرقاق الحر: فقال محمد بن عبد الحكم: إذا شهدا على رجل أنه عبد لفلان وهو يدعي الحرية فقضي عليه بالرق، ثم رجعا، فلا قيمة عليهما في الرقبة، ولكنهما يلزمان للعبد كل ما استعمله سيد، وكل خراج أدى إليه من عمله وإن كان له مال فانتزعه، فهذا كله يلزم الشهود للعبد. ثم ليس لمن قضى له (بملكه) أن يأخذ ذلك منه، لأنه إنما هو عوض مما أخذ منه. ولو مات المشهود له وذلك في يده لم يأخذه السيد بل يوقف حتى يستحق ذلك مستحق يرثه بالحرية. ولو أعتق منه العبد قبل موته عبدًا لجاز عتقه وكان ولاؤه بعد لمن كان يرث عنه الولاء لو كان حرًا، ويرث العبد إن مات ومعتقه حي. وإن أوصى منه العبد كان ذلك في الثلث منه، وإن وهب منه أو تصدق جاز ذلك، ويرث باقيه ورثته وإن كان له من يرثه لو كان حرًا، وليس للعبد أن يتزوج منه لأن النكاح ينقص رقبته".
الطرف السادس: في المال. وقد تقدم ما يعرف منه حكم الرجوع فيه على الجملة، غير أن المقصود ههنا ذكر فروع.
الفرع الأول: في رجوع الشهود عن بعض الشهادة.
"قال محمد بن عبد الحكم: وإذا شهد شاهدان لزيد وعمرو بمائة دينار فأخذاها كل واحد خمسين، ثم رجعا وقالا: المائة كلها لزيد، واعترفا بالكذب في اشتراك عمرو معه فيها، فإنهما يغرمان خمسين للمشهود عليه، لأنهما أقر أنهما أخرجاه من يده إلى ما لا حق له فيها، ولا تقبل شهادتهما للآخر أن المائة كلها له، ولا يغرمانها له، لا، هما إنما أخذا خمسين من مال المشهود عليه دفعاها لمن لا شيء له عليه، وإن (كان) لزيد عنده خمسون أخرى فقد بقيت على من هي عليه. قال: ولو كان المشهود به ههنا عبدًا معينًا، شهدا بأنه لزيد وعمرو، ثم رجعا بعد أن قضي بذلك فقالا: إنما العبد كله لزيد، فإنهما يغرمان نصف قيمة العبد لزبد إن كان الذي أخرج العبد بالشهادة من يده يصدقهما في أن جميعه لزيد على حسب ما قالاه في
[ ٣ / ١٠٧٠ ]
رجوعهما، وإن كان ينكر الشهادتين ويقول: كله لي، فغرامة النصف المذكور يقضي بها للمشهود عليه".
الفرع الثاني: في رجوع بعضهم عن الشهادة، أو عن بعضها. "قال ابن القاسم وعبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ، في شاهدين قضي بشهادتهما في حق، ثم رجع أحدهما: فإنه يغرم نصف الحق. قال محمد: ولو رجع أحدهما عن نصف ما شهد به لغرم ربع الحق، وإن رجع عن الثلث غرم لسدس. ولو رجعا جميعًا كان الحق عليهما نصفين. فإن اختلف رجوعهما لزم كل واحد غرم [نصف] ما رجع عنه، لأنه هو الذي أتلف".
الفرع الثالث: في رجوع بعضهم مع ثبات من يستقل بهم الحق. وإذا كانت البينة ثلاثة فقضي بها ثم رجع أحدهم، فقال محمد: لا يغرم شيء الاستقلال الحق بمن بقي، فإن رجع ثان غرما نصف الحق. "وقال محمد بن عبد الحكم: بل يغرم الراجع أولًا ثلث الحق. ثم حكى عن أشهب أنه قال: لو شهد أربعة بدراهم، ثم رجع منهم ثلاثة لغرموا ثلاثة أرباع الدراهم. وقال محمد في ثلاثة شهدوا بثلاثين دينار فقضي بها، ثم رجع أحدهم عن الثلثين، ورجع آخر عن عشرين منها، ورجع ثالث عن عشرة منها: فعشرة على الجميع غرمها أثلاثًا، وعشرة لا يغرم أحد منها شيء الاستقلال ثبوتها بشاهدين، وهذا على القول الأول بأن الراجح لا يغرم إذا بقي ممن شهد معه من يثبت معها لحق، وتبقى عشرة على الأولين منها خمسة بينهما نصفين، ولا شيء على الثالث منها.
الفرع الرابع: "في رجوع بعض البينة المشتملة على جنسي الرجال والنساء، وكيفية توزيع الغرامة.
وإذا حكم لرجل ونساء، ثم رجع الجميع، فعلى الرجل نصف الحق، وعلى جماعة النساء نصفه بينهن بالسوية، ولو رجعن وحدهن لكان عليهن النصف. ولو كن عشرًا فرجع منهن واحدة إلى ثمان فلا شيء عليهن، فإن رجع منهن تسع، أو رجع ثمان ثم رجعت واحدة بعدهن، فعلى التسع ربع المال بينهم بالسوية، لانه بقي من أحيى ثلاثة أرباع الحق، وذلك في كل ما تجوز فيه شهادتهن مع الرجال".
فأما ما ينفردن به ويقبلن فيه منفردات عن الرجال، فكل امرأة منهن كرجل، فلو شهد
[ ٣ / ١٠٧١ ]
رجل وعشر نسوة على رضاع، ثم رجع الكل بعد الحكم، فعلى الرجل سدس ما يجب من الغرامة عما أتلفت الشهادة، وعلى كل امرأة نصف سدس إذ لا يتوقف الشرط على الرجل. لو رجع الكل إلا امرأتين لم يجب غرم على القول باعتبار ثبات من يستقل به الحق. ولو رجع الكل إلا واحدة وزع نصف الحق على جميع من رجع.
الفرع الخامس: في طلب المشهود عليه من الشهود ألزم غرمه بشهادتهما قبل أن يغرمه. "قال في كتاب محمد: إذا حكم بشهادتهما ثم رجعا، فهرب المقضي عليه قبل الأداء، فطلب المقضي له أن يأخذ الشاهدين بما كانت يغرمان لغريمه لو غرم له، قال: لا يلزمهما غرم حتى يغرم المقضي عليه فيغرمان له حينئذ، وإن أقر بتعمد الزور.
وقال محمد بن عبد الحكم: للمقضي عليه أن يطلب الشاهدين بالمال حتى يدفعاه عنه إلى المقضي له، ثم قال: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: لا يحكم على الشاهدين حتى يؤدي المقضي عليه، وفي هذا تعرض لبيع داره وإتلاف ماله واللذان أوجبا عليه ذلك قيام، أرأيت لو حبسه القاضي في ذلك أيترك محبوسًا ولا يغرم الشاهدان بل يؤخذان بذلك حتى يخلصاه، فإن لم يفعلا حبسا معه، ولو شهد عليه بمائة دينار فحكم عليه بها وضرب له الإمام فيها أجلا عشرة أيام أو أكثر أو أقل، ثم رجعا قبل تمام الأجل، فإنهما يغرمان ذلك الآن للمقتضي له ويبرئ المطلوب".
خاتمة الكتاب: يذكر اطلاع القاضي بعد الحكم على خلل في الشهود.
وإذا حكم بشهادة اثنين ثم ظهر أن أحدهما عبد أو ذمي أو مولى عليه، فعلى المقضي له بالمال رده على المحكوم عليه، إلا أن يحلف مع الشاهد الباقي فيتم له ما أخذ، فإن نكل حلف المحكوم علين، إن شاء، وأخذ ماله، فإن نكل فلا شيء له. قال سحنون: والحكم ههنا ينتقض، بخلاف رجوع البينة، وبخلاف أن يظهر أن أحدهخم مسخوط، وبهذا قال أشهب. قال محمد: ولا أعلم إلا وقد قاله لي عبد الملك. وقال ابن القاسم: ينقض الحكم كما لو كان عبدًا أو ذميًا. وذكر الشيخ أبو محمد اختلافًا في قبول شهادة المولى عليه لسوء نظره في المال لا لجرحة فيه.
"قال سحنون: وإن كان الحكم في قصاص في قتل أو قطع يد، فإن حلف المقضي له بالقصاص في اليد مع (شاهده الباقي)، أو حلف المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يمينًا قسامة تم له الحكم الأول، وإن نكل عن القصا في اليد، ولم يعلم بأن شاهده
[ ٣ / ١٠٧٢ ]
عبد لظاهر حريته، فليحلف المقتص منه في اليد أن ما شهد عليه به باطل. وإذا (نكل) المقضي له بالقتل عن القسامة، فالنكول في مثل هذا ترد به الشهادة وينقض به الحكم.
ثم قال بعض أصحابنا: لا ضمان على الحاكم وهو لم يخطئ، وقد اجتهد وفعل ما عليه من العمل على ما ظهر إليه ولا ضمان على المحكوم له بالقصاص لأنه لم يأخذ ثمنًا فيرده، وغرم ذلك على الشاهدين إن كانا جهلًا رد شهادتهما عنه بأن أحدهما عبد أو ذمي. وقال بعضهم: إن ذلك على عاقلة الإمام. وقيل: إن ذلك هدر، لا على الإمام ولا على البينة ولا على المحكوم له، وإنما خطأ الإمام الذي يكون على عاقلته ما جاوز ثلث الدية منه ما يخطئ به في نفس الحكم، مثل أن يقتل أو يقص من لا يجب ذلك عليه، أو يجيز شهادة العبد والذمي والمولى عليه، وهو يرى أن ذلك يجوز، أو يقطع من سرق من غير حرز، أو من سرق ثمرًا أو كثرًا. وأما يظهر له ما لم يعلمه، وما بالغ فيه في الإعذار والاجتهاد، فهذا الذي عليه. وكذلك لو حكم بالرجم في الزنى، ثم ظهر أن أحد الشهود عبد أو ذمي أو مولى عليه، فالحكم زائل، كأنه لم يكن، ويجلدون للقذف.
وقال بعض أصحابنا: الغرم على الحاكم إن كان الشهود لم يعلموا أن الذين شهدوا معهم كما ظهر من أمرهم، وإن كانوا يعلمون ذلك فعليهم الغرم.
وقال بعضهم: لا شيء عليهم ولا على الحاكم، جهلوا من معهم، أو كانوا عرفوا بهم وجهلوا أن شهادتهم لا تجوز، فأما لو علموا بهم وعلموا أنهم لا تجوز شهادتهم فهم ضامنون للدية".
[ ٣ / ١٠٧٣ ]