وفيه خمسة أبواب:
الباب الأول: في حكم الصداق الصحيح، في الضمان والتسليم والتقرير
الأول: حكم الضمان
وهو مضمون في يد الزوج، إن كان مما فيه حق توفية، وإن لم يكن فيه حق توفية فلا ضمان فيه. وحكمه في التلف و(التعيب) وفوات المنافع و(تفويتها) حكم المبيع قبل القبض؛ إذ الصداق عوض، ولذلك يؤخذ بالشفعة، ويفسد العقد بفساده في بعض الصور، ولا يجوز بمجهول ولا بما فيه غرر، إلا أن يخف الغرر فيغتفر، كما أجزنا النكاح على شورة بيت، أو خادم من غير وصف، أو على عدد من الإبل والغنم من غير وصف، فيكون لها من الشورة المعروفة بأمثالها الوسط، ومن الخدم الوسط حالًا، جميع ذلك إن لم يكن ضرب له أجلًا، ومن الإبل والغنم الوسط من الأسنان. ويصح النكاح في الجميع، ويؤخذ ما ذكرناه؛ إذ ليس المقصود من النكاح المغابنة والمكايسة كما في البيع، بل المقصود المكارمة والمحاسنة والألفة، فجاز في النكاح من ذلك ما لم يجز في البيع. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز إلا على معلوم مقدر.
الحكم الثاني: التسليم.
قال ابن القاسم: «للزوجة منع نفسها حتى تقبض صداقها، إن كانا بالغين. ولها أخذه
[ ٢ / ٤٧٠ ]
بعد تمام العقدة إن نكحها على النقد نكاح الناس. وإن نكح بنقد وأجل، فإن دفع النقد كان له البناء، فإن لم يجد تلوم له الإمام، وضرب له أجلًا بعد أجل، فإن لم يقدر فرق بينهما».
وإن أجرى النفقة إذا طلبت ذلك المرأة، وتسليم المرأة نفسها، موجب لتسليم الصداق إذا كانت مهيأة للاستمتاع، فإن كانت محبوسة أو ممنوعة لعذر آخر لم يلزم تسليم الصداق.
وكذلك إن كانت صغيرة، إلا أن يكون الصداق معينًا كدار أو عبد ونحوهما، فلها أو لوليها طلب تعجيله، وإن لم تؤخذ بتعجيل الدخول، لأن ضمان ما كان بعينه منها.
ثم إذا بادرت وسلمت، فلها طلب الصداق، وإن لم يطأها، نعم لو رجعت إلى الامتناع سقط طلبها، إلا إذا وطئها، فإن المهر يستقر بوطئها مرة واحدة، وليس لها بعد الوطء حبس نفسها لأجل الصداق؛ إذ أبطلت حقها بالتمكين من الوطء مرة واحدة. وكذلك إذا بادر الزوج فسلم الصداق، لزمها تسليم نفسها، لكن عليه أن يمهلها ريثما تستعد وتهيئ أمورها، ويعرف مقدار ذلك في حقها بجريان العادة في مثلها، ولا تمهل لأجل الحيض فإن له الاستمتاع بما فوق الإزار، فإن كانت صغيرة لا تطيق الجماع أو مريضة فليمهلها.
فرع: قال أشهب فيمن «نكح وشرط ألا يدخل إلى خمس سنين، قال: بئس ما صنعوا، والنكاح جائز، والشرط باطل، ويدخل متى شاء»، ورواه ابن وهب.
وروى ابن القاسم فيمن شرط عليه أن لا يدخل إلى سنة، فإن كان لتغربه بها وظعنه، وهم يريدون أن يستمعوا منها، وكان ذلك لصغرها، وشبه ذلك، فذلك عذر، وإلا فالشرط باطل. قال أصبغ: وما ذلك بالقوي إذا احتملت الوطء.
الحكم الثالث: التقرير
فلا يتقرر شيء من الصداق بالعقد على المشهور من المذهب. وحكى بعض المتأخرين قولين آخرين:
أحدهما: أنه يستقر نصفه بالعقد والطلاق، وغيره طارئ عليه.
والثاني: أنه يستقر جميعه بالعقد، واستقرأه من قول الغير في الكتاب أن الغلة للمرأة كانت في يدها أو في يد الزوج، لأن الملك ملكها قد استوفته.
وإذا فرعنا على المشهور، فإنما يتقرر كمال المهر بالوطء أو موت أحد الزوجين. أما الخلوة بمجردها فلا تقرر، إلا أن يطول المقام، فيتقرر الكمال على أحد القولين، لأن الجهاز
[ ٢ / ٤٧١ ]
قد تغير، واللذة قد حصلت ودامت، ثم اختلف قائلوا هذا في ضبط مدة الطول، فقيل: سنة، وقيل: ما يعد طولًا في العادة.
ثم حيث قلنا: إن الخلوة بمجردها لا تقرر، فإنها تؤثر في جعل القول قولها في بعض الصور إذا تنازعا في الوطء لأجل التقرير، كما إذا خلا بها خلوة البناء، فالمذهب أن القول قولها، وقيل: إن كانت بكرًا نظر إليها النساء.
(فأما خلوة الزيادة، فقيل: القول قولها أيضًا. رواه ابن وهب، وقال به هو وأشهب وأصبغ. قال الشيخ أبو محمد: «وهو أشبه بحديث عمر، سواء جمعتهما بإغلاق باب، أو إرخاء ستر، أو غيره، إلا أنها خلوة بينة. وقيل: القول قوله».
وفرق في المشهور، فجعل القول قول الزائر منهما جريًا على مقتضى العادة، وهو قول مالك وابن القاسم، فإن تصادقا على نفي الوطء، لم يكن لها عند الجميع إلا نصف الصداق، ثم يقبل قولها في نفي الوطء، وإن كانت مولى عليها بكرًا، صغيرة كانت أو بالغة، أمة أو حرة، مسلمة أو كتابية، أو كانت يتيمة، فالقول قولها، لها وعليها، وكذلك فيما يفسخ من النكاح، لأن هذا مما لا يعرف إلا بقولين).
الباب الثاني: في الصداق الفاسد، ولفساده ستة مدارك:
الأول: أن يكون مما لا يجوز بيعه، لتحريم عينه، أو لغرره، كالخمر، والخنزير، والآبق، والشارد. فإذا عقد بذلك فسخ النكاح قبل الدخول، وثبت بعده على المشهور. وهل فسخه على الاستحباب أو الوجوب، قولان.
وروي أنه يفسخ بعد الدخول أيضًا، وهو مبني على تعدي فساد الصداق إلى فساد العقد، فإذا فسد وجب فسخه قبل الدخول وبعده.
فأما المشهور فهو مبني على قصر الفساد على الصداق، وعدم تعديه إلى العقد، والحكم بصحة النكاح، إلا أنه يفسخ قبل الدخول لا لفساد العقد الذي هو سبب الاستباحة والتناول، بل لفقدان شرطها ووجود مانعها، فيفسخ العقد ليستأنف عقده بعوض صحيح مقترن به، أو ليحصل العقد عاريًا عن اقتران مانع الاستباحة.
والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾. فأما إذا حصل الدخول فقد ثبت
[ ٢ / ٤٧٢ ]
الصداف الصحيح، أعني صداق المثل، وبطل الفاسد، فوجد الشرط، وانتفى المانع، فلا يفسخ العقد حينئذ، وصار ذلك كزوال العيب الموجب لرد البيع قبل القيام به.
فرع: من نكح بمغصوب فسخ قبل الدخول، وثبت بعده، ولها صداق المثل، رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن كنانة.
وقال ابن القاسم: لا يفسخ بحال وإن تعمد ذلك، بل يجب عليه غرم المثل إن كان مثليًا، أو القيمة إن لم يكن مثليًا. وقيل: بل يغرم المثل أيضًا. وقيل: يغرم صداق المثل.
وهذه الأقوال الثلاثة جارية أيضًا فيما إذا أصدقها معيبًا فاختارت رده.
المدرك الثاني:
أن يكون الصداق على منافع الزوج، مثل أن يخدمها مدة معلومة، أو يعلمها القرآن، أو شيئًا منه، وشبه ذلك، فمنعه مالك، وكرهه ابن القاسم في كتاب محمد. وأجازه أصبغ. فإن وقع مضى في قول أكثر الأصحاب، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم.
وروى عنه يحيى: أنه إذا لم يكن مع المنافع صداق (فسخ) قبل البناء، وثبت بعده، ويكون لها صداق مثلها، وتسقط الخدمة، فإن كان خدم رجع عليها بقيمة الخدمة.
وكذلك روى عنه يحيى أيضًا في نكاحها على إحجاجها، أنه يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده، ويجب صداق المثل، إلا أن يكون مع الحجة غيرها فيجوز.
قال ابن حبيب: وليس يعجبني، ولا رأيت أصبغ وغيره من أصحاب مالك يعجبهم، ورأيتهم يرونه جائزًا، لأن ذلك يرجع إلى حجة مثلها في النفقة والكراء والمصلحة، مثل نكاح المرأة على شورة مثلها، أو على صداق مثلها، أن ذلك كله جائز، ويرجع ذلك إى الوسط من صداق مثلها.
قال ابن حبيب: وأمنعه من الدخول حتى يحجها أو يعطيها مقدار ما يشبه مثلها من النفقة والمصلحة، والنوائب، في بعد سفرها أو قربه، فتكون قد قبضت صداقها، فإن شاءت حجت به، وإن شاءت تركته.
قال فضل بن سلمة في قوله: أو يعطيها مقدار ما يشبه مثلها من النفقة والمصلحة هو قول مالك وخلاف مذهب ابن القاسم.
قال أبو الحسن اللخمي: «والقول بجواز» جميع ذلك أحسن، والإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشتري، وإنما كره ذلك مالك، لأنه يستحب أن يكون
[ ٢ / ٤٧٣ ]
الصداق معجلًا، والإجارة والحج في معنى المؤجل، وأجازه أشهب في كتاب محمد، وإن لم يضربا أجلًا». قال: «وكل من تزوج بشيء فهو حال، فإذا حل زمن الحج، وجب ذلك عليه».
«ثم حيث (أمضيناه) إذا كان معه شيء غيره، فاختلف في بنائه بها قبل أن يحجها، فمنعه ابن القاسم إلا أن يقدم ربع دينار.
وقول أشهب: أن له أن يبني بها ويجبرها على ذلك لأنه قال: ذلك بمنزلة من تزوج بمائة دينار إلى سنة، فله أن يبني بها». قال: «يريد ويجبرها على البناء، فإذا أتى أوان الحج حج بها، إلا أن يأتي أوان الحج قبل أن يبني بها، فلا يكون له أن يبني بها حتى يحجها، كالدين يحل قبل البناء، فتمنعه نفسها حتى يدفع ذلك إليها».
المدرك الثالث: الشرط.
وما فسخ النكاح من أجله من الشروط، فسد الصداق به تبعًا له. ولنذكر أقسام الشروط وأحكامها، وما يفسخ النكاح لأجله منها، فنقول: الشروط ثلاثة أنواع.
الأول: ما يقتضيه عقد النكاح لو لم يذكر، كشرطه أن ينفق عليها، أو يبيت عندها، أو لا يؤثر عليها، ونحو ذلك، وهذا وجوده وعدمه سيان، ولا يوقع في العقد خللًا، ولا يكره اشتراطه، ويحكم به إن ترك أو ذكر.
النوع الثاني: عكس هذا، وهو أن يكون مناقضًا لمقتضى العقد، كشرطه أن لا يقسم لها ونحوه، وهذا النوع ممنوع، وإن اشترط أدى إلى القدح في النكاح، وفسخ قبل الدخول.
واختلف في فسخه بعده على ما تقدم.
النوع الثالث: ما لا تعلق له بالعقد، فلا يقتضيه ولا ينفيه، وهذا كشرطه أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرر، أو لا يخرجها من بيتها، أو (من) بلدها، وهذا النوع مكروه، لكن لا يفسد النكاح، ولا يقتضي فسخه، بعد الدخول ولا قبله. وفيه قال في كتاب محمد: وكره مالك عقد النكاح على شيء من الشروط. وقال: لقد أشرت على القاضي أن ينهي الناس عن ذلك، وأن لا يزوج الرجل إلا على دينه وأمانته، وكره ما (يؤكد) من الإيمان فيها. قال: وكل شرط وإن كان في العقد فلا يلزم، إلا ما كان فيه تمليك أو يمين.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
فرع: إذا شرط شيئًا من النوع الثالث ثم خالفه، فإن لم يكن علقه بيمين ولا تمليك، ولا وضعت لأجله شيئًا من صداقها، فله مخالفة الشرط بفعل ما شرط أن لا يفعله، وترك ما شرط فعله. وإن كان علق الشرط بيمين أو تمليك لزمه ذلك.
وإن كانت وضعت له شيئًا من صداقها لأجله، فإن كانت عينت مهرًا ثم أسقطت بعضه للشرط رجعت به، وإن كانت إنما خففت في المهر لأجل الشرط قبل التعيين، فقيل: ترجع بما تركته. وفي الكتاب لا ترجع. وقال علي بن زياد: ترجع إن كان ما وضعته من صداق المثل دون أن يكون من الزائد. ورواه ابن نافع.
ولو كان الشرط إنما يعود بالفساد في الصداق كجعله إلى موت أو فراق ونحوع، لجرى على الخلاف المتقدم في تعميم حكم الفسخ أو تخصيصه أو نفيه.
ولو شرط الأجل في الصداق، فقال عبد الملك: كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شيء من المهر مؤخرًا، وكان مالك يقول: إنما الصداق فيما مضى ناجز كله، فإن وقع منه شيء مؤخر، فلا أحب أن يطول الأجل في ذلك.
قال فضل بن سلمة: ذكر ابن المواز عن ابن القاسم في تأخير الأجل إلى السنتين والأربع. وذكر عن ابن وهب إلى السنة. ثم حكى عن ابن وهب أنه قال: لا يفسخ النكاح إلا أن يزيد الأجل إلى أكثر من العشرين.
وحكى عن ابن القاسم أنه يفسخه إلى الأربعين فما فوق، ثم حكى أنه إنما يفسخه إلبى الخمسين والستين.
قال فضل بن سلمة: لأنهم قالوا: إن الأجل الطول مثل ما لو تزوجها إلى موت أو فراق.
قال عبد الملك: وقد أخبرني أصبغ أنه شهد ابن وهب وابن القاسم تذاكرا الأجل في ذلك، فقالب ابن وهب: رأيي فيه العشر فدون، وما جاوز ذلك فمفسوخ، فقال له ابن القاسم: وأنا معك على هذا. فأقام ابن وهب على رأيه، ورجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه أنا إلى الأربعين، وأفسخه فيما فوق ذلك. قال أصبغ: وبه أخذ، ولا أحب ذلك بدءًا إلى العشر ونحوها، وقد شهدت أشهب زوج ابنته وجعل مؤخر مهرها إلى إثنتي عشرة سنة.
قال عبد الملك: وما قصر من الأجل فهو أفضل، وإن بعد لم أفسخه إلا أن يجاوز ما قال ابن القاسم، وإن كانت الأربعون في ذلك كثيرًا جدًا.
قال عبد الملك: وإن كان بعض الصداق مؤخرًا إلى غير أجل، فإن مالكًا يفسخه قبل البناء، ويمضيه بعده.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وترد المرأة إلى صداق مثلها معجلًا كله، إلا أن يكون صداق مثلها أقل من المعجل فلا ينقص منه، أو أكثر من المعجل والمؤجل، فتوفي تمام ذلك، إلا أن يرضى الناكح بأن يجعل المؤخر معجلًا كله مع النقد منه، فيمضي النكاح، فلا يفسخ لا قبل البناء ولا بعده، ولا ترد المرأة إلى صداق مثلها، فإن كره الناكح أن يجعله معجلًا كله، ورضيت المرأة أن تسقط المؤخر، وتقتصر على النقد مضى النكاح، ولا كلام للناكح، هكذا أخبرني مطرف عن مالك. وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأضبغ. وقاله ابن القاسم، إلا في وجه واحد، إذا ردت المرأة بعد البناء إلى صداق مثلها، فوجد صداق مثلها أكثر من المعجل والمؤخر، فإن ابن القاسم قال: كما لا ينقص إذا قل صداق مثلها من مقدار المعجل، (كذلك) لا [يزاد] إذا ارتفع على مقدار المعجل والمؤخر. وأخذ به ابن عبد الحكم وأصبغ.
قال ابن الماجشون: ولو أصدقها ثلاث مائة دينار، مائة معجلة، ومائة مؤجلة إلى أجل مسمى، ومائة إلى ميسرته، ففات النكاح بالبناء فرددتها إلى صداق مثلها معجلًا، فكان مائة فقط، أو أدنى من مائة، أو خسمين ومائة. أو أكثر، إلى أن يبلغ مائتين لم أنقصها من مائتين المائة المعجلة التي قبضت، وأقر لها المائة المؤجلة إلى أجلها، وأسقط المائة إلى ميسرته.
ولو كان صداق مثلها أكثر من مائتين كان ما زاد على المائتين ثمنًا للمائة الفاسدة فجعلناه لها مع المائة المعجلة، وأقرت المائة الآجلة إلى الأجل المسمى بحالها، ولا أجعلها حالة عليه، لأن الفساد لم يكن فيها، ولا من أجلها.
قال ابن الماجشون: وسواء في هذه المسألة كان المؤخر إلى غير أجل مؤقت، أو إلى موت، أو فراق، أو إلى ميسرته، أو إلى أن تطلبه المرأة، وهو ملي أو معدم، النكاح به مفسوخ قبل البناء، ومردود إلى صداق مثلها بعد البناء، إلا أن يرضى الزوج بتعجيله، أو ترضى المرأة بوضعه، فيجوز.
ولأنه إن كان إلى أن تطلبه المرأة أو إلى ميسرته وهو ملي، قد نحا به ناحية الأجل، قال: وكلمت به أصبغ فقال: كان ابن القاسم يجيزه إذا كان الزوج مليًا، ويراه حالًا، وليس يعجبني.
قال فضل بن سلمة: كان ابن القاسم يجعله مثل بيع التقاضي.
قال عبد الملك: وقولي فيه على قول ابن الماجشون، لأنه لما كان معه معجل، ويسمى الآخر إلى أن تطلبه المرأة، أو إلى ميسرته قد رمى به مرمى التأخير إلى غير أجل.
ولو شرط الخيار في الصداق كأحد عبدين صح إن كان الخيار لها، فإن كان له فسخ قبل
[ ٢ / ٤٧٦ ]
البناء، وثبت بعده، وكان لها صداق المثل.
ولو قال: نكحتها بألف، على أن لأبيها ألفا صح، وكان الألفان للزوجة، وكذلك لو قال: نكحتها بألف على أن أعطي أباها ألفًا.
قال أشهب ولو تزوجها على أن يهب عبده لفلان، فذلك جائز، فإن طلق قبل البناء رجع بنصف العبد، فإن مات هذا الموهوب، رجع عليه بنصف قيمته.
وقال محمد: هو كالحباء الذي وهبته للأب، لا رجعة لها فيه، في طلاق ولا غيره، ولا أرى أن يضمنه الموهوب له في الموت إلا بتعد منه.
المدرك الرابع: تفريق الصفقة:
فإذا أصدقها عبدًا يساوي ألفين، على أن ترد له ألفًا، فنصف العبد مبيع، ونصفه صداق، وهما عقدان مختلفان، وفي جمعهما في صفقة واحدة خلاف، منعه مالك وابن القاسم في الكتاب، وعلل باختلاف حكم العقدين، وبالذريعة إلى إخلاء العقد من المهر، وأجازه عبد الملك في كتاب محمد إذا كان الباقي بعد ثمن المبيع ربع دينار فصاعدًا بأمر لا يشك فيه. وكرهه في ثمانية أبي زيد، وأمضاه إذا نزل، وكان الثمن كثيرًا، فيه فضل بائن عن ثمن المبيع.
وحكى القاضي أو محمد عن أشهب إجازته جملة من غير اعتبار بفضل كالسلعتين.
وقال مالك في المبسوط: يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده، ولها صداق المثل. ولو كانت السلعة من عند الولي لفسخ أيضًا، وكان من باب جمع السلعتين لرجلين، وسيأتي بيان الخلاف فيها إن شاء الله.
وكذلك لو تزوجا بدنانير مسماة على أن أعطاه الأب دارًا، فأما لو تزوجها على غير صداق مسمى على أن أعطاه الأب دارًا، لصح النكاح. وفرق بينهما أبو القاسم بن محرز بأن الدار هنا هبة خالية عن العوض، وفي الصورة الأولى كانت مقابلة (لبعض) الصداق. فأما الجمع بين نسوة في عقد واحد، فقد تقدم الكلام عليه.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
المدرك الخامس: أن يتضمن إثبات الصداق رفعه، كما إذا قبل النكاح لبعده، وجعل رقبته صداقها، فيفسد، لأنه لو ثبت وملكت زوجها، لانفسخ النكاح قولًا واحدًا، فيفسد الصداق ويفسد النكاح أيضًا لأنه قرن النكاح بالرق المضاد له لو ثبت، بخلاف ما لو أصدق خمرًا.
المدرك السادس: مخالفة الأمر فيما سمى
فإذا قال لوكيله: زوجني بألف، فزوجه الوكيل بألفين، فإن كان على قول الزوج بينة، وعلى التزويج بينة، فإن لم يدخل فقيل له: إن رضيت (بالألفين). وإلا فلا نكاح بينكما.
ولو قال الوكيل: أنا أتمم الألف ويصح النكاح. ففي إجبار الزوج على الرضا بذلك قولان.
ولو قالت المرأة: أنا أرضى بالألف، للزم الزوج ذلك. وإن كان وقع الدخول، فما الذي يلزم الزوج؟ في المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يلزمه ألف، ويلزم الرسول كمال الألفين.
والثاني: أنه يلزمه الألف أيضًا، لكن لا يلزم الرسول شيء.
والثالث: أنه يكون على الزوج صداق المثل، والزائد يكون على الرسول.
وإن لم يكن على التسمية من الزوج، ولا في العقد بينة، فأما قبل الدخول فيقال للزوج: إن رضيت بالألفين لزم النكاح. فإن لم يرض، قيل للزوجة: إن رضيت بالألف لزم. فإن لم ترض فلها أن تحلف الزوج، فإن نكل رد عليها اليمين، فحلفت، واستحقت الألفين وصح النكاح.
وأما إن وقع الدخول، فإن رضى كل واحد من الزوجين بما قال الآخر، كان الحكم ما اتفقا عليه، وإن أبيا، فإن أقر الوكيل بالتعدي لزمه الإتمام، وإن أنكره فللزوجة أن تحلف الزوج على أنه لم يأمر إلا (بألف)، فإن حلف برئ، وإن نكل غرم ألفين. قالوا: وهذه يمين لا ترجع، لأنها يمين تهمة. قال بعض المتأخرين: وهذا ظاهر، إلا أن تدعي المرأة تحقيق ما قالت، فترجع اليمين.
قال: ويلتفت هذا على الخلاف فيمن سلط على ماله خطأ منه، هل تسقط الغرامة للتسليط، أم لا؟ لأن المرأة سلطت الزوج ها هنا خطأ منها، فمن لم يسقط الغرامة بالتسليط أوزجب صداق المثل، ومن أسقطها لم يوجب سوى الألف.
فرع: إذا نكل الزوج غرم، فهل له أن يحلف الرسول؟ فإن حلف برئ، وإلا غرم؟
[ ٢ / ٤٧٨ ]
في ذلك خلاف سببه، هل تكون يمين الزوج على تصحيح قول فقط، أو على تصحيحه وإبطال قول الرسول؟ فإن كانت على تصحيح قوله فقط فنكل، فإنه يعد مقرًا، ولا يكون له أن يحلف الرسول، وإن كانت يمينه على تصحيح قوله وإبطال قول الرسول كان له أن يحلف الرسول.
قالوا: ويلتفت في هذا أيضًا إلى النكول، هل هو كالإقرار، فلا يكون له أن يحلف الرسول؟ أو يكون ليس كالإقرار فيحلف. فإن وقع الدخول، فليس على الزوج إلا الألف.
ثم إن أقر الرسول بالتعدي، فيختلف فيه، هل يغرم أم لا كما تقدم؟، وإن أنكره فإن قلنا: بأنه يغرم، فللزوجة أن تحلفه، فإن نكل حلفت واستحقت. وإن قلنا: إنه لا يغرم، فلا شيء للزوجة.
وإن كان على توكيل الزوج بالألف بينة، وليس على العقد بينة، فإن لم يقع دخول كان على المرأة اليمين: أن العقد كان بألفين، فإن حلفت قيل للزوج: ترضى بذلك وإلا فافسخ عن نفسك. وإن نكلت لزمها النكاح بألف، إلا أن يكون الزوج علم ما وقع به العقد، فاليمين ها هنا ترجع عليه. وإن كان على العقد بينة، وليس على قول الزوج بينة، فها هنا يحلف الزوج: أن التوكيل لم يكن إلا بما قاله، فإن حلف وكان ذلك قبل الدخول قيل للمرأة: إما أن ترضي بما قال، وإلا فافسخي عن نفسك. وإن نكل، فهي يمين لا ترجع إلا أن تدعي المرأة التحقيق فترجع.
وهل للزوج أن يحلف الوكيل إذا نكل الزوج؟ يجري على ما تقدم من القولين.
واختار محمد أنه لا يحلف له، فإن وقع الدخول، فكذلك يحلف الزوج، فإن حلف مضى النكاح بألف، وإن نكل، فهل له أن يحلف المرأة وتلزمه ألفان؟. أما إن كانت المرأة تدعي تحقيق الدعوى عليه، فإنها تحلف، وإن لم تتحقق فاليمين لا ترجع.
ويختلف هل للزوج أن يحلف الوكيل أم لا؟، على ما تقدم. هذا إذا لم يعلم واحد من الزوجين بالتعدي، فإن وجد الالعلم، فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يعلم الزوج بالتعدي ولا تعلم المرأة به، فتكون عليه ألفان.
الحالة الثانية: أن تعلم هي دونه، فلا يكون لها إلا الألف.
الحالة الثالثة: أن يعلما جميعًا، وفيها صور:
الأولى: أن يعلم كل واحد منهما بعلم الآخر، فإذا علما وعلم كل واحد منهما بعلم الآخر فعلى الزوج الألفان.
الصورة الثانية: أن يعلما ولا يعلم أحد منهما بعلم الآخر، فها هنا الروايات على أن لها الألفين.
قال المتأخرون: «وهذا فيه نظر، لأنه متى قلنا: إن الزوج قد علم، وقد دخل
[ ٢ / ٤٧٩ ]
على الألفين، ففي مقابلته أن الزوجة قد علمت، وقد دخلت على ألف واحد. قال: وينبغي أن يكون لها ألف، وتقسم الألف الأخرى فيحط نصفها، ويكون على الزوج نصفها».
الصورة الثالثة: أن يعلم الزوج بعلم المرأة، ولم تعلم هي بعلمه، فيكون لها ها هنا ألف، لأنها على ذلك دخلت، وعليه دخل الزوج أيضًا.
الصورة الرابعة: أن تعلم المرأة بعلم الزوج، ولم يعلم هو بعلمها، فتكون عليه ها هنا ألفان، لأنهما على ذلك دخلا.
وأصل هذا جميعه أن يلزم كل واحد منهما ما دخل عليه.
وإذا قالت المرأة لوليها: زوجني، ولم تعين مهرًا، فزوج بأقل من مهر المثل لم يلزمها العقد. بخلاف ما إذا زوج الأب من ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل، أو من ابنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها، فإن ذلك جائز إذا كان نظرا لهما.
فرع: إذا تواطأ أولياء الزوجين على ذكر ألفين في العقد ظاهرًا، وعلى الاكتفاء بألف باطنًا، فالواجب مهر السر، ويكون النكاح به. فإن ادعت الزوجة الرجوع عنه إلى العلانية فإن كان في السر بيان أن العلانية لا أصل لها ولكن المعول على ما (أسرا) فلا يمين على الزوج، وإن لم يكن في العلانية ذلك ثبتت اليمين.
الباب الثالث: في التفويض
ونعني بالتفويض إخلاء عقد النكاح من تسمية المهر أو التصريح بالتفويض، فيقول: أنكحتك وليتي على التفويض. أو مع الإبهام بأن يذكر التزويج، ولا يذكروا المهر. والنكاح صحيح في الوجهين.
فأما لو صرحوا باشتراط إسقاط المهر لما جاز، ويفسخ النكاح قبل الدخول. واختلف قول ابن القاسم في فسخه بعده.
ثم المفوضة تستحق مهر المثل بالوطء وبالفرض، ولا تستحق بالعقد، ولا يجب بالموت على المعروف من المذهب. وحكى أبو محمد عبد الحميد قولًا شاذًا بالوجوب.
ولا تستحق التشطير عند الطلاق إلا إذا جرى الفرض بعد العقد. ومعنى الفرض تعيين
[ ٢ / ٤٨٠ ]
الصداق وتقديره، فكان الواجب بالمسيس المنتظر مهر المثل، أو ما (يتراضى) به الزوجان أحدهما لا بعينه، ولو تراضوا بدون مهر المثل جاز على الثيب الرشيدة برضاها. وأما السفيهة فإن كانت غير مولى عليها، ففي جوازه عليها برضاها قولان. وإن كانت مولى عليها فإن كان الفرض قبل الدخول، وهو من حسن النظر، صح رضا الولي به. وإن كان بعد الدخول فهل يصح رضا الولي بدون صداق المثل أم لا؟ ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث، فيصحح في حق الأب دون غيره لأنه أكمل شفقة.
وللمرأة طلب الفرض لتقرير التشطير، أو لتعرف ما سيجب بالمسيس، ولها حبس نفسها للفرض لا لتسليم المفروض.
قال في الواضحة: إذا طلبت قبل البناء أخذ النقد، وأبى الزوج ذلك إلا عند البناء، فذلك للزوج، إلا أن تشاء هي تعجيل البناء، فلها قبضه.
وقال القاضي أبو الحسن: الذي يقوى في نفسي أن الصداق يوقف، ولا تأخذه المرأة حتى تمكن من نفسها.
لا يتعين مهر المثل عند الفرض، لكن إن بذله الزوج لزم الزوجة قبوله. ويجوز إثبات الأجل في المفروض ويجوز إثبات زيادة على مهر المثل، كان المفروض من جنسه، أو من غير جنسه. ويجوز عرض يساوي أضعاف مهر المثل، ولو أبرأت قبل الفرض لخرج على الإبراء، عن ما لم يجب وجرى سبب وجوبه. ولو فرض لها خمرًا ألغي الفرض، ولم يؤثر في التشطير.
ومعنى مهر المثل: القدر الذي يرغب به مثله فيها والأصل فيه اعتبار أربع صفات: الدين والجمال والحسب والمال. ومن شرط التساوي مع ذلك الأزمنة والبلاد، إلا أن تكون لهم عادة مستمرة في تعيين المهر، فيصار إليها.
وفي كتاب محمد: يعتبر شبابها وجمالها في زمنها، ورغبة الناس فيها. وينظر في الزوج، فإن زوجوه إرادة صلته ومقاربته خفف عنه، وإن كان على غير ذلك كمل لها صداق المثل.
والوطء في النكاح الفاسد يوجب مهر المثل باعتبار يوم الوطء، لا يوم العقد. وإذا اتحدت الشبهة اتحد المهر، وإن وطئ مرارًا، وإذا لم تكن شبهة كوطئها الزاني المكره، وجب بكل وطء مهر.
وفي معنى التفويض التحكيم، فلو قال: تزوجتك على حكمي، أو على حكمك، أو
[ ٢ / ٤٨١ ]
على حكم فلان، جاز، ثم إن وقع الرضا بالحكم فيه، وإلا فسخ، ولا شيء لها، فإن فرض لها الزوج صداق المثل لزمها النكاح وإن كان قبل البناء كالتفويض.
قال عبد الحق: وهذا مجمع عليه في كل ما ذكرناه، وإلا في قولهم: قد أنكحناك على حكمها، فابن القاسم يراه مثل السكوت أو تحكيمه، أو تحكيم الولي. وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال أشهب وعبد الملك: إن لم يرض بما حكمت به، لم يلزمها الرضا بصداق مثلها إن فرضه لها ما لم يبن بها. وبه يقول ابن حبيب. قال فضل بن سلمة: ابن الماجشون في ديوانه يجعله نكاحًا فاسدًا. وقال ابن المواز: قال عبد الملك: أما على حكمها، فالنكاح يفسخ ما لم يدخل، وأما على حكمه، فهو التفويض الجائز.
قال بعض المتأخرين: «إذا تزوجها على حكم فلان، فمعنى قوله: إذا رضي الزوج بذلك، إنما يريد أن فلانًا حكم بزائد على صداق المثل. أما لو افتصر عليه للزمه، ولم يكن له فيه خيار».
ونقل عبد الحق وعبد الحميد عن الشيخ أبي محمد وغيره من الشيوخ إنهم قالوا: «إذا تزوجها على حكمها، ففرضت صداق المثل، لم يلزم ذلك الزوج، إلا أن يرضى، بخلاف الزوج يفرض لها صداق المثل، قال وهذا كواهب السلعة للثواب، يلزمه أخذ القيمة، ولا تلزم الموهوب القيمة».
الباب الرابع: في التشطير
وفيه فصول:
الفصل الأول: في حله، وحكمه
فنقول: اختيار الزوج لإيقاع الطلاق قبل المسيس يوجي تشطير الصداق الثابت بتسمية مقرونة بالعقد صحيحة، أو بفرض صحيح بعد العقد في المفوضة، ويستوي فيه عدد الموقع من الطلاق.
وإنما يسقط جميع المهر قبل المسيس بالفسخ، أو باختياره ردها لعيبها، وفي اختيارها
[ ٢ / ٤٨٢ ]
لرده بعيبه خلاف، لأنه غار، ولا صداق لها فيما سوى ذلك. هذا عقد الباب، وفي تفصيل الفروع خلاف يأتي عند ذكرها في أبوابها إن شاء الله.
ومعنى التشطير: أن يرجع الملك في شطر الصداق إلى الزوج بمجرد الطلاق، أو يبقى عليه على الخلاف المتقدم.
ثم في معنى الصداق في التشطير كل ما نحله الزوج للمرأة أو لأبيها أو لوصيها الذي يتولى العقد، في العقد أو قبله، لأجله، إذ هو للزوجة إن شاءت أخذته ممن جعل له.
فرع: لو تلف الصداق في يد أحدهما، ثم وقع الطلاق قبل البناء، فالحكم أن ما لا يغاب عليه منهما جميعًا وما يغاب عليه ولا يعرف بعينه ممن هو في يده إن لم تقم بهلاكه بينة، وإن قامت بهلاكه بينة، ففي إثبات الضمان صاحب اليد ونفيه خلاف بين أصبغ ومحمد.
وما أنفق على الثمرة من سقي وعلاج فعليهما. وكذلك ما أنفق على العبد.
وقيل: لا يرجع من أنفق على العبد بشيء. وقال محمد: إن كان له غلة فنفقته منها، وإن لم تكن له غلة فلا رجوع لها على الزوج بشيء.
الفصل الثاني: في التغيرات قبل الطلاق
وسواء كان ذلك بزيادة محضة، أو نقصان محض، أو زيادة من وجه، أو نقصان من وجه، فالزيادة لهما، والنقصان عليهما.
وقيل: بل للمرأة وعليها، وهو على الخلاف في استقرار ملكها بالعقد على الك وعدم استقراره.
الفصل الثالث: في التصرفات المانعة من الرجوع
وكل تصرف أزال الملك بجهة لازمة كالبيع والهبة والعتق والتدبير، فهو مانع من الرد.
ثم تتعين القيمة في الهبة والعتق والتدبير، ونصف الثمن في البيع.
وإن جنى العبد خيرت، فإن فدته لم يأخذ نصفه إن طلق، إلا بدفع نصف ما فدته به. قال الشيخ أبو محمد: «إلا أن تعطى أكثر من الأرش».
هذا في غير العين. فإن كان عينًا، اعتبر ما اشترت به، فإن كان خادمًا، أو طيبًا، أو شورة، أو غير ذلك مما هو لجهازها، فهو بمنزلة عين ما أصدقها، ونماؤه ونقصانه بينهما، فإذا طلقها قبل البناء، فليس له عليها إلا نصفه لا غير. وإن اشترت به غير الجهاز من دار أو عبد
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وشبه ذلك فله عليها نصف ما قبضت منه، لا نصف المشتري، إلا أن يكون الشراء من الزوج.
قال القاضي أبو الحسن: «هذا إذا كان على وجه التخفيف عنه، وإلا فهو كالأجنبي».
الفصل الرابع: في هبة الصداق
وإذا وهبت له جميع صداقها، ثم طلقها قبل البناء، لم يرجع عليها بشيء، وكأنها عجلت إليه بالصداق. ولأنها لما لم يستقر ملكها عليه العقد على المشهور، وانكشف الآن أنها إنما تملك منه النصف، وافقت هبتها ملكها وملكه، فنفذت في ملكها دون ملكه.
ولو وهبت منه نصف الصداق، ثم طلقها، فله الربع. وكذلك إن وهبته أكثر من النصف أو أقل، فله نصف ما بقي لها بعد الهبة.
ولو وهبته لأجنبي فقبضه، مضى له، ويرجع الزوج على الزوجة بالنصف، وهل ترجع به الزوجة على الموهوب له؟ كواهب السلعة تستحق من يد الموهوب، فإنها تؤخذ من يده، ولا يرجع على الواهب بشيء، لأن الغيب كشف له أنه وهب ما لم يملكه، أو لا ترجع بشيء لأنها وهبت ما عملت أنه معرض للارتجاع منها بوقوع الطلاق عليها قبل البناء، وأن الزوج يطلبها بما أفاتت وأتلفت، عليه نصفه، وقد كان حال تصرفها فيه ملكًا لها، فلا يكون لها عليه رجوع فيه، كما ليس لها نقص البيع لو باعته، ثم طلبها به الزوج. وإن لم يقبضه الموهوب له حتى وقع الطلاق، أجبرت على الإقباض إن كانت موسرة يوم الطلاق، ولم تجبر إن كانت معسرة يوم الهبة ويوم الطلاق. فإن كانت موسرة يوم الهبة، ومعسرة يوم الطلاق، فقال ابن القاسم: أنها لا تجبر. وقال غيره في الكتاب: «تجبر». وهو على الخلاف في ملك الصداق، هل هو غير مستقر؟ فينظر إلى حالها يوم وجب الرجوع، أعني يوم الطلاق. أو هو مستقر فينظر إلى حالها يوم الهبة. وعلى ذلك الخلاف فيما أحدثته في الصداق من عتق أو بيع أو نحو ذلك من وجوه إفاتته، هل تضمن قيمته يوم قبضه أو يوم إفاتته؟ وهو المشهور، فمن رأى (ملكها) غير مستقر جعل القيمة يوم الإفاتة، ومن رآه مستقرًا جعلها يوم القبض.
ولو اختلعت قبل المسيس بعشرة من صداقها، كان لها نصف ما بقي منه.
ولو خالعته على عشرة مطلقًا، لزمتها، وبقي نصف الصداق. ولو بارأته على المتاركة، أو خالعته على أن أعطته عبدًا أو مالًا، لم يبق لها طلبة بنصف الصداق، وترده إن كانت قبضته. وقال أصبغ: إن قبضته فلا ترده، إلا أن يشترط عليها رده.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الفصل الخامس: في المتعة
وهي مستحبة، ومشروعيتها لجبر قلب المرأة من فجيعة الطلاق. فيؤمر بها لكل امرأة اختار الزوج طلاقها، ولا اختيار لها فيه، ما لم تطلق قبل الدخول وقد فرض لها.
ولا متعة إن كان الطلاق بسببها، أو كان الفراق جبرًا. ولو كان مبدؤه من الزوج، وتمامه من المرأة، كالمخيرة، لم تكن لها متعة. وروي: لها المتعة، وهي شاذة. ولا متعة للرجعة إن ارتجعت، فإن وقعت البينونة ثبتت المتعة. قال فضل بن سلمة: وهذا يقتضي أنها لا تمنع إلا بعد كمال العدة. ولو كان الطلاق بائنًا فردها الزوج فلها المتعة على المنصوص.
واستقرأ أبو الحسن اللخمي نفي المتعة من إطلاقات وقعت في الرواية. ثم حيث خوطب الزوج بها، فمقدارها موكول إلى اختياره، والمستحب أن يكون ذلك على قدر حاله من عسره ويسره.
الباب الخامس: في التنازع. وفيه مسائل:
الأولى: إذا تنازعا في قد رالمهر، أو صفته، مع بقاء الزوجية بينهما، وذلك يقع قبل البناء وبعده. فإن كان قبله تحالفا وتفاسخا، كما في البيع، وبدئت المرأة باليمين كالبائع في المشهور.
قال بعض المتأخرين: «ويجري فيه ما يجري في البيع من الخلاف في الرجوع إلى قول مدعي الأشبه، وفي انفساخ النكاح بتمام التحالف، وفي الرجوع إلى قول المرأة إذا نكلا جميعًا، كما في البيع.
وإذا كان التنازع بعد الدخول، فالقول قول الزوج، إذا الدخول كالفوت في البيع».
قال: «وقد يجري فيه قول أشهب بالتحالف بعد الفوت، على القول الشاذ بأن صداق المثل فيه كالقيمة المقدرة في السلع». ثم قال: «وهو على الحقيقة تركيب خلاف على خلاف».
وقال ابن حبيب: إن اختلفا في نوع الصداق بعد الدخول، كان مما يصدقه، أو مما لا يصدقه، تحالفا وردت إلى صداق مثلها بالعين، إلا أن يرضى الزوج أن يعطيها ما ادعت البالغة الرشيدة، أو ادعاه أبو البكر.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
وإن وقع التنازع بعد انفصال العصمة بطلاق أو فسخ أو موت، فالقول قول الزوج مع يمينه، لأنه مدعى عليه.
ولو ادعت التسمية، فأنكر الزوج أصل التسمية، فالقول قوله، إلا أن تكون العادة خلاف قوله.
المسألة الثانية: إذا تنازع أبو البكر والزوج في مقدار المهر تحالفًا، لأنه كوكيل مفوض إليه، فهو وليها دونها، ولم يكن لها فيه رأي ولا أمر.
الثالثة: لو ادعت ألفين في عقدين جريا في يومين، وأقامت البينة عليهما لزما، وقدرنا تحلل طلاق، ثم هل يقدر بعد المسيس ويكون على الزوج أن يبين جريان سقوط النصف بإظهار الطلاق قبله، أو يقدر قبله، وعلى المرأة أن تبين وقوعه ليستقر لها ملك الكل؟ وفي ذلك خلاف، سببه هل المستقر بالعقد الكل أو النصف؟
الرابعة: إذا كان في ملك الزوج أبو الزوجة وأمها، فقال: أصدقتك أمك، فقالت: بل أبي، تحالفا وفسخ النكاح، قبل الدخول وتعتق الأم بإقراره وإن كان دخل بها حلف أيضًا وعتقت عليه الأم بإقراره فإن نكل حلفت المرأة وعتق الأب بقولها، وعتقت عليه الأم بإقراره، وإن نكلا قبل البناء، كان كما إذا حلفا.
الخامسة: إذا اختلف في قبض معجل الصداق، فإن استقرت عادة صير إليها، وإن لم تكن فالقول قولها، إلا أن تكون مدخولًا بها، فالنص أنه تقبل دعواها، إلا فيما لم يحل منه.
لكن اختلف الأصحاب في تنزيله.
(فقال القاضي أبو إسحاق: «إنما ذلك في بلد عرفه تعجيل النقد عند البناء. فأما بلد لا عرفه فيه بذلك، فالقول قول الزوجة». قال القاضي أبو الحسن: «وينبغي أن يكون هذا هو الصحيح».
وقال القاضي أبو محمد: «إنما ذلك إذا لم يثبت ذلك في صداق ولا كتاب. وأما إن ثبت في صداق أو كتاب، فلا يكون القول قول الزوج بالبناء».
وقال القاضي أبو الوليد: «إنما ذلك مبني على أن العادة جارية في معظم البلاد بل في جميعها أن معجل الصداق لا يتأخر قبضه عن البناء». قال: «وهذا أظهر مما تقدم».
[ ٢ / ٤٨٦ ]
باب: الوليمة والنثر
الوليمة: هي مأدبة العرس، ومحلها بعد البناء، وهي مأمور بها. قال القاضي أبو الوليد: «نص مالك ﵀ وأكثر العلماء على وجوب إتيان طعام الوليمة لمن دعي إليها». قال: «وصفة الدعوة التي تجب لها الإجابة، أن يلقى صاحب العرس الرجل فيدعوه أو يقول لغيره: أدع لي فلانًا، فيعينه. فإن قال له: ادع لي من لقيت، فلا بأس على من دعي بمثل هذا أن يتخلف. قال: وهل يلزم الأكل من لزمته الإجابة؟، لم أر لأصحابنا فيها نصًا جليًا. وفي المذهب مسائل تقتضي القولين».
وقال القاضي أبو الحسن: «مذهبنا أن الوليمة غير واجبة، والإجابة إليها غير واجبة، ولكن تستحب».
ثم إنما يؤمر بالإجابة على القولين جميعًا، إذا لم يكن في الدعوة منكر ولا فرش حرير، ولا في الجمع من يتأذى بحضوره ومجالسته من السفلة والأراذل الذين تزري به مجالستهم، ولا زحام، ولا غلق باب دونه. فقد روى ابن القاسم: «هو في سعة إذا تخلف لأجل ذلك.
وكذلك إن كان على جدران الدار صور أو ساتر. ولا بأس بصور الأشجار».
فإن كان هناك لعب ولهو، وكان خفيفًا مباحًا غير مكروه لم يرجع وحضره. وروى ابن وهب: لا ينبغي لذي الهيئة أن يحضر موضعًا فيه لهو. قال القاضي أبو بكر: «والحق هو الأول».
فأما لهو غير مباح كالعود والطنبور والمزهر المربع، فلا تجاب الدعوة معه. ومن أتاها فوجد اللهو المحظور فليرجع. ولا تترك إجابة الدعوة بعذر الصوم، بل يحضر ويمسك.
ويكره نثر السكر واللوز وشبهه.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
الفصل الأول: فيمن تستحق القسم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا]