وفيه أبواب:
الباب الأول: [في المواقيت]
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في وقت الرفاهية
أما الظهر فيدخل وقتها بزوال الشمس، وهو عبارة عن ظهور بداية انحطاطها عن نهاية ارتفاعها، فيبتدئ الظل بالزيادة بعد أن كان متناقصا.
ويتمادى وقت الاختيار إلى أن تصير زيادة ظل (الشخص) مثله، وبه يدخل وقت العصر، فيكنون الوقت مشتركا بينهما، إلى أن تتجاوز زيادة الظل المثل، [فيختص] العصر بالوقت.
وقال أشهب: بل الاشتراك في القامة الأولى، فيكون ما قبلها بقدر ما توقع فيه إحدى
[ ١ / ٧٩ ]
الصلاتين مشتركا بينهما. واختار هذا القول أبو إسحاق التونسي، وحكاه القاضي أبو بكر رواية عن مالك.
وقال ابن حبيب بالتعاقب، ونفي الاشتراك، ورأى أن آخر وقت الظهر إذا كان الظل بعد الفراغ منها تمام القامة، يعين المثل.
وأول وقت العصر تمام القامة، قال الشيخ أبو محمد: " هذا خلاف قول مالك ﵀ ".
ثم يتمادى وقت العصر إلى غروب الشمس، ووقت الفضيلة في الأول، وبعده وقت الاختيار ما دامت الشمس بيضاء نقية، لم تصفر على الجدران والأراضي.
وروى ابن عبد الحكم في مختصره: إلى أن تصير زيادة ظل (الشخص) مثليه.
قال القاضي أبو بكر: " والقولان مرويان عن النبي ﷺ، قال: " وهما متساويان في المعنى؛ لأن الشمس لا يزال بياضها ناصعا حتى ينتهي ثني الظل، فإذا أخذ في التثليث نقص البياض، حتى تأخذ الشمس في التطفيل، فتتمكن الصفرة، وبعده وقت الجواز إلى حين الاصفرار ".
ووقت المغرب يدخل بغروب الشمس، قال القاضي أبو محمد: " والمراعى في ذلك غيبوبة جرمها وقرصها المستدير، دون أثرها وشعاعها ".
ويتمادى وقتها إلى مغيب الشفق على إحدى الروايتين، وهي مذهب الموطأ، وفي المدونة ما يقتضي ذلك.
وعلى الرواية الأخرى وهي رواية ابن عبد الحكم وقول ابن المواز: وقتها واحد، مضيق غير ممتد، مقدر آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف، وهي التي حكاها العراقيون عن المذهب.
ووقت العشاء يدخل بغيبوبة الشفق، وهي الحمرة التي تلي الشمس دون البياض والصفرة، وهي آخر وقت المغرب، على مذهب الموطأ يشتركان فيها عليه.
[ ١ / ٨٠ ]
ثم يمتد وقت الاختيار في العشاء إلى الثلث الأول من الليل، وقال ابن حبيب: يمتد إلى النصف.
وسبب الخلاف اختلاف أحاديث:
ووقت الفجر يدخل بطلوع الفجر الصادق المستطير ضوؤه، لا بالفجر الكاذب الذي يبدو مستطيلا ثم [ينمحق]، وهي الصلاة الوسطى.
ويتمادى وقت الاختيار إلى الأسفار الأعلى على قول، وإلى طلوع الشمس في قول آخر.
قال القاضي أبو الوليد: " ولمالك مسائل يؤخذ منها القولان ".
وقال القاضي أبو بكر: " الصحيح عن مالك أن وقتها يمتد إلى طلوع الشمس ولا وقت ضرورة لها "، قال: " وما روي عنه خلافه لا يصح ".
ثم يقدم أذان هذه الصلاة على الوقت لسدس يبقى من الليل.
وقال ابن حبيب: يدخل وقت الأذان لها بخروج وقت العشاء المختار.
قواعد ثلاث:
الأولى: قال الإمام " أبو عبد الله ": " وجوب الصلاة يتعلق عند جمهور المالكية بجميع الوقت، وقيل: بل يتعلق بزمن واحد يسع فعل العبادة، ولكنه غير متعين، وإنما يتعين إذا أوقع المكلف العبادة فيه "، قال: وقد قال القاضي أبو الوليد: " (إن هذا المذهب هو الجاري على أصول المالكية "، وحكى عنه تخريجه على قول أهل المذهب في خصال الكفارة، ثم تعقبه الإمام، وفرق بأن الخصال متعلق الأحكام والزمان محل الأفعال.
وإذا فرعنا على الأول، ومات المكلف في وسط الوقت قبل الأداء لم يعص.
ولو أخر حتى خرج بعض الصلاة من الوقت، فقيل: يكون جميعها أداء، وقيل: بل القدر الموقع في الوقت فقط.
[ ١ / ٨١ ]
وثمرة الخلاف: وجوب القضاء على من أخرت صلاة العصر، ثم صلت منها ركعة مثلا، فغربت الشمس ثم حاضت، وعدم وجوبه، وفي ذلك قولان لسحنون وأصبغ.
الثانية: تعجيل الصلاة في أوائل الأوقات أفضل في حق المنفرد على الإطلاق، لقوله ﷺ: «أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها».
ولم يعرض في الفذ عارض ينقله إلى استحباب التأخير، وحكى القاضي أبو محمد: " أن حكم الفذ في ذلك حكم الجماعة، والأفضل في حق الجماعة تأخير الظهر إلى ربع القامة، ويزاد على ذلك في شدة الحر للإبراد ".
وأما الجمعة، فقال ابن حبيب: سنتها في الشتاء والصيف أن تصلي في أول الوقت حين تزول الشمس، أو بعد أن تزول بقليل، قال: وكذلك قال مالك.
وتأخير العشاء أفضل، وقيل: بل تقديمها أفضل، واختار بعض المتأخرين التقديم إن اجتمع الناس، وانتظارهم إن أبطأوا. واستحب ابن حبيب تأخيرها في (زمن) الشتاء قليلا لطول الليل، وفي ليالي شهر رمضان أكثر من ذلك قليلا توسعة على الناس في إفطارهم.
وأما العصر، فتقديمها أفضل، وقال أشهب: يستحب تأخيرها إلى زيادة ذراع على القامة، لا سيما في شدة الحر.
واستحب ابن حبيب تعجيلها يوم الجمعة، ليقرب انصراف المنتظرين لها ممن صلى الجمعة.
وأما المغرب والصبح فتقديمها بعد تحقق دخول وقتيهما أفضل على كل حال.
الثالثة: من اشتبه عليه الوقت فليجتهد، ويستدل بما يغلب على ظنه دخوله، وإن خفي عليه ضوء الشمس، فليستدل بالأوراد، وأعمال أرباب الصنائع، وشبه ذلك، ويحتاط.
قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف عن مالك إن من سنة الصلاة في الغيم تأخير الظهر، وتعجيل العصر، وتأخير المغرب حتى لا يشك في الليل، وتعجيل العشاء، إلا أنه يتحرى ذهاب الحمرة، وتأخير الصبح حتى لا يشك في الفجر.
[ ١ / ٨٢ ]
ثم إن وقعت صلاته في الوقت أو بعده فلا قضاء، وإن وقعت قبل الوقت قضى، كالاجتهاد في طلب شهر رمضان، ووقع لأشهب في المجموعة: أرجو لمن صلى العصر قبل القامة، والعشاء قبل مغيب الشفق أن يكون قد صلى وإن كان بغير عرفة. وقال ابن القاسم فيها أيضا: كمن جمع بين العشاءين في الحضر من غير ضرورة أعاد الثانية أبدا.
الفصل الثاني: في وقت المعذورين
ونعني بالعذر الحيض والكفر والصبا والجنون والنسيان، وللأعذار حالتان:
الأولى: أن يخلو عنها آخر الوقت بمقدار ركعة فأكثر، كما لو طهرت الحائض قبل الغروب بركعة فتلزمها العصر، ولا تلزمها بأقل من ذلك. وقال أشهب: تلزمها بإدراك الركوع فقط، ولا تلزمها الظهر بما تلزمها به العصر، بل لا بد من زيادة عدد ركعات الظهر على ذلك، حتى يتصور الفراغ منها فعلا، ثم يفرض لزوم العصر بعدها، وهل هذه الزيادة في مقابلة الظهر أو العصر؟ قولان: " والمشهور أن آخر الوقت لأولى الصلاتين.
وسبب الخلاف: هل تشترك الصلاتان المشتركتا الوقتين من أول وقت الأولى إلى آخر وقت الثانية، أو تختص الأولى من أول وقتها بمقدار ما يسع إيقاع عدد ركعاتها فيه، سفرية كانت أو حضرية، وتختص الثانية أيضا من آخر وقتها بمثل ذلك، وفي هذا الأصل قولان.
وتظهر فائدة الخلاف في المغرب والعشاء بتقدير ما يدركان به في حالتي الإقامة والسفر.
فلو طهرت الحائض لأربع ركعات قبل الفجر، لكانت مدركة للمغرب والعشاء، وقال ابن الماجشون وابن مسلمة: تكون مدركة للعشاء خاصة.
ولو طهرت المسافرة قبل الفجر بثلاث ركعات لكانت مدركة للعشاء عند ابن القاسم وأصبغ، وقال ابن عبد الحكم: هي مدركة للصلاتين جمعيا، المغرب والعشاء. قال أصبغ: هذه آخر مسألة سألت عنها ابن القاسم، فقال لي: أصبت أنت، وأخطأ ابن عبد الحكم. وذكر لسحنون قول أصبغ، فقال: أصاب ابن عبد الحكم، لأن آخر الوقت لآخر الصلاتين.
وهل المعتبر إدراك من ذكرنا هذا القدر عند زوال العذر من غير مزيد، أو بعد زوال العذر وفعل الطهارة؟ اختلف في ذلك، فحكى ابن سحنون عن أبيه، وابن حبيب عن أصبغ أنهما قالا: تعتبر في جميعهم بعد زوال العذر مدة الطهارة. قال القاضي أبو محمد: " وهو القياس ".
[ ١ / ٨٣ ]
وقال ابن القاسم: تعتبر في جميعهم، إلا الكافر لأنه لم يكن معذورا بتأخير الصلاة، بخلاف غيره، وقال ابن حبيب: باستثناء الكافر والمغمى عليه.
وقال بعض المتأخرين (بجريان) الخلاف في الجميع، وبناء الخلاف فيهم على أن الطهارة شرط في الوجوب، أو في الأداء؟
فرع:
لو زال الصبا في الوقت بعد أداء الصلاة وجبت إعادتها، وقيل: بنفي وجوب الإعادة، وهو في السليمانية.
(وكذا) الخلاف (لو بلغ) بعد أداء الظهر، وقيل إقامة الجمعة.
الحالة الثانية: أن لا يخلو آخر الوقت عنها، بأن يعم العذر جميع الوقت، فيسقط القضاء عن الحائض، وكذلك لو دخلا أول الوقت فقط، لسقط القضاء أيضا عنها، بل لو طرأ الحيض وقد بقي من الوقت مقدار ما يسع الصلاة أو ركعة منها، لم يلزمها القضاء إذ حاضت والوقت باق.
والمرتد كالكافر الأصلي، لا يجب عليه قضاء. والصبي يؤمر بالصلاة لسبع سنين، ويضرب على تركها لعشر، وإن لم يكن عليه قضاء، والإغماء في معنى الجنون، قل أو كثر.
وأما السكر وزوال العقل بسبب محرم، فلا يسقط القضاء. قال الإمام أبو عبد الله:
" والمراد بالنسيان المذكور في الأعذار، ما اقترن به الخروج للسفر، أو القدوم منه، كمن نسي صلاة في الحضر، فخرج في آخر وقتها، أو بعد تقضي الوقت. وكذلك في المسافر يقدم "، (قال): " لأن الناسي الذي لم يتغير حلاه بقدوم ولا سفر، يصلي متى ما ذكر، لا يختلف حكمنه في هذا باختلاف الأوقات، وإنما يختلف حكم من تقدم ذكره ".
[ ١ / ٨٤ ]
والمقصود من هذا القسم، بيان حكم أداء الصلاتين المشتركتين حضريتين أو سفريتين أو إحداهما حضرية، والأخرى سفرية.
فإن خرج وقد بقي عليه من النهار مقدار ثلاث ركعات فأكثر، صلى الظهر والعصر سفريتين، وإن كان دون ذلك إلى ركعة، صلى الظهر حضرية، والعصر سفرية.
ولو قدم وقد بقي للغروب خمس ركعات فأكثر، صلاهما حضريتين. وإن كان الباقي دون ذلك إلى ركعة، صلى الظهر سفرية، والعصر حضرية.
ولو سافر قبل الفجر بأربع ركعات، صلى العشاء سفرية، فإن كان سفره قبله بدون ذلك؛ فحكى الشيخ أبو القاسم في قصرها وإتمامها روايتين.
وإن قدم قبل الفجر بأربع ركعات، صلاها حضرية، وإن كان أقل من ذلك، فخرجها الشيخ أبو القاسم على روايتين.
فروع أربعة:
الأول: كمن بقي بينه وبين غروب الشمس، من أصحاب الضرورات مقدار ما يعتبر فلي الصلاتين أو في العصر خاصة، فذكر صلاة منسية، فإنها يصليها.
ثم اختلف قول ابن القاسم، هل عليه إذا صلى المنسية وغرب الشمس قضاء الصلاة التي استحقت الوقت بحكم الأداء، قياسا على أصحاب الاختيار إذا أخروا الصلاة حتى ضاق الوقت، وذكروا صلاة منسية، فإنه لم يختلف أنهم يصلون ما حضر وقته بغد فراغهم من المنسية، أو ليس ذلك على أهل الأعذار لأن منعه بالشرع من أداء الصلاة التي استحقت الوقت لأجل اشتغاله بالصلاة المنسية ووجوب تقدمتها عذر يمنع من توجه الصلاة المستحقة للوقت عليه، كما كان الحيض مانعا من توجهها، لما جاء الشرع يمنع الحائض من الصلاة.
الفرع الثاني: إذا تطهرت الحائض وبقي لها بعد فراغها ما تدرك به الصلاة فأحدثت، فشرعت في الطهارة، فلم تفرغ منها حتى غربت الشمس، وجب عليها قضاء الصلاة، لأنها كانت قبل طروء الحدث مطلوبة بالصلاة، فطروؤه عليها كطروئه على من توجه عليه الطلب بالصلاة. وقيل: لا يجب عليها قضاء الصلاة، بل يسترسل حكم نفي الخطاب عليها.
الفرع الثالث: إذا اغتسلت الحائض بماء غير طاهر، فلما أخذت في الإعادة بالماء الطاهر خرج الوقت، لم يلزمها قضاء ما فات لأجل تشاغلها بالغسل المعاد؛ لأن منعها من الصلاة بالطهر الأول، كمنعها من الصلاة بالحيض، ولو أعادت لكان أحوط. وحكى الشيخ أبو
[ ١ / ٨٥ ]
الطاهر قولا بوجوب الإعادة، وقيل: لا تؤمر بالقضاء إذا كان الماء الأول لم يتغير؛ لأن الصلاة به تجزئ، وإنما تعاد في الوقت طلبا للكمال، ولهذا قال أشهب: لو علمت المتطهرة بهذا الماء أنها إذا أخذت في إعادة الغسل غربت الشمس، كانت صلاتها بذلك الغسل أولى من اشتغالها بإعادة الغسل حتى يفوت الوقت.
الفرع الرابع: لو قدرت بعد فراغها من غسلها ما قبل الغروب بخمس ركعات [وأخذت] في صلاة الظهر فغربت الشمس عليها في أثنائها، فعليها صلاة العصر؛ إذ لا تسقط الصلاة الواجبة بخطئها واشتغالها بفعل صلاة غير واجبة.
ولو كان تقديرها صحيحا، لكنها صلت العصر ناسية للظهر، لوجبت عليها صلاة الظهر لإدراكها وقتها، ولا يسقط الإدراك بفعل خطأ كما تقدم.
ثم إذا صلت الظهر، فهل تؤمر بقضاء العصر لأنها أوقعتها في غير وقتها؛ إذ الأربع الأول من الخمس البواقي مختصة بالظهر، فتكون كموقع (عقيب) الزوال بغير فصل، أو لا إعادة عليها؛ لأن الصلاة لا تعاد لأجل المنسية إلا في الوقت؟ قولان.
الفصل الثالث: في أوقات الكراهية
وهي أربعة: " بعد طلوع الفجر حتى [تصلي] الصبح.
وبعد الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع.
وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
وبعد صلاة الجمعة حتى ينصر ف المصلي.
وألحق بذلك وقت استواء الشمس حتى تزول في إحدى الروايتين، ومذهب الكتاب الجواز.
ويستثني عن ذلك الفوائت عموما، وركعتا الفجر، واستدراك قيام الليل لمن نام عن عادته ما بين طلوع الفجر وصلاته خصوصا.
[ ١ / ٨٦ ]
وهل يصلي على الجنائز ويسجد للتلاوة بعد صلاة الصبح وقبل الإسفار، [أو] بعد صلاة العصر وقبل الاصفرار؟ ثلاثة مذاهب:
المنع، وهو مذهب الموطأ. والجواز، وهو في الكتاب. وتخصيص الجواز بما بعد الصبح دون ما بعد العصر، وهو رأي ابن حبيب.
ولا يجوز فعلهما في (وقتي) الإسفار والاصفرار، ويجوز فيما عدا هذه الأوقات الأربعة، وهذا ما لم يخش تغيير الميت، فيصلي عليه في جميع الأوقات.
فرع: لو تحرم بالصلاة في وقت الكراهية، قطع متى استفاق لذلك، ولا قضاء عليه.
الباب الثاني: في الآذان والإقامة
والذي نقله العراقيون عن المذهب أنهما سنتان.
ونقل جماعة من المتأخرين من الأندلسيين والقرويين أن الأذان فرض كفاية على أهل كل ببلد، فإن تركوه أثموا، وقوتلوا عليه إن امتنعوا عن فعله. وإن فعله أحدهم سقط عن سائرهم، قالوا: وهذا الوجوب لإقامة شعائر الإسلام، قالوا: وهو مع ذلك سنة مؤكدة في
[ ١ / ٨٧ ]
مساجد الجماعات، ومواضع الأئمة، وحيث يقصد الدعاء للصلاة.
واختار القاضي أبو الوليد: " أنه واجب على الكفاية في المساجد والجماعات الراتبة، وعلل الوجوب بوجهين: إقامة الشعار، وتعريف الأوقات؛ إذ لا يجوز إهمالها ".
والكلام عليهما ينحصر في ثلاثة فصول.
الفصل الأول: المحل ومشروعية الأذان
في حق المصلين جماعة في مفروضة مؤداة في الوقت قصد الدعاء إليها، وذلك يختص بالأئمة حيث كانوا، وبمساجد الجماعات.
واستحب المتأخرون للمسافر الأذان، وإن كان منفردا؛ لحديث أبي سعيد. أما جماعة بمكان لا يريدون دعاء غيرهم إليهم، أو الفذ كذلك، فوقع في المذهب: لا يؤذنوا، ووقع أيضا إن أذنوا فحسن. قال الشيخ أبو الطاهر: " وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين، وليس كذلك، بل لا يؤمرون بالأذان، كما [يؤمن] به الأئمة، وفي مساجد الجماعات، وإن أذنوا فهو ذكر، والذكر لا ينهي عنه من أراده، لا سيما إذا كان من جنس المشروع.
ولا أذان في غير المفروضة، كصلاة الكسوف والاستسقاء والجنائز وصلاة العيد، ولا ينادى لها: الصلاة جامعة، ولا يؤذن للنوافل، ولا للصلاة الفائتة؛ إذ يزيدها ذلك فواتا، ولكن يقيم لها.
وإذا جمع الإمام بين الصلاتين، ففي أذانه لكل صلاة، أو الاقتصار على الأذان للأولى
[ ١ / ٨٨ ]
خاصة، أو ترك الأذان فيهما جملة، ثلاثة أقوال: الأول مذهب الكتاب، والثاني لابن الماجشون، والثالث حكاه الشيخ أبو القاسم، ويقيم لكل واحدة.
وأما مشروعية الإقامة، ففي حق كل مصل على العموم، واستثنى ابن عبد الحكم النساء، (فقال): ليس عليهن أذان ولا إقامة، وقال ابن القاسم: " إن أقمن فحسن ".
الفصل الثاني: في صفتهما
أما الأذان فهو مثنى مثنى، وعدة كلماته في الصبح تسع عشرة، وفي غيره سبع عشرة.
وأما الإقامة، فهي فرادى إلا التكبير، وكلماتها عشر على المشهور، وروي تثنية قوله: قد قامت الصلاة، فتكون إحدى عشرة كلمة.
وحكاية لفظ الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، ثم يرجع فيعيد الشهادتين بأرفع من صوته بهما أولا، وهو الترجيع.
وقال الإمام أبو عبد الله: " وربما غلط بعض العوام من المؤذنين في نقطه بالشهادتين، فيخفي صوته حتى لا يسمع، وهذا غلط؛ لأن ذكر الله سبحانه وإن كان حسنا سرا وعلنا، فالمقصود به ها هنا إسماع الناس ليعلموا دخول الوقت، فإذا أخفاه لم يحصل الغرض المقصود منه ".
ويقول بعض الترجيع: حتى على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
ويزيد في الصبح بعد قوله: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، وهو التثويب، وهو مثنى على المشهور. وقال ابن وهب: يقول مرة واحدة: الصلاة خير من النوم. ومشروعيته في أذان الصبح على العموم. وحكى الشيخ أبو إسحاق عن مالك أنه قال: من كان في ضيعته متنحيا عن الناس، أرجو أن يكون من تركها في سعة.
ولفظ الإقامة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
[ ١ / ٨٩ ]
وقد تقدم ذكر الخلاف في تثنية قوله: قد قامت الصلاة.
والقيام والاستقبال مأمور بهما في الأذان، وأنكر مالك أذان القاعد إلا من عذر يؤذن لنفسه، إذا كان مريضا، وقيل: بالجواز، لأنه ذكر.
ولا بأس أن يضع أصبعيه في أذنيه في الأذان والإقامة، أو يترك ذلك.
ولا يكره له أن يلتفت في الحيعلتين يمينا وشمالا إذا أراد بذلك المبالغة في الإسماع.
وأنرك مالك أن يكون ذلك من حد الأذان، ولا ي حول صدره عن القبلة.
وليكن الأذان مرسلا محدرا مستعليا، يرفع به الصوت ولا يدمج، وتدمج الإقامة.
قال بعض المتأخرين: وهو موقوف غير معرب في مقاطعة، قال: وكذلك سمع.
ولا يتكلم في الأذان ولا في الإقامة، ولا يرد على من سلم عليه. ولا ينبغي لأحد أن يسلم عليه حتى يفرغ.
ويؤذن راكبا، ولا يقيم إلا وهو نازل. وروى ابن وهب: " لا بأس أن يقيم راكبا ".
ويرتب كلمات الأذان ويواليها، فإن نكس استأنف، وإن فرق يسيرا بنى، وإن تفاحش ابتدأ.
الفصل الثالث: في صفة المؤذن
ويشترط أن يكون مسلما عاقلا مميزا ذكرا، فلا يعتد بأذان كافر (أو) مجنون أو سكران مخبط أو امرأة.
ولا يؤذن إلا من احتلم، وروى أشهب: " لا يؤذن الصبي ولا يقيم، إلا أن يكون مع نساء، أو بموضع لا يكون فيه غيره، فيؤذن ويقيم "، قال الشيخ أبو بكر: هو الاختيار.
فإن أذن من لم يلغ جاز، وحكى الإمام أبو عبد الله في أذانه قولين: " الجواز، لأنه ذكر.
[ ١ / ٩٠ ]
والنهي لأنه من أمانات الشريعة وليس من أهلها. وفي المختصر: لا يؤذن (للناس) إلا من يؤم.
وفي الحاوي للقاضي أبي الفرج: " لا بأس أن يؤذن قاعدا وراكبا وجنبا، ومن لم يحتلم. وأما الإقامة فلا ".
وقال أشهب فيمن أذن لقوم وصلى معهم، فلا يؤذن لآخرين ويقيم، فإن فعل ولم يعيدوا حتى صلوا أجزأهم.
وتستحب الطهارة في الأذان، ويصح بدونها. والكراهية في الجنب شديدة، وفي الإقامة أشد. وقال سحنون: " لا بأس بأذان الجنب في غير المسجد ".
وليكن المؤذن صيتا حسن الصوت. وأما التطيب، فقال مالك: " هو منكر ". قال ابن حبيب: وكذلك التحزين بغير تطريب، قال: ولا ينبغي إماتة حروفه، والبغي فيه، وهو إفراط المد فيه، وليكن عدلا عارفا بالمواقيت لتقلده عهدتها.
وللإمام أن يستأجر على الأذان من بيت المال، واختلف في إجارة غير الإمام من آحاد الناس على الأذان والصلاة، فأجاز ذلك ابن عبد الحكم فيهما على الانفراد والاجتماع. ومنعه ابن حبيب فيهما على الحالتين، والمشهور: المنع في الصلاة بانفرادها والإجارة على الأذان منفردا أو متبوعا بالصلاة.
وإذا فرعنا على المشهور، واستؤجر عليها، ثم طرأ عليه ما منعه من الإمامة، فهل يحط من الإجارة بسبب عجزه عن الإمامة، أم لا؟ للمتأخرين في ذلك قولان، مأخذهما هل للاتباع حصة من الثمن أم لا؟ وقد ذكر الإمام أبو عبد الله هذا الخلاف ومأخذه. وحكى روايات وقعت في المذهب، أخذ منها القولان، ثم رجع كون الأثمان (تقابل) بها الاتباع، واستشهد في ذلك بعرف التجار في زيادة الأثمان بسببها، واعتذر عن المسائل الواقعة في القسم الآخر.
[ ١ / ٩١ ]
وذكر أن فائدة التبعية في الاتباع إنما هي في الحل، أو الاستحقاق لا في عدم المقابلة بجزء من الثمن.
فرعان:
الأول: إذا كثر المؤذنون فواسع أن يتراسلوا معا، إلا أن كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه، وأن يترتبوا ما لم يكثروا، وذلك يختلف بحسب سعة الوقت وضيقه.
ففي ما وقته واسع، كالصبح والظهر والعصر والعشاء ما بين الخمسة إلى العشرة، وشبهه.
وفي العصر ما بين الثلاثة إلى الخمسة، وشبه ذلك. وأما المغرب فلا يؤذن فيها إلا واحد.
قال أبو إسحاق التونسي: يريد أو جماعة في مرة واحدة، فإن تشاحوا في الأذان لها اقترعوا إن تساووا، وإلا قدم الأولى.
الفرع الثاني: في حكاية الأذان:
ويؤمر سامع [الأذان] بحكايته، وينتهي إلى آخر التشهدين في ظاهر المذهب. وقيل: يتمادى إلى آخره، ويعوض على الحيعلتين بالحوقلة.
ويحكي التشهد مرة واحدة في رواية ابن القاسم. وقال الداودي: " يعاود التشهد إذا عاود المؤذن أو قبله ".
فإن كان السامع في صلاة، فروى ابن القاسم: " أنه يحكي في النافلة دون الفريضة ".
وروى أبو مصعب " أنه يحكي فيهما ". قال ابن وهب: لا بأس به فيهما، واستحبه ابن حبيب. وقال سحنون: " لا يحكي في واحدة منهما ".
[ ١ / ٩٢ ]
ثم حيث قلنا: يحكى، فلا يتجاوز التشهدين. (ولو قال في الصلاة: حي على الصلاة، فقال أبو محمد الأصيلي: لا تبطل صلاته، لأنه متأول. وحكى عبد الحق عن بعض القرويين: " أن صلاته تبطل، وأنه كالمتكلم ". وحكى ذلك عن القاضي أبي الحسن.
ولو أبطأ المؤذن فقال مثل ما يقول، أو عجل قبل المؤذن، أجزأه ذلك، وهو واسع.
الباب الثالث: في الاستقبال
والنظر فيه أركان ثلاثة:
الأول: الصلاة، ويتعين الاستقبال في فرائضها، إلا في القتال.
ولا تؤدي فريضة على الراحلة، ولا صلة جنازة، ولا تؤدي فريضة على بعير دون أدائها بالأرض. وإن كان معقولا، فإن أديت مثل أدائها بالأرض، ففي جواز ذلك وكراهيته قولان.
أما (النوافل) (فتجوز) إقامتها في السفر الطويل للراكب دون الماشي، ولا (تجوز) في السفر القصير، ولا في الحضر.
ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة في التمادي، ولا في الابتداء، وصوب الطريق بدل عن القبلة في دوام الصلاة، فلا يصرف وجهه عن جهته.
ولا يصلي راكب السفينة إلا إلى القبلة، فإن دارت السفينة استدار. وروى ابن حبيب: أنه يتنفل فيها حيث سارت به كالدابة.
[ ١ / ٩٣ ]
ثم على الراكب أن يومي بالركوع والسجود، وليجعله أخفض من الركوع.
الركن الثاني: القبلة، ومواقف المصلي المستقبل مختلفة، فالمصلي في جوف الكعبة حيث صححنا يستقبل أي دار شاء. والمذهب جواز (صلاة) النفل فيها. والمنع من صلاة الفرض والسنن كالوتر، وركعتي الفجر.
قال أبو الحسن اللخمي: " وأجازه أشهب في مدونته في الفرض إن فعل "، وقال: " لا إعادة عليه، وإن كان يستحب له أن لا يفعل ذلك ابتداء ".
وإذا فرعنا على المشهور، فصلى الفرض فيها، فقال ابن حبيب: يعيد أبدا في العمد والجهل.
وقال في الكتاب: " يعيد في الوقت ". وقال أصبغ: تبطل وتجب الإعادة وإن ذهب الوقت.
ولكنه ذكر ذلك في متعمد الصلاة فيها، فقال بعض المتأخرين: ظاهر قوله أنه لو كان ناسيا لأعاد في الوقت؛ لأن الناسي للقبلة إنما يعيد في الوقت، واستشهد بقوله في الكتاب: " يعيد في الوقت "، كمن صلى إلى غير القبلة، قال: وإنما يصح (هذا) التشبيه فيمن صلى إلى غير القبلة ناسيا، " والصلاة في الحجر كالصلاة في البيت ".
فأما الصلاة فوق ظهرها، فمنهي عنه. وحمل القاضي أبو محمد النهي على ما إذا لم يقم عليه قائما يقصده، وحمل النهي على الإطلاق رأي الجماعة، وقد حكى الإمام أبو عبد الله أن المشهور " منع الصلاة على ظهر الكعبة، وأن ذلك أشد من منع الصلاة داخلها، وأن الإعادة تجب فيه أبدا ". وحكى عن محمد بن عبد الحكم الإجراء، وحكي عن أشهب الإجراء إن كان بين يديه قطعة من سطحها. وبناء الخلاف على أن المشروع استقبال بنائها أو هوائها؟
ولو امتد صف مستطيل قريبا من البيت، فالخارج من سمت البيت لا صلاة له، ولو فرض بعد هؤلاء عن مكة في أفق من الآفاق لصحت صلاتهم.
والواقف بمكة خارج المسجد يسوي محرابه بناء على عيان الكعبة، فإن لم يقدر استدل عليها بما يدل عليها، (وأن) كان يقدر ولكن بمشقة، فقد تردد بعض المتأخرين في جواز اقتصاره على الاجتهاد.
[ ١ / ٩٤ ]
والواقف بالمدينة ينزل محراب رسول الله ﷺ في حقه منزلة الكعبة، (فليس) له الاجتهاد فيه بالتيامن والتياسر.
الركن الثالث: في المستقبل.
والقادر على معرفة القبلة يقينا لا يجوز له الاجتهاد، والقادر على الاجتهاد لا يجوز له التقليد بل يجتهد، وهل مطلوبه في الاجتهاد الجهة أو السمت والعين؟ قولان للشيخ أبي بكر والقاضي أبي الحسن.
وللأعمى العاجز أن يقلد شخصا مكلفا مسلما عارفا بأدلة القبلة، فلو كان يستقل عند الإخبار عن الأحوال بمعرفة طرق الاجتهاد، قلد في السماع واجتهد بناء على ما سمع. وليس للمجتهد أن يقلد غيره، فإن تخير في الحال في نظره، فهل يتخير جهة يصلي إليها، أو يصلي أربع صلوات إلى الجهات الأربع، أو يقلد؟ ثلاثة مذاهب.
أما البصير الجاهل بالأدلة، فإن كان بحيث لو اطلع على وجه الاجتهاد لاهتدى إليه، لزمه السؤال، ولا يقلد. وإن كان بحيث لا يهتدي، ففرضه التقليد، فإن عدم من يقلده، فقال محمد بن عبد الحكم: يصلي إلى أي جهة شاء، قال: ولو صلى أربع صلوات لكان مذهبا.
ومن صلى بالاجتهاد ثم تبين له الخطأ، فلا إعادة عليه بعد الوقت، لكن يعيد في الوقت.
وقال المغيرة ومحمد بن مسلمة: هذا إن شرق أو غرب. وأما إن استدبر القبلة، فإنه يعيد وإن خرج الوقت. وقال ابن سحنون: يقضي وإن خرج الوقت في الوجهين جميعا.
وسبب الخلاف: هل فرض المجتهد في القبلة الإصابة أو الاجتهاد؟
وإذا فرعنا على المشهور، فاختلف في منتهي الوقت الذي يعيد إليه في الظهر والعصر، فقيل: غروب الشمس، وقيل: اصفرارها، وخرجه بعض المتأخرين على القول بتأثيم مؤخر الصلاة إلى الاصفرار.
وهذا الخلاف جار في إعادة من صلى بنجاسة ناسيا.
ومن صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات، ولم يتعين له الخطأ، فلا قضاء عليه في وقت ولا غيره.
وإن تيقن أنه استدبر القبلة، أو شرق أو غرب وهو في أثناء الصلاة، قطع وابتداء.
ولو بأن له الخطأ في التيامن والتياسر، ولم يشرق أو يغرب، فإن كان في الصلاة انحرف
[ ١ / ٩٥ ]
وأتمها ولا شيء عليه، وإن علم بذلك بعد الفراغ من الصلاة، فلا قضاء عليه.
فروع:
الأول: إذا صلى صلاة باجتهاد، ثم حضرت صلاة أخرى، استأنف الاجتهاد لها.
الثاني: لو أدى اجتهاد رجلين إلى جهتين، فلا يقتدي أحدهما بالآخر.
الثالث: لو اجتهد بالأعمي رجل، ثم قال له آخر: قد أخطأ بك، فصدقه، وانحرف حين قال له، وما مضى مجزي عنه لأنه اجتهد له من له اجتهاد. قال ابن سحنون: هذا هو الحق، إذا كان المخبر مخبرا باجتهاده لا بحقيقة.
فإن أخبر عن عيان حقيقة القبلة، لزم الأعمى إبطال ما مضى من صلاته.
الباب الرابع: في كيفية الصلاة
وأفعال الصلاة تنقسم إلى أركان وسنن وفضائل.
أما أركانها التي هي منها فتسعة:
التكبير للإحرام، وقراءة أم القرآن، والقيام لهما، والركوع، والرفع منه، والسجود، والفصل بين السجدتين، وقدر ما يعتدل فيه ويسلم من الجلوس الأخير، والتسليم.
واختلف في عد الطمأنينة من الواجبات (أو) من الفضائل، ولم نعد النية لأنها من الفروض الخارجة عن ذات الصلاة، فهي بالشرط أشبه، ولو كانت ركنا لافتقرت إلى نية.
وأما السنن، فاثنتا عشرة، وهي:
قراءة سورة مع أم القرآن، والقيام لها، والجهر بالقراءة في موضع الجهر، والإسرار في موضعه، والتكبير سوى التكبير للإحرام، والقول: سمع الله لمن حمده، والجلوس الأول، والتشهد فيه، والزائد على مقدار الواجب من الجلوس الأخير، والتشهد فيه، والاعتدال في الفصل بين الأركان على أحد القولين، والصلاة على النبي ﷺ في المشهور. وأما الفضائل: فعدها القاضي أبو محمد سبعا.
رفع اليدين مع التكبير الإحرام، وإطالة القراءة وقصرها في الصلوات على ما سيأتي، والتأمين بعد الفاتحة، والتسبيح في الركوع والسجود، والقنوت في الفجر، وقول المأموم: ربنا (و) لك الحمد، وسجود التلاوة.
[ ١ / ٩٦ ]
ولنورد الأركان بسننها وفضائلها على ترتيبها.
الركن الأول: التكبير للإحرام.
ولتكن النية مقرونة به، ثم كيفية النية أن يقصد بقلبه الدخول في الصلاة المعينة، ويكون قصده مقارنا للفظ التكبير، وسواء ابتديا في حال، أو تقدمت النية، واستصحبت ذكرا إلى التكبير، ولا يفتقر في عقد الصلاة مع النية إلى لفظ سوى لفظ التكبير، وهل يلزمه التعرض في نيته لعدد الركعات؟ فيه خلاف ينبني عليه الخلاف في ثلاثة فروع:
من افتتح بنية القصر فأتم، أو بالعكس، ومن افتتح صلاة الجمعة، فلم تتم له شروطها، هل يتم عليها ظهرا أم لا؟ ومن دخل مع الإمام في صلاة الجمعة يظنها الظهر أو بالعكس.
ففي جميع ذلك خلاف.
وإذا قارنت النية وجب استصحابها حكما، وهو استدامة أمرها، بأن لا يحدث ما ينافيها، ويناقض جزمها، كما لو نوى الخروج في الحال أو في ثانية، فلو عزبت في أثناء الصلاة لم يضره ذلك. وحكى ابن سحنون عن أبيه: أنه كان يصلي ثم يعيد، ويعتذر بأن نيته عزبت.
وقال القاضي أبو بكر: " إن عزبت بأمر خطر في الصلاة، أو بسبب عارض، لم يضر ".
وإن كانت بأسباب متقدمة قد لزمت العبد من الانهماك في الدنيا، والتعلق بعلائقها الزائدة، والتشبث بفضولها، فيقوي ترك الاعتداد بالصلاة، لأن ذلك واقع باختيار، هذا حكم النية.
أما التكبير، فيتعين لفظه على القادر، ولا تجزي ترجمته، وهو أن يقول: الله أكبر، لا يجزي غيره من قوله: الأكبر، أو أجل، أو أعظم.
(أما الأبكم فيدخل بالنية، ولا يلزمه غير ذلك. وأما العاجز لجهله باللغة، فقال الشيخ أبو بكر: ليس عليه نطق آخر سواه يفتتح به الصلاة عوضا عن التكبير، قال الإمام أبو عبد الله: " هو صحيح على أصلنا ". وقال القاضي أبو الفرج: يدخل بالحرف الذي دخل به الإسلام.
وحكى القاضي أبو محمد عن بعض أشياخه: " أنه يدخل الصلاة بلسانه، فإذا شرع في التكبير، رفع يديه معه، على المعروف من المذهب "، قال القاضي أبو محمد: " إلى المنكبين، لا إلى الأذنين ".
[ ١ / ٩٧ ]
واختار المتأخرون أن يحاذي بالكوع الصدر، وبطرف الكف المنكب وبأطراف الأصابع الأذنين، وهذا إنما يتهيأ إذا كانت يداه قائمتين، رؤوس أصابعهما مما يلي السماء، وهي صفة النابذ.
وقال سحنون: [تكونان] مبسوطتين بطونهما مما يلي الأرض وظهورهما مما يلي السماء، وهي صفة الراهب.
ثم إذا أرسل يديه، قبض باليمنى على المعصم والكوع من يده اليسرى تحت صدره، على رواية مطرف وابن الماجشون في استحسان ذلك، ويسدلهما على ظاهر رواية ابن القاسم في الكتاب؛ إذ روى: " لا بأس به في النافلة، وكرهه في الفريضة ". لكن تأول القاضيان أبو محمد وأبو الوليد روايته وحملاها على الاعتماد؛ لأنه هو المكروه في الفريضة، المباح في النافلة، لا على وضع اليمنى على اليسرى الذي هو هيئة من هيئات الصلاة، وهو مخير على رواية أشهب، إذ روى الإباحة فيهما، وكذلك قال في المختصر: لا بأس بوضع اليد على اليد في الصلاة.
الركن الثاني: قراءة أم القرآن.
وليعقب التكبير بقراءتها، ولا يفصل بينهما بشيء، وهي متعينة، لا يجزي عنها غيرها، ولا تقوم ترجمتها مقامها. ومن لم يحسنها وجب عليه تعلمها، فإن لم يسعه وقت الصلاة للتعلم ائتم بمن يحسنها، فإن لم ي جد (فقال (ابن) سحنون: فرضه أن يذكر الله سبحانه.
وقال الإمام أبو عبد الله: " ظاهر كلام أشهب، أن تعويض الذكر يجب في محل القراءة "، قال: " ومقتضى قول الأبهري عندي، أنه لا يجب عليه تعويض، كما لم يوجب
[ ١ / ٩٨ ]
تعويضا على من لا يحسن النطق بتكبيرة الإحرام لما كانت متعينة ". وقال القاضي أبو محمد: " لا يجب، ويستحب أن يقف وقوفا ما، فإن لم يفعل أجزأه ". وفي المبسوط: أنه ينبغي له أن يقف قدر قراءة أم القرآن وسورة، ويذكر الله).
فرع:
لو افتتح الصلاة كما أمر، وهو غير عالم بالقراءة، فطرأ عليه العلم بها في أثناء الصلاة، قالوا: ويتصور ذلك بأن يكون سمع من قرأها، فعلقت بحفظه من مجرد السماع، فلا يستأنف الصلاة؛ لأنه أدى ما مضى على حسب ما أمر به، فلا وجه لإبطاله، قاله في كتاب ابن سحنون.
ويستوي في وجوبها الإمان والفذ، ولا تجب على المأموم، لكن (تستحب) قراءتها في السر دون الجهر.
وقال ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن حبيب: لا يقرأها في الجهر ولا في السر.
وتجب في كل ركعة على الرواية المشهورة، قال القاضي أبو محمد: " وهذا هو الصحيح من المذهب، وفي الأكثر على الأخرى ". وقال المغيرة: يجتزى بوجودها في ركعة واحدة.
وليست بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية منها، ولا من غيرها، سوى سورة النمل، ولا تجب قراءتها في الصلاة، لما روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، قال: " صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فلا في أول قراءة، ولا في آخرها: ".
ومن قرأ بالقراءة الشاذة لم تجزئهن ومن ائتم به أعاد أبدا، ثم بعد الفاتحة فضيلة وسنة، فالفضيلة التأمين مع تخفيف الميم ممدودة أو مقصورة.
ويؤمن المأموم إذا سمع قول الإمام: ولا الضالين، وقال ابن عبدوس: يتحرى فيؤمن إذا لم يسمع.
ويؤمن الإمام إذا أسر، قال القاضي أبو الوليد: " لم يختلف أصحابنا في ذلك "، وعلله بأنه قد عي دعاؤه من مؤمن عليه غيره، فأما إذا جهر، فيؤمن أيضا في رواية المدنيين، وروى
[ ١ / ٩٩ ]
المصريون أنه لا يؤمن، واختار القاضي أبو الوليد رواية المدنيين، أنه يؤمن في السر وفي الجهر، ويكون تأمين المأموم مقارنا له معا.
وقال ابن بكير: يتخير في الجهر.
ثم حيث قلنا: يؤمن فليسر كالمأموم والمنفرد، واختار بعض المتأخرين جهر الإمام به، وقال غيره: هو مخير في الجهر والإسرار.
والسنة قراءة سورة، بعد الفراغ من أم القرآن والتأمين لها، وهي مسنونة في الصبح والجمعة والأوليين في غيرهما من فرائض الأعيان.
وفي جملة أنواع السنن والتطوعات سوى ركعتي الفجر؛ إذ المشهور الاقتصار فيهما على قراءة الفاتحة فقط. وفي مختصر ابن شعبان: يقرأ فيهما بأم القرآن في كل ركعة، وسورة من قصار المفصل.
والمختار من قدرها مختلف باختلاف أعيان الصلوات، ففي الصبح بطوال المفصل، وما زاد عليه بقدر ما يحتمله التغليس، ولا يبلغ به الإسفار، والظهر تليها في ذلك وتقاربها، ويستحب التخفيف في المغرب، والعصر تليها في ذلك. وأما العشاء الآخرة فبين المنزلتين، ثم القراءة في الجهر والسر على ثلاثة أقسام.
الأول: الجهر في جميع الركعات، كالصبح والجمعة.
والثاني: الإسرار في جميعهن، كالظهر والعصر.
والثالث: الجمع بين الأمرين، كالمغرب والعشاء، فيجهر في الأوليين من كل واحدة منهما، ويسر في سائرها، هذا حكم الفرائض.
أما النوافل، فيجوز فيها الجهر والإسرار في الليل، والإسرار في النهار، واختلف في جواز الجهر فيه.
وينتهي في الجهر إلى أن يسمع نفسه ومن يليه، والمرأة دون ذلك، تسمع نفسها خاصة. ويشترط في السر تحريك اللسان بالحروف، فإن لم يتحرك بها لم يحتسب بما فعل، وكان غير قارئ.
وأما بيان أحوال السنن في الجهر والإسرار، فيأتي في صفتها عند ذكرها إن شاء الله.
[ ١ / ١٠٠ ]
الركن الثالث: القيام للإحرام، وقراءة أم القرآن.
ويجب القيام لهما مع الإقلال، فإن توكأ أو استند مع القدرة على الإقلال، بطلت الصلاة إن كان لو زال العماد سقط، وإن كان بحيث لو زال لم يسقط، لم تبطل مع كراهية فعله.
فإن عجز عن الإقلال ففضه التوكؤ، فإن عجز عن ذلك، انتقل إلى الجلوس مستقبلا، فإن عجز عنه، ففرضه الجلوس مستندا، ثم حيث انتقل عما هو فرضه أعاد أبدا.
" ولا يستند (لحائض) ولا جنب، فإن فعل أعاد في الوقت ".
فرع: لو قدر على القيام، ولكن بلحوق مشقة فادحة تلحقه بحكم العاجزين سقط عنه.
قال ابن عبد الحكم: ولو خاف معاودة علة تضر به إن قام، لسقط عنه القيام، قال: وكذلك من لا يملك خروج الريح إذا قام.
وإن عجز عن الركوع والسجود دون القيام قام وأومأ بهما، والإيماء بالرأس والظهر جميعا. وهل عليه أن يبلغ في الإيماء منتهى وسعة؟ ذكر الشيخ أبو الطاهر: " أن ظاهر المذهب على قولين في ذلك ".
ويمد يديه إلى ركبتيه في الإيماء للركوع، ويحسر عن جبهته في الإيماء للسجود.
ولو قدر على القيام والركوع والسجود، لكن إن سجد لم يقدر على النهوض للقيام بعد، فهل يصلي قائما، ويومئ [للركوع] و(السجود) في الثلاث الأول من الرباعية مثلا، ثم يركع ويسجد في الرابعة، ويكمل صلاته، أو ي ركع ويسجد في الأولى، ويتم الصلاة جالسا؟ (هذا) مما اضطرب فيه المتأخرون، فمال أبو إسحاق التونسي إلى إيثار السجود على القيام لتقدمه عليه وللإنفاق على فرضيته، وذهب غيره إلى ترجيح القيام؛ إذ لا بدل عنه، لأن الجلوس حالة من حالات الصلاة.
ولو عجز عن القيام وقعد، فلا (تتعين) في القعود هيئة للصحة، لكن الإقعاء مكروه،
[ ١ / ١٠١ ]
وهو أن يجلس على وركيه ناصبا فخذيه. والمستحب في المشهور أن يتربع في موضع القيام، ومال بعض المتأخرين إلى أنه يجلس فيه كجلوس التشهد، وأشار إليه محمد بن عبد الحكم، فإن عجز عن وضع الجبهة، انحنى للسجود أخفض منه للركوع.
فإن عجز عن القعود، صلى على جنبه الأيمن مستقبلا بمقاديم [بدنه] القبلة، كالموضوع في اللحد، فإن لم يقدر على ذلك، استقلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة.
وروى ابن حبيب عن ابن القاسم: أنه يبدأ بالاستلقاء، فإن عجز عنه اضطجع على جنبه الأيمن، ثم إن عجز عنهما اضطجع على جنبه الأيسر.
فرع: ق الأرض الشيخ أبو الطاهر: " منت عجز عن جميع الأركان بالمرض أو ما في معناه، فإن قدر على حركة بعض أعضائه كرأسه أو يديه أو غير ذلك من الأعضاء، فهذا لا خلاف أنه يصلي، ويومئ بما قدر على حركته، وإن عجز عن جميع الحركات، ولم يبق له سوى النية بالقلب، فهذه الصورة لا نص فيها في المذهب ".
ثم حكى أن مذهب الشافعي: إيجاب القصد إلى الصلاة بقلبه، وأن مذهب أبي حنيفة: إسقاط الصلاة عمن وذلك إلى هذه الحال.
ثم قال: " وقد طال بحثنا عن مقتضى المذهب في هذه المسألة، والذي عولنا عليه في المذاكرة موافقة مذهب الشافعي مع العجز عن نص يقتضيه في المذهب. ورأى أنه الاحتياط. وأن مذهب أبي حنيفة [يقتضي] الرجوع إلى براءة الذمة، ثم قال: " ولا يبعد أن يختلف المذهب في المسألة ".
ولنختم الكلام على الركن بذكر فروع:
الأول: من به رمدا لا يبرأ إلا بالاضطجاع، فليصل مضطجعا، وإن قدر على القيام، إذا كان يتضرر به (كما تقدم).
الثاني: وهو مرتب عليه، من أدخل المرض على نفسه تداويا [كقادح] الماء من عينيه، فقال أشهب: يصلي مستلقيا ويومئ وقال في الكتاب: " إن فعل ذلك أعاد أبدا "، وعلل بأن القادح لا يوقن بالبرء، ولا عادة جارية به غالبا، فكأنه انتقل عن الكمال لأمر متردد في نجحه.
[ ١ / ١٠٢ ]
قال الشيخ أبو الطاهر: " وقائل هذا لم يقف على حقيقة الأمر في القدح، بل الغالب وجود المنفعة به، والدواء فيه أظهر نجحا من غيره، ورويت إجازته في كتاب ابن حبيب في اليوم ونحوه، وكراهيته فيما كثر من الأيام ".
الثالث: إذا تغيرت حال المصلي، بنى على ما مضى له، وأتم على حسب ما آل إليه أمره.
فإذا وجد القاعد خفة في أثناء القراءة، فليبادر إلى القيام، وإن خف بعد فراغها، لزمه القيام للهوى إلى الركوع، ولا تعتبر الطمأنينة، فإن خف في الركوع قبل الطمأنينة على القول بمراعاتها، كفاه أن يرتفع منحنيا إلى حد الركوع.
الرابع: القادر على القعود، لا يتنفل مضطجعا على أحد القولين.
الركن الرابع: الركوع.
وأقله أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه أو تقربان منهما، ويجزي منه أدنى لبث، وأكمله أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه، وينصب ركبتيه، ويضع كفيه عليهما، ويجافي الرجل مرفقيه عن جنبيه، ولا يجاوز في الانحناء الاستواء، ويقول: الله أكبر، رافعا يديه عند الهوي في رواية ابن وهب وأشهب، ويسبح ما تيسر له.
ثم يرفع من ركوعه، وهو الركن الخامس، فإن أخل به وجبت الإعادة في رواية ابن القاسم، ولم تجب في رواية علي بن زياد.
فرع: إذا قلنا برواية ابن القاسم، فهل يجب الاعتدال أم لا؟ روي لابن القاسم في من رفع من الركوع والسجود ولم يعتدل، أن صلاته تجزينه، ويستغفر الله، ولا يعود. ولأشهب: أن صلاته غير صحيحة.
وقال القاضي أبو محمد: " الأولى أن يجب من ذلك ما كان إلى القيام أقرب "، وحكاه القاضي أبو الحسن عن بعض أصحابنا ".
ثم إذا قلنا بوجوب الاعتدال، فتجب الطمأنينة، وقيل: لا تجب، وكذا الخلاف في إيجابها في سائر الأركان.
ويستحب له أن يرفع يديه، على رواية ابن وهب وأشهب (أيضا)، عند رفعه. ورواية
[ ١ / ١٠٣ ]
ابن القاسم في الكتاب: " ترك الرفع فيهما، أعني الركوع والرفع منه "، ويقول في حال الرفع: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، إن كان منفردا، ويقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده، إن كان إماما، وقيل: بل يجمع بينهما. وإن كان مؤموما اقتصر على قوله: ربنا ولك الحمد، بإثبات الواو في رواية ابن القاسم، وروى علي بن زياد: إن الأفضل إسقاطها.
ثم يكبر للسجود، فإن شاء وضع يديه قبل ركبتيه، أو ركبتيه قبل يديه، والأول أحسن.
ثم إذا سجد على [بينته] نهض قائما، ولا يقعد ثم يقوم إلا من عذر، ويفعل في الثانية من القراءة مثل ما فعل في الأولى، غير أن السورة فيها ينبغي أن تكون بعد التي قرأ بها في الأولى في ترتيب المصحف، وأن تكون أقصر منها أيضا.
ويستحب القنوت في الصبح بعد فراغه من قراءة الركعة الثانية، فيقنت قبل الركوع إن شاء أو بعده، إلا أنه قبل الركوع أفضل، ولا يجهر به.
واختار في الكتاب مما روى منه: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونخنع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق. ولو أتى بغيره أجزأه.
ثم إن كان له في نفسه حاجة دعها بها حينئذ إن شاء.
الركن السادس: السجود.
وصفته أن يمكن جبهته وأنفه من الأرض والكفين والركبتين وأصابع القدمين.
ولا يجب كشف الكفين، لكن يستحب.
وفي إثبات الإجزاء ونفيه عند الاقتصار من الجبهة والأنف على أحدهما، ثلاثة أقوال: يخصص الإجزاء في الثالث بالاقتصار على الجبهة دون الاقتصار على الأنف، وهو المشهور.
واختار القاضي أبو بكر نفي الإجزاء بإسقاط أيهما كان، وهو قول ابن حبيب.
وحكى القاضي أبو الفرج ما ظاهره تعلق الوجوب بأحدهما على البدل.
وأما باقي الأعضاء، فقال سحنون: اختلف أصحابنا إذا لم يرفع يديه عند رفعه للسجدة الثانية، فمنهم من قال: لا تصح صلاته، لما جاء أن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، ومنهم من خفف ذلك.
[ ١ / ١٠٤ ]
وقال القاضي أبو الحسن: " يقوي في نفسي أن السجود على الركبتين وأطراف القدمين سنة في المذهب ".
ولو سجد على طرته، أو كور عمامته، كالطاقة أو الطاقتين، أو طرف كمه، لم يمنع الإجزاء.
ويكبر في الانخفاض له، ويدعو فيه إن أحب، ويستحب (له) أن يفرق بين ركبتيه، ومرفقيه، وجنبيه وبطنه وفخذيه، وهو التفريج، ولا تفرج المرأة.
واستحب المتأخرون يسجد بين كفيه. ولم يحد مالك في ذلك حدا.
ثم يفصل بين السجدتين وهو الركن السابع، ولا يتهيأ الإتيان بهما مع الإخلال به؛ إذ لا يتصور التعدد دونه. فأما الاعتدال فيه، ففيه من الخلاف ما مضى في الاعتدال في الرفع من الركوع.
ويضع يديه قريبا من ركبتيه منشورتي الأصابع، ثم يسجد سجدة أخرى مثلها.
ثم يقوم للثانية واضعا يديه على الأرض، ويكبر حين شروعه في الرفع من السجود.
وكذلك في جميع تكبيرات الانتقال، سوى تكبيرة القائم من الجلوس، فإنه إنما يكبر إذا استقل قائما؛ إذ الشروع في تكبير الانتقال إنما هو في الأركان، ولم ينتقل من ركن إلى ركن فيكبر فيه، وعلى ذلك استمر العمل.
الركن الثامن: قدر ما يعتدل فيه، ويسلم من الجلوس الأخير.
والمستحب في صفة الجلوس لكه الأول والأخير وبين السجدتين أن يكون تروكا، وهو أن يفضي بروكه الأيسر إلى الأرض، ويخرج رجليه جميعا من جانبه الأمين، وينصب قدمه اليمنى وباطن الإبهام إلى الأرض، ويثني اليسرى، ويضع كفيه على فخذيه، ويقبض في الجلوس للتشهد الوسطى والخنصر ما بينهما من اليمنى، ويمد السبابة، ويضع الإبهام على الوسطى، ويجعل جانب السبابة مما يلي السماء، ويشير بها عند ذكر الوحدانية، وينصبهما ف يما وراء ذلك، وقيل: يشير بها دائما تقريبا على نفسه، وقيل: ينصبها دائما من غير تحريك، إشارة إلى الوحدانية، ويتشهد.
واختار في الكتاب ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يعلمه للناس على المنبر، وهو: التحيا لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي
[ ١ / ١٠٥ ]
ورحمة الله [وبركاته]، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، ثم يدعو بما يتسر له في التشهد الأخير دون الأول.
الركن التاسع: التسليم.
وهو واجب، ولا (تقوم) مقامه أضداد الصلاة، ولفظه متعين، وصورته: السلام عليكم.
ولو نكر ونون فقال: سلام عليكم، فقال القاضي أبو محمد والشيخ أبو محمد: " لا يجزيه " وقال أبو القاسم ابن شلبون: يجزيه.
واختلف المتأخرون في انسحاب حكم النية على التسليم، أو اشتراط تجديد نية للخروج، على قولين.
ويسلم كل واحد من الإمام والفذ تلقاء وجهه، ويتيامن قليلا، وأما المأموم فقال الشيخ أبو محمد: " يسلم عن يمينه "، قال الإمام أبو عبد الله: " وهكذا ظاهر (رواية ابن القاسم).
وبالتسليمة الواحدة، يخرجون من الصلاة، ولا يؤمر الإمام ولا المنفرد بزيادة عليها، وروي: أن كل واحد منهما يسلم تسليمتين.
ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الإمام منهما، ويضيف إليها المأموم اثنتين على المشهور أولاهما أمامه يرد بها على إمامه، والثانية (عن) يساره إن كان على يساره أحد في الرواية الأخيرة. وروى أشهب: أنه يبدأ منهما بالتي على اليسار، وهي الرواية المتقدمة.
وحكى القاضي أبو محمد التخيير بين مقتضى الروايتين.
وقيل: يقتصر على الرد على الإمام فقط.
[ ١ / ١٠٦ ]
ولو كان مسبوقا، ففي رده على الإمام ومن على يساره روايتان.
خاتمة:
يجب قضاء الفوائت على حسب ما توجه الخطاب بها حين الأداء، والترتيب في قضاء اليسير منها واجب، فتقدم على الوقتية، وإن ضاق وقت الأداء أو فات. وقال ابن وهب: يبدأ بالوقتية عند خوف فوات وقتها، وروي عن أشهب: أنه يتخير بينهما، ومستند المشهور الحديث الصحيح، أن رسول الله ﷺ يوم الخندق بدأ بصلاة العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب، خرجه مسلم في صحيحه.
[ويرتب] الفوائت كما [يرتب] الحاضرة معها.
فرع:
لو خالف الترتيب، وبدأ بالحاضرة ذاكرا لفائتة يجب ترتيبها، فقيل: يعيد الحاضرة بعد قضاء الفائتة ما دام في وقتها، وروى مطرف وابن الماجشون: أنه يعيد أبدا.
وسبب الخلاف: هل الترتيب شرط أم لا؟
ثم اليسير منها الخمس فدون، وقيل: الأربع فقط، ولم يختلف المذهب في الست أنها كثيرة. وذلك يقتضي نفي وجوب ترتيبها، ولكن حكى عن محمد بن مسلمة أنه يقدم المنسيات وإن كثرت، إذا كان يأتي بجميعها مرة واحدة.
ومن تذكر فائتة من وقتية يجب ترتيبها معها، فهل تفسد الوقتية بذلك أم؟ قولان، سببهما ما تقدم من الخلاف في اشتراط الترتيب.
وثمرتها: وجوب القطع واستحبابه.
وهو مأمور على المذهبين بأن يقطع ويبتدئ الفاتئة فيتمها، ثم يشتغل بالمؤداة إن كان
[ ١ / ١٠٧ ]
منفردا، ولم يعقد الركعة، وقيل: يتمها ركعتين نافلة، كما لو عقد الركعة.
وإن كان إماما أمر أن يقطع. وهل يسري ذلك لصلاة المأمومين؟ روى ابن القاسم أنه يسري ولا يستخلف، وروى أشهب أنه لا يسري (ويستخلف) من يتم بهم، وتصح صلاتهم.
وسبب الخلاف: مراعاة الخلاف.
وإن كان مأموما تمادى مع إمامه، ولم يقطع. ثم يختلف في وجوب الإعادة عليه.
ولو كان في الجمعة، فقال أشهب: إن علم أنه يدرك ركعة من الجمعة بعد قضاء المنسية، فأحب إلي أن يقطع ويقضي، ثم يعود إلى الجمعة، وإن لم يعلم ذلك تمادى.
فإذا أكمل الجمعة صلى المنسية خاصة، ولا إعادة عليه في الجمعة إلا احتياطا، لأنها قد فاتت. وقال الشيخ أبو الحسن: مذهب مالك اتباع الإمام، فإذا فرغ صلى التي نسي وأعاد الجمعة ظهرا.
قال ابن القاسم: " وإن لم يذكر التي نسى حتى فرغ من الجمعة، لم تكن عليه إعادتها ". قال سحنون: آخر قوله أنه يعيدها في الوقت، ولعيه أكثر الرواة.
ولو ذكرها بعد الصلاة الوقتية، صلى المنسية، ثم أعاد الوقتية ما لم يذهب وقتها. وهل الاختياري أو الضروري؟ فيه قولان، سببهما الموازنة بين فضيلة الترتيب، وكراهية إيقاع الصلاة بعد الاصفرار، هذا حكم الفائتة مع الوقتية.
فأما حكم الترتيب بين الفوائت، فالمعتبر فيه تحصيل اليقين ببراءة الذمة.
والنظر في تحصيل عدد أحوال الشكوك فيها، فيوقع من الصلوات أعدادا على رتب ما [يحيط] بجميع حالات الشكوك.
فمن ذلك، من نسي صلاة من الخمس لا يدري ما هي، فإنه يأتي بهن كلهم ليستوفي جميع أحوال الشك.
وأما إن علم عين الصلاة، وجهل يومها، فإنه يصليها غير ملتفت لأعيان الأيام، فإن علم أعيان الأيام، وجهل ترتيبها، فالمذهب على قولين، المشهور أنه لا يراعى اختلاف الأيام.
وحكى ابن سحنون عن بعض الأصحاب ما يقتضي مراعاتها، مثاله: من نسي ظهرا وعصرا، لا
[ ١ / ١٠٨ ]
يدري الظهر للسبت، والعصر للأحد، أو العصر للسبت، والظهر للأحد، فعلى المشهور يصلي ظهرا بين عصرين، أو عصرا بين ظهرين. وعلى القول الآخر: يصلي ظهرا للسبت، ثم عصرا للأحد، ثم عصرا للسبت، ثم ظهرا للأحد.
ولو تحقق عين الصلاة وشك في كونها سفرية أو حضرية، فإنه يصليها تامة، ثم يصليها سفرية، لتستوعب الصلاتان حال الشكين.
ولو نسي ظهرا وعصرا، لا يدري أيتهما قبل الأخرى، فقد تقدم أنه يصلي ظهرا بين عصرين، أو عصرا بين ظهرين، على المشهور للإحاطة بجميع حالات الشكوك.
فلو انضاف إلى هذا الشك، أن يشك، بعد علمه أن إحداهما سفرية والأخرى حضرية، في السفرية منهما، حتى صار الشك في [حالتي] الرتبة والقصر، فاختلفت أجوبة الأصحاب فيها.
قال الإمام أبو عبد الله: " والصحيح ما نقل سحنون عن ابن القاسم أنه رجع إليه، ونقله ابن حبيب عن أصبغ، وهو أن يصلي ست صلوات ظهرا تامة، ثم يعيدها مقصورة، ثم عصرا تامة، ثم يعيدها مقصورة، ثم ظهرا تامة، ثم يعيدها مقصورة "، والقانون المرجوع إليه في جواب ما يرد من هذه المسائل، أن يضرب عدد المنسيات في أقل منها بواحد، ثم يزيد على المتحصل واحدا، ثم يصليها على حسب ما تقدم.
مثاله في المسألة السابقة: أن يضرب اثنين في واحد، ويزيد واحدا، فتكون ثلاثة ظهرا بين عصرين أو عصرا بين ظهرين.
ولو شك مع ذلك في كونهما سفريتين أو حضريتين، أو سفرية وحضرية، فليفعل ما ذكرناه، إلا أن كل صلاة فرغ من فعلها حضرية أعادها سفرية.
وإن كان المنسي ثلاث صلوات صبحا وظهرا وعصرا من ثلاثة أيام، لا يدري أيهما قبل، فليضرب ثلاثة في اثنين ويزيد واحدة، فتكون سبعا، فإذا ابتدأ (بالصبح) فكمل الثلاث أعدها، ثم أعاد الصبح، فإن انضاف إلى ذلك الشك في كونها حضرية أو سرية، أو منها حضرية وسفرية، فيعيد كل صلاة تقصر صلاة سفر، فإذا صلى الظهر حضرية أعادها سفرية، وكذلك العصر، ثم يعيدهما كذلك في تكريرهما، فبلغ العدد إحدى عشر، فإن كان المنسي أربعا، فثلاث عشرة صلاة.
وإن شك مع ذلك في السفر والحضر، زاد مع كل صلاة حضرية تقصر صلاة سفرية، وإن
[ ١ / ١٠٩ ]
كانت المنسية خمسا، صلى إحدى وعشرين، ومع الشك في السفر والحضر تبلغ نيفا وثلاثين، هذا على المشهور.
ولو فرعنا على اعتبار الأيام، لم تختص الإعادة بما يقصر، بل يعيد الجميع، فيتضاعف العدد الذي ينتهي إليه الحساب أبدا.
ومن هذا الباب، أن ينسى صلاة وثانيتها، ولا يدري ما هما، فإنه يصلي الخمس على رتبتها، ثم يعيد ما ابتدأ به.
ولو نسي صلاة وثالثتهما، صلى ستا أيضا، لكن أي صلاة بدأ (بها) عقبها بثالثتها، ثم بثالثة الثالثة، ثم كذلك حتى يكمل ستا، وكمالها بإعادة الأولى.
ولو نسي صلاة ورابعتها، ولم يزد على الست، لكن أي صلاة بدأ بها عقبها برابعتها، ثم برابعة الرابعة، ثم كذلك حتى يكمل الست بإعادة الأولى.
ولو نسيها وخامستها، لم يزد على الست أيضا، لكن أي صلاة بدأ بها عقبها بخامستها، ثم بخامسة الخامسة، ثم يتمادى على ذلك حتى يكمل الست بإعادة الأولى.
ولو كان إنما نسي صلاة وسادستها، أو حادية عشرة لها، أو سادسة عشرة لها، فليصل عشر صلوات، يصلي كل واحدة من الخمس ويعيدها، فيصلي ظهرين وعصرين ومغربين وعشاءين وصبحين؛ لأن السادسة والحادية عشرة والسادسة عشرة هن الأولى بعينها، فكانتا صلاتين متماثلتين من يومين فعليه صلاة يومين.
قال الإمام أبو عبد الله: " وهذا إذا أحكم وتدبر تصوره في الذهن لم يصعب، وفرع عليه الناظر ما شاء ".
قال: " (وكدا) الفهم فيه يكسب انتباها (وتيقظا) فيما سواه من المعاني الفقهية.
الباب الخامس: في شروط الصلاة
وهي خمسة:
الأول: الطهارة عن الحدث، فهي شرط في الابتداء والدوام، حتى لو أحدث في الصلاة عمدا أو سهوا بطلت، وكذلك لو سبقه الحدث.
[ ١ / ١١٠ ]
الشرط الثاني: طهارة الخبث في الثوب والبدن والمكان، وقد تقدم الخلاف في أنها واجبة مع الذكر، أو مع الذكر والنسيان، أو هي سنة.
وإذا قلنا بالوجوب، ففي كونها شرطا في صحة الصلاة خلاف.
ثم إذا قلنا بالشرطية، فهل على الإطلاق أو مع الذكر؟ قولان القاضيين أبي الحسن وأبي محمد.
ثم النظر فيما يطهر عن النجاسة، وهو الثوب والبدن والمكان.
(أما الثوب، فإن أصاب أحد ثوبيه نجاسة ولم يميزه، تحرى، فما غلب على ظنه أنه الطاهر منهما صلى به، وقيل: أنه يصلي بكل واحدة صلاة. قال القاضي أبو بكر: " والصحيح الأول ".
ولو أصاب بعض ثوبه نجاسة، ولم يعلم موضعها، لم يجز التحري، وغسل جميعه بخلاف الثوبين؛ لأن أصلهما الطهارة، فيستند اجتهاده إليها، والأصل في الواحد النجاسة بعد الإصابة.
ولو قسم هذا الثوب نصفين، لم يجز التحري أيضا، لجواز أن تنقسم النجاسة فيهما).
ولو تحقق أن النجاسة أصابت أحد الكمين، فقال القاضي أبي بكر: " يجوز الاجتهاد كالثوبين باختلاف بين العلماء "، ثم قال: " فإن فصلهما جاز الاجتهاد إجماعا ".
ولو كان طرف عمامته على نجاسة، فرأى أبو محمد عبد الحق: " أن المراعى في ذلك تحرك موضع النجاسة، فإن تحرك بحركته، فهو كالمصلي وفي بعض ثيابه نجاسة، وإن لم يتحرك فليس كذلك ". وفي السليمانية: يعيد في الوقت، وإن كانت العمامة طويلة، وعلل بأنه صلى والنجاسة متعلقة به؛ إذ لو اضطره (أمر) فتنحى عن المكان الذي يصلي فيه، جر النجاسة متعه.
فرع:
إذا رأى المصلي في ثوبه نجاسة، يؤمر بإزالتها، فقال في الكتاب: " ينزعه ويستأنف
[ ١ / ١١١ ]
الصلاة من أولها بإقامة جديدة، ولا يبنى على شيء مما مضى ".
وقال ابن الماجشون: ينزعه إذا أمكنه ويتمادى، وإن لم يمكنه تمادى، ثم نزعه وأعاد.
وقال مطرف: يقطع إلا أن يمكنه النزع، فينزعه ويتمادى.
ولو كان رآها قبل الصلاة، فترك إزالتها إلى وقت الصلاة، فلما كان وقت الصلاة نسي إزالتها فصلى بها، فحكى القاضي أبو بكر عن بعض العلماء: " أن عليه الإعادة، لأنه فرط، ثم استضعفه، واستشهد بتعلق الوجوب بوقت الصلاة دون ما قبله ".
قال القاضي أبو بكر: " فإن رآها في أثناء الصلاة، فلما هم بالانصراف نسي فتمادى أعاد أبدا، قاله ابن حبيب، ووجهه أن الصلاة برؤية النجاسة انتقضت "، قال: " وعندي أنها لم تنتقض، إذ لو انتقضت لما عادت بطرحه، وإنما وجب عليه إزالتها، ونسيانه آخرا كنسيانه أولا "، قال: " وإنما ذلك بناء على أحد القولين في (المدونة) ".
ولو سال جرحه في الصلاة، أو نكأ قرحته فيها فسالت، فقال القاضي أبو بكر: " إن كان يسرا فلته ومضى، وإن كان كثيرا ففيه قولان: أحدهما يقطع، والثاني يغسله ويتمادى "، قال: " والأول أقيس وأجزى ".
وأما البدن، فقد تقدم أن تطهيره بالغسل إن تحققت نجاسته، وإن شك فيها اجتزى بالنضح على المشهور.
فلو جعل في جرحه المرتك الذي يصنع من عظام الميتة أو غيره نم النجاسات، فلا يصلي به حتى يغسل. ورخص ابن الماجشون في ترك غسله، وأجاز الصلاة.
وأما المكان، فليكن كل ما يماس بدنه عند القيام والجلوس والسجود طاهرا، فلو صلى على حصر أو نحوه مما ينتقل وطرفه متصل بنجاسة، ففي إنزالها منزلة المتصلة ببدنه قولان للمتأخرين، واختيار عبد الحق أنها لا تنزل منزلتها.
ومما يتصل بمكان الصلاة نهيه ﷺ عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة،
[ ١ / ١١٢ ]
وقارعة الطريق، وبطن الوادي، والحمام، وظهر الكعبة، وأعطان الإبل وهو مجتمعها عند الصدر من المنهل.
واختلف في علة ذلك، فقيل: كونها لا يؤمن نفارها، وقيل: زفورتها، وقيل: كونها يستتر بها في العادة عند قضاء الحاجة، وقيل: كونها خلقت من جان.
هذا حكم النجاسات التي لا عذر في استصحابها. أما مظان الأعذار فخمس:
الأولى: الأثر على محل النجو بعد الاستجمار، فلو صلى من استجمر في ثوب فعرق فيه، فأصاب موضع الاستنجاء، جرى على الخلاف بين القاضيين أبي الحسن وأبي الوليد، كما تقدم.
الثانية: يعفى من طين الشوارع عما يتعذر الاحتراز عنه غالبا، وكذا ما على الخف في حق المصلي معه، كما سبق في كتاب الطهارة.
الثالثة: دم البراغيث معفو عنه، (إلا إذا كثر كثرة) يندر وقوعها، ويختلف ذلك بالأوقات والأماكن.
الرابعة: دم البثرات وقيحها وصديدها، وقد تقدم أنه معفو عنه في حق من وجد منه، فإن أصابه من بدن غيره، ففي العفو عنه قولان.
الخامسة: الجاهل بنجاسة ثوبه، يجري حكمه في القضاء على الخلاف المتقدم، وكذلك المتعمد.
فرع: ويلتحق بذلك ما لو رعف في الصلاة، وكان الدم بحيث يعلم أنه لا ينقطع، فإنه يتم الصلاة على حاله، وله الإيماء بالركوع والسجود، وإن كان ركوعه وسجوده يضر بجسمه.
وإن كان إنما يضر به من جهة تلطخ ثيابه بالدم، ففي جواز الإيماء له من أجل ذلك قولان.
وإن كان يرجو انقطاعه أو يشك فيه، فليفتله بأصابعه، ويمضي على صلاته إن كان لا يقصر ولا يسيل، وإن قطر أو سال، فإن تلطخ به الكثير من جسده أو ثيابه قطع الصلاة، وإن لم يتطلخ به ذلك، فها هنا الأولى له أن يقطع، فإن أحب التمادي على صلاته بأن يخرج فيغسل
[ ١ / ١١٣ ]
الدم عنه، ثم يعود إلى الصلاة، فله الترخص بذلك إن كان في جماعة وعقد الركعة، وإن كان فذا ولم يعقد ركعة، فظاهر الكتاب أن له البناء أيضا، وقيل: ليس له ذلك.
وسب الخلاف: الاختلاف في أن البناء لحرمة الصلاة أو لحرمة الجماعة.
وإذا فرعنا على المشهور فخرج وقد (عمل) بعض أجزاء الركعة، إما القراءة خاصة أو القراءة والركوع وسجدة واحدة، فإنه يلغي ذلك ويستأنف عمله إذا عاد. وقال ابن الماجشون وابن حبيب: يبني على ما عمل من الركعة. (وروى ابن وهب) الجنوح إلى مثله، وأنه لو فعله الراعف لأجزأه.
ثم كيفية البناء أن يخرج ممسكا لأنفه، غر متكلم، ولا ماش على نجاسة، فيغسل الدم في أقرب المواضع، فإن تكلم عمدا، أبطل الصلاة، وإن تكلم سهوا ففي البطلان ثلاثة أقوال، في الثالث [تبطل] بالكلام في العودة دون المضي لغسل الدم، لضعف استدامة حكم الصلاة في حق الذاهب، وقوة استدامة حكمها في حق العائد لإقباله عليها. وإن مشى على نجاسة، كان كالمتكلم على ما فصلناه.
وإن تعدى مكانا تمكن من غسل الدم فيه إلى أبعد منه، بطلت صلاته.
وإذا فرغ من غل الدم على الشرائط المذكورة، رجع إلى الإمام، فأتم الصلاة معه.
وإن كان الإمام قد فرغ في غير الجمعة، أتم مكانه، أو في أقرب موضع يصلح للصلاة.
فإن كانت الجمعة، وكان [قد] عقد الإمام ركعة رجع أيضا إلى الجامع، فأتم به؛ إذ هو شرط الجمعة، وقيل: يتم بموضعه، وقيل: إن حال بينه وبين العودة حائل، أجزأته الصلاة في موضع غسل الدم، وإن لم يحل بينه وبين الجامع حائل، رجع إليه.
وإن كان لم يتم مع الإمام ركعة، ففي الكتاب: " يبتدئ الظهر أربعا "، قال سحنون: يبني على إحرامه، وروي أيضا أنه يقطع، ويبتدي بإقامة. وقال أشهب: ويستحب أن يتكلم ويبتدئ، وإن بنى على إحرامه أجزأه، فإن كان سجد سجدة، فسجد أخرى وصلى ثلاثا أجزأه.
وحكم الظن في إكمال الإمام وعدم إكماله، حكم العلم، وإن أخطأ في ظنه عذر.
[ ١ / ١١٤ ]
الشرط الثالث: ستر العورة، والنظر في حدها، وحكم سترها، وصفة الساتر.
النظر الأول: في حدها، والمكلفون صنفان: رجال ونساء.
والنساء قسمان: حرائر وإماء.
فأما الصنف الأول: (فأجمعت) الأمة على أن السوءتين منهم عورة، واختلفوا فيما عد ذلك. وفي المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: أن لا عورة إلا السوءتان، الثاني: أن العورة من السرة إلى الركبة، وهما داخلتان في ذلك، والثالث: هذا التحديد، لكنهما غير داخلتين. وروى القاضي أبو الفرج ما ظاهره إيجاب ستر جميع بدن الرجل في الصلاة.
وأما القسم الأول من الصنف الثاني، فجميع أبدانهن عورة، إلا الوجه والكفين.
وأما القسم الثاني، فعورتهن كعورة الرجل.
وقال في الكتاب في الأمة الكبيرة تصلي بغير قناع، قال: " ذلك سنتها، وكذلك المكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها "، قال: " ولا تصلي الأمة إلا وعلى جسدها ثوب تستر به جسدها ".
وقال في السراري اللاتي لم يلدن: " هن إماء، يصلين كما تصلي الأمة التي لم يتسررها سيدها ".
وأما أمهات الأولاد، فإنهن يصلين كالحرة بقناع ودرع أو قرقل يستر ظهور القدمين.
فإن صلت أم الولد بغر قناع، فأحب إلي أن تعيد ما دامت في الوقت، وليس ذلك بواجب عليها كوجوبه على الحرائر ".
فرع:
(إذا افتتحت الأمة الصلاة بما لا يجزي الحرة من اللباس، فطرأ عليها العلم بالعتق في أثنائها، فإن كان سابقا لافتتاحها، فقيل: تقطع، وقيل: تتمادى.
وإن كان طروء العتق في أثناء الصلاة، فإن قلنا في الصورة أولى: تتمادى، فها هنا أولى
[ ١ / ١١٥ ]
بالتمادي، وإن قلنا ثم: تقطع، فها هنا قولان في القطع والتمادي).
ثم حيث قلنا بالتمادي فيهما، فذلك ظاهر إذا وجدت ما تستتر به في الصلاة، فإن لم تجد، فها هنا قولان في التمادي والقطع.
النظر الثاني: في حكم الستر.
وهو واجب عن أعين الأنس، وهل يجب في الخلوات أو يندب إليه؟ قولان.
(فِإذا) قلنا: لا يجب فيها، فهل يجب للصلاة أو يندب إليه فيها؟ ذكر الشيخ أبو الطاهر عن أبي الحسن اللخمي، أنه حكى في ذلك قولين. ثم قال الشيخ أبو الطاهر: " وليس كما ظنه، وإنما المذهب على قول واحد في وجوب الستر، لكن الخلاف في وجوب الإعادة في الوقت أو فيه وبعده على الخلاف في ستر العورة، هل هو من شروط صحة الصلاة، أم لا؟.
وقد ذكر القاضي أبو محمد: أن القاضيين أبا إسحاق وابن بكير والشيخ أبا بكر ذهبوا إلى أن الستر من سنن الصلاة، وهذا يعضد ما حكاه أبو الحسن اللخمي ويحققه.
النظر الثالث: في صفة الساتر.
وليكن صفيقا كثيفا، ولا يكون شفا، ولا بحيث يصف، فإن كان شفا، فهو كالعدم مع الانفراد. وإن كان بحيث يصف وليس يشف فهو مكروه، ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة.
هذا حكم القادر على الساتر، فإن عجز عنه، صلى عريانا قائما، يركع ويسجد.
فإن اجتمع عراة وأرادوا الجمع، فإن كانوا في ليل مظلم يأمنون من نظر بعضهم إلى عورة بعض، جمعوا، وتقدموا إمامهم، وإن كان الأكمل في الستر أن يصلوا صفا، صلوا كذلك.
وإن كان النهار أو الليل المقمر، فإن أمكنهم التباعد حتى يصلوا بموضع لا ينظر بعضهم إلى عورة بعض، فعلوا ذلك، وصولا أفذاذا إن خافوا النظر مع الجمع، ولا فرق في هذا بين الرجال والنساء.
وإن جمعهم موضع لم يمكنهم التباعد فيه، فهل ينتقلون إلى الجلوس والإيماء، أو يصلون قياما، ويؤمر كل واحد بغض بصره؟ ها هنا قولان للمتأخرين.
[ ١ / ١١٦ ]
فروع:
الأول: لو وجد ساترا قبل الشروع لكنه نجس، صلى به، ولم يصل عريانا.
ولو اجتمع له حرير ونجس فبأيهما يصلي؟ قولان: مذهب الكتاب، الصلاة بالحرير، وقال أصبغ: بل يصلي بالنجس، ويعيد في الوقت.
وسبب الخلاف: النظر إلى تأكد النجس باختصاص منعه بالصلاة، أو إلى تأكد الحرير (بعموم) المنع فيه.
ولو لم يجد إلا حريرا، فالمنصوص لابن القاسم وأشهب أنه يصلي عريانا، ولا يصلي به. واستقرأ الإمام أبو عبد الله من تقدمته الحرير على النجس في الكتاب، أنه يصلي به، ولا يصلي عريانا.
الفرع الثاني: من صلى بثوب حرير مع القدرة على ثوب طاهر من غيره، وليس عليه ما يواريه غيره، فصلى به اختيارا، ففيه ثلاثة أقوال: إثبات الإعادة مطلقا، ونفيها مطلقا، وتخصيصها بالوقت.
ولو كان عليه ما يواريه سواه، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت.
وهكذا اختلف فيمن صلى متختما بالذهب على هذين القولين:
الفرع الثالث: لو صلى عريانا لعدم الساتر، ثم طرأ عليه في أثناء الصلاة ما يستتر به، فهل يتناوله فيستتر به ويتمادى، أو يقطع ثم يستتر ويبتدئ؟ قولان. قال الإمام أبو عبد الله: " وهما مبنيان على الخلاف في أن الستر مسنون أو مفروض ".
الشرط الرابع: ترك الكلام، والعمد منه، لغير إصلاح الصلاة، مبطل لها، قل أو كثر، ويستوي في ذلك كل ما ينطلق عليه اسم الكلام من غير تحديد لحروفه، ولا تعيين لها.
والتنحنح لضرورة غير مبطل، ولغير ضرورة مبطل في أحد القولين، فإن تعذرت القراءة إلا به لم يضر، وفي الإبطال بالنفخ قولان.
ولا تبطل الصلاة بسبق اللسان هن ولا بكلام الناسي، وفي كلام الجاهل بتحريم الكلام خلاف، هل يلحق بكلام العامد، أو بكلام الناسي؟
[ ١ / ١١٧ ]
وتبطل الصلاة بكلام المكره، وبالكلام الواجب لإنفاذ أعمى عن السقوط في مهلكة وشبهه.
ومصلحة الصلاة عذر في الكلام، فلا تبطل به الصلاة، وقال المغيرة: ليست بعذر، وتبطل الصلاة.
ولو قال: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾، على قصد التلاوة لم يضر، وإن قصد مع ذلك التفهيم، ولو لم يقصد سوى التفهيم. فقال ابن حبيب: (لا يضر)، وقال الإمام أبو عبد الله: " قد يتدرج في ذلك قول بإبطال الصلاة قياسا على أحد القولين فيمن فتح بالقرآن على من ليس معه في صلاة ".
ولو تنحنح قاصدا بذلك إسماع شخص، ففي صحة صلاته وبطلانها مع ذلك روايتان لابن القاسم وابن عبد الحكم.
وأما إن قهقه، فقيل: تفسد الصلاة، ويستوي في ذلك العمد والسهو والغلبة، وقيل: هي كالكلام، يبطل عمدها، دون غيره.
وأما مبدأ الضحك وهو التبسم، فروى ابن القاسم: " لا اعتبار به لخفته "، وروى ابن عبد الحكم: يسجد بعد السلام، لأنه كالزائد في الصلاة. وروى أشهب: " يسجد قبل السلام "، لأنه نقص من هيئة الخشوع والاستكانة.
قال القاضي أبو محمد: " قول ابن عبد الحكم أصح ".
الشرط الخامس: ترك الأفعال الكثيرة.
والكثير ما يخيل للناظر الإعراض عن الصلاة بإفساد نظامها ومنع اتصالها، ولا تبطل بما دون ذلك من تحريك الأصابع في تسبيح أو حكة أو نحو ذلك، ولا بمشي يسير وإن
[ ١ / ١١٨ ]
كره، إذا لم يكن لمصلحة الصلاة، أو لما دعت إليه ضرورة، مثل مشي المسبوق إلى سترة عند مفارقة الإمام، ومثل قتل ما يحاذر، إنقاذ نفس أو مال على قرب، ولو تباعد بحيث يغير نظم الصلاة أبطلها، وإن وجب. ولو دفع المار بين يديه دفعا خفيفا لا يشغله عن صلاته لم يبطلها.
ولا يقطع الصلاة شيء يمر بين يدي المصلي، وليكن للإمام المنفرد حريم يمنع المارة بأن يستقبل جدارا أو سارية أو شبه ذلك، أو ينصب بين يديه مثل مؤخر ة الرجل، ثم يصلي ولا يبالي بمن مر وراء ذلك، هذا إذا خشي المرور بين يديه، فإن أمن مهن ذلك، فلا يؤمر بالسترة. وروى ابن حبيب: أنه يؤمر بها وإن أمن، ولا يكفيه أن يخط على الأرض.
ثم المار بين يدي المصلي يأثم إن كانت له مندوحة عن المرور، ويختص بالإثم إن كان المصلي لم يتعرض للمرور بين يديه، وإن تعرض شاركه، ولا يأثم إن لم تكن له مندوحة، ولا المصلي إن لم يتعرض للمرور بين يديه، فإن تعرض حينئذ اختص بالإثم.
خاتمة:
للمحدث لحدث الأصغر المكث في المسجد، وليس للجنب ولا للحائض ولا للكافر، وإن أذن له المسلم، مكث ولا عبور، وقيل: بجواز عبور الجنب في المسجد.
الباب السادس: [في السجود]
وهو نوعان:
الأول: سجود السهو، وهو مأمور به عند ترك السنن التي أحصيناها ف يما تقدم.
أما الأركان فجبرها بالتدارك دون السجود، إلا في ترك الفاتحة في ركعة على خلاف وتفصيل يأتي.
واعلم أن السهود، وإن كثرت فروعه ودقت بعض مسائله، فإنه بالالتفات إلى قوانينه وأصوله يسهل الوصول إلى تحصيله، وأصوله تنحصر في ثلاثة فصول.
الفصل الأول: في مقتضيه
وهو ضربان: زيادة، ونقصان.
الضرب الأول: الزيادة: وهو قسمان
الأول: في زيادة الأقوال، فإن كثرت جدا [أبطلت] الصلاة كما تقدم، وإن كانت دون ذلك أجزأ عنها السجود. وقد قدمنا أن الكلام عمدا يبطل الصلاة وإن قل، إذا كان لغير
[ ١ / ١١٩ ]
إصلاحها، فإن كان لإصلاحها، كما لو سلم الإمام قبل [إكمال] الصلاة، فقال له بعض المأمومين: لم تكمل، فقال الإمام: أكملت، وكذلك لو سأل غير المتكلم أولا، فأخبره أنه لم يكمل فأتم، فإن صلاته وصلاتهم تصح على المشهور. وما فعلوه من الكلام والمراجعة حائز.
وتبطل عند ابن كنانة. وقال سحنون: تبطل إلا أن يسلم من اثنتين في الرباعية، كما ورد في قصة ذي اليدين. وقال ابن وهب: لا أرى لأحد أن يفعله اليوم، وكذلك قال ابن نافع، ثم قال: فإن فعل فلا أرى عليه استئناف الصلاة، ولا أحب له أن يعود.
فرع:
وإنما يجرع الإمام إلى قول المأمومين إذا غلب على ظنه ما قالوه بعد سلامه، أو شك فيه، فإن جزم الاعتقاد بخلاف ما قالوه، لم يرجع إليهم، إلا أن يكثروا جدا، بحيث يفيد خبرهم العلم، فإنه يرجع إلى خبرهم، ويترك اعتقاده. وقال أشهب: إذا أخبره منهم رجلان عدلان بما صلى، رجع إلى قولهما. وقال ابن حبيب: إذا صلى الإمام برجلين فصاعدا، فإنه يعمل على يقين من رواءه، ويدع يقينه، يريد الاعتياد.
فروع مرتبة:
الأول: إنه يبني إن كان قريبا، فإن طال الأمر وكثر الفعل ووقع اللغط والمراء، وترددت المراجعة بينهم، بعضهم مع بعض، بطلت الصلاة واستأنفها، وقيل: لا تبطل، بل يني وإن طال.
الثاني: حيث قلنا: يبني، فعليه أن يرجع إلى الصلاة بإحرام، ثم يكبر تكبيرة لقيام الثالثة. وقال بعض المتأخرين: ليس ذلك عليه أن كان جالسا في مقامه، وإنما يفتقر إلى الإحرام لو قام بعد سلامه، أو فعل ما يوجب حاجته إلى الإحرام، واعترضه القاضي أبو الوليد، بأن الموجب للإحرام هو السلام دون ما عداه.
الثالث: إذا قلنا: يحرم، فهل يحرم قائما كالإحرام الأول، أو جالسا، لأنها الحالة التي فارق فيها الصلاة؟ قولان:: حكي الأول عن بعض المتقدمين، والثاني لابن شلبون.
الرابع: إذا قلنا: يحرم قائما، فهل يجلس بعد ذلك القيام؟ قال ابن القاسم: " يجلس ليأتي بالنهضة التي فعلها أولا في الصلاة ". وروى ابن نافع: لا يجلس، وقال: إن النهضة غير
[ ١ / ١٢٠ ]
مقصودة في نفسها، وقد فات محلها بالقيام، فلا يعود إليها.
القسم الثاني: في زيادة الفعل.
فإن كان من جنس أفعال الصلاة، وقل، لم يبطلها، وهذا كزيادة ركعة في الرباعية.
وإن كثرت الزيادة، فكانت في الرباعية مثلها، فالمشهور المعروف من المذهب بطلان الصلاة، وروي القول بصحتها.
وإن كانت الزيادة فيها مثل نصفها، كما إذا صلى الرباعية ستا، ففي بطلانها قولان.
ولو كانت ثنائية فزاد فيها مثلها، كمن صلى الصبح أربعا، فإن قلنا بنفي البطلان في الرباعية إذا زاد فيها مثلها، فنفيه ها هنا في الثنائية أولى. وإن قلنا ببطلان تلك، ففي بطلان الثنائية ها هنا قولان.
وإذا فرعنا على البطلان، فزاد في الثنائية ركعة، ففي بطلانها أيضا قولان، منشؤهما النظر إلى الزيادة في نفسها، وهي يسيرة، أو بنسبتها إلى الصلاة، وهي مثل نصفها، وفي إلحاق الثلاثية بالرباعية أو (بالثنائية) قولان.
ثم حيث حكمنا في هذه الصورة بصحة الصلاة، سجد بعد السلام، وكل (هذا) إذا زاد سهوا.
فأما العمد فمبطل للصلاة، ولو كانت الزيادة سجدة واحدة. وإن كانت الزيادة جهلا جرى حكمها على الخلاف في الجاهل، هل ي لحق بالعامد أو بالناسي، وإن كانت الزيادة من غير جنس الصالة أبطلتها أيضا، إن فعلت عمدا، وكذلك لو كثرت. وإن فعلت سهوا، فإن كانت مع السهو يسيرة، [أجزأه] عنها سجود السهو.
الضرب الثاني: النقصان.
وهو يتنوع إلى نقص ركن وسنة وفضيلة.
فإن نقص ركنا غير القراءة، لم ينب عنه إلا الإتيان به، فإن فاته محله من الركعة، بطلت تلك الركعة.
فلو أخل بالركوع أو بالسجود، فإنه يتلافى ذلك ما لم يعقد الركعة التي بعد الركعة التي أسقط منها. وعقدها رفع الرأس من الركوع، وقيل: وضع اليدين على الركبتين، وليرجع إلى القيام، ثم يركع، ويستحب له أن يقرأ قبل أن يركع، وقيل: يرجع إلى الركوع.
[ ١ / ١٢١ ]
(ولو) أخل بالركوع من ركعة، وبالسجود من التي تليها، لم يجزئه ركوعه للثانية عن ركوع الأولى.
وكذلك لو أخل بالسجود من الأولى، وبالركوع من الثانية، لم يجزه سجوده للثانية عن سجود الأولى على المنصوص.
ولو نسي أربع سجدات من أربع ركعات، أصلح الرابعة بالسجدة التي أخل بها منها، وبطل ما قبلها، وتجري كثرة السهو فيها على الاختلاف المتقدم.
وإن نسي السجدات الثمان، فلم يحصل له سوى ركوع الرابعة، فليبن عليه.
قال سحنون: ولو صلى الإمام ركعة وسجد سجدة، ثم قام ساهيا، فليسبحوا به، ولينتظروا رجوعه، ما لم يخافوا أن يعقد الركعة، (فيقوموا) حينئذ (فيصلوها) معه، فتكون أول صلاتهم، وتبطل الأولى، فإذا جلس فيها قاموا، فإذا صلى الثالثة عنده وقام، فليقوموا كإمام قام من اثنين، فإذا صلى بهم الرابعة عنده وجلس، فيقوموا كإمام قعد في ثالثة، فإن استفاق الإمام، قام فصلى بهم ركعة بأم القرآن، وسجد قبل السلام، وإن لم يستفق، فليأتوا بركعة يؤمهم فيها أحدهم، وإن صلوها أفذاذا [أجزأتهم]، ويسجدون قبل السلام، وسلام الإمام ها هنا على المشهور بمنزلة الحدث.
وإن أخل بقراءة الفاتحة في ركعة من الرباعية، ففي الكتاب ثلاثة مذاهب.
الأول: أنه يلغي الركعة، وهو بناء على فرضية القراءة في كل ركعة.
والثاني: (أنه) يسجد لسهوه، وتصح صلاته، وهو بناء على أن فرضيتها في الجل (أو) في الجملة، لا في كل ركعة.
والثالث: أنه يسجد لسهوه ويعيد، وهذا للتردد بين المذهبين. ثم هل تكون الصلاة مجزية على هذا القول والإعادة مراعاة للخلاف، أو (الإعادة) هي الواجبة، لكن يتمادى مراعاة للخلاف؟ في ذلك خلاف له فائدتان.
[ ١ / ١٢٢ ]
الأولى: لو ظهر له بطلان إحداهما.
والثانية: إطلاق الإعادة أو تخصيصها بالوقت.
وأما محل سجوده، فإن جلس بعد ركعتين صحيحتين قرأ فيهما بأم القرآن، فسجوده بعد السلام لتمحض الزيادة بما ألغاه، وإلا كان سجوده قبل السلام لاجتماع زيادة ما ألغاه، ونقص الجلوس، وقراءة السورة من الثانية التي ظنها الثالثة إذا تأخر ذكره عن فعلها.
فلو كان المتروك آية من الفاتحة، فقال عبد الحق: " حكى الشيخ أبو عمران عن القاضي إسماعيل أنه قال: يجب، على المذهب، أن يسجد قبل السلام "، وفيها قول آخر: أنه لا يسجد.
فرع:
ويلتحق بتحقق النقصان الشك فيه، فمن شك هل أخل بركن أم لا؟ وجب عليه الإتيان به، كما يجب على من تيقن أنه أخل به، إلا أن يكون موسوسا، فيبني على أول خاطريه لمشابهته فيه (للعقلاء).
ولو ذكر في الركعة الرابعة أنه أخل بسجدة، أو شك هل أخل بها أم لا؟ ولم يدر محلها، فقال ابن القاسم: " يأتي بسجدة، ثم بركعة، لجواز أن تكون من الأخيرة ". وقال أشهب: يأتي بركعة فقط.
ولو سلم من الصلاة ثم ذكر سجدة من الركعة الأخيرة، فهل يكون السلام حائلا بينه وبين التلافي، أم لا؟ قولان، أحدهما: أنه يكون حائلا، فيقوم فيأتي بركعة. والثاني: (أنه) لا يكون حائلا، فيسجد.
هذا حكم الإخلال بالأركان على الجملة.
وبقي منها السلام، فإن أخل به، ولم يطل الأمر بجع إلى الجلوس [وسلم] وأجزأه.
وإن طال بطلت الصلاة على المشهور. والشاذ: أنها لا تبطل، إلا أن تنتقض الطهارة.
[ ١ / ١٢٣ ]
[فروع]:
إذا رجع ليأتي بالسلام، رجع بتكبير على المشهور مراعاة للخلاف، ووقع ما ظاهره أنه لا يؤمر.
وإذ ف رعنا على المشهور، فهل يوقعه قائما، أو بعد أن يجلس؟ قولان: ثم هل عليه أن يتشهد ليقع السلام (عقب) تشهد عار من فاصل بينه وبين السلام؟ أو يكفي تشهده الأول، لكون هذا الفصل غير معتبر في إبطال الصلاة، ولا يتشهد في جلوس واحد مرتين، قولان أيضا.
فأما السنن: فإن أخل بها عمدا، ففي بطلان صلاته خلاف، وإذا قلنا بالصحة، فلا يسجد، وقيل: يسجد.
وإن أخل بها سهوا، فإن كانت فعلا، فإنه يؤمر بالسجود. وكذلك إن كانت قولا، على المشهور. وقيل: لا سجود عليه.
وإذا فرعنا على المشهور، فإنه يسجد قبل السلام، كنقص الأفعال. وقيل: بعده، لضعف الأمر به.
وهذا ما لم تقل الأقوال جدا، كالتكبيرة ونحوها، فلا يكون فيها سجود. وقيل: يسجد وإن قلت.
ولا خفاي بأنه يسجد لترك الجلوس الأول لاشتماله على أفعال وأقوال، وقد سجد له رسول الله ﷺ، ويعد تاركا له إذا استوى قائما. وإن ذكر قبل استوائه وهو بين القيام والجلوس، فإن استقل وفارق الأرض، تمادى على قيامه؛ لأنه بمفارقته الأرض حصل تاركا للجلوس. وقيل: يرجع ما لم يستو قائما.
وإن نهض ولم يفارق، رجع ولا سجود عليه على المشهور، وقيل: يسجد.
فرع:
لو رجع بعد الاستقلال، فقال ابن القاسم وأشهب وعلي بن زياد: لا تفسد صلاته.
وقال ابن سحنون: تفسد، وقيل: تفسد إذا فعل ذلك عن قصد، وتأول بعض المتأخرين على ابن سحنون: أنه أراد القصد.
وإذا قلنا بالصحة، فقيل: يسجد بعد السلام لزيادة القيام، وقيل: قبله، لأن السجود قد
[ ١ / ١٢٤ ]
ترتب عليه باعتداله قائما ونقصه الجلسة، وعوده إلى الجلوس زيادة بعد تحقق النقص، فلا يغير محل السجود.
وعلى هذا الخلاف تخرج إطالته للجلوس حتى يكمله، لأن الزيادة قد تجردت بحصول القيام الذي رجع عنه، والجلوس لم يأت به، ولا بعوض عنه، أو رجوعه حين يذكر ولا يتمادى، لأنه قد عوض عن الجلوس المتروك بهذا السجود الذي قبل السلام، ولا يجتمع العوض والمعوض عنه، وفي ذلك قولان.
وإن أخل بالفضائل، فلا سجود عليه، وتجزيه الصلاة لضعف أمر المتروك.
الفصل الثاني: في كيفية السجود، والنظر في عدده وصفته
الأول: في عدده، وهو سجدتان قل أو كثر، كان من إحدى الجهتين، أو من كلتيهما.
النظر الثاني: في صفته، وليكبر لهما في ابتدائهما، والرفع منهما، وفي افتقاره إلى نية الإحرام، وفي ذلك للتين بعد السلام روايتان. ويتشهد للتين بعد السلام ويسلم، وفي التشهد للتين قبله روايتان، ويكفى السلام من الصلاة لهما، ويجهر بالسلام من اللتين بعده، وروي أنه يسر به.
الفصل الثالث: في محل السجود وأحكامه.
وهو آخر الصلاة، ثم هو بعد السلام إن كان لزيادة محضة، وقبله إن انضاف إليها نقصان أو تمحض.
وروي ما يشير إلى نفي تأكد هذه الرتبة، وأنه يجوز أن تخالف، فيؤتي بالجميع قبل أو بعد، ويتفرع على المشهور فرعان:
الأول: من صلى النافلة خمسا، هل يسجد قبل السلام لنقض السلام هن أو لنقض الجلسة، على الخلاف في ذلك، أو يسجد بعد السلام للزيادة على اثنتين؟ قولان.
الفرع الثاني: لو قدم قبل السلام ما محله بعده، لم تبطل صلاته، وقال أشهب: تبطل إن كان عامدا.
وإذا فرعنا على الأول، فهل يؤمر بإعادته بعد الصلاة ليقع في محله المشروع؟ فيه خلاف.
وإن سها أن يسجد قبل السلام ما محله ق بله، سجده عبده ما لم يطل، أو ينتقض وضوؤه، فإن كان ذلك، فروي أن الصلاة تفسد من غير اعتبار بالمتروك الذي كان السجود عوضا عنه. وروي أن الإعادة إنما تجب إذا كان عوضا عن بعض الأفعال ولم تعتبر الأفعال على
[ ١ / ١٢٥ ]
الإطلاق، ولا اعتبر [شيئا] من الأقوال. وقال في المختصر: إنما يعيد الصلاة إذا كان السجود عوضا عن الجلسة الأولى، (أو) أم القرآن من ركعة، وأوجب ابن القاسم الإعادة في أحد قوليه إذا كانت عوضا عن ثلاث تكبيرات، أو عن (قول): سمع الله لمن حمده، ثلاث مرات. وقال محمد بن عبد الحكم: لا إعادة عليه، وإن كانت عوضا عن الجلسة الأولى، أو ترك القراءة من ركعة، فحكم بصحة الصلاة مع الترك على الإطلاق، بعكس القول الأول.
فرع: ولو لم يذكر السجود حتى تلبس بصلاة أخرى، فإن فرعنا على القول بأن الصلاة لا تبطل بتأخره، لم يؤثر ذكره في الصلاة، ولكنه يوقعه بعد فراغها.
وإن فرعنا على القول ببطلان الصلاة لترك السجود على الإطلاق، أو حكم ببطلانها على تفصيل، فكان هذا السجود مما اقتضى التفصيل الإبطال به، فإنه أن ذكره ولم يركع لا أطال قراءته في هذه التي هو فيها، يعود إلى إصلاح الأولى بالسجود ويقدر هذا الفاصل كالعدم، ما لم يكن سجود السهو من نافلة، والذكر في فريضة، فلا يقطعها لحرمتها وعلو قدرها عن قدر النافلة، وإن لم يذكر إلا بعد أن طال القراءة أو ركع، فإنه يكون كذاكر صلاة وهو في صلاة أخرى.
خاتمة (للنوع) بذكر ثلاث مسائل:
الأولى: من شك في عدد ما صلى، فلم يدر أثلاثا أم أربعا، فإن كان سالم الخاطر، طرح المشكوك فيه، وبنى على المتقين له، وهو أقل العددين المتردد بينهما، فيكمل عليه، ويسجد بعد السلام، وقيل: قبله.
وإن كان موسوسا بنى على أول خاطريه، في وجود الكمال وعدمه لمشابهته فيه للعقلاء.
فرعان:
الأول: لو سبق إليه أنه أكمل فعمل على ذلك، فهل يسجد؟ قولان:
الفرع الثاني: وهو مرتب عليه، إذا قلنا: أنه يسجد، فهل قبل السلام، لأنه يجوز النقص، أو بعده لأن هذا النقص مطرح، وإنما يسجد ترغيما للشيطان؟ قولان أيضا.
المسألة الثانية: من قام إلى خامسة رجع متى ذكر، وسجد بعد السلام، فإن كان إماما، واختلف حال المقتدين به، فجلس قوم لم يتبعوه، واتبعه آخرون، لكن منهم من تبعه سهوا، ومنهم من تبعه عمدا، فأما من جلس فصلاته صحيحة، وكذلك من تبعه سهوا.
[ ١ / ١٢٦ ]
وأما من تبعه عمدا، فإن علم أنه لا يجوز له اتباعه، بطلت صلاته، وإن جهل، فظن أنه يلزمه اتباعه، ففي بطلان صلاته قولان، منشؤهما أنه كالعامد أو كالناسي.
فرع: فلو قال الإمام: إنما قمت لأني نسيت من إحدى الركعات الأول سجدة مثلا.
فأما من جلس فلا يخلو من أن يوقنوا بكمال صلاتهم وصلاة إمامهم، أو يوقنوا بكمال صلاتهم دون صلاة إمامهم، أو يشكوا.
فإن أيقنوا بكمال الصلاتين، لم يلزمهم اتباعه، وكانت صلاتهم صحيحة.
وإن أيقنوا بكمال صلاتهم دون صلاته، فقيل: يكتفون بكمال صلاتهم ولا يتبعونه.
وقيل: يتبعونه، لأنهم في حكم المصلي الواحد، فيتعدى الإخلال إليهم. (وإن) شكوا في الصلاتين لزمهم اتباعه.
ثم حيث لا يلزمهم اتباعه، تصح صلاتهم، وحيث يلزمهم لا تصح على المنصوص. وقال أبو الحسن اللخمي: " تصح، لانهم معذورون في ترك الاتباع ".
وأما من تبعه متعمدا، فإن كان لعلمه بالإسقاط، فلا شك في صحة صلاته، وإن قصد إلى العمد في الاتباع من غير علم بذلك، فتجري صحة صلاته على الخلاف فيمن تعمد زيادة في صلاته، ثم انكشف له وجوبها عليه لإخلاله بشيء مما تقدم.
وأما من تبعه سهوا، فتصح صلاته، وهل يلزمه قضاء ركعة متى لزمه حكم ما أسقطه الإمام من السجود أم لا؟ في ذلك قولان:
أحدهما: أن هذه الركعة التي تبع فيها الإمام سهوا، تنوب له (عما) لزمه من القضاء. والثاني: أنها لا تنوب له.
وهو كالخلاف فيمن ظن أنه أكمل، فأتى بركعتي نافلة، ثم تذكر أنه إنما صلى ركعتين، ففي نيابة هذه النافلة عما وجب عليه الخلاف.
ولو كان مع الإمام مسبوق، فاتبعه في هذه الخامسة التي أصلح بها الإمام ما أخل به متقدما، فهل تنوب له عن ركعة مما سبق به أم لا؟ في ذلك قولان بناهما الشيخ أبو الطاهر على كون الإمام فيها بانيا أو قاضيا.
[ ١ / ١٢٧ ]
المسألة الثالثة: في سهو (المأموم).
وقد روي أبو الحسن الدارقطني عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: «ليس على من خلف الإمام سهوا، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه ".
ولا خلاف أن الإمام سهو المأموم، كما يلزم المأموم سهو الإمام، وإن لم يسبه معه، ولا حضر سهوه، بأن يكون مسبوقا.
ثم المسبوق يسجد بسجود إمامه إن كان قبل السلام، وقد عقد معه ركعة، فإن كان لم يدرك معه ركعة، لم يتبعه عند ابن القاسم، وقال سحنون: يتبعه.
وأما إن كان سجوده بعد السلام، فلا يسد معه، ثم هو مخير بين أن يجلس حتى يفرغ إمامه من السجود فيقوم للقضاء، وبين أن يقوم بعد سلام الإمام، ويتركه متشاغلا بالسجود.
واستحب ابن القاسم قيامه من غير انتظار، واختار غيره قيامه بعد سلام الإمام.
ثم إذا أكمل صلاته وسلم سجد، ولو لم يسجد الإمام سجد المأموم، ولو سها بعد مفارقة الإمام سهوا بزيادة أجزأ سجود واحد بعد السلام عن السهوين. وإن كان بنقص، فالمنصوص أنه يسجد بعد السلام تغليبا لحكم الإمام. وقال الشيخ أبو الطاهر: " يجري على قولنا: أنه في حكم المنفرد في القضاء، أن يسجد قبل السلام "، قال: " لأنه قد اجتمع عليه زيادة، وهي ما لزمه من حكم الإمام، ونقص، وهنو ما طرأ له في نفسه ".
ولو سجد مع الإمام قبل السلام، ثم سها بعد مفارقته له، ففي سجوده لذلك السهو خلاف، قال الشيخ أبو الطاهر: " ولعله يجري على الخلاف فيما يأتي به، هل يكون فيه قاضيا، فيكون حكم الإمام منسحبا عليه، أو بانيا فيكون كالمنفرد ".
النوع الثاني: سجود التلاوة.
وقد اختلف المتأخرون في حكمه، فقال القاضي أبو محمد: " هو فضيلة "، وهو طريق أبي القاسم بن الكاتب استقراء من الكتاب. واستقرأ أبو القاسم بن محرز منه أنه سنة.
[ ١ / ١٢٨ ]
وعدة السجدات إحدى عشرة، أولها آخر الأعراف، وآخرها في سجدة المؤمن وسجدة ص داخلة فيها، وثانية الحج خارجة عنها. وهي خاتمة الأعراف، وفي الرعد: ﴿بالغدو والآصال﴾، وفي النحل: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾، وفي بني إسرائيل: ﴿ويزيدهم خشوعا﴾، وفي مريم: ﴿خروا سجدا وبكيا﴾، وفي أول الحج: ﴿الله يفعل ما يشاء﴾، وفي الفرقان: ﴿وزادهم نفورا﴾، وفي النمل: ﴿رب العرش العظيم﴾، وفي سجدة ﴿الم تنزيل﴾: ﴿وهم لا يستكبرون﴾، وفي ص: ﴿وخر راكعا وأناب﴾، وفي سجدة المؤمن: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾.
وقال ابن وهب وابن حبيب: عدتها خمس عشرة، أضافا إلى ما تقدم سجدة آخر الحج، وثلاثا في المفصل آخر النجم، وسجدة الانشقاق، وآخر القلم.
وروي أن عدتها أربع عشرة، وهو ما عدداه سوى سجدة آخر الحج، ثم جمهور المتأخرين يرون أن هذا الخلاف قول على ظاهره، وحماد بن إسحاق، أخو القاضي أبو إسحاق، والقاضي أبو محمد لا يعتدان ذلك خلافا في الحقيقة، ويقولان: السجود في الجميع مأمور به، كما ذكر ابن وهب وابن حبيب، وإنما الإحدى عشرة هي العزائم كما ذكر مالك في الموطأ، فهي آكد مما عداها لا غير.
ثم السجدة على القارئ وعلى المستمع، إن كان القارئ ممن تصح إمامته، وليست
[ ١ / ١٢٩ ]
على غير المستمع، وإن كان سامعا، وغير المستمع من لم يقصد الاستماع، أي لم يجلس للقارئ، ولا على المستمع إذا كان مسمعه عديم الصلاحية للإمامة، ويؤمر المستمع بالسجود وإن تركه القارئ، وقيل: لا يؤمر، فإن كان في الصلاة.
فأما في النافلة، فيسجد بقراءة نفسه إن كان منفردا، أو في جماعة يأمن التخليط، فإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها، فالمنصوص أيضا جوازه، لما ثبت من فعل الأولين في صلاة النفل في رمضان وهم يختمون، فيمرون بالسجدة فيسجدون.
وأما في الفريضة، فالمشهور النهي عن السجود فيها، والشاذ جوازه، ولا يختلف الحكم بأن تكون صلاة سر أو جهر، جماعة أو فرادى. وقد علل المشهور بكونها زيادة في أعداد سجود الفريضة. ثم حيث قرأ السجدة وعول على السجود بها، فليجهر بها، ليعلم من خلفه أنه إنما يسجد للتلاوة، فإن لم يجهر وسجد، فهل يتبع في السجود للزوم متابعة أو لا يتبع لجواز أن يكون سجد ساهيا ولم يقرأ آية سجدة؟ في ذلك قولان في السليمانية لابن القاسم وسحنون.
ثم هذه السجدة واحدة، وإن كانت تفتقر إلى الشرائط المعتبرة في الصلاة من الطهارتين والستر والاستقبال إلا الإحرام والسلام، ويكبر للسجود عند الهوى والرفع منه إن كان في صلاة، وإن لم يكن في صلاة، ففي الكتاب ثلاثة أِقوال: الأمر بالتكبير، وكراهته، وخيره ابن القاسم.
فروع ثلاثة:
الأول: في مواضع السجود من الآي، وقد اختلف في ثلاثة منها، الأول: في سجدة ص، فقال الشيخ أبو الحسن: عند قوله: ﴿وخر راكعا وأناب﴾، وقال ابن حبيب: عند قوله: ﴿وحسن مآب﴾.
الثاني: في سجدة المؤمن، فقيل: عند قوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾.
وقال ابن وهب: عند قوله: ﴿وهم لا يسئمون﴾.
الثالث: في سجدة الانشقاق، فقال ابن حبيب: في آخر السورة، وقال القاضي أبو
[ ١ / ١٣٠ ]
محمد: عند قوله: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾.
وسبب الخلاف في الجميع: النظر إلى سبب السجود، أو إلى كمال الثناء على المطيعين.
الفرع الثاني: قارئ السجدة إذا جاوزها بيسير سجدها، وإن جازها الكثير رجع إليها، فقرأها وسجد، ثم عاد إلى حيث انتهى في القراءة. وكذلك حكم المصلي يقرؤها، فإن لم يذكرها المصلي حتى رفع رأسه من ركوع الركعة التي هو فيها، فإن كان في فرض لم يعد إلى قراءتها، قاله في الكتاب. وقال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: يعود إلى قراءتها في الثانية ويسجد، وإن كان في نافلة، فإنه يعود إلى قراءتها في الثانية ويسجد.
واختلف المتأخرون، هل يسجد قبل قراءة أم القرآن أو بعد قراءتها؟ على قولين: لأبي بكر بن عبد الرحمن والشيخ أبي محمد.
فإن لم يذكر المصلي للنافلة السجدة حتى رفع من ركوع الركعة الثانية، فقد فاته السجود وقضاؤه في هذه الصلاة.
وقال أشهب: بل يسجد ولو لم يذكر إلا وهو جالس، لم يسلم أو قد سلم.
وإن ذكر وهو راكع، مضى على ركوعه، وقال أشهب: بل ينحط للسجود.
وسبب الخلاف: الاختلاف في عقد الركعة، هل هو تمام الانحناء، أو رفع الرأس؟.
ولو قصد بالركوع السجدة، لم تحصل له، لأنه إن قصد بفعله الإتيان بما عليه من الركوع فقد ألغى السجدة، وإن قصد السجدة، فقد أحالها عن صفتها، وأزالها عن هيئتها، ونحا ابن حبيب إلى إجازة ذلك.
ولو لم يتعمد الركوع، ولكنه أراد السجود لها، فركع ناسيا، فهل يعتد بركوعه أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه لا يعتد به، فإن كر وهو منحن خر لسجدته، وإن ذكر وقد رفع لم يعتد بركعته وألغاها، وهذا مذهب ابن القاسم.
والثاني: أنه يعتد بركعتهن وإلى هذا ذهب مالك ﵁، فإن ذك وهو منحن، رفع متمما للركعة، وإن ذكر بعد أن رفع، فقد تمت الركعة، ويقرأ السجدة فيما عبد، على حسب ما تقدم.
[ ١ / ١٣١ ]
وسبب (الخلاف). الاختلاف في الاعتداد بهذه الركعة، وأن الانحطاط للركوع لم يكن بنيته، بل بنية السجود، وهو نفل والركوع فرض.
فإن قلنا: إن الحركة إلى الأركان غير مقصودة، فقد وجد الركوع المقصود وصح.
وإن قلنا: إن الحركة إلى الأركان مقصودة في نفسها، وقلنا: إن الخروج عن نية الفرض إلى نية النفل لا يمنع الاعتداد؛ كمصلي نفل وهو في فرض يعتقد أنه أكمل، اعتد هذا بركعته، وإن قلنا: إنه يمنع الاعتداد، لم يعتد هذا بركعته.
وإذا قلنا: بنفي الاعتداد، فذكر وهو منحن فخر ساجدا، فهل عليه سجود أم لا؟
(و) قال ابن حبيب: إن طال الركوع، سجد بعد السلام، وفسر الشيخ أبو محمد الطول بالطمأنينة في الركوع.
وإن قلنا بالاعتداد بالركعة، ففي المجموعة: يقرأ السجدة فيما بقي من صلاته، ويسجد بعد اللام، وإن لم ير المغرية في هذا سجودا.
قال الإمام أبو عبد الله: " والذي قاله المغيرة هو الأصل؛ إذ ليس ها هنا زيادة تقتضي السجود بعد السلام "، قال: " ولا يظهر عندي وجه على مقتضى أصل المذهب، إلا أن يعتقد عن الحركة إلى الركوع لما حولت النية فيها صارت كالعدم، وعدمها لا يمنع الاعتداد، ولكنه نقص يقتضي السجود، ومقتضى النقص أن يكون قبل السلام، لكنهم ربما أخروه إلى ما عبد السلام؛ إذ كان إثبات السجود فيه ضعيفا احتياطا للصلاة، لئلا تقع فيها زيادة، كقول أشهب في ناسي التكبير، يسجد بعد السلام لضعف السجود فيه، فاحتيط فيه من الزيادة في الصلاة ".
الفرع الثالث: في سجود الشكر.
والمشهور من المذهب كراهية السجود ند بشارة أو مسرة وإنكاره، بل يؤمر بالاقتصار على الشكر، والحمد باللسان. وحكى القاضي أبو الحسن رواية بالجواز، وهو مذهب ابن حبيب.
[ ١ / ١٣٢ ]
الباب السابع: في صلاة التطوع
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في الرواتب
وهي المفعولة تبعا للفرائض، كركعتي الفجر، وركعة الوتر.
وعد القاضي أبو محمد، من ذلك الركوع قبل العصر، وبعد المغرب.
وقال في الكتاب: قلت: هل كان مالك يؤقت قبل الظهر من النافلة ركعات معلومات أو بعد الظهر، أو ق بل العصر، أو بعد المغرب، فيما بين المغرب والعشاء، أو بعد العشاء؟ قال: لا، وإنما يؤقت في هذا أهل العراق.
ثم الوتر ركعة واحدة، وهي مسنونة، ويدخل وقتها بالفراغ من صلاة العشاء الآخرة في وقتها المشروع، وينتهي وقت الاختيار لها بطلوع الفجر، ويمتد وقتها الضروري إلى أن تصلي الصبح على المشهور من المذهب. وقال أبو مصعب: " ينتهي وقتها بطلوع الفجر، ولا وقت ضرورة لها ".
ولتكن مسبوقة بشفع منفصل عنها بسلام، وذلك شرط في تام الفضيلة. وقيل: بل شرط في الصحة.
وسبب الخلاف: كونه وترا للفرض أو (للنفل).
وثمرته: جواز الاقتصار على الركعة الواحدة للمعذور، كالمسافر والمريض ومنعه.
وإذا قلنا بتقديم شفع بلا بد، فهل يلزم (اتصاله) بالوتر أو يجوز، وإن فرق بينهما بالزمن الطويل؟ في المذهب قولان.
والمستحب أن يكون الوتر آخر تهجده بالليل، ويستحب أن يقرأ فيه: ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين، وقيل: لا يختص بقراءة معينة.
وهل يلزم أن تؤتي بشفع يختص بها، أو ينوب منابه كل نافلة؟ في المذهب قولاه.
وإذا فرعنا على أنه يأتي بشفع يختص بها، فهل يستحب أن يقرأ في الأولى.
[ ١ / ١٣٣ ]
الفصل الثاني: في غير الرواتب
ب ﴿سبح﴾، وفي الثانية ب ﴿قل يأيها الكافرون﴾، أو لا تتعين فيها قراءة خاصة؟ في ذلك روايتان.
وقال ابن نافع: يقنت في الوتر في النصف الآخر من شهر رمضان، والمشهور: أنه لا يقنت فيه، وهو قول ابن القاسم.
الفصل الثاني: في غير الرواتب وما شرعت الجماعة فيها كالعيدين، وكسوف الشمس، والاستسقاء: فهي أفضل مما تقدم سوى الوتر، وأفضل أيضا من صلاة الضحى، وركعتي التحية، وقيام رمضان؛ إذ هن سنن، وما تقدم فضائل، حاشا ركعة الوتر، وركعتي الفجر، على خلاف في ركعتي الفجر خاصة، وكذلك ما بعدها.
وآكذ هذه السنن العيدان، ثم الكسوف.
ولا شك في تقدم الوتر على ما ذكر معه لكونه سنة، ويليه في ذلك ركعتا الفجر للخلاف. في أنهما سنة أو فضيلة، وسائرها فضيلة أو نافلة، وآكدها الركعتان بعد المغرب، واختلف في ركعتي الإحرام، هل هما سنة أو نافلة؟ وكذلك اختلف في ركعتي الطواف، هل هما سنة، أو حكمهما حكم الطواف؟
وتستحب الجماعة في التراويح تأسيا بعمر ﵁، ولاستمرار العمل عليه.
ولو انفرد الواحد في بيته لطلب السلامة من قصد إظهار النافلة، لكان أفضل له على المشهور، ما لم يؤد ذلك إلى تعطيل المساجد منها.
والذي استمر عليه العمل من العدد فيها تسع وثلاثون يوتر منها بثلاث، وإن فعل دون هذا العدد فلا حرج.
ثم التطوعات لا حصر لها، ولا تقضي المرتبة منها ولا غيرها، وما ذكر في ركعتي الفجر من لفظ القضاء قد تأوله الشيخ أبو بكر كما يأتي.
واختلف في ركعتي الفجر في ثلاثة فروع:
الأول: من دخل المسجد بعد طلوع الفجر وقبل صلاته، فلا يصلي سوى ركعتي الفجر خاصة. وانفرد الشيخ أبو الحسن، فقال: " يحيي المسجد، ثم يركع الفجر ". وأشار الشيخ أبو عمران إلى تضعيفه.
الفرع الثاني: لو ركع في بيته ثم جاء المسجد، فهل يركع أيضا؟ روايتان مشهورتان.
[ ١ / ١٣٤ ]
ثم إذا قلنا: يركع، فهل بنية النافلة أو بينة إعادة ركعتي الفجر؟ قولان للمتأخرين.
الفرع الثالث: من ضاق عليه الوقت، فصلى الصبح وترك ركعتي الفجر، فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء. وقيل: لا يصليهما حينئذ. ثم إذا قلنا: يصليهما، فهل ما يفعله قضاء، أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر؟ قال الشيخ أبو بكر: وهذا الجاري على أصل المذهب، وذكر القضاء تجوز.
الباب الثامن: في صلاة الجماعة
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في حكمها.
وهي سنة مؤكدة، وليست بواجبة إلا في الجمعة. وحكى الإمام أبو عبد الله والقاضيان أبو الوليد وأبو بكر عن بعض أهل المذهب: أنها فرض على الكفاية.
والمشهور أنه لا فضل لجماعة على جماعة. وقال ابن حبيب: بل تفضل الجماعة الجماعة بالكثرة وفضيلة الإمام.
ولا تحصل فضيلة بإدراك أقل من ركعة مع الإمام، ولا يحتبس الإمام للداخل انتظار إدراكه الركعة.
ومن صلى منفردا فأدرك جماعة اثنين فصاعدا، استحبت له إعادتها فيها، لا يعيد مع الواحد. قال الشيخ أبو عمران: إلا أن يكون هذا الواحد إمام، فهو كالجماعة.
ولا تعاد المغرب ولا العشاء بعد الوتر على المشهور. وقال المغيرة: تعاد الصلوات كلها.
فرع:
لو شرع في إعادة المغرب، ثم ذكر قبل أن يعقد الركعة الأولى منها، خرج، فإن عقدها أضاف إليها أخرى وسلم، فإن أتمها، فليأت برابعة بالقرب، فإن طال، فلا شيء عليه. الأرض القاضي أبو بكر: " وقال بعض علمائنا: يصلي المغرب ثالثة بعد أن يسلم مع الإمام "، قال: " والأول أصح ".
[ ١ / ١٣٥ ]
ثم حيث يؤمر بالإعادة، فهل يعيد بنية الفرض، أو بينة النفل، أو بنية إكمال الفضيلة، أو يفوض الأمر إلى الله تعالى؟ في ذلك أربعة أقوال، (تتخرج) عليها ثلاثة فروع.
الفرع الأول: لو صلى فذا ثم أعاد في جماعة، فذكر بعد ذلك أن الأولى كانت على غير طهارة، فقال ابن القاسم: " تجزيه الثانية "، وقال ابن الماجشون: لا تجزيه، لأنه صلى الثانية على جهة السنة، لا على جهة أداء الفريضة. وقال أشهب: إن كان حين دخوله في الثانية ذاكرا للأولى، فلا تجزيه هذه، وإن لم يكن ذاكرا لها أجزأته.
الفرع الثاني: إذا صلى مع الإمام لفضل الجماعة معتقدا أنه صلى في بيته، ثم ذكر أنه لم يصل، فقال ابن القاسم: " تجزيه "، وقال أشهب: " لا تجزيه ".
الفرع الثالث: إذا كانت الأولى على طهارة، وأحدث في أثناء الثانية، فروى المصريون عن مالك: ليس عليه أن يعيد الثانية. وقال أشهب منهم: ولو قصد بصلاته مع الإمام رفض الأولى، لم تلزمه الإعادة. وروي: أنه يعيدها، وبه قال ابن كنانة وسحنون، إلا أنهما اختلفا في التعليل، فقال ابن كنانة: (لأنه) لا يدري أيتهما صلاته، وقال سحنون: لأنها وجبت بدخوله فيها.
وتظهر فائدة اختلافهما في التعليل إذا كان الحدث عن غلبة، وقال عبد الملك: إن أحدث بعد عقد ركعة أعاد الثانية، لأنه أدرك صلاة الإمام، وإذا كان قبل أن يعقد ركعة، لم تلزمه إعادتها، وحكاه أيضا ابن سحنون عن أبيه.
وروي في كتاب ابن سحنون: إن كان أراد بصلاته مع الإمام أن يجعلها فرضه والتي صلى وحده نافلة، أو أراد أن يكون الأمر إلى الله تعالى في صلاتيه، فليعد الثانية.
ومن صلى في جماعة، لم يعد في جماعة أخرى، إلا أن يعيد في أحد المساجد الثلاثة ما صلاة في غيرها.
ويجري مجرى الجمع الإمام يصلي في مسجده وحده لتخلف الجماعة عنه، فلا يعيد في
[ ١ / ١٣٦ ]
جماعة أخرى، ولا تعاد الجماعة في ذلك المسجد؛ إذ حكم صلاته حكم صلاة الجماعة. ولا تعاد الجماعة في مسجد واحد مرتين.
ولا تترك الجماعة إلا لعذر عام كالمطر والريح العاصفة بالليل، أو خاص مثل أن يكون مريضا، أو ممرضا أو خائفا من السلطان، أو من الغريم وهو معسر، أو كان عيه قصاص مرجو العفو، أو كان عاريا.
الفصل الثاني: في صفات الأئمة.
قال الإمام أبو عبد الله: " الشروط المعتبرة في الإمامة: البلوغ والعقل والإسلام والذكورية والحرية والعدالة، والعلم بما لا تصح الصلاة إلا به قراءة وفقها، وسلامة الأعضاء التي يكنون فقدها قادحا في الصلاة ".
وقد جمع فيما عدد بين شروط الصحة وشروط كمال الفضيلة، وها نحن نشرع في تمييزها بالتفصيل، فنقول:
أما الصبي المميز، فلا تجوز إمامته في الفريضة ولا تصح، وقال أبو مصعب: " تصح وإن لم يجز ". وأما في النافلة فتصح وإن لم تجز، وق يل: تصح وتجوز.
وأما المجنون، وفي معناه غير المميز، فلا خفاء بعدم الصحة فيهما.
وأما المخالف في مسائل الاعتقاد هن فإن كان في الأصولية القطعية، وكان كفرا صريحا لا مراء فيه كاليهودية والنصرانية وشبه ذلك، فلا شك في عدم الإجزاء، وإن كان مما يشكل كونه كفرا كالاعتزال وغيره من مذاهب أهل الأهواء فقيل: لا تجزي الصلاة خلفه. وقد قال مالك:
[ ١ / ١٣٧ ]
" من صلى الجمعة وراء القدري أعادها ظهرا ".
وقال أصبغ وابن حبيب ببطلان الصلاة خلف البدعي وأنها تعاد أبدا، إلا أن ابن حبيب اشترط أن لا يكون واليا، قال: فإن كان وليان فصلاة وراءه جائزة، وإن أعاد في الوقت فحسن. وقال ابن القاسم: " يعيد في الوقت ". وقال سحنون: لا يعيد في وقت ولا غيره، وحكاه عن جماعة من أصحاب مالك.
ونزل الإمام أبو عبد الله هذا الاختلاف على الخلاف في التفكير بالمآل، وذكر عن مالك في ذلك قولين، وعن القاضي أبي بكر بن الطيب أيضا قولين، ثم قال عبد: " والمسألة مشكلة، وقد اضطرب فيها قول مالك وهو إمام الفقهاء، كما اضطرب فيها قول القاضي أبي بكر بن الطيب وهو إمام المتكلمين ".
(فأما) إن كانت المخالفة في المسائل الفروعية الاجتهادية، فلا تمنع من الاقتداء به.
وخرج أبو الحسن اللخمي خلاف في اقتداء أحد المجتهدين بالآخر من قول أشهب،
في قوم صلوا في بيت مظلم، فأصاب الإمام القبلة وأخطؤوها أنهم يعيدون، وإن أصابوها وأخطأها الغ/اأعادوها أجمعون. وذكر قول أشهب أيضا فيمن صلى وراء من لا يتوضأ من مس الذكر: أنه لا ي عد، ومن صلى رواء من لا يتوضأ من القبلة أنه يعيد أبدا، لأن القبلة من اللمس. وقال سحنون: بل يعيد فيهما بحدثان ذلك فإن طال لم يعد.
قال الإمام: " فخرج الشيخ أبو الحسن، يعني الخمي، على هذا صلاة المالكي خلف الشافعي، خلف المالكي، ورأى أنه يختلف فيها "، ثم قال الإمام: " وإجراء الخلاف ي ذلك على الإطلاق عندي لا يصح ". قال: " وقد حكى حذاق أهل الأصول إجماع الأمة على إجزاء صلاة الأئمة المختلفين في الفقه بعضهم وراء بعض "، ثم اعتذر عما حكى عن أشهب من الإعادة في القبلة أبدا، بأنه رأى أن المسألة من الوضوح بحيث تكاد
[ ١ / ١٣٨ ]
تبلغ مسائل القطع التي يقطع فيها بخطأ المخالف، قال: " وهذا معنى قوله: إن القبلة من اللماس لأن القرآن جاء به، فيكاد إيجاب الوضوء فيه يلحق بالمقطوع به ". قال: " وأدل دليل على صحة هذا التأويل تفرقته بين مس الذكر والقبلة "، ثم قال: " وعلى هذا يجري اختلاف لأصحابنا في نقض بعض الأحكام في مسائل اختلف فيها، وإمضاء الأحكام في غيرها، وإن كان قد اختلف فيها أيضا ".
وأما المرأة، فلا تصح إمامتها للرجال ولا للنساء. وروي ابن أيمن جواز إمامتها للنساء.
وأما العبد فتجوز إمامته في غير الجمعة إذا لم يكن إماما راتبا، وروى علي في المجموعة: لا يؤمن الأحرار، إلا أن يكون يقرأ وهم لا يقرؤون فيؤمهم في موضع الحاجة أيضا
وكره مالك ﵁ وابن القاسم أن يؤم في الفرائض إمامة راتبة.
(وأجاز ابن القاسم أن يؤم في التراويح إمامة راتبة).
والسنن عند ابن القاسم كالعيدين والاستسقاء والكسوف كالفرائض، يكره أن يكون فيها إماما راتبا.
وأجاز ابن الماجشون أن يكون إماما راتبا في الفرائض، قال الإمام: " ويتخرج على قوله جواز إمامته في السنن ".
[ ١ / ١٣٩ ]
وأما إمامته في الجمعة فمنعها ابن القاسم، وأمر بإعادة صلاته وصلاتهم. وأجازها أشهب.
فنظر ابن القاسم إلى كونها غير متعينة عليه، فإذا أم فيها صار كمتنفل أم مفترضا، ونظر أشهب إلى أنه بتخيره لها دون الظهر، والتزامه لها، وشروعه فيها، صارت كالفرض المتعين، وفارقت النفل بأنه يسوغ له تركه إلى غير بدل، ولا يسوغ له تركها إلا إلى بدل، وهو الظهر.
وأما الفاسق بجوارحه لا من جهة الاعتقاد والتأويل والاجتهاد، كالزاني وشارب الخمر، فاختلف المذهب فيه:
(فقال ابن حبيب: من صلى وراء من شرب الخمر فإنه يعيد أبدا، إلا أن يكون الوالي الذي تؤدي إليه الطاعة، فلا إعادة على من صلى خلفه، إلا أن يكون حينئذ سركان قاله من قلبت من أصحاب مالك). وكذلك ذكر الشيخ أبو بكر أن الصلاة خلف الفاسق بغير تأويل تعاد أبدا، واختاره. " وقال في الموازية فيمن صلى وفي جوفه الخمر، وليس بسكران: إن من صلى خلفه يعيد أبدا، وكذلك روى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب في العتبية ". وقيل في إمامة الفاسق بجوارحه: تستحب الإعادة في الوقت.
وأما الأمي الذي لا يحسن القراءة فلا تصح إمامته، مع حضور القارئ له ولا لغيره.
وكذلك من كان لا يقدر على النطق بالحروف من مخارجها على الصحة، (بسبب (الجهل، وفي وجوب اقتدائه بمن يحسنها إذا قدر عليه خلاف.
وأما الألكن، فتجوز إمامته للسالم من اللكنة. وقال الشيخ أبو القاسم: " إذا كان يقيم حروف فاتحة الكتاب "، قال الإمام أبو عبد الله: " وقد روي عن القاضي إسماعيل إجازة إمامة الألكن إذا كانت لكنته في غير محل قراءته "، قال: " وهذا الاشتراط لا معنى له، لأن التقصير في غير القراءة لا يؤثر في القراءة مع بعد حال اختلاف النطق بالحروف في القرآن وفي غير القرآن ".
[ ١ / ١٤٠ ]
وأما اللحان، فاختلف فيه المتأخرون، فقال الشيخ أبو الحسن: لا تصح الصلاة خلفه، ولو أن لحنه في غير أم القرآن، وقال أبو بكر اللباد: إن كان لحنه في أم القرآن لم تصح الصلاة خلفه، ووافقه الشيخ أبو محمد، ورأى أن الإمام لا تصح صلاه أيضا. وقيل: إن كان لحنه لا يغير معنى، صحت صلاته ما لم يعتمد ذلك، فيفسق بتعمده، (وإن) كان لحنه يغير المعنى: كقراءته إياك نعبد بكسر الكاف، أو أنعمت عليهم بضم التاء، لم تصح الصلاة.
وإلى هذا ذهب القاضيان أبو الحسن وأبو محمد، وحكى أبو الحسن اللخمي قولا رابعا، وهو الصحة على الإطلاق. قال الإمام: " ولم أقف عليه "، ثم قال: " وسبب الخلاف في هذه المسألة اعتبار اللحن، هل هو مخرج للكلمة الملحون فيها عن كونها قررنا، وملحق لها بالكلام، أم لا؟ "، مكر وكذلك قال الشيخان أبو محمد وأبو الحسن في إمامة من لا يميز بن الضاد والظاهر: إن صلاته لا تصح، ولا خفاء ببطلان صالة من لا يحسن أداء الصلاة، وصلاة من ائتم (به).
وأما نقص الخلقة، فهو على أقسام:
الأول: لا تعلق له بالصلاة، ولا (يقرب) من الأنوثة كالعمي، فلا يمنع من صحة الإمامة، ولا من كمال فضيلتها.
القسم الثاني: أن يكون مقربا من الأنوثة، وإن لم يتعلق بالصلاة كالخصاء، فتكره إمامة الخصي في الفرائض غمامة راتبة، وأجازها ابن الماجشون.
قال الإمام: " ولا يلزم، على القول (بالكراهة)، كراهية إمامة العنين، فإن العنة ليست بحالة ظاهرة تقرب من الأنوثة، بخلاف الخصاء ".
[ ١ / ١٤١ ]
القسم الثالث: أن يكون العضو له تعلق بالصلاة تعلق فريضة، كالسقيم العاجز عن القيام، فلا يؤم القيام. وروى الوليد بن مسلم إجازة إمامته لهم، وأجزها أشهب في مدونته، وفي (جواز) إمامته للجلوس المرضى خلاف.
ولو لم يقدر إلا على الاضطجاع لم تصح إمامته للأصحاء بوجه، وكذلك إمامته لأمثاله لا تصح أيضا. وقيل: تصح.
ولو كان يصلي إيماء، فقال الإمام: " ظاهر ما أشار إليه أصحابنا أنا لا نجيزها، وإن أجزنا إمامة الجالس، فإن صلاة المومي لا ركوع فيها ولا سجود، ولا يجوز أن يأتم به من في صلاته ركوع وسجود، كما لا يأتم مصلي الفرض بمصلي الجنازة ".
القسم الرابع: أن يتعلق بها تعلق فضيلة، كقطع اليد أو شللها، فجمهور أصحابنا على جواز الائتمام به، لأنه عضو لا يمنع فقده من فرض من فروض الصلاة، فجازت الإمامة الراتبة مع فقده كالعين. وقال ابن وهب: " لا أرى أن يؤم الأقطع، والأشل إذا لم يقدر أن يضع يديه في الأرض؛ لأنه وإن بلغ نهاية طاقته في فعل لا يتحمله عن المأموم، فإنه منتقص عن درجة الكمال، فكرهت إمامته لأجل النقص ".
وتكره إمامة الأعرابي للحضريين، واختلف الأصحاب في تعليل ذلك. فقال ابن حبيب: " إنما نهى مالك عن إمامة الأعرابي للحضريين، وإن كان أقرأهم لجهله بسنة الصلاة ". وقال بعض المتأخرين: لمداومته على ترك بعض الفروض، كالجمعة وإكمال الصلاة، بكثرة أسفاره.
ويكره أن يتخذ ولد الزنى إماما راتبا. وكذلك المأبون والأقلف. وقيل:
[ ١ / ١٤٢ ]
يجوز اتخاذهم أئمة راتبين إذا كانوا صالحي الأحوال في أنفسهم، سالمين من النقائض التي تقدم ذكرها.
هذا حكم الإجزاء والكمال، فإما الأولوية، فمن انفراد بالعلم والورع فهو أولى؛ إذ بهما يحسن الأداء وتحصل الشفاعة، فإن تعدد من جمعهما، رجح بغيرهما من الفضائل الشرعية والخلقية والمكانية، كالشرف في النسب، والسن، وكمال الصورة، ويلحق به حسن اللباس وذكر الشيخ أبو إسحاق الترجيح بصباحة الوجه، وحسن الخلق.
وكملك رقبة المكان أو منفعته، وقد قال مالك ﵁: " صاحب الدار أولى بالإمامة وإن كان عبدا، ولو كانت الدار لامرأة لم يبطل حقها، بل لها تستخلف من يؤمن، ويستحب لها أن تستخلف أحق القوم الإمامة ".
ويرجح بالإمارة، فيتقدم الأمير على الرعية، إذا كان صالحا للإمامة، سليما من النقائص القادحة، فمن اجتمع فيه هذه الوجوه فلا خفاء بأنه أولى، فإن نقص بعضها وكان أكمل من غيره قدم.
ويقدم الفقيه على الصلاح وعلى القارئ، ويقدم الأفقه على الأقرإ، لأن ما تحتاج إليه الصلاة من القرآن محصور، وما يحتاج إليه من الفقه غير محصور، فما كان لا ينحصر المقدار المحتاج إليه منه كان أولى بالمراعاة، فالمكثر منه أولى من المقل بالإمامة، فإن اجتمع من تساوت أحوالهم في جميع ما ذكر أو بعضه وتشاحوا، أقرع بينهم إذا كان مقصدهم حيازة فضل الإمامة لا طلب الرئاسة (الدنيوية).
الفصل الثالث: في شروط القدوة
ويرجع ذلك إلى شروط أربعة:
الأول: نية الاقتداء، فإن تابع من غير نية بطلت صلاته، ولا يلزم الإمام أن ينوي الإمامة إلا في ثلاثة مواضع: الجمعة، وصلاة الخوف، وانتقال حالته إلى الاستخلاف بعد أن كان مأموما.
الثاني: ألا ينزل جنس صلاة الإمام عن جنس صلاة المأموم، كمنتفل يؤم مفترضا.
الثالث: اتحاد الفرض المؤتم فيه، فلا يصلي الظهر من يصلي الصبح أو غيره.
[ ١ / ١٤٣ ]
الرابع: المتابعة والمساوقة دون المساواة والمسابقة، وروى ابن حبيب أن للمأموم أن يفعل مع الإمام معا، إلا الإحرام والقيام من اثنتين والسلام فيفعله بعده. (ثم) على كلا المذهبين لا تبطل الصلاة بالمساواة، أو التقدم في شيء من الأفعال سوى الإحرام والسلام.
وروى سحنون عن ابن القاسم: وإن أحرم معه أجزاه، وبعده أصوب. قال سحنون في المجموعة: هذا قول عبد العزيز، وقول مالك أنه يعيد الصلاة.
وحيث صححنا، فيؤمر بالعود إلى ما فعله قبل الإمام، حتى يكون فاعلا له بعده، ما لم يلحقه الإمام، ثم إن لم يفعل، فصلاه صحيحة على المنصوص.
وليس ترتيب الموقف بشرط في صحة الصلاة، لكن الأولى أن يقف الواحد عن يمين الإمام، فإن قام أمامه أو خلفه، أو عن يساره، لم تبطل صلاته.
وكذلك لو صلى على أرفع مما عليه إمامه، أو أخفض من غير قد إلى التكبير، إذا كان الارتفاع يسيرا كالشبر وعظم الذراع ونحوه، فإن كان كثيرا، فللمتأخرين في بطلان صلاة المرتفع ثلاثة أقوال: البطلان، ونفيه، ومأخذهما النظر إلى ظاهر العموم، أو إلى فقد العلة وهي التكبر والتفرقة، فيعتبر قصد التكبر في المأموم وتبطل على الإمام مطلقا من غير اعتبار قصد؛ لأن ارتفاع الإمام فعل تقدم على جهة الكبر، فمنع في القاصد وغيره حسما لذريعة، ولو قصد المرتفع منهما التكبر لعصى وبطلت صلاه وصلاة من خلفه إن كان الإمام.
والأحسن أن يقف الاثنان خلف الإمام، وكذل ما زاد عليهما، فإن (كانت) معهما امرأة قامت وراءهما، وتقوم وراء الإمام وحدها، أو مع غيرها من جنسها، أو مع كون الواحد عن يمينه.
والمنفرد وراء الصف إن وجد فرجة تقدم إليها، فإن لم يجد، لم يجذب إليها أحدا من الصف، لكي لا يختل.
فروع مرسلة:
صلاة المسمع والصلاة به، حكى بعض المتأخرين في صحتها وبطلانها ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث، فتصح مع وجود إذن الإمام، وتبطل مع عدمه.
وفي الحواشي لعبد الحق: سألت الشيخ أبا عمران عن صلاة الناس بالمسمع يكبر لهم إذا كبر الإمام، ويسمعهم السلام إذا سلم؟ فقال: قد كان الشيخ أبو القاسم يفعله، قال عبد الحق: أراه يريد ابن شبلون فقال لي: وقد أجاب الشيخ أبو الحسن بن محرز باستخفاف ذلك، وأن ابن عبد الحكم أمر المؤذنين به.
[ ١ / ١٤٤ ]
والمسبوق ينبغي أن يكبر للعقد ثم للهوى، فإن اقتصر على واحدة وقصد بها العقد أجزأته، وإن قصد بها الهوي أن أطلق انتفى الإجزاء، وفيه رواية لابن وهب.
ولو أحدث الإمام من غير تعمد، لم تبطل صلاة المأموم، إلا أن يتمادى على الإمامة بعد الحدث.
والمنفرد ليس له نقل صلاته وتحويلها إلى الجماعة، وكذلك المؤتم لا يجوز له أن ينقل صلاته من الجماعة إلى الانفراد.
واختلف فيمن اضطر إلى ذلك، كمريض اقتدى بمثله ثم صح، فذهب سحنون إلى إنه يخرج من صلاة الإمام، ويتم لنفسه؛ كما يصير الإمام مأموما لوجود عذر. وقال يحيى بن عمر: يتمادى لأنه دخل بما يجوز له.
وإذا شك المسبوق أن الإمام هل رفع رأسه من الأولى قبل ركوعه أم لا؟ لم يعتد بها.
قال ابن الماجشون: إذا شك في أن يكون أدرك الركعة معه، فليتماد منه، ويعيد الصلاة، وترك الركوع إذا خشي أن يعجله أو يشك في ذلك أولى.
قال ابن القاسم عن مالك: " وحد إدراك الركعة أن يمكن يديه من ركبتيه، قبل رفع الإمام رأسه ".
والمسبوق عند سلام الإمام، يقوم من غير تكبير، إذا كان جلوسه لمتابعة الإمام، وإن كان موضع جلوس له هو أيضا قام بتكبير. وقال ابن الماجشون: يقوم بتكبير على كل حال، ثم إذا قام أكمل صلاته.
(واختلف المتأخرون في مقتضى المذهب في كونه قاضيا أو بانيا على ثلاث طرق:
الأولى: طريقة الشيخ أبي محمد وجل المتأخرين، أن المذهب كله على قول واحد، وهو البناء في الأفعال، والقضاء في الأقوال.
الثانية: طريقة بعض القرويين، " أن المذهب على قولين في القراء خاصة، وعلى قول واحد في الجلوس "
[ ١ / ١٤٥ ]
الثالثة: طريقة أبي الحسن اللخمي، أن المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه بأن في الأقوال والأفعال، والثاني: أنه قاض فيهما، والثالث: أنه قاض في القراءة، بأن في الأفعال).
وأقرب ما فرق به بين الأفعال والأقوال في هذه الطريقة، أنه رأى أن ما أدرك هو أول صلاته حقيقة، فلذلك (يبني) على الجلوس، ولكنه يزيد فيما يأتي به سورة مع أم القرآن إذ لا يفسد الصلاة، ولا ينقص كمالها زيادة السور، بل ينقص الكمال نقصها، فيأتي بالسورة ليتلافى ما فاته من الكمال.
الفصل الرابع: في استخلاف الإمام عند حاجته إلى ذلك
والنظر في محل الاستخلاف وكيفيته، وصفة المستخلف وفعله:
أما محله، فهو حيث طرأ على الإمام ما يفعله من التمادي على الإمامة خاصة، أو يمنعه التمادي على الصلاة جملة.
فالأول: كتقصيره عن فرض من الفروض، مثل من عجز عن القيام مثلا، فإنه يستخلف ويرجع إلى الصف فيتم مؤتما بمستخلفه، وكذلك لو حصر عن القراءة فعلم أنه لا يقدر على القراءة في بقية الصلاة، فقال ابن سحنون: إن يستخلف ويصلي مأموما خلف النائب عنه، قال الإمام أبو عبد الله: " ولو حصر عن قراءة بعض السور التي مع أم القرآن لم يكن له عنيد أن يستخلف، لأن صلاته تصح مع تركه فعل ما عجز عنه ".
والثاني: كغلبة الحدث أو تذكاره، أو الرعاف الذي يقطع لأجله، وقد تقدم الخلاف في ذاكر صلاة منسية ".
وأما كيفيته، فالأولى أن يستخلف بالإشارة، فإن تكلم لم تبطل الصلاة وصح الاستخلاف؛ لأنه بالطارئ قد خرج عن أن يكون إماما، والأولى أن يستخلف من يقرب موضعه منه، فإن استخلف من بعد أتم في مكانه، ولم ينتقل إلى مكان الإمام.
ولو طرأ سبب الاستخلاف في حالة الركوع أو في حالة السجود، فهل يستخلف في الحالة أو يرفع رأسه ثم يستخلف؟ حكى الشيخ أبو الطاهر في ذلك قولين.
[ ١ / ١٤٦ ]
وإذا قلنا: إنه يستخلف بعد الرفع فليرفع غير مكبر، لئلا يرفعوا برفعه، فيكونوا مقتدين به في حالة لا يصح الاقتداء به، فإن رفع فاقتدوا به، فقال الشيخ أبو الطاهر: " يجري ذلك على الخلاف في الحركة إلى الأركان، هل هي مقصودة فتبطل الصلاة، أو غير مقصودة فلاغ تبطل؟ وقال بعض المتأخرين: لا تفسد صلاتهم، بل هم كالرافعين قبل إمامهم غلطا، فيرجعون إلى الركوع ليرفعوا برفع المستخلف "، قال: " ولو رفعوا برفعة فلم يستخلف عليهم أتموا صلاتهم ".
وليس الاستخلاف بواجب على الإمام، لأنه إنما التزم أن يقتدى به ما دام الاقتداء به ممكنا، فإذا تعذر ذلك، فليس عليه أن يأتي بعوض منه، لكن لما كان المأمومون ممنوعين من الكلام، كان من حسن النظر هلم أن يقيم لهم من يتم بهم، (فإن لم يقم لهم أمروا بأن يستخلفوا من يتم بهم، اويتقدم أحدهم فيتم بهم وإن لم يقدموه، فإن لم ي فعلوا وصولا وحدانا، فإن كانوا في الجمعة بطلت على المشهور، وسواء عقدوا مع الإمام ركعة أم لا، ولم تبطل على الشاذ، وإن كانوا عقدوا منها ركعة معه، وإن كانوا في غير الجمعة فالمنصوص صحة صلاتهم، وقد أساؤوا.
وكذلك لو استخلف قوم منهم أو واحد من الجماعة، وأتم الباقون وحدانا صحت صلاتهم على المنصوص.
وقال محمد بن عبد الحكم: " كل من لزمه أن يتم صلاته في جماعة، فأتم فذا أو قضى ما وجب عليه فذا مؤتما، بطلت صلاته، وقد أخذ من ها القاضي أبو الوليد، وأبو الحسن اللخمي بطلان صلاتهم إذا لم يستخلفوا، وبطلان صلاة من أتم فذا منهم.
قال الشيخ أبو الطاهر: " ويحتمل قول ابن عبد الحكم أنه يريد من خرج عن إمامة الإمام الأول أو المستخلف بعد أن اقتدى به، وأنه إنما أراد التنبيه على خلاف من قال إن للمأموم الخروج عن الاقتداء، قال: " وإذا احتمل ذلك لم يلزم منه الاستقراء بلا بد ".
ولو استخلف الإمام إنسانا فتقدم غيره فأم، واقتدى به مستخلف الإمام لصحت الصلاة على المنصوص في المذهب ".
[ ١ / ١٤٧ ]
وأما صفة المستخلف، فليكن بعد صحة إمامته ابتداء ممن انسحب عليه حكم الإمام قبل طروء العذر، ويكون ما فعله عند مفارقة الإمام مما يعتد به جزءا من صلاته، فلا يقدم من أحرم بعد طروء العذر، ولا من فاته الركوع معه من الركعة التي طرأ العذر فيها؛ لأنه يصير كالمتنفل يؤم المفترضين، فإن استخلفه أمر المستخلف باستخلاف غيره، أو استخلفوا هم غيره، فإن لم يفعلوا وائتموا به فصلاتهم باطلة. وقيل: صلاتهم صحيحة؛ لأن فعل المستخلف لذلك وإن كان لا يعتد به واجب عليه لوجوب متابعة الإمام لو لم يحدث، وصار باستخلافه كأن الإمام لم يذهب.
وأما من أحرم بعد طروء العذر، فإن استخلفه على ركعة أو ثلاث، فصلاته باطلة؛ لأنه جلس في غير موضع جلوس وهو مصل لنفسه، وإن استخلفه على ركعتين، فصلاته تامة. وقال ابن حبيب: إن قدمه في أول ركعة فصلاته تامة، وتبطل صلاتهم، وإن كان بعد ركعة أو أكثر فعمل على بناء صلاة الأول فلا صلاة له ولا لمن خلفه.
وأما فعل المستخلف، فإنه متمم لصلاة الإمام، فعليه أن يصليها من حيث انقطعت، فإن كان الإمام لم يقرأ افتتح القراءة، وإن قرأ أتم من حيث وصل إن كان صلاة جهر، فإن كانت صلاة سر، ففي السليمانية أنه يبتدئ قراءة أم القرآن من أولها. قال الإمام أبو عبد الله: " وكأنه رأى (أن) تجويز كون الإمام لم يقرأ لنسيان أو غيره يقتضي ابتداء المستخلف القراءة من أولها ".
فإذا ركع ولم يرفع تقدم راكعا، ثم رفع ويتمادى على صلاة الإمام.
فإن أتمها سلم بهم إن كان أدرك جملة صلاة الإمام، وسلم بسلامه من كملت صلاه من المتقدمين، وقام من كان مسبوقا للقضاء.
فإن كان لم يدرك جملة صلاة الإمام، بل كان مسبوقا أشار إليهم إذا أكمل صلاة الإمام، كالآمر لهم بالجلوس، ثم نهض للقضاء، فإذا فرغ منه سلم بهم؛ لأن السلام من بقية صلاة الأول، وقد حل محله في الإمامة فيه، فلا يصح الخروج عن ذلك لغير معنى يقتضيه، وانتظار القوم لفراغه من القضاء أخف من الخروج من إمامته. وقيل: يستخلف من يسلم بالقوم؛ لأن السلام بقية صلاة الأول كما تقدم، ولا ينبغي له أن يقضي قبل فراغ الصلاة، وخروج القوم عن الاقتداء به إلى الاقتداء بمن أقام مقامه أخف من انتظاره.
وسبب هذا الاختلاف: أن الضرورة دافعة للمصلي إلى الخروج عن الأصل على المذهبين جميعا، والنظر في أي الخروجين أخف.
[ ١ / ١٤٨ ]
ولو ساوت هذا المستخلف طائفة من القوم في فوات ما فاته، فقال سحنون: من أصحابنا من يقول: يقوم المستخلف وحده للقضاء، ثم يسلم، ثم يقضون بعده، ومنهم من يقول: إذا قام يقضي قام كل واحد يصلي لنفسه، ثم يسلمون بسلامه فإن ائتموا به أبطلوا على أنفسهم، وصلاة المستخلف تامة. وذكر ابن سحنون عن أبيه أنه قال: تجزئهم ثم رجع فقال: يعيدون أحب إلي، وفي كتاب ابن المواز: ومن اتبعه فيها منهم أو من غيرهم فصلاته باطلة.
فروع ثلاثة:
الأول: لو لم يدر ما صلى إمامه الذي استخلفه، والذين خلفه يعلمون ذلك أشار إليهم، فإن فهموا عنه وأجابوه بالإشارة عمل عليها فإن لم يفهم ومضى في صلاته فليسبحوا به حتى يفهم، فإن لم يجد بدا إلا أن يتكلم فلا بأس. وقال سحنون في المجموعة: ينبغي أن يقدم غيره ممن يعلم ما صلى الإمام، فإن تمادى فإنه إذا صلى ركعة فليتزحزح للقيام، فإن سبحوا به جلس وتشهد، ثم يتزحزح للقيام، فإن لم سبحوا به قام وبنى على أنها ثالثة، وإن سبحوا (به) عرف أنها رابعة، فيشير إليهم بالجلوس، ثم يقضي على ما تقدم.
الفرع الثاني: لو أزال الإمام عذره، ثم عاد فأخرج المستخلف وأتم الصلاة بهم، فهل تبطل الصلاة لأنه انعزل بالاستخلاف ثم صار مستخلفا من غير عذر، أو تصح لأن المستخلف وكيل الإمام، فإذا عاد انعزل الوكيل؟ قولان: الأول ليحيى بن عمر، والثاني في العتبية.
الفرع الثالث: لو رجع الإمام فقال للمسبوق المستخلف، قد كنت أسقطت من الركعة الأولى (أو) الثانية ما يقتضي بطلانها كالركوع أو السجود مثلان فإما المستخلف فيتم صلاة الإمام؛ إذ لا علم عنده من صحتها، وأما المقتدون فمن تحقق كماله صلاته وصلاة إمامه لم يلزمه اتباعه فيما قال. ومن شك منهم في صحة صلاته وصحة صلاة إمامه، أو تيقن الآن صحة قوله لزمه التدارك، ومن تيقن سلامة صلاته دون صلاة إمامه، ففي لزوم التدارك له خلاف كما تقدم في السهو.
ثم من لزمه التدارك اتبع المستخلف في تكميل صلاة الإمام.
وهل يكون المستخلف فيما يأتي به من ذلك قاضيا، فيقرأ بأم القرآن وسورة، أو بانيا فيقرأ بأم القرآن خاصة؟ حكى الشيخ أبو الطاهر في ذلك قولين منصوصين، ويسجد قبل السلام لأنه أخل بالجلوس في موضعه.
وهل يسجد بعد كمال صلاة الإمام أو صلاة نفسه؟ في ذلك قولان مبنيان على تغليب حكم الإمام، أو النظر إلى حصول الإمامة له.
[ ١ / ١٤٩ ]
الباب التاسع: في صلاة المسافرين:
والنظر في القصر والجمع.
(النظر الأول: في القصر).
وأداء الصلاة المقصورة على صفة أداء التامة، إلا في الإتمام، وقد اختلفت أقوال أهل المذهب ورواياتهم في حكم القصر.
فروى أشهب شانه فرض، وبه قال القاضي أبو إسحاق وابن سحنون، ومال إليه ابن المواز، ولم يقدم عليه لما رأى أن مالكا وأصحابه لم يختلفوا أن من أتم صلاته في السفر إنما يعيد في الوقت. قال القاضي أبو محمد: " جماعة من أصحابنا البغداديين يرون القصر فرضا "، وروى أبو مصعب وابن وهب: " أنه سنة "، وقال القاضي أبو الحسن: " قال إسماعيل وغيره: فرضه ركعتان "، وقال باقي أصحاب مالك: وهو مخير بين الإتمام والقصر، والاستحباب القصر، وإليه ذهب الأبهري، قال: وهو اختياري. قال القاضي أبو محمد أيضا: " ذهب أكثر أصحابنا إلى أن فرضه التخيير، إلا أن القصر أفضل، وهو [سنته]. وحكى أبو جعفر الأبهري: أن الشيخ أبا بكر يقول: " وهو مخير بين القصر والإتمام ".
وقال أبو محمد عبد الحميد: " بعض المذاكرين يقول: إن مذهب الكتاب حيثما وقع أن قصر المسافر رخصة ".
هذا حكمه، فأما مشروعيته فعند وجود السبب والمحل والشرط.
[ ١ / ١٥٠ ]
الأول: السبب، وهو كل سفر طويل ليس بمعصية، وفي المكروه تردد.
والمراد بالسفر، ربط القصد بمقصد معلوم، فالهائم لا يترخص. ثم إنما يترخص المسافر بعد مجاوزة السور في المصر الذي لا بناء خارجه ولا بساتين. وروى مطرف وابن الماجشون: أنه لا يقصر حتى يكون بينه وبين المصر ثلاثة أميال، فإن كان حول المصر بناءات معمورة أو بساتين وكانت متصلة به في حكمنه فإذا جاوزها. وإن كان خروجه من قرية لا تقام فيها الجمعة، ولا بناءات متصلة بها ولا بساتين، قصر إذا فارق بيوت القرية، (وإن) اتصل بها شيء من ذلك فحتى يفارقه.
وإن كان خروجه من بيوت العمود قصر بمفارقته الحلل، ثم حيث قلنا: يقصر منه، فإنه يقصر إليه، وفي المجموعة: يقصر حتى يدخل منزله.
فإن رجع المسافر لأخذ شيء نسيه، لم يقصر في رجوعه إلى وطنه. وقال ابن الماجشون: يقصر حتى يصل وطنه، وفي الموازية مثله.
ولا يقصر بعد وصوله وطنه الذي فيه أهله، فإن كان رجوعه إلى غير وطنه وكان يقصر فيه قبل خروجه، قصر الآن أيضا، وإن كان يتم بالمكان قبل خروجه، فقيل: يتم في رجوعه، وقيل: يقصر.
ثم نهاية سفره منتهى قصده، إلا أن ينوي إقامة في أضعاف سفره، فيكون مكان الإقامة هو المعتبر. وقيل: يلفق المسافة بما قبل الإقامة وما بعدها.
وهذا الخلاف أيضا جار في تلفيق الإقامة، وعليه تخرج مسألة الكتاب فيمن دخل مكة فأقام بها بضع عشرة ليلة فأوطنها، ثم بدا له أن يخرج إلى الجحفة فيعتمر منها، ثم يقدم مكة فيقيم بها اليوم واليومين، ثم يخرج منها، هل يقصر الصلاة في اليومين أو يتم؟ فأجاب أولا بالإتمام تعويلا على التلفيق، وكأنه ضم اليومين إلى ما قبلهما من المسافة، ثم أجاب بالقصر بناء على ترك التلفيق، وكأنه أضاف اليومين إلى ما بعدهما من السفر وهو يقصر فيه، قال ابن القاسم: " وهو أعجب إلي من الأول ".
وتخرج على تلفيق الإقامة مسألة: من سافر في البحر من موضع، ثم درته الريح إليه، فهل يقصر فيه أم يتم؟ ولا شك أنه يتم إن كان الموضع وطنه، وإن كان غير وطنه ولم ينو فيه دوام الإقامة، فهل يقصر؟ قولان، ولا يحتسب المسافر بالعود إلى وطنه، ولو لم تتخلله إقامة أصلا.
[ ١ / ١٥١ ]
والإقامة المعتبرة أربعة أيام، وقال ابن سحنون: مقدار عشرين صلاة، وقال محمد بن حارث: وكذلك ذكر محمد بن المواز في كتابه.
وإذا فرعنا على المشهور، فلا يعتد فيها بيوم الدخول إلا أن يدخل من أوله، وقال ابن نافع: يعتد به ويتم الإقامة مثل ذلك الوقت من النهار الخامس، وإن كان له في البلد الذي وصله غرض يعلم أنه لا يتنجز في المدة المذكورة فهو مقيم، وإن كان يجوز تنجيزه فيما دون ذلك، فهو يقصر ما دام في انتظاره من غير حد محدود.
أما الطويل فحده أربعة برد وهي مسافة يومين، وذلك سنة عشر فرسخا، وهي ثمانية وأربعين ميلا. وقال أشهب: يقصر في خمسة وأربعين ميلا، وفي رواية أبي قرة في اثنين وأربعين. وقال ابن الماجشون: " إن قصر في أربعين ميلا أجزأ عنه ". وفي رواية أبي زيد عن ابن القاسم: إن قصر في ستة وثلاثين ميلا أجزأ عنه، قال ابن عبد الحكم في الموازية: يعيد في الوقت، وقال يحيى بن عمر: لا أعرف هذا لأصحابنا، ويعيد أبدا.
ثم هذا القدر هو المعتبر في البر والبحر.
وروي في المبسوط التحديد في سفر البحر باليوم التام، لأن الأميال لا تعرف فيه.
وحكى أبو محمد عبد الحق عن بعض شيوخه: " أن التحديد في البحر بيوم ليس بخلاف لما تقدم من تحديده في البر بيومين، لأنه يقطع في البحر مسافة اليومين في اليوم الواحد ".
ورأي الشيخ أبو الطاهر أيضا: " أن هذا ليس بخلاف، قال: بل ينظر، فإن أمكن تمييز الأميال، كالمرور مع السواحل فهو كالبر، وإن كان بحيث لا يمكن التمييز كالسير في وسط البحر، فكما روى في المبسوط ".
[ ١ / ١٥٢ ]
فرع:
اجتمع السفر من السير في البر والبحر لفقهما إن كانت بداءته بسفر البحر، وكذلك إن كان بسفر البر، لكن إذا وصل إلى البحر (سار) على كل حال بالريح وبغيره، فيقدر منها المقدار الذي قدمناه.
فإن كان إذا وصل إلى البحر لا يسير إلا بالريح، فقال ابن المواز: لا يقصر حتى يكون في سفر مقدار سفر البر القصر.
ويشترط عزمه في أول السفر، فإن خرج في طلب آبق لينصرف مهما لقيه لم يترخص، وإن تمادى سفره إلا أن يعلم أنه لا يلقه قبل مرحلتين.
ولو ترك الطريق القصير وعدل إلى الطريق الطويل لغير غرض لم يترخص.
ومهما بدا له الرجوع في أثناء سفره انقطع سفره، فليتم إلى أن ينفصل عن مكانه متوجها إلى مرحلتين.
أما قولنا: ليس بمعصية، فالعاصي بسفره لا يترخص، كالآبق والعاق بالسفر.
وروى زياد بن عبد الرحمن جواز ترخص العاصي بسفره، كالعاصي في سفره.
وإذا فرعنا على المشهور، فلو طرأت المعصية بالسفر في أثنائه لم يترخص أيضا، ولو طرأت له التوبة في أثناء سفر المعصية ترخص، وفي جواز تناول الميتة له قبل التوبة خلاف.
الثاني: محل القصر، وهو كل صلاة رباعية مؤداة في السفر، أو مقضية لفواتها فيه، فلا قصر في الصبح والمغرب، ولا في فوائت الحضر. ويقصر في فوائت السفر قضيت فيه أو في الحضر.
والمسافر في آخر الوقت يقصر إذا بقي منه مقدار ركعة فأكثر، كالطهار إذا حاضت في آخر الوقت، وقد بقي منه ما يسع الصلاة أو ركعة منها، فإنها تسقط عنها كما تقدم.
الثالث: الشرط، وهو اثنان.
الأول: أن لا يقتدي بمقيم، فإن اقتدى به وصححنا صلاته لزمه الإتمام على المشهور.
ولنبين حكم اقتداء أحدهما بالآخر.
فأما اقتداء المسافر بالمقيم، فإن قلنا بأن القصر فرضه، فلا يجوز أن يقتدي بمقيم.
[ ١ / ١٥٣ ]
وقيل: يقتدي به، وإن قلنا: بأن القصر سنة، فروى ابن القاسم وابن الماجشون أنه لا يقتدي به. وروى الشيخ أبو إسحاق: " لا بأس بصلاة السفري خلف المقيم لفضله وسنه وفهمه ".
ومأخذ الخلاف: النظر إلى الترجيح بين فضيلتي لجمع والقصر، فإن قلنا بأن القصر أولى مع التخيير بينه وبين الإتمام، أو قلنا بالتخيير كما روي عن الشيخ أبي بكر، فلا شك أن الائتمام بالمقيم أولى من القصر مع الانفراد.
ثم حكم الصلاة بعد الاقتداء منزل على الخلاف المتقدم، فإن بنينا على أن القصر فرضه، فقال القاضي أبو محمد وبعض المتأخرين: " تبطل الصلاة "، وقال بعضهم: لا يمتنع أن يكون القصر فرضه، فإذا ائتم بمقيم انتقل فرضه لفرض المقيم كالعبد والمرأة في الجمعة.
وقال غيرهم: يقتدي به في الركعتين خاصة، ثم اختلفوا هل يسلم ويتركه، أو ينتظره فيسلم معه؟
وإن قلنا بأن القصر سنة، أتم وأعاد عند ابن الماجشون في الوقت، ولم ي عد عند ابن القاسم، وكذلك روى مطرف أن لا إعادة عليه.
وروى ابن الماجشون وأشهب: أنه يعيد في الوقت، إلا أن يكون في أحد مسجدي الحرمين أو في مساجد الأمصار الكبار.
هذا حكم صلاته، إذا اقتدى بمن تيقن إقامته، فلو اقتدى بمن لا يعلم حاله، فقال سحنون: تجزيه.
ولو اقتدى بمن اعتقد فيه حالة، فلظهر له خلافها، فقال أشهب: تجزيه، وقال سحنون: لا تجزيه.
وسبب الخلاف: مراعاة عدد الركعات في أصل النية.
وأما ائتمام المقيم بالمسافر، فقد قال ابن حبيب: هي أخف من صلاة المسافر بإمامة المقيم في الكراهية، وقال أيضا: اتفقت الرواية عن مالك، أنه إذا اجتمع مسافرون ومقيمون، أنه يؤم المسافرين، والمقيمين مقيم، ولا يؤم مسافر مقيمين، ولا مقيم مسافرين إلا أن يكون ذلك في المساجد الجامعة التي تصلي فيها الأئمة، يعني الأمراء.
ولو أم المسافر بالفريقين، ثم ذكر أنه على غير طهارة، أو أحدث مغلوبا، فإنه يؤمر بأن يستخلف مسافرا، فإن لم يفعل، وقدم مقيما، لم يقبل استخلافه، وتقدم مسافر، فإن جهل وقبل الاستخلاف، وأتم صلاة الإمام، فإن المسافرين يسلمون لأنفسهم، وقيل: يستخلفون
[ ١ / ١٥٤ ]
مسافرا يسلم بهم، وقيل: يثبتون حتى يسلموا بسلامه.
واختلف في المقيمين هل يتمونها أفذاذا بعد فراغ صلاة إمامهم، أو بعد سلام المستخلف؟
الشرط الثاني: أن يستمر على نية القصر جزما في جميع الصلاة.
(وإذا قلنا: أن القصر ليس بفرض، فهل من شرطه أن ينويه عند عقد الإحرام؟ حكى الإمام أبو عبد الله عن بعض أشياخه أنه قال: " يصح أن يلتزم القصر أو الإتمام قبل الشروع في الصلاة، ويصح أن يدخل في الصلاة على أنه بالخيار بين القصر والإتمام "، قال: " وكأنه رأى أن عدد الركعات لا يلزم المصلي أن يعقده في نيته حين الإحرام "، وقد تقدم ذكر الخلاف في هذا الأصل، (وإن مما) (يخرج) عليه من الفروع ما لو ابتدأ على القصر فأتم، أو بالعكس، وكذلك مسألة الداخل يوم الجمعة يظنه الخميس أو العكس. ومذهب الكتاب في هذه إجزاء من ظن الجمعة دون من ظن الخميس، وقال في السليمانية: تجزيه الصلاة، والإعادة أحوط. وقال أشهب: لا تجزيه في شيء منها، إلا أن يصلي معه وهو لا يدري يومه ذلك فإنه تجزيه).
ولو عرض له قصد الإقامة في أثنائها وصمم عليه ولو لحظة، فإن كان قبل أن يركع، فيستحب له أن يجعلها نافلة، ويستأنف فرضه أربعا، فإن تمادى على صلاته وأتمها أربعا، أجزأته في رواية ابن حبيب عن مالك.
(وإن كان بعد أن عقد الركعة، فروى ابن حبيب عن مالك، أنه يستحب له أن يشفعها بركعة، ويجعلها نافلة، ثم يصلي فرضه أربعا. وروي عن ابن الماجشون أنه يضيف إليها ركعة أخرى تكون فرضه، لأنه لما عقد ركعة من صلاته على السفر لزمه حكم السفر. قال القاضي أبو الوليد: " وظاهر قول عيسى بن دينار يقتضي أنها لا تجزيه إن تمادى عليها ".
ولو أحرم على أربع، وفعلها ساهيا عن السفر أو القصر، فقال ابن المواز: يعيد في الوقت، وقد كان ابن القاسم يجيز في هذا سجدتي السهو حتى تبين أو استبصر، فرجع عن ذلك، وقال: يعيد في الوقت كان عامدا أو جاهلا أو ناسيا. وروى ابن حبيب: أنه يسجد
[ ١ / ١٥٥ ]
للسهو، ثم قال: يجزي الساهي سجود السهو، إلا على قول ابن الماجشون الذي يقول: إذا كثير السهو أعاد، وقال سحنون: " إن كان ناسيا لسفره، فإنما عليه الإعادة في الوقت، وهو كالعامد والجاهل ".
وإن كن ذاكرا لسفره فصلى أربعا وهو يظن أنها ركعتان، أعاد أبدا لكثرة السهو. وذكر ابن نافع اختلاف قول مالك في المسافر إذا أتم ساهيا، هل يعيد في الوقت، أو يسجد لسهوه؟
وقال ابن المواز: إذا عقد إحرامه على أربع، فليعد في الوقت ساهيا كان أو عامدا، وإن عقد على ركعتين، فأكمل أربعا، فإنه يسجد في السهو، ويعيد أبدا في العمد. قال ابن سحنون: يعيد أبدا لكثرة السهو، وقال ابن المواز: ليس كسهو مجتمع عيه.
النظر الثاني: في الجمع، وأسبابه أربعة.
الأول: السفر، فيجوز الجمع بين الصلاتين المشتركتي الوقت على المعروف من المذهب، ووقع في العتبية، " قال مالك: أكره جمع الصلاتين في السفر، فحمله بعض المتأخرين على إيثار الأفضل، لئلا يتسهل فيه من لا يشق عليه ".
وإذا فرعنا على المعروف من المذهب، فلا يختص الجواز بالطويل، لكن يختص بحال الجد في السير لخوف فوات أمر، أو لإدراك مهم، وبه قال أشهب. وقال ابن الماجشون وابن حبيب وأصبغ: بأن الجد لمجرد قطع السفر مبيح للجمع.
ثم وقت الجمع معتبر بوقت الرحيل، فإن عزم عليه بعد الزوال مثلا، ونيته أن لا ينزل إلا بعد غروب الشمس جمع في المنهل، ولم يذكر في الكتاب المغرب والعشاء، كما ذكر في الظهر والعصر عند الرحيل. قول سحنون: الحكم متساو. واختلف المتأخرون في قوله، هل هو تفسير أو خلاف.
ولو كان الراحل عقيب الزوال عازما على النزول قبل تصرم وقت الصلاة الثانية لم يجمع، بل يصلي الظهر قبل رحيله، ويؤخر العصر إلى حين نزوله، وكذلك المغرب والعشاء قبل ثلث الليل أو نصفه على قول سحنون.
وإن كان هذا المسافر أدركه الزوال أو الغروب وهو على ظهر لا ينزل في النهار لكن بعد الغروب، ولا في الليل لكن بعد طلوع الفجر، جمع بين الصلاتين في وقتهما المختار، فيصلي الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها.
[ ١ / ١٥٦ ]
ولو زالت عليه الشمس وهو في المنهل، وإذا رحل لم ينزل إلا بعد الاصفرار، فأشار بعض المتأخرين إلى تخييره، فإن شاء جمع بينهما في المنهل، وإن شاء بعد النزول؛ إذ في كلا الحالين إخراج إحدى الصلاتين عن وقتها المختار.
ولو زالت الشمس والمسافر على ظهر ولا ينزل إلا بعد الاصفرار، فأشار ابن مسلمة إلى جواز التأخير ليجمع إذا نزل.
ثم صفة الجمع، أن يقدم الأولى منهما، وينويه في أولها، ولا يجيزه أن ينوي في أول الثانية، وقيل: يجزي.
فلو ص ليت الأولى، ثم حدث السب، أو أدرك الجمع في الثانية من صلى الأولى وحده، ففي جواز الجمع في الفرعين خلاف مبني على ما ذكرنا.
ومن صفة الجمع الموالاة نفلا يفرق بين الصلاتين أكثر من قدر إقامة اوأذان وإقامة على ما تقدم، ولا يتنفل بينهما. وقال ابن حبيب: لا بأس أن يتنفل.
ومهما نوى الإقامة في أثناء إحدى الصلاتين عند التقديم بطل الجمع، وإن كان بعدهما فلا يبطل.
السبب الثاني لجمع: المطر.
والترخص به عام في جميع المساجد، وحكى الشيخ أبو إسحاق رواية بتخصيصه بمسجد الرسول ﷺ.
والمنصوص اختصاصه بالمغرب والعشاء، واستقرأ أبو الاسم بن الكاتب والقاضي أبو الوليد جواز الجمع بين الظهر والعصر أيضا من قول مالك في الموطأ: " أرى ذلك في المطر ".
وإذا جمع بين المغرب والعشاء، ففي وقت المغرب، ثم هل يفعل المغرب أول وقتها، أو يؤخرها قليلا؟ الرواية المشهور أنه يؤخرها قليلا، ثم يقدم العشاء إليها. وروى أنه يصليها في أول وقتها محافظة على الوقت المختار. (وبهذه الرواية قال (ابن وهب) (وأشهب).
[ ١ / ١٥٧ ]
الفصل الأول: في شروطها
ومهما اجتمع المطر والطين والظلمة، أو اثنان منها، أو انفرد المطر جاز الجمع، ولا يجوز عند انفراد الظلام.
فإما انفراد الطين، فظاهر المستخرجة جواز الجمع من أجله، وظاهر المذهب منعه. ولو كان المطر موجودا في (أولى) الصلاتين، فانقطع قبل الثانية أو في أثنائها، جاز التمادي على الجمع؛ إذ لا تؤمن عودته.
ويجمع المعتكف في المسجد لإقامة الصلاة عليه.
أما المنفرد في بيته فلا، ولو صلى الشيخ الضعيف أو المرأة في البيت بالمسمع، ففي جواز الجمع لهما خلاف.
السبب الثالث: المرض.
فيجوز للمريض الجمع، وقال ابن نافع: لا يجمع قبل الوقت، ويصلي كل صلاة لوقتها، فما أغمي عليه حتى ذهب وقته، لم يكن عليه قضاءه.
السبب الرابع: الخوف.
وفي جواز الجمع به قولان ابن القاسم.
الباب العاشر: في صلاة الجمعة
وهي فرض عين على الأعيان.
والكلام عليها ينحصر في ثلاثة فصول.
الفصل الأول: في شروطها ويزاد في شروط وجوبها أربعة: الذكورية، والحرية، والإقامة، والاستيطان بموضع يستوطن فيه، ويكون محلا للإقامة به، يمكن الثواء فيه، بلدا كان أو قرية
[ ١ / ١٥٨ ]
وقيل: لا يعتبر الاستيطان، بل تكفي الإقامة.
وعلى هذا الخلاف تخرج مسألة الجماعة تمرون بالقرية الخالية وهم بحيث تنعقد بهم الجمعة، فينوون الإقامة بها شهرا، هل يجمعون [بها] أم لا؟ والمعروف من المذهب أنهم لا يجمعون. وحكى عن ابن القاسم " أنه روى أنهم يجمعون ".
ويزاد في شرط أدائها أربعة أيضا.
الأول: الإمام، فلا تصح أفذاذا، ولا يشترط حضور السلطان فيها ولا إذنه، وقال يحيى بن عمر: لا تقام الجمعة إلا بالإمام الذي تخاف [مخالفته]. وقال محمد بن مسلمة: لا يصلي الجمعة إلا سلطان أو مأمور أو رجل مجتمع عليه.
فروع:
الأول: الو أم المسافر في الجمعة لم تصح، وأعادوا الخطبة والصلاة ما لم يذهب الوقت، فيعيدوا ظهرا، ابتدأ الإمامة أو استخلف في أثناء الصلاة. وقال أشهب وسحنون: تجزئهم، أم بهم بتداء أو مستخلفا. وقال مطرف وابن الماجشون: تجزئهم إن كان مستخلفا نم ولا تجزئهم إن أم مبتدئا.
الفرع الثاني: إذا أحدث الإمام في الصلاة مغلوبا، فقدم من كان اقتدى به، وهو ممن تجب عليه الجمعة، صح استخلافه، وأجزأت الصلاة، وإن لم يسمع الخطبة.
فإن لم يستخلف، فتقديم المأمومين كاستخلافه، وذلك واجب في الركعة الأولى، وفي الثانية أيضا على المعروف من المذهب. وحكى الشيخ أبو الطاهر قولا آخر، بأنه لا يجب فيها، وأنها تصح مع انفرادهم بها كالمسبوق.
الفرع الثالث: إذا غفل المقتدي عن سجود الركعة الأولى أو نعس، انتظر التمكن، فإن سجد قبل ركوع الإمام في الثانية لم يقض شيئا، وكذلك إن وجده راكعا، وقيل: يقضي الثانية
[ ١ / ١٥٩ ]
إن أدركه راكعا، وإن لم يدركه حتى رفع رأسه من ركوع الثانية قضاها بلا خلاف.
أما إذا لم يتمكن من السجود حتى ركع الإمام، فليتابعه، ويلغي الركعة الأولى، ثم يقضيها بعد الفراغ.
والمشهور إلحاق المزاحم بالغافل والناعس، وروى ابن حبيب عن ابن القاسم وأصبغ: أن المزاحم لا يتبع الإمام بوجه. وروى سحنون عن ابن القاسم: أنه يتبع الإمام بمثل رواية الجماعة.
الشرط الثاني: الجماعة، والمشهور أنها غير محدودة بعدد مخصوص، لكن لا يجزي منها الاثنان والثلاثة والأربعة، وما في معنى ذلك، بل لا بد أن يكونوا عددا تتقرى بهم قرية.
والشاذ أنها محدودة بعدد، ثم اختلف في مقداره، فروى ابن حبيب: " ثلاثون بيتا وما قاربهم جماعة، وقال ابن حبيبك والبيت مسكن الرجل الواحد ".
وفي مختصر الشيخ أبي إسحاق: اشتراط خمسين رجلا في صلاة الكسوف. قال بعض المتأخرين: في هذه الرواية إشارة على اعتبار هذا العدد في صلاة الجمعة؛ لأن اعتبار العدد في الجمعة آكد منه في صلاة الكسوف ".
وقال الشيخ أبو الحسن: ما علمت أحدا ذكر عن مالك عددا حده تقوم به الجمعة، إلا ابن حبيب فإنه قال: الثلاثون وما قاربهم عندي جماعة، كذلك روى مطرف وابن الماجشون.
ثم هل يشترط في هذه الجماعة كونهم ممن تلزمهم الجمعة أو تنعقد بهم، وإن كانا ممن لا تلزمهم الجمعة ابتداء؛ كالصبيان والعبيد ومن في معناهم من المسافرين؟ قولان لسحنون وأشهب.
وهل يشترط بقاء الجماعة إلى كمال الصلاة؟ أو يكفي انعقاد ركعة بهم؟ المشهور اشتراط ذلك إلى الكمال، كسائر شروط الأداء. والشاذ الاكتفاء بذلك في ركعة كالمسبوق. وعلى ذلك يخرج ما إذا [هربت] الجماعة، فقال ابن القاسم وسحنون: (" إذا هرب الناس عن الإمام في صلاة الجمعة، لم تصح له جمعة ".
[ ١ / ١٦٠ ]
قال سحنون: " ولو تفرقوا عنه في التشهد ". ورأى سحنون أن يجعلها نافلة).
وقال أشهب: " إن هربوا عنه عد أن قعد ركعة، أتم صلاته جمعة ".
الشرط الثالث: الجامع.
قال القاضي أبو الوليد: " أما الجامع، فإنه من شروط الجمعة، ولا خلاف في ذلك، إلا اختلاف لا يعتد به مما نقله القزويني في كتابه عن أبي بكر الصالحي، وتأوله على رواية ابن القاسم في المسألة التي في المدونة، أن الجمعة تقام في القرية المتصلة البنيان التي بها الأسواق، وترك ذكر الأسواق مرة أخرى، فقال أبو بكر الصالحي: لو كان من صفة القرية أن يكون بها الجامعة لذكره ".
وأفسد القاضي أبو الوليد هذا الاستقراء "، وقال: " وهذا قد انعقد الإجماع على خلافه،
[ ١ / ١٦١ ]
فلا نعلم ممن بقي من العلماء من يقول به "، قال: " وليس القزويني ولا الصالحي بالموثوق بعلمهما في النقل والتأويل، فيعتمد على ما أثبتناه، ويحتاج إلى المراجعة عنه قال: وأما الصالحي فمجهول، وإنهما أثبتناه لنبين وجه الصواب فيه، لئلا يغتر به من يقع هذا القول إليه ممن لا يميز وجوه الأقوال "، قال: " والأصل في ذلك فعل النبي ﷺ، وعمل الأمة بعده إلى هلم جرا ".
ثم قال: " ومن شرطه البنيان المخصوص على صفة المساجد، فأما البراح الذي لا بنيان فيه، أو ما كان فيه من البنيان ما لا يقع عليه اسم مسجد، فلا يصح ذلك فيه ".
قال: " وللجامع صفة زائدة على كونه مسجدا، فكل جامع مسجد، وليس كل مسجد جامعان وإنما يوصف بأنه جامع لاجتمع الناس كلهم فيه لصلاة الجمعة، وهذا حكم يختص بهذا المسجد دون غيره من المساجد، فلا يصح أن تقام الجمعة في غيره من المساجد (مما) لا يحكم له بهذا الحكم حتى يحكم له على التأبيد، دون أن ينقل إليه هذا الحكم في يوم بعينه، ولو أصاب الناس ما يمنعهم من الجامع في يوم ما، لم تصح لهم جمعة في غيره من المساجد ذلك اليوم، إلا أن يحكم له الإمام بحكم الجامع، وينقل الحكم إليه عن الجامع الممنوع، فيبلط حكم الجمعة في المسجد الأول، وينتقل إلى هذا الثاني انتهى كلامه ".
ثم في معنى الجامع في حق المأمومين رحابه، والطرق المتصلة به، إذا اتصلت الصفوف بها، ودعت الضرورة إليها.
وتكره الجمعة فيها من غير ضرورة، فإن وقعت فقال سحنون: تعاد أبدا. وقال ابن أبي زمنين عن ابن القاسم: تجزئ، وقاله الشيخ أو إسحاق.
واختلف في سطح الجامع هل حكمه حكمه فتصلى فيه الجمعة، أم لا؟ والمشهور المنع من صلاتها فيه، وقال أصبغ: لا بأس بذلك. وقال ابن الماجشون: لا بأس أن يصلي المؤذن على ظهر المسجد، لأنه موضع أذانه إذا قعد الإمام على المنبر. وفي ثمانية أبي زيد عن مالك
[ ١ / ١٦٢ ]
ومطرف وابن الماجشون وأصبغ: أن الصلاة جائزة، ولا إعادة عليه. وهكذا مذهب أشهب أنه لا يعيد. وقال ابن القاسم في الكتاب: " بل يعيد وإن ذهب الوقت "، وحمل حمديس المنع على حالة الاختيار، وذلك إذا كان في (داخل) المسجد سعة.
(فإما الدور والحوانيت وغير ذلك من الأماكن المملوكة المحجورة، فلا تجوز صلاة الجمعة فيها وإن أذن أهلها).
وقال محمد بن مسلمة في المبسوط: إنما قال مالك ﵀ في هذه الدور التي لا تدخل إلا بإذن: لا يصلي فيها بصلاة الإمام إذا كان الذي فيها غير متصل بصفوف المسجد، فأولئك لا ينبغي لهم ذلك، لأنهم ليسوا في المسجد ولا متصلين به.
فأما لو امتلأ المسجد ورحاب أفنيته حتى تتصل الصفوف من المسجد إلى تلك الدور، فلا بأس بذلك، وتصير الدور والشوارع حينئذ بمنزلة حجر أزواج النبي ﷺ.
ثم إذا قلنا بالمنع على الإطلاق في هذه المواضع التي لا تدخل إلا بإذن، أو بالمنع بشرط أن لا تتصل الصفوف على ما أشار إليه بأن مسلمة، فلو خالف المصلي وركب النهي، فهل تصح صلاته أم لا؟ ذكر ابن مزين عن ابن القاسم أنه يعيد أبدا. وعن ابن نافع أنه قال: أكره تعمد ذلك، وأرجو أن تجزئه صلاته.
ولا تؤدي الجمعة في مصر واحد في جامعين.
وحكى الشيخ أبو الطاهر: " أن المذهب في المصر الكبير على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والتفرقة ".
فإن كان المصر إذا جانبين أو جوانب، وبينهما نهر وما في معناه مما تتكلف فيه المشقة إذا قطع، جازت إقامتها في موضعين أو مواضع، بحسب الحاجة إلى ذلك، وإن لم يكن كذلك، فليس إلا كونه كالمصر الصغير.
فرع: إذا وجبت إقامتها في جامع واحد، وكان بالبلد جامعان، فإنها تقام في الأقدام
[ ١ / ١٦٣ ]
منهما، وإن أقيمت في الأحداث واحدة أجزأت، فإن أقيمت جمعتان في الجامعين مع القدرة على الاكتفاء بواحدة، فروي في العتبية في الأمير يستخلف من يصلي بالقصبة الجمعة، ويجمع هو بطائفة في طرق المصر الجمعة، قال: " فالجمعة لأهل القصبة ". وفي مختصر الشيخ أبي إسحاق: " لا أرى الصلاة إلا لأهل القصبة "، وإن كانوا يصلون مع خليفة الإمام لا معه، فالصلاة مع خليفته جائزة، قال الشيخ أبو إسحاق: يريد أن الصلاة لأهل المسجد.
وقال الشيخ أبو القاسم: " لا تصلي الجمعة في مصر واحد في مسجدين، فإن فعلوا ذلك، فالصلاة صلاة أهل المسجد العتيق ".
الشرط الرابع: الخطبة.
وهي فرض: وشرط في صحة الجمعة، وقال ابن الماجشون: هي سنة، ومن صلى بغير خطبة لم يعد، وروي في الثمانية أن الجمعة تجزئه.
ثم القدر الواجب من الخطبة ما له بال، ويقع عليه اسم الخطبة، ق الأرض القاضي أبو بكر: " وأقله حمد الله تعالى، والصلاة على نبيه، ويحذر ويبشر، ويقرأ شيئا من القرآن ".
وروي: أن سبح وهلل، أو سبح فقط، فليعد ما لم يصل، فإن صلى أجزأه. وفي الثمانية عن ابن الماجشون: " إذا تكلم بما قل أو كثر، فجمعته ماضية ".
وقال ابن القاسم: " إن سبح وهلل لم تجز، إلا أن ي أتي بكلام يكون عند العرب خطبة ".
والمستحب أن يبدأ في خطبة بالحمد لله، ويختم بأن يقول: أستغفر الله لي ولكم، فإن قال: " اذكروا الله يذكركم، فحسن. وإن يقرأ في الأولى بسورة تامة من قصار المفصل، قال ابن حبيب: " وليقصر الخطبتين، والثانية أقصرهما ".
[ ١ / ١٦٤ ]
فروع في أحوال يؤمر الخطيب أن يكون عليها:
الأول: أن يكون متطهرا، وفي كون الأمر بذلك على الوجوب أو الندب، قولان: وصرح القاضي أبو بكر بشطية الطهارة في الخطبة.
الثاني: أن (يخطب) قائما.
قال ابن حبيب: من السنة أن يخطب قائما، ويجلس شيئا في أولها ووسطها.
وقال القاضي أبو الحسن: " الذي يقوي عندي أن القيام والجلسة واجبان وجوب سنة فقط ". وقال القاضي أبو بكر: " لا بد من خطبتين، ولا تجزئ الواحدة، خلافا لرواية ابن حبيب: أن واحدة تجزئ لنسيان أو حصر "، وقال: " أيضا بوجوب الجلوس بينهما ".
الثالث:: " أن يتوكأ على عصا).
وروى ابن وهب أن القوس كالعصا في ذلك، وروى علي بن زياد: لا يتوكأ عليه إلا في السفر.
الرابع: أن يخطب بحضرة الجماعة.
قال القاضي أبو الحسن: " ليس لمالك نص في الإمامة يخطب وحده دون من تنعقد بهم الجمعة، وأصل المذهب عندي يدل على أنها لا تصح إلا بحضور الجماعة ". وقال القاضي أبو محمد أيضا: " هذا هو الجاري على المذهب، ولم أجد فيه نصا لمتقدمي أهل المذهب ".
ورأى بعض المتأخرين أن في الكتاب ما يشير إليه وهو قوله: لا تجمع الجمعة إلا بالجماعة والإمام يخطب، قال: لأن الواو للحال.
ورأى الشيخ أبو الطاهر: " أن ما ذكره هذا المتأخر بعيد، وأن في لفظ الكتاب ما يدل على خلافه ".
[ ١ / ١٦٥ ]
الخامس: أن يكون الخطيب هو المصلي.
قال مالك فيمن قدم رجلا فخطب، وصلى هو بالناس: " الجمعة لا تجزيهم ".
قال الإمام أبو عبد الله: " ويلزم على طرد هذا إذا خطب الإمام، ثم قدم غيره فصلى بالناس اختيارا أن لا تجزئ الجعة، وإنما يباح له الاستخلاف إذا دعت الضرورة إليه مثل أن يحدث أو يرعف، فإنه يقدم من يصلي بالناس، ويبني المستخلف على فعله، عرض له ذلك في أثناء الخطبة أو في أثناء الصلاة. وكذلك إن عرض بينهما، ويصلي المستخلف معتدا بخطبة الإمام. والحكم ها هنا الاستخلاف إن كان الماء بعيدا، فإن كان قريبا، فروي أنه يستخلف ".
وقال ابن كنابة وابن أبي حازم: ينتظر.
السادس: أن يكون الخطيب ممن له الولاية على الصلاة، فلو خطب ثم قدم وال سواه لم يصل بهم بالخطبة الأولى، وليبتدئ هذا القادم الخطبة. قال ابن المواز: إن قدم بعد أن صلى الأول ركعة، فإنه يصلي الثانية ويسلم ويعيد الخطبة والصلاة، لأن خطبته باطلة.
وفي العتبية لابن القاسم: " إذا تمادى الأول، فصلى بهم عالما، فليعيدوا وإن ذهب الوقت، ولو صلى بإذن القادم أجزأتهم صلاتهم إذا أعادوا الخطبة، ولا ينفع إذنه بعد الصلاة وليعيدوا، ولا يصلي بهم القادم بخطة الأول، وليبتدئها، ولو قدمه القادم أمر بإعادتها ".
وقال سحنون إن صلى بهم القادم بخطبة الأول أعادوا بادا. وكذلك إن أذن للأول فصلى بهم، ولم يعد الخطبة. وفي كتاب ابن حبيبك لا بأس أن يصلي الجمعة بالناس غير الذي خطب، مثل أن يقدمه لرعاف أو مرض، أو يقدم وال يعزل الذي خطب، وقد قدم أبو عبيدة على خالد بن الوليد بعزله فألفاه يخطب، فلما فرغ تقدم أبو عبيدة للصلاة. وهكذا وقع لأشهب نحو ما حكاه ابن حبيب: أنه إن ابتدأ الخطبة فحسن، وإن صلى بتلك الخطبة أجزأته، كما لو أحدث بعد الخطبة فقدم غيره. قال أبو محمد عبد الحق: " والقياس عندي يوجب جواز الصلاة والبناء على خطبة الأول، والتمادي على الصلاة إذ دخل فيها ".
السابع: أن يرفع الخطيب صوته للإسماع، (ولذلك) استحب له أن يخطب على المنبر؛ لأنه أبلغ في الإسماع، ألا ترى أنه لو خبط بالأرض جاز، كما كان النبي ﷺ يفعل قبل أن يتخذ المنبر، لكن العلو على درجة أو عود للخطبة أفضل، لأنه أسمع.
[ ١ / ١٦٦ ]
ويجب الإنصات، ويحرم الاشتغال على الجماعة عن السماع عند الشروع في الخطبة، وعلى من لم يسمع لتخلفه عن السعي إلى الجامع عند الأذان التابع لجلوس الإمام على المنبر، وهو المعهود في زمن الرسول ﷺ.
(قال ابن حبيب: كان النبي ﷺ إذا دخل المسجد رقي المنبر فجلس، ثم أذن المؤذنون، وكانوا ثلاثة، يؤذنون على المنار واحد بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام النبي ﷺ فخطب، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر، ثم أمر عثمان، لما كثر الناس، أن يؤذن بالزوراء عد الزوال، وهو موضع السوق، ليرتفع الناس منه، فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار. ثم إن هشام بن عبد الملك نقل الآذان الذي كان بالزوراء إلى المسجد، فجعله مؤذنا واحدا، يؤذن عند الزوال على المنار، فإذا خرج هشام وجلس على المنبر أذن المؤذنون كلهم [ين يديه، فإذا فرغوا خطب).
ولا يسلم الداخل في حالة الخطبة، ولا يرد عليه إن سلم، ولا يشمت العاطس، ولا بأس أن يحمد الله (تعالى) خافضا صوته، ولا بأس بالتعوذ من النار عند ذكرها. " وقال أشهب: الإنصات أحب إلي من ذلك، فإن فعلوا فسرا في أنفسهم، ولا بأس إذا قرأ الإمام: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ الآية، أن يصلي عليه في نفسه.
" قال ابن حبيب: إذا دعا الإمام في خطبته المرة بعد المرة أمن الناس وجهروا جهرا ليس بالعالي، قال: وذلك فيما ينوب الناس من قحط أو غيره ". قال القاضي أبو الوليد: " لا خلاف في جواز هذا، وإنما الخلاف في صفة النطق به من سر أو جهر، ومن لا يسمع كمن يسمع في الأمر بالإنصاف ".
ولا يحي المسجد في أثناء الخطبة، ورأى أبو القاسم السيوري، أنه يحيي المسجد والإمام يخطب، وروى مثله محمد بن الحسن عن مالك.
[ ١ / ١٦٧ ]
الفصل الثاني: فيمن تلزمه الجمعة
وإنما تلزم المكلف الحر المقيم المتمكن من أدائها.
فإما العادمون لهذه الصفات، فلا تجب عليهم، وقد تقدم الخلاف في أنها لا تنعقد بهم، لكنها تنعقد لهم إذا كمل العدد دونهم سوى المجانين، ولهم أداء الظهر مع الحضور، سوى العاجز عن الحضور بمرض أو غيره إذا اتفق حضوره لكماله وزوال عذره.
ويلتحق بعذر المرض المطر الشديد، والوحل الكثير على أحد القولين فيهما. وتترك لعذر التمريض أيضا إذا كان المريض قريبا مشرفا على الوفاة. وفي معناه الزوجة والمملوك، فإن لم يكن مشرفا ولم يندفع بحضوره ضرر لم يجز الترك، وإن اندفع ضرر جاز.
وروى ابن القاسم " أنه يجوز أن يتخلف لجنازة أخ من إخوانه ينظر في أمره "، قال ابن حبيب: ويتخلف لغسل ميت عنده.
فروع في الأعذار:
من نصفه حر ونصفه رقيق كالرقيق، والمسافر إذا عزم على الإقامة ببلد مدتها لزمته الجمعة. وأهل القرى لا تلزمهم الجمعة إلا إذا كانوا بحيث تتقرى بهم قرية على ما تقدم، إلا أن يبلغهم نداء أهل بلد تقام فيه الجمعة من رجل رفيع الصوت واقف على طرف البلد في وقت هدوء الأصوات وركود الريح، وقيل: المعتبر وقوفه على المنار، فيعتبر الموضع الذي يسمع منه لا نفس السماع، بديل الأصم، والذي جرت به العادة أن يسمع النداء منه في غالب الحال ثلاثة أميال وما قرب منها، فلذلك اعتبر ذلك المقدار في وجوب إتيانها.
ثم المراعي في ذلك المكان الذي يكون المقيم فيه وقت وجوب السعي إليه دون مكان منزله، فإن كانوا من البلد الذي يجمع فيه على أكثر من ذلك، لم يلزمهم إتيان الجمعة به، وهل لهم أن يقيموا الجعة ببلدهم؟ " قال يحيى بن عمر: يقيموا جمعة حتى يكونوا من البلد الذي تقام فيه الجمعة على ستة أميال. وقال ابن حبيب: لا يتخذ جامع حتى يكون م الجامع الآخر على مسافة بريد فأكثر. وقال زيد بن بشر: يتخذون جامعا إن كانا (على) أكثر من فرسخ ".
قال القاضي أبو الوليد: " وهو الصحيح عندي، لأن كل موضع لا يلزم أهله النزول إلى
[ ١ / ١٦٨ ]
الجمعة لبعدهم عنه وكملت فيهم شروط الجمعة، لزمتهم إقامتها في موضعهم كأهل المصر ".
والعذر الطارئ بعد الزوال مرخص، إلا السفر فإنه يرحم إنشاؤه، ويجوز قبل الزوال وبعد الفجر. وقيل: يكره حينئذ. وقال القاضي أبو الوليد: " ظاهر المذهب أنه لو أدركه النداء قبل أن يخلف البلد بثلاثة أميال لزمه الرجوع إلى الجمعة ".
وعكس هذا أن يكون مسافرا فيقدم إلى وطنه، فلا خلاف في أمره بشهود الجمعة إن كان لم يصل الظهر، فإن كان قد صلاها، ففي لزومه شهودها ثلاثة أقوال، أحدها: أنه يلزمه إذا أدرك منها ركعة، الثاني: لا يلزمه لأنه أدى فرضه. الثالث: التفرقة، وهو قول سحنون، قال: إن صلاها وقد بقي بينه وبين موضعه ثلاثة أميال فأقل لزمه شهودها، وإن كان فوق ذلك فلا يلزمه.
ويستحب لمن يرجى زوال عذره، أن يؤخر الظهر إلى اليأس عن إدراك الجمعة، ومن لا يرجى له ذلك، فيعجل الظهر كالزمن.
ولو زال العذر بعد الفراغ، فعليه الجمعة إن أدركها، وكذلك الصبي إذا بلغ بعد أن صلى الظهر، وغير المعذور إذا صلى الظهر قبل الجعة لم يجزه. وقبل: يجزئه. قال الشيخ أبو الطاهر: " ويمكن تخريجه على الخلاف في الجمعة: هل هي بدل عن الظهر، فإذا رجع إلى الأصل أجزأه، أو هي صلاة قائمة بنفسها، فيكون مصليا لغير ما وجب عليه ".
ومن فاتته الجمعة فلا يصلي الظهر في جماعة إلا أن يظهر عذره.
الفصل الثالث: في كيفية أداء الجمعة:
وهي كسائر الصلوات، وإنما تتميز عن غيرها بأمور:
الأول: الغسل، ويستحب ذلك موصولا بالرواح، ولا يجزئ قبل الفجر بخلاف غسل العيد، ولا بعده غير موصول بالرواح. وقال ابن وهب: يجزئه بعده، وإن كان غير موصول بالرواح.
ويختص استحبابة بمن يحضر الصلاة بخلاف غسل العيد، فإن ذلك يوم الزينة على العموم. ولا يتيمم عند فقد الماء بدلا عن الغسل.
الثاني كالتجمل لها بالثياب واستعمال الطيب.
[ ١ / ١٦٩ ]
الثالث: استحباب القراءة فيها بسورة " الجمعة " في الأولى، وفي الثانية ب ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾، أو ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، أو ﴿إذا جاءك المنفقون﴾.
فرعان: بهما اختتام الباب.
الأول: إن أول وقت الجمعة زوال الشمس كالظهر، واختلف في آخر وقتها الذي تفوت بفواته، فقيل: هو آخر وقت الظهر المختار. وقيل: تصلي ما لم تصفر الشمس. وقيل: ما لم يبق بعد كمالها إلى الغروب إلا مقدار أربع ركعات. وقال ابن القاسم: " تصلي ما لم يبق إلا ركعة العصر ". وحكى ابن حبيب عن مطرف فيمن صلى الجمعة بغير خطبة، أنهم يعيدون الصلاة بالخطبة ما بينهم وبين غروب الشمس، وإن لم يصلوا العصر إلا بعد الغروب. وحكى بعض الأصحاب عن المذهب قولا آخر، وهو اعتبار بقاء خمس ركعات سوى الخطبة على الوسط مما تجزي الصلاة به. وقيل: بل على عادته في صلاته. وقال القاضي أبو الحسن: " كان قولي وقول الشيخ أبي بكر قد اتفق على أنه ينبغي أن يراعى قدر ثلاث ركعات قبل غروب الشمس، ركعتان للجمعة، وركعة تدرك بها العصر ". قال بعض المتأخرون: يردي بد قدر الخطبة.
الفرع الثاني: وهو مرتب، لو صلى في آخر الوقت فخرج وقتها وهو فيها، فقد روي: يصليها وإن كان لا يفرغ منها إلا بعد المغيب، وقال الشيخ أبو بكر: إن عقد ركعة بسجدتيها قبل خروج وقتها أتمها جمعة، وإن لم يعقد ذلك بنى وأتمها ظهرا، وقد تقدم حكم بناء أربع على عزيمة اثنتين.
الباب الحادي عشر: في صلاة الخوف:
وهي نوعان:
الأول: أن يكونوا في شدة الحرب ومطارحة العدو، والتحام الفئتين، ومناجزة القتال، وقد أخذت السيوف مأخذها، فيرخون حتى يخافوا فوات الوقت، ثم يصلون رجالا أو ركبانا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، إيماء بالركوع والسجود على حسب ما يستطيعون لا يتكلفون ما يضر (بهم)، ولا يتركون شيئا مما (يحتاجون) إليه من قول
[ ١ / ١٧٠ ]
أو فعل، ولا يجب على أحدهم إلقاء السلاح إذا تلطخ بالدم، إلا أن يكون مستغنيا عنه، ولا يخشى عليه.
النوع الثاني: أن يحضر وقت الصلاة والمسلمون متصدون لحر عدوهم، ولو صلوا بأجمعهم لخافوا معرته، فيقسم الإمام أصحابه قسمين، ويصلي بأذان وإقامة، ويعلم أصحابه ما يفعلون، فيصلي بأحد القسمين ركعتين إن كانت الصلاة أكثر من ركعتين، فإذا فرغ من تشهده قام إلى الثالثة في رواية ابن الماجشون، وأتمت الطائفة الأولى حينئذ صلاتها، وانتظر الطائفة الثانية قائما، وبه قال ابن القاسم ومطرف. وروى ابن وهب وابن كنانة: أنه يشير إليهم، ويبقى جالسا، فيتمون لأنفسهم ما بقي عليهم من الصلاة.
(التفريع: أما على رواية ابن وهب، فهو مخير بين أن يسكت أو يذكر الله تعالى حتى تأتي الطائفة الثانية. وأما على رواية ابن الماجشون، فهو مخير بين أن يدعو أو يسكت ما بينه وبين أن تحرم الطائفة الثانية، ولا يقرأ قبل ذلك، إذ قراءته بأم القرآن وحدها، ولو كان انتظاره قائما في الركعة الثانية في الثنائية لكان مخيرا بين ثلاثة أحوال: السكوت، أو الدعاء، أو القراءة بما يعلم أنه لا يتمه حتى تكبر الطائفة الثانية، وتدرك معه القراءة، قاله ابن حبيب).
وقال أشهب: ينصرفون قبل أن يكملوا، فيكونون وجاه العدو وهم في حكم الصلاة، ثم إذا أكملت الطائفة الثانية صلاتها وقامت وجاه العدو، قضت الأولى ما بقي من صلاتها، فإن كانت الصلاة ثنائيه، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى وقام إلى الثانية، أخذوا في إتمام صلاتهم، فإذا فرغوا مضوا، فكانوا مكان الفرقة الأخرى.
وعلى قول أشهب: ينصرفون قبل الإتمام، ثم جاءت الأخرى فصلى بها باقي الصلاة وسلم، ثم يتمون بقية صلاتهم. وروي أنه يشير إليهم بالإتمام، وينتظرهم حتى يتموا، ويسلم بهم.
ولو اختلف حال المأمومين بالسفر والإقامة، صلى بالطائفة الأولى ركعة اكان سفريا، أو اثنتين في غير الثنائية إن كان حضريا، ويتم الحضري ثلاثا إن أن إمامه مسافرا، وركعتين إن كان حاضرا، وفي جميع ذلك يسر في موضع السر، ويجهر في موضع الجهر.
وقد اشتمل ما تقدم من الكلام على استواء حكم الحاضر والمسافر في أصل إقامة هذه الصلاة، وهو المشهور من المذهب. وقال ابن الماجشون: لا يقيمها الحاضر، بل هي مختصة بالسفر كما أقيمت.
[ ١ / ١٧١ ]
ثم هذه الصلاة تقام في كل قتال مأذون فيه، ولو في الذب عن المال، وفي الهزيمة المباحة عن الكفار. وفي إقامتها في اتباع أقفية الكفار عند انهزامهم خلاف بالجواز والمنع والتفرقة بين خوف معرتهم إن تركوا، وعدم ذلك، ويقيمها الخائفون من اللصوص والسباع.
ولو رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا، ثم تبين عدمه فلا قضاء. وقال ابن المواز: يستحب القضاء.
ولو فاجأهم في أثناء صلاتهم خوف فبادوا إلى (الركوب) خوفا على أنفسهم أتموا الصلاة على حسب ما يمكنهم، ولو انقطع الخوف في أثناء الصلاة أتموا على صفة الأمن.
(فرع: قال ابن المواز: وأداؤها على الصفة المذكورة توسعة ورخصة، على أن الأحب إلى أن تصلى كما فعل النبي ﷺ.
قال: ولو صلوا بإمام واد، أو بعضهم بإمام، وبعضهم أفذاذا، كانت صلاتهم جائزة.
ورأى الحسن اللخمي أن مقتضى هذا جواز صلاة طائفتين بإمامين، ولم ير الإمام أبو عبد الله أنه يقتضيه).
فروع في المخالفة: لو جهل الإمام فصلى المغرب بكل طائفة ركعة، فحكى ابن حبيب أن صلاة الأول فاسدة، وصلاة الثانية والثالثة صحيحة. وقال سحنون: صلاة الإمام وصلاة من خلفه فاسدة؛ لأنه ترك سنتها، وكذلك إن صلى بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين بوقوفه في غير موضع قيام. وكذلك قال سحنون فيمن صلى صلاة الخوف في الحضر بكل طائفة ركعة أن صلاته وصلاة جميع من خلفه فاسدة. وذكر ابنه عن بعض الأصحاب: أن صلاة الإمام والطائفة الثانية تامة، وصلاة الأولى والثالثة فاسدة.
وإذا فرعنا على هذا القول أو قول ابن حبيب في صحة صلاة الطائفة الثانية، فيجتمع عليها البناء والقضاء، حيث اجتمعا، فالابتداء بالبناء عند ابن القاسم، وبالقضاء عند سحنون.
[ ١ / ١٧٢ ]
الباب الثاني عشر: في صلاة العيدين:
وهي سنة مؤكدة لأهل الآفاق، وعددها ركعتان، وهي كسائر الصلوات في الشرائط والهيئة، إلا في زيادة التكبير، ولا يرفع يديه في شيء من التكبير، إلا في الأولى. وقال ابن حبيب: روى ابن كنانة ومطرف أن مالكا استحب رفع اليدين فيهما مع كل تكبيرة، وهو أحب إلي من رواية ابن القاسم، وكل واسع. وروى علي عن مالك: وليس رفع اليدين فيهما مع كل تكبيرة سنة، ولا بأس على من فعله. وأحب إلي في الأولى فقط، ووقتها معتبر بحل النافلة إلى الزوال.
ويؤمر بها من يؤمر بالجمعة، وفي توجه الأمر بها على من لم يؤمر بها خلاف، إذا قلنا: لا يؤمر، فقيل: بكراهية فعله لها، وقيل: يجوز، وقيل: بتخصيص الكراهية بفعله لها فذا، والجواز بفعله لها في جماعة.
ويستحب في الفطر الأكل قبل الغدو، وفي الأضحى تأخيره إلى الرجوع من المصلى.
ومن سنتها، الغسل لها بعد الفجر، وإن فعل قبله أجزأ، ثم التطيب والتزين بالثياب الجيدة لمن يقدر على ذلك، ويستحب ذلك للقاعد والخارج من الرجال، وأما العجائز فيخرجن في بذلة الثياب.
ثم تزين فيقصد الصحراء ماشيا، وإقامتها فيها أفضل من إقامتها في المسجد، إلا بمكة.
ولا يتنفل قبلها ولا بعدها إن صليت بالمصلي، فإن صليت في المسجد لعذر أو تركا للأفضل، فاستحب ابن حبيب ألا يتنفل قبلها ولا بعدها كخارج البلد. وروى ابن القاسم أنه يتنفل قبلها وبعدها لأنه محل النافلة. وروى ابن وهب وأشهب أنه يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها، محاذرة من إخراجها بالتطويل عن وقتها المستحب.
وليكن الخروج بعد طلوع الشمس إن كان يدرك، وليكبر في أضعاف طريقه، إلا أن يخرج قبل طلوع الشمس، فيختلف في مشروعية التكبير له وعدمها على الإطلاق، وتخصيصها بما بعد الإسفار.
قال سحنون: " قلت لابن القاسم: فهل ذكر مالك التكبير كيف هو؟ قال: لا، وما كان
[ ١ / ١٧٣ ]
مالك يحد في هذه الأشياء ". وقال ابن حبيب: وأحب إلي من التكبير: الله أكبر، والله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، والله الحمد على ما هدانا، اللهم اجعلنا لك من الشاكرين. وكان أصبغ يزيد: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: وما زدت أو نقصت أو قلت غيره فلا حرج، وليكن كبيرة بحيث يسمع نفسه ومن يليه.
ويقطع التكبير بخروج الإمام، واختلف المتأخرون هل بخروجه من محل العيد ماضيا إلى الصلاة، أو بعد حلوله في محل صلاته؟.
وفي تكبيره بتكبير الإمام في أثناء خطبته قولان.
ثم ليخرج الإمام وليتحرم بالصلاة في الحال، ثم يكبر ستا بعد الإحرام، وليس بين التكبير قول، بل يتربص بقدر ما يكبر من خلفه، ثم يقرأ الفاتحة بعد تمام التكبير، ويقرأ معها بالشمس وضحاها وسبح ونحوها. واستحب ابن حبيب القراءة فيها بقاف، واقتربت الساعة، كل ذلك يجهر (به).
ويزيد في الثانية بعد تكبيرة القيام خمس تكبيرات، ويتم الصلاة. ثم يخطب بعدها خطبتين كخطبتي الجمعة، إلا أنه يكبر في تضاعيفها. قال ابن حبيب: ويستفتح خطبته بسبع تكبيرات تباعا، فإذا مضت كلمات كبر ثلاثا، وكذلك في الثانية، إلا أنه يفتتحها بسبع تكبيرات، قال: وكان مالك يقول: يفتتح بالتكبير، ويكبر بين أضعاف خطبته، ولم يحده. ثم (صفتهما) في الأداء كصفة خطبتي الجمعة من جلوس متقدم ومتوسط وقيام، وما يتوكأ عليه، وغير ذلك.
فرع: من بدأ بالخطبة قبل الصلاة أعادها بعد الصلاة، فإن لم يفعل فذلك مجزئ عنه وقد أساء، قاله أشهب.
فإذا فرغ من الخطبة وانصرف، رجع إلى بيته من طريق آخر غير (الطريق) الذي خرج فيه.
ويستحب في عيد النحر التكبير عقيب خمس عشرة [صلاة] مكتوبة أولها ظهر يوم النحر، وآخرها صبح يوم الرابع منه، وقيل: يكبر عقيب صلاة الظهر منه أيضا.
[ ١ / ١٧٤ ]
ولا يكبر في دبر النافلة، وروى الواقدي عن مالك أنه يكبر في دبرها كالفريضة.
واختلف في صيغة التكبير المأمور به، فقال في الكتاب: " يقول: الله أكبر، الله أكبر، وقال في المختصر: يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر "، ولله الحمد، وإن كبر ثلاث تكبيرات أجزأه، قال: والأول أحب إلي.
فروع: لو نسي التكبيرات في رمة فلا يتداركها إذا تذكرها بعد الركوع أو فيه، وليسجد قبل السلام، وقيل: يتداركها ما لم يرفع رأسه منه، وإن يذكر قبل الركوع كبر ثم أعاد القراءة، وسجد بعد السلام. وقيل: لا يعيدها.
ولو أدرك المسبوق الإمام في القراءة، فقال ابن القاسم: " يدخل فيه، ويكبر سبعا "، وإن وجد راكعا دخل معه وكبر واحدة، ولا شيء عليه، وإن وجده قد رفع رأسه أو قام في الثانية، فليقض ركعة يكبر فيها سبعا بتكبيرة القيام، قال: " وإن وجده قائما في الثانية فليكبر خمسا. وقال ابن وهب: لا يكبر إلا واحدة ". قال ابن حبيب: إن أدرك الإمام وهو في قراءة الثانية، فليكبر للإحرام، ثم يكبر خمسا، فإذا قضى كبر ستا، والسابعة قد كبرها للإحرام.
وإذا فاتت صلاة العيدين بزوال الشمس فلا تقضى.
وإذا شهد الشهود على الهلال قبل الزوال أفطرنا وصلينا، وإن شهدوا بعد الزوال أفطرنا، وتبين فوات صلاة العيد.
ولو اتفق العيد والجمعة، فليس للإمام أن يأذن لأهل القرى ممن يبلغهم النداء في الرجوع قبل شهود الجمعة، والاكتفاء بشهود العيد عن ذلك، فإن فعل لم ينتفعوا بإذنه، وروي أن له أن يأذن لهم في ذلك، وأنهم ينتفعون بإذنه.
[ ١ / ١٧٥ ]
الباب الثالث عشر: في صلاة الكسوف.
وصلاة الكسوف سنة، وتفعل في المسجد دون المصلى. وقال ابن حبيب عن أصبغ: تصلي في المسجد إن شاؤوا أو في صحته، أو يبروزا لها إلى البراز، كل ذلك واسع.
ووقتها وقت العيدين، وقال مطرف وابن الماجشون: تصلى بعد العصر ما لم تحرم الصلاة، ورواه ابن وهب عن مالك. وحكى الشيخ أبو القاسم رواية " بأن وقتها من طلوع الشمس إلى غروبها ".
وهي ركعتان، في كل ركعة ركوعان وقيامان.
هذا (إذا) تمادى الكسوف، فإن تجلت الشمس في أضعاف الصلاة، فهل يتمون على ما ابتدأوا، أم على صفة سائر النوافل؟ قولان لأصبغ وسحنون. والأولى أن يقرأ في القيام الأول من الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة البقرة ونحوها، ثم يرتب الثاني والثالث والرابع على ترتيب السور، وذلك بعد الفاتحة في كل قيام على المشهور. وقال محمد بن مسلمة: " لا يكرر الفاتحة في الركوع الثاني، ولا في الرابع.
وفي صفة القراءة من الجهر والإسرار روايتان، المشهور منهما أنه يسر فيهما، ويطيل كل ركوع قريبا من القراءة في قيامه.
ومذهب الكتاب أن سجود كل ركعة قريب من قيامها، وقال في المختصر: لا يطال السجود، ولا تطول القعدة بين السجدتين.
[ ١ / ١٧٦ ]
ويستحب أن تؤدي بالجماعة، وليس فيها خطبة قبل الصلاة ولا بعدها، بل إذا فرغ استقبل الناس فذكرهم وخوفهم، وأمرهم أن يدعوا الله إذا رأوا ذلك، ويكبروا ويتصدقوا.
فروع:
الأول: المسبوق إذا أدرك الركوع الثاني، فقد أدرك الركعة ولا يقضي شيئا منها.
الثاني: تفوت صلاة الكسوف بالانجلاء، وبغروب الشمس كاسفة.
الثالث: إذا اجتمع كسوف وجمعة، قدمت الجمعة عند خوف الفوات، وإن أمن منه، قدمت صلاة الكسوف.
ولو اجتمع جنازة مع هاتين الصلاتين فهي مقدمة، إلا أن يضيق وقت الجمعة، فإنها تقدم عند ضيق وقتها.
وتكلم بعض العلماء على اجتماع عيد وكسوف مع خوف الفوات، واعترض عليه بأن العيد لا يجتمع مع الكسوف في العادة. وقال من اعتذر عن ذلك: لا ينكر فرض اجتماع العيد والكسوف، فإن الله على كل شيء قدير. وأيضا فإن كانت العادة قد تقررت بخلاف هذا الفرض، فإن هذا حكم هذه الصورة لو تصورت، والفقيه يتكلم على ما يقتضيه الفقه على الجملة.
واعترض الإمام أبو عبد الله هذا بأنه وإن كان جائزا عقلا لا يستحيل تعلق القدرة القديمة به، إلا أنه على خلاف العادة التي أجراها الله سبحانه، وليس من دأب الفقهاء تقدير خوارق العادة، والكلام على حكمها. ولا تصلى صلاة الكسوف للزلازل وغيرها من الآيات.
وصلاة خسوف القمر ركعتان كسائر النوافل، ولا يجمع لها. وقيل: يجمع لها قياسا على صلاة كسوف الشمس.
والمنصوص أن صلاة كسوف الشمس يؤمر بها كل مكلف من الرجال والنساء، ومن عقل الصلاة من الصبيان، والمسافرين والعبيد.
وقال الشيخ أبو إسحاق في مختصره: إذا كانت قرية فيها خمسون رجلا ومسجد يجمعون فيه الصلوات، فلا بأس أن يجمعوا صلاة الكسوف، وتصلي المرأة صلاة الكسوف في بيتها ومن أعجله السير فليس عليه صلاة الكسوف.
[ ١ / ١٧٧ ]
فاستقرأ بعض المتأخرين من اعتباره الخمسين أنها كالجمعة، فلا يؤمر بها إلا من يؤمر بالجمعة خاصة. قال الإمام أبو عبد الله: " والذي حكاه ابن شعبان من صلاة المرأة في بيتها، واشتراط عجلة المسافر في سقوط صلاة الكسوف، قد يشير إلى خلاف هذا التأويل.
الباب الرابع عشر: في صلاة الاستسقاء
وهي سنة عند المحل والجدب لحياة الزرع وغيره، وعند الحاجة لشرب الحيوان: الإنسان والبهائم، كما يحتاج إلى ذلك من كان في صحراء، أو سفينة، أو أهل بلد. وكذلك إذا جاء من الماء ما هو دون الكفاية، وتفعل لتأخير مدد النهر، كما تفعل لتأخير نزول الغيث. ولو تأخر عن طائفة من المسلمين، قال بعض المتأخرين: تستحب لغيرهم أيضا هذه الصلاة، فيستسقي المخصبون للمجدبين. وقال الإمام أبو عبد الله في ذلك: " عندي نظر "، قال: " ولا شك أن دعاء المخصبين للمجذبين مندوب إليه، وأما إقامة سنة صلاة الاستسقاء في مثل هذا، فلم يقم عليه دليل ".
(ولا بأس بتكريرها إذا تأخرت الإجابة، قال ابن حبيب: ولا بأس أن يستسقى أياما متوالية.
ولا بأس أن يستقى في إبطاء النيل، قال أصبغ: قد فعل ذلك عندنا بمصر خمسة وعشرين يوما متوالية يستقون على سنة الاستسقاء، وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه).
ويستحب أن يأمر الإمام قبله بالتوبة والإقلاع عن الذنوب والآثام والمظالم، وأن يتحالل الناس بعضهم من بعض مخافة أن تكون معاصيهم سبب منع الغيث، قال الله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾. أيضا فقد تمنع المظالم من إجابة الدعاء، كما جاء في الحديث الصحيح ويأمرهم بالتقرب الصدقات لعلهم إذا أطعموا فقراءهم أطعمهم [الله]، فإن الجمع فقراء إليه. وليس من سنته الأمر بصيام قبله، واستحبه ابن حبيب.
[ ١ / ١٧٨ ]
ويخرج الإمام بها إلى المصلى فيس ثياب بذلة بسكينة ووقار، متواضعين متخشعين متورعين وجلين. قال بعض العلماء: وذلك لأن العبد الجاني إذا رأى مخائل العقوبة المهلكة من مولاه، لم يأته راغبا في رفع العقوبة والصفح، إلا وأمارة الذل بادية عليه، والخوف آخذ بناصيته.
والمشهور أن إخراج الصبيان والبهائم فيها غير مشروع، وقيل: يخرجون.
وأما النساء فلا خلاف في منع من يخشى من خروجها الفتنة، وأما من لا يخشى ذلك منها، فحكمها حكم الصبيان والبهائم.
وفي إباحة خروج الذمة خلاف، أباحه، في المدونة، ومنعه أشهب في مدونته، ثم إذا قلنا بالإباحة فهل ينفردون بيوم، أو يخرجون مع الناس ويكونون على جانب، خشية أن يسبق قدر بسقيهم، فيفتتن ضعفاء المسلمين بذلك؟ فيه خلاف أيضا. فقال القاضي أبو محمد: " لا بأس بانفرادهم "، ومنعه ابن حبيب.
وتصلى ركعتين كسائر النوافل، ويجهر فيهما بالقراءة بسبح ونحوها، ثم يخطب كخطبة العيد، ولكن يبدل التكبيرات الاستغفار.
وقيل: يقدم الخطبة على الصلاة، ثم يبالغ في الدعاء في الخطبة الثانية، ويستقبل القبلة فيها، ويحول وداءه تفاؤلا بتحويل حال، فيجعل ما ي لي ظهره إلى السماء، وما على اليمين على اليسار، ولا ينكسه فيجعل أعلاه أسفله.
[تم كتاب الصلاة والحمد لله حق حمده، والصلاة على سيدنا محمد وآله].
[ ١ / ١٧٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد]