وفيه أحد عشر بابا:
الباب الأول: في أحكام المياه وأقسامها
قال الله (تبارك) وتعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾. وقال تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾. فالمطهر للحدث والخبث هو الماء (وحده) من بين سائر المائعات. ثم المياه ثلاثة أقسام:
الأول: المطلق، الباقي على أوصاف خلقته من غير مخالط له، فهو طهور، ومنه ماء البحر وماء البئر، وكل ماء نبع من الأرض أو نزل من السماء على أي صفة كان من أصل
[ ١ / ٧ ]
الخلقة. ويلحق بهذا القسم المتغير بطول المكث، وبالتراب أو الزرنيخ لجريه عليهما، وبالطحلب، وكل ما كان من قراره أو متولدا عنه، أو لا ينفك عنه غالبا.
القسم الثاني: ما خالطه ما لم يغير أحدا أوصافه، فهو باق على حكمه في الطهورية. وأطلق ابن القاسم القول بترك استعمال القليل المخالط بالنجاسة وإن (كان) لم يتغير، والعدول إلى التيمم. وقال أيضا: إن توضأ به وصلى، أعاد ما دام في الوقت. فحمل قوله بالترك على الكراهية لتقييده الإعادة بالوقت، وحمل على التنجيس لإطلاقه القول بترك استعماله والعدول إلى التيمم. ورواية المدنيين أنه طهور، لكن كرهوه للخلاف فيه.
وقيل: هو مشكوك فيه، فيجمع بنيه وبين التيمم. ثم اختلف في (البداية) بالوضوء (به) قبل التيمم، أو بالتيمم [قبل الوضوء] على قولين:
أحدهما: أنه يتوضأ به ثم يتمم ويصلي صلاة واحدة، إذ الماء طهور والتيمم مراعاة للخلاف.
والثاني: أنه يتيمم ويصلي، ثم يتوضأ (به) ويصلي، لئلا يلقي الأعضاء بذلك الماء، وهذا قول من قوي عنده تنجيسه، لكن أمرا بالوضوء به مراعاة للخلاف.
فرع: فإن أحدث بعد وليس إلا ذلك الماء، فإنه يتوضأ به ويتيمم ويصلي صلاة واحدة على القولين جميعا، لأن ملاقاة الأعضاء قد حصلت، قال ذلك أبو الحسن اللخمي وغيره.
ووقع للشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القابسي في القليل إذا
[ ١ / ٨ ]
خالطه طاهر أنه يسلبه التطهير وإن لم يغيره.
فرع: الماء المستعمل في طهارة الحدث طاهر مطهر إذا كان الاستعمال لم يغيره، لكنه مكروه مع وجود غيره مراعاة للخلاف. وقال أصبغ: طاهر غير مطهر، ونزله القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الباجي على قول الشيخ أبي الحسن. وقيل: إنه طاهر مشكوك في تطهيره فيتوضأ به ويتيمم ويصلي صلاة واحدة.
القسم الثالث: ما خرج عن وصف خلقته لمخالط غير أحد أوصافه، لونه أو طعمه أو (ريحه)، مما ينفك عنه غالبا وليس بقرار له، ولا متولد عنه، فيسلبه ما خالفه فيه من أصل الطاهرة أو صف الطهورية.
ولم يعتبر عبد الملك بن الماجشون تغير الريح. قال الشيخ أبو الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التتوخي: " ورأى بعض أشياخي أن هذا القول منزل على التغير.
[ ١ / ٩ ]
بالمجاورة لا بالحلول.
فرعان:
الأول: المتغير بالتراب المطروح قصدا، فيه قولان:
المشهور أنه طهور، إلحاقا للطارئ بالأصلي. ورأى في الشاذ عدم الانفكاك وتعذر الاحتراز في الأصلي قاطعا للإلحاق.
وفي تنزيل الملح منزلة التراب أو الأطعمة قولان للشيخين، أبي محمد عبد الله بن أبي زيد، وأبي الحسن. وفرق ثالث، فجعل المعدني كالتراب، والمصنوع كالطعام.
الفرع الثاني: إذا كان عدم الانفكاك عن مخالط (ما) تختص ببعض المياه، فهل يؤثر فيما يختص به لأنه لا يعم أو لا يؤثر إذ لا ينفك الماء عنه؟ في ذلك قولان.
الباب الثاني: في أحكام النجاسات
وفيه فصول:
الفصل الأول: في تمييز الأعيان الطاهرة عن النجسة
والجمادات كلها على الطهارة إلا الخمر، وفي [معناها] كل نبيذ مسكر. ونعني بالجماد ما ليس (بذي) روح، ولا منفصل من ذي روح.
والحيوانات كلها على الطهارة، وأطلق ابن (الماجشون) وسحنون على الكلب لفظ التنجيس. قال الشيخ أبو الطاهر: " ويحتمل هذا القول البقاء على ظاهره، فيكون نجس العين
[ ١ / ١٠ ]
كما قاله المخالف، أو يكون المراد به أنه مما يستعمل النجاسات، فينجس سؤره لا عينه ".
والميتات كلها على النجاسة إلا دواب البحر، وما (ليس له نفس) له سائلة من دواب البر، وكذا الآدمي على أحد القولين.
وكذلك دود الطعام طاهر ولا يحرم أكله مع الطعام، وكل ما ليس له نفس سائلة لا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه من ماء أو مائع.
أما أجزاء الحيوان، فاللحم حكمه ما تقدم، والعظم والقرن والظلف والسن كاللحم.
وقال ابن وهب: لا ينجس شيء منه بالموت.
وحكى الشيخ أبو الطاهر قولين في إلحاق أطراف القرون والأظلاف التي لا تحلها الحياة بأصولها أو بالشعور.
والشعور طاهرة من كل حيوان، وقيل: باستثناء شعر الخنزير. والأصواف والأوبار في معنى الشعور.
[ ١ / ١١ ]
فرعان:
الأول: حكم ناب الفيل، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
إلحاقه بالعظام، والحكم بطهارته، وهما على ما تقدم في أطراف القرون والأظلاف.
والقول الثالث: التفرقة بين أن يصلق فيكون طاهرا، أو لا يصلق فيكون نجسا.
الفرع الثاني: حكم الريش، وهو الطهارة في شبيه الشعر منه.
وأما ما فيه من شبيه العظم، (فما) حله الدم والرطوبة (من ذلك)، كالعظم، وما بعد فهو على القولين المتقدمين.
وأما الجلد فهو كاللحم أيضا، لكن أجازوا تذكية السباع لأخذ جلودها. قال الشيخ أبو الطاهر: " وهذا على القول بأنها مكروهة اللحم ".
قال: " وأيضا فإن الدباغ يعمل في جلد الميتة فينقله عن النجاسة، فقد صار الجلد أخف من اللحم ".
هذا حكم الأجزاء بعد الموت. فأما ما أبين منها في حال الحياة، فهو ميت إلا الشعور وما في معناها.
[و] أما الأجزاء المنفصلة عن باطن الحيوان، فهي قسمان:
الأول: كل مترشح ليس له مقر يستحيل فيه، كالدمع والعرق واللعاب وما في معنى ذلك، فهو طاهر من كل حيوان.
فرع: ما ذكرناه من طهارة اللعاب يقتضي طهارة أسآر جميع الحيوان، وقد انفرد سؤر الكلب بحكم أثبته له الحديث الصحيح، وهو غسل الإناء من ولوغه سبعا.
[ ١ / ١٢ ]
والنظر في سبب هذا الغسل وحكمه وما يتعلق به سوى ذلك ينحصر في ثمانية أحكام:
الأول: سببه هل هو الاستقذار والنهي عن مخالطته، أو التعبد؟ وظاهر إطلاق عبد الملك وسحنون يقتضي أنه النجاسة.
وإذا فرعنا على أن الغسل لغير النجاسة، فهل هو على الندب أو الوجوب؟ وهو الحكم الثاني، (و) فيه روايتان.
وكذلك في إلحاق الخنزير به، وهو الحكم الثالث، ويتخرجان على تحقيق العلة.
ويتخرج عليه أيضا، الخلاف في اختصاص ذلك بالمنهي عن اتخاذه، أو تعميمه في جنس الكلاب، وهو الرابع.
الخامس: أنه في الماء خاصة، في رواية ابن القاسم. وروى ابن وهب أن إناء الطعام بمنزلته في ذلك.
السادس: إراقة الماء والطعام، وفيه ثلاثة أقوال: إراقتهما، وترك الإراقة فيهما، وتخصيصها بالماء دون الطعام.
الحكم السابع: وفي غسل الإناء بالماء الذي ولغ فيه. وقد قال القزويني من علمائنا: لا أعلم لأصحابنا فيه نصا.
وحكى الشيخ أبو الطاهر عن بعض أشياخه: " أنه ذكر أن المذهب على قولين في ذلك، وهما خارجان على تحقيق العلة أيضا ".
[ ١ / ١٣ ]
الحكم الثامن: أنه يغسل لجماعة الكلاب سبعا، وللكلب الواحد إذا تكرر الفعل منه سبعا. وقيل: (يغسل) سبعا سبعا.
وسبب الخلاف: هل الألف واللام للجنس أو إشارة إلى الكلب الواحد، ويعتضد المشهور بأن الأسباب إذا تساوت موجباتها اكتفى فيها حبكم أحدها.
فرع مرتب: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المازري: " وحيث قلنا يغسل الإناء، فإنما ذلك عند إرادة الاستعمال، هذا مذهب الجمهور. قال: وذهب بعض المتأخرين إلى غسله وإن لم يرد استعماله ".
القسم الثاني: من الأجزاء المنفصلة عن باطن الحيوان ما له مقر يستحيل فيه، وهو نوعان:
الأول: ما يستحيل إلى فساد، فأصله على النجاسة إلا المسك وفارته، وذلك: كالدم، والمسفوح منه متفق على نجاسته، وغير المسفوح غير نجس، وفيه خلاف شاذ، تبعا للخلاف في جواز أكله، ودم الحوت كغيره من الدماء. وقال الشيخ أبو الحسن: هو طاهر.
وقال القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي: " لمالك فيه وفي دم الذباب والقراد قولان. قال: والصحيح أنه طاهر، لأنه لو كان دم السمك نجسا لشرعت ذكاته ".
وفي معنى الدم المسفوح القيح والصديد وما في معناهما. وكالبول والعذرة وهما نجسان من بين آدم. وقيل بتخصيص من لم يأكل الطعام من الآدميين بطهارة بوله. وقيل: ذلك في الذكر دون الأنثى. وطاهران من كل حيوان مباح الأكل، نجسان من كل محرم الأكل، مكروهان من المكروه أكله، وقيل: بل نجسان منه أيضا. وكالمذي وهو نجس بإجماع، وفي معناه الودي.
[ ١ / ١٤ ]
والمذهب أن المني نجس وأصله دم، وهو يمر في ممر البول، فاختلف في سبب التنجيس، هل هو رده إلى أصله، أو مروره في مجرى البول؟ وعلى تحقيقه يخرج حكم طهارة مني ما بوله طاهر من الحيوان.
النوع الثاني: ما يستحيل إلى صلاح، وذلك كالألبان والبيض.
فأما الألبان فإنها تتنوع إلى لبن الآدميات، وما يؤكل لحمه من الحيوانات، ولا خلاف في طهارته، وإلى لبن الخنزيرة، ولا خلاف في نجاسته، وإلى لبن سائر الحيوانات وفيه ثلاثة أقوال:
الأول: الطهارة قياسا على لبن بنات آدم.
الثاني: أنها تابعة للحومها، لأنها فضلاتها.
الثالث: أنها مكروهة من المحرم الأكل.
وأما البيض، فقال الشيخ أبو الطاهر: " هو في معنى الألبان، ولا تفصيل عندنا فيه لأنه من الطير وهو مباح، قال: ولا نريد بذلك ما يحكى من بيض الحشرات، لأنه من الخبائث ". قال: " ويأتي بيان حكمها على أصل المذهب في كتاب الذبائح ".
فروع:
الأول: استعمال الحيوان النجاسة، هل ينجس ما يكون منه؟ كعرق السكران والنصراني ولبن الجلالة ولبن المرأة إذا شربت الخمر، وبيض ما يأكل النجاسة أو يشربها.
حكى الشيخ أبو الطاهر عن المذهب في ذلك قولين، قال: " وهما جاريان في كل نجاسة تغيرت أعراضها، كرماد الميتة، وما تحجر في أواني الخمر، وما في معنى ذلك ".
وجعل مثار الخلاف النظر إلى الأصل وهو نجس، أو إلى الانتقال وقد تغيرت الأعراض.
وقال أبو محمد عبد الحق: " الصواب طهارة جميع الأعراق، إذ ليس العرق نفس ما
[ ١ / ١٥ ]
يؤكل ويشرب من النجاسة، قال: وعلى هذا حذاق أهل المذهب ". واختار طهارتها أيضا الإمام أبو عبد الله.
الفرع الثاني: ما عادته استعمال النجاسة في الغالب ولا يمكن الانفكاك عنه غالبا كالهر للحاجة إليه، وتلحق به الفأرة في تعذر الاحتراز منها، فلا أثر لشربه إلا أن تعلم نجاسة فمه عند الشرب، فيكون حكمه حكم ما حلته نجاسة.
الفرع الثالث: ما يمكن الاحتراز منه، كالطير (التي) تأكل النتن، فإن قطع بنجاسة أفواهها أو طهارتها، عمل عليه، وإن لم يقطع بإحداهما، ففي الحكم لها بالأصل أو بالغالب ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث فيحكم بالأصل في الطعام لحرمته، وبالغالب في الماء ليسارته.
الفرع الرابع: من غالب حاله استعمال النجاسة، كأهل الذمة وشاربي الخمر، فسؤره ملحق بسؤر ما عادته استعمالها.
وحكم ما لبس هؤلاء من الثياب أن لا يصلي فيها حتى تغسل، لان الغالب نجاستها.
فإما ثياب غيرهم، فإن كانوا غير مصلين، فحكمها حكم ثيابهم، إلا فيما كان على الرأس. وإن كانوا يصلون، صلى بثيابهم وإن لم تغسل، إلا ما كان يشد في الوسط، فإنه يغسل على الإطلاق، لقلة من يعرف الاستبراء من غير العلماء، وفي معناه، ما يحاذي الفرج من غير حائل.
[ ١ / ١٦ ]
الفصل الثاني: في إزالة النجاسة، والنظر في حكمها ومقصودها وكيفيتها
النظر الأول في حكمها: وقد اختلف المتأخرون من العراقيين وأهل المغرب في تقرير المذهب، فالقاضيان أبو الحسن علي بن عمر بن القصار، وأبو محمد عبد الوهاب في تلقينه، يريان أن المذهب كله على وجوب الإزالة، وإنما الخلاف في إعادة من صلى بنجاسة خلاف في كون إزالتها شرطا في صحة الصلاة أم لا؟ وغير هذين والقاضي أبو محمد أيضا في شرح الرسالة، يقولون: المذهب كله على أن الإزالة سنة، وإنما الخلاف في الإعادة خلاف في إعادة تارك السنن متعمدا.
وأبو الحسن اللخمي وغيره من متأخري المغاربة، يرون أن المذهب على ثلاثة أقوال:
وجوب الإزالة مطلقا، وهو مقتضى رواية ابن وهب، إذ فيها الإعادة، وإن خرج الوقت، عمدا، صلى بها، أو نسيانا.
ونفي الوجوب مطلقا، نو هو مقتضى قول أشهب، لأنه استحب الإعادة في الوقت، عمدا، صلى بها، أو نسيانا.
[ ١ / ١٧ ]
والوجوب مع الذكر والقدرة دون النسيان والعجز، وهو مقتضى الكتاب؛ لأنه أوجب الإعادة على غير المعذور وإن خرج الوقت، وأمر بها المعذور في الوقت خاصة.
وقال الإمام أبو عبد الله: " اضطرب الحذاق من أهل المذهب في العابة عن ذلك، فالجاري على ألسنتهم في المذاكرات والإطلاقات أن المذهب على قولين:
أحدهما: أن غسل النجاسة فرض.
والآخر: أنه سنة، إطلاقا لهذا القول من غير تقييد، ثم قال ومن أشياخي من يعبر عن هذا، فيقول، المذهب على ثلاثة أقوال: وأشار إلى ما تقدم عن أبي الحسن اللخمي ".
النظر الثاني: في مقصودها، وهو إذهاب العين والأثر، لكن خفف الشرع عن المكلف فعفا عنهما في بعض [أقسامها]، وعن بعض العين في قسم آخر، وعن الأثر دون العين في ثالث، فلا جرم انقسمت النجاسة في حكم الإزالة أربعة أقسام:
القسم الأول: يعفى عن قليله وكثيره ولا تجب إزالته إلا أن يتفاحش جدا، فيؤمر بها.
وهذا القسم هو كل نجاسة لا يمكن الاحتراز عنها، أو يمكن بمشقة كبرى، كالجرح يمصل، والدمل يسيل، والمرأة ترضع، والأحداث تستنكح، والغازي يفتقر إلى إمساك فرسه، وخص مالك هذا ببلد الحرب، وترجح في بلد
الإسلام.
القسم الثاني: يعفى عن اليسير منه إذا رآه في الصلاة، ويؤمر بغسله قبل الدخول فيها.
وقيل: لا يؤمر بذلك، وهو الدم، وهل يلحق به، في العفو قليل القيح وقليل الصديد؟ أو يلحقان بقليل البول؟ في ذلك قولان.
فرعان الأول: أن الدماء (كلها في ذلك سواء)، ودم الحيضة ودم الميتة كغيرهما على المشهور.
وقال ابن وهب وابن الماجشون: أن يسير دم الحيض وكثيره سواء، ورواه ابن وهب وابن أشرس. وقال ابن وهب أيضا: لا يعفى عن قليل دم الميتة، كدم الحيض.
[ ١ / ١٨ ]
الفرع الثاني: حيث قلنا بالعفو عن اليسير، فما حده؟
قال أبو بكر بن س ابق: لا خلاف عندنا أن ما فوق الدرهم كثير، وأن ما دون الدرهم قليل. وحكى في قدر الدرهم روايتين لعلي بن زياد، وابن حبيب، بالقلة والكثرة.
وحكى الشيخ أبو الطاهر أن اليسير هو مقدار الخنصر، وأن الخلاف فيما بين الدرهم إلى الخنصر.
القسم الثالث: يعفي عن أثره دون عينه، وهو الإحداث على المخرجين، والدم على السيف الصقيل، وفي معنى ذلك الخف يمشي به على أبوال الدواب وأرواثها، وفيه قول: أنه يغسل، كما لو مشى به على الدم والعذرة.
فروع أربعة:
الأول: لو مشى ماسح خفه على نجاسة ولا ماء معه، فليخلعه ويتيمم، لان التيمم بدل عن الوضوء، والنجاسة لا بدل لها.
الثاني: إلحاق النعل بالخف، فقال مالك: يدلكه ويصلي به. وقال ابن حبيب: لا يجزئه ذلك لخفة النزع. وقال القاضي أبو بكر: " والأول أصح ".
[ ١ / ١٩ ]
الثالث: الرجل يمشى بها على النجاسة، هل يجب غسلها لخفته أو تلحق بالنعل لتكرر ذلك؟ وفيه قولان أيضا. وقال القاضي أبو بكر: " إن كان عن عذر فهو كالخف ".
الرابع: إن المرأة لما كانت مأمورة بإطالة الذيل للستر كعادة العرب، جعل الشارع ما بعده مطهرا له كما جاء في الحديث. ولا خلاف في ذلك عندنا إذا كان جافا، ومعناه أنه بنشره لجفافه، فإن كان رطبا فلا بد من غسله كسائر النجاسات، وفيل: بل يطهره ما بعده لعموم الحديث.
وألحق الأصحاب بذلك من مشى برجل مبلولة على نجاسة، ثم على موضع جاف.
(وأما) طين المطر فمعفو عنه، قال الشيخ أبو محمد: ما لم تكن النجاسة غالبا أو عينها قائمة. قال الشيخ أبو الطاهر: " قال المتأخرون: ولو كانت كذلك وغلبت وافتقر إلى المشي، لم يجب غسله، قياسا على الأم ترضع ".
القسم الرابع: ما عدا ما ذكرناه، وهذا القسم يزال كثيره وقليله، وعينه وأثره.
النظر الثالث: في كيفية إزالتها.
ولا يكفي مرور الماء على المحل، بل لا بد من إزالتها عنه بإذهاب العين والأثر. ويتم الغرض من الإحاطة بالمقصود برسم فروع.
الأول: لو بقي الطعم بعد زال الجرم في رأي العين، فالمحل نجس؛ لان بقاءه دليل على بقائه. وكذلك لو بقي اللون أو الريح، وقلعه متيسر بالماء، فإن تعسر قلعه عفي عنه، وكان المحل طاهرا.
الفرع الثاني: إذا انفصلت الغسالة عن المحل متغيرة، فهي نجسة وهو نجس، وإن انفصلت غير متغيرة فهما طاهران.
الثالث: أنه لا يشترط الاستقصاء في إزالة الغسالة عن محل النجاسة بعد انفصال الماء
[ ١ / ٢٠ ]
غير متغير بل يطهر وإن لم يعصر الثوب، ولا استقصي في إزالة الرطوبة عن الإناء، لأن المنفصل من الماء عن المحل جزء من المتصل، والمنفصل طاهر، فالمتصل مثله، فيستوي انفصال الكل والبعض.
الرابع: إن إزالة جرم النجاسة عن المحل بغير الماء لا يطهره، بل يبقي حكم النجاسة.
الخامس: إذا تدمى فمه فمجه بريقه حتى ذهب، ففي افتقاره إلى غسله أو طهارته بريقه، قولان لعلمائنا، حكاهما القاضي أبو بكر، ثم قال: " والصحيح طهارته بالماء، وإن كان كثيرا، وإن كان يسيرا عفي عنه، ولا يطهر الريق بحال ".
السادس: قال القاضي أبو بكر: " إذا مسح الجسم الصقيل من النجاسة كالصارم والمدية ونحوه، فإن مسحه يجزي عن غسله لأنه يفسده، وقيل: لأنه (لا يبقى من النجاسة فيه) شيء ".
فأما لو مسح موضع النجاسة من البدن أو الثوب مسحا بالغا فلم يبق منها شيء، يعني في رأي العين، فقال القاضي أبو بكر: " اختلف المتأخرون فيه، هل يلزم غسله أم لا؟ ثم قال: والصحيح وجوب الغسل لأنه لا بد من بقاء جزء منها (ملتصق) بالمحل وإن خفي ".
واعلم أن مفهوم هذا التعليل يشير إلى أنه لو تحقق زوال جميع أجزائها لطهر المحل، وإن لم يستعمل فيه الماء. وهذا إنما يستمر مع البناء على تعليل المسألة السالفة بالعلة الثانية، فإما على العلة الأولى، والمشهور الاعتماد عليها، فلا يطهر المحل بحال.
وأما لو مسح موضع المحاجم ولم يغسله، فيعيد إن صلى ما دام في الوقت. وقال ابن حبيب: لا إعادة عليه. قال القاضي أبو بكر: " والصحيح أنه لا إعادة عليه، لأن ما بقي في محل المحجمة دم يسير في حد المعفو عنه، قال: والفرق بين هذا وبين ما تقدم، أن هذا الدم الباقي من نفس المحل دعت الحاجة إليه، والأول طرأ عليه من غير حاجة، فتضادا فافترقا.
فرع: هذا حكم تحقق النجاسة وتحقق إصابتها للثوب أو (للجسد)، ويختص
[ ١ / ٢١ ]
بمحل الإصابة إن تميز له، فإن لم يميزه كان الحكم عاما في جميع الثوب والجسد، كما لو أصابت جميعه.
فإن تحققها وشك في إصابتها للثوب فتطهيره النضح. وإن تحقق الإصابة وشك في النجاسة، فقولان. وإن شك فيهما فلا نضح.
ثم حيث قلنا: ينضح، ففي افتقاره إلى نية قولان للمتأخرين، مأخذهما النظر إلى كونه تعبدا، إذ هو تكثير للنجاسة لا إزالة لها، أو النظر إلى كونه تطهيرا عنها.
وحكم الجسد في النضح حكم الثوب في ظاهر المذهب. وقال بعض المتأخرين: يغسل، بخلاف الثوب، واستقرأه من المدونة.
فرع مرتب: لو صلى من أمرناه بالنضح دون أن ينضح، فقال ابن القاسم وسحنون وعيسى بن دينار: يعيد الصلاة لأنه تارك فرض الطهارة، فلزمه إعادة الصلاة كالغسل.
وقال أشهب وابن نافع وابن الماجشون: لا إعادة عليه، وعلله القاضي أبو محمد بأن النضح مستحب.
وقال القاضي أبو بكر: " وهذا ساقط بل النضح واجب، وإنما فيه نكتة بديعة، وذلك أن الغسل شرع لإزالة النجاسة لأجل الصلاة مع ضرب من التعبد، والنضح تعبد محض لا إزالة فيه، فتركه ترك فرض لا يؤثر في الصلاة ".
وقال ابن حبيب: يعيد أبدا في العمد والجهل، إلا إنه لم ير ذلك فيمن احتلم في ثوبه فلم ينضح ما لم يره، لخفه النضح عنده في ذلك. قال بعض المتأخرين: ولم يقل أحد من الأصحاب بالإعادة مع النسيان.
[ ١ / ٢٢ ]
الفصل الثالث: في حكم النجاسة تطرأ على الماء كيف تزال
أما إن غيرته، فيزال جميعه. فإن أقام حتى زال تغيره، فقولان:
أحدهما: أنه كالبول مثلا، فلا ينتقل حكمه.
الثاني: أنه يرجع إلى أصله. قال الشيخ أبو الطاهر: " وهما على الخلاف في النجاسة إذا تغيرت أعراضها، كدماء الميتة وعرق السكران، وشبه ذلك ".
ثم إذا أزيل جميعه كما قلنا، فإن كان له مادة كالآبار، فالاعتبار بأن يخلفه غير متغير، وإن لم تكن له مادة أزيل الجميع ما دام متغيرا، فإن أزيل بعضه فزال التغيير بإزالته ففي طهارته قولان، وهما على ما تقدم، إذا تغير ثم عاد إلى الأصل. وأما إن لم يتغير الماء، فيجري على الخلاف المتقدم، إلا أنه يؤمر بأن ينزح من البئر (التي) تموت فيها الدابة، وإن لم يتغير بحسب كبر الدابة وصغرها، (وكثرة الماء وقلته). قال المتأخرون: وذلك توق واستحباب.
وأما ما تغير من الآبار، فلا بد من نزحه إجماعا، حتى يزول التغير. وقال الشيخ أبو بكر محمد بن صالح الأبهري: أصحاب مالك يفرقون بين ما وقع في الماء فمات، وبين ما وقع ميتا.
قال: فما فاضت روحه في الماء يأمرون بنزحه لجواز أن ينفصل منه شيء، أو يخرج مع الروح شيء من ريقها.
وأما ما وقع فيه ميتا وأخرج من غير تغيير الماء، لم يضره. والواجب أن الماء طاهر حتى يتغير من النجاسة.
قال أبو بكر بن سابق: والذي قاله الأبهري صحيح.
[ ١ / ٢٣ ]
الباب الثالث: في الاجتهاد بين الطاهر والنجس
ومهما اشتبه (إناء نجس بإناء طاهر)، قال العلماء: ويتصور ذلك على القول بأن ما لم يتغير لا ينجس، بأن يتغير الماء بالقرار ثم تطرأ عليه نجاسة كثيرة مما تغيره ولا يظهر التغير، أو تكون الأواني متغيرة تغيرا واحدا بعضها بشيء طاهر، لم يسلبه التطهير وبعضها بشيء نجس.
وإذا تقول ذلك، فقال سحنون: " يتيمم ويتركها، وقال ابن الماجشون وسحنون في قول له آخر: يتوضأ بأحدها ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر ويصلي، حتى يفرغ جميعها، وبه قال محمد بن مسلمة، وزاد: ويغسل أعضاءه من الإناء الآخر قبل أن يتوضأ به ". قال الأصحاب: وهو الأشبه بقول مالك، واختاره القاضي أبو محمد، (وقال به) القاضي أبو الحسن إذا قلت الأواني: وقال محمد بن المواز ومحمد بن سحنون: يتحرى أحدهما فيتوضأ به ويصلي، ويجزيه كما يتحرى بالقبلة. وقال به القاضي أبو الحسن إذا كثرت الأواني، قالا: ولا يجوز له أخذ أحد الأواني إلا بالاجتهاد وطلب علامة تغلب على الظن الطهارة، ثم من شرط الاجتهاد أن يعجز عن الوصول إلى اليقين، فإن كان معه ماء يتقين طهارته أو كان على شط نهر امنتع الاجتهاد.
[ ١ / ٢٤ ]
فروع:
الأول: لو صلى بماء غلب على ظنه أنه طاهر، ثم تغير اجتهاده واختلف اعتقاده، فإن كان على اليقين بخطئه في اجتهاده الأول، غسل ما أصابه منه وأعاد الصلاة. وإن تغير إلى الظن بذلك، فيتخرج على القولين في نقض الظن بالظن، كالمصلي إلى القبلة باجتهاده، ثم غلب على ظنه أنه أخطأ.
الفرع الثاني: وهو مرتب على قول محمد بن مسلمة:
لو كان معه إناءان فتوضأ بهما وصلى على ما تقدم، ثم حضرت صلاة ثانية، فإن كانت طهارته باقية وهو يعلم الإناء الذي توضأ به ثانيا، صلى بالطهارة التي هو عليها، ثم غسل أعضاءه من الإناء الذي توضأ به أولا، ثم توضأ به وصلى. وإن لم يكن على طهارة، أو كان عليها ولم يعلم الإناء الذي توضأ به آخرا، توضأ بالإناءين كما فعل أولا.
الفرع الثالث: إذا اشتبهت الأواني على رجلين، فتحرى كل واحد منهما غير ما تحراه غيره، فقال الإمام أبو عبد الله: " لا يصلي أحدهما مؤتما بصاحبه في الصلاة التي تطهر لها بالماء الذي خالفه فيه، لاعتقاده أنه مخطئ.
قال: وكذلك لو كثرت الأواني وكثر المجتهدون واختلفوا، فكل من ائتم منهم بمن يعتقد أنه تطهر بالماء النجس، فلا تصح صلاته لما قدمناه ".
الفرع الرابع: حيث قلنا بالاجتهاد بين المائين، فهل يجتهد بين الماء والبول؟ قال الأستاذ أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي: يجوز التحري بينهما، قال: هكذا خرجه القاضي أبو محمد على قول ابن المواز. وقال القاضي أبو بكر أيضا: " وهو الذي تقتضيه أصولنا، ثم قال: وبه أقول ".
[ ١ / ٢٥ ]
الباب الرابع: في الأواني
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: (في) المتخذ من الجلود
واستعماله جائز، بشرط أن يكون الجلد طاهرا، وطهارته بالذكاة فيما يؤكل لحمه، وفي تطهيرها لجلد ما لا يؤكل لحمه خلاف. وبالدباغ في الجميع، إلا جلد الخنزير.
وكيفية الدباغ نزع الفضلات بالأشياء المعتادة في ذلك. قال ابن نافع: ولا يكفي التشميس.
ثم الجلد طاهر ظاهره وباطنه، وجائز بيعه على إحدى الروايتين، وبها قال ابن وهب.
والأخرى وهي المشهورة من المذهب، أنه طاهر طهارة مخصوصة يجوز بها استعماله في اليابسات، وفي الماء وحده من بين سائر المائعات، ولا يجوز بيعه ولا الصلاة فيه ولا عليه.
الفصل الثاني: في المتخذ من العظام
ويشترط أن يكون العظم طاهرا أيضا، وقد تقدم حكمه في الطهارة والنجاسة.
الفصل الثالث: في أواني الذهب والفضة
وهي محرمة الاستعمال على الرجال والنساء؛ للحديث الصحيح. (قال) القاضي أبو الوليد: " ووجه تحريمه ما فيه من السرف والتشبه بالأعاجم ".
[ ١ / ٢٦ ]
وأما اتخاذها من غير استعمال، فقال الشيخ أبو القاسم بن الجلاب: " اقتناؤها محرم. وقال القاضي أبو محمد: " لا يجوز اتخاذها ".
وقال القاضي أبو الوليد: " لو لم يجز اتخاذها لوجب فسخ بيعها، وقد أجازه في غير مسألة من المدونة، (قال) أبو بكر بن سابق: هذا غير صحيح، لأن ملكها يجوز إجماعا، بخلاف اتخاذها، قال: وإنما نتصور فائدة الخلاف بأنا لا نجيز الاستئجار على عملها، ولا نوجب الضمان على من أفسدها إذا لم يتلف من عينها شيئا، والمخالف يجيز الاستئجار ويوجب الضمان ".
ثم اختلف المتِأخرون في إلحاق غير الذهب والفضة من الجواهر النفيسة بهما، فقال القاضي أبو الوليد: " لا يتعدى التحريم إلى الياقوت والفيروزج وشبه ذلك بمجرد نفاستها "، يريد لأن أحد وصفي العلة لا يستقل بإفادة حكمها على ما تقدم. وقال القاضي أبو بكر: " ما يصنع من الياقوت واللؤلؤ والمرجان أولى بالتحريم في الاستعمال من أواني الذهب والورق، وقال ابن سابق: المتخذة من الياقوت والبلور. والحكم الظاهر أنها جائزة، وإنما تكره للسرف ".
فرعان:
الأول: لو عمل الآنية من ذهب وغشاها برصاص أو غيره مما يجوز اتخاذ الآنية منه، أو اتخذها من ذلك وموهها بالذهب، فحكى ابن سابق في ذلك قولين، ونزلهما على الخلاف في تحقيق العلة، هل هي الزينة والفخر أو عين الذهب؟.
الفرع الثاني: إذا وصلت الآنية بذهب أو (فضة) في شعب أو تضبيب، فقال
[ ١ / ٢٧ ]
قسم المقاصد
القاضي أبو بكر: " لا يمنع ذلك من استعمالها، قال: لأنه تبع فلا يجري عليه حكم المقصود ".
وقال القاضي أبو الوليد: " واستعمال آنية فيها تضبيب بذهب أو فضة ممنوع.
وفي العتبية: (قال مالك: لا يعجبني أن يشرب فيه إذا كانت فيه حلقة فضة أو تضبيب شعبه بها. وكذلك المرآة تكون فيها الحلقة من الفضة لا يعجبني أن ينظر فيها الوجه) ".
هذا تمام قسم المقدمات، أما قسم المقاصد ففيه سبعة أبواب.
الباب الأول: في فروض الوضوء وسننه وفضائله
أما فروضه فهي ستة:
الأول: النية، وحقيقتها القصد إلى الفعل، والعزيمة عليه. والغرض بها تخصيصه ببعض أحكامه وأوصافه، وهي شرط في كل طهارة عن حدث، ولا تجب في إزالة النجاسة.
ولا يصح وضوء الكافر ولا غسله إذا لم يكن اعتقد الإسلام بقلبه قبل الغسل؛ إذ لا عبرة بنيته، وتستثنى من ذلك الذمية تحت المسلم، فإنها تجبر على الغسل (عن) الحيض لحق الزوج، وعلى النص. وقال محمد بن عبد الحكم: لا تجبر، لأنه لا نية هلا، ورواه أشهب.
فرع: لو رفض النية بعد كمال الطهارة، ففي نقضها بذلك روايتان، منشؤهما أنها كجزء من أجزاء الوضوء فيجب استصحابها، أو المقصود بها تصحيح الفعل وقد حصل.
[ ١ / ٢٨ ]
ثم وقت النية، هل هو أول واجبات الوضوء لتقارن ما تجب له، أو أول أفعاله؛ إذ يؤمر بالقصد إلى السنة أيضا؟ في ذلك قولان. ثم لا يضر اختلاس النية بعد الإتيان بها في محلها.
وكيفيتها: أن ينوي [بها] رفع الحدث أو استباحة الصلاة، أو ما لا يستباح إلا بالطهارة أو أداء فرض الوضوء.
فإن نوى رفع بعض الحدث ناسيا لغيره أجزأه، إلا في الحائض الجنب تقتصر على نية الجنابة، فإن فيها قولين، لاختلاف الممنوعات. فإن نوت الحيض خاصة، فالمنصوص الإجزاء، لأن ممنوعاته أعم. وخرج القاضي أبو الوليد نفي الإجراء على القول بأن الجنابة تمنع القراءة ظاهرا دون الحيض.
فأما لو نوى رفع بعض الحدث دون بعض حتى يكون ناويا عدم حصول الباقي، لفسدت نيته.
فإن قصد استباحة صلاة بعينها خاصة دون غيرها، كما في الحدث، فقيل: يستبيح به ما نواه وما لم ينوه، وقيل: يستبيح ما نواه خاصة نو هما على الخلاف في إبطال الرفض وتصحيحه، وقيل: تفسد نيته للتضاد.
ورأى الشيخ أبو الطاهر تنزيل القولين الأولين على تقدم الاستباحة، وتنزيل الثالث على المقارنة.
ولو نوى ما يستحب له الوضوء، كقراءة القرآن للمحدث من غير مس مصحف، فقولان، المشهور أن حدثه لا يرتفع.
ولو شك في الحدث، وقلنا: لا يجب عليه استئناف الوضوء بالشك على إحدى الروايتين.
[ ١ / ٢٩ ]
أو كان شكه غير مقتض للوضوء كالتردد من غير استناد إلى سبب مع تقدم (يقين) الطهارة، فتوضأ احتياطا، ثم تبين له يقين الحدث، ففي وجوب الإعادة قولان للتردد في النية. وكذلك لو توضأ مجددا ثم تبين له الحدث. فقال أشهب: يجزئه، وفي كتاب ابن سحنون لا يجزئه.
ولو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرد لم يضره. ولو نوى غسل الجنابة وغسل الجمعة معا، فالإجزاء في الكتاب.
وقال الشيخ أبو القاسم: " بنفي الإجزاء فيهما لاختلاف السببين وتنافي القصدين ".
ورأى في الكتاب أن الاستحباب زائد على الوجوب فلا تنافي بينهما، ولا بين رفع الحدث وتطييب الرائحة.
ولو اغتسل للجنابة ناسيا للجمعة، فروى عيسى عن ابن القاسم: " أنه لبا يجزئه عن غسل الجمعة ". قال القاضي أبو محمد: وزعم ابن حبيب أن ذلك إجماع من مالك وأصحابه، ثم قال: وقال ابن القاسم في العتبية: " إن غسل الجنابة ينوب عن غسل الجمعة إذا كان عند الرواح "، ثم قال: ولا يجوز أن يحمل على ما إذا نوى به الجمعة؛ لأنه إذا نواه لم يكن الغسل مضافا إلى الجنابة وحدها.
ولو اغتسل للجمعة ناسيا للجنابة، فروى ابن القاسم أنه لا يجزئه أيضا، وبه قال ابن عبد الحكم وأصبغ. وروى مطرف وابن الماجشون وابن كنانة وابن نافع وابن وهب وأشهب: أنه يجزئه، وأفتوا به ".
ولو أغفل المتوضئ لمعة من الكرة الأولى، فانغسلت في الكرة الثانية على قصد الفضيلة، ففي ارتفاع الحدث بذلك قولان.
[ ١ / ٣٠ ]
ولو فرق النية على أعضاء الوضوء، ففي الإجزاء قولان بناهما الشيخ أبو الطاهر على الخلاف في أن الحدث هل يرتفع عن كل عضو بالفراغ من تطهيره أو بإكمال طهارة جميع الأعضاء؟ قال: " وعلى هذا الأصل ينبني أيضا خلاف الشيخين أبي محمد وأبي الحسن فيمن أحدث حدثا أصغر في أضعاف طهارته الكبرى، ثم أمر يديه على أعضاء الوضوء، هل يفتقر في إمرارهما إلى تجديد نية أم لا؟ "، قال: وينبني عليه أيضا الخلاف فيمن غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف، هل يمسح عليهما أم لا؟ وسيرد كلام القاضي أبي بكر في هذ هـ المسألة، وإنكاره لهذا الأصل، وتخريج الخلاف فيها على غيره إن شاء الله ".
الفرض الثاني: استيعاب غسل جميع الوجه.
وحقيقة الغسل: نقل الماء إلى العضو مع الدلك، وحد الوجه طولا من منابت الشعر المعتاد إلى منتهى الذقن، وعرضا من الأذن إلى الأذن، وقيل: من العذار إلى العذار، وقيل: إن كان نقي الخد فكالأول، [كان] اكتسى الشعر فكالثاني.
ومنشأ الخلاف التنازع في المواجهة هل تتناول ما اختلف فيه أم لا؟ وانفرد القاضي أبو محمد بقول رابع، فجعل غسل ما بين الأذن والعذار سنة.
ولا تدخل النزعتان، ولا موضع الصلع في التحديد.
وموضع الغمم من الوجه يجب عليه غسله.
ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعور الخفيفة التي تطهر البشرة منها بالتخليل، كالحاجبين والأهداب والشارب والعذارين وغيرهما، ولا يجب ذلك فيما إذا كانت كثيفة، وقيل: يجب.
[ ١ / ٣١ ]
وظاهر المذهب: وجوب غسل ما طال من اللحية، وقيل: إنه غير واجب، وسبب الخلاف تشبيه بمباديه أو بما يحاذيه، وهو سبب الخلاف أيضا في مسح ما طال من شعر الرأس.
الفرض الثالث: غسل اليدين مع المرفقين، وقيل: إليهما دونهما، فلو قطع من الساعد غسل الباقي، ولو قطع من المرفق لم يجب عليه شيء، لأن القطع أتى على جميع الذراع، والمرافق في الذراع، إلا أن يكون بقي شيء من المرفق في العضد، يعرف ذلك الناس وتعرفه العرب، فيغسل وفي تخليل أصابع اليدين قولان بالوجوب والندب.
وفي وجوب إجالة الخاتم ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث فيوجبها في الضيق دون الواسع.
الفرض الرابع: استيعاب مسح جميع الرأس من مبدأ منقطع الوجه على ما قلاه في المعتاد، وفي منتهاه خلاف. وقيل: إلى ما تحوزه الجمجمة، وقيل: إلى آخر منبت الشعر من القفا، فلو اقتصر بالمسح على بعضه لم يجزه، على النص.
واختلفت مذاهب الأصحاب في الإجزاء، فذهب محمد بن مسلمة إلى إجزاء الثلثين. وذهب القاضي أبو الفرج عمر بن محمد الليثي إلى إجزاء الثلث. وروي عن أشهب روايتان: إحداهما إجزاء الناصية.
والثانية مطلقة، قال: فإن لم يعم رأسه أجزأه ولم يقدر ما لا يضره تركه.
قال القاضي أبو محمد: " وهذه الأقاويل مذاهب لأصحابه لا أنها تخريج على مذهبه. قال: فأما مذهبه فهو الإيعاب كما تقدم ".
[ ١ / ٣٢ ]
ولا يستحب فيه التكرار، ولا الغسل، ويجزئ عن المسح إن فعل، وحكى سابق الصحة عن الشيخ أبي إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان، ثم قال: وقال غيره لا يصح، وكرهه آخرون.
الفرض الخامس: غسل الرجلين مع الكعبين، وقيل: إليهما دونهما، وهما الناتئان في الساقين.
وذكر القاضي أبو محمد عن مالك من رواية ابن القاسم وغيره: " أنهما اللذان عند معقد الشراك، ورأى الأول أصح في النظر ".
وفي حكم تخليل أصابعهما ثلاثة أقوال: الوجوب، والندب، والإنكار.
الفرض السادس: الموالاة، (وهي) أن يفعل الوضوء كله في فور واحد من غير تفريق متفاحش، فإن فرقه تفريقا يسيرا غير متفاحش فلا يفسد الوضوء سهوا ولا عندا. حكى القاضي أبو محمد أن المذهب لا يختلف في ذلك.
وإن كان التفريق متفاحشا، قال ابن وهب: يفسده في العمد والسهو. وحكى عن محمد بن عبد الحكم أنه لا يفسده في الوجهين، وذهب إليه بعض البغداديين.
[ ١ / ٣٣ ]
وفرق ابن القاسم فحكم بفساده في العمد دون النسيان، وروى عبد الملك بن الماجشون في الثمانية أن التفرقة في العمد والسهو سواء، في أنها تفسد الطهارة، إلا في الرأس وحده. وقيل: تفسد إذا كان الممسوح بدلا لا أصلا.
وقال القاضي أبو الحسن: " ومن أصحاب مالك من قال إن الموالاة مستحبة ".
وأما سننه، فست أيضا:
الأولى: أن يبدأ بغسل يديه قبل أن يدخلهما في إناء وضوئه، وهل ذلك على وجه النظافة أو العبادة؟ [فيه] قولان، ينبني عليهما فرعان.
أحدهما: هل يغسلهما مجموعتين أو متفرقتين؟ فالنظافة تناسب الجمع، والتعبد يقتضي الافتراق، وقد جاء في لفظ الحديث. ما يقتضي الخلاف في ذلك، وهو قوله: " غسل يديه مرتين ". وروي في بعض طرقه: " مرتين مرتين ".
الفرع الثاني: من شرع في طهارته بعد غسلهما ثم أحدث في أضعافها، فلا يعيد غسلهما في ظاهر رواية أشهب، ويعيده عند ابن القاسم.
السنة الثانية: المضمضة، وهي تطهير باطن الفم، وأما غسل ما يظهر من الشفتين فواجب، وصفتها أن يأخذ الماء بفيه فيخضخضه ثم يمجه.
قال أبو الحسن اللخمي: " وإن أدخل أصبعه ودلك بها أسنانه فحسن ".
الثالثة: الاستنشاق، وهو غسل باطن الأنف، وأما ما يبدو منه فهو من الوجه، وصفته أن
[ ١ / ٣٤ ]
يجتذب الماء بخياشيمه ويجعل إبهامه وسبابته على أنفه ثم ينثر النفس، ويبالغ في الاستنشاق ما لم يكن صائما.
فرعان:
الأول: في كيفيتهما: حكى ابن سابق في ذلك قولين:
أحدهما: يغرف غرفة واحدة لفيه وأنفه.
والثاني: يتمضمض ثلاثا من غرفة، ثم يستنشق ثلاثا من غرفة.
قال: وهذا اختيار مالك، والأول اختيار الشافعي، وكلاهما مروي في الحديث.
الفرع الثاني: لو توضأ وترك المضمضة والاستنشاق حتى صلى، فإن كان ناسيا لم يعد الصلاة، وإن كان عامدا ففي استحباب الإعادة له في الوقت قولان، ولا شك أنه يؤمر بإعادة ما ترك.
الرابعة: أن يمسح أذنيه بماء جديد لهما، ظاهرهما وباطنهما، ويدخل إصبعية في صماخيه ويمسح ظاهر أذنيه بإبهاميه.
فرع: قال أبو بكر بن سابق: اختلف المتأخرون في ظاهرهما على وجهين، فمنهم من قال: هو ما وقعت به المواجهة. وقال آخرون: هو ما يلي الرأس، قال: وهو الأطهر.
الخامسة: رد اليدين من مؤخر الرأس إلى مقدمه إن بدأ به.
السادسة: أن يرتب وضوءه فيبدأ بغسل يديه، ثم يتمضمض، ثم يستشف، ثم يغسل وجهه، ثم يده اليمنى، ثم يده اليسرى، ثم يمسح رأسه ثم أذنيه ثم يغسل رجله اليمنى، ثم رجله اليسرى.
[ ١ / ٣٥ ]
والمشهور أن الترتيب المذكور سنة، وهي رواية المصرتين، وروى علي بن زياد وجوبه، وقيل: إنه مستحب.
فروع ثلاثة:
الأول: إذا فرعنا على الوجوب مخالفة، فمقتضى ذلك أنه يتبدئ، وكذلك روى علي بن زياد، لكن حكى القاضي أبو الوليد خلافا في الترتيب، هل هو من شرط الصحة، وإن قيل بالوجوب، أم لا؟ فعلى هذا يختلف في الابتداء على قولين، وإن قلنا بالوجوب.
الفرع الثاني: إذا فرعنا على أنه سنة، فنكس متعمدا، فهل يساوي من نكس ناسيا؟ قولان:
أحدهما: أنه يعيد مع (العمد)، قريبا كان أو بعيدا.
والثاني: أنه كالناسي فلا يعيد، وهما على ما تقدم في تارك السنن متعمدا هل تجب عليه الإعادة أم لا؟ فأما على القول بالاستحباب فلا إعادة أصلا.
الفرع الثالث: مرتب على هذا، وهو إذا قلنا يتلافي، فكيف ذلك؟ أما إن كان بحضرة الماء فإنه يبتدئ ليسارة الأمر عليه. وأما إن بعد عن الماء حتى جف وضوءه، فقولان:
أحدهما: أنه يعيد ما نكسه لا غير.
والثاني: أنه يعيده وما بعده.
وأما فضائله، فأربع.
التسمية: وروى الواقدي: ليس ذلك مما يؤمر به، من شاء قال ذلك، ومن شاء لم يقله. وروى علي بن زياد إنكارها. والسواك بعود رطب أو يابس، والأخضر أحسن ما لم يكن صائما، فإن لم يجد عودا استاك بأصبعه.
وأن يبدأ بمقدم رأسه في المح؛ إذ المستحب في صفة مسحه أن يبدأ بيديه من مقدم رأسه إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي منه بدا، وإن كان الإيعاب مجزيا كيف ما حصل.
[ ١ / ٣٦ ]
فأما ما ذكر الشيخ أبو القاسم في تفريعه في صفة المسح من رفع الراحتين عن الفودين في الابتداء وإلصاقهما بهما في الانتهاء، وكذلك في الأصابع، فقال القاضي أبو محمد: " كان ﵀ يقول: إنما قلت ذلك لئلا يكون مكرا للمسح، وفضيلة التكرار مقصورة على الغسل دون المسح ".
قال القاضي أبو محمد: " وسألت القاضي أبا الحسن شيخنا ﵀ عن ذلك، فقال " هذا غير محفوظ عن مالك، ولا عن أحد من أصحابنا "، قال: " والاحتراز الذي ذكر أنه لأجله اختار هذا، لا معنى له؛ لأن التكرار الذي نمنعه ونقول: إن لا فضيلة فيه، هو أن يكون بماء جديد، فأما بماء واحد فلا يمنعه أصحابنا ". وأن يكرر المغسول ثلاثا، وتكره الزيادة على الثلاث.
ولو شك هل غسل ثلاثا أو اثنين اقتصر على ما فعل، بخلاف الشك في أصل الغسل، فإنه يعيد كل ما شك في غسله أو مسحه من جميع أفعال الوضوء، وليس المسح بالمنديل من الفضائل، ولكن لا بأس به ".
الباب الثاني: في الاستنجاء
وهو إزالة النجو، والنجو هو الحدث نفسه وتسميته بذلك تجوز واتساع، كتسميته بالغائط. وفيه فصول:
الفصل الأول: في آداب قضاء الحاجة
وهي أن يطلب الموضع البعيد الساتر، وأن يتقي الملاعن، وهي مواضع جلوس الناس وطرقاتهم، وظلال الجدر والشجر، وشاطئ النهر.
[ ١ / ٣٧ ]
وأن يتجنب البول في الحجر، وفي الماء الدائم. وأن يستعد ما يقلع الحدث.
ويقدم الذكر قبل الوصول إلى موضع الحدث، ويجوز له أيضا بعد وصوله أن كان موضعا غير معتاد للحدث، وإن كان معتادا له، فقولان في جوازه ومنعه، وهما جاريان أيضا في جواز الاستنجاء بالخاتم [مكتوب] فيه ذكر.
وأن يديم الستر حتى يدنو من الأرض إن أمن نجاسة ثوبه، وأن يبول جالسا إن كان المكان طاهرا، فإن كان نجسا رخوا فله أن يبول قائما، وإن كان نجسا صلبا تجنبه وعدل إلى غيره.
وأن يترك التشاغل بالحديث وإنشاد الشعر عند قضاء الحاجة، وأحرى أن لا تجوز القراءة.
وأن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها إذا كان الموضع عاريا من الساتر وبناءات المراحيض، وله أن يستقبل أو يستدبر إذا كان ذا ساتر مراحيض تلجئ إليه، وإن لم يكن ساترا، وفي جواز الاستقبال والاستدبار، مع وجود الساتر وإن لم تكن مراحيض ومنعهما، روايتان، سببهما: هل النهي لحرمة المصلين أو لحق القبلة؟
وهل يتنزل الوطء منزلة قضاء الحاجة أو يجوز مطلقا مستقبلا ومستدبرا؟ قولان،
[ ١ / ٣٨ ]
مثارهما: هل النهي للعورة فيستويان، أو الخارج فيفترقان؟ وحكى ابن سابق عن ابن حبيب: أنه لا يجوز في صحراء ولا بنيان.
الفصل الثاني: فيما يستنجي عنه
ويستنجي عن كل ما يخرج من المخرجين معتادا سوى الريح، ويجزي الاستجمار، فيما عدا المني، وكذلك المذي على المشهور، من جميع المعتاد.
قال الشيخ أبو بكر وغيره: ويجزي في النادر كالحصا والدم والدود، كما في الغائط؛ لأنه ليس بآكد منه.
وإذا فرعنا على منع إجزاء الاستجمار من المذي وهو المشهور، فهل يجزي فيه الاقتصار على غسل موضع الأذي؟ قولان:
رأى المغاربة وبعض البغداديين: أنه لا يجزي، بل يغسل جميعه. واجتزأ فيه الشيخ أبو بكر وابن المنتاب بغسل موضع الأذي خاصة؛ كالبول والودي، قال الشيخ أبو بكر: وما سمعت بغسل الذكر منه إلا من المغاربة.
التفريع: إن قلنا بغسل موضع الأذى خاصة، كما قال البغداديون، فلا تفريغ.
وإن قلنا لا بد من غسل جميعه كرأي المغاربة فقد اختلفوا، هل يفتقر إلى نية لغسله؛ إذ هو عبادة، لأنه تعدى محل موجبه أو لا يفتقر إلى إحضار نية عند غسله، لأن تعديه معلل بالقصد إلى قطع أصل المذي؟ قولان لأبي العباس الإبياني، والشيخ أبي محمد.
[ ١ / ٣٩ ]
الفصل الثالث: فيما يستنجى به
وهو الماء والأحجار على الجمع وعلى التفريق بحسب الاختيار. وقال ابن حبيب: " لا يقتصر على الأحجار إلا عند عدم الماء ".
ثم حيث جوزناه بالأحجار، فيقوم مقامها في الجواز على المشهور كل جامد طاهر منق ليس بمطعوم ولا ذي حرمة، فلا يجوز بالنجس ولا بالروث والزجاج الأملس والمطعوم. والعظم مطعوم.
فرع: لو استجمر بالنجس أو (بالعظم) أو (الروث) إذا صححنا ورود النهي عنهما أو بالحممة وصلى، ففي إعادة الصلاة في الوقت المختار خلاف.
والاحتراز بذي الحرمة من جدران المساجد والأوراق المكتوبة، ويلحق بذلك ما في الاستجمار به سرف كالجواهر النفيسة، ويجري هذا كله، على ما تقدم في المنهي عنه، وذلك إذا أنفى.
وقيل: يقتصر على الأحجار ولا يلحق بها غير ها سوى ما في معناها من الجواهر الأرضية، ما دامت من جنس الأرض.
فإن انتشرت الحدث عن المخرج فلا بد من الماء، إلا أن يقرب جدا بحيث لا ينفك عن الإصابة في العادة، فلا يطلب بغسله. وقيل: يؤمر به ولا يكفي الاجتزاء فيه بالحجر عن الماء، وإن كان من القرب كما ذكر.
الفصل الرابع: في كيفية الاستنجاء
والأولى فيه الجمع بين الماء والأحجار، فالأحجار لتخفيف العين عن الموضع، ثم الماء للإنقاء ولإزالة الأثر، فإن شاء الاقتصار على أحدهما، فالماء أفضل؛ لأنه يذهب العين والأثر.
والمستحب في صفة استعمال الماء أن يبدأ بغسل يده اليسرى قبل ملاقاة الأذى (بها)، ثم يغسل محل البول، ثم ينتقل إلى محل الغائط فيرسل الماء ويوالي الصب على يده غاسلا بها
[ ١ / ٤٠ ]
المحل، ويسترخي قليلا ليتمكن من الإنقاء، ويجيد العرك حتى ينقي وتزول اللزوجة، ولا يضره بقاء الرائحة بيده إذا أنقى.
وأما الأحجار فليستنج بثلاثة أحجار لكل مخرج، وليبدأ بمخرج البول، ولا يلزمه طلب الثلاثة إذا أنقى بدونها.
وقال القاضي أبو الفرج والشيخ أبو إسحاق: " يلزمه طلبها "، ثم حيث أمر بطلبها ففي الاجتزاء عنها بحجر له ثلاث شعب خلاف.
ولو لم يحصل الإنقاء بالثلاثة طلب الرابع والخامس حتى (يحصل)، ثم كيف ما حصل الإنقاء أجزأ.
لكن اختلف هل الأولى أن يمر كل حجر على جميع الموضع، أو يمر واحدا على الصفحة اليمنى وآخر على اليسرى والثالث على الوسط على طريقين للأصحاب.
فروع ثلاثة:
الأول: أنه ليس على من بال أن يقوم ويقعد ويزيد في التنحنح، ولكن ينتر ويستفرغ جهده على ما يرى أن حاله (يقتضيه) من إطالة أو اقتصار، (ويستبرئ) ذلك بالنفض والسلت الخفيف.
الفرع الثاني: لو ترك الاستنجاء والاستجمار وصلى، أعاد في الوقت. وروى ذلك محمد بن مسلمة في المبسوط. وقال أبو زيد عن ابن القاسم. وروى أشهب: أرجو أن لا تكون عليه إعادة. قال الشيخ أبو محمد: " أراه يريد إذا مسح أو كان يبعر ".
[ ١ / ٤١ ]
وأجرى أبو الحسن اللخمي فيه قولا بالإعادة أبدا على القول بأن إزالة النجاسة فرض.
الفرع الثالث: إذا عرق في الثوب بعد الاستجمار، فقال القاضي أبو الحسن " ينجس ".
وأبى ذلك القاضي أبو الوليد، (وعلل) " بأنه (مما) لا يمكن الاحتراز منه، وتلحق به المشقة كموضع النجو ".
الباب الثالث في موجبات الوضوء
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في بيانها.
ولا تنتقض الطهارة بالفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة وغيرها، ولا من أكل شيء، مسته النار أو لم تمسه، ولا من شرب شيء، وإنما تنتفض بأمرين: أحداث وأسباب.
القسم الأول: الأحداث، ونعني هبا ما ينقض الوضوء بنفسه، لا بما يؤدي إليه، وهي ما خرج من أحد السبيلين معتادا في جنسه وأوقاته، وذلك من القبل ثلاثة: البول والمذي والودي. ومن الدبر: الغائط والريح. قال الشيخ أبو الطاهر: " وزاد بعض أشياخي الصوت، قال: وما أظنه يكون بغير ريح ".
فإن فارق الخارج العادة في النجس، فكان غير معتاد، أعني غير هذه، فلا ينقض. ورأى محمد بن عبد الحكم أنه ينقض نظرا إلى المخرج.
وإن فارقها في الوقت فكان سلسا على وجه الاستنكاح لم ينقض، على المعروف من المذهب.
وقال الإمام أبو عبد الله: " وقد روي عن مالك ﵁ ما ظاهره ترك العذر
[ ١ / ٤٢ ]
[بالتكرار]، وإجراء ما تكرر من ذلك على الأصل، ولم يعذر فيه بالحرج والمشقة ".
وإذا فرعنا على المعروف، فللخارج أربعة أحوال.
أحدها: أن يلازم ولا يفارق، فها هنا لا يجب الوضوء؛ لأن وجوبه حرج، ولا يستحب، إذ لا فائدة والخارج يسيل مع الوضوء.
الحال الثاني: أن يلازم أكثر مما يفارق، فلا يجب الوضوء لسقوط الحرج، ويستحب ما لم يكن بردا وضرورة.
الحال الثالث: أن يتساوي لزومه ومفارقته، ففي الوجوب قولان، وهما خلاف في شهادة بوجود الحرج وعدمه.
الحال الرابع: أن تكون مفارقته أكثر، فمذهب الكتاب الإيجاب شهادة بفقد الحرج أو بقد ما يسقط العبادة. ومذهب العراقيين سقوط الوجوب تعويلا على أن الوجوب متعلق بالاعتياد، ولا قياس ها هنا، أو نظرا إلى وجود الحرج.
فرعان:
الأول: أن هذا الذي قلنا، إذا لم يقدر على معالجته، فإن قدر كالمذي يلازم لطول عزبة يقدر على رفعها نفقد اختلف فيه العراقيون على قولين، [أنه]: من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا؟
الفرع الثاني: حيث قلنا بإسقاط الوضوء، فهل يكون ذلك رخصة لمن نزل به لا يتعداه، أو سقوط ذلك يجعل الخارج كالعدم؟ فيه قولان، ينبني عليها جواز إمامته لغيره.
وكذلك الخلاف في إمامة من تنفصل [منه] نجاسة لا يقدر على الاحتراز منها، كمن به قروح.
ولو فارق في المحل خاصة، كما لو (خرج) المعتاد (على العادة) من غير المخرج، فللمتأخرين في نقض الطهارة (به) قولان، سببهما النظر إلى العادة والخارج، أو النظر إلى المخرج، فإن لم يخرج على العادة وخرج نادرا لم ينقض الوضوء.
[ ١ / ٤٣ ]
وقال أبو الحسن اللخمي في القيء يتصف بأحد أوصاف نواقض الطهارة: " أنه ينقض "، ورآه القياس، وعلل بأن الانتقاض للخارج لا للمخرج.
القسم الثاني: الأسباب، ونعني بها ما لا ينقض الوضوء بنفسه، ولكن بما يؤدي إليه. وهي ثلاثة أنواع.
الأول: زوال العقل بإغماء أو جنون أو سكر أو نوم، كل ذلك ينقض الطهارة مطلقا، إلا النوم ففيه تفصيل واختلاف، واختلفت طريقنا أبي الحسن اللخمي وأبي محمد عبد الحميد في تحرير المشهور من ذلك، فاعتبر أبو الحسن اللخمي زمانه وكيفيته، فقسمه، بحسب ذلك أربعة أقسام.
١ - " طويلا ثقيلا، يؤثر في نقض الوضوء بلا خلاف في المذهب ".
٢ - وقصيرا خفيفا لا يؤثر على المعروف منه.
٣ - وخفيفا طويلا يستحب منه الوضوء.
٤ - وثقيلا قصيرا في تأثيره في النقض قولان ".
وقال بعض المتأخرين: " القولان جاريان في الثالث أيضا ".
واعتبر أبو محمد عبد الحميد الهيئات، فقال: " إن كان النائم على هيئة يتهيأ منه الطول وخروج الحدث كالساجد، نقض. وإن كان بالعكس فيهما كالقائم والمحتبي لم يؤثر.
وقال: وإن انقسم الأمر فكان إمكان الطول مع عدم إمكان خروج الحدث غالبا، كالجالس مستندا أو عكسه كالراكع، ففي كل هيئة منها قولان، سببهما تعارض موجب ومسقط ".
[ ١ / ٤٤ ]
قال الشيخ أبو الطاهر: " وهذه الطريقة أشبه بمقتضى الروايات "، ثم قال: " ومقصود الجميع النظر إلى الغالب، فإن كان يمكن خروج الحدث ولا يشعر به، وجب الوضوء، وإن كان الأمر بالعكس لم يجب. وغن أشكل الأمر فهو بمنزلة من تيقن الطهارة ثم شك في خروج الحدث ".
النوع الثاني: لمس من توجد اللذة بلمسه في العادة إذا وجدها اللامس، وإن لم يقصدها، وكذلك [إذا] قصدها (وإن) لم يجدها على المنصوص.
واستقرأ بعض المتأخرين من مسألة الرفض أنه لا ينقض وتعقب بالفرق بمقارنة الفعل، فإن لم يقصد ولم يجد، فلا ينتقض (وضوءه)؛ لحديث عائشة ﵂ وهو ما روى أبو بكر البزار، عن إسماعيل بن يعقوب بن صبيح، عن محمد بن موسى بن أعين، عن أبيه عن عبد الكريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة (﵂): «أن رسول الله ﷺ كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ».
قال عبد الحق: عبد الكريم هو الجزري، ثقة جليل.
وأما الملموس فإن وجد اللذة توضأ، وإن لم [يجدها] فلا وضوء عليه ما لم يقصد، فيكون لامسا إلا أن تكون القبلة على الفم، فلا تراعي اللذة فيها، لأنها لا تكاد تعدم معها.
وروي أنها تراعي، وهو خلاف في شهادة.
[ ١ / ٤٥ ]
ولو كان اللمس من وراء حائل، فروي ابن القاسم وجوب الوضوء مطلقا. وقيد علي بن زياد هذه الرواية بأن يكون الحائل خفيفا.
فأما لو نظر فالتذ بمداومة النظر ولم ينتشر ذلك منه، فلا يؤثر في نقض الطهارة؛ لأن تأثيره حرج. وانفرد ابن بكير بأنه يؤثر. ولو أنعظ فكمل إنعاظه، فقولان للمتأخرين، ورويا وسببهما الشهادة بأنه لا ينكسر في العادة إلا عن مذي أو قد ينكسر دونه.
النوع الثالث: مس الذكر.
وينتقض الوضوء به في الرواية الأخيرة لحديث بسرة، لكن قيد بكونه على صفة مخصوصة اختلف في تعيينها، فرأى العراقيون أنها اللذة. ورآها في المجموعة العمد، واعتبر أشهب مسه بباطن الكف، واعتبر في الكتاب " باطن الكف أو باطن الأصابع ".
[ ١ / ٤٦ ]
قال الشيخ أبو الطاهر: " والكل (مجمعون) على مراعاة وجود اللذة وفقدها " لكن عدوا في الروايات أن فقدها، مع ما قيدوه، نادر فلا يراعى، وراعاه العراقيون.
وقال شيخه الإمام أبو عبد الله: " من لم يراع اللذة من أصحابنا، ورأى أن مجرد مسه بباطن الكف، سهوا وعمدا، ينقض الوضوء، فإنه يرى أن نقض الوضوء بمسه حكم غير معلل ".
فرعان:
الأول: لو مسه بأصبع زائدة، فقال القاضي أبو بكر: " اختلف فيه أصحابنا قال: والأظهر وجوب الوضوء ".
الفرع الثاني: لو مسه من فوق حائل، فقال القاضي أبو الحسن: " العمل من الروايات على أنه إذا مسه من فوق ثوب أو من تحته انتقضت طهارته ". وقال القاضي أبو بكر: " روى ابن وهب: إذا مسه على غلالة خفيفة انتقض وضوؤه، ولا حكم لمس الذكر المبان ولا لمس ذكر الغير، إلا من باب الملامسة، ولا ينتقض وضوء من مس ذكره غيره. وقال الأيلي البصري من أصحابنا: ينتقض وضوؤه ".
وفي مس المرأة فرجها ثلاث روايات ".
النقض ونفيه، لعلي بن زياد وابن القاسم.
والتفرقة بين أن تلطف فيجب الوضوء، وبين أن لا تلطف فلا يجب، وهي رواية ابن أبي أويس.
[ ١ / ٤٧ ]
واختلف المتأخرون في بقاء هذه الروايات على ظاهرها وعدها ثلاثا، أو عد المفصل مفسرا، أو عد المذهب على قولين: نفي النقض مطلقا، والتفصيل على ثلاث طرق.
فرع: قال إسماعيل بن أبي أويس: قلت لمالك: ما ألطفت؟ بقال: تدخل يدها في ما بين الشفرين.
ولا ينقض الوضوء من مس الدبر. وانفرد حمديس ببانه إذا مس حلقة الدبر وجب عليه الوضوء على القول بإيجاب الوضوء على المرأة في مس فرجها، قال: وعلى القول الآخر لا وضوء عليه.
قال عبد الحق: " الفرق بينهما أن المرأة تلتذ بمس فرجها، وليس في مس الدبر لذة "، قال ابن سابق: ولا يلزم هذا حمديسا، لأنه لم يعلل باللذة بل بمجرد اللمس.
وأما مس الخنثى المشكل لفرج نفسه، فقال الإمام أبو عبد الله: " عندي أنه يتخرج على القولين في من أيقن بالوضوء وشك في الحدث "، ثم قال " وهذا على مذهب المغاربة، وأما على مذهب البغداديين، ففي أي الفرجين اعتاد وجود اللذة، تعلق الحكم به ".
فإن قيل: أوضحوا حكم الشاك في الطهارة والمرتد، فإنه لم يبق مما يتعلق بإيجاب الوضوء سواهما. قلنا: أما الشك فله حالتان.
الأولى: حالة المستنكح ولا اعتبار بها، بل يعمل على أول خاطريه، لأنه مساو فيه لمن خاطره سليم، ويضرب عما سواه.
[ ١ / ٤٨ ]
الحالة الثانية: حالة سلامة خاطره، وهي المعتبرة فينتقض وضوءه إذا شك في وجود الطهر والحدث جميعا، أو تيقن بهما جميعا وشك أيهما قبل صاحبه،؛ إذ لا يقين معه في الصورتين يستصحبه ويبني عليه.
وكذلك إن تيقن الحدث وشك في الوضوء أو في بعضه، لأنه على أصل الحدث، وكذلك لو شك مع ذلك أكان قبل الحدث أو بعده؟ [فأولى] بإيجاب الوضوء.
فإن أيقن بالطهارة وشك في طروء الحدث عليها، فروى ابن القاسم في الكتاب: " أنه يعيد الوضوء "، وروى ابن وهب في غيره: أحب إلي أن يتوضأ.
واختلف الأصحاب في تأويل رواية ابن القاسم، فأجراها القاضي أبو الفرج على الوجوب.
قال القاضي أبو الحسن: " وإلى هذا كان ذهب شيخنا أبو بكر الأبهري، وأنا أختاره ". وحملها أبو يعقوب الرازي على الاستحباب.
قال القاضي أبو محمد: " وقد ذكر بعض المدنيين عن الأسلمي عن مالك فيمن أثبت أنه على وضوء، ثم شك في الحدث "، قال: " هو على وضوءه ". قال القاضي أبو محمد: " وهذا يؤيد قول من حمل رواية ابن القاسم على الاحتياط ".
واعلم أن سبب القولين تقابل الأصليين؛ إذ استصحاب أصل الطهارة يقابله أصل آخر وهو كون الصلاة في ذمته بيقين، وقد اشترط في (براءته) منها أن يدخلها متيقنا كونه متطهرا حالة الدخول، ولا يجتمع اليقين والشك، فتعينت الطهارة لبراءة الذمة.
ولو كانت الصورة بحالها، إلا أنه شك مع ذلك هل كان حدثه قبل الوضوء أو بعده؟ فالقولان جاريان، وأولى ها هنا بعدم إيجاب الوضوء.
وأما المرتد إذا عاد إلى الإسلام قبل أن يحدث، فقد اختلف في تأثير الارتداد في نقض وضوئه على روايتين، سببهما الخلاف في الإحباط بدون الموافاة، هل يحصل أم لا؟ وجعله أبو الحسن اللخمي من الرفض.
[ ١ / ٤٩ ]
الفصل الثاني: في حكمها
وهو المنع من الصلاة، ومس المصحف، وحمله قصدا إليه، ويستوي في المس الجلد والحواشي و(محل) [الكتابة]، ولا يحمله في خريطة، ولا بعلاقة، ولا في صندوق، ولا يقلب أوراقه بقضيب. ولا بأس بحمله في صندوق أو غرارة أو غير ذلك إذا كان فيها أمتعة مقصودة بالحمل، إلا أن يكون المقصود بحمل ذلك حمل المصحف.
ويجوز مس كتاب التفسير والفقه والدرهم المنقوش وما كتب للدراسة كاللوح للصبيان، فلا يكلف المتعلم الطهارة لمس اللوح. قال ابن القاسم: " ولا المعلم عندما يشكلها ". [و] قال ابن حبيب: " يكره مسها للمعلم إلا على وضوء، ويستحب للصبيان مس الأجزاء للتعليم كالألواح والأكتاف، ويكره لهم مس المصحف الجامع إلا على وضوء ".
الباب الرابع: في الغسل والنظر في موجبه وكيفيته
النظر الأول: في الموجب.
وموجباته خمسة:
الأول: انقطاع دم الحيض والنفاس، وسيأتي حكمها.
الثاني: الموت، وسيأتي في الجنائز.
الثالث: الولادة، فيجب عليها الغسل وإن كانت ذات جفاف. روى ذلك عبد الله بن عبد الحكم وأشهب. وقال أبو الحسن اللخمي: طلا غسل عليها، قال: واستحب مالك
[ ١ / ٥٠ ]
الغسل، وقال: لا يأتي الغسل إلا بخير ".
الرابع: الإسلام، فيجب على من أسلم أن يغتسل، وروي أنه مستحب، وبذلك قال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق.
وسبب الخلاف: أن الغسل لكونه جنبا على الرواية المشهورة، وقال القاضي أبو إسحاق: بل هو تعبد، وقد بطل حكم الجنابة بالإسلام، وينبني على ذلك فرعان:
الأول: غسل من لم (تتقدم) منه جنابة قبل إسلامه.
والثاني: أنه يتيمم إذا فقد الماء، وهو على المنصوص، قال الشيخ أبو الطاهر: " وقد يقال: إن من لم يجعل غسله للجنابة لا يلزمه التيمم ".
الخامس: الجنابة، وهي المقصودة بالذكر، وتحصل بالتقاء الختانين بمغيب الحشفة، (و) بخروج المني، ثم ليس المقصود الختان، بل لهو قطعت الحشفة فغيب مثلها كفى.
وكذلك إذا أولج في فرج ميتة أو بهيمة أو في الدبر، ولا ختان فيه، وكذلك لو فعلته امرأة بذكر بهيمة. فأما الإيلاج في قبل خنثى مشكل، فخرجه الإمام أبو عبد الله على نقض الطهارة بالشك كاللمس.
فرعان:
الأول: إذا عدم البلوغ في الواطئ والموطوءة أو في أحدهما، فأما إن كانا غير بالغين، فقال الشيخ أبو الطاهر: " مقتضى المذهب إلا غسل، قال: وقد يؤمران به على جهة التدرب ".
[ ١ / ٥١ ]
(وإن) وطء الصغيرة كبيرة فلا يجب عليها الغسل، إلا أن تنزل. وقيل: يجب.
وإن وطئ الكبير صغيرة ممن تؤمر بالصلاة، فقال أشهب: تغتسل: " وفي مختصر الوقار: لا تغتسل ".
قال القاضي أبو محمد: " الخلاف في أمر البالغة بالغسل من وطء غير البالغ إنما هو في حق من تلتذ النساء بوطئه، كالمراهق ومن يقاربه "، وقال أيضا: " الاتفاق حاصل على سقوط الوجوب عن الموطوءة إذا كانت غير بالغ، وإن كان الواطئ بالغا. لكن أمرها أشهب به إذا كانت ممن تؤمر بالصلاة لأنها لا تصح إلا به، كما يأمرها بالوضوء ".
وقال الوقار: لا تؤمر به، لأنها أنما أمرت بالوضوء للتدرب عليه لتكرره، بخلاف الغسل كالصلاة مع الصوم.
الفرع الثاني: لو جامع فيما دون الفرج، فأنزل، فوصل الماء إليه، فإن أنزلت وجب الغسل، وإن لم تنزل ولم تلتذ لم يجب، وإن التذت ولم يظهر منها إنزال، فقولان:
وجوب الغسل لأن التذاذها قد يحصل به الإنزال ولا يبرز، وغالب حالها الإنزال عند ذلك. قال الشيخ أبو إسحاق: وهو الاختيار للاحتياط. وقال القاضي أبو الوليد: " وهو عندي، معنى قول مالك ".
والقول الثاني: نفي الغسل، وهو تأويل ابن القاسم عن مالك.
أما خروج المني، فوجب (للغسل) إذا كان مقارنا للذة المعتادة. ومني الرجل في اعتدال الحال: أبيض ثخين دافق ذو دفعات يخرج بشهوة ويعقب بخروجه فتورا، ورائحته رائحة الطلع، ويقرب من رائحة الطلع رائحة العجين، ومني المرأة رقيق أصفر.
[ ١ / ٥٢ ]
فلو خرج المني عريا عن اللذة، مثل أن يمرض فيخرج لمرضه، فلا يوجب الغسل، وقيل: يوجبه.
وإذا فرعنا على الأول، فهل يجب الوضوء أو يستحب؟ قولان (ينبنيان) على نوادر ما ي خرج من السبيلين كما تقدم.
ولو قارنته لذة غير معتادة كمن به حكة في جسده حكها، أو اغتسل لها بالماء الحار، فأمنى، ففي إيجاب الغسل عليه بذلك خلاف. وقول سحنون فيهما الوجوب.
واختلف أيضا في وجوبه إذا لدغته عقرب أو ضرب أسواطا أو ضرب بسيف فأمنى، واختيار الشيخ أبي إسحاق: الوجوب في الجميع.
ولو وجدت اللذة المعتادة، لكن تقدمت على خروجه، كمن يجامع فيجد اللذة، أو يلتذ بغير جماع، ولا يكون في شيء من ذلك مني، ثم بعد ذهاب تلك اللذة جملة يكون منه المني، ففي وجوب الغسل ونفيه ثلاثة أقوال.
ـ الوجوب التفاتا إلى اللذة المتقدمة لتأثيرها في انفصال الماء عن محله.
ـ والنفي لأنه لا حكم له ما لم يبرز مقارنا لها.
ـ والتفرقة بين أن يكون عن جماع واغتسل له قبل بروز الماء، ثم برز، فلا يعيد الغسل، وبين أن يكون لم يغتسل له، فإنه يغتسل.
وضعف الإمام أبو عبد الله القول بالتفرقة، ورأى أنه لا وجه له. واختار القاضي أبو بكر وجوب الغسل.
التفريع: إن قلنا بوجوب الغسل، وكان بروز الماء بعد الصلاة، فعليه إعادتها. وقال ابن المواز: لا تلزمه الإعادة، وهو رأي أبي عبد الله، والقاضي أبي بكر
[ ١ / ٥٣ ]
والقولان خلاف في تأثيره بالمفارقة أو البروز، وإن قلنا بإسقاط الغسل أمر بالوضوء، (وهل) [هو] على جهة الوجوب أو الندب؟ قولان للبغداديين.
فرع: لو شك في انتفاض الطهر بأن انتبه فوجد بللا على إحليله لا يرى غير ذلك، ولا يذكر أنه رأى في منامه شيئا، ولا يدري أمذي هو (أو) مني، وقد أيقن أنه ليس بعرق، فقال مالك: لا أدري ما هذا. وقال ابن نافع: إن شك اغتسل، وقال علي بن زياد، لا يلزمه إلا الوضوء مع غسل الذكر. وقال ابن سابق: وهي مبنية على أصل مالك فيمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث.
ولو تيقن بأنه مني اغتسل.
ولو رأى في (ثوبه) احتلاما، وشك في زمن خروجه، إذ كان يابسا ففي الواضحة: يعيد ما صلى من أول نومة نامها فيه. وقال ابن عبد الحكم: يعيد الصلاة من أحدث [نومة نامها] فيه. قال في كتاب ابن حبيب: إلا أن يكون يلبسه ولا ينزعه، فإنه يعيد من اول نوم نام فيه.
ولو كان الاحتلام طريا، أعاد من أقرب نومة نامها فيه، قولا واحدا. حكى ذلك ابن سابق.
والمرأة إذا تلذذت بخروج مائها لزمها الغسل، ثم حكم الجنابة حكم الحدث، مع زيادة تحريم قراءة القرآن، ودخول المسجد، وله أن يقرأ الآية ونحوها للتعوذ.
ويفارق الجنب الحائض في جواز قراءة القرآن لها ظاهرا في أشهر الروايتين لحاجة التعلم وخوف النسيان، وفضل ماء الحائض والجنب طهور.
ولا بأس لجنب أن يجامع ويأكل ويشرب، لكن يتوضأ وضوءه للصلاة عند إرادته للنوم، واختلف هل هو مندوب أو واجب؟ والوجوب هو رأي ابن حبيب، واختيار
[ ١ / ٥٤ ]
القاضي أبي بكر. وهل سببه رجاء أن ينشط فيغتسل أو لينام على إحدى الطهارتين وعلى تحقيقه يخرج وضوء الحائض وتيمم العاجز.
وأما كيفية الغسل: فأوله النية، واستيعاب البدن يصب الماء، والدلك، وقيل: لا يجب الدلك. ووقع القاضي أبي الفرج: " (أنه يجب لا) لنفسه، بل ليصل الماء إلى جميع الجسد ".
وسبب الخلاف: هل يسمي أهل اللغة صب الماء من غير ذلك غسلا حقيقة أم لا؟ وإذا فرعنا على المشهور، ففي اشتراط مقارنته لصب الماء من غير تراخ خلاف.
ولا تجب المضمضة والاستنشاق.
ويؤمر إيصال الماء إلى منابت الشعور وإن كثفت، ولا يجب على المرأة نقض ضفائرها، بل تحثي عليها الماء، وتضغثها بيديها، كما جاء في الحديث.
ويخلل الرجل لحيته، وهل ذلك على جهة الوجوب أو الندب؟ روايتان.
والأكمل أن يبدأ بغسل يديه، ثم يزيل ما على بدنه من أذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، وإن لم يكن محدثا، ويؤخر غسل الرجلين إلى آخر الغسل في إحدى الروايتين ويفعله في مكانه من الوضوء في الأخرى، ثم يفيض الماء على رأسه، ثم يكرره ثلاثا ويضغثه في كل دفعة.
وماء الوضوء والغسل غير مقدر، وقد ير فق بالقليل فيكفي، ويخرق الكثير فلا يكفي.
وقال الشيخ أبو إسحاق: " يتقدر في الأقل بالمد والصاع، قال القاضي أبو بكر: ومراده التقدير بهما في الكيل لا في الوزن ".
[ ١ / ٥٥ ]
الباب الخامس: في التيمم
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: فيما ينقل إلى التيمم
وهو العجز عن استعمال الماء، وللعجز أسباب ستة:
الأول: فقد الماء، وللمكلف أربع أحوال:
الأولى: أن يتحقق عدم الماء حواليه، فيتيمم من غير طلب.
الثانية: أن يتوهم وجوده حواليه، فليتردد إلى حد لا يدخل عليه ضرر ولا مشقة، ولا يتحدد ذلك بحد؛ إذ الشاب القوي لا يشق عليه ما يشق على المرأة والرجل المسن.
الثالثة: أن يعتقد وجود الماء في حد القرب، فيلزمه السعي إليه.
وحد القرب ما لم ينته إلى المشقة أو خوف فوات الأصحاب. وروي في كتاب محمد: إذا لم يخف في نصف الميل إليه العناء والمشقة، فمن الناس من يشق عليه. وقال سحنون: لا يعدل الميلين وإن كان آمنا.
فإن انتهى البعد إلى حيث لا يجد الماء في الوقت، فلا يؤخر إليه.
ويطلب المسافر من رفقته، ولا يلزمه أن يطلب من جميعهم إذا كانوا كثيرا، بل ممن يليه منهم، وإن كانوا قليلا طلب من جميعهم، فإن ترك الطلب من الرفقة، فقال الإمام أبو عبد الله: " ذكر بعض أصحابنا أنه إن لم يكن معه إلا الرجلان والثلاثة، فلم يطلب منهم أعاد الصلاة أبدا، وإن ترك طلب العدد القليل الذي أمر به في الرفقة القليلة أعاد في الوقت، وإن ترك الطلب أصلا من الرفقة (الكثيرة)، لم يعد. قال الإمام: " وهذا ضعيف؛ لأن القليل من الرفقة الكثيرة، إذا أمرناه بالطلب منه، كالقليل الذي ليس معه غيره ".
فرعان:
الأول: وقت التيمم، وهو بعد دخول وقت الصلاة على المعروف من المذهب، وأجازه الشيخ أبو إسحاق قبل دخوله، وبناه بعض المتأخرين على القول برفع الحدث.
وإذا فرعنا على المعروف فما محله من الوقت؟ قال الإمام أبو عبد الله: " اختلفت
[ ١ / ٥٦ ]
روايات المذهب في ذلك، قال: " (والمشهور) أن (الآيس) يتيمم أوله، والراجي يتيمم آخر وقت الاختيار. ومن تساوى عنده الأمران (يتيمم) وسطه. قال: " وروي أن المتيمم على الإطلاق يتيمم آخر الوقت، وقيل: بل وسط الوقت، إلا الراجي فإنه يؤخر. وقيل: بل آخر الوقت، إلا الآيس، فإنه يقدم أول الوقت ".
الفرع الثاني: لو صلى أحد هؤلاء ثم وجد الماء بعد الصلاة، فلا إعادة على من أوقع الصلاة في الوقت المأمور بإيقاعها فيه إلا الشاك المتردد في إدراك الماء في الوقت مع علمه بوجوده، فإنه يعيد في الوقت، لأنه كالمقصر في اجتهاده، والمخطئ في حدسه، ولو أنهاه نهايته لأوشك أن يظهر له أنه يبلغ الماء في الوقت. وينخرط في سلكه الخائف من لصوص على الماء لجواز تقصيره، وكذلك المريض العادم من يناوله الماء لتقصيره في الاستعداد، فحكم هؤلاء (التيمم وسط) الوقت لأجل الشك، واختصوا بالإعادة في الوقت، دون من لا علم عنده من الماء، لما ذكرناه من تقصيرهم.
فأما من خالف المشهور، فإن آخر ما أمر بتقديمه فلا خفاء بسقوط الإعادة عنه (إذا) بالغ في الاستظهار، وإن قدم أول الوقت ما أمر بتأخيره إلى آخره، فقيل: يعيد في الوقت خاصة، وقيل: في الوقت وبعده.
وسبب الخلاف: هل التأخير من باب الأولى والأحسن، أو من باب الأوجب؟ إذ به تتحقق الضرورة، وهو محل الوجوب على هذا الرأي. وقيل: بالفرق بين العالم والظان، فتجب الإعادة مطلقا في حق العالم، وتتخصص بالوقت في حق الظان.
وأما إن قدم من أمرنا بالتوسط، فلم يختلف هؤلاء في أنه لا يعيد بعد الوقت.
فرع مرتب: من أمرناه بالإعادة في الوقت، فلم يفعل لأنه نسى أن يعيد بعد أن ذكر، فهل يعيد بعده؟ المشهور أنه لا يعيد، وهو الأصل. وحكى الشيخ أبو الطاهر قولا بالإعادة عند ابن حبيب، ثم قال: " ويجزئه في كل من أمر أن يعيد في الوقت "، قال: " لأنه يرى أنه إذا أمر بالإعادة فقد ترتبت في ذمته، فلا يبرأ إلا بفعلها ".
[ ١ / ٥٧ ]
الحالة الرابعة: أن يكون الماء حاضرا بين يديه في بئر، لكن ليس معه آلة يتوصل بها إليه، فيتيمم لأنه فاقد.
ولو وجد الآلة، لكن كان الماء في مهواة بعيدة، فإن اشتغل بالنزع فإنه الوقت، فروايتان. واختيار المغاربة أنه يشتغل بنزع الماء لوجوده، واختيار العراقيين أنه يتيمم لأن عدم القدرة على الاستعمال في الوقت كالعدم المطلق.
وكذلك لو كان الماء بين يديه يمكنه استعماله، لكن لو تشاغل باستعماله خرج الوقت لضيقه، فأولى بوجوب استعماله عند المغاربة لأنه واجد. وقال القاضي أبو محمد: " يتيمم، وحكاه القاضي أبو جعفر الأبهري رواية ".
فرع: لو وجد من الماء ما لا يكفيه لوضوئه أو لغسله لم يلزمه استعماله قبل التيمم، بل هو كالفاقد جملة.
السبب الثاني: أن يخاف على نفسه أو ماله السبع أو سارقا فله التيمم، وقيل: إن الخوف على المال لا يلحق بالخوف على النفس في الإباحة.
ولو وهب منه الماء، فقال القزويني: يلزمه قبوله، ليس له أن يتيمم ويترك القبول للمنة، لأنها لا تدرك في مثل هذا. وقال القاضي أبو بكر: " لا يلزمه القبول ".
وقال غيرهما: ولا يلزمه القبول إذا وهب ثمن الماء، فإن المنة فيه تثقل.
وقال ابن سابق: يلزمه قبول الماء قولا واحدا، بخلاف الثمن، فإنه لا يلزمه قبوله ويتيمم.
ولو بيع بثمن يجحف به لقلة دراهمه أو لكثرة الزيادة على ثمنه المعتاد، ولم يلزمه شراؤه. وبثمن المثل وما لا يجحف به، يلزمه، إلا احتاج إلى الثمن لنفقة سفره.
السبب الثالث: أن يحتاج إليه لعطشه في الحال، أو لتوقعه في المآل بأن يغلب على ظنه أنه لا يجد ماء، أو لعطش من معه، فله التيمم إن خاف العطش الذي يهلك. وإن خاف عطشا يمرضه، جرى على الخلاف فيمن خاف من استعمال الماء المرض، كما سيأتي في السبب الخامس.
[ ١ / ٥٨ ]
ولو مات صاحب الماء ومعه جنب الماء إنما يكفي أحدهما، غسل به صاحبه، وهو أولى به؛ إلا أن يحتاج إليه الحي لشربه، فحينئذ هو أولى به، ثم يقوم بثمن الماء للوارث وليس له دفع مثله إذا رجع إلى بلده.
وإن كان الماء بينهما، فقال ابن القاسم: " الحي أولى به، وييمم الميت ". وقال القاضي أبو بكر: " الميت أولى به ".
السبب الرابع: العجز بسبب الجهل، كما إذا نسي الماء في رحله وتيمم، فإن ذكر بعد الفراغ فثلاثة أقوال:
نفي الإعادة مطلقا، لأنه ليس بقادر في حال نسيانه، قال: وإن أعاد في الوقت فحسن، وهي رواية عبد الله بن عبد الحكم في مختصره.
وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ: يعيد أبدا، نسيه أو خفي عليه، أو لم ي علم به؛ لأنه بنسيانه مفرط مقصر في الطلب. وقال ابن القاسم: يعيد في الوقت، وهو قول مراع للخلاف.
وإن ذكر في الصلاة، فعلى الأمر بالإعادة يقطع، وعلى القول بنفيها يتمادى، وتجزئه الصلاة.
فلو أدرج في رحله ولم يشعر به ولم يقطع ولم يقض؛ إذ لا تفريط، وكذلك لو أضل الماء في رحله، فلم يجده مع الإمعان في الطلب، وخشي فوات الوقت، وأولى بعدم القضاء.
وظاهر رواية مطرف ومن ذكر معه يقتضي جريان الخلاف فيهما، فأما لو أضل رحله في الرحال، وبالغ في طلبه حتى خاف فوات الوقت، فإنه يتيمم، ولا إعادة عليه في وقت ولا غيره.
السبب الخامس: المرض الذي يخاف من الوضوء معه فوت الروح، أو فوت منفعة، وكذلك لو خاف زيادة المرض، أو تأخر البرء، أو حدوث مرض يخاف معه ما ذكرناه، فإنه يتيمم على المعروف من المذهب، قال القاضي أبو الحسن: " (وكذا) إن خاف الصحيح نزله أو حمى، فإن كل ذلك ضرر ظاهر "، وروى بعض البغداديين رواية شاذة: أنه لا ينتقل إلى
[ ١ / ٥٩ ]
التيمم بمجرد خوف حدوث المرض، أو زيادته إن كان مريضا أو تأخر برؤه.
فإن كان إنما يتألم في الحال، ولا يخاف عاقبة، لزمه الوضوء والغسل.
السبب السادس: استيعاب الشجاج أو الجروح أو القروح أكثر جسد الجنب، أو أكثر أعضاء الوضوء من المحدث حتى لم يبق إلا يد أو رجل فيسقط عنه استعمال الماء ويتيمم، ولا يلزمه الجمع بين الماء والتيمم ولا الإعادة إذا صح.
فرعان:
الأول: لو ترك من هو بهذه الحال التيمم، وغسل ما صح من جسده، ومسح على الجبائر في سائره لم يجزه ما فعل؛ لأنه ترك فرضه وهو التيمم. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وهو بمثابة من وجد من الماء دون كفايته للغسل، أو للوضوء، فأراد أن يمسح به جسده أو أعضاءه، فإن المسح لا يجزئه.
الفرع الثاني: عدم الحاضر الصحيح الماء، وخشي فوات الوقت، فمقتضى التأصيل المتقدم أنه يتيمم، وهي الرواية المشهورة، وروي في غير الكتاب: أنه لا ي تمم بحال.
وإذا فرعنا على الأول، فهل يعيد؟ المشهور أنه لا إعادة عليه. وقال ابن عبد الحكم وابن حبيب: يعيد أبدا، قال ابن حبيب: وإليه رجع مالك.
الفصل الثاني: في كيفية التيمم
وله أربعة أركان:
الأول: القصد إلى الصعيد، وهو وجه الأرض ولا يتخصص بذلك التراب على المشهور، ولا يلزم النقل، بل يجزي التيمم على الحجر الصلد والرمل والسباخ والنورة والزرنيخ وجميع أجزاء الأرض، ما دامت على جهتها لم تغيرها صنعة آدمي بطبخ ونحوه، وسواء فعل ذلك مع وجود التراب أو عدمه. وقيل: لا يجزئ بغير التراب مطلقا. وخصص ابن حبيب الإجزاء بعدم التراب.
وفي جواز التراب على الثلج ومنع روايتان لابن القاسم وأشهب، وفي التيمم على
[ ١ / ٦٠ ]
الملح خلاف أيضا، وأولى بالصحة.
فرع: لو تيمم على موضع نجس، فقال ابن القاسم: " يعيد في الوقت ". قال القاضي أبو محمد: " ويحكى منع التيمم بالصعيد النجس عن محمد بن عبد الحكم، ثم اختاره، وذكر أنه اختيار الشيخ أبي بكر ".
الركن الثاني: أن ينوي استباحة الصلاة، ويستوي في ذلك حال المحدث والجنب في حالة الذكر، وفي استوائهما في حالة النسيان روايتان.
ولو نوى استباحة الفرض جاز [النفل] أيضا معه للتبعية، لكن بعده، فلا يصلي ركعتي الفجر بتيمم الصبح، وقيل: يصليهما، ورواه محمد بن يحيى.
ولو نوى فرضين صح تيممه، ولا يصلي به أكثر من فرض واحد على المشهور.
الركن الثالث: أن يستوعب وجهه بالمسح، يبدأ مارا بيديه من أعلاه إلى أن يستوفيه، ويراعي الوترة، وهي حجاب ما بين المنخرين.
الرابع: مسح اليدين إلى المرفقين، ولا يغفل شيئا، ويخلل الأصابع، وينزع الخاتم على المنصوص.
وقيل: إن اقتصر على المسح إلى الكوعين أجزأه.
فرعان:
الأول: إذا فرعنا على المشهور، فاقتصر على الكوعين، فقال ابن القاسم: " يعيد في
[ ١ / ٦١ ]
الوقت، وقال غيره: يعيد أبدا.
الفرع الثاني: هل تراعى الصفة في مسح اليدين أم لا؟ قولان، المشهور مراعاة الصفة فيهما، وهي أن يبدأ بيسرى يديه يمسح بها ظاهر اليمنى مارا إلى المرفق، ثم يعيد على الباطن مارا إلى الكف، وفي اليسرى كذلك، ولم يراع هذه الصفة محمد بن عبد الحكم.
وأجرى أبو الحسن اللخمي الخلاف في ذلك على مراعاة التراب، فتراعى الصفة، وعدم مراعاته فلا تراعى. وقال غيره من المتأخرين: " إنا وإن لم نراع التراب فنراعي حكمه "، قال: " ودليله أنا لا نراعيه على المشهور، وقد راعينا الصفة فيه ".
فرع مرتب: إذا قلنا بالمشهور في مراعاة الصفة، فهل يمسح [كفه] اليمنى قبل الشروع في اليسرى أو يشرع فيها إذا وصل إلى الكوع، ثم إذا وصل إليه من الأخرى مسح الكفين بعضهما ببعض؟ قولان: والأول اختيار الشيخ أبي الحسن وأبي محمد عبد الحق، والثاني قول ابن حبيب وروايته، وقد تؤولا من لفظ الكتاب.
والمأمور به ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين.
فإن اقتصر على ضربة واحدة، فقال ابن نافع: " يعيد أبدا ". وروى ابن القاسم: " إذا تيمم بضربة واحدة للوجه واليدين رجوت أن تجزئه ". قال ابن القاسم: " ولا يعيد في وقت ولا غيره "، وفي المختصر أيضا: لا إعادة عليه، وقال ابن حبيب: وقيل: يعيد في الوقت.
ومما يندرج تحت الكلام على الكيفية حكم الترتيب والموالاة، وحكمهما في ذلك حكمهما في الوضوء.
[ ١ / ٦٢ ]
الفصل الثالث: في أحكام التيمم
وله حكمان:
الأول: أنه يبطل برؤية الماء قبل الشروع في الصلاة، إلا أن يخشى فوات الوقت باستعماله لضيق الوقت فيخرج على ما تقدم، وأولى ها هنا بترك الاستعمال. ولا تبطل الصلاة بعد الشروع فيها، ولا توجب الإعادة بعد الفراغ منها.
الثاني: أنه لا يجمع بين فرضين بتيمم واحد على المشهور، وقال القاضي أبو محمد: " وهو معلل بثلاث علل:
الأولى: أنه لا يرفع الحدث، ولا يستباح به إلا أقل ما يمكن فيه.
الثانية: أنه لا يتقدم على الوقت.
الثالثة: أن الطلب واجب لكل صلاة.
(وروى القاضي أبو الفرج: أنه لا بأس أن يجمع بين صلاتين من الفوائت بتيمم واحد)، وأجاز الشيخ أبو إسحاق أن يجمع المريض بين فرضين بتيمم واحد.
وخرج بعض المتأخرين الخلاف في ذلك على الخلاف في وجوب الطلب وشرطية دخول الوقت، ورأى بعضهم تخريجه على الخلاف في كون التيمم يرفع الحدث، وقد اشتد نكير القاضي أبي محمد على من يضيف هذا القول إلى المذهب.
تنبيه:
رأيت للقاضي أبي بكر في بعض كتبه: " أن التيمم يرفع الحدث "، وعزاه إلى المذهب ونصره، ثم رأيت له في غيره ما نصه: " إن الحدث سبب تثبت عنه أحكام، فاستعمال الماء يرفع السبب، فترتفع الأحكام بارتفاع سببها. والتيمم يرفع الأحكام رخصة مع بقاء سببها، فلا
[ ١ / ٦٣ ]
يبقى حكم، لكن السبب باق، ونصر هذا. ويظهر لي أنه آخر قولية، وهو عندي أحسنها.
فرع:
فإن جمع بين فرضين بتيمم واحد، فقال ابن القاسم في العتبية: " يعيد في الوقت، ولو أعاد أبدا كان أحب إلي "، وقال في كتاب محمد: يعيد أبدا. وقال أصبغ: إن كانتا مشتركتي الوقت كالظهر والعصر والمغرب والعشاء، أعاد الثانية في الوقت، وإن كانتا غير مشتركتي الوقت كالعصر والمغرب، أعاد الثانية أبدا، وقال: هذا معنى قول ابن القاسم.
ويجمع بين فرض ونوافل وبعده بتيمم واحد، ويجمع بين الطواف وركعتيه بتيمم واحد، لأنهما كالتابع له.
ولو نسي صلاة من خمس صلوات صلى الخمس بتيمم لكل واحدة على المشهور.
وقد تقدم أنه لا يتيمم لفريضة قبل دخول وقتها على المعروف من المذهب، ودخول وقت الفائتة بتذكرها.
ولو خشي فوات الجمعة إن تشاغل بالماء، ففي جواز التيمم له ليدركها قولان.
فرع:
من لم يجد ماء ولا ترابا، على رأي من يشترطه، أو تعذر عليه الوصول إلى الصعيد، فقال مالك وابن نافع: لا صلاة ولا قضاء، وقال ابن القاسم: " يصلي ويقضي "، وقال أشهب: يصلي ولا يعيد، وقال أصبغ: يصلي إذا قدر.
والشيخ أبو الطاهر يرى سبب هذا الخلاف الاختلاف في كون الطهارة شرطا في الوجوب، فتسقط الصلاة عمن تعذرت عليه، أو شرطا في الأداء، فيقف الفعل على الوجود.
قال: " وأما الصلاة في الحال دون الإعادة أو معها، فمبنيان على الأخذ بالأحوط وبالغ أحدهما في الاحتياط ".
والقاضي أبو بكر يرى كون الطهارة شرطا في الأداء لا في الوجوب متفقا عليه مع وجود هذا الاختلاف.
[ ١ / ٦٤ ]
الباب السادس: في المسح على الخفين والجبائر
وفيه فصلان
الفصل الأول: في المسح على الخفين
هو مشروع رخصة للرجال والنساء في السفر وفي الحضر أيضا على الرواية المشهورة.
قال ابن وهب: " وإلهيا رجع [مالك ﵀] [قال]: وآخر ما فارقته عليه إجازة المسح في الحضر والسفر. قال القاضي أبو محمد: " وهي أصح وأقيس ".
والنظر في شرط المسح وكيفيته وحكمه:
وله شرطان:
الأول: في الملبوس: ولا شك في جواز المسح على الخف الذي اعتادته العرب إذا كان مفردا ساترا لمحل الوضوء صحيحا، وينتج من هذا التقييد فروع لتخلف بعض هذه القيود.
الأول: أن يكون الملبوس غير خف كالجورب واللفافة وشبه ذلك، فلا يمسح عليه.
الثاني: أن يكون خفا غليظا ليس له ساقان، ففي المسح عليه قولان، وهما على القياس على الرخص.
الثالث: الجرموق، واختلف في المراد بهذه اللفظة، فقيل: الجرموقان هما الجوربان المجلدان، وقيل: هما " خف على خف "، وق يل: هما خفان ذوا ساقين غليظين، يستعملهما المسافرون مشاة. والصور الثلاث مختلف في جواز المسح عليها في المذهب.
فرع مرتب:
إذا قلنا بأنهما خف على خف، وقلنا بالمسح على أحد القولين، فمسح على الأعليين ثم
[ ١ / ٦٥ ]
نزعهما، فليمسح على الأسفلين، كما يغسل الرجلين إذا نزع الخفين.
الرابع: أن يكون الخف غير ساتر لمحل الوضوء كالمحرم، يقطعه أسفل من الكعبين، فالمعروف من المذهب أنه لا يمسح عليه، وانفرد الوليد بن مسلم، فروي أنه يمسح عليه ويغسل ما بدا من كعبيه.
وأنكر القاضي أبو الوليد هذه الرواية عن مالك، وقال: " إنها مذهب الأوزاعي، قال: والوليد كثير الرواية عنه ".
الخامس: أن يكون الأرض خف مخرقا، فإن كان الخرق قليلا مسح عليه، ولا يمسح إذا كان كثيرا.
ثم في تحديد الكثير مذهبان: رواية المتقدمين أن المراعي ظهور القدم كلها أو جلها، فإن ظهر ذلك لم يمسح. قال في الكتاب: " إن كان الخرق قليلا لا تظهر منه القدم، فليمسح عليه، وإن كان كثيرا فاحشا تظهر منه القدم، فلا يمسح عليه ". ورأى [البغداديون] اعتبار (إمكان) مداومة المشي، فإن لم (يمكن) لم يمسح، فراعى الأولون ظهور المبدل، وراعى العراقيون فقد علة اللبس.
فرع:
لو شك في مجاوزة الخرق للقدر المعفو عنه لم يمسح؛ لأن الأصل الغسل، وقد شك في محل الرخصة.
الشرط الثاني: في اللابس، وإذا لبسهما على طهارة بالماء كاملة لبسا مباحا للوجه المعتاد من المشي أو التوقي، مسح عليهما.
ويحدث من هذا التقييد فروع:
[ ١ / ٦٦ ]
الأول: أنه لو لبسهما على طهارة التيمم لم يمسح، وقال أصبغ: يمسح المتيمم لبسهما قبل الصلاة.
الثاني: لو لبسهما قبل كمال الطهارة كمن غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها، لم يمسح حتى يغسل الأخرى، ثم يبتدئ اللبس. وقال مطرف: يمسح وإن لبس أحد الخفين قبل كمال الطهارة، ثم اختلف المتأخرون في بناء هذا الخلاف.
فالشيخ أبو الطاهر وغيره يرى أنه ينبني على الخلاف في أن كل عضو هل يرتفع عنه حدثه بكمال طهارته، أو يقف ارتفاع الحدث عنه على كمال طهارة جملة الأعضاء.
والقاضي أبو بكر ينكر كون هذا في المذهب مذكورا لا أصلا ولا فرعا، ويشنع على من يضيفه إليه. ويرى بناء هذا الاختلاف على الخلاف في أن استدامة اللبس هل هي كابتدائه أم لا؟ قال: " وهذا أصل تنبني عليه في الشريعة أحكام في الطهارة والإيمان وغيرها "، واختلف فيه قول مالك وأصحابه.
الثالث: لو لبس المحرم الخف عاصيا بلبسه لم يمسح عليه، قال القاضي أبو الوليد: " لأنه منهي عن لبسه، وإنما يتعلق المسح بما أبيح لبسه ".
الرابع: لو لبس ليترخص بالمسح، كما لو لبس لعمل الحناء أو للنوم لم يمسح، فإن مسح لم يجزئه على المشهور. وكذلك روى مطرف أن ذلك لا يجزئه، وعلى من فعله إعادة الصلاة (أبدا). وقال أصبغ: يكره، فإن فعله أجزأه، وكذلك قال القاضي أبو محمد: " يجزئه مع الكراهة لوجود شرط الرخصة ".
النظر الثاني: في كيفية المسح، وفيه ثلاث طرق:
الأولى: الصفة المنقولة في الكتاب، وهي أيضا رواية مطرف وابن الماجشون، قال فيه: فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدمه، ووضع اليسرى من تحت أطراف أصابعه من باطن خفه فأمرهما حتى بلغ بهما إلى عقبة فأمرهما على عقبه إلى موضع الوضوء، وذلك أصل الساق وحذو الكعب.
والثانية: أن يبدأ بهما من الكعبين مارا إلى الأصابع، عكس الأولى.
[ ١ / ٦٧ ]
والثالثة: أن يبدأ باليمنى كالطريقة الأولى، وباليسرى كالطريقة الثانية، (وهي) اختيار محمد بن عبد الحكم، واستحسنها بعض المتأخرين.
فرع:
لو اقتصر ماسح الخف على أعلاه دون أسفله أجزأه، وتستحب له الإعادة في الوقت، وإن اقتصر على أسفله دون أعلاه لم يجزئه، وقال أشهب: يجزئه فيهما. وقال ابن نافع: لا يجزئه في واحد منهما.
والغسل والتكرار فيه مكروهان، ويجزئ الغسل، إن فعل، عن المسح.
النظر الثالث: في حكمه.
وهو إباحة الصلاة بالمسح عليه إلى أن ينزعه، إذ المشهور نفي التحديد، وأن لا يلزمه النزع إلا أن يجنب، فإن أمر بغسل الجمعة أمر بالنزع.
وروى أشهب أن المسافر يمسح ثلاثة أيام، ولم يذكر للمقيم وقتا. وروى ابن نافع أن المقيم يمسح من جمعة إلى جمعة. قال القاضي أبو محمد: " هذا يحتمل الاستحباب "، ثم قال: " بل هو مقصوده، ووجهه أنه يغتسل للجمعة ". وعزي إلى مالك ﵁ في الرسالة المنسوبة إليه، وتعرف بكتاب السر، أنه حد للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوما وليلة.
قال علماؤنا: ولا تثبت هذه الرسالة. قال القاضي أبو محمد: " وكان الشيخ أبو بكر في جماعة من الشيوخ ينكرونها، ويقولون: لا تصح عن مالك ". ونص ما حكي عن الشيخ أبي بكر في ذلك: " وقد سمعت من يذكر أن لمالك بن أنس كتاب سر، وكان مالك أتقى لله وأجل وأعظم شأنا من أن يتقي في دينه أحدا أو يراعيه، وكان مشهورا بهذه الحال نه وأنه لا يتقي من سلطان ولا غيره، وقد نظرت في نسخة من كتاب السر، فوجدته ينقض بعضه بعضا، ولو سمع مالك إنسان يتكلم ببعض ما فيه لأوجعه ضربا. وقد حدثني موسى بن إسماعيل القاضي قال: سمعت عبد الله بن أحمد الطيالسي، يقول: سألت إسماعيل بن إسحاق عن كتاب
[ ١ / ٦٨ ]
السر لمالك بن أنس، فقال: سألت أبا ثابت محمد بن عبد الله المدني صاحب ابن القاسم: هل لمالك كتاب سر؟ فقال: سألت ابن القاسم عن ذلك؟ فقال: ما نعرف لمالك كتاب سر ".
فرعان:
الأول: إذا نزع الخف فأجرى على حكم الموالاة، فقيل: يبتدئ الوضوء، وقيل: يغسل رجليه مبادرا، فإن أخر قاصدا ابتدأ، وهو المشهور. وقيل: له أن يؤخر إن شاء.
الفرع الثاني: لو نزع الخفين لوجب غسل الرجلين جميعا.
فإن امتنع ليه نزع الآخر، حتى خشي إن دام على الاشتغال به فوات الوقت، فقيل: يغسل الرجل المكشوفة ويمسح على الأخرى قياسا على الجبيرة، وقيل: ينتقل إلى التيمم، لأن الرجلين في حكم العضو الواحد. وقيل: يمزق الخف، لأن المحافظة على قيام وظيفة الطهارة تقدم على حفظ مالية الخف.
الفصل الثاني: في المسح على الجبائر
وهو مشروع لدفع الضرر، فإذا كانت الجبيرة في أعضاء الوضوء أو في غيرها ووجب غسل الجسد، انتقل الفرض إلى مسحها.
ولا (تشترط) في شدها الطهارة، كما تشترط في الخف؛ لأنها ضرورية (بخلافه).
ويلتحق بها ما يفتقر إلى مداواته بوضع شيء عليه، كالظفر يكسى دواء أو مرارة، وكالقرطاس يلصق بالرأس لصداع ونحوه.
وكذلك إن كانت الجبيرة لا تثبت إلا بعصابة فوقها، فينتقل الحكم إلى مسح العصابة.
وكذلك لو اضطر إلى تعدي الرباط لموضع الألم لمسح على الجميع، وتلحق بذلك الفصادة يخاف من حلها.
فروع ثلاثة:
أحدها: لو كان الموضع بحث لا يمكن وضع شيء عليه، ولا ملاقاته بالماء، فإن كان في موضع التيمم، ولم يمكن مسحه أيضا بالتراب، فليس إلا الوضوء، وتركه بلا غسل ولا مسح. وإن لم يكن في أعضاء التيمم فثلاثة أقوال.
أحدها: أنه ينتقل إلى التيمم ليأتي بطهارة كاملة.
[ ١ / ٦٩ ]
والثاني: أنه لا ينتقل (إذا) وجد الماء والقدرة عليه.
والثالث: أنه يجمع بينهما، وهو رأي من أشكل عليه الأمر.
الفرع الثاني: إذا مسح على الجبيرة ثم صح نزعها وغسل مكانها، إلا أن يكون من الرأس ولم يجنب فيمسحه.
فإن سقطت الجبيرة وهو في الصلاة، وجب عليه القطع، وردها إن احتاج إليها ومسح، وإن لم يحتج غسل الموضع أو مسحه، ثم استأنف الصلاة.
الفرع الثالث: أن يغتسل فيمسح، ثم يصح فينسي أن يغسل موضع الجبيرة، ففي الكتاب: " إن كانت في موضع لا يصيبه الوضوء إنما هو في المنكب أو الظهر، فأرى أن يعيد كل ما صلى، ومن حين كان يقدر على أن يمسه بالماء ".
قال المتأخرون: ولو كان قد اغتسل لجنابة بعدما صح المكان أعاد من حين البرء إلى حين اغتسل للجنابة، ولو كان في أعضاء الوضوء لأجزأه غسله لحدث الوضوء ولم يعد ما صلى بعده، قالوا: إلا أن يكون في الرأس، إذا لا يجزي المسح عن الغسل.
الباب السابع: في الحيض والنفاس وما يتصل بهما
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في أحكام الحيض، وفيه مسائل
الأولى: في حده:
وقد حده القاضي أبو محمد، " بأنه الدم الخارج من الفرج من اليفعة "، فمن زاد على سنها إلى نهاية ما يقصر عن سن اليائسة، في مدة خمسة عشر يوما، فدونها إلى ساعة، من غير ولادة ولا مرض.
والاحتراز باليفعة عمن قصر سنها عن ذلك، كبنت خمس أو ست سنين؛ إذ ذلك مرض وليس بحيض، وكذلك بنت السبعين والثمانين، وكلك بنت الخمسين عند الشيخ أبي إسحاق، وباقي الحد احتراز عن النفاس والاستحاضة.
[ ١ / ٧٠ ]
المسألة الثانية: في مدته: فيما يرجع إلى العبادات غير محدود، فتعتبر الدفعة الواحدة وتكون حيضا، وإن لم تكن حيضة معدودة في العدد والاستبراء، وإلى هذا المعنى أشار القاضي أبو الفرج بقوله: الدفعة حيض وليست بحيضة، وأكثر مدته محدود بخمسة عشر يوما على المنصوص.
وأكثر الطهر لا حد له، وأقله محدود، لكن اختلف هل يعتبر في تحديده عدد الأيام أو استقرار العادة؟ في ذلك قولان: ثم إذا اعتبرنا الأيام، ففي العدد المعتبر من ذلك أربعة أقوال.
قال محمد بن مسلمة: خمسة عشر يوما، وهو المشهور. وقال ابن حبيب: عشرة وقال سحنون: ثمانية واستقرأه الشيخ أبو محمد من الكتاب. وقال ابن الماجشون: خمسة.
ومستند هذه التقديرات هو الموجود المعلوم بالاستقراء، وحيث وقع الخلاف، فهو لاختلاف العوائد عن المختلفين فيها، وعلى هذا الأصل يخرج الخلاف في أكثر مسائل هذا الباب.
المسألة الثالثة: فيما يمتنع به.
وحكمه امتناع أمور خمسة:
الأول: ما يفتقر إلى الطهارة؛ كسجود التلاوة والطواف والصلاة وغير ذلك، ثم لا يجب قضاء الصلاة عليها.
الثاني: دخول المسجد.
الثالث: الصوم فلا يصح منها، ويجب قضاؤه، بخلاف الصلاة.
الرابع: الطلاق، واختلف هل منعه فيه خيفة من تطويل العدة، أو هو شرع غير معلل؟ قال أبو الحسن اللخمي: " وهذا هو الظاهر من المذهب ".
ويخرج على تحقيق الخلاف ثلاثة فروع:
[طلاق] الحائض التي لم يدخل بها، والحامل الحائض، والمستحاضة يتغير دمها على القول بأن عدتها بالسنة.
[ ١ / ٧١ ]
الخامس: الجماع، ولا يحرم الاستمتاع بما فوق السرة، ويحرم بما تحت الإزار مما دون الفرج على المشهور.
[و] قال ابن حبيب: ذلك للتقية والحذر، وليس ذلك يضيق على من فعل إذا اجتنب الفرج، قال: وكذلك سمعت أصبغ يقول: ويحرم الوطء في الفرج مع استمرار الدم بإجماع، فإن وطئ عصى، ولا كفارة عليه إلا التوبة والاستغفار وترك العودة، رواه ابن وهب وعلي بن زياد.
وكذلك الحكم بعد انقطاعه وقبل الاغتسال، وقال ابن بكير: لا يحرم الوطء بعد انقطاع الدم، ولكن يكره للخلاف فيه. وفي جواز وطئها إذا تيممت قولان حكاهما الشيخ أبو الطاهر، ثم بناهما على الخلاف في كون التيمم يرفع الحدث أم لا؟.
الفصل الثاني: في الحيض، وهن أربع:
المبتدأة، والمعتادة، والمختلطة، والحامل.
وحكمهن في ابتداء الحيض واحد، فمن رأت دما وهي في سن من تحيض، فهو حيض، ولا ينظر إلى صفته، مبتدأة كانت أو معتادة حائلا أو حاملا، لكن تتعدد أحكامهن في التمادي.
فأما الأولى: فإن انقطع دمها لعادة لذاتها، أو دون ذلك فطهرت، اغتسلت وصلت.
وإن تمادى بها الدم، فروى علي بن زياد، أنها تغتسل وتصلي، وتكون مستحاضة.
وروى ابن وهب: أنها تستظهر بثلاثة أيام، ثم تكون مستحاضة. وروى ابن القاسم في الكتاب، وأكثر المدنيين: أنها تتمادى إلى تمام خمسة عشر يوما.
وأما الثانية، فإن وقفت على عادتها أو أقل، فطهرت، اغتسلت، وصلت، وإن تمادى بها الدم، فهل تتمادى إلى تمام خمسة عشر يوما، أو تقتصر على مقدار عادتها والاستظهار؟ روايتان في الكتاب، وقيل: باقتصارها على العادة من غير استظهار.
فروع ثلاثة:
الأول: حيث قلنا بالاستظهار على العادة، فكانت عادتها تختلف، استظهرت على
[ ١ / ٧٢ ]
أكثرها. وقال ابن حبيب: تستظهر على أقلها.
الثاني: أنها في أيام الاستظهار كالحائض حقيقة، فإن بقي بعدها إلى تمام خمسة عشر يوما [أيام]، فقيل: حكمها (فيها) حكم الطاهر المطلق.
وقيل: تحتاط، فتصوم وتقضي، وتصلى ولا تقضي، وتمتنع من الزوج، وتغتسل عند انقضاء الخمسة عشرة يوما. قال عبد الحق: " ويكن هذا الغسل هو الواجب على هذا القول، والأول احتياط "، قال: " وأما على القول الأول فيكون استحبابا، والواجب هو المفعول عند تمام الاستظهار ".
الثالث: إذا انقطع الدم ثم عاد بعد مضي طهر تام، فهو حيض مؤتنف، وإن كان قبل مضي طهر تام فالمجموع حيضة واحدة، إلا أن يزيد مجموع الدمين على خمسة عشر يوما، فيكون الزائد استحاضة، وكذلك لو كمل زممن الحيض من الأول، لكان الثاني استحاضة.
وفي هذا الأرض فرع تظهر فائدة الخلاف في أقل الطهر على ما تقدم. وأما الثالثة، وهي التي ترى الدم يوما أو أياما، والطهر كذلك، حتى لم يحصل طهر محقق، فحكمها أنها إن زاد الحيض على الطهر فهي مستحاضة. وإن تساويا أو كان الطهر أكثر، ولم ينقطع الدم أياما يكون طهرا تاما، فالمشهور أنها تلفق أيام الدم، وتحسب منها ما رأت فيه الدم، ولو طهرت في بقيته حتى تكمل لها من ذلك عادتها أو عادة لذاتها إن كانت مبتدأة، ثم يكون حكمها في الاقتصار على ذلك، أو الاستظهار عليه، أو التمادي إلى (تمام) خمسة عشر يوما، على ما تقدم، وتلغي في جميع ذلك أيام الطهر، ثم تكون بعد ذلك مستحاضة.
وقال محمد بن مسلمة: لا تكون مستحاضة ما لم تزد أيام الدم على أيام الطهر، وإلا فهي حائض في أيام الدم، طاهر حقيقة في أيام النقاء، ولو تمادت على ذلك عمرها.
ثم حيث حكمنا بالاستحاضة، فهي مستمرة على ذلك ما لم يتغير الدم بعد مضي مدة طهر تام، أو (تستأنف) بعد انقطاعه مدة الطهر.
وأما الرابعة، فحكمها في أول رؤية الدم حكم الحائل، وكذلك إن تمادى بها ولم تتغير عادتها، فإن غير الحمل عادتها وتمادى بها الدم، فالمغيرة وأشهب يجريانها مجرى الحائل، وابن القاسم وغيره يزيدون في مدة حيضها، إلا أنهم اختلفوا في مقدار الزيادة، فقال
[ ١ / ٧٣ ]
ابن القاسم في الكتاب: " تمكث بعد الثلاثة الأشهر ونحوها خمسة عشر يوما أو نحو ذلك "، وإذا جاوزت الستة الأشهر ثم رأته، نكثت ما بينها وبين العشرين أو نحو ذلك، وروى عنه أبو زيد: آخر الحمل ثلاثين يوما.
وقال ابن الماجشون: أكثره خمسة عشر يوما، قال: ولا أنظر إلى أول الحمل، ولا (إلى) آخره.
وروى مطرف: أنها إن رأته في الشهر الأول مكثت أيام عادتها والاستظهار، وإن رأته في الثاني مكثت ضعف العادة من غير استظهار. وفي الثالث تمكث ثلاثة أقوال أمثال العادة. وفي الرابع أربعة أمثالها، وهكذا حتى تنتهي أيام الدم إلى ستين يوما، فلا تزيد عليها.
وروى علي بن زياد: أنها تمكث أقصى ما يكون الدم بالحوامل، فلم يحد أياما.
وقيل في هذا: (إنها) تمكث ما لم تسترب من طوله، وترى أنه سقم حدث، وليس مما يعرض للنساء في الحمل.
وقال ابن وهب: تمكث ضعف أيامها فقط.
فروع مرتبة:
الأول: في معرفة الطهر، وله علامتان:
الجفوف، وهو أن تدخل المرأة الخرقة فتخرجها جافة.
والقصة البيضاء وهو ماء رقيق أبيض، يأتي في آخر الحيض، كماء القصة وهو الجير.
الثاني: وهو مرتب على الأول: أي العلامتين أبلغ؟ فروى ابن القاسم: " أن القصة أبلغ من الجفوف ". وقال ابن عبد الحكم: " الجفوف أبلغ ". وقال القاضي أبو
[ ١ / ٧٤ ]
محمد وأبو (جعفر) الداودي بالتسوية بين العلامتين.
وسبب الخلاف: اختلاف الشهادة بالعوائد.
وثمرته حكم من رأت غير عادتها منهما، فمعتادة الجفوف لا تنتظره على رواية ابن القاسم، ومعتادة القصة تنتظرها، وتنتظره معتادته عند ابن الحكم، ولا تنتظرها معتادتها. وأما القاضي أبو محمد والداودي فلا تنتظر عندهما، بل تعمل على أي العلامتين رأت من غير تفصيل.
والثالث: وهو مرتب على الثاني أنا حيث قلنا تنتظر علامتها، فذلك ما لم يخرج الوقت المختار، وقيل: الضروري، هذا حكم المعتادة. فأما المبتدأة التي ليس لها عادة، فقال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون: لا تطهر إلا بالجفوف. وقال غيرهم: تطهر بما تراه من العلامتين، قال القاضي أبو الوليد: " وهذا القول من ابن القاسم نزوع إلى قول ابن عبد الحكم ".
الفصل الثالث: في (المستحاضات)
وإذا تمادى الدم بالحائض، وحكم لها بالاستحاضة على أي هذه الأقوال، (فلا
[ ١ / ٧٥ ]
(تخلو) أن تكون مبتدأة أو معتادة، وكل واحدة منهما. إما مميزة وإما غير مميزة، [فهن] إذا على أربعة أقسام.
١ - مبتدأة مميزة.
٢ - مبتدأة غير مميزة.
٣ - معتادة (من غير) تمييز.
٤ - معتادة بتمييز.
فأما الأولى فحيضها مدة تمييزها، بشرط أن لا يزيد على أكثر مدة الحيض، فإن زاد على أكثره، لم يكن حيضا.
وأما الثانية، وهي المبتدأة من غير تمييز، فقد تقدم المذهب فيها. قال القاضي أبو بكر: " والصحيح جلوسها خمسة عشر يوما، ثم يحكم لها بالاستحاضة ".
وأما الثالثة: وهي المعتادة من غير تمييز، فهي على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تقتصر على عادتها كما تقدم، قاله المغيرة، وأبو مصعب، قالا: وذلك إذا شكت، فلم تدر (أذلك) انتقال أو استحاضة، فإنها تغتسل وتصلي وتصوم، ولا يصيبها زوجها احتياطا، ثم ينظر إلى ما يصير إليه أمرها، فإن انقطع الدم عنها لتمام خمسة عشر يوما، علم أنه قد انتقلت عادتها، وكانت المدة كلها حيضا، وإن استمر الدم، علم أن ذلك استحاضة، واعتدت بحيضتها على ما تقدم من عادتها، وتقضي الصوم فيما بين ذلك وبين الزيادة على خمسة عشر يوما).
[و] القول الثاني: أنها تبلغ خمسة عشر يومان قاله مطرف.
[ ١ / ٧٦ ]
الثالث: القول بالاستظهار على العادة كما تقدم، لكن اختلف القائلون به، هل (يتجاوز) به الخمسة عشر يوما، أم لا؟ فالمشهور أنه لا [تتجاوزها]، وفي كتاب محمد: أنها تستظهر على الخمسة عشر يوما بيوم أو يومين. وقال ابن نافع في كتاب ابن سحنون: أنها تستظهر عليها بثلاثة أيام، وأنكره سحنون.
وأما الرابعة: وهي المعتادة بتمييز، فالمذهب أنها تعتبر التمييز لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، ولأن العادة قد تختلف، والتمييز لا يختلف، ولأن النظر إلى اللون اجتهاد، والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد.
فرع: والاستحاضة كسلس البول لا تمنع الصلاة، لكن يستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة.
وأما غسلها فمن طهر إلى طهر، إن كانت مميزة، وإن لم تكن مميزة، فغسلها عند الحكم عليها بالاستحاضة يجزئها.
الفصل الرابع: في دم النفاس
وهو الدم الخارج من الفرج بسبب الولادة من غير مرض خارج عنها.
وفي تحديد أكثره بستين يوما، أو رد تحديده إلى العادة، روايتان في الكتاب.
ولا شك في أن ما بعد تمام الوضع نفاس معتد به، فأما الدم بين التوأمين ففي كونه نفاسا لانفصال الأول، أو حيضا لبقاء الثاني، قولان في الكتاب، وإذا قلنا بأنه نفاس.
[ ١ / ٧٧ ]
فما بعد الثاني معه نفسا واحد.
ولو انقع دم النافس، ثم عاد بعد مضي طهر تام، فهو حيض. وإن عاد لدون الطهر فهو نفاس، إلا أن يكون النفاس كمل بالأول، فيكون استحاضة.
وحكم دم النفاس فيما يمنعه، وفي اقتضاء الغسل، حكم دم الحيض على ما تقدم (والله أعلم) (تم كتاب الطهارة) والحمد لله، [حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد نبيه ورسوله وعبده].
[ ١ / ٧٨ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما]