وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانه، وهي أربعة:
الركن الأول: المظاهر
وهو كل مسلم عاقل بالغ. فلا يصح ظهار الذمي. ويصح ظهار السيد عن (الأمة) التي يباح له وطؤها. وفي لزومه في المكاتبة إذا عجزت فعادت خلاف.
فأما السكران الطافح والمراهق فظهارهما كطلاقهما. ولا يلزم المجنون ظهار.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
وفي لزوم ظهار من لا يقدر على الوطء أو لا يمكنه، وإنما يقدر على أوائله خلاف، منشؤه: هل الظهار تحريم لجملة المرأة، أو للوطء خاصة؟
الركن الثاني: المظاهر عنها
وهي كل امرأة كان وطؤها جائزًا لمن ظاهر عنها، أو كانت ممن يلحقها طلاقه، حرة كانت أو أمة، مسلمة أو كتابية.
الركن الثالث: اللفظ. وهو قسمان: صريح، وكناية
فالصريح ما تضمن ذكر الظهر في محرم من النساء، كقوله: أنت علي كظهر أمي، أو أختي، أو عمتي، أو أمي من الرضاعة أو خنتني.
والكناية نوعان:
ظاهرة، وهي ما تضمن ذكر الظهر في غير المحرم، أو التشبيه بالمحرم من غير ذكر الظهر، كقوله: أنت علي مثل أمي، أو حرام كأمي، أو مثل أمي، أو كفخذها، أو بعض أعضائها. وكقوله: أنت علي كظهر فلانة لأجنبية، هي متزوجة أو غير متزوجة. وخفية، وهي ما لا يقتضي الظهار بوجه، كقوله: ادخلي الدار، أو اخرجي، أو تقنعي، وشبهه.
فأما الصريح فظهار، فإن أراد به الطلاق لم يكن طلاقًا. وروي عن ابن القاسم أنه يكون طلاقًا ثلاثًا، ولا ينوي في أقل من ذلك. وقال سحنون: ينوي في دون الثلاث إن ادعى أنه أراده.
وأما الكناية الظاهرة، فهي ظهار أيضًا، إلا أن يريد (به) التحريم، فتكون عليه حرامًا، ولا يقبل قوله أنه لم يرد به شيئًا لا طلاقًا ولا ظهارًا.
وأما الكناية الخفية، فإن أراد بها الظهار لزمه، وإلا لم يلزمه به شيء.
ولو ترك الصلة فقال: أنت كظهر أمي، فهو كما لو قال: أنت طالق، ولم يقل: مني، أما لو قال: كعين أمي أو روحها، أو كامي، وأراد الكرامة، فليس بظهار. وإن قصد الظهار فهو ظهار. ولو قال يدك، أو نصفك علي كظهر أمي، فهو ظهار.
الركن الرابع: المشبه بها
وهي الأم، ويلحق بها كل محرمة على التأبيد بنسب أو رضاع أو صهر. ولو شبه بمحرمة لا على التأبيد، فإن ذكر الظهر، فهي الكناية الظاهرة، وقد تقدم حكمها، وإن لم يذكر الظهر، فقال أشهب: هو ظهار، إلا أن يريد به الطلاق.
[ ٢ / ٥٥١ ]
وقال عبد الملك عكسه. وقيل: ظهار وإن أريد به الطلاق. وقيل: عكسه.
(قال ابن القاسم: «ولو قال: أنت علي كظهر ابني، أو غلامي، فهو مظاهر.
وقاله أصبغ».
(وقال ابن حبيب: لا يلزمه ظهار ولا طلاق، وإنه لمنكر من القول). قال ابن القاسم: وإن قال: (كابني) أو كغلامي، فهو تحريم).
ويقبل الظهار التعليق، فلو قال: إذا ظاهرت عن فلانة الأجنبية، فأنت علي كظهر أمي، صح، فإذا نكح الأجنبية فظاهر عنها حنث.
وإن قال: إن ظاهرت عنها، وهي أجنبية، فإن أراد بذلك التعليق كقوله: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، حنث بوجوده. وكذلك إن أراد مجرد وجود الصيغة، وإلا فلا تحرم.
ولو قال: أنت حرام علي كظهر أمي، وأراد مجرد الطلاق، أو مجرد الظهار، كان كما نوى. وأطلق القاضي أبو محمد أنه طلاق، ولم يشترط نية. ولو لم تكن له نية لكان ظهارًا.
ولو نواهما جميعًا، وقدم الظهار في نيته كان مظاهرًا، ثم مطلقًا، فإن عادت إلى النكاح لم يطأ حتى يكفر.
ولو خاطب بذلك أجنبية معلقًا لهما على وجود العصمة لزماه جميعًا، سواء قدم في لفظة الطلاق أو الظهار.
وقال ابن القاسم: ولو قدم الظهار لكان أبين، وهو بخلاف الزوجة، لأنه في الأولى ظاهر من مطلقة، ولم يرد أنه إذا تزوجها وقع عليها ذلك، بخلاف هذه المسألة، فإنه صرح بهذا فيها. نعم لو قال للزوجة: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا، وأنت علي كظهر أمي، فدخلت الدار، لزماه جميعًا لوقوعهما معًا.
ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا، ثم أنت علي كظهر أمي، لم يلزمه الظهار للترتيب بثم، بخلاف الواو، فإنها لا ترتب، فيقعان معًا.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
الباب الثاني: في حكم الظهار، وله حكمان
أحدهما: تحريم الجماع والاستمتاع تحريمًا ممدودًا إلى التكفير، سواء كانت الكفارة بإطعام أو بغيره.
وقال سحنون وأصبغ: يحرم الجماع فقط، ولا يحرم الاستمتاع، وإنما ينهى عنه خوف الذريعة.
قال أبو القاسم بن محرز: والأول قول البغداديين. قال: وهو مقتضى الكتاب في إلزام الظهار في الرتقاء، (إذ) ليس فيها إلا التلذذ.
وسبب الخلاف: هل الظهار تحريم للزوجة بالكلية؟ أو إنما هو عبارة عن الركوب للوطء خاصة فلا تحرم أوائله؟
وعلى الخلاف في ذلك ينبني تفسير العود ما هو، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وإذا فرعنا على الأول، فلو ظاهر الشيخ الكبير الذي لا حراك عنده، ومن هو مقطوع الذكر، فإن الظهار يلزمه، لأنه يتعلق بما يتأتى له فعله من أنواع التلذذ.
وعلى مذهب سحنون وأصبغ لا يكون مظاهرًا.
الحكم الثاني: وجوب الكفارة بالعود، والنظر في العود والكفارة.
النظر الأول: في بيان العود
والعود هو العزم على الإمساك والوطء معًا في رواية. وهي مذهب الموطأ واختيار
[ ٢ / ٥٥٣ ]
القاضي أبو بكر. والعزم على الإمساك خاصة في أخرى، وعلى الوطء خاصة في ثالثة، وهي مذهب الكتاب. وفي رواية رابعة، أن العود الوطء نفسه.
فروع: الأول: لو قال: أنت علي كظهر أمي خمسة أشهر، لصح مؤيدًا كالطلاق. وروي أنه يصح مؤقتًا.
ولو قال: أنت علي كظهر أمي بعد خمسة أشهر، تنجز عليه الظهار كالطلاق. وقيل: يتأجل. وفرق بأنه تحريم يرتفع بالكفارة، فلم يكن فيه شبه بنكاح المتعة.
الثاني: لو قال لأربع نسوة: أنتن علي كظهر أمي، فلو عاد في الكل أجزأته كفارة واحدة، كما لو عاد في واحدة فقط. ولو ظاهر عنهن بأربع كلمات على التوالي وعاد في الجميع لزمه أربع كفارات. ولو كرر لفظ الظهار على واحدة متواليًا، كقوله: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، فليس عليه إلا كفارة واحدة وإن نوى تكرار الظهار. إلا أن ينوي بذلك ثلاث كفارات، فتكون عليه ثلاث كفارات، كاليمين بالله تعالى.
قال القاضي أبو الوليد: «هذا كله ما لم تلزمه الكفارة الأولى بالوطء، فلو وطئ ثم ظاهر منها مرة أخرى، ففي مختصر ابن عبد الحكم: عليه كفارة ثانية».
فرع: إذا قلنا: إن تكرار الظهار بمعنى تكرار الكفارة يوجب عليه الكفارة، فهل يجب تقديم جميعها على الوطء كالأولى، أم لا؟. قولان للشيخ أبي محمد وللشيخين أبي الحسن وأبي عمران.
الثالث: إذا قال: إن لم أتزوج عليك، فأنت علي كظهر أمي، فإنما يصير مظاهرًا عند اليأس أو العزيمة على ترك التزويج، إلا أن ينوي إلى مدة معلومة فيحنث بمضيها.
ولو قال: إن دخلت الدار، فأنت علي كظهر أمي، ثم أعتق عن الظهار قبل الدخول لم يجزئه، كما لو قال: إن دخلت الدار فوالله لا أكلمك، ثم أعتق قبله، لم يجزئه.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
النظر الثاني: في بيان الكفارات، (وهي) ثلاث خصال:
الأولى: العتق، ولا يجزي في الظهار إلا ما يجزي في الصيام والأيمان من كونها كاملة غير ملفقة، مؤمنة سليمة محررة، وتحريرها: أن يبتدئ إعتاقها من غير أن يكون مستحقًا بوجه سابق. ونعني بالسليمة السالمة من العيوب القادحة.
والعيوب ثلاثة أنواع:
الأول: ما يمنع من الكسب أو كماله، فهو قادح يمنع الإجزاء، وهذا كالمريض المزمن، والأقطع، والأعمى، والأبكم، والمجنون، والهرم العاجز، والمريض الذي لا يرجى برؤه.
الثاني: ما لا يمنع الكسب، ولا يشين، فليس بقادح، ولا يمنع الإجراء، (وهذا) كالمرض الخفيف، والعرج الخفيف، وقطع الأنملة.
الثالث: ما يشين ولا يمنع الكسب، ففي منعه الإجزاء خلاف ينبني على الشهادة بأنه قادح أو غير قادح، وذلك كاصطلام الأذن، والصم، والعور، والمرض الكثير الذي لم يبلغ إلى السياق، والبرص الخفيف، والعرج البين، والخصاء، وقطع الأصبع.
شرح الخلاف:
أما الاصطلام، فقال في الكتاب: «لا يجزئ». قال أبو الحسن اللخمي: وعلى قول أشهب يجزئ.
وأما الصمم، فقال مالك في الكتاب: «لا يجزئ، وقال أشهب: يجزئ».
وأما العور فقال مالك والمصريون: «يجزئ». وقال عبد الملك: لا يجزئ. وهو قول مالك في المبسوط.
وأما المرض الكثير: فقال محمد: يجزئ ما لم ينازع. وقاله عبد الملك. واستقرأ أبو
[ ٢ / ٥٥٥ ]
الحسن اللخمي من قول الغير في الكتاب: إذا كان البرص خفيفًا، ولم يكن مرضًا، أن المرض يمنع الإجزاء.
وأما البرص، فقال ابن القاسم في الكتاب: «لا يجزئ». وقال عبد الملك: إذا كان خفيفًا ولم يكن مرضًا أجزأ. وقال أيضًا أشهب.
وأما العرج البين، «ففي الكتاب نفي الإجزاء». وقال أشهب في كتاب محمد: يجزئ. وروي أيضًا عن مالك.
وأما الخصاء فكرهه ابن القاسم في الكتاب وقال أيضًا: «لا يجزئ». «قال: ولو كان (خصيًا) غير مجبوب ما أجزأ». وقال أشهب في كتاب محمد: يجزئ، ورواه في العتبية عن مالك.
وأما قطع الأصبع، ففي الكتاب لابن القاسم: «لا يجزئ». وقال في غيره: يجزئ ويجزئ عتق الصغير وإن كان عاجزًا عن الكسب لصغره، ولكن الكبير أحب. ولا يجزئ عتق الجنين.
وأما كمال الرق، فاحترزنا به عمن فيه عقد حرية، كالمعتقة إلى أجل، والمستولدة، والمكاتبة، والمدبرة، والتي بعضها حر. فإن اشترى المدبر أو المكاتب فأعتقه عن ظهار لم يجزئه.
وقيل: بالإجزاء، بناء على قول من قال: إن من اشترى أحدهما فأعتقه مضى العتق، ولم ينقض البيع. فإن قلنا بنقضه، فلا يجزئ عتقهما ها هنا.
ولو كانت الرقبة مشتركة بينه وبين غيره، فأعتق جميعها عن ظهاره، ففي
[ ٢ / ٥٥٦ ]
الإجزاء قولان، المشهور عدمه. ولو أعتق البعض وأكمل عليه الباقي، فالمنصوص أنه لا يجزيه. ولو كان مالكًا للجميع، فأعتق البعض، لم (يجزئه). وقيل: بالإجزاء.
ولو علق عتق عبد على شرائه، ثم اشتراه، فأعتقه عن ظهاره، لم (يجزئه). ولو قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ففي ثبوت الإجزاء ونفيه خلاف بين ابن القاسم ومحمد مبني على أن الحرية يتخيل وقوعها قبل كمال الملك أو معه، (أو) إنما تقع (مترتبة) على الملك. ولو اشترى من يعتق عليه، فأعتقه عن الظهار، لم (يجزئه).
واستثنى بعض المتأخرين صورة واحدة، وهي ما لو كان عليه دين، فكان للغرماء أن يمنعوه، فأذنوا له أن يعتقه عن الظهار، قال: فإنه يجزئ، لأن الملك قد استقر عليه.
وأما عتق المرهون والجاني إن نفذاه فيجزئ. وعتق نصفين من عبد واحد في دفعتين مختلف فيه، والمشهور نفي الإجزاء. وعتق نصفي عبدين غير مجزئ. ولو أعتق عبدين عن كفارتين، وقال: عن كل واحدة نصف من كل عبد لم يجزئه. والعبد الغائب المنقطع الخبر لا يجزئ. والعبد المغصوب يجزئ.
وأما قولنا: (خالية) عن شوائب العوض فأردنا به: لو أعتقه عن كفارته على أن يرد دينارًا، عتق لا عن الكفارة.
ولو قال لغيره: أعتق عبدك عن كفارتك، ولك علي ألف، لم ينصرف إلى الكفارة، وعتق.
وفي إجزاء ما أعتق عنه الغير ونفيه ثلاثة أقوال:
(الإجزاء ونفيه لابن القاسم وأشهب).
وفرق عبد الملك في الثالث، فقال: يجزيه مع الإذن، ولا يجزيه مع عدمه. وقال ابن القاسم أيضًا: يجزيه ما لم يدفع إليه في ثمنه شيئًا على ذلك.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
قال الشيخ أبو محمد: يريد كأنه اشتراه بشرط العتق).
ومنشأ الخلاف في القولين الأولين، هل استقر الملك أولًا، ثم وقع العتق بعده، أو لم يستقر الملك عليه إذا لم يتملكه إلا إلى حرية.
وأما اعتبار الإذن، فبناء على وجوب نية العتق في الكفارة، وهو المشهور من المذهب. وقيل: لا تجب.
الخصلة الثانية: الصيام
ولا يجوز العدول إليه، وإلا لمن عجز عن العتق، فلو ملك رقبة لم يكن له الانتقال إلى الصوم مع وجودها، وإن كان محتاجًا إلى خدمتها لمرضه أو لمنصبه الذي يأبى مباشرة الأعمال، أو لغير ذلك.
ولو تظاهر من أمته وهو لا يملك غيرها، لم يجزئه الصيام، وهي تجزئه نفسها إن أعتقها عن ظهاره، فإن تزوجها حلت له.
قال أبو الحسن اللخمي: يجزيه عتقها على القول: إن العود العزم على الإمساك، وأنه إن طلق بعد ذلك أو ماتت، لم تسقط عنه الكفارة.
قال: ويجزيه أيضًا على القول أنه إذا ابتدأ بالكفارة، والزوجة في العصمة، وأتمها بعد انقضاء العدة، أنها تجزيه، وهو قول ابن نافع.
(قال): ولا تجزيه على القول: إن من شرطها أن تكون بموضع يستبيح به الإصابة، لأن عتقها خلاف العزم على الإصابة. قال: فلا يجزيه العتق (لهذا)، ولا يجزيه الصوم، لأنه مالك لرقبة.
ولو ملك دارًا لا فضل فيها، أو ملك من العروض أو غيرها ما يشتري بثمنه رقبة، لم ينتقل إلى الصوم.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
والاعتبار بوقت الأداء. وقيل: بوقت الوجوب إن كان فيه موسرًا. (وقال بعض القرويين: إنما ذلك لمن وطئ فلزمته الكفارة بالعتق ليسره، فلم يكفر حتى أعسر فصام. فأما إن لم يطأها حتى أعسر فصام، ثم أيسر، فلا يلزمه العتق).
(ثم حيث قلنا: ينتقل إلى الصوم، فلو شرع في الصوم ثم أيسر، لم يلزمه العتق)، وقيل: إن كان إنما صام يومًا أو يومين، أعتق.
وقال في الكتاب: «أرى أن ذلك حسنًا أن يرجع إلى العتق. ولست أرى ذلك بالواجب عليه، ولكنه أحب ما فيه إلي».
فرع: فإن أفسد هذا الصوم، بوطئ امرأته بعد أن يبق عليه إلا يوم واحد، وكان حينئذ واجدًا للرقبة، وجب عليه عتقها، ولا يجزيه الصوم.
ومن قال: كل مملوك أملكه إلى عشر سنين حر، ثم لزمه ظهار وهو موسر، فطالبته امرأته، ففرضه الصيام. ولو لم تطالبه لما أجزأه الصوم، وصبر إلى انقضاء الأجل فأعتق.
ولو تكلف المعسر الإعتاق، (جاز) ذلك، وأجزأ عنه. والعبد وإن كان يملك، فلا يصح منه التكفير بالإعتاق لمعنيين:
أحدهما: حق السيد.
والثاني: أن الولاء لا يقع له، وإن أذن السيد في العتق، وذلك يمنع وقوع العتق عنه، ولسيده منعه من الصوم إذا أضر ذلك به في خدمته، إلا أن يكون يؤدي الخراج فقوي على عمله وصومه، فلا يمنع منه.
وقال ابن الماجشون: ليس له منعه وإن أضر به في الخدمة. قال في الكتاب: «وأحب إلي أن يصوم، وإن أذن له سيده في الإطعام.
قال ابن القاسم: والصيام عليه، وهو الذي فرضه الله على من قوي عليه. وليس يطعم أحد يستطيع الصيام».
واعتذر أبو القاسم بن محرز عن مالك بأن مقصوده الكلام على ما إذا منعه السيد الصيام، وأباح له العتق أو الإطعام، فتوفق مالك، هل له ذلك أم لا؟، فاستحب الصيام لأجل تردده،
[ ٢ / ٥٥٩ ]
ولو جزم بأن السيد ليس (له) منعه من الصيام، لجزم بأن الواجب عليه الصيام كما قال ابن القاسم، وإنما خرج كلامه على التردد.
ومن نصفه حر ونصفه رقيق فهو كالرقيق.
أما حكم الصوم، فهو أنه تجب فيه نية الكفارة ونية التتابع. وإذا مات لم يصم عنه وليه. ويصوم شهرين بالآهلة، فإن انكسر الشهر صام أحد الشهرين بالهلال، وتمم (الكسر) ثلاثين. وينقطع التتابع بوطء المظاهر ليلًا أو نهارًا، ولو في اليوم الأخير أو ليلته، ويجب الاستئناف.
والحيض لا يقطع التتابع، وكذلك المرض، ويقطعه الفطر في السفر من غير ضرورة.
وإن أفطر ساهيًا أو مخطئًا، لم ينقطع (تتابعه .. وقيل: ينقطع بهما. وقيل: ينقطع) بالخطأ دون السهو. ولا خلاف في بطلان تتابعه بالفطر متعمدًا من غير عذر.
وكذلك لو ابتدأ قاصدًا في وقت يعلم أن أيام الأضحى تمر به، فإن كان هذا لجهل، ففي قطع التتابع به خلاف.
ثم إذا قلنا: لا ينقطع التتابع بذلك، فإنه يفطر أيام الأضحى، ويقضيها متتابعة متصلة بما قبلها.
فرعان: الأول: لو صام شعبان ورمضان لكفارته وفريضته لم يجزئه رمضان عن واحد منهما، ولزمه قضاء ثلاثة أشهر.
الفرع الثاني: لو جمع أربعة أشهر للصوم عن ظهارين، ثم ذكر يومين لا يدري هما من الشهرين الأولين أو من الثانيين أو منهما؟. ولا يدري هل هما مجموعان أو مفترقان؟ فإن قلنا: إن النسيان لا يضر، والتفرقة كذلك، فيأتي بيومين لا غير.
وإن قلنا: إن (كلا هذين) مضر ومبطل للصوم، فروى سحنون عن ابن القاسم: «أنه يصوم يومين يصلهما بآخر صيامه، خيفة أن يكونا من الشهرين الأخيرين، ثم يأتي بشهرين قضاء عن الأولين».
[ ٢ / ٥٦٠ ]
(وقال ابن سحنون عن أبيه في ذكره ليومين متتابعين، أنه يصوم يومًا وشهرين يصل ذلك بصيامه، لأن الشهرين تنوب عن ذلك، وإنما أشد ما يقدر أنه ترك يومًا من آخر الشهرين الأولين، ويومًا من أول الشهرين الأخيرين. فيأتي بيوم تداركًا للأخيرين وشهرين قضاء عن الأولين.
قال أبو محمد: «يعني سحنون: أنه لو أيقن أنهما من إحدى الكفارتين لم يكن عليه غير شهرين فقط».
قال أبو محمد: «يظهر) أن قول ابن القاسم أشبه، (لأنه) وإن أيقن أنهما من إحدى الكفارتين، فلا ينبغي له أن يخرج من كفارة هو فيها حتى يتمها بيقين، بأن يضيف إليها يومين، ثم يقضي الكفارة الأخرى. وكذلك إن لم يدر هل هما من إحدى الكفارتين، أو من آخر تلك وأول هذه، أن واحدة قد بطلت، غير أنه لا ينتقل من هذه التي هو فيها إلا بيقين من إصلاحها بيومين وذلك أكثر ما يمكن أن يكون عليه منها، كمن ذكر سجدة من إحدى ركعتين، فلا بد أن يصح هذه التي هو فيها بسجدة، وإن كان لا بد أن يعيد الأولى، إلا شيء رواه البرقي عن أشهب، أنه قال: يأتي بركعة، ولا يصلح هذه بشيء».
الخصلة الثالثة: الإطعام
فينتقل إليه من عجز عن الصيام عاجلًا وآجلًا، فلو غلب على ظنه القدرة في المستقبل، فقال ابن القاسم: ينتظر القدرة ولا يطعم. وقال أشهب: يطعم ولا ينتظر.
ثم النظر في القدر والجنس
أما القدر، فهو إطعام ستين مسكينًا، ويشترط فيهم (ما يشترط) في من تصرف الزكاة إليه من المساكين، ويراعي العدد، فلا يجزيه أن يطعم ذلك المقدار لدون هذا العدد.
واختلف في مقدار ما يعطى لكل مسكين. فروي: مدان بمد النبي ﷺ. وروى ابن حبيب: مد يده ﷺ. وفي الكتاب «مد بمد هشام». ثم اختلف في مقداره.
[ ٢ / ٥٦١ ]
(فروى العراقيون عن معن بن عيسى، أنه مدان بمد النبي ﷺ. واستصح ذلك القاضي أبو الوليد بوجهين:
«أحدهما: أن معنا مدني، فهو أعرف به.
والثاني: أن ذكر أنه شاهده، قال: وهو موجود إلى اليوم، وهو كيل السراة (وغيرهم من العرب).
(وقال ابن حبيب: جعله هشام لفرض الزوجات وهو مد وثلث. وقال ابن القاسم: «مد وثلثان».
وأما الجنس، فهو جنس زكاة الفطر، ويجب فيه التمليك. وقال ابن الماجشون: إن غدام وعشاهم خبزًا وإدامًا أجزأه. قال أبو الحسن اللخمي: «فجعله ككفارة اليمين بالله تعالى».
وهل يعتر عيش الكفر أو عيش أهل بلده؟ يخرج على ما تقدم في كفارة اليمين وزكاة الفطر من الخلاف في ذلك.
ولو أعطى لدون الستين فليحتسب بذلك العدد، ويبني عليه، وإن قدر على استرداد الزائد، فله استرداده.
ولو أعطى لأكثر من الستين، فإن أكمل لمن أعطاه أجزأه. وله استرداد ما دفع لمن زاد على الستين. وإن لم يقدر على الإكمال أتم الستين أو ابتدأ.
ولو تناهبها المساكين، فإن كانوا أكثر من الستين ابتدأ الجميع. وإن كانوا ستين فأقل بنى على واحد وأتم عليه.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ