قال الشيخ أبو الوليد "الغصب أخذ المال بغير حق على وجه القهر والغلبة من غير حرابة". ولا خفاء بأنه عدوان، وهو سبب لضمان المغصوب، وعقوبة الغاصب المكلف بالأدب والسجن بقدر اجتهاد الحاكم. وقيل: يؤدب غير البالغ كما يؤديه المؤدب في المكتب، ويؤخذ بحق المغصوب منه.
واختلف فيما أتلفه الصغير الذي لا يعقل، فقيل: ما أصابه من دم أو مال مهدر، كالعجماء؛ وقيل: ما أصابه من الأموال في ماله، ومن الدماء على عاقلته، إن بلغ الثلث كالخطإ؛ وقيل: الأموال مهدرة، والدماء على العاقلة كالمجنون.
ثم النظر في الكتاب يحصره بابان:
الباب الأول: في الضمان. والنظر فيه في ثلاثة أركان: الموجب، والموجب فيه، والواجب.
الركن الأول: الموجب، وهو ثلاثة: التفويت بالمباشرة، أو بالتسبب، أو بإثبات اليد العادية.
وحد المباشرة: اكتساب علة التلف كالقتل، والأكل (والإحراق) ونعني بالعلة ما يقال من حيث العادة أن الهلاك حصل به، كما (يقال) حصل بالأكل والقتل والإحراق
[ ٣ / ٨٦٣ ]
وحد السبب: اكتساب ما يحصل الهلاك عنده، لكن بعلة أخرى، إذا كان السبب هو الميئ لوقوع الفعل بتلك العلة. فيجب الضمان على المكره على إتلاف المال، والإكراه سبب؛ وعلى من حفر بئرًا في محل عدوان، فتردت فيه بهيمة أو إنسان؛ فإن (رداه) غيره فعلى المردي تقديمًا للمباشرة على التسبب. ولو فتح قفص طائر غيره بغير إذنه فطار حتى لم يقدر عليه، أو حل دابة من مربطها فهربت، أو عبدًا مقيدًا خوف الهرب فهرب، ضمن في جميع ذلك، لأن فعله سبب الإتلاف، وسواء كان الطيران والهرب عقب الفتح والحل أو بعد مهلة. وكذلك السارق يترك الباب مفتوحًا وما الدار من أحد، فيذهب منها بشيء. فأما من فتح باب دار فيه ادواب فهبت، فإن لم يكن فيها أربابها ضمن، وإن كانوا فيها لم يضمن.
وقال أشهب: إن كانت الدواب التي ف يالدار (مسرحة) ضمنها وإن كان رب الدار فيها.
وأما إثبات اليد العادية فهو مضمن؛ إلا أنه إذا كان بالقهر والغلبة سمي غصبًا، وإذا جحد المودع فهو في حالة الجحود متعد. وإثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة فيكفي فيها الركوب.
ويثبت الغصب في العقار بالدخول وإزعاج المالك، وبالاستيلاء (على العقار) وإن لم يكن. فأما لو غصب السكنى فقط فانهدمت الدار إلا موضع مسكنه لم يضمن، ولو انهدم مسكنه لغرم قيمته.
ومهما أتلف الآخذ من الغاصب فالضمان عليه، حتى لو كان مغرورًا، كما لو قدم [الطعام للضيف فأكله ظنًا منه أنه ملك المقدم لضمن بالأكل وكذلك لو قدم] الغاصب الطعام إلى المالك فأكله مع الجهل بحاله، فإن الغاصب يبرأ من الضان، بل لو أكرهه على أكله فأكله كرهًا لبرئ الغاصب.
الركن الثاني في الموجب فيه، وهي الأموال: وتنقسم إلى العين والمنفعة.
[ ٣ / ٨٦٤ ]
أما العين فتنقسم إلى الحيوان وغيره. فالحيوان كله، الرقيق وغيره، يضمن عند التلف بقيمته يوم الغصب. وقال ابن وهب وأشهب وعبد الملك بن عبد العزيز: يضمن بأرفع القيم ما بين زمني الغصب والتلف. واختاره الشيخ أبو إسحاق.
وعند الإتلاف يخير ربه بين قيمته يوم الغصب أو يوم الجناية من الجاني إن كان غير الغاصب، وكذلك إن كان الغاصب على المشهور. فلو قطع إحدى يدي العبد كان ربه مخيرًا بين أن يأخذ الغاصب بقيمته يوم الغصب ويتركه له، وبين أن يأخذه ويأخذ أرش النقصان.
وقال أشهب وسحنون: ربه بالخيار بين أخذه بغير أرش وبين أخذ قيمته يوم الغصب. وكذلك عين الفرس والبقرة وما أشبه ذلك.
وأما الجمادات: فكل متمول معصوم لصاحبه مضمون، فلا تضمن الخمر للمسلم، وتضمن للذمي. وقال ابن الماجشون وأحمد بن المعذل: لا تضمن لمسلم ولا ذمي. ولا يضمن ما نقض من الملاهي بكسرها وتغييرها عن حالها، إذ يجب ذلك. ويضمن جلد الميتة بعد الدباغ، وقبله أيضًا، عند ابن القاسم وأشهب. وروى القاضي أبو الفرج: أنه لا يضمن. (وقال القاضي أبو إسحاق: إلا أن يكون لمجوسي. وقاله ابن القاسم أيضًا).
وخرجه القاضي أبو الفرج على قول مالك في مسألة ضمان الخمر للذمي. والمستولدة والمدبر والمكاتب في الضمان كالعبد القن. وقال سحنون، لا تضمن المستولدة بمجرد وضع اليد عليها وإن ضمنت بالجناية. ويضمن الكلب المأذون في اتخاذه.
وأما منفعة الأعيان فلا تضمن بالفوات تحت اليد العادية عند ابن القاسم. (وقال مطرف وابن الماجشون وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ في كتاب ابن حبيب: عليه الكراء إذا أغلق الدار، وبور الأرض، ولم يستخدم العبد، ووقف الدالة.
وقال ابن حبيب: إذا باع الغاصب أو وهب غرم الغلة التي اغتل المشتري والموهوب له] ٨٦٥].
[
[ ٣ / ٨٦٥ ]
فإن كان الغاصب معسرًا رجع المغصوب منه على الموهوب له إن كان حيًا أو على وارثه إن كان ميتًا، ولم يرجع على المشتري.
قال أبو لحسن اللخمي: "وهذا مثل القول: إنه يغرم غلة الدار وإن أغلقها، لأن كليهما إنما يغرم ما حرم ربها من تلك الغلات (بغصبه)، لأن المسلط للمشتري والموهوب له.
وأما التفويت فاختلف الرواية في حكمه، فروى أشهب وعلي بن زياد أن الغلة مضمونة من أي صنف كان المغصوب حيوانًا أو ربعًا أو غير ذلك، سكن أو أجر.
وذكر القاضي أبو الحسن عكسها، "وهو أنها لا تضمن على الإطلاق".
وروى ابن القاسم: أن الغاصب يضمن غلة الرباع والإبل والغنم، ولا يغرم غلة العبيد والدواب. وقال أيضًا يغرم ما استعمل.
وقال ابن المعذل: يغرم غلة ما لا يسرع إليه التغير كالدور والأرضين و(النخل)، ولا يغرم غلة ما يسرع إليه التغيير) كالعبيد والحيوان.
وقال القاضي أبو بكر: "الصحيح أن المنافع مال وأنها مضمونة، سواء تلفت تحت اليد العادية أو أتلفها المعتدي"، فأما منفعة البضع فلا تضمن إلا بالتفويت، فعليه في الحرة صداق المثل، بكرًا كانت أو ثيبًا، وأما الأمة فعليه ما نقصها، وكذلك منفعة بدن الحر لا تضمن إلا بالتفويت.
فرعان: الأول: (قال محمد: إذا غصب دارًا خربة لا يقدر على سكناها حتى يصلحها، فسقف فيها وحفر وردم وأصلح حتى سكن، وأغلت غلة كثيرة، فلربها أخذها مصلحة، وأخذ ما اغتل منها، وكراء ما سكن، ولم يكن عليه مما أصلح شيء إلا قيمة ما لو نزعه لكان له قيمة".
(وإن غصب مركبًا خربًا لا يقدر على استعماله إلا بإصلاحه فعمره وأعده لحوائجه ثم اغتل غلة، كان جميع الغلة المستحقة، ولا غرم عليه في شيء مما أنفقه، إلا مثل صاري أو.
[ ٣ / ٨٦٦ ]
رجل أو حبل). قال: وأصبغ يذهب في ذلك إلى قول أشهب، ولم يعجبني. قال أبو الحسن اللخمي: "وقول أشهب أبين، فيقوم الأصل قبل إصلاحه فينظر ما يؤاجر به ممن يصلحه فيغرمه، وما زاد على ذلك فللغاصب".
قال: "ولا أعلمهم اختلفوا فيمن غصب أرضًا فبناها، ثم سكن واستغل: أنه لا يغرم سوى غلة القاعة".
الفرع الثاني: حيث ألزمنا الغاصب رد الغلات، فهل يرجع بما أنفق على العبد والدابة وبالسقي والعلاج أم لا".
قال ابن القاسم: له أن يقاص بما سقى وعالج مما بيده من الغلة، فإن عجزت الغلة عنه لم يرجع بما زاد عليها.
وروى أشهب: إن رب الدابة والعبد إذا أخذ رجع بالكراء والغلة، وقاصه في الغاصب بما أنفق على العبد أو الدابة.
قال غيره: قال ولو أكر ذلك الغاصب وحابي فيه لأخذه بالمحاباة، فإن أعدم أخذ بها المكتري.
الركن الثالث: في الواجب. وهو ينقسم إلى المثل والقيمة.
وحد المثل: ما تماثلت أجزاؤه في الخلقة والصورة والجنس، وذلك مما يوزن أو يكال، كالذهب والفضة والحديد والصفر والنحاس والحنطة والشعير وجميع الأطعمة، وكذلك ما يعد مما (تستوي) آحاد جملته في الصفة غالبًا، كالبيض والجوز ونحوه. ثم إن لم يسلم المثل بعد أنتلف المغصوب حتى فقد المثل، (فقال ابن القاسم: ليس عليه إلا مثله.
وقال أبو الحسن اللخمي: "يريد: أنه يصبر حتى يوجد. وقال أشهب: المغصوب منه بالخيار بين أن يصبر أو يأخذ بالقيمة الآن.
قال ابنعبدوس: اختلف في ذلك كالاختلاف في السلم في الفاكهة بعد خروج الإبان".
[ ٣ / ٨٦٧ ]
ولو غرم القيمة ثم قدر على المثل لم يلزمه دفعه، لتمام الحكم بالبدل.
ولو أتلف مثليًا وظفر به في غير ذلك المكان، لم يكن له (عليه) مثل ولا قيمة، بل يصبر حتى يرجع إلى البلد الأول فيأخذ المثل.
وكذلك لو وجد الطعام المغصوب بعينه ببلد آخر لم يكن له على الغاصب إلا المثل في مكان الغصب، ولم يكن له أخذه. وبذلك قال ابن القاسم.
(وروى محمد عن أشهب: أن ربه مخير بين أخذه أو أخذ الغاصب بمثله في مكانا لغصب.
وقال سحنون: (لا أعرف قول أشهب هذا)، وإنما له أخذه بمثله في موضع الغصب. وكذل كروى أصبغ عن أشهب في الموازية والعتبية.
وقال أصبغ: "إنكان البلد البعيد، فالقول ما قال ابن القاسم، وإن كان قريبًا كبعض الأرياف والقرى، أخذه ويحمل على الظالم بعض (الحمل) ولو كان المغصوب من الحيوان لم يكن لربه سوى أخذه حيث وجده.
(وأما البز والعروض فربها مخير بين أخذه أخذ قيمته في موضع الغصب والسرقة.
وقال أشهب: "إذا أصاب العروض والحيوان ببلد آخر فإن له أخذها، وإن شاء تركها
[ ٣ / ٨٦٨ ]
وأخذه بقيمتها يوم الغصب ببلد الغصب، يأخذ ذلك منه حيث لقيه، وقاله أصبغ: قال محمد: قول أشهب صواب.
وقال سحنون: البز والرقيق عندي سواء، ليس له إلا أخذه بعينه بغير البلد، واختلاف البلدان في ذلك كتغير الأسواق.
قال أبو القاسم: فإن اتفق المتعدي ورب الطعام على أخذه بعينه بغير البلد أو مثله أو الثمنا لذي بيع به فذلك جائز. وكذلك لو اتفقنا على أن يأخذ منه فيه ثمنًا نقدًا جاز، بمنزلة بيع الطعام القرض قبل قبضه؛ وقاله أصبغ.
وأما على أخذ طعامالطعام يخالفه فلا يجوز. وأما من لك عليه طعام ابتعته بعينه فتراضيتما أن يعطيك مثله بغير البلد، فهذا لايجوز، لأنه بيع طعام بطعام ليس يدًا بيد.
فرع: إذا حكم للمغصوب منه بالمثل في بلد الغصب، إما بالإلزام على قول ابن القاسم وسحنون، وغما لأنه اختاره، على قول أشهب، فلا يدفع الطعام المنقول إلى الغاصب حتى يتوثق منه. قال أشهب: يحال بينه وبينه حتى يوفي المغصوب منه حقه. وقال (أصبغ): يتوثق له بحقه، قبل أن يخلي بينه وبينه، وقاله محمد.
(ومن أتلف حليًا فعليه قيمته، وقيل: مثله. ولو كسر الحلي فوجده ربه مكسورًا فله أخذه وأخذ قيمة الصياغة. ولو كسره ثم أعاده على حالته فلصاحبه أن يأخذه بلا غرم. وإن صاغه على غير صياغته لم يأخذه، ولم يكن له إلا قيمته يوم غصب، قاله ابن القاسم وأشهب. وقال ابن المواز: لا شيء له إلا قيمته، وإن أعاده (إلى) حاله، لأن الغاصب ضمن قيمته).
[ ٣ / ٨٦٩ ]
ولو لم يكن غاصبًا إلا متعديًا لكان له أخذه إذا صاغه على حاله بلا غرم.
ولو اشتراه رجل من الغاصب فكسره ثم أعاده (إلى) حالته لم يكن لصاحبه أخذه، إلا أن يدفع إلى المشتري قيمته صياغته، لأنه لم يتعد في الكسر.
ولو اتخذ من الحنطة دقيقًا لم يكن له إلا مثل حنطته. وقال أشهب: ربها بالخيار بين أن يأخذ مثل الحنطة أو يأخذ الدقيق، ولا شيء له في طحنه.
وأما المتقومات إذا أتلفت فتضمن بقيمتها يوم الغصب. وقيل: بأقصى قيمتها (من) يوم الغصب إلى يوم التلف كما تقدم.
ووقع في العتبية، من سماع ابن القاسم، "فيمن تسوق بسلعة فأعطاه غير واحد بها ثمنًا، ثم استهلكها رجل، فليضمن ما كان أعطى (بها)، ولا ينظر إلى قيمتها إذا كان عطاء قد تواطأ عليه الناس، ولو شاء أن يبيع به باع. وقال سحنونه: لا يضمن إلا قيمتها وقال عيسى: يضم الأكثر من القيمة أو الثمن.
ثم حيث قلنا: يضمن القيمة، فإن أبق العبد المغصوب ضمن قيمته وأخذت منه، وصار العبد ملكًا له، والقيمة ملك للمغصوب منه، حتى لو وجد العبد بعد ذلك لم يكن له رجوع في القيمة، ولا للمغصوب منه الرجوع في العبد إلا بتراضيهما. وقيل: لربها لرجوع.
ولا خفاء بأن الغاصب لو كتم العبد وادعى هلاكه حتى أخذت منه قيمته ثم أظهره، أن لربه أخذه منه (متى) شاء، شاء الغاصب أو أبى.
وإن تنازعًا في تلف المغصوب فالقول قول الغاصب، لأنه ربما عجز عن البينة وهو صادق.
وما اختلف فيه من جنس سالم مغصوب أو مبلغ كيله أو وزنه أو صفته فالقول قول الغاصب مع يمينه في جميع ما يشبه من ذلك. وقيل: في الصرة المنتهبة القول قول صاحبها إذا ادعى ما يشبه.
[ ٣ / ٨٧٠ ]
الباب الثاني: في الطوارئ على المغصوب، من نقصان أو زيادة أو تصرف وفيه فصول ثلاثة
الفصل الأول: [في النقصان]
فإذا غصب ما قيمته عشرة فعاد إلى درهم فرده بعينه فلا شيء عليه إذ لا يراعي انخفاض الأسواق كما لا يراعي ارتفاعها. وإن تلف قبل رده فالجواب عشرة، وهي قيمته يوم الغصب، وأعلى القيم.
ولو دخله عيب، أو زوال جارحة، أو نقص قل أو كثر، في عرض أو حيوان، رقيق أو غيره، بأمر من الله سبحانه، فالمغصوب منه مخير بين أخذ ذلك بعينه ولا شيء له في نقصه، وبين (تركه) وأخذ قيمته يوم الغصب؛ وإن كان العيب أوزوال الجارحة بفعل من الغاصب، فقد تقدم حكم ذلك وبيان الخلاف فيه.
وأما إن كان بجناية أجنبي ثم ذهب، فلا يؤخذ الغاصب بما نقصها، (ولربها) أن يضمنه قيمتها يوم الغصب، ثم للغاصب إتباع الجاني، "وإن شاء ربها أخذها واتبع الجاني دون الغاصب بما نقصها.
ولو جنى العبد المغصوب جناية قتل بها قصاصًا، ضمنه الغاصب إذا حصل الفوات تحت يده، وإن تعلق الأرش برقبته فقال ابن القاسم: "إن شاء سيده أخذه من الغاصب قيمته يوم الغصب، وسلمه إلى المجني عليه؛ وإن شاء أخذه ولم يرجع على الغاصب بشيء.
التفريع: إن أخذ القيمة من الغاصب، (فاللغاصب) أن يسلمه أو يفديه، (وإن أَخَذَهُ تخير بين أن يسلمه إلى المجني عليه أو يفديه).
[ ٣ / ٨٧١ ]
وقال أشهب: يسلم العبد إلى ربه، يسلمه أو يفتكه، ثم يرجع على الغاصب بالأقل من جنايته أو قيمته.
ولو حفر الغاصب بئرًا في الدار فعليه ردم ما حفر فيها وإن بناها فله نقضها، إلا أن يشاء رب الدار أن يعطيه قيمة نقضه (مقلوعًا) بعد طرح أجر النقض والتنظيف إذا كان لا يباشر ذلك بنفسه فله ذلك.
وإذا خصى العبد ضمن ما نقصه، فإن لم ينقصه ذلك أو زادت قيمته لم يضمن شيء وعوقب.
(ولو هزلت الجارية ثم سمنت، أو نسي العبد الصنعة ثم تذكر حصل الخير).
ولو غصب غصيرًا فعاد خمرًا ضمن مثل العصير لفوات المالية، ولو صار خلًا لكان ربه بالخيار بين أن يأخذه خلًا أو يغرمه مثله عصيرًا. (قال ابن القاسم وأشهب: ولو غصب خمرًا لمسلم فخللها، فلربها أخذها خلًا لا غير ذلك. قالأشهب: ولو كانت لذمي لكان مخيرًا في أخذها خلًا، أو قيمتها خمرًا يوم الغصب).
وأما البذر إذا زرع والبيض إذا تفرخ، فالخارج ملك للغاصب وعليه مثل ما غصب. وقال سحنون في الفراخ: "هي للمالك وعليه للغاصب قدر كراء ما حضنته دجاجته".
[ ٣ / ٨٧٢ ]
("وفي المجموعة عن أشهب فيمن (اغتصب) دجاجة فباضت عنده فحضنت من بيضها، فما خرج من الفراريج فلربها أخذها مع الدجاجة كالوالدة.
وأما لو حضن الغاصب تحتها بيضًا (من غير بيضها) فخرج من ذلك فراريج، وحضن بيضها تحت دجاجة له أخرى، فليس للمغصوب منه إلا دجاجته وحدها إن شاء، ولا شيء له مما خرج من البيض الذي حضنت من بيض غيرها، ولا مما حضنه غيرها من بيضها، ويغرمه المستحق بيضًا مثل بيضها. ومثل ذلك في كتاب محمد. ثم قال: ويكون له فيما حضنت من بيض غيرها كراء مثلها. قال الشيخ أبو محمد: "يعني محمد على قول أشهب".
الفصل الثاني: [في الزيادة]
وإذا غصب ثوبًا فصبغه، قربه بالخيار بين أخذ قيمته يوم الغصب، وبين أخذ الثوب. ثم (إذا) أخذه دفع للغاصب قيمة الصبغ.
وقال أشهب: لا شيء له في الصبغ، وإن نقصه الصبغ فله أخذ قيمته يوم الغصب أو أخذه بغير أرش.
ولو غصب طينًا فضربه لَبِنًا لرجع عليه بمثل الطين لانتقاله بالصنعة. (وإن غصب شاة فذبحها وشواها، ضمن لربها قيمتها. وكذلك لو ذبحها ولم يشوها. وقال محمد بن مسلمة إذا ذبحها ولم يشوها فلربها أخذها مذبوحة، وما نقصها الذبح). ولو غصب نقرة فصاغها حليًا (ضمن مثلها) ولم يأخذ الحلى.
وقال ابن الماجشون: له أن يأخذ الفضة (المصنوعة) والثوب المصبوغ أو المخيط إن
[ ٣ / ٨٧٣ ]
شاء في جميع ذلك، ولا حجة عليه بالصنعة، "إذ ليس لعرق ظالم حق"وإن شاء قيمة ذلك).
وإن غصب زينًا وخلطه بزيته، وهو مثله، صار شريكًا بمكيلته، وإن خلطه بأدنى منه أخذه بالمثل من غيره.
ولو غصب ساجة أو سارية وأدرجها في بنائه لم يملكها بل يردها على مالكها وإن أدى إلى هدم بنائه، وكذلك لو غصب لوحًا، وأدرجه في سقيفته لكان لصاحبه قلعه.
الفصل الثالث: في تصرفات الغاصب
وإذا بع الجارية المغصوبة، فوطئها المشتري وهو عالم لزمه الحد، وإن كان جاهلًا لم يحد. أما الولد فهو رقيق، ولا نسب له إن كان عالمًا، وإن كان جاهلًا انعقد على الحرية، وضمن المشتري قيمة الولد يوم الحكم إن كان باقيًا إلا أن يكون يومئذٍ جنينًا فتؤخذ قيمته يوم الوضع إذا وضع.
وقال المغيرة: يضمن الولد بقيمته يوم الوضع وإن مات بعد ذلك، ويرد الأم. وروى أنه يأخذ قيمتها من المشتري، وتكون أم ولد له، ولا شيء للسيد في ولدها
[ ٣ / ٨٧٤ ]
فإن انفصل الولد ميتًا فلا ضمان، وكذلك لو انفصل حيًا ثم قتل قبل القيام، إلا أن يأخذ الواطئ فيه دية فيكون عليه الأقل منها أو من قيمته حيًا.
فرع: في بيان الفرق بين الغاصب والمتعدي.
قال في الكتاب: "والمتعدي يفارق الغاصب في جنايته، لأن المتعدي إنما جنى على بعض السلعة، والغاصب كان لجميعها غاصبًا فضمنها يومئذ بالغصب، فلو تعدى رجل على صحفة أو عصا فكسرها، أو خرق ثوبًا، فإن كان ما صنع قد أفسد ذلك فسادًا كثيرًا فربه مخير في أخذ قيمة جميعه أو أخذه بعينه ويأخذ ما نقصه من المتعدي. فإن كان الفساد يسيرًا فليس له إلا ما نقصه بعد رفء المتعدي للثوب. وقد كان مالك يقول: يغرم ما نقصه ولا يفصل بين قليل أو أكثر".
ثم قال: "هكذا، وسواء كان ثوبًا أو حيوانًا أو غيره".
وقال أشهب في الفساد الكثير: إنما له أن يضمنه قيمة جميع الثوب أو يأخذه بنقصه، ولا شيئ له مما نقصه. وقاله ابن القاسم مرة، ثم رجع عنه.
وإذا فرعنا على الأول ففي معنى الفساد ما أتلف الغرض المقصود من العين عادة، وإن كانت الجناية في الصورة المشاهدة يسيرة، (مثل أن يقطع ذنب الدابة أو أذنيها، فلا يمكن من جهة العادة الانتفاع بها من الوجه المقصود منه، مما يركب مثله القضاة وذوو الهيئات. رواه ابن حبيب عن مطرف وابن المجشون وأصبغ).
وهكذا إذا جنى على القلنسوة (أو) الطيلسان والعمامة جناية يعلم أن صاحبها ذا الهيئة والمروءة والمنزلة لا يلبسها على تلك الحال.
وإن كان قد أتلف على المالك المنفعة المقصودة من العين فقد صار كمتلفها جملة بالإضافة إلى مقصوده، إذ الأعيان إنما تقصد وتقتني لمنافعها، فذهاب المنفعة المقصودة من العين التي اقتنيت من أجلها كذهاب العين جملة.
[ ٣ / ٨٧٥ ]