وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في القسام وأجرته
أما القسام (فالواحد) يكفي، ويقبل القاضي قوله إن كان بتوليته، فإن (ولي) (القسم) اثنان فهو أحسن.
وقال الشيخ أبو إسحاق: يلي القسمة اثنان فصادعدًا، لأن فعلهما يجري مجرى الشهادة إن شهدا به وهما قائمان. وترد بعد عزلهما، لأنهما حينئذ يشهدان على فعل أنفسهما.
وأما الأجرة فقال (ابن القاسم): ("كره مالك ما جعل للقسام مع القضاة في قسمهم وحسابهم. ولكن يكن خارجة بن زيد ومجاهد يأخذان في ذلك أجرًا. قال ابن القاسم: وذلك رأيي.
ولينظر الإمام رجلًا يرضاه بقيمة لذلك، ويجري له عطاءه مع الناس، كما يجري للقاضي وغيره ممن يحتاج إليه المسلمون.
[ ٣ / ٨٩١ ]
قال ابن حبيب: إنما كرهه لأن ذلك يأخذونه من أموال اليتامى وغيرهم، وأما إن أجري لهم من بيت المال، فلا بأس بذلك. وكذلك كل ما يحتاج إليه الناس في قسم غنائمهم.
فإذا أجري له عطاؤه من بيت المال أو من الفيء لم يحل له أن يأخذ ممن يقسم بينهم شيئًا، لأنه كالقاضي (المرزوق). فإن لم يجر له رزق فلا بأس أن يأخذ منهم، ولو قسم احتسابًا كان أفضل له. وقد أجازه مالك له ولكاتب الوثيقة. ويكون الأجر في ذلك على عددهم لا على أنصبائهم. وأرى المأخوذ منه المال الذي كان على يديه كواحد منهم في غرم الوثيقة، لأنه يوثق له ولهم. قال مالك: وكذلك لو طلب القسم أحدهم وأباه غير فألزمه، فعل الآبي والطالب أجر القاسم سواء). انتهى كلامه.
وقال أصبغ: (أحر) القاسم بني الأشراك على قدر حصصهم لا على قدر رؤوسهم.
الفصل الثاني: في كيفية القسمة
"وهي في الأصل على ثلاثة أوجه:
[الوجه الأول] الأول: قسمة مهيأة. وهي ضربان: مهيأة في الأعيان، ومهيأة بالأزمان.
فالضرب الأول: أن يأخذ أحد الشريكين دارًا يسكنها، ويأخذ الآخر دارًا يسكنها أو هذا أرضًا يزرعها، وهذا أرضًا يزرعها.
والضرب الثاني: أن تكون المهيأة في عين واحد بالأزمنة، كدار يسكنها هذا شهرًا وهذا شهرًا، أو أرض يزرعها هذا سنة وهذا سنة.
الوجه الثاني: قسمة بيع.
وصفتها: أن يأخذ أحد الشريكين دارًا على أن يأخذ الآخر دارًا، أو بستانًا، أو دكانًا.
[ ٣ / ٨٩٢ ]
ومحصولها: بيع أحدهما حصته من الدار بحصة الآخر من الدار الأخرى أو البستان، أو الدكان".
وهذه القسمة تجوز في المختلف والمتباين، كما تجوز في المتفق والمتقارب لأنها بيع. وحكمها حكمه.
الوجه الثالث: قسمة قيمة وتعديل.
وذلك إذا كانت الدار مختلفة البناء، والبستان مختلف الغراس، تختلف قيمة كل شيئ من نخل وشجر، وغير ذلك، فإنها تعدل بالقيمة ويضرب عليها بالسهم.
وصفة ذلك: (أن) تقسم الفريضة وتحقق، وتضرب إن كان في سهامها كسر، إلى أن تصح السهام، ثم يقوم كل موضع منها وكل نوع من غراسها، ثم تعدل على أقل السهام بالقيمة، فربما كان مقدار من المساحة من موضع بإزاء ثلاثة أمثاله من موضع آخر على حسب اختلاف قيم الأرض ومواضعها فمن حصل له سهم من طرف، فإن كان بقدر حقه فقد استوفاه، وإن كان أقل من حقه ضم إليه مما يليه تمام حقه.
ووجه ذلك: أن القيمة إذا عرفت وعدلت على أقل السهام نظر، فإن تراضوا على أن يحصل لأحدهم من طرف، والباقين من الطرف الآخر جاز. وإن (تشاجروا) ضرب بالسهم بينهم، فمن حصل، له سهم من جهة كانت له، فإن اختلفوا بأي الجهات يبدأ في الإسهام عليه أسهم على الجهتين، فأيتهما خرج سهمها أسهم عليها، ثم كان الحكم فيه على ما بيناه.
وصفة القرعة: أن تكتب أسماء الشركاء في رقاع، وتجعل في طين أو شمع، ثم ترمي كل بندقة في جهة، فمن حصل اسمه في جهة أخذ حقه متصلًا في تلك الجهة.
وقيل: تكتب الأسماء وتكتب الجهات، ثم تخرج أو بندقة من الأسماء، ثم أول بندقة من الجهات، فيعطي من خرج اسمه نصيبه في تلك الجهة" وإذا قسمت الفريضة فكان لجماعة سهم واحد، قسم له كأحد سهام الفريضة، ثم قسم بين أربابه قسمًا ثانيًا.
فروع في الطوارئ على القسمة، وهي خمسة.
الأول: العيب. فإذا أطلع أحد الشريكين على عيب في نصيبه رد الجميع إن كان المعيب
[ ٣ / ٨٩٣ ]
وحه ما نابه، إلا أن يفوت ما بيد صاحبه ببيع أو هبة أو حبس أو صدقة أو هدم أو بناء، فيرد قيمته يوم قبضه، فيقتسمان تلك القيمة مع الحاضر المردود.
وإن كان المعيب الأقل رده ولم يجرع فيما بيد شريكه، وإن كان قائمًا لم يفت إذ لم ينتقض القسم ولكن ينظر، فإن كان المعيب قدر سبع ما بيده مثلًا ورجع على صاحبه بقيمة نصف سبع ما أخذ، يقتسمان هذا المعيب.
الثاني: الدين، فلو ظهر من بعد قسمة التركة، نقضت القسمة، إلا إذا وفوا الدين.
فإن دعا بعضهم إلى فسخ القسمة، ودعا الباقون إلى دفع الدين، فالقول قول من دعا إلى الفسخ. وقال سحنون: لا تنفسخ القسمة بطروء الدين. قال ابن عبدوس عنه: ولكن ينظر ما الدين من قيمة جميع التركة يوم الحكم، فيرجع باسم ذلك الجزء فيما بيد كل واحد من الورثة على النسبة بقيمة يوم الحكم، على قد مواريثهم.
الثالث: إذا وارث بعد القسمة، فإن كانوا أملياء، والتركة عين أخذ من كل واحد ما ينوبه.
واختلف إذا وجد أحدهم معسرًا، فقال ابن القاسم: "ليس له أن يأخذ الموسر إلا بالقدر الذي كان يأخذ منه لو كان جميعهم موسرين".
وقال أشهب وابن عبد الحكم: له أن يقاسم الموسر فيما صار له، كأنه لم يترك الميت غيرهما، ويتبعان المعسر متى أيسر. ورأيا أن القسمة فاسدة وإن لم يعلموا بالطارئ.
والظاهر من مذهب عبد الملك أنها جائزة، إلا أن (يكونوا) عالمين بالطارئ فتكون فاسدة. وأصل ابن القاسم: أن ليس لأحد الشريكين أن يقسم العين دون شريكه، وأمضى القسمة ها هنا لما كان غير عالم، ولو كان عالمًا لم يجز. وأصل أشهب: الجواز.
وإن كانت التركة عقارًا، فإن [كانت] دارًا واحدة اقتسماها نصفين، كان بالخيار بين أن يجوز القسم، ويكون شريكًا لكل واحد من أخويه بثلث ما في يده، أو يرد فيجمع سهمه.
وإن كان دارين، فأخذ كل واحد منهما دارًا، فليس للطارئ أن يرد القسم، وإنما يكون له أن يرجع على كل واحد من أخويه في ثلث الدار الذي في يده، لأنه لو أدركها قبل القسمة لم يكن له سوى ثلث كل دار. وإن كان العقار أكثر من ذلك استؤنف القسم.
[ ٣ / ٨٩٤ ]
واختلف في طروء الموصى له بعد القسم، هل حكمه حكم الغريم، أو الوارث؟ فرأى ابن حبيب أنه كالغريم لتقديم الوصية على الميراث.
وفرق ابن القاسم فقال: إن أوصى له بالثلث فهو بمنزلة الوارث، وإن أوصى له بدنانير أو مكيل من طعام فهو بمنزلة الغريم.
الرابع: الاستحقاق:
فلو استحق بعض المال شائعًا لم ينتقض القسم، وأتبع كل وارث بقدر ما صار له من حقه إن قدر على قسم ما بيده من ذلك، ولا يتبع الملي بما على المعدم.
وإن استحق بعض (معين)، فقال ابن القاسم: "إن كان كثيرًا كان له أن يرجع بقدر نصف ذلك في ما في يد صاحبه يكون به شريكًا في ما بيده إذا لم يفت.
وإن كان الذي استحق تافهًا يسرًا رجع بنصف قيمة ذلك دنانير أو دراهم، ولا يكون (بذلك) شريكًا لصاحبه". هذا قول مالك، وقال ابن القاسم أيضًا: "إذا اقتسموا الدور فاستحق من نصيب أحدهم شيئ، فإن كان الذي استحق أو أوجد به العيب هو الجل مما في يديه أو أكثره ثمنًا [انتقضت] القسمة بينهم كلها؛ وإن كان ليس كذلك ردها وحدها، ورجع على شريكه في الاستحقاق بنصف قيمة ذلك مما في يد صاحبه".
ثم قال ابن القاسم: "والدار الواحدة مخالفة في القسم للدور الكثيرة، لأن الدار الواحدة يدخل فيها الضرر عليه في ما يرد أن يبني أو يسكن".
وقال أشهب: "إذا استحق بعض نصيب أحدهما، وكان الأكثر أو الأقل أو ما فيه المضرة أو لا مضرة فيه، رجع على صاحبه بنصف ما استحق في ما في يدي صاحبه، فكان شريكًا (به)، ولا ينتقض القسم إذا فات ما بقي في يد المستحق منه بالبناء لأنه لا يقدر على رده.
الخامس: دعوى الغلط.
(ومن ادعى غلطًا في القسمة لم يقبل قوله إلا بأمر يستدل به من تفاحش الغلط وشبهه، فيكون القول قوله مع يمينه، أو يقيم البينة فتعاد القسمة).
[ ٣ / ٨٩٥ ]
الفصل الثالث: في إجبار من أبي القسمة عليها، وتمييز ما يجمع في القسم مما لا يجمع
أما الإجبار فمن طلب القسمة في ما لا ضرر في قسمته أجيب إلهيا وأجبر من أباها عليها، كانت مفتقرة إلى تعديل (بالقيمة)، أو انقسمت بأجزاء متساوية. واختلف في ما كان في قسمته ضرر من وجه، مثل أن يكون قابلًا للقسمة في الجملة، إلا أن تبطل صفته التي كان عليها وإن كان يتهيأ الانتفاع به من غير ذلك الوجه، كالحمام والرحى وشبههما، هل يجبر من أبي قسمته عليها أن لا؟ روايتان.
ومن ملك (شقصًا) لا يصلح للمسكن لو انفرد (به) ليسارته، فطلب القسمة أو طلبها شريكه، وأباها هو، أجبر الآبي منهما. وروي أنه لا يجبر، واختار بعد القاسم هذه الرواية. والأولى أشهر عن مالك. وقال عيسى بن دينار: يجبر صاحب الكبير ولا يجبر صاحب اليسير.
ثم حيث تنازع الشركاء في ما لا ينقسم وأصروا، فمن طلب البيع منهم أجبر الباقون على موافقته، إلا أن يكون بيع حصته منفردة لا ينقص عن حصته من ثمن الجميع كالفنادق والديار الكثيرة وشبهها، فلا يجبر من أبي البيع أن يبيع.
وسبب الإجبار أن للشريك الانفراد بحقه، وذلك بقسمة العين إن أمكنت، فإن تعذرت فبقسمة البدل؛ ولا يستوفى حصته من الثمن الذي هو البدل كاملة إلا إذا بيع جميع المشترك إذا لم يكن على الصفة المستثناة.
وإجبار (المالك) على بيع ملكه لتعلق حق الغير به دفعًا للضرر عنه بخارج عن تصرف الشرع كما في الشفعة، بل في أصل القسمة إذا قلنا: (إنها) بيع، وهو الصحيح عند مخالفنا.
وأما تمييز ما يجمع في القسم مما لا يجمع، فيجمع فيه البز كله، من ديباج وحرير وثياب كتان وقطن، ويجمع مع ذلك ثياب الصوب والأفرية، إذا لم يكن في (كل) صنف من ذلك ما يحمل القسم في انفراده.
[ ٣ / ٨٩٦ ]
وقال ابن حبيب: قال لي مطرف وابن المجشون: البز صنوف مختلفة، فلا تجوز قسمته بالسهم، إلا ما كان منها صنفًا واحدًا أو متشابهًا، وإن عدل بالقيمة، إلا أن تكون قسمتهم على المراضاة، لا تقسم ثياب الخز والحرير أو الصوف والمرعزي بالسهم مع ثياب القطن والكتان، ولا مع الفراء ولا مع الديباج.
قال عبد الملك: فثياب القطن والكتان من البياض صنف واحد عندنا في قسمتها بالسهم إذا عدلت بالقيمة، وإن كان بعضها قمصًا وبعضها أردية وبعضها عمائم وبعضها جببًا).
ولا يجمع مع الأمتعة [والثياب] بسط أو وسائد. ولا يجمع في القسم بالسهم الخيل والبغال والحمير والبراذين، ولكن يقسم كل صنف على حياله.
وتجمع الدور في (القسم)، إذا كانت في النفاق والرغبة في مواعضها والتشاح فيها سواء، وكان بعضها قريبًا من بعض؛ وأما إن اختلفت مواضعها فلتقسم كل دار على حدتها.
وإذا كان في الشجر أو في النخل ثمر فلا تقسم مع النخل أو الشجر. وكذلك الزرع لا يقسم مع الأرض، ولكن يقسم النخل والشجر والأرض، ويترك الثمار والزرع حتى يحل بيع ذلك، فيباع ويقسم ثمنه، أو يقسم كيلًا.
[ ٣ / ٨٩٧ ]