وفيه فصول:
الفصل الأول: فيمن تستحق القسم، ولا يجب على من له زوجة واحدة أن يبيت عندها، لكن يستحب ذلك لتحصينها.
ولا يجب القسم بين المستولدات وبين الإماء، ولا بينهن وبين المنكوحات، إلا أن الأولى العدل وكف الأذى. ومن له منكوحات يجب عليه العدل بينهن.
وتستحق المريضة والرتقاء والحائض والنفساء والمحرمة، والتي آلى عنها زوجها أو ظاهر، وكل من لها عذر شرعي أو طبيعي، من القسم ما يستحقه غيرها، لأن المقصود الأنس والسكن.
أما المباشرة فلا تستحق، ولا حرج عليه إن نشط للجماع في يوم واحدة دون أخرى، إلا أن يفعل لضرر مثل أن يكف عن هذه لوجود لذته في الأخرى، فلا يحل له ذلك. ويجب القسم على كل زوج مكلف، وعلى ولي المجنون أن يطوف به على نسائه.
الفصل الثاني: في مكان القسم وزمانه
أما المكان، فلا يجوز أن يجمع بين ضرتين في مكان واحد إلا برضاهن، وليفرد كل واحدة بمسكنها، ولا له أن يستدعيهن إلى بيته على التناوب إلا برضاهن، وليأتهن في بيوتهن كما فعل النبي ﷺ.
(وأما الزمان فقال في كتاب محمد: له أن يبدأ بالليل قبل النهار، وبالنهار قبل الليل.
قال القاضي أبو الوليد: «لأن الذي عليه أن يكمل لكل واحدة يومًا وليلة، (وهو المخير
[ ٢ / ٤٨٨ ]
في البداية بأيهما شاء». ثم قال: على أن الأظهر من أقوال أصحابنا أن يبدأ بالليل».
ولا يحل له أن يدخل في يومها على ضرتها ليقيم عندها، وله أن يأتي عائدًا أو لحاجة، أو يضع ثيابه عندها إذا كان ذلك على غير ميل ولا ضرر. وقيل: لا يدخل إلا لعذر لابد منه، من اقتضاء دين أو تجارة أو علاج. وقال ابن الماجشون: لا بأس أن يقف ببابها ويسلم من غير أن يدخل. ولا بأس أن يتوضأ، أو يشرب من ماء زوجته في غير يومها، ويأكل مما بعثت به إليه من غير تعمد ميل، ولا يكلف الوقاع، لأنه لا يدخل تحت الاختيار.
وأما المقدار من الزمان فليلة، ولا ينصف الليلة، ولا يزيد عليها، إلا أن يرضين ويرضى بالزيادة، أو يكن في بلاد متباعدة، فيقسم الجمعة أو الشهر على حسب ما يمكنه، بحيث لا يناله ضرر لقلة المدة.
الفصل الثالث: في التفاضل، وله سببان:
الأول: تجدد النكاح. فإذا استجد نكاح بكر بات عندها سبعًا، وإن استجد نكاح ثيب بات عندها ثلاثًا. وتستوي في ذلك الحرة والأمة، [لأنه للألف]، والطبع لا يتغير بالرق.
ثم لا يقضي الباقيات هذه المدة، بل يستأنف القسم بعد ذلك، وهل هو حق للجديدة أو للزوج؟، على اختلاف الروايتين. وقيل: هو حق لهما.
ثم في وجوبه واستحبابه، روايتان لابن القاسم وابن عبد الحكم. وإذا فرعنا على أنه حق لها أو لهما، فهل يقضي لها به عليه أم لا؟ قال أصبغ في كتاب محمد: «لا يقضي عليه.
قال القاضي أبو بكر: «والصحيح أنه يقضي عليه به». قال القاضي أبو الفرج عن ابن
[ ٢ / ٤٨٩ ]
عبد الحكم: «إن ذلك على الزوج وإن لم تكن (عنده) امرأة سواها».
قال القاضي أبو بكر: «وهذا لا معنى له، ولا يتصور، فلا يلتفت إليه كما قال ابن حبيب».
فرع: لو بات عند الثيب ثلاثًا، فالتمست زيادة، لم يزدها، بل يستأنف القسم.
وقال القاضي أبو الحسن: «يكمل لها سبعًا إن اختارت التسبيع، ثم يقضي لسائر نسائه سبعًا سبعًا، لقوله ﷺ وقد التمست أم سلمة ذلك: إن شئت سبعت عندك، وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت عليهن». فكأن اقتراحها الزيادة عنده يبطل حقها من الثلاث.
وروى محمد: أن الزوج لا يخبر الزوجة بحال، وإنما يكون لها الثلاث.
السبب الثاني: الحرية على إحدى الروايتين: يكون للحرة ثلثا القسم، وللأمة ثلثه. فلها ليلتان، للأمة ليلة. والرواية المشهورة التسوية بينهما كالحرتين.
وروى أبو زيد عن عبد الملك بن الماجشون: أن مالكًا رجع على التفاضل، وأخذ بذلك عبد الملك في نفسه.
وإذا فرعنا على التفاضل، فبدأ بالحرة فعتقت الأمة في ليلتها، أو قبل انقضاء ليلة الأمة، التحقت بالحرة الأصلية، واستحقت تمام الليلتين. وإن عتقت بعد تمام ليلتها اقتصرت على ما مضى، وسوى بينهما بعد ذلك.
ولو بدأ بها فعتقت قبل تمام نوبتها صارت كالحرة الأصلية، فإن عتقت بعد تمام نوبتها وجب توفية الحرة ليلتين، ثم يسوي بعد ذلك كله.
ومهما ظلم في القسم، وأضاع على إحداهن يومها، ولم يعطه لضرتها، فلا قضاء،
[ ٢ / ٤٩٠ ]
ويستأنف القسم. (وكذلك إن أقامه عند غيرها على المنصوص.
وأوجب أبو الحسن اللخمي القضاء استقراء من السليمانية، إذ قال فيمن له أربع نسوة فأقام عند إحداهن شهرين، ثم أراد المحاسبة، فقالت من أقام عندها: ابتدئ، فحلف: لا وطئها ستة أشهر حتى يوفي الباقيات حسابهن: ليس بمول، لأنه لم يقصد الضرر، وإنما قصد العدل. قال: «فأجاز المحاسبة».
قال الشيخ أبو الطاهر: «وهذا الذي يحتمل أن يكون مراده، ويحتمل أن لا يريد ذلك، بل يريد أنه يبتدئ، لكن لا يكون موليًا حتى يقصد الضرر، وهذا لم يقصده».
ولو غاضب إحداهن فصرفته، فهل له أن يبيت عند البواقي؟ فيه خلاف:
وإذا وهبت المرأة يومها من ضرتها، فللزوج أن يمتنع من القبول، فإن قبل فليس للموهوبة الامتناع.
وإن وهبت من الزوج نفسه، فليس له أن يخص واحدة، بل الواهبة كالمعدومة، ثم لها الرجوع متى شاءت. وما فات قبل بلوغ خبر الرجوع فلا يقضي.
الفصل الرابع: في المسافرة بهن
«وقد كان رسول الله ﷺ إذا هم بسفر أقرع بين نسائه ﵃، فاستصحب واحدة حتى إذا عاد دار عليهن من غير قضاء».
واختلفت الرواية عن مالك، فروى عنه ابن عبد الحكم وجوب القرعة أخذًا بهذا الخبر.
وروى تفويض الأمر إلى خبرته، وهي اختيار ابن القاسم، وعلل ذلك باختلاف أحوالهن، فمنهن من مصلحته ومصلحتها في إبقائها لثقل جسمها، وكثرة عائلتها، وحفظها لأمواله، ومنهن الخفيفة القليلة العيال، القليلة العناء، لو بقيت خلفه، إلا أن يستوين في جميع ذلك، فيقرع بينهن، وبهذا يعتذر القائل بهذه الرواية عن الحديث المتقدم، ويحملهن على استواء الحال فيما ذكر.
وقيل: يقرع بينهن في الحج والغزو دون غيرهما من سفر التجارة وغيرها.
[ ٢ / ٤٩١ ]
الفصل الخامس: في الشقاق وله ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون النشوز منها فيعظها، فإن هي قبلت، وإلا هجرها، فإن هي قبلت، وإلا ضربها ضربًا غير مخوف. فإن غلب على ظنه أنها لا تترك النشوز إلا بضرب مخوف لم يجز تعزيرها أصلًا.
الحالة الثانية: أن يكون العدوان منه بالضرب والإيذاء، فيزجر عن ذلك، ويجبر على العود إلى العدل.
الحالة الثالثة: أن يشكل الأمر، وقد ساء ما بينهما، وتفاقم أمرهما، وتكررت وشكواهما، ولا بينة مع واحد منهما، ولم يقدر على الإصلاح بينهما، فيبعث من جهة الحاكم أو من جهة الزوجين، أو من يلي عليهما حكمان لينظرا في أمرهما. ومن شرطهما أن يكونا عدلين فقيهين، والأكمل أن يكون حكم من أهله، وحكم من أهلها، فإن لم يكن لهما أهل، أو كان، ولم يكن فيهم من يصلح لذلك لعدم العدالة، أو لغير ذلك من المعاني، فإن الحاكم يختار حكمين عدلين من المسلمين لهما، أو عدلًا لأحدهما إن كان التعذر مختصًا به. ويستحب أن يكونا جارين. ثم المبعوثان حكمان لا وكيلان، وإن كان البعث من جهة الزوجين، ألا ترى أن للزوجة دخولًا في التحكيم، ولا مدخل لها في تمليك الطلاق. وقيل: بل هما وكيلان.
وإذا فرعنا على الأول، فينفذ تصرفهما في التطليق والخلع إن رأياه، لعجزهما عن الإصلاح من غير افتقار إلى إذن الزوج، ولا إلى موافقة حكم حاكم البلد.
والذي عليهما أن ينظرا، فإن قدرا على الإصلاح أصلحا، وإن لم يقدرا نظرا، فإن رأيا الإساءة من قبل الزوج فرقا بينهما، وإن كانت من قبل الزوج ائتمناه عليها، وإن رأيا صلاحًا أن يأخذا له منها شيئًا، ويطلقاها عليه فعلًا. وإن كانت منهما فرقا بينهما على بعض ما أصدقها، ولا يستوعبانه له وعنده بعض الظلم.
فرع: لو كان الحكمان مستجرحين، وعلم القاضي بذلك، لم ينفذ حكمهما، وفي نفوذه إذا لم يعلم خلاف. وكذلك لو كانا عبدين، والمنصوص ها هنا أنه لا ينفذ. ولو تراضى بهما الزوجان وهما مستجرحان لم يمض حكمهما. وقيل: يمضي.
قال بعض المتأخرين: «والخلاف في أكثر هذه المسائل ينبىء على تردد حكمهما بين التحكيم والتوكيل».
ثم إذا حكما بالفراق مضى فعلهما، وكانت طلقة بائنة، وكذلك لو قالا: فرقنا أو طلقنا، أو حكمنا بالفراق أو الطلاق، فإن حكما بأكثر من واحدة، أو بثلاث، أو حكما بلفظة البتة، أو خلية أو برية، ونوى بها الحكمان ثلاثًا، لم يلزم في ذلك كله إلا واحدة فقط، دخل بها (أو لم
[ ٢ / ٤٩٢ ]
يدخل)، لأن ما زاد على واحدة خارج عن معنى الإصلاح. وقيل: ينفذ ما حكما به.
ولو اختلفا، فحكم أحدهما بالطلاق، والآخر بالبقاء، أو حكم أحدهما على مال. والآخر على غير مال لم يلزم شيء إلا باجتماعهما؛ إلا أن ترضى الزوجة بالمال الذي قال أحدهما، وقد اجتمعا على الفراق فيلزم.
ولو اتفقا على إيقاع الطلاق، واختلفا في العدد، فأوقع أحدهما واحدة، وأوقع الآخر الثلاث أو البتة، وقعت الواحدة فقط، لاتفاقهما عليها. وقيل: لا يقع شيء أصلًا لاختلافهما.
وقيل: تمضي الواحدة إن حكم معها بالثلاث. فأما إن حكم بالبتة، فلا يمضي الحكم بشيء أصلًا. وهذا القول مبني على أن أبعاض الجمل كنوع آخر، وهو أصل نختلف فيه، وعليه يخرج حكم مطلق البتة إذا استثنى منها.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ