النذر: عبارة عن الالتزام والإيجاب، والنظر في أركان النذر وأحكامه.
النظر الأول في الأركان: وهي ثلاثة: الملتزم، وصيغة الالتزام، والملتزم.
أما الملتزم فكل مكلف له أهلية العبادة، فلا يلزم نذر الصبي والمجنون والكافر.
وأما الصيغة فهي أن يقول: لله علي صوم أو صلاة أو غيرهما من القرب ابتداء [و] يعلق ذلك على وجود شيء ما كقوله: إن شفى الله مريضي، فلله علي كذا، فلو قال: إن كلمت زيدًا فلله علي كذا للزم أيضًا على المعروف من المذهب. قال الشيخ أبو الطاهر: «وقد حكى الأشياخ أنهم وقفوا على قولة لابن القاسم: إن ما كان من هذا القبيل على سبيل اللجاج والحرج تكفي عنه كفارة يمين»، قال: «وكان من لقيناه من الأشياخ يميل إلى هذا المذهب».
ولو قال: إن فعلت فعلي نذر، فعليه كفارة يمين. وكذلك لو قال: فعلي يمين أو كفارة يمين.
ولو قال: لله علي نذر فعل كذا، أو أن أفعل كذا، فيخرج نذره ما سمى، فيفعله إن كان طاعة.
قال ابن حبيب: من قال علي نذر أن أفعل كذا (و) كذا في يمين أو في غير يمين، فهذا فعله هو نذره، فإن كان طاعة لزمه، وإن كان معصية، فلا يفعل ولا يكفر. قال: فلو قال علي نذر إن لم أفعل كذا فهذا نذره غير فعله، فإن لم يجعل لنذره مخرجًا ولا نواه، فيؤمر أن يفعل الطاعة فيبر، ولا يفعل المعصية، ويكفر كفارة يمين.
[ ٢ / ٣٦١ ]
ولو حلف بصدقة ماله، فقال: مالي نذر أو صدقة أو في السبيل، أو هدي، أو لوجه الله، قال: مالي أو جميعه، أجزأه من ذلك إخراج الثلث من العين والطعام والرقيق وغيره، إلا أن ينوي العين خاصة. ثم قال أصبغ: إذا قال لوجه الله فمخرجه الصدقة دون غيرها، ولو قال ذلك في عبده، لكان مخرجه العتق. وإن قال: في سبيل الله أو لسبيل الله، كان مخرجه الغزو والجهاد خاصة. ولو قال: نصف مالي أو ثلاثة أرباعه، أخرج جميع ما سمى.
قال محمد: وكذلك إن قال: مالي إلا درهمًا، أخرج جميع ذلك. قال: فإن عين فقال: عبدي أو داري، وذلك جميع ماله أو نصفه أو ثلاثة أرباعه، أخرج جميع ما سمى. وروى ابن وهب فيمن لم يعين، وسمى أكثر من الثلث أنه يقتصر على الثلث. وذكر الشيخ أبو القاسم في المعين إذا كان أكثر من الثلث روايتين. إحداهما: أن لا يلزمه أكثر من الثلث. وقال ابن حبيب: إذا حلف بجميع ماله فإنه يلزمه إخراج ثلثه إذا كان مليًا. فأما القليل المال الذي يجحفه الثلث، فيخرج قدر زكاة ماله، وأما الفقير فيكفر كفارة يمين.
وقال سحنون في جميع ذلك، عين أو لم يعين، يخرج ما لا يضر به إخراجه.
فروع: الأول: إذا حلف بصدقة ماله فحنث فلم يخرج شيئًا، حتى أنفقه، فقال أشهب: لا شيء عليه، ولا يتبع به دينًا. وقال ابن القاسم: يضمن إذا أنفقه أو ذهب منه كزكاة فرط فيها حتى ذهب ماله. وقال سحنون: إذا فرط في إخراج الثلث حتى هلك المال. (ضمن. وفي الواضحة: ومن حلف بصدقة ماله فحنث، ثم ذهب ماله باستنفاق، فذلك دين عليه).
وإن ذهب بغير سببه، فلا يضمن، ولا يضره التفريط حتى أصابه ذلك.
ولو حلف فحنث وقد زاد ماله، فليخرج ثلثه يوم حلف، وإن نقص، فثلثه يوم حنث.
(قال في الواضحة: إن كانت الزيادة بمتجر، فلا يلزمه إخراج ثلثها. وإن كانت بولادة أخرج ثلثها مع ثلث الأصل).
الفرع الثاني: (إذا حلف بصدقة ماله فحنث، فلم يخرج شيئًا، ثم حلف فحنث والمال الأول بيده لم يزد، ففي كتاب ابن حبيب وكتاب ابن المواز: ليس عليه إلا ثلث واحد. قال ابن حبيب: قاله مالك وأصحابه).
وفي كتاب ابن المواز أيضًا: ومن حلف بصدقة ماله فحنث، ثم حلف بصدقة ثلثه فحنث، فيلخرج ثلثه الأول، ثم ثلث ما بقي. وقال مثله في الحالف مرتين بصدقة ماله، ثم قال: يخرج ثلثه مرة واحدة يجزئه، وقاله ابن كتانة، وبالأول أخذ محمد، وقاله أشهب.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
الفرع الثالث: إذّا حلف فحنث، وماله مائة، ثم حلف فحنث، وهو مائتان، ثم حلف فحنث، وهو ثلاثمائة، فليس عليه إلا مائة. زاد في كتاب ابن المواز: وقد نما ماله بالتجارة.
ولو حنث أولًا وماله مائة، ثم حنث ثانية وماله ستون، ثم حنث ثالثة وماله أربعون، فليس عليه إلا ثلث المائة التي حنث فيها أولًا، إلا أن يبقى بيده أقل من ثلثها، فلا شيء عليه غير ما بيده، إلا أن يذهب بإتلافه أو إكله، فيلزمه دينًا. وقال محمد: إذا حلف إن فعل أو أن لا يفعل، لم يضمن ما أكل أو أتلف قبل الحنث. وإن حلف لأفعلن، أو إن لم أفعل، فهو كتلفه بعد الحنث، يلزمه ما ذهب بسببه، ولا يلزمه ما ذهب بغير سببه.
الفرع الرابع: من قال: كل (ما) اكتسبه صدقة، فلا شيء عليه، كمن عم في الطلاق والعتق، ولو عين مدة أو مكانًا يكتسب إليها أو فيه، لزمه التصدق بثلث ما يكتسب إلى المدة، أو في المكان عند ابن القاسم وابن عبد الحكم. ولم يلزمه عند ابن الماجشون. وروي عن أصبغ القولان.
ولو قال: كل ما أربحه في هذه السلعة (صدقة) جرى على الاختلاف، إلا أنه يلزمه التصدق بجملة الربح في القول الأول.
ولو قال: ما أملكه إلى حد كذا، دخل في اليمين ما بيده الآن، بخلاف قول ما اكتسبه.
وإن عقب النذر بقوله: إن شاء الله، لم يرتفع الذي في قوله: علي نذر، أو ما (يجري) مجراه مما فيه كفارة يمين فقط. ولو قال: إن شاء فلان، لم يلزمه شيء، حتى يشاء فلان، وأما الملتزم فهو الطاعة دون ما عداها.
ثم هو قسمان:
الأول: ما يوجبه على نفسه ابتداء شكرًا لله تعالى على نعمه، وهو مستحب.
والثاني: أن يربط النذر بحصول شيء أو ذهابه، كقوله: إن شفى الله مريضي، أو دفع عني شر كذا، فعلي كذا وهو مكروه، وكلاهما لازم.
وكيفما تصرفت أحوال النذر، فلا يقضي به؛ لأنه له وفاء له إلا مع النية، فإذا قضي عليه بغير اختياره لم يكن وفاء.
النظر الثاني: في أحكام النذور، والملتزمات أنواع:
النوع الأول: الصوم، فإذا نذر مطلق الصوم كفاه يوم، إلا أن ينوي أكثر.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وكذا في الصلاة تكفيه ركعتان. وأما الصدقة، فيكفيه ما تصدق به، وإن قل. وفي الاعتكاف تكفيه ليلة ويوم.
ولو نذر صومًا، فحكى الشيخ أبو الطاهر في لزوم التتابع ونفيه ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث، فيلزمه إن ذكر أعوامًا أو شهورًا جملة أو آحادًا، ولا يلزمه إن ذكر أيامًا. ولو عين يومًا للصوم تعين. ولو شرط التتابع في صوم لزمه، ولو قال: أصوم هذه السنة، لم يلزمه قضاء أيام العيد وأيام التشريق وأيام رمضان، إلا أن ينوي قضاء ذلك. وروي فيمن نذر صوم ذي الحجة، أنه يقضي أيام النحر، إلا أن ينوي أن لا قضاء لها. قال ابن القاسم: والأول أحب إلي، ويجب قضاء ما أفطر في السفر.
ولو قال: علي صوم سنة، فلن يكفيه إلا أثنا عشر شهرًا، ولا تنحط عنه أيام رمضان والعيد والحيض.
ولو قال: لله علي أن أصوم يوم يقدم فلان، فقدم ليلًا، صام صبيحة تلك الليلة. وإن قدم نهارًا، فقال ابن الماجشون وأشهب وأصبغ: يصوم يومًا عوضًا عنه. وقال ابن القاسم: لا شيء عليه.
ولو قدم في الأيام المحرم صومها، كيومي العيدين، فالمنصوص نفي القضاء.
قال ابن الماجشون: ولو علم أنه يدخل أول النهار، فبيت الصوم لم يجزه؛ لأنه صامه قبل وجوبه. قال عنه ابن حبيب: وليصم اليوم الذي يليه، قاله أشهب وأصبغ.
ولو نذر صيام يوم قودمه أبدًا، لزمه، إلا أن يوافق يومًا لا يحل صيامه، فلا يصومه ولا يقضيه. وكذلك إن مرضه، وقال ابن حبيب: يقضي ما مرض فيه، لأنه إنما قصد أن يصوم شكرًا، وقد نوى تعجيله، فليصمه في أول ما يصح. ولو نذر أن يصلي قاعدًا مع القدرة على القيام، جاز له القعود.
ولو نذر اعتكاف ليلة، فقال سحنون: لا يلزمه شيء، لأن بعض العبادة لا يقوم مقامها في النذور. قال القاضي أبو بكر: «وقد خفي عليه وجه العربية التي علمها مالك وابن القاسم في قولهما: إنه يصوم يومًا يعتكف فيه الليلة، لأن العرب تعبر عن اليوم والليلة بالليلة، حتى تقول: صنمًا خمسًا». قال: «فأما من نذر صوم بعض يوم، أو صلاة بعض ركعة، فإنه يلزمه جميعها، كما لو طلق نصف طلقة». قال: «فهذا) آكد. وقول سحنون ضعيف».
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ولو نذر صوم يوم سماه، فوافق يوم عيد، أو يوم حيض، أو مرضًا، لم يلزمه قضاؤه، وقيل: يلزمه.
ولو نذر صوم الدهر لزمه، ولا شيء عليه لأيام العيد والحيض ورمضان، وله الفطر بالمرض والسفر، ولا قضاء؛ إذ لا يمكن.
ولو نذر صوم يوم العيد أو يوم الشك لغا نذره، كما لو نذر الصلاة في الأوقات المكروهة.
النوع الثاني: في الحج.
فإذا قال: إن كلمت فلانًا، فأنا أحرم بحجة أو بعمرة، فإن كلمه قبل أشهر الحج، لم يلزمه أن يحرم بالحج إلى دخول أشهر الحج، إلا أن ينوي أنه محرم من يوم حنث، فيلزمه ذلك. وإن كان في فير أشهر الحج.
وأما العمرة، فعليه أن يحرم بها وقت حنثه، إلا أن لا يجد صحابة، ويخاف على نفسه، فليؤخر حتى يجد، فيحرم حينئذ. والإحرام في الجميع من موضعه لا من ميقاته، إلا أن ينويه، فله نيته.
ولو قال: أنا محرم يوم أكلم فلانًا، فإنه يوم يكلمه محرم في رأي سحنون. ومذهب الكتاب: «أنه لا يكون بحنثه محرمًا».
وإن قوله: يوم أفعل كذا، فأنا أحرم بحجة بصيغة المضارعة، كقوله: «فأنا محرم» باسم الفاعل.
ولو قال: إن فعلت كذا، فأنا أحج إلى بيت الله، للزمه الحج إن حنث. ولو نذر الحج ماشيًا، لزمه؛ لأن المشي طاعة. ولو نذر المشي حافيًا، لم يلزمه ولينتعل، وإن أهدى فحسن. ولو نذر أن يمشي إلى مكة ولم يذكر الحج، فقال: لله علي المشي إلى مكة، لزمه المشي إلى مكة في حج أو عمرة.
وكذلك لو حلف به فحنث، فإنه يلزمه المشي إلى مكة في حج أو عمرة، على المعروف من المذهب، كما تقدم.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
واختلف المتأخرون في علة (لزوم) الحج أو العمرة، فقال بعضهم: لأن العادة في التزام المشي إلى مكة قصد الحج أو العمرة. وقال آخرون؛ بل لأن ذلك يقتضي دخول الحرم، ولا يدخل إلا بإحرام، فصار قائل ذلك ملتزمًا للإحرام.
ويتخرج على تحقيق العلة فروع:
الأول: لو قال: علي الذهاب إلى مكة، أو المسير أو المضي، أو ما [شاببهما]، فقال ابن القاسم: لا شيء عليه إلا أن يذكر الحج أو العمرة أو يقصدهما، وتردد قوله في الركوب، وأوجب أشهب الحج أو العمرة في جميعهما، كالمشي.
الثاني: إذا حلف بالمشي إلى مكة أو البيت أو الكعبة أو الركن أو الحجر لزمه.
وإن قال: إلى الصفا أو المروة أو المقام أو زمزم أو منى أو عرفات، لم يلزمه.
وقال أصبغ: يلزمه في كل ما سمى مم اهو داخل في القرية، كالصفا والمروة والحطيم والأبطح والحجون وقعيقعان وأبي قبيس، وإن سمى ما هو خارج عن قرية مكة لم يلزمه.
وقال ابن حبيب: يلزمه إذا سمى الحرم أو ما هو فيه، ولا يلزمه إذا سمى ما هو خارج منه ما عدا عرفات، فإنه وإن كان من الحل، فهو من مشاعر الحج، فإذا نذر عرفات فقد نذر الحج.
الثالث: إذا كان الحالف من أهل الأقطار البعيدة، هل يتعين عليه الحج، أو يتخير بينه وبين العمرة؟ قولان للمتأخرين، مأخذهما ما تقدم من اعتبا رالعادة، أو دخول الحرم.
ثم النظر في المشي في ثلاثة أطراف: مبدؤه ومنتهاه وحكم العاجز عنه.
الطرف الأول: في مبدئه، وهو من حيث نوى، ولنقدم مقدمة جميلة، فنقول:
المعتبر في (النذور) النية، فإن عدمت فالعرف، فإن عدم فمقتضى اللفظ، فإن كان له
[ ٢ / ٣٦٦ ]
[مقتضيات]، فهل يحمل على الأقل أو الأكثر؟ فيه الخلاف المتقدم.
فإذا نذر المشي، فإن كانت له نية، فمن حيث نوى إذ هو التزام لا يقضي به، وإنما المكلف موكول فيه إلى ديانته.
وإن لم تكن له نية، فإن اتحد موضع حلفه وحنثه مشى منه؛ إذ هو مقتضى اللفظ، إلا أن يكون هناك عرف فيرجع إليه.
فإن كان الموضع الذي حلف فيه وحنث، لا يبلغ منه إلى مكة إلى بعد ركوب البحر، فهل يلزمه بعد الركوب إلى أقرب المواضع أن ينزل منه ويمشي؛ إذ هو مقتضى اللفظ، أو له أن يركب إلى الموضع المعتاد؛ إذ هو العرف؟ للمتأخرين في ذلك قولان.
وإن كان موضع حنثه غير موضع حلفه ولا نية له، وهو على بر، مشى من حيث حنث أيضًا بناء على أن الحنث سبب. وقيل: من حيث حلف بناء على أنه شرط.
فإن كانت يمينه بمكة، فإن كان في وقت اليمين في المسجد خرج إلى الحل، وأحرم من هناك. وإن كانت في غير المسجد، مشى إلى المسجد، فصلى هناك إن قصد الصلاة ورؤية المسجد (فيبصره)، فإن رؤيته عبادة. وقيل: يخرج إلى الحل، فينشىء منه حجًا أو عمرة، حملًا لنيته على قصد ذلك.
وإذا مشى من غير مكة، فلا يتعين عليه موضع من البلد الذي مشى منه، إذ العادة عدم التعيين في ذلك.
الطرف الثاني: منتهى المشي. وهو الفراغ من أفعال ما مشى فيه من حج أو عمرة، فينتهي في العمرة بفراغه من السعي، وفي الحج بطواف الإفاضة. وقال ابن حبيب: يمشي في رمي الجمار.
الطرف الثالث: في حكم العجز عن المشي. ولا شك (في) أنه إذا أتى به في جميع الطريق دفعة واحدة، غير مفرق بين أجزائه بمقام خارج عن المعتاد، أجزأه وإن طال المقام، فإن كان مضطرًا فكذلك، وإن كان مختارًا وطال به حتى تجاوز العام الذي خرج للحج فيه أو العمرة، وكانت يمينه متعلقة بعام بعينه، فقد أثم في التأخير ويلزمه القضاء على أصل المذهب.
ويختلف في إجزاء ذلك المشي المفرق. وإن لم يكن العام معينًا لم يأثم، وجرى الخلاف في إجراء المشي.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وإن أقام ولم يفته الحج في ذلك العام أجزأه، وقال ابن حبيب: لا يجزئه إلا أن يأتي بمشي متوال.
فإن ركب في بعض الطريق لعجز، وكان يسيرًا جدًا، فالمذهب أنه يجزئه، وعليه دم إن كان للركوب مقدار.
(فإن) كان مشيه يسيرًا وكان قادرًا فيما بعد، ألغى المشي الأول ووجب عليه مشي ثان.
وإن كان عاجزًا عن المشي اكتفى بالأول وأجزأه الهدي، لأنه غير مكلف بما لا يقدر عليه.
فإن تساوى ركوبه ومشيه، أو كان كل واحد منهما كثيرًا، وجب الرجوع لتلافي ما ركب.
ويركب (المواضع التي) مشى، ويمشي (المواضع التي) ركب. وقيل: إن كان موضعه بعيدًا جدًا، لم يلزمه الرجوع لشيء مما ركب، فإن عجز في الثاني، لم يكلف العودة دفعة أخرى.
وإن ركب مختارًا، ففي بطلان مشيه قولان، وإذا قلنا: لا يبطل، فإنه يرجع ويمشي ما ركب ويهدي.
ولو مشى في الثاني الطريق أجمع، فقال ابن المواز: يسقط عنه الهدي، قال المتأخرون: كيف يسقط الهدى المقرر في ذمته بمشي غير واجب؟
فرع: من حلف بالمشي فحنث، فمشى في حج، ففاته الحج، أجزأه ما مشى وجعلها عمرة، وقضى الحج قابلًا راكبًا وأهدى.
النوع الثالث: إتيان المساجد.
فإذا نذر إتيان مسجد من المساجد اللنائبة عنه، لم يلزمه إلا المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد إيلياء.
ولو ذكر المشي لم يزلمه في (إتيانها). وقال ابن وهب: يأتيها ماشيًا، قال ابن المواز: وقد قيل: إن كان قريبًا: الأميال ونحوها، أتى ماشيًا.
ثم إذا لزمه إتيان مكة للصلاة في مسجدها، فإنه لا يدخل إلا محرمًا، قاله القاضي أبو الحسن.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
ولو لم يذكر مساجد هذه المواضع، ولم ينو الصلاة فيها، لم يلزمه إتيانها، إلا في مكة، فيلزمه على التفصيل المتقدم.
قال أبو الحسن اللخمي: «وإن نذر مكي أو مدني الصلاة في مسجد بيت المقدس صلى في مسجد موضعه، وأجزأه. وإن نذر القدسي الصلاة في أحد هذين أتاهما. وإن نذر مدني الصلاة في المسجد الحرام، أو مكي الصلاة بمسجد الرسول أتاه، وذلك أحوط ليخرج من الخلاف»، قال: «وقياد قول مالك، رحمة الله عليه، أن يأتي المكي المدينة، ولا يأتي المدني مكة».
ولو ذكر موضعًا غير هذه (الثلاث)، فإن تعلقت به عبادة تختص به، لزمه إتيانه، ولو كان بمكة أو المدينة أو البيت المقدس كرباط أو جهاد ناجز، لكن لا يلزمه المشي ها هنا إن ذكره، إذ لم يرد أنه في مثل هذا عبادة.
النوع الرابع: الضحايا والهدايا.
وقد مضى في الحج أحكام الهدايا، ونحن نتكلم الآن على ألفاظ.
الأول: من نذر التقرب بسوق شاة إلى مكة، لزمه ذبحها بمكة. وكذلك لو لم يذكر لفظ الضحية والقربة، بل قال: علي ذبح شاة بمكة، لزمه أيضًا. فإن أضاف إلى بلدة أخرى فهل يلزمه النحر بها، أو يجزئه نحرها بمكانه؟ فيه روايتان.
اللفظ الثاني: إذا قال: لله عليان أضحي ببدنة، لم تقم مقامها بقرة مع القدرة عليها. وأما مع العجز، ففي إجزائها عنها خلاف.
وكذلك الخلاف في إجزاء سبع من الغنم عند عجزه عن البقرة. ومذبه الكتاب: الإجزاء فيهما.
اللفظ الثالث: أن يقول: لله علي هدي (فإن نوى شيئًا، فله نيته، وإلا فبدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت النفقة، رجوت أن تجزئه شاة). قال ابن
[ ٢ / ٣٦٩ ]
القاسم: كان مالك يزحف بالشاة كرهًا، قال أشهب: عليه بدنة، وأدنى ما يلزمه شاة، إلا أن ينوي أفضل منها.
اللفظ الرابع: إذا قال: لله علي هدي هذا الشيء، أو حلف به، وهو من جنس ما يهدى، ويمكن وصوله من موضعه، وجب إخراجه بعينه، فإن كان معينًا، فهل يهديه أو يعوض عنه؟
قولان.
وإن لم يمكن وصول المهدى باعه واشترى بثمنه، ثم قيل: لا يشتري إلا من جنس الأول، وقيل: له أن يخالف إلى الأفضل.
فلو كان المنذور هديه من جنس ما لا يهدي، وهو ملك له، وجب عليه التعويض بثمنه هديًا، يبعثه يشتري به ثم؛ لأنه قصد صرف ثمنه في الهدي، ثم في جواز تقويمه على نفسه خلاف، هذا كله في ملكه، فلو كان المنذور ليس ملكًا له، فإن كان مما يتقوم، وهو ملك لغيره، فلا يلزمه لشيء، إلا أن يريد التزام ذلك متى ما ملكه، فيكون من باب العتق المعلق على الملك والطلاق المعلق على النكاح، والمشهور لزومه، وإن كان المنذور مما لا يتقوم، كالحر يلتزم هديه، فعليه هدي.
ولو لم يذكر الهدي، لكن التزم نحر حر، فإن كان أجنبيًا، فظاهر المذهب أنه لا شيء عليه فيه، وعد نذرًا في معصية.
وإن كان قريبًا كالولد والوالدين، فإن ذكر ما يدل على الهدي، كذكر موضع من مواضع مكة أو منى، لزمه الهدي.
وإن اقتصر على قوله: أنا أنحر ولدي، فقال ابن القاسم في الكتاب: «سئل مالك عنها، فأجاب بكفارة يمين، ثم سئل عنها بعد ذلك»، فقال: «إن كان إنما أراد بذلك وجه الهدي أن يهيد ابنه لله، رأيت عليه الهدي، وإن كان لم ينو ذلك، ولم يرده، فلا أرى عليه فيه شيئًا: كفارة ولا غيره. قال ابن القاسم: وذلك أحب إلي».
فرع:
قال أصبغ: قال ابن القاسم: لو كان لمن حلف بنحر (ولده) عدة أولاد أهدى عن كل واحد منهم هديًا، قال: وقد قيل: إن الهدي الواحد لجميعهم، والأول أحب إلي.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
ولو قال: مالي في الكعبة أو في كسوة الكعبة أو في طيب الكعبة، فقال ابن القاسم: «أرى أن يهدي ثلث ماله فيدفعه إلى الحجبة».
قال: «وأما إذا قال: مالي في حطيم الكعبة، أو في الكعبة، أو في رتاج الكعبة، فلا أرى عليه شيئًا؛ لأن الكعبة لا تنقض. فتبنى بمال هذا، ولا ينقض الباب، فيجعل هذا فيه»، قال: «وسمعت مالكًا يقول: رتاج الكعبة هو الباب.
[ ٢ / ٣٧١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا]