والنظر فيه تحصره خمسة أقسام: الأول: في المقدمات.
والثاني: في مصححات العقد من الأركان والشرائط.
والثالث: في موانع العقد من الكفر، والرق، والنسب، والمصاهرة وغيره.
والرابع: في الأسباب المثبتة للخيار فيه.
والخامس: في لواحق الكتاب وتوابعه.
ويشتمل على فصول متفرقة شدت عن هذه الأقسام.
القسم الأول: في المقدمات، وهي ثلاثة:
الأولى: خصائص رسول الله ﷺ. قال القاضي أبو بكر: «وقد خص رسول الله ﷺ بأحكام لم يشركه فيها أحد في باب الفرض والتحريم والتحليل، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه.
فخص من الواجبات بتسع: الضحى والأضحى، والتهجد، والوتر». قال: «وهو
[ ٢ / ٤٠٧ ]
يدخل في قسم التهجد، والسواك، وتخيير نسائه بين اختيار زينة الدنيا (أو) اختياره، وقضاء دين من مات معسرًا، ومشاورة ذوي الأرحام في غير الشرائع، وأنه إذا عمل عملًا أثبته.
ومن المحرمات بعشر، فحرم عليه وعلى آله الزكاة، وحرم عليه أيضًا صدقة التطوع، وفي آله تفصيل باختلاف، وأكل الثوم وغيره من الأطعمة الكريهة الرائحة، والأكل متكئًا، والتبدل بأزواجه، وإمساك من كرهت نكاحه، ونكاح الكتابية، ونكاح الأمة، وخائنة الأعين، وهي أن يظهر بخلاف ما يضمر، أو ينخدع عما يجب، وحرم عليه إذا لبس لأمته أن يخلعها، أو يحكم بينه وبين محاربه».
ومن التخفيفات والمباحات: بإباحة الوصال في الصوم، ودخول مكة بغير إحرام، وفي حقنا فيه اختلاف، والقتال فيها، وأنه لا يورث. قال القاضي أبو بكر: «وإنما ذكرته في قسم التحليل لأن الرجل إذا قارب الموت بالمرض زال عنه أكثر ماله، ولم يبق له إلا الثلث، وبقي ملك رسول الله ﷺ بعد موته، والاستبداد بخمس الخمس، أو الخمس، والزيادة على أربع نسوة، وينعقد نكاحه بلفظ الهبة منها، وبغير المهر، وإذا وقع بصره على امرأة ورغب فيها، وجب على الزوج طلاقها لينكحها»، قال: «هكذا قال إمام الحرمين وقد بينا الأمر في قصة زيد بن حارثة كيف وقع. وفي انعقاد نكاحه بغير ولي وبغير صداق، وفي حالة الإحرام. وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها وفيه اختلاف. ولم يجب عليه القسم في زوجاته، ونساؤه بعد وفاته محرمات على غيره، لأنهن أمهات المؤمنين، وفي بقاء نكاحه عليهن أو انقطاعه خلاف».
قال القاضي أبو بكر: «وببقاء الزوجية أقول، ثم على القول بانقطاعها في وجوب العدة ونفيها خلاف أيضًا، منشؤه النظر» إلى كونهن زوجات توفي عنهن زوجهن، وهي عبادة، أو النظر إلى أنها مدة تربص لا تنتظر بها الإباحة. واختلف أيضًا في مطلقته، هل تبقى حرمته عليها، فلا تنكح؟.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
المقدمة الثانية: النكاح مندوب إليه لمن تاقت إليه نفسه، إذا كان مستطيعًا. قال الشيخ أبو محمد: وفي الواضحة وغيرها روي أن النبي ﷺ قال: «عليكم بالباءة فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج». وحض على نكاح الأبكار ورغب في نكاح الولود».
قال القاضي أبو بكر: «ولينظر إلى المخطوبة قبل العقد، ففي الحديث: أن المغيرة خطب امرأة، فقال له النبي ﷺ: «انظر إليها فإنه أحرى أن يودم بينكما»، ولا ينظر إلا إلى وجهها وكفيها». ويحتاج إلى إذنها في رواية ابن القاسم، وكره فيها أن يستغفلها.
(وروى محمد بن يحيى في المدنية: لا بأس أن ينظر إليها وعليها ثيابها».
قال القاضي أبو الوليد: «يحتمل أن يريد أن ينظر إليها مغتفلًا لها إذا علم أن عليها ثيابها، ويحتمل أن يريد أن ينظر إليها بعد إعلامها». والنكاح والملك فيمن يبيح وطئها يبيحان النظر إلى الفرج من الجانبين.
وقيل: «يكره النظر إلى الفرج من ناحية الطب، إذ قيل: إنه يضعف البصر».
ويباح النظر إلى وجه المرأة لتحمل الشهادة، ويباح أيضًا إلى الفرج لتحمل شهادة الزنا في ظاهر المذهب.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
المقدمة الثالثة: الخطبة مستحبة، والتصريح بخطبة المعتدة حرام، والتعريض جائز وهو القول المفهم لمقصود الشيء ليس بنص فيه، مأخوذ من عرض الشيء وهو ناحيته كأنه يحوم على النكاح ولا يسف عليه، ويمشي حوله ولا ينزل به. والتصريح هو التنصيص عليه، والإفصاح بذكره.
قال القاضي أبو بكر: «والذي مال إليه مالك في التعويض أن يقول: إني بك لمعجب، ولك محب، وفيك راغب»، قال: «وهذا عندي أقوى التعريض، وأقرب إلى التصريح».
قال: «والذي أراه أن يقول لها: إن الله سبحانه سائق إليك خيرًا، وأبشري، وأنت نافقة.
فإن قال لها أكثر من ذلك فهو أقرب إلى التصريح.
وتحرم الخطبة على خطبة الغير بعد الإجابة والتراكن كالإجابة.
ثم هل يقف التحريم على تقرير الصداق، أو يحصل بمجرد التراكن والتقارب في الرضى وإن لم يتفقا على صداق؟ (قولان: الأول لابن نافع. والثاني رواه ابن حبيب عن ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم ومطرف وابن الماجشون).
قال القاضي أبو بكر: «والأول أصح، لأن السكوت (عن) الصداق نادر وهو أصل الاتفاق، (فما) لم يذكر فليس (بركون مقاربة)، ثم قال: [قال] علماؤنا: هذا إذا كانا شكلين، فإن لم يكن الزوجان متشاكلين جاز للمشاكل أن يدخل عليه، قال: «وهذا مما لا ينبغي أن يكون فيه خلاف».
وقال ابن القاسم في العتبية: «لا أرى على من دخل في مثل هذا شيئًا، ولا أرى الحديث
[ ٢ / ٤١٠ ]
إلا في الرجلين المتقاربين، وأما فاسق وصالح فلا».
فرعان:
الأول: لو اقتحم النهي وخطب أثم، وأدب، فإن عقد لم يفسخ عقده، قاله ابن القاسم وعبد الملك. (وروى ابن مزين عن ابن نافع: يفسخ قبل الدخول، وروى عنه ابن حبيب: أن يفسخ بكل حال). قال القاضي أبو بكر: «والصحيح عدم الفسخ». وقال القاضي أبو محمد: «الظاهر من المذهب الفسخ».
الفرع الثاني: وهو مرتب: (إذا قلنا: لا ينفسخ، فقد روى العتبي عن عيسى عن ابن وهب: «أنه يستحب لهذا العاقد أن يتوب من فعله ويعرضها على الخاطب أولًا، فإن حلله رجوت له في ذلك مخرجًا، فإن أبى فليفارقها، فإن نكحها الأول، وإلا فلهذا أن يأتنف معها نكاحًا»، قال عيسى: وقال ابن القاسم: «إن لم يحلله فليستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه». ويجوز الصدق في ذكر مساوي الخاطب ليحذر، وتستحب الخطبة، بضم الخاء، عند الخطبة بالكسر، وعند العقد.
القسم الثاني من الكتاب في الأركان:
وهي أربعة: الصيغة، والمحل، والصداق، والعاقد.
الركن الأول: الصيغة، وهي كل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد في حال الحياة كالإنكاح، والتزويج، والتمليك، والبيع، والهبة، وما في معناها. قال القاضي ابو الحسن: «ولفظ الصدقة أيضًا».
[ ٢ / ٤١١ ]
وقال الأستاذ أبو بكر في لفظ الإباحة: قال أصحابنا: إن قصد بها النكاح صح، وتضمن المهر.
ويكفي أن يقول الزوج: قبلت، إذا تقدم من الولي الإيجاب، ولا يشترط أن يقول: قبلت نكاحها.
وينعقد النكاح بالاستيجاب والإيجاب، فلو قال لأبي البكر، أو لأبي الثيب، وقد آذنت له أن يزوجها: زوجني فلانة، فقال: قد فعلت، أو قال: زوجتك، فقال الخاطب: لا أرضى فقد لزمه النكاح.
ولو قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وبضع كل واحدة صداق الأخرى، لم يصح، لأنه الشغار المنهي عنه، لأنه اشتراك في البضع.
ولو قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ولم يجعلا بضع كل واحدة صداقا للأخرى، فسخ بعد البناء على المشهور من المذهب، وقبله بلا خلاف فيه.
ولو سمي لكل واحدة منهما صداق، فلا يفسخ بعد البناء، ويفسخ قبله، وقيل: لا يفسخ. ولا يجوز تأفيت النكاح، وهو المتعة.
الركن الثاني: المحل وهو المرأة الخلية عن الموانع التي تقتضي تحريمها، والتحريم ضربان: مؤبد، وغير مؤبد.
فالمؤبد يرجع إلى عين المرأة، فلا تحل بوجه، وذلك بوجهين: أحدهما أصل، والآخر بمعنى طارئ على العين يحظرها بعد إباحتها. (وجملته) خمسة أشياء: نسب، ورضاع، وصهر، ولعان، ووطء في العدة على خلاف وتفصيل في هذا القسم يذكر عند بسط الكلام على هذه الموانع.
فالأصل هو النسب، والفرع ما عددنا معه، فهذا قسم التحريم المتأبد.
وأما التحريم غير (المؤبد)، فهو الذي يكون لعارض يزول بزواله، وذلك بأن تكون المرأة ذات زوج، أو في عدة من زوج، رجعية كانت أو بائنة، أو تكون مستبرأة من غير النكاح، أو حاملًا حملًا لا يلحق به، كان لاحقًا بالواطئ أو غيء لاحق، أو تكون مرتدة أو كافرة غير كتابية، أو تكون أمة كافرة أو تكون أمته، أو أمة ولدة، أو تكون سيدته، أو أم سيده، أو تكون في حال إحرام، أو تكون المرأة أمة مسلمة والناكح حر يجد الطول أو لا يخشى العنت، أو يكون عند الزوج من ذوات محارم المرأة من لا يجوز الجمع بينه وبينها، أو يكون
[ ٢ / ٤١٢ ]
جامعًا بين أربع، أو تكون مريضة يحجر عليها فيه ويشتد الخوف عليها، أو تكون قد ركنت إلى غيره وتعهد الأمر بينها وبينه ولم يبق إلا العقد أو شبيه به، أو تكون يتيمة غير بالغ على أظهر الروايات وأصحها.
الركن الثالث: الصداق، وهو مستحق في عقد النكاح، لا يجوز التراضي على إسقاطه، ولا النكاح المشترط فيه سقوطه. نعم، لا يلزم التنصيص عليه في العقد، بل يستوي كونه مذكورًا فيه أو مسكوتًا عنه غير منفي في صحة العقد، وسيأتي تفصيل القول في أحكامه مستقصى في كتابه إن شاء الله.
الركن الرابع: العاقد، وهو الزوج والولي، إذ لا تعقد المرأة النكاح على نفسها ولا على غيرها، بكرًا كانت أو ثيبًا، شريفة أو دنيئة، رشيدة أو سفيهة، حرة أو أمة، أذن لها وليها، أو لم يأذن، لا يجوز ذلك بوجه.
قال القاضي أبو محمد: «ولا خلاف من قول أصحابنا أنها لا تكون ولية في عقد النكاح على امرأة». قال: وروي عن ابن القاسم في العتبية: «أنها تلي العقد على عبدها، أو من هي وصية عليه من أصاغر الذكور دون الإناث». قال: ووجه التفرقة بينهما من ثلاثة أوجه.
أحدها: ما ذكره ابن القاسم وهو أن الصبي من أهل العقد على نفسه بعد البلوغ، وكذلك العبد بعد العتق أو الإذن، بخلاف الأنثى.
والثاني: أن الصبي قادر على رفع العقد إن كرهه بخلاف الأنثى.
والثالث: أنه ى وىية عليه في طلب الكفاءة، وليس كذلك الأنثى، وتجوز مباشرة المرأة للعقد على من يعقد على نفسه بوكالته لها في ذلك.
فروع: يجب للمدخول بها في النكاح بلا ولي مهرها المسمى، ولا حد في الدخول للشبهة، ويفسخ النكاح بعد العقد وبعد الدخول، وبعد الطول والولادة.
قال القاضي أبو بكر: «ويصلح أن يركب عليه تكرير البطلان في الحديث». وهل يفسخ بطلاق أو بغير طلاق، روايتان لابن القاسم وابن نافع.
[ ٢ / ٤١٣ ]
هذا تمام الأركان، وليس الإشهاد بركن في العقد ولا شرط فيه، نعم هو شرط في كمال العقد وجواز الدخول، والمقصود إعلان النكاح وإشهاره ليتميز من السر الذي هو الزنا. وإنما شرع الإشهاد لرفع الخلاف المتوقع بين الزوجين، وإثبات حقوقهما، فكانت كسائر الحقوق، لا تشترط الشهادة فيها شرعًا، وعلى هذا جرت أنكحة الصحابة ﵃، ما كانت قط بشهادة وإنما كانوا يعلنون لأمنهم التدارؤ بينهم،، بل تقول: لو أشهد المتناكحان وتواصوا بالكتمان لفسخ العقد، وكان نكاح السر المنهي عنه في القول المشهور. وقيل: نكاح السر ما لم يشهد فيه.
[ ٢ / ٤١٤ ]
وفي بيان أحكام الولاية بابان: في الولي، والمولى عليه
الباب الأول: في الولي، وفيه فصول
الفصل الأول: في أسباب الولاية
والولاية قسمان: خاصة وعامة. فأما الخاصة، فأسبابها خمسة:
الأول: الأبوة، وتفيد الولاية الإجبار، وهي معلولة بعلتين: الصغر والبكارة، فيجبر الأب الصغير وإن كانت ثيبًا، والبكر وإن كانت بالغًا، لوجود إحدى العلتين، ولا يجبر الثيب البالغ لعدمهما. فإن عنست البكر اختلف في دوام الإجبار عليها وانقطاعه عنها على روايتين لمحمد وابن وهب.
والعانس هي التي طال مكثها في منزل أهلها بعد إدراكها ولم تتزوج، وبرز وجهها، وباشرت الأمور بنفسها، وعرفت مصالحها. وقد اختلف في مقدار سنها، ففي رواية ابن وهب في المدنية: الثلاثون، والخمس والثلاثون. وفي رواية عيسى عن ابن القاسم: الأربعون والخمس والأربعون، ثم حيث أجبرنا البكر البالغ، فيستحب استئذانها.
والمعتبر في الثيوبة المانعة من الإجبار الوطء الحلال دون الحرام، وقيل: هما في ذلك سيان، ولا أثر لزوال الجلدة بالسقطة ونحوها.
فرع: لو تزوجت البكر وأدخلت على الزوج، ثم فارقها قبل أن يسمها، لم يكن لأبيها أن يجبرها بعد ذلك إن طالت إقامتها مع الزوج وشهدت مشاهد النساء، لأنها تخبر بذلك مواضع حظوظها وتعرف مصالحها، فيقوم ذلك مقام الثيوبة.
واختلف في تحديد هذا الطول المذكور، فقيل بتحيده السنة ونحوها، وقيل ينفي
[ ٢ / ٤١٥ ]
التحديد بزمن معين، ورده إلى ما يشهد العرف بكونه طولًا. وإن كان أمرًا قريبًا فلا يمنعه من إجبارها. وحكي عن عبد الحكم أنه قال: يزوجها بغير رضاها وإن طالت إقامتها ما لم تمس.
ولو التمست البكر الكبيرة البالغ التزويج وجبت الإجابة، وإن كانت مجبرة، فإن عضل الولي زوج السلطان. ويصير الولي عاضلًا إذا عينت كفؤًا فرده، إلا الأب في ابنته البكر، فإنه لا يكون برد أول خاطب أو خاطبين عاضلًا.
والكفء الذي عينت المالكة لأمرها أولى ممن عينه الولي.
السبب الثاني: خلافة الأبوة.
فإذا فوض الأب الولاية في إنكاح بناته إلى الوصي ثبتت له الولاية وكان أحق من الولي.
قال في الكتاب: «لا نكاح للأولياء مع الوصي، والوصي ووصي الوصي أولى من الأولياء».
ولو رضيت الجارية، والأولياء، والوصي ينكر فلا نكاح لها، ولا لهم بالوصي، فإن اختلفوا في ذلك نظر السلطان فيما بينهم.
وأما الثيب فلو زوجها الأولياء برضاها جاز، وإن أنكر الوصي.
وكذلك إن أنكحها الوصي بإذنها جاز، وإن أنكر الأولياء.
قال القاضي أبو محمد: «الوصي في البكر أولى من سائر الأولياء بإذنها، وهو في الثيب واحد منهم».
وقال ابن حبيب: إن قال له: زوج ابنتي من فلان، أو ممن ترضى، نزل في ذلك منزلته، وكان له أن يزوجها قبل بلوغها وبعد بلوغها بغير أمرها، قال: وإنما يكون أحق بتزويجها من الأولياء بعد بلوغها ومؤامرتها، إذا قال: فلان وصيي فقط، أو قال: فلان وصيي على بضع بناتي، قال: وسواء كانت أبكارًا أو ثيبًا.
(وقال ابن الماجشون في مختصر ما ليس في المختصر ومحمد بن عبد الحكم: لا تزويج لوصي إلا أن يكون وليًا.
وقال سحنون في السليمانية: قال غير ابن القاسم من أصحابنا: الأولياء أولى بالعقد من الوصي.
[ ٢ / ٤١٦ ]
قال أبو الحسن اللخمي: «وهذا القول أحسن، لأن الوصي أجنبي، وإنما هو وكيل على المال».
السبب الثالث: العصوية: كالبنوة، والإخوة، والجدودة، والعمومة، ولا تفيد إلا تزويج العاقلة البالغة برضاها الصريح إن كانت ثيبًا، وبسكوتها إن كانت بكرًا.
(واستحب مالك في رواية ابن الماجشون، أو تعلم البكر أن إذنها صماتها، لئلا تجهل ذلك فتصمت في الكراهية. وقال الشيخ أبو إسحاق: يقال لها ذلك ثلاث مرات: إن رضيت فاصمتي، وإن كرهت فانطقي. قال القاضي أبو محمد: «وليس ذلك شرطًا في صحة الإذن». وحكي عن عبد الملك بن الماجشون أنه قال: وإن لم يفعل الولي ذلك مضى الأمر على ظاهره، وجاز النكاح.
فرعان: الأول: إذا تقدم العقد على الإذن في صحة النكاح وبطلانه ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث، فيصحح إذا تعقبه على قرب، ويبطل إذا تراخى.
وقال القاضي أبو محمد: «الصحيح أنه لا يجوز وإن تعقبته الإجازة».
الفرع الثاني: (البلوغ المعتبر في التزويج هو الحيض. قال ابن حبيب: أو بلوغ ثماني عشرة سنة. واختلف في الإنبات، ثم إن زوجت به، فقال ابن حبيب: يفسخ قبل البناء وبعده، وقال محمد: لا يفسخ إذا أنبتت).
السبب الرابع: الولاء، فالمولى الأعلى كالعصابات عند عدمها، فيعقد المعتق، وتستخلف المعتقة من يعقد.
ولا ولاية للأسفل، قال الشيخ أبو عمر: «وقيل: إن له مدخلًا في الولاية»، ثم قال: «وليس بشيء».
السبب الخامس: التولية، وإنما يزوج السلطان البالغة عند عدم الولي أو عضله أو غيبته، وليس له أن يزوج الصغيرة، ولا يزوجها غير الأب من سائر الأولياء، فإذا كانت يتيمة فلا تزوج أصلًا حتى تبلغ. وروي: أن لسائر الأولياء تزويجها، ولها الخيار إذا بلغت. وروي: إن دعتها ضرورة، ومستها حاجة وكان مثلها يوطأ، ولها في النكاح مصلحة جاز تزويجها. قال
[ ٢ / ٤١٧ ]
الأستاذ أبو بكر: والأول هو المذهب الصحيح.
وقال القاضي أبو محمد: «أظهر الروايات وأصحها والمعمول بها والذي به نفتي أنه لا يزوجها غير الأب على أي وجه كان حتى تبلغ. قال: وإلى ذلك رجع مالك، ذكره محمد بن عبد الحكم.
وقال الشيخ أبو الطاهر: «وأما ما كانت ممن يخالف عليها الفساد، فلم يختلف أحد من المتأخرين أنها تزوج، وإن كان إطلاق الروايات يقتضي منع التزويج».
وإذا فرعنا على الرواية الصحيحة فزوجت، فروي: يفسخ النكاح ولا يقران عليه وإن بلغت، ما لم يدخل بها، وهذا مقتضى القول بالمنع من التزويج. وقيل: ينظر فيه الحاكم، فإن رآه صوابًا أمضاه، وإلا فسخه. وقيل: الخيار لها، فإن رضيت مضى، وإلا فسخ. قال: «وإنما يكون ذلك بعد بلوغها»، هذا حكم الولاية الخاصة.
(فأما العامة، فسببها الدين، والأصل في ثوبتها قوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، ولا يقدم على العقد بها مع الخاصة، فإن أقدم عليه بها معها: فإن كانت الخاصة ولاية إجبار، كالأب والسيد، فسخ النكاح على كل حال، وليس للأب ولا للسيد إجازته. وحكى القاضي أبو محمد: «إن في إجازة السيد روايتين»، وإن كانت الولاية الخاصة ليست بولاية إجبار، كالأب في الثيب، وسائر العصبة في البكر والثيب، فقال ابن القاسم في الكتاب: «إن أجازه الولي قبل البناء أو بعده جاز، وإن رده قبل البناء أو بعده رد، ما لم يطل ويكن صوابًا».
وقد توقف مالك في الجواب عنه إذا أجازه الولي بالقرب، وقال ابن نافع وعلي بن زياد: لا يجوز وإن أجازه الولي.
وقال القاضي أبو محمد: إن زوجها الأجنبي مع القدرة على ولي بالنسب أو بالحكم، ففيها روايتان:
إحداهما: أن ذلك غير جائز.
[ ٢ / ٤١٨ ]
والثانية: أنه ماض إذا تزوجت كفؤًا».
فرعان: الأول: (إذا قلنا: لا يجوز ذلك في ذات الحال فهل يجوز في الدنية؟ قال القاضي أبو محمد: «في ذلك روايتان، إلا أن الأظهر أن النكاح جائز»، فإن لم تكن ولاية خاصة سوى ولاية الحكم، ففي الموازية من رواية أشهب في الدنية تولي رجلًا ينكحها نهى عن ذلك، وقال: إذا عمل بهذا ضاعت الفروج.
وروى ابن وهب في المرأة لا ولي لها وتكون في البادية يجوز لها ذلك إذا لم تضع نفسها في دناءة، وليس كل امرأة تقدر على رفع أمرها إلى السلطان.
وروى ابن القاسم في الواضحة في الدنية في الحال والموضع، لا ولي لها بقرابة ولا ولاء، يزوجها أجنبي دون الإمام.
وأنكر ابن الماجشون رواية ابن القاسم، وقال: إنما قال مالك وعلماؤنا في مثل الأعجمية الوغدة تستند إلى الرجل ذي الحال فيصير لها كنفًا ومستندًا، ويأخذ لها القسم ويجري عليها النفقة ويلي منها ما يلي من مولاته، فلا بأس أن يعقد عليها بإذنها إذا لم يكن لها ولي، فأما ذات النعمة والحال والنسب والمال فلا.
الفرع الثاني: إذا قلنا بالمنع من التزويج بالولاية العامة مع وجود الولاية الخاصة والفسخ إن وقع، فزوجها أجنبي وأولياؤها غيب، فقد قال ابن القاسم في الموازية: للولي وللسلطان فسخ ذلك، وكتب مالك إلى ابن غانم إذا زوجها الأجنبي، وأولياؤها غيب،
[ ٢ / ٤١٩ ]
فرفع إلى السلطان فلا ينظر فيه إلا أن يقدم الولي فيطلب الفسخ فيفسخ إلا فيما يطول مع الولادة. وأما التي لا خطب لها وليست من العرب فلا يفسخ وإن قرب.
ثم حيث قلنا بالفسخ، فإن كان قبل الدخول فلا عقوبة عليهما إذا كان النكاح مشهورًا، إذا لم يوجد منهما سوى العقد بالقول، وإن بنى بها عوقبا جميعًا. ومن تولى العقد، ومن علم من الشهود، وانفسخ بتطليقة بائنة.
الفصل الثاني: في ترتيب الأولياء.
والأصل: القرابة، وحكم الوصية داخل فيها، ثم الولاء، ثم التولية، والمقدم من الأقارب الابن، ثم ابنه وإن سفل، ثم الأب، وروي: الأب ثم الابن، ثم بعدهما الأخ، ثم ابنه وإن سفل، ثم الجد. وقال المغيرة: الجد وأبوه أولى من الأخ وابنه، ثم العم، ثم ابنه على ترتيبهم في عصوبة الإرث.
وهل يقدم الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب كما في الميراث أم يستويان؟
روايتان: والأولى لمالك وابن القاسم عند ابن حبيب، والثانية في الكتاب من رواية علي بن زياد. وكذلك يجري الخلاف في أبنائهما، وفي العمين وأبنائهما.
وأما المعتق إذا مات فعصباته، ثم معتقه، ثم عصبات معتقه، وترتيب عصبات المعتق كعصبات القرابة، وابن المعتق مقدم على أبيه، وإذا أعتقت المرأة فلها الولاء، وتزويج العتيقة إلى مولاها فإن كان ولاؤها لامرأة استحلفت من يعقد.
فرع:
إذا أنكح الأبعد مع وجود الأقعد نفذ. (وقال سحنون: «قال بعض الرواة: ينظر السلطان في ذلك. وقال الآخرون: للأقرب أن يجيز أو يرد إلا أن يتطاول الأمر، وتلد الأولاد». وقال ابن حبيب: للأقرب أن يفسخه أو يمضيه، ما لم يبن بها ويطلع على عورتها.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وسبب الخلاف: النظر إلى تقدمة الأقرب، هل هي من باب الأولى، أو ذلك حق له كالقيام بالدم؟
قال أبو الحسن للخمي: «ولم يختلفوا أن النكاح صحيح لا يتعلق به فساد، وإنما الاختلاف في أنه هل يتعلق به حق آدمي أم لا؟».
ثم قال: «فإن كانت المرأة لا قدر لها، مضى إنكاح الأبعد بنفس العقد قولًا واحدًا».
الفصل الثالث: في سوالب الولاية، وهي ست:
الأول: الرق، فلا ولاية لرقيق، وله عبارة في القبول لنفسه ولغيره بالوكالة بإذن السيد وبغير إذنه.
الثاني: ما يقدح في النظر، كالصبا والجنون والعته الموجب للحجر، فجميع ذلك ينقل الولاية إلى الأبعد.
واختلف في السفه، فقال ابن وهب: ينقل الولاية إلى ولي السفيه ويستحب حضوره، ولا تضر غيبته.
وفي الموازية عن ابن القاسم: «لا ينقلها، بل يعقد على ابنته بإذن وليه». وقال أشهب: «يعقد إذا كان ذا رأي إذا لم يول عليه وإن كان سفيهًا».
فرع: فإن عقد السفيه على ابنته، فقال ابن وهب: «لوليه إجازته أو رده، فإن لم يكن عليه ولي، فعقده ماض إن كان ما فعل صوابًا، وكذلك في أخته».
قال أصبغ: قول ابن وهب صحيح.
[ ٢ / ٤٢١ ]
قال محمد: إلا قوله: إن لم يكن عليه ولي، أنه جائز. قال: وذلك سواء له ولي أم لا، ينظر إلى ما فعل بالاجتهاد كنظر الولي.
الثالث: غيبة الولي الأقعد غيبة بعيدة، (أو) لا ترجى لها أوبة سريعة، فإنها تنقل الولاية إلى الأقرب إليه، وإلى الحاكم، فيزوجها أحدهما.
وقيل: إلى الحاكم فقط، فلا يزوجها غيره.
الرابع: الفسق، وهو يسلب الولاية على قول. والمشهور أنه لا يسلبها، وإنما يقدح في كمال العقد دون صحته.
الخامس: اختلاف الدين، والمشهور أنه يسلب الولاية في الجانبين، فكما لا يزوج المسلمة إلا مسلم، فلا يزوج الكافرة إلا كافر، فإن لم يكن لها ولي كافر (فأساقفتهم) وبعض ولاتهم، فيعقدون ولو من مسلم دون وليها المسلم. ولا يصح عقد المسلم عليها، إلا أن تكون معتقة فإن عقد عليها وهي غير معتقة فسخ إن كان لمسلم، ولا يعرض للنصراني.
وقال أصبغ: «لا يفسخ عقد المسلم، عقده أولى وأفضل». وقيل: لا يجوز في إنكاحها للمسلم إلا عقد المسلم خاصة.
السادس: الإحرام، وهو يسلب عبارة المحرم في النكاح والإنكاح، لكن لا يمنع الرجعة، ولا يسلب عبارته فيها.
الفصل الرابع: في تولي طرفي العقد
والأب يتولى طرفي عقد البيع في مال ولده، وكذلك الوكيل على البيع إذا اشترى السلعة لنفسه تولى طرفي العقد. وكذلك كل واحد من ابن العم والمعتق، ووكيل الولي، والحاكم يعقد لنفسه على من يتولى عليها بإذنها له في ذلك، فيتولى طرفي العقد، وليشهد كل منهم على رضاها وإذنها خوفًا من منازعتها.
قال أبو عمر: «ولفظه في العقد أن يقول لها: قد تزوجتك على صداق كذا وكذا،
[ ٢ / ٤٢٢ ]
فتقول: رضيت، أو تكون بكرًا فتسكت رضًا بذلك».
الفصل الخامس: في التوكيل
وللولي أن يوكل من يعقد على وليته بعد تعيين الزوج. وللزوج أيضًا أن يوكل من يعقد عنه، فلا يشترط في وكيله ما يشترط في الأولياء (من الصفات)، بل يصح توكيل العبد والصبي والمرأة والنصراني.
وقيل: يشترط في وكيله ما يشترط في وليها، فلا يعقد عنه من لا يصلح للعقد عليها ولو كان وليها. ثم ليقل الولي للوكيل بالقبول: زوجت من فلان، ولا (يقل): زوجت منك، وليقل الوكيل: قبلت لفلان، ولو قال: قبلت، لكفى إذا نوى بذلك موكله.
الفصل السادس: فيما يجب على الولي
وتجب على الأخ الإجابة إذا طلبت أخته النكاح من كفء، إن كان متعينًا، فإن كان له أخ آخر، كان الوجوب عليهما، ويسقط بفعل أحدهما، فإن عضلا زوج السلطان بعد أن يأمرهما فيمتنعا.
وعلى المجبر تزويج المجنونة إذا تاقت وخشي عليها الفساد، ورأى الولي المصلحة في تزويجها.
ولا يجب تزويج الصغير وإن طلب التزويج، فإن عقد لنفسه، فقال ابن القاسم: إذا أجاز الولي نكاحه فهو جائز كبيعه.
وأنكر سحنون ذلك وعلل إنكاره بأنه رآه غير محتاج إلى النكاح، بخلاف البالغ وبخلاف البيع والشراء، فإن الصغير يحتاج إلى ذلك.
وقال بعض المتأخرين: وإنما أجاز ذلك ابن القاسم لأنه رآه نظرًا ماليًا؛ إذ يعود بالصلاح في المال في الحال وفي المآل.
وإذا عقد الأب لابنه الصغير، لم يصر ضامنًا للمهر، إلا أن يكون الابن عديمًا غير مالك لأمره.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
الفصل السابع: في الكفاءة والنظر في اعتبار أمور
الأول: الدين، وهو معتبر في الكفاءة بلا خلاف، فإن كان فاسقًا، فحكى الشيخ أبو الطاهر أنه لا خلاف منصوص أن تزويج الوالد من الفاسق لا يصح، قال: «وكذلك غيره من الأولياء، وإن وقع وجب للزوجة أو لمن قام لها فسخه».
قال: «وكان بعض أشياخي يهرب من الفتوى في هذا، ويرى أنه يؤدي إلى فسخ كثير من الأنكحة».
وإشارته بذلك إلى الفاسق بجوارحه، وأما الفاسق باعتقاده فقد نص عليه مالك، فقال في كتاب محمد: لا يتزوج إلى القدرية، ولا يزوجوا.
الثاني: النسب، ولا يخلوا أن يكون حرًا عربيًا، أو مولى، أو رقيقًا.
الأول: أن يكون حرًا عربيًا، فهو كفء.
الثاني: أن يكون مولى، فمذهب الكتاب أنه كفء. قال ابن القاسم فيه: سألت مالكًا عن نكاح الموالي في العرب، فقال: لا بأس بذلك، ألا ترى إلى ما في كتاب الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وكذلك في كتاب محمد: قال مالك في المرأة، يريد الثيب، ترضى برجل دونها في الحسب، وهو كفء في الدين، ويرده الأب أو الوالي فرفعت ذلك إلى السلطان فليزوجها منه.
ونقل بعض المتأخرين قولًا آخر عن المذهب أنه ليس بكفء.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إنما تفسير قول مالك في إجازة نكاح المولى من العربية أن ذلك على التقوى والدين، وأن يكون ذلك لله لقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ولقوله ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وهديه فزوجوه وإن كان عبدًا أسود أجدع أجذم».
قال عبد الملك: فإذا لم يكن على التقوى كان نكاحًا مردودًا، قبل البناء وبعده، لأنه لاحظ له في الآية التي في كتاب الله، ولا في حديث رسول الله ﷺ. ووجب على السلطان أن يعاقب الناكح والمنكح والشهود لما انهتك من الحرمة، وذلك إذا ابتنى أو مس.
الثالث: أن يكون رقيقًا، فظاهر قول ابن القاسم في الكتاب أنه كفء. ونقل القاضي أبو محمد ذلك عنه نصًا. ونقل عن المغيرة وسحنون أنه لا يكون كفؤًا، ثم قال: «وهو الصحيح». ونقل بعض المتأخرين عن المغيرة أنه قال: «يفسخ لأن للناس مناكح قد عرفت لهم وعرفوا بها»، ثم قال: «وهذا الذي صوبه المتأخرون للقطع بكبير المعرة والمضرة في ذلك».
وفي الكتاب: «وقال غيره: ليس العبد ومثله إذا دعت إليه إذا كانت ذات المنصب والموضع والقدر مما يكون الولي في مخالفتها عاضلًا؛ لأن الناس مناكح قد عرفت لهم وعرفوا بها».
الثالث: ما يرجع إلى البدن، فيؤمر الولي أن يتخير لها كامل الخلقة. قال عمر ﵁: لا يزوج الرجل وليته للقبيح الذميم، ولا للشيخ الكبير، فإن زوجها من ناقص، فإن كان نقصًا يضر بها كالجنون والجذام والبرص، أو يؤدي إلى نقط الوطء كأحد العيوب المثبتة لخيار الرد، لم يكن كفؤًا، وكان لها رد النكاح كما سيأتي. وإن كان النقص غير ذلك، لم يثبت لها به خيار.
الرابع: المال، والفقر [المؤذن] بالعدم جملة حتى يعجز عن النفقة عليها والقيام بحقوقها يثبت لها متكلمًا. وكذلك إن قدر على ذلك إلا أنه يؤذيها في مالها.
فأما إن كان فقيرًا إلا أنه بحيث يقدر على النفقة ولا يؤذيها في مالها، فظاهر الكتاب أن لها متكلمًا أيضًا. وقيل: لا متكلم لها.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
قال بعض المتأخرين: «ولعل هذا خلاف في حال، هل في ذلك معرة عليها أو لا؟ ولعله نظر إلى المحال أو المال».
ولنختم الفصل بما روي عن ابن القاسم مما يشير إلى اعتبار الكفاءة في القدر والحال والمال.
فروى عنه أصبغ: أن من دعت إلى زوج وأبى عليها وليها، فنظر السلطان فلم ير منعه صوابًا، ورأى منه عضلًا لها وإضرارًا بها في ذلك، أمره بتزويجها ممن رضيته إذا كان كفؤًا لها في القدر والحال والمال، فإن أبى زوجها السلطان منه على ما أحب أو كره.
قال عبد الملك: وعلى هذا القول اجتمع أصحاب مالك، لا أعلمهم اختلفوا فيه، ثم الكفاءة حقها وحق الأولياء، فإن رضيت هي وهم بتركها جاز.
الفصل الثامن: في تزاحم الأولياء
وإذا اجتمع أهل زوجة عقد أفضلهم، فإن تساووا في الفضل عقد أسنهم، فإن تساووا في السن اجتمعوا فعقدوا عليها، فإن اختلفوا فروى ابن القاسم أنهم إذا اختلفوا مع استوائهم في العقد رفع ذلك إلى السلطان فينظر فيه، فإن بادر أحدهم وعقد برضاها صح العقد ونفذ، ساواهم في الفصل أو نقص عنهم فيه.
فرع: إذا أذنت لوليين ولم تعين الزوج، فعقد كل واحد منهما مع شخص، ولم يعلم أحد الزوجين بصاحبه حتى دخل بها أحدهما، فهي للذي دخل بها منهما، ويفسخ نكاح الآخر.
قال المتأخرون: «وهكذا قال في الكتاب»، إذا لم يعلم بعقد الأول حتى دخل، فلو دخل بعد علمه بذلك لم ينفعه الدخول، وكانت للأول».
فإن لم يدخل بها أحدهما فهي لمن سبق عقده عليها منهما، فإن اتحد زمن العقد تدافعًا، وكذلك إن جهل السبق وأمكن التوافق، أو علم السبق وجهل السابق. وقال ابن عبد الحكم: السابق بالعقد أولى، وإن دخل الثاني.
ومعتمد المذهب في ذلك ما روي عمر والحسن ومعاوية ومن وافقهم على ذلك ﵃ أجمعين، فقضى عمر في الوليين ينكحان المرأة، ولا يعلم أحدهما بصاحبه أنها للذي
[ ٢ / ٤٢٦ ]
دخل بها، فإن لم يدخل بها أحدهما فهي للأول، فهذا حكمه بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه، ثم وافقه الحسن ومعاوية، فروى ابن أبي مليكة أن موسى بن طلحة أنكح يزيد بن معاوية أم إسحاق بنت طلحة وأنكحها يعقوب بن طلحة من الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، فلم تمكث إلا ليلتين حتى جمعها الحسن، وكان موسى بن طلحة أنكحها من يزيد قبل أن ينكحها يعقوب من الحسن، فقال معاوية: امرأة جمعها زوجها فدعوها، ولم يظهر خلاف.
وقال به ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة وعطاء ومكحول وغيرهم.
فروع: الأول: إذا جهل السابق وقلنا: يفسخ النكاحان، فإن الفسخ بطلاق. وقال محمد: يكون الطلاق موقوفًا، فإن تزوجها أحدهما لم يقع عليه طلاق، ولزم الآخر، وإن تزوجها غيرهما وقع الطلاق عليهما.
الفرع الثاني: (إذا مات الأول، أو طلق قبل دخول الثاني، فإن علم بذلك قبل دخول الثاني، فلا يكون دخوله فوتًا، وإن لم يعلم حتى دخل فهو فوت.
الفرع الثالث: إذا ماتت المرأة بعد أن علم الأحق بها منهما بدخول أو سبق عقد، فلا شك في ميراثه، ولزوم الصداق له. فإن جهل الأحق بها، ففي ثبوت الميراث مع الجهل قولان للمتأخرين: ثبوته؛ إذ لابد أن يكون أحدهما زوجًا، ونفيه، إذ لا يورث بالشك).
ويثبت الصداق حيث يثبت الميراث، وأما حيث ينتفي فإنما يكون عليه ما زاد منه على قدر الميراث.
الفرع الرابع: إذا مات الزوجان أو أحدهما، فلا ميراث ولا صداق للشك في الزوجية في حق كل واحد منهما، وهي السبب.
الفرع الخامس: إذا ادعى كل واحد أنه الأول، فصدقت أحدهما، ثبت لها الصداق لأنه إقرار بمال، ولم يثبت الميراث. ولو شهدت لكل واحد منهما بينة أنه الأول، تساقطتا، وكان الحكم كما إذا تداعيا من غير بينة. والمشهور أنه لا يرجح ههنا بمزيد العدالة، بخلاف البيع، إذ لا يثبت النكاح بالشاهد واليمين، ويثبت به البيع، فمزيد العدالة ههنا كشهادة شاهد واحد.
وقال سحنون: يقضي بالأعدل كالبيع، وبه قال أبو إسحاق البرقي، واختاره أبو محمد عبد الحق.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
الباب الثاني: في المولى عليه
ولا يولى النكاح إلا على ناقص بصغر، أو جنون، أو سفه، أو رق، أو أنوثة، وقد سبق حكم الأنوثة والصغر.
أما المجنون الكبير، فللأب التزويج منه عند ظهور الحاجة. وأما المجنونة فيزوجها عند الحاجة صغيرة كانت أو كبيرة، بكرًا كانت أو ثيبًا.
وأما السفيه فيجبره الأب على النكاح، وإن كره، بما سمى من الصداق في ماله وذمته، ولا رد له إن بلغ الرشد. وكذلك وصي أبيه، والسلطان وخليفته، وليس له أن يتولى النكاح بنفسه بوجه، وقال عبد الملك: لا يزوجه من يلي عليه إلا برضاه.
فرع: (إذا تزوج السفيه بير إذن وليه، فروى أشهب أن الولي إن أجازه مضى وإلا فسخ، وكانت طلقة.
قال ابن القاسم، وهو في كتاب ابن حبيب: فإن لم يعلم وليه حتى مات أحدهما، فإن كان هو، فلا ميراث لها منه. قال ابن حبيب: ولا صداق، فإن ماتت هي، فالنظر لوليه قائم، إما أن يجيزه فيأخذ الميراث ويؤدي الصداق، أو يرد النكاح ويدع الميراث. وقاله مطرف وابن الماجشون.
وذكر أصبغ عن ابن القاسم: أنهما يتوارثان ويمضي الصداق، لأن النظر قد فات فيه بالميراث.
وذكر ابن المواز عنه خلاف هذا، قال ابن المواز: قال أصبغ: «إن مات هو لم ترثه، وردت كل ما أعطاها، إلا ربع دينار إن أصابها، وكذلك في حياته إن فسخه».
قال أصبغ: هذا في الدنية.
وقال ابن القاسم: ويجتهد في الزيادة لذات القدر. قال أصبغ: لما يرى مما لا يبلغه صداق مثلها.
قال ابن المواز: وروى ابن وهب في السفيه: لا يترك لها شيء، لا ربع دينار ولا غيره،
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وإن كان لها قدر. قال ابن حبيب: وهذا القياس).
وأما الرقيق، فللسيد إجبار الأمة والعبد، ولا يجبر هو لهما، فلو طلبا النكاح لم تجب الإجابة.
وسبب هذا التصرف الملك، حتى يزوج المسلم أمته الكافرة، والولي يزوج رقيق الطفل بالمصلحة، وأمة المرأة يزوجها وكيلها كما تقدم.
ومن بعضه رقيق لا يجبر، ولا يستبد، من ذكر أو أنثى، ولا يجبر مالك بعضه على تزويجه إذا طلبه، ولا يقضي عليه به، ولو كان منعه ضرارًا كالعبد والمكاتب.
وأما من فيه عقد من عقود الحرية، فحكى الشيخ أبو الطاهر عن المذهب في إجباره أربعة أقوال:
الإجبار، ونفيه، والتفرقة بين الذكور والإناث، فيجبر الذكور لقدرتهم على الحل عن أنفسهم. ولا تجبر الإناث لعدم قدرتهن على ذلك. والرابع: التفرقة بين من يقدر على انتزاع ماله، فيصح إجباره، وبين من لا يقدر على انتزاع ماله، فلا يصح إجباره.
ثم حكى عن بعض أشياخه أنه أنكر هذه التفرقة، وقال: إنما رأى أبو الحسن اللخمي التعليل في منع إجبار المكاتبة بذلك، فأخذ منه إطلاقًا كليًا بين من ينتزع ماله، وبين من لا ينتزع ماله، وهو غير صحيح؛ إذ قد يعلل في مسألة بعلة، ويعلل في أخرى بغيرها».
[ ٢ / ٤٢٩ ]
القسم الثالث من الكتاب:
في الموانع: وهي أربعة أجناس
الجنس الأول: ما يقتضي تأييد التحريم، ويشتمل على ثلاثة أنواع
[النوع] الأول: المحرمية: أسبابها ثلاثة: قرابة، ورضاع، وصهر.
السبب الأول: القرابة ويحرم منها سبع: الأمهات، والبنات والأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، والعمات، والخالات، ولا تحرم بنات الأعمام والأخوال.
والأم عبارة عن كل امرأة ينتهي إليها النسب بالولادة ولو بوسائط، على أي العمودين كانت. وبنت الرجل عبارة عن كل امرأة ينتهي إليه نسبها، ولو بوسائط.
والضابط أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله، وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل وإن علا.
فرع: إذا ولدت من الزنى لم يحل لها نكاح ولدها، وأما نكاح الزاني للمخلوفة من مائة، (فحكى القاضي أبو الحسن جوازه. قال القاضي أبو الوليد: «وهو قول عبد الملك بن الماجشون»، قال: «والمشهور من المذهب أن ذلك غير جائز».
قال سحنون: في قول ابن الماجشون هذا خطأ صراح، وما علمت من قاله من أصحابنا معه. وقال ابن المواز: لا يتزوجها، وأباه أصبغ، وابن عبد الحكم في ظني، ومكروهه بين اعتبارًا بتحريم الأم من الزنى).
ولا تحل المنفية باللعان.
السبب الثاني: الرضاع، «ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وكل امرأة أرضعت شخصًا، أو أرضعت من أرضعته، أو أرضعت من يرجع نسبه إليه فهي أمه. وكذلك
[ ٢ / ٤٣٠ ]
كل امرأة يرجع نسب المرضعة إليها، إذ أخت المرضعة خالة الرضيع، وأخوها خاله، وكذا في سائر أحكام النسب.
السبب الثالث: المصاهرة، ويحرم منها بمجرد عقد النكاح الصحيح المباح أمهات الزوجة من النسب والرضاع، وزوجة الابن، والحفدة، وزوجة الأب والجد من جهتي النسب والرضاع.
فأما العقد المكروه، وهو المختلف في جوازه، فقد قال ابن القاسم في الكتاب: «كل نكاح لم يكن حرامًا في كتاب الله، ولا حرمه رسول الله ﷺ وقد اختلف الناس فيه، فهو عندي يحرم كما يحرم النكاح الصحيح الذي لا اختلاف فيه، وهذا الذي سمعت عمن أرضى».
وقال فيه أيضًا: «إذا تزوج امرأة في عدتها، ففرق بينهما قبل البناء جاز لابنه أن يتزوجها».
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون عن مالك: إن النكاح الفاسد على وجهين:
أحدهما: ما يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده، كنكاح الشغار الذي سمي مهره، والنكاح بالصداق المجهول أو إلى أجل غير مسمى، أو إلى موت أو فراق، أو النكاح بالخمر والخنزير، فإن هذا كله إذا انعقد به حرمت الزوجة على أبي الزوج وابنه.
وإن كان النكاح محرمًا في كتاب الله أو سنة رسوله [ﷺ]، كنكاح الخامسة، والنكاح في العدة ونكاح الأخت على الأخت، ونكاح المرأة على عمتها بنسب أو رضاع، ونكاح التحليل، ونكاح السر، فإن المرأة بذلك لا تحرم على أبي الزوج، ولا على ابنه.
وأما بنات الزوجة، فلا يحرمن بمجرد العقد، بل الوطء فيه، وفي معنى الوطء مقدماته من القبلة والمباشرة إذا كان ذلك للذة، وكذلك النظر إلى باطن الجسد بشهوة على المشهور، وقيل: لا تنتشر الحرمة بذلك.
ولا يشترط في تحريم بنات الزوجة كونهن في حجره، ثم لا يعتبر حل الوطء بعد تقدم العقد الصحيح أو شبهته.
فإن انفرد الوطء عن العقد، فإن كان حلالًا كالوطء بملك اليمين فحكمه حكم الوطء في عقد النكاح. وإن كان حرامًا محضًا، ففي الكتاب فيمن زنى بأم امرأته، قال ابن القاسم: «قال لنا مالك: يفارقها ولا يقيم عليها، وهذا خلاف ما مال قنا مالك في موطئه.
[ ٢ / ٤٣١ ]
قال سحنون: وأصحابه على ما قال في الموطأ، ليس بينهم فيه اختلاف، وهو الأمر عندهم.
التفريع: إن قلنا بمذهب الموطأ، فوجود هذا الوطء كعدمه، وإن بنينا على مذهب الكتاب، فقد اختلف الأصحاب في مقتضى الأمر بالفراق فيه، هل هو على الوجوب أو (على) الندب؟ على قولين.
فإن كان الوطء بالاشتباه مع عدم عقد النكاح وملك اليمين وشبهتهما. فقد قال (الشيخ أبو عمران): لا نعلم خلافًا بين أصحابنا في وطء الشبهة أنه يحرم، إلا ما روي عن سحنون أنه قال فيمن مد يده إلى زوجته في الليل فوقعت على ابنته منها فوطئها غلطًا: إن ذلك لا يحرم عليه زوجته.
وإذا فرعنا على قول الأصحاب، فقد خرج عليه المتأخرون فرعًا اختلفوا في حكمه وكثر اختلافهم فيه حتى ألف بعضهم على بعض، وهو إذا حاول الرجل وطء زوجته أو التلذذ بها، فوقعت يده على ابنته منها، فالتذ بذلك، فمنهم من لم ير ذلك على الزوج.
وعلى القول الأول الأكثر منهم كالشيخ أبي الحسن والشيخ أبي عمران، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي إسحاق التونسي وأبي حفص القطان، وأبي القاسم السيوري، وأبي محمد عبد الحميد، وبذلك أخذ الفقيه أبو بكر بن التبان ففارق زوجته حين نزلت به، ونص عليه الشيخ أبو إسحاق في كتابه الزاهي.
وعلى القول الثاني أبو القاسم الطابثي وأبو سعيد بن أخي هشام، وأبو القاسم بن شبلون، وهو مقتضى ما روي عن سحنون، وروي نحوه عن الليث بن سعد، وهو إحدى الروايتين عن الشيخ أبي محمد، وروي عنه مثل (قول) الأولين أيضًا.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وهذا القول الثاني هو الذي اختاره الإمام أبو عبد الله في تأليفه الذي ألفه في هذه المسألة، وسماه «بكشف الغطاء عن لمس الخطأ»، واحتج له بأنه لا رافع للحل المستصحب في الزوجة إلا آية تحريم المصاهرة، وهي لا تتناول البنت إذ ليست من نسائه في الحال، كالزوجة، ولا تصلح أن تكون من نسائه في المآل كالأجنبية.
فروع: الأول: في بيان مقتضى المذهب فيما ذكر القائلون بالقول الأول. قال الإمام أبو عبد الله: وجمهورهم على أن المذهب فيه على قول واحد لا يختلف، بخلاف ما وقع من ذلك عن قصد وعمد، قال: وقال ضعفاؤهم: بل يتخرج على الروايتين في انتشار الحرمة بالزنى، وحكى عن شيخه أبي محمد عبد الحميد أنه كان يرى أنه وهم فاسد ممن حكي عنه.
الفرع الثاني: في بيان مرادهم باجتناب الزوجة، والظاهر من إطلاقهم الأمر باجتنابها [تحريمها]، ووجوب فراقها والإجبار عليها وهو مذهب جمهورهم.
ونقل عن الشيخ أبي الحسن والشيخ أبي عمران أنهما إنما كانا يريان الاجتناب والمفارقة على وجه الاستحباب والاحتياط لا على وجه الإيجاب والإجبار، وهو مذهب أبي الطيب عبد المنعم، فإنه أمر بالفراق وتوقف في الإجبار.
الفرع الثالث: فيمن وطئ امرأة مكرهًا، هل تنتشر الحرمة بوطئه ذلك أم لا؟ قال الإمام أبو عبد الله: حكم هذه المسألة يتخرج على الخلاف في وطء المكره هل يعد زنى، فيحد فيه، أو يعذر بالإكراه فيسقط عنه الحد؟ قال: فإن قلنا بالأول، كانت المسألة على الروايتين في انتشار الحرمة بوطء الزنى، وإن قلنا بأنه يعذر ويسقط الحد عنه، جرى مجرى الوطء على وجه الغلط، وقد تقدم الكلام عليه.
ويتم المقصود من بيان تحريم المصاهرة بذكر فروع متتالية في الجمع بين الأم وابنتها بعقد نكاح أو بملك يمين.
أما عقد النكاح فإن عقد عليهما عقدًا واحدًا، فهو فاسد. ثم إن دخل بهما جميعًا حرمتا عليه على التأبيد. وكذلك الحكم في وطئه لهما جميعًا حيثما وقع بعقد نكاح، أو بملك يمين، أو بشبهة أحدهما، وقد تقدم حكم الحرام المحض.
وإن لم يدخل بهما، ولا بواحدة منهما، فلا تحرم البنت عليه بلا خلاف.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وأما الأم، ففي الكتاب قولان: مذهب مالك وابن القاسم أنها لا تحرم. ومذهب الغير تحريمها. وإذا دخل بالبنت حرمت الأم، ولم يحرم عليه تجديد عقد على البنت. وإن دخل بالأم حرمت البنت. وفي تحريم الأم القولان المتقدمان.
وإن عقد عليهما عقدين مفترقين، فإن بدأ بعقد الأم ولم يدخل بواحدة منهما حلت له البنت نكاح ثان، وفي تحريم الأم على التأبيد القولان.
فإن دخل بالبنت خاصة، فسخ نكاحها وكان له أن يبتدئ العقد عليها، وحرمت الأم عليه.
وإن دخل بالأم خاصة حرمت عليه على قول الغير، ولم تحرم على قول مالك وابن القاسم. أما البنت فتحرم عليه بالإجماع.
وإن كان العقد أولًا على البنت، فإن لم يدخل بواحدة منهما أصلًا، لم تحرم البنت وحرمت الأم. وكذلك إن دخل بالبنت خاصة، فإن دخل بالأم حرمتا عليه جميعًا.
وأما ملك اليمين، فلا يمتنع عليهخ جمعهما فيه للخدمة، أو إحداهما للخدمة والأخرى للوطء. ثم أيتهما وطئ حرمت عليه الأخرى على التأبيد.
وإن جمع بينهما بالنكاح في إحداهما، والملك في أخرى، فإن وطئهما أو وطئ إحداهما، فالحكم كما تقدم في المملوكتين. وإن لم يطأ واحدة منهما فالمملوكة محرمة للجمع خاصة ما لم يدخل بالزوجة أو تكن الصغرى فيتأبد التحريم.
النوع الثاني: اللعان.
فإذا لاعن الزوج زوجته، ووقعت الفرقة بينهما، حرمت عليه على التأبيد، ولا تحل له أبدًا، ولو أكذب نفسه.
النوع الثاني: الوطء في العدة.
وقد رأيت الاقتصار فيه على فصل ذكره أبو القاسم بن محرز، ونصه: كل امرأة معتدة من نكاح أو شبهة نكاح، فنكحت في عدتها تلك ووطئت، فإنها نحرم على واطئها، ولا تحل له أبدًا، ولا أعلم في هذا اختلافًا بين أصحاب مالك.
وإن كانت مستبرأة من زنى أو اغتصاب، فنكحت في ذلك الاستبراء، ووطئت فيه،
[ ٢ / ٤٣٤ ]
فاختلف في ذلك، فقال مالك ومطرف: سبيله سبيل من تزوج في العدة. وذهب ابن الماجشون إلى أنها لا تحرم بالوطء في هذا الاستبراء.
وإن كانت مستبرأة من وطء ملك في بيع أو هبة، فوطئت في ذلك الاستبراء بملك، فإن واطئها لا يكون حكمه حكم الوطء في العدة، وهذا مما لا يختلف فيه إن شاء الله.
وإن وطئت في هذا الاستبارء بنكاح، فاختلف فيها، فقيل: تحرم عليه، وقيل: لا تحرم عليه.
وإن عتقت جارية، وكان سيدها يطؤها، فتزوجت في استبرائها ذلك ووطئها زوجها، فإنها لا تحرم بذلك عليه عند ابن القاسم وأشهب جميعًا. وليست عندهما كأم الولد في الكراهة، وإن كانت في استبرائها قد أفضت إلى حرية، لما كان الوطء في ملك محض.
وسبيل الوطء بشبهة نكاح في جميع الأوجه التي ذكرنا سبيل من وطئ في نكاح صحيح، وسبيل من وطئ بشبهة ملك سبيل من وطئ في ملك صحيح.
فأما من وطئت بغير شبهة في عدة أو استبراء على وجه الزنى أو الاغتصاب، فإنه لا حرمة لذلك الوطء، فلا تقع به حرمة عليه ولا عليها.
والأصل في هذا التحريم ما ثبت من قضاء عمر بن الخطاب، ﵁، بذلك وقيامه به في الناس.
قال القاضي أبو محمد: «وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره».
والقياس على قاتل موروثه بعلة الاستعجال، وعلى الملاعن بعلة إدخال الشبهة في النسب.
الجنس الثاني: ما يتعلق بتعد عددي لا تتأبد به الحرمة، ويشتمل أيضًا على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الجمع.
فيحرم الجمع بين الأختين قراءنًا. وألحقت السنة بهما الجمع بين سائر المحارم، فقال ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها».
والضابط: أن كل امرأتين بينهما من القرابة أو الرضاع ما يمنع تناكحهما لو قدرت إحداهما ذكرًا، فلا يجوز الجمع بينهما في العقد، ولا في الحل.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
واحترزنا بذكر القرابة أو الرضاع عن الجمع بين المرأة وأم زوجها أو ابنته، فإن جمع في العقد بطل النكاحان وفسخا أبدًا، وإن جمع بينهما في الحل ثبت نكاح الأولى، وثبت نكاح الثانية قبل الدخول وبعده إذا قامت على ذلك بينة، فإن لم تقم هنالك بينة قبل قول الرجل في ذلك، رواه محمد عن أشهب. قال محمد: وهذا أصوب، إلا أن تخالفه التي يترك، فإنه يحلف لأنه مدع لسقوط المهر أو فساده، فيكون فسخه حينئذ بطلاق.
وفي معنى النكاح ملك اليمين، حتى لو اشترى أمة ووطئها حرمت عليه أختها وخالتها وعمتها، فإن ملك واحدة منهن، فما لم يحرم الموطوءه على نفسه ببيع أو عتق أو كتابة أو تزويج أو نحو ذلك، لا يحل له وطء من استجد ملكها، ولا تقوم العوارض المحرمة كالحيض والعدة بالشبهة والردة والإحرام مقام البيع وما ذكر معه.
ولا يقوم مقامه أيضًا تحريم من وطئ بيمين يحدثها أو بظهارها أن لا يطأها أو بغير ذلك.
قال ابن أبي سلمة: ولا بهبتها لمن يعتصرها منه، ولا لمن إذا شاء أخذها منه بثمن أو بغير ثمن بغير امتناع منه، ولا ببيع مفسوخ.
وقيل: ولا ببيع صحيح دلس فيه بعيب، ولا ببيع فيه استبراء، ولا على العهدة أو الخيار حتى ينقضي ذلك كله. قال محمد: يريد عهدة الثلاث.
فرع: (لو ملك عصمة إحداهما، ووطئ الأخرى بملك اليمين، فإن كان عقد النكاح هو السابق، فقد روى محمد عن ابن القاسم أنه يوقف عن الزوجة حتى يحرم فرج أمته عليه، ولا يفسد ذلك النكاح. وقال أشهب: بل يطأ الزوجة، لأن فرج أمته عليه حرام منذ عقد على أختها عقد النكاح.
وإن كان الوطء هو المقدم، ثم تزوج قبل أن يحرم الأمة، فقال محمد: اختلف فيها أصحاب مالك، فقال عبد الله بن عبد الحكم وأشهب: نكاحه جائز، وله أن يطأ امرأته، ولا يحدث تحريمًا لجاريته لأن نكاح أختها قد حرمها عليه. وقال ابن القاسم: لا يجوز أن يعقد النكاح حتى يحرم الأمة على نفسه، فإن فعل وقف بعد النكاح لا يقرب واحدة منهما حتى يحرم على نفسه أيتهما شاء. وقال عبد الملك: يفسخ النكاح، ولا يقر على حال).
[ ٢ / ٤٣٦ ]
النوع الثاني: الزيادة على أربع نسوة
فيمتنع على الحر الزيادة على الأربع، وكذلك العبد.
وروى ابن وهب: أن الثالثة في حق العبد كالخامسة في حق الحر، فلا يزيد العبد على اثنتين. وتحل الخامسة بطلاق بائن لإحدى الأربع دون الرجعي. ولو نكح خمسًا في عقد، فالعقد باطل فيهن.
فأما لو جمع بين أربع يصح جمعهن في الحل، وسمي لكل واحدة صداقًا، فمذهب الكتاب المنع. وقال ابن دينار وأصبغ بالجواز.
التفريع: إذا قلنا بمذهب الكتاب، فوقع العقد، فللمتأخرين قولان:
أحدهما: الرجوع إلى صداق المثل.
والآخر: أنه يفض المسمى، ولهم القولان أيضًا في فسخه قبل الدخول.
وسبب الخلاف في الموضعين مراعاة الخلاف، فمن راعاه صحح ورفض المسمى، ومن لم يراعه فسخ قبل البناء، ورد بعده إلى صداق المثل.
وإن فرغنا على قول ابن دينار وأصبغ، فقد قال أصبغ: يعطي لكل واحدة منهن صداق مثلها. قال أبو القاسم بن محرز: يعني من تلك التسمية، قال: وحكاه عن ابن دينار.
فرع: قال الشيخ أبو عمران: من ادعى نكاح رابعة، ولا بينة له، منع من نكاح خامسة لها حتى يطلقها. يريد: أو يطلق غيرها.
النوع الثالث: استيفاء عدد الطلاق.
وهو ثلاث للحر، واثنتان للعبد، فمن استوفاه منهما لم تحل له الزوجة حتى يطأها زوج غيره وطئًا مباحًا في نكاح صحيح لازم.
وقال ابن الماجشون: يحصل الإحلال بالوطء في الحيض والإحرام والصيام إذا صح العقد، ولا تحل الذمية بنكاح الذمي لفساده على المشهور. وقيل: تحل، بناء على صحة أنكحتهم في الشاذ.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ولا يكفي نكاح الشبهة، ولا نكاح الدلسة، وهو نكاح المحل. قال مالك في المختصر: ومن نكح امرأة ليحلها لزوجها، فلا يحل ذلك ولا يقر على ذلك النكاح حتى يستقبل نكاحًا جديدًا، ولها مهرها إذا أصابها، ولا ترجع إلى زوجها الأول إلا بنكاح رغبة غير دلسة يصيبها فيه. فنص ﵁ على أن نكاح المحل لا يحل ولا يحل. وأن نكاح الدلسة لا يجوز ولا يفيد، فلا ينتفع بلطائف الحيل في تحصيل الإحلال عنده، بل لا يقع حلالًا ولا يفيد إحلالًا. وذلك مقتضى الحديث الصحيح، وهو ما خرجه أبو عيسى الترمذي وصححه عن عبد الله بن مسعود، قال: «لعن رسول الله ﷺ المحل والمحلل له».
وخرج أبو الحسن الدارقطني عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا: بلى، قال: هو المحل، ثم قال: لعن الله المحل والمحلل له».
ثم المعتبر في التحليل نية المحل دون نية المرأة والمطلق، فنية المحل للإحلال تنزل منزلة اشتراطه في العقد، فيفسد ولا يحل.
ولو نكح بشرط الطلاق فسد العقد ولم يحل، ويفسد النكاح أيضًا باشتراط عدم الوطء.
ثم حيث فسد العقد، لوقوعه على الوجه المنهي عنه، فرق بينهما قبل البناء وبعدة بطلقة بائنة، ولها المسمى في أظهر الروايتين. وروى ابن عبد الحكم أن لها مهر مثلها.
فروع: في الوطء:
ويكفي إيلاج الحشفة، أو مقدارها من مقطوعها، ولا يكفي وطء الصبي، ولا وطء من لم تنتشر الته، إذ انتشار الآلة مشترط في قول أكثر المتأخرين، وقيل: لا يشترط، بل يكفي الوطء بغير انتشار.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
ويشترط كون الزوجة عالمة بالوطء عند ابن القاسم، ولا يشترط علم الزوج. واشترط أشه بعلم الزوج خاصة.
فلو وطئها الزوج في حال جنونه وهي سليمة، أحلها عند ابن القاسم، ولم يحلها عند أشهب.
ولو كانت هي المجنونة دونه، أحلها عند أشهب، ولم يحلها عند ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: يحلها كان الجنون به، أو بها، أو بهما جميعًا.
ثم حيث وقع الوطء المعتبر، فاتفق الزوجان عليه حلت به، فإن ادعت الوطء وأنكره لم يحلها عند مالك. وقال ابن القاسم: «يحلها». وقال ابن وهب: إن كان الزوج ينكر عند الفراق لم يحلها، وإن قاله بعد الفراق لم يقبل، وقد حلت. وقال القاضي أبو الوليد: «كل موضع تصدق فيه على الزوج في دعوى الوطء صدقت في الإحلال، وكل موضع لا تصدق فيه إذا ناكرها، فلا تحل بدعواها».
الجنس الثالث من الموانع: الرق، وهو نوعان:
النوع الأول: مانع على الإطلاق من الجانبين، وهو الرق الثابت على أحد الزوجين للآخر، فلا يجوز للرجل أن ينكح أمته، ولو ملك مكنوحته انفسخ النكاح، وكذلك المرأة لا تنكح عبدها، وإن ملكت زوجها انفسخ النكاح.
فرع: إذا وهب السيد لعبده زوجته أمة السيد، ففي الكتاب من رواية ابن نافع: «إذا وهبها ليفسخ نكاحه، فلا يجوز ذلك له، وإن تبين أنه صنع ذلك لينتزعها منه وليحلها بذلك لنفسه أو لغير زوجها، أو ليحرمها بذلك على زوجها، فلا أرى ذلك له جائزًا، ولا أرى أن يحرمها ذلك على زوجها، ولا تنتزع منه». وقال أصبغ: يكره للسيد ذلك، فإن فعل جاز.
وقال ابن الماجشون: إن كان مثله يملك فذلك له وينفسخ النكاح، قال محمد: ولو لم يملك مثلها فالهبة باطلة، وقال ابن عبد الحكم: إذا قصد إلى الفرقة لم يجز.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
قال أبو القاسم بن محرز: هذه المسألة تدل على أن للسيد أن يكره عبده على قبول الهبة. لولا ذلك لم يكن لهبة السيد تأثير، ولا كان يعتبر قصده فيها، لأن العبد قادر على أن لا يقبلها كيف ما كانت نية سيده فيها، ولكن لما كان له أن يجبره اعتبر في الكتاب قصده، وحمل الأمر على إرادته، فإن سلمت صحت هبته وفسد النكاح، وإن لم تسلم إرادته بطلت هيبته وثبت النكاح.
النوع الثاني: مانع على الجملة في بعض الأحوال وهو الرق الثابت على الزوجة لغير الزواج، فلا ينكح الحر المسلم مملوكة الغير إلا بشروط، [عدمه] الطول، وخوفه العنت، وكونها مسلمة.
وروي أنه يجوز للحر نكاح الإماء المسلمات مطلقًا من غير اعتبار بالشرطين الأولين، وإذا فرعنا على المشهور، فالنظر في الطول والعنت.
أما الطول: فهو المال الذي يتزوج به الحرة، ولا تراعى قدرته على النفقة.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: تراعى قدرته على النفقة حتى لو وجد صداق الحرة وعدم النفقة عليها تزوج الأمة. وروى أن الطول وجود الحرة نفسها في عصمته.
وإذا فرعنا على أنه المال، فلو عدم ما يتزوج به الحرة لأبيح له تزويج الأمة، وإن كانت تحته ثلاث حرائر إذا خشي العنت معهن.
قال القاضي أبو بكر: «ولو قدر على طول حرة كتابية لنكح الأمة، ولو وجد حرة فغالته في المهر بمقدار بعد قبوله إسرافًا ولم يجد غيرها نكح الأمة، ولو قنعت بدون مهر المثل وهو قادر عليه لم ينكح الأمة».
وأما العنت، فهو الزنى، وإنما يتم بغلبة الشهوة وضعف التقوى. فإن قوي التقوى وأمن من نفسه، لم ينكح. فإن خاف العنت مع القدرة على الطول، كمن هوى أمة بعينها، ولم يمكنه الصبر عنها، فروى محمد وابن حبيب: أنه يجوز له أن يتزوجها.
وخرج القاضي أبو الوليد هذه الرواية على رواية عدم اعتبار الشرطين، أو على أن المراد بالطول ما يصل به إلى استباحة ما خاف على نفسه العنت بالامتناع منه من ثمن أمة على اختيار مالكها، أو مهر حرة على اختيارها إن كانت معينة. والقادر على سرية لا يخاف العنت معها، لا يترخص بنكاح الأمة.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
فروع متتالية:
لو تزوج الأمة لكونه على الشرائط المعتبرة في الإباحة فلم تغنه، فله أن يضيف إليها من تغنيه إلى تمام الأربع. ولو استغنى بالأولى ففي إباحة ما زاد عليها خلاف.
وإذا نكح الأمة على الحرة، فمذهب الكتاب جواز النكاح، وأنه إن وقع لم يفسخ، والرواية الأخرى أنه ممنوع.
وسببهما الاختلاف في أن وجود الحرة تحته طول أم لا؟
واختلف في هذا المنع: هل هو التحريم أو الكراهة؟
ثم على القول بالتحريم يفسخ نكاح الأمة، وبه قال أشهب وابن عبد الحكم.
وعلى القول بالكراهة لا يفسخ، لكن تخير الحرة. وهل يتخير في فسخ نكاحها وإبقائه؟
أو يتخير في فسخ نكاح الأمة وإقراره؟ مذهبان: الأول لمالك في الكتاب. والثاني لابن الماجشون والمغيرة.
والحر الكتابي ينكح الأمة الكتابية، والعبد المسلم لا ينكحها.
ثم إذا نكح الحر المسلم الأمة لكونه على الشرطين المعتبرين، ثم قدر على الحرة ونكحها، لم ينفسخ نكاح الأمة. وإن قلنا: إن الحرة طول؛ إذ لا تراعي الشروط إلا في ابتداء النكاح دون دوامه، ولأنه أيضًا لا يؤمن عودة الأمر بعد ذلك. لكن يكون للحرة الخيار إذا علمت بعد العقد. وقيل: لا خيار لها، لأنها فرطت في البحث.
ولو جمع القادر بين حرة وأمة في عقد واحد بطل نكاح الأمة على الرواية المشهورة.
وهل يبطل نكاح الحرة؟ في تلك قولان.
ولو جمع بينهما في العقد، حيث أجزنا له الجمع بينهما في الملك، أما على الرواية الشاذة (فالإباحة) مطلقًا، وأما على المشهورة، إذا قلنا بأن الطول المال، وعدم طول حرتين ولم تكفه وتكفه واحدة، فإن النكاح يصح فيهما إذا سمى لكل واحدة منهما صداقها، وإن لم يسم ما لكل واحدة منهما جرى الحكم على القولين.
الجنس الرابع: الكفر.
والكفرة ثلاثة أصناف:
[ ٢ / ٤٤١ ]
الأول: الكتابيون، ويحل نكاح نسائهم ويقرون بالجزية.
الصنف الثاني: المعطلة والزنادقة ولا تحل مناكحتهم ولا يقرون بالجزية.
الصنف الثالث: المجوس، ولا تحل مناكحتهم، لكن يقرون بالجزية. وقيل: يح لنكاح نسائهم.
فرع: لو تنصر اليهودي، أو تهود نصراني، أقر. وحكى القاضي أبو بكر رواية، بأنه يقتل لخروجه عن العهد الذي انعقد له، إلا أن يسلم.
(وأما لو تزندق يهودي أو نصراني، فقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يقتل، لأنه خرج من كفر إلى كفر، وقاله مالك ومطرف وابن عبد الحكم.
وقال ابن الماجشون: يقتل لأنه دين لا يقر عليه أحد، ولا تؤخذ عليه جزية. قال ابن حبيب: ولا أعلم من قاله غيره، ولا أقول به.
قال القاضي أبو الوليد: «يحتمل أن يريد بالزندقة ههنا الخروج إلى غير شريعة، مثل التعطيل ومذاهب الدهرية».
وحكى الشيخ أبو محمد عن أبي بكر بن محمد قال: «روى عبد الرحمن بن إبراهيم الأندلسي في النصراني أو اليهودي يتزندق: أنه يقتل، لأنه خرج من ذمة إلى غير ذمة، ولو أسلم لقتل، كمسلم تزندق ثم تاب.
فأما المسلم يرتد، فلا يقنع منه إلا بالإسلام أو السيف. ثم ردته تقطع العصمة بينه وبين زوجته ساعة ارتداده». رواه ابن القاسم في الكتاب، ثم قال: «،كذلك ردة المرأة عندي». قال: «وانقطاع ذلك تطليقة بائنة، ولا تكون عليها رجعة وإن أسلم في عدتها، لأنه قد تركها حين ارتد، ولم يكن يقدر في حال ارتداده على رجعتها».
وروى ابن أبي أويس وابن الماجشون: أن الردة فسخ.
قال سحنون: والمخزومي يقول: إذا أسلم ورجع إلى الإسلام في عدتها فهو أحق بها.
وقال ابن الماجشون: إن تاب وأدرك زوجته في عدتها كان أحق بها الطلاق كله،
[ ٢ / ٤٤٢ ]
كالمشرك تسلم زوجته، ثم يسلم في عدتها، فإن انقضت العدة كان إسلام هذه تطليقة، وارتداد هذه تطليقة.
وسبب الخلاف: النظر إلى أن للردة أثرًا فيما تقدم من عمله أم لا؟ ثم النظر في تعيينه على القول به، فالذين رأوا لها أثرًا اختلفوا، فمنهم من رأى أن أثرها إحباطه، فقطع العصمة.
ثم اختلف القائلون بذلك في كيفية قطعها، فمن نظر منهم إلى تقدم صحة النكاح جعل القطع ظطلاقًا. ومن اعتبر الغلبة على الفسخ جعله فسخًا بغير طلاق، ومنهم من رأى أثرها تشعيث العصمة لا قطعها، فحكم بطلقة رجعية.
وأما الذين لم يروا للردة أثرًا في العمل الماضي فرأوا أن حكمها يرتفع بالتوبة، حتى يعود إلى ما كان عليه قبلها، وجعلوه باقيًا على زوجته، كما هو باق على ماله على المعروف من المذهب.
فرعان:
(الأول). إذا ارتد الزوج إلى دين زوجته اليهودية أو النصرانية، فقال ابن القاسم: «تقع الفرقة بينهما كما لو كانت مسلمة»، وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يحال بينه وبينها، ولا تحرم عليه إن عاد إلى الإسلام.
الفرع الثاني: روى ابن سحنون عن أبيه، في المسلم يرفع زوجته المسلمة إلى الحاكم يدعي عليها أنها ارتدت عن دينها فتنكر، أن الحاكم يفرق بينهما لإقراره بارتدادها الموجب للفرقة، قال: وكذلك لو كانت الزوجة كتابية.
ويتصل بهذا (باب) نكاح المشركان لانشعاب مسائله عن الموانع السابقة، وفيه:
فصول: الأول: فيما يقر عليه الكافر من الأنكحة:
وإذا أسلم الزوجان معًا [اقرأ] على نكاحها إذا خلا عن الموانع المتقدمة، فإن سبق الزوج بالإسلام، وتحته من لو ابتدأ العقد عليها في الإسلام لجاز، (أقر) عليها، أسلمت معه أو بقيت على دينها، فيقر على الكتابية الحرة دون غيرها، ويعرض على غيرها الإسلام، فإن أسلمت أو عتقت إن كانت أمة كتابية ثبتت معه، وإن بقيت على حالها وقعت الفرقة في الحال، كان قبل الدخول أو بعده.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وقال أشهب: «تتعجل الفرقة، إن كان قبل الدخول، بإسلام الزوج»، ولم يقل يعرض عليها (الإسلام)، وقاله أصبغ. وهو أحب إلى محمد، قال: وينتظر فراغ العدة إن كان بعد الدخول.
فرع: إذا بنينا على قول ابن القاسم فغفل عنها حتى مضى لها شهر، وما قرب منه، فقال ابن القاسم في الكتاب: «ليس بكثير، وتبقى على النكاح إن أسلمت في هذه المدة».
ثم حيث قلنا بالفراق، فمذهب الكتاب: «إن الفرقة فسخ بغير طلاق»، وقاله ابن المواز، واختاره القاضي أبو بكر. وقال ابن القاسم في العتبية: «هي طلقة بائنة».
وأما إن كانت المرأة هي السابقة إلى الإسلام، فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة، وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة، فإن أسلم قبل انقضائها ثبت عليها من غير رجعة يحدثها وإلا بانت منه.
ثم حيث قلنا: يقر على النكاح لإسلامها أو لإسلامه على كتابية، فلا (نبحث) عن شرط (نكاحهما)، بل نقرهما على النكاح بلا ولي ولا صداق، وفي العدة، إلا إذا أسلما أو أحدهما قبل انقضاء العدة، فإن المفسد قارن الإسلام، فيندفع النكاح، كما لو أسلم على ذات محرم منه. ونقرهم على النكاح المؤقت إن أسلموا بعد الأجل، وإن أسلموا قبله فسخه، بنى
[ ٢ / ٤٤٤ ]
أم لا. ولا نقرهم على ما هو فاسد عندهم إلا إذا كان صحيحًا عندنا.
ولو انعقدوا غصب المرأة أو مرضاتها على الإقامة مع الرجل بغير عقد نكاحًا أقررناهم عليه إذا أسلموا.
وبالجملة فأنكحتهم فاسدة على المشهور، [و] لكن إذا أسلموا صحح الإسلام منها ما لو ابتدأوا عقده بعد الإسلام لجاز عندنا، ويعفى عما بنوها عليه من التحريم والإخلال بالشرائط. ثم المفسد إن قارن إسلام أحدهما كفى.
وإذا طلق الكافر زوجته ثلاثًا، ثم أسلما في الحال كان له أن يبقى على نكاحها، ولو أبانها عنه بعد الطلاق مدة ثم أسلم. ثم أراد أن يعقد عليها بعد الإسلام، لم يفتقر إلى محلل.
فإن قيل: ما حكم صداقهم الفاسد بعد الإسلام؟ قلنا: إذا أصدقها خمرًا، وقبضت قبل الإسلام ودخل بها، ثم أسلما، فلا مهر لها. وإن لم تقبض ولم يدخل، فلها صداق المثل.
وقيل: قيمة ما أصدقها من ذلك لو كان يجوز بيعه.
وكذلك إن دخل ولم تقبض المهر.
وإن قبضت ولم يدخل، فقال ابن القاسم: «يجب لها صداق المثل»، وقال ابن عبد الحكم: قيمة المسمى. وقال أشهب: ربع دينار، وقال غيرهم: لا يجب لها شيء أصلًا.
الفصل الثاني: في إسلام الكافر على (عدد) من النسوة (لا) يمكن الجمع بينهن فإذا أسلم على عشر نسوة، اختار أربعًا، فثبت نكاحه عليهن، كن أوائل أو أواخر، عقد عليهن في عقد واحد أو عقود متعددة، واندفع نكاح (الباقيات)، ولا مهر لهن إذا لم يدخل بهن، إذ هو مغلوب على الفراق. وقال ابن حبيب: لكل واحدة نصف صداقها، لأنه يعد في الاختيار كالمنتقل فيصير كالمطلق. وقال ابن المواز: لكل واحدة من صداقها خمسة، لأنه لو فارق الجميع ما لزمه لهن إلا صداقان.
فإن مات قبل أن يختار، فقال محمد: سمعت من يقول: يرثن منه الربع بين جميعهن، إن لم يكن له ولد مسلم. ولكل من بنى منهن صداقها، ومن لم يبن بها فلها خمسًا صداقها، قال محمد: لأنه لم يكن عليه إن لم يدخل بهن إلا صداق أربع يقسم بينهن.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
قال الشيخ أبو الطاهر: «أيجاب أربع صدقات لجميعهن بالموت هو المشهور، وهو الجاري على مذهب ابن المواز. قال: «وقيل: عليه لكلهن سبع صدقات»، قال: «وهو رأي ابن حبيب، تكون أربع صدقات لأربع منهن، وثلاث لست، يقتسمن الجميع أعشارًا».
وإن أسلم الكافر على امرأة وابنتها، وكان بعد الدخول فهما محرمتان. وإن لم يدخل بواحدة منهما اختار واحدة منهما في قول، وفارقهما جميعًا في (ثان)، وتعينت البنت في ثالث وهو قول أشهب. وإن كان بعد وطء البنت تعينت واندفع نكاح الأم. وإن كان بعد وطء الأم اندفع نكاح البنت وبقي نكاح الأم. وقيل: يندفع للعقد على البنت.
وإن أسلم على أختين، أو من أشبههما ممن لا يجوز الجمع بينهما، اختار واحدة وفارق من سواها.
الفصل الثالث: في الاختيار
ولا تخفى صرائح ألفاظه، ويلحق بها ما أفاد معناها. فلو طلق واحدة تعينت للنكاح، قاله ابن عبدوس، وكذلك لو ظاهر، أو آلى، أو وطئ.
ولو قال: فسخت نكاحها، انفسخ نكاحها، لأنه أوقع بالفسخ عليها أن لا يختار نكاحها.
ولو اختار أربعًا، فإذا هن أخوات، فقال ابن الماجشون: له تمام الأربع ممن فارق منهن ما لم يتزوجن. وقال ابن عبد الحكم: له ردهن وإن دخل بهن أزواجهن.
قال أبو الحسن اللخمي: «يريد إذا اختار أربعًا، فوق الفراق على البواقي باختياره الأربع، ولم يوقع على البواقي طلاقًا، ولو أوقع عليهن الطلاق لم يكن له رد (في) من طلق وإن لم يتزوجن إذا كان طلاقه قبل الدخول، أو بعد انقضاء العدة».
فرع: لو أسلم على ثماني كتابيات، فأسلم أربع، ومات قبل التبيين، لا يوقف شيء من الميراث، لأنه ربما كانت المفارقات المسلمات، فلا يتقين حق الزوجية.
وكذلك لو كانت تحته كتابية ومسلمة، فقال: (إحداكما) طالق ومات، ولم يعين لم يوقف لهما ميراث على القولين جميعًا في إيقاع الطلاق من غير تعيين محله. أما على المشهور فلعدم أصل الحق، وأما على القول الآخر فللشك فيه.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
الفصل الرابع: في النفقة
وإذا تخلفت ثم أسلمت لم تستحق نفقة لمدة التخلف، لأن الامتناع منها. ولو سبقت ثم أسلم، فروى أصبغ عن ابن القاسم: «أن لها النفقة في عدتها». وكذلك روى محمد قال: وذلك عليه، حاملًا كانت أو حائلًا، لأنه ممن له الرجعة لو أسلم في عدتها، بل إسلامه في العدة رجعة.
قال محمد بن أبي زمنين: وروى عيسى عن ابن القاسم: «أنه لا نفقة عليها لها، لأنها منعته فرجها، وجاء الفسخ من قبلها»، قال: «وهي أحسن عند هل النظر من رواية أصبغ».
الجنس الخامس من الموانع: كون أحد الزوجين على حالة يتضمن العقد معها جناية على حق غيره، وذلك نوعان:
النوع الأول: ما يتضمن الجناية على حق الله (سبحانه)، وهو الإحرام.
فلا يجوز للمحرم بحج أو عمرة أن يباشر عقد النكاح على نفسه ولا على غيره، ولا أن يعقده له غيره، فإن عقده أو عقد له، فقال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: يفسخ وإن بنى وطال زمانه، وولدت الأولاد.
وحكى الشيخ أبو القاسم في تأبيد التحريم عليه روايتين.
(قال ابن حبيب: واختلف في فسخه بطلاق. وقال محمد: «قال مالك. يفسخ بغير طلاق، ثم قال: يفسخ بطلاق». وقال أشهب: بغير طلاق، ولا يمراث فيه. ومذهب
[ ٢ / ٤٤٧ ]
أشهب، أن كل ما يرى أنه وقت فسخه لا يقر، فهو فسخ بغير طلاق.
قال ابن حبيب: ولم يختلف بالمدينة أن النبي ﷺ «تزوج ميمونة وهو حلال».
قال ابن القاسم في كتاب محمد: قال مالك: ومن نكح بعد رمي الجمرة قبل الإفاضة فسخ بغير طلاق. ثم رجع فقال: بطلاق، وقاله ابن القاسم.
ولو كان أفاض ونسي الركعتين، فإن نكح بالقرب فسخ نكاحه بطلقة، وإن تباعد جاز نكاحه.
ولو نسي الإفاضة وطاف للوداع وخرج وأبعد، ثم نكح، فالنكاح جائز لأن طواف الوداع يجزيه. ومن أمر رجلًا أن يزوجه، ثم أحرم فزوجه بعد إحرامه، فسخ النكاح. قال ابن القاسم: «وإذا نسيت امرأة من الطواف الواجب شوطًا ورجعت إلى بلدها وتزوجت، فإنه يفسخ ولا صداق لها، إلا أن يبني بها، فلها المسمى. وترجع على إحرامها، فإذا فرعت، فإن كان بنى بها اعتمرت وأهدت. وتعتد بثلاث حيض».
النوع الثاني: ما (يتضمن) الجناية على حق آدمي، وهو المرض.
فلا يجوز نكاح المريض المخوف عليه في الغالب، الذي لا يحتاج إلى استمتاع وقد انتهى إلى حالة يحجر عليه في ماله، ويفسخ إن وقع، وكذلك نكاح المريضة. وذكر عن مطرف أنه روى إجازة ذلك عن مالك جملة من غير تفصيل.
وإذا فرعنا على المشهور فصح قبل الفسخ، ففيه روايتان: روى ابن القاسم أنه صحيح لا يفسخ، وبذلك قال ابن الماجشون.
والرواية الأخرى أنه يفسخ، وإن صح، وهي إحدى الروايتين عن ابن القاسم وابن عبد الحكم.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وخرج القاضي أبو محمد هذا الاختلاف على (الاختلاف) في أن فساده لحق الورثة، أو فساده في عقده، ثم مقتضى القول بأن فساده في عقده أن لا يصح النكاح وإن كانت الزوجة ممن لا ترث كالأمة، والنصرانية، ومقتضى كونه لحق الورثة، واعتبار ذلك أن يصح نكاحها نظرًا لفقد العلة، وهو قول أبي مصعب. وقال عبد الملك وغيره: لا يصح، طردًا للقاعدة، ولجواز تغير حالهما بالعتق والإسلام قبل موته.
التفريع:
إن صححنا نكاح المريض، على ما ذكر من رواية مطرف، لزم فيه الصداق من رأس المال. وإن أبطلناه، على المشهور، فإن لم يدخل فلا صداق لها، وإن دخل فلها الصداق في الجملة. لكن اختلف هل هو المسمى، أو صداق المثل إن كان أقل من المسمى؟ والأول قول مالك في المختصر وكتاب محمد وكتاب ابن حبيب.
وقال سحنون: إذا كان المسمى أكثر من صداق المثل، لم يكن لها إلا صداق مثلها في قول ابن القاسم.
(وبنى بعض المتأخرين هذا الاختلاف على الخلاف في التوريث، قال: «فمن ورثها أسقط الزائد لأنها وصية للوارث، ومن لم يورثها أثبته وجعله كالوصية لأجنبي».
ثم حيث أثبتنا الصداق واختلف في تبديتها بجملته، فقيل: تبدأ به، لأنه على الجملة عن استهلاك. وقيل: لا تبدأ به، لأنه وصية محضة.
ثم يكون صداق المثل من الثلث، وحكى الشيخ أبو الحسن عن المغيرة من رأس المال.
وقال الشيخ أبو عمران: أجمع أصحابنا أن صداق المريض لا يكون في رأس المال.
وإنما ذكر الشيخ أبو الحسن شيئًا عن المغيرة، أنه قال: ذلك في رأس المال، وقد رأيت كتب المغيرة، فذكر فيها أنه من الثلث، قال: وما أدري أين رآه أبو الحسن للمغيرة.
وقال الشيخ أبو الحسن: يكون ربع دينار من رأس المال، والباقي من الثلث.
قال بعض المتأخرين: «فمن رأى أن البضع غير متقوم، قال بالأول، ومن رآه متقومًا كالسلع قال بالثاني». قال: «وبني الشيخ أبو الحسن على أنه غير متقوم، لكنه رأى أن الشرع
[ ٢ / ٤٤٩ ]
قدر فيه ربع دينار لا ينقص عنه، تقديرًا شرعيًا، فيصير كالثمن المحقق، فيخرج من رأس المال».
واستحسن أبو محمد عبد الحق قول الشيخ أبي الحسن في أن ربع دينار من رأس المال.
القسم الرابع من الكتاب: في موجبات الخيار
وأسباب الخيار ثلاثة: العيب، والغرر، والعتق.
السبب الأول: في الموجب، ويثبت الخيار لكل واحد من الزوجين بالعيوب الأربعة، وهي: الجنون، والجذام، والبرص، وداء الفرج.
فالجنون: هو الصرع والوسواس الذي ذهب معه العقل، والجذام: ما تيقن منه، قليلًا كان أو كثيرًا.
وقال في البرص: (ما سمعت، إلا ما في الحديث، وما فرق بين قليل ولا كثير).
[ ٢ / ٤٥٠ ]
(قال) ابن القاسم: (ترد من قليله، ولو أحيط فيما خف منه أنه لا يزيد، لم ترد منه، ولكن لا يعلم ذلك فترد من قليله).
وسوى ابن القاسم وابن عبد الحكم بين الرجل والمرأة في الرد بالبرص.
وروى أشهب أن برص الرجل لا يثبت به الخيار للزوجة وإن غرها. وروي عن ابن القاسم أيضًا.
أما في حديث البرص بالرجل، فلا خيار فيه لها وإن كان شديدًا. وروى عنه عيسى إذا حدث به البرص الخفيف فلا يفرق فيه. أما ما فيه ضرر لا يصبر على المقام عليه، فليفرق بينهما.
وداء الفرج يتنوع، فهو في حق الرجل ما يمنعه أن يطأ كالجب والخصاء، والعنة، والاعتراض، وما في معناها.
فالمجبوب: هو المقطوع ذكره وأنثياه. والخصي: هو مقطوع أحدهما. والعنين: هو الذي له ذكر لا يتأتى الجماع بمثله للطافته، وامتناع تأتي إيلاجه.
والمعترض: هو الذي لا يقدر على الوطء لعارض، وهو بصفة من يمكنه، وربما كان بعد وطء قد تقدم منه، وربما كان عن امرأة دون أخرى.
ففي الجب والخصاء والعنة يثبت لها الخيار، وكذلك إن كان الخصي قائم الذكر بمكنه الوطء، إلا أنه لا ينزل، فلها الخيار، وكذلك في الحصور. قال ابن حبيب: وهو الذي يخلق بغير ذكر، أو بذكر صغير، كالزر وشبهه لا يمكن به وطء.
وأما في المعترض فيصرب له أجل سنة من يوم ترفعه إن كان حرًا، وإن كان عبدًا، فقال ابن القاسم في الكتاب: «أجله ستة أشهر».
وقال القاضي أبو محمد: «في أجله روايتان: إحداهما سنة، والأخرى ستة أشهر، ويخلى بينه وبينها، والقول قوله إن ادعى الوطء في السنة».
وروى في البكر أن النساء ينظرن إليها، فإن قلن: بها أثر إصابة، فالقول قوله، وإن قلن إنها على حال البكارة، صدقت عليه.
[ ٢ / ٤٥١ ]
فإن مضت السنة وتقاررا على عدم الوطء، فالخيار حينئذ لها، وذلك إذا لم يكن منه وطء قبل الاعتراض، ولا يقبل قولها في دعوى ذلك إلا بتصديقه، ولها أن تستحلفه.
وكذلك لو ادعى الوطء في الأجل حلف وصدق، فإن نكل حلفت، وثبت لها الخيار، وإن نكلت بطلت دعواها، ولا خيار لها.
وروى ابن حبيب: أنه لا يحلف إلا بعد ضرب الأجل ودعوى الإصابة، فإن نكل [طلقت] عليه عند انقضاء الأجل.
ثم حيث أثبتنا لها الخيار فأقامت عنده، ثم أرادت الفراق، ففي كتاب محمد: لها ذلك، وكذلك في رواية أبي زيد عن ابن القاسم في العتبية، واختلفا، فروى محمد: يوقف مكانه بغير ضرب أجل، وليس لها أن تفارق دون السلطان.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم: أن لها أن تطلق نفسها متى شاءت بغير إذن من السلطان».
فرأى في الأول أنه أمر مختلف فيه، فلابد من حاكم يحكم بصحته. ورأى في الثاني أن الحاكم لما ضرب الأجل قد حكم بما يؤول إليه.
ثم الطلاق الواقع عليه بائن لتعري النكاح (من) الإصابة. ولا يقع عليه أكثر من طلقة واحدة، إلا أن يوقع هو أكثر، فيلزمه ما يوقع، لأنه يؤمر بإيقاع الطلاق عند اختيارها للفسخ، فيوقع منه ما شاء. فإن امتنع من إيقاعه أوقع الحاكم عليه طلقة واحدة، وتقع بائنة لما ذكرناه.
وإذا وقع الطلاق بعد الأجل؛ فلها الصداق كله كاملًا إذا أقام معها سنة، لأنه قد تلوم له، وقد خلا بها، وطال زمانه، وتغير صبغها، وخلقت ثيابها، وتغير جهازها عن حاله، وتلذذ منها، قاله في الكتاب.
وقال القاضي أبو محمد: «في تكميل الصداق روايتان: إحداهما: أنه يكمل، والأخرى: أنه إن طال مقامه معها وتلذذه بها واستمتاعه مثله بما يمكنه كمل عليه، وإن كان لحداثة دخولها عليه ولم يطل أمرها معه لزمه نصفه».
قال القاضي أبو إسحاق: هذا موضع الاجتهاد، إذ النص في كتاب الله تعالى المسيس، وقد أقر الزوجان بأنه لم يكن.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
ثم ألحق المعترض بالمجبوب بعلة أنه خلا بزوجته، وأغلق بابًا، وأرخى سترًا وكشفها، وتلذذ منها أقصى ما يمكنه من الاستمتاع بها، قال: فيجب عليه الصداق كاملًا إذا طلق بعد ذلك، وحمل قوله تعالى: ﴿من قبل أن تمسوهن﴾، على من يقدر على المسيس، دون من لا يقدر عليه.
قال: وهذا في هذه الزوجة المضروب له الأجل معها، كالمجبوب مع زوجته في عدم القدرة على المسيس.
(أما داء الفرج في حق المرأة، فقال ابن حبيب: تفسيره ما كان في الفرج مما يقطع لذة الوطء، مثل العفل والقرن والرتق.
وقال القاضي أبو محمد: «داء الفرج هو القرن والرتق، وما في معناهما».
وزاد الشيخ أبو القاسم في تفريعه «البخر، والإفضاء، وهو أن يكون المسلكان واحدًا».
وروى ابن المواز عن مالك: إن كل ما يكون عند أهل المعرفة من داء الفرج، فإن للزوج الرد به وإن لم يمنع من الوطء، مثل العفل القليل والقرن، وحرق النار.
قال: والمجنونة والجذماء والبرصاء يقدر على وطئها، ومع ذلك فللزوج ردها.
قال ابن حبيب: ويثبت الخيار بالقرع الفاحش لأنه من معنى الجذام والبرص. قال القاضي أبو الوليد: «ولم أر ذلك لغيره من أصحابنا». قال: «والأظهر من المذهب أنه لا يثبت الخيار، لأنه مما يرجى برؤه في الأغلب ولا يمنع المقصود من الاستمتاع، ولا يؤثر فيه كالجرب ونحوه».
ولا يثبت الخيار بشيء من العيوب سوى ما تقدم ذكره، إلا أن يشترط السلامة منه كالعمى، والعور، والعرج، والزمانة، ونحو ذلك من العاهات، فإن اشترط الصحة، فله الرد، وإلا لم يرد».
قال الشيخ أبو محمد: «ولو كتب في العقد: صحيحة العقل والبدن، لم يكن ذلك
[ ٢ / ٤٥٣ ]
شرطًا». قال: «ولو قال: سليمة البدن، لكان شرطًا».
قال بعض المتأخرين: «إنما فرق بينهما؛ لأن الأول عادة جارية من تلفيف الموثقين، ولم تجر العادة بالثاني». وكذلك لو وجدها لغية، لم يكن له ردها، إلا أن يتزوجها على نسب.
وكذلك إن وجدها مفتضة من زنى، فلا شيء له، رواه ابن حبيب عن مالك. قال ابن حبيب: إلا أن يشترط الخاطب لنفسه في ذلك، فيكون له، إلا السوداء فإنه يكون ذلك له وإن لم يشترطه إذا لم يكن في أهلها أسود؛ لأن ذلك كالشرط. قال القاضي أبو الوليد: ويجب على هذا أن يعلم الزوج بذلك، ويتزوج على أن أهلها لا أسود فيهم، وإلا فليس في معنى الشرط».
فروع: الأول: (إذا ادعى الزوج أن بالمرأة عيبًا في الفرج وأنكرته، ففي كتاب ابن حبيب: «ينظر إليها النساء».
وروى سحنون عن ابن القاسم: لا ينظر إليها النساء، وأنكر سحنون ذلك عليه، وقال: كيف يعرف إلا بنظرهن؟ وروى ابن سحنون عن أبيه: ينظر إليها النساء.
الفرع الثاني: إذا ادعت هي عليه فأنكر، فقال ابن حبيب: أما الحصور والمجبوب
[ ٢ / ٤٥٤ ]
الممسوح ذكره وأنثياه، أو ذكره خاصة، أو أنثياه (خاصة)، فهذا يختبر بالجس على الثوب.
وأما دعواها أنه عنين، وهو الذي ذكره لا ينتشر، وهو كالأصبع في جسده لا ينقبض ولا ينبسط، أو معترض، وأنكر، فهو مصدق. قاله مالك وعبد العزيز لما نزلت بالمدينة.
الفرع الثالث: إن العيب المقتضى للخيار، هو الموجود حالة العقد، فأما ما طرأ بعد العقد، فلا يؤثر في ثبوت الخيار للرجل، وفي تأثيره فلي ثبوته للمرأة خلاف بالنفي والإثبات في العيوب الأربعة، وينفرد البرص بزيادة مذهبين آخرين. أحدهما: اختصاص التأثير بما يخاف تناميه منه دون ما لا يخاف ذلك فيه.
والثاني: اختصاص التأثير بالكثير منه دون اليسير.
الفرع الرابع: إذا ظهر بعد مدة حين عقد النكاح على عيب بها، فتداعيا في أنه كان موجودًا حالة العقد، فالبينة على الزوج. فإن لم تكن للزوج بينة، فروى ابن حبيب عن مالك: إن كان الوالي أبًا أو أخًا، فعليه اليمين. وإن كان غيرهما، فاليمين عليها، فجعل محل اليمين محل الغرم.
النظر الثاني: في حكم الخيار: وإذا فسخ من له الخيار، ووقع الطلاق. فالنظر بعد ذلك في سقوط المهر والرجوع به فيسقط جملة إن كان الفراق قبل المسيس. ويثبت إن كان بعده على التفصيل المتقدم.
ثم إن كان العيب بها، فللزوج الرجوع بالصداق جميعه على الولي إن كان قريبًا لا يخفى عليه مثل ذلك، كالأب والأخ ونحوهما؛ لأنه الغار، ثم لا رجوع للولي على الزوجة بشيء.
وإن كان الولي بعيدًا يخفى عليه مثل ذلك كابن عم، أو مولى ونحوه، رجع الزوج على المرأة بالصداق، لأنها هي الغارة، وترك لها ربع دينار لاستباحة فرجها.
فروع: الأول (لو كان الولي القريب غائبًا عنها غيبة طويلة بحيث يعلم أنه يخفى عليه
[ ٢ / ٤٥٥ ]
خبرها، فقد روى ابن المواز عن ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك أنه لا غرم عليه، وإنما الغرم على المرأة. زاد ابن حبيب عن ابن القاسم: بعد أن يحلف بالله أنه ما علم. وروي عن أشهب: أن ذلك على الولي وإن كان غائبًا لا يعلم).
وحكى بعض المتأخرين في رجوعه على الزوجة بعد استحلافه للولي على العلم قولين.
الفرع الثاني: (إذا كان الولي من ظاهره أنه لا يعلم ما بها من ذلك كابن العم والمولى والرجل من العشيرة، فلا غرم عليه ولا يمين، قاله ابن المواز.
وقال ابن حبيب: إن اتهم أنه علم حلف، وإلا فلا شيء عليه، وترد المرأة من الصداق ما أخذته، سوى ربع دينار. قال ابن حبيب: وإنما يرجع إليها العين بالذي دفعه إليها دون الجهاز).
الفرع الثالث: إذا [أرجعنا] الزوج على الولي القريب، حيث قلنا: يرجع عليه، فكان فقيرًا، ففي رجوعه على المرأة (إذا) كانت موسرة أو أيسرت قبله خلاف ينبني على أن كل واحد منهما غار، أم لا؟
الفرع الرابع: إذا فارق الزوج ثم اطلع على عيب المرأة يوجب الخيار، أو خالعت هي، ثم اطلعت على عيب به يثبت لها الخيار، فلا رجوع على المعيب منهما بما أخذ، ويغرم الزوج الصداق لها إن كان لم يدفعه حتى طلق.
ولو مات أحدهما قبل الفراق وعلم العيب توارثا، والصداق لها، قاله مالك في الواضحة وكتاب محمد، ورواه ابن القاسم عنه أيضًا في العتبية.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
وقال سحنون: يرجع الزوج على من غره بالصداق، وإن غرته هي رجع عليها.
[قال]: وكذلك لو غرها من نفسه بعيب فخالعته ثم علمت، لرجعت عليه بما أعطته.
السبب الثاني للخيار: الغرور، وفيه نظران:
الأول: في حكم الغرور، وصورته، وثبوت الصداق وسقوطه، فنقول: إذا قال العاقد: زوجتك هذه المرأة المسلمة، فإذا هي كتابية، أو هذه الحرة، فإذا هي أمة، انعقد النكاح، وثبت الخيار للزوج، فإن أمسكها لزمه المسمى، وإن اختار فراقها ففارقها، فلا مهر عليه إن كان الفراق قبل أن يبني بها، وإن كان بعد البناء فلها المسمى، إلا أن يزيد على صداق المثل، فلترد ما زاد. فإن نقص المسمى عن صداق المثل، فقال ابن القاسم في غير الكتاب: «على الزوج إتمامه». وقال أشهب: لا شيء عليه فيما نقص عن ذلك، فيكون لها عنده الأقل.
وقال غيرهما: ليس لها إلا ربع دينار.
فروع: الأول: لو ادعى الزوج الغرور، وأنكره السيد. فقال أشهب: القول قول الزوج.
وقال سحنون: القول قول السيد؛ لأن الأب مدع لحرية ولده، وهو ولد أمة.
الفرع الثاني: إذا تزوج الحر امرأة، ولم يشترط الحرية فيها، فله الخيار إذا ظهر أنها أمة.
قال أصبغ في العتبية: «ولو أقر الآن أنه نكحها عالمًا بأنها أمة، وقد فشا أنها غرته من الحرية، والسماع على ذلك أو الشك، فلا يصدق على ذلك الأب على ما يدفع عن نفسه من غرم قيمة ولده، ويريد من أرقاقهم».
الفرع الثالث: من تزوج نصرانية ولم يعلم، فلا حجة له في ذلك حتى يشترط أنها مسلمة، أو يظهر أنه إنما تزوجها على أنها مسلمة لما كان يسمع منها، فيكون منها الكتمان وإظهار الإسلام، فهذا كالشرط.
وأما المسلم يغر النصرانية فيقول لها: إني على دينك، فتزوجته، ثم علمت، فقال
[ ٢ / ٤٥٧ ]
مالك: لها الخيار، لأنه غرها، ومنعها من كثير، من شرب الخمر وغيره.
النظر الثاني: في حكم الولد إذا جرى التغرير بالرق، وله أحكام:
الأول: أنه إذا غر الحر بحرية أمة فأحبلها، انعقد الولد على الحرية لدخوله على الحرية.
وأما العبد فيكون ولده رقيقًا، إذ لابد أن يتبع أحد أبويه، ثم يرجع العبد على من غره بالصداق، ثم لا رجوع للغار عليها، وإن لم يكن غار، رجع عليها بالفضل على صداق مثلها، لحجته أنه رغب في حرية ولده. وهذا إن شرط أنها حرة، أو ظهر وجه علم به أنه عمل على أنها حرة، وإلا فلا يرجع بشيء من الصداق، بخلاف الحر لا يشترط حريتها ثم تبين أنها أمة.
وقيل: يكون ولد العبد حرًا كولد الحر لشرطه.
الثاني: تجب قيمة (الولد) على الزوج لسيد الأمة، لأن الرق في الأم يوجب رق الولد واندفاعه (بظنه)، فهو (المتسبب) في عتقه.
وإنما تجب القيمة إذا كان يوم الحكم حيًا فتكون عليه قيمته حينئذ. وانفرد المغيرة فقال: يقوم يوم الولادة، فإن مات الولد قبل الحكم، أو وضع ميتًا بغير جناية، فلا قيمة على أبيه، لأنه إنما يدفع القيمة لثبات حريتهم ودفع سيد أمهم.
(فأما) إن قتل الولد، فعلى أبيه الأقل من القيمة، أو الدية، لأن الدية عوض العين (الفائتة)، فتكون كقيام العين، وليس له سواها.
كذلك إن طرح مجتنًا بجناية أوجبت فيه الغرة، فعلى الأب عشر قيمة الأم للسيد، إلا أن يزيد ذلك على ما سلم له بالإرث من الغرة، فلا يلزمه سوى ما سلم له بالإرث (منها).
ولو جنى على الولد جناية ذو النفس تزيد ديتها على قيمته لكان الفاضل عن القيمة للولد.
الثالث: إذا كان الأب عديمًا أخذت القيمة من الولد، وقال غير ابن القاسم: لا يتبع الولد بشيء.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
فرأى ابن القاسم أنه كمن تعدى على مال لغيره فوهبه لرجل، وتلفت الهبة، فإن رب المال يرجع على الموهوب بالقيمة إن كان الواهب عديمًا.
الرابع: لو كانت الأمة يعتق عليه الولد، كالجد مثلًا، لم تجب له قيمة في الولد؛ إذ ليس له فيه شبهة رق يتعلق بها، إذ لو ملكه لعتق عليه، ولا يكون للجد في هذا الولد ولاء، لأنه لم يتقرر فيه رق ثم طرأت عليه الحرية.
السبب الثالث للخيار: العتق، وفيه مسائل:
الأولى: أنها إن عتقت تحت تحر فلا خيار لها، وإن عتقت تحت عبد فلها الخيار.
وإنما يثبت لها الخيار إذا عتق جميعها بتلا، فلو عتق بعضها بتلا، أو جميعها إلى أجل، أو دبرت، أو كوتبت، أو صارت أم ولد لم تختر.
الثانية: لو عتقت، ثم عتق الزوج بتلا قبل أن تختار، فلا خيار لها، كما لو عتقا معًا في كلمة واحدة.
الثالثة: إذا طلقها الزوج قبل الفسخ طلاقًا رجعيًا فلها الخيار، فإن كان بائنًا فلا معنى للخيار معه.
الرابعة: إذا عتقت قبل المسيس، واختارت الفراق، فلا صداق لها، ويرده السيد إن قبضه، إذ الفسخ من قبلها، فإن كان عديمًا حينئذ فهل يسقط خيارها، لأن ثبوته يؤدي إلى إسقاطه وإبطال سببه، أو يثبت الخيار، ثم تباع في الصداق نظرًا إلى موجب الأحكام، أو يثبت لها الخيار ولا تباع في الصداق؛ لأنه دين طارئ باختيارها، فلا يرد العتق المتقدم عليه؟ ثلاثة مذاهب.
ولها المسمى بعد البناء أقامت أو فارقت، ويتبعها كمالها، إلا أن يكون السيد قبضه أو اشترطه، ولو كان تفويضًا ففرض لها بعد العتق، فهو لها دون السيد لأنه شيء لم يلزم الزوج قبل ذلك إن طلق أو ماتت.
الخامسة: إنها حيث ثبت لها الخيار فاختارت الفراق، كان طلاقًا لا فسخًا، كسائر المواضع التي تخير المرأة فيها في الفراق كالتي تخير من أجل عيب زوجها، أو إعساره بالنفقة وشبه ذلك.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
ثم محمل اختيارها على طلقة واحدة، فإن قبضت بأكثر منها، ففي لزوم ما قضت به أو الاقتصار على الواحدة دون الزائد روايتان. قال الشيخ أبو محمد: «رجع مالك إلى إلزام جميع ما قضت به لحديث زبراء».
وحيث قلنا بالرواية الأخرى، أو اقتصرت على واحدة، فهي بائنة قاله في الكتاب.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: له الرجعة إن عتق في العدة.
فرع: إذا ثبرت لها الخيار في حال الحيض أمرت بالتأخير إلى زمن طهرها، فإذا طهرت أوقعت إن شاءت.
ويترتب على هذا الفرع فرعان:
الأول: إذا وقفت عن الاختيار انتظارًا للطهر فعتق الزوج قبل أن تطهر، (فقال ابن القاسم في العتبية: «هي على خيارها».
قال أبو الحسن اللخمي: «وفي هذا نصر، والصواب أن لا خيار لها، لأنها زوجة بعد حين أعتق».
الفرع الثاني: أنها لو بادرت فاختارت وهي حائض، فأما على القول بأن طلقة بائنة، فيمضي الطلاق.
قال بعض المتأخرين: «وأما على القول بأنها رجعية، فينبغي أن لا يمضي، لأن حكم الرجعية أن يجبر الزوج.
وتردد أبو الحسن اللخمي في هذا، لأن الطلاق ليس بيد الزوج، وإنما هو حق عليه فيشكل صحة رجعته، أو جبره عليها».
[ ٢ / ٤٦٠ ]
المسألة السادسة:
أنه حيث ثبت لها الخيار فيسقط بأن تصرح بإسقاطه، أو تفعل ما يدل على ذلك من التمكين من الوطء، أو ما في معناه، هذا إذا مكنت عالمة بالعتق والحكم، فإن مكنت جاهلة بالعتق، فلها القيام بلا خلاف. وإن كانت جاهلة بالحكم خاصة فالمشهور سقوط خيارها.
والشاذ ثبوته. قال بعض المتأخرين: «وهو الصحيح»، قال: «وقد علل القاضي أبو الحسن سقوط الخيار باشتهار الحكم (في المدينة) حتى لم يخف عن أمة»، قال: «وعلى ذلك تكلم مالك، وإلا فإذا أمكن أن تكون جاهلة، فتمكينها لا يسقط ما وجب لها من الخيار».
فروع: الأول: إذا أعتقت وهو غائب، فاختارت نفسها، فثبت أنه عتق قبل أن تختار، بطل اختيارها، ولو تزوجت فهل يكون تزويجها مفيتًا؟ أجراه بعض المتأخرين على ثلاثة أقوال: قال: كحكم المفقود تتزوج زوجته ثم يقدم.
الفرع الثاني: في التداعي بينهما.
فإذا اختلفا في المسيس، فإن أنكرت الخلوة، كان القول قولها مع يمينها، إن اعترفت بالخلوة كان القول قوله مع يمينه. وإن تصادقا على المسيس واختلفا هل كان بطوعها أو كانت مكرهة، كان القول قوله. وإن تصادقا على المسيس والطوع واختلفا هل علمت بالعتق؟ كان القول قولها، قال محمد: بغير يمين.
الفرع الثالث: إذا عتقت قبل الدخول، فلم تعلم حتى بنى بها، فلها الأكثر من المسمى، أو صداق المثل على أنها حرة. وإن كان العقد فاسدًا، كان لها صداق حرة، قولًا واحدًا، وإن كان العقد صحيحًا وعلمت بالعتق وبالحكم ثم بنى بها، لم يكن لها إلا المسمى.
[ ٢ / ٤٦١ ]
القسم الخامس من الكتاب في فصول متفرقة شذت عن الضوابط، وهي سبعة:
الفصل الأول: فيما يحل للزوج
ويحل له كل استمتاع إلا الإتيان في الدبر. قال الأستاذ أبو بكر: ليس تحليله بمذهب لنا، بل هو حرام. ثم ذكر ما يحكى من نسبته إلى مالك ﵁ في كتاب نسب إلى مالك يسمى بكتاب السر، ثم أبطل نسبه القول والكتاب المذكور إليه، وقد تقدم إبطال نسبة هذا الكتاب الذي يسمى بكتاب السر إلى مالك ﵁ في كتاب الطهارة من هذا الكتاب بما أغنى عن إعادته. بل قد نص مالك رضوان الله عليه على تكذيب من نسب هذا القول إليه، فروى يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أنه قال: سألت مالك بن أنس، فقلت: إنهم قد حكوا عنك أنك ترى إتيان النساء في أدبارهن، فقال: معاذ الله، أليس أنتم قومًا عربًا؟ فقلت: بلى، فقال: قال الله جل ذكره: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم إنى شئتم﴾، وهل يكون الحرث إلا في موضع الزرع، أو موضع المنبت.
وكذلك روى الدارقطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكًا فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما أنتم عرب؟ هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع؟ ألا تسمعون الله يقول: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم إنى شئتم﴾. قائمة وقاعدة على جنبها، لا يعدى الفرج. قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون: إنك تقول بذلك، قال: يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي.
وروى الدارقطني أيضًا عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت مالكًا وعلي بن زياد يسأله فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر يحدثون عنك أنك تجيز الوطء في الدبر؟
فقال: كذبوا علي عافك الله.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
فهذا مالك رضوان الله عليه قد صرح بكذب الناقل عنه في ثلاث روايات، فكيف تحل نسبته إليه بعد ذلك؟
ولا يجوز العزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا في الأمة الزوجة إلا بإذن أهلها، ولا يعتبر إذنها، ولا خلاف في جوازه بالسرية من غير إذنها.
ثم الإتيان في الدبر في معنى الوطء في كثير من الأحكام كإفساد العبادات، ووجوب الغسل من الجانبين، ووجوب الكفارة والحد، ووجوب العدة، وحرمة المصاهرة، ولا يتعلق به التحليل ولا الإحصان، واختلف في تكميل الصداق به.
الفصل الثاني: في وطء جارية الابن
وهو حرام، لكن له في مال ابنه شبهة وجوب الإنفاق وفاقًا، ووجوب الإعفاف على قول كما سيأتي، فيسقط الحد، وتحرم على الابن بالمصاهرة، ويثبت النسب، وينعقد الولد على الحرية، وتصير مستولدة له، بل ينتقل الملك إليه بمجرد الوطء، وتثبت القيمة للولد من غير خيار له في ذلك.
وقال عبد الملك وابن عبد الحكم: للابن التماسك في عسر الأب ويسره ما لم تحمل، إذا كان الابن مأمونًا على غيبته عليها، ولا يسقط الأرش، فإن كانت الجارية موطوءة للابن ملكها الأب بالاستيلاد، ولكن يحرم عليه وطؤها لوطء الابن لها، فتعتق عليه لتحريم الوطء.
الفصل الثالث: في إعفاف الأب
والنص من صاحب المذهب على عدم الوجوب.
وحكى بعض المتأخرين: أن أحد قولي الأصحاب الوجوب، فإن فرعنا عليه وجب على الابن أن يعف أباه الفاقد للمهر، المحتاج إلى النكاح.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الفصل الرابع: في تزويج الإماء
وحكمه في الاستخدام والنفقة والمهر
أما الاستخدام فلا يبطل بالتزويج، ولكن يحرم الاستمتاع، فللسيد أن يستخدمها ويأتيها زوجها عنده، وليس على السيد أن يبوئها معه بيتًا، إلا أن يشترط ذلك، فإن تشاحا، ولم يكن بينهما شرط، حملا على (العرف) في ذلك. وقال ابن الماجشون: ترسل إليه ليلة بعد ثلاث، ويأتيها هو فيما بين ذلك عند أهلها. وللسيد المسافرة بها، ولا يمنع الزوج من الخروج ليصحبها.
واختلفت الرواية في إلزامه نفقتها، فروي أنها تلزمه. وروي أنها لا تلزمه. وروي تخصيص إلزامه بأن تبوأ معه بيتًا. وروي تخصيصه بكونها تبيت عنده وإن كانت نهارًا عند أهلها. وقال عبد الملك: ينفق عليها حين يأتيه، ولا نفقة عليه حين تكون عند أهلها.
واستحب مالك أن لا ينكح العبد حتى تشترط النفقة عليه بإذن سيده.
وحيث قلنا بلزوم النفقة للزوج، فمهما سافر بها السيد سقطت نفقتها. والمهر للأمة مال من مالها ما لم ينتزعه السيد. ولو قتلها السيد لم يسقط المهر، وكذلك لو قتلها أجنبي أو ماتت. وكذلك الحرة لو ماتت، أو قتلها أجنبي، أو قتلت هي نفسها، فلا يسقط المهر بشيء من ذلك.
قال محمد: وقال فيمن زوج أمته بمائة دينار، ثم قتلها السيد قبل أن يبني بها الزوج: إن له أن يأخذ من الزوج المائة، ويضرب السيد مائة ويحبس عامًا.
وإذا باع السيد الأمة لم ينفسخ النكاح، وسلم المهر للبائع كسائر مالها، إلا أن يشترطه المبتاع. وحيث لم يشترطه فليس للبائع حبسها لأجل تسليم الصاداق؛ إذ لم يبق له فيها تصرف، ولا للمشتري أيضًا حبسها بذلك، إذ لا مهر [لها] فيستفيد الزوج بالبيع سقوط حق السيد من منع تسليم الزوجة.
ولو زوج أمته من عبده، فلابد من مهر ولو أقله.
ولو قال لأمته: أعتقك على أن تنكحيني، لم يلزمها الوفاء.
ولو أتلف امرأة عبدًا على رجل فنكحها بالقيمة المجهولة، فسخ نكاحه قبل الدخول، وفي فسخه بعده خلاف.
ولو قالت السيدة لعبدها: أعتقتك على أن تنكحني، عتق، ولم يلزمه أن ينكحها.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
الفصل الخامس: في تزويج العبد
ولا ينكح إلا بإذن سيده، فإن عقد من غير إذنه صح، ثم للسيد أن يطلق عليه، بخلاف الأمة توكل من يعقد عليها من غير إذن أهلها، فإن عقدها باطل، ولا يصح بإجازتهم له. وروي أن للسيد فسخه وتركه كنكاح العبد، وهي شاذة.
والمهر والنفقة لا زمان له، ومتعلقان بما يتحصل في يده مما ليس من خراجه، ولا من كسبه. ولا يكون السيد ضامنًا للمهر بمجرد الإذن في عقد النكاح.
فرع: إذا ملكت الحرة زوجها قبل المسيس سقط المهر جميعه، فإن اشترته بالصداق الذي ضمنه السيد، فإن ظهر قصد السيد بذلك إلى إفساد النكاح لم يصح هذا الفعل وإن لم يظهر قصده إلى ذلك وانفسخ النكاح، وبقي ملكًا لها، إن كان دخل بها، وإن لم يكن دخل بها عاد إلى ملك سيده.
الفصل السادس: في النزاع
ودعوى الزوجية صحيح من الزوجين، ولا يمين على المنكر منهما؛ إذ لا يقضي عليه بنكوله، ولو أتى أحدهما بشاهد واحد، ففي تعلق اليمين بالآخر لأجل الشاهد خلاف.
ثم إن نكلت المرأة لم يثبت النكاح، لا تحبس، وإن نكل الزوج غرم الصداق.
(وروى أصبغ عن ابن القاسم فيمن «ادعى على امرأة أنها زوجته، فأنكرت، فلا تؤمر بانتظاره، إلا أن يدعي بينة قريبة لا يضر بالمرأة، ويرى الإمام لما ادعى وجهًا، فإن أعجزه، ثم (جاء) ببينة بعد ذلك وقد نكحت أو لم تنكح، قال: قد مضى الحكم.
قال في كتاب محمد: «ومن ادعي نكاح ذات زوج أنه تزوجها قبله، وأتى بشاهد، فليعزل عنها الزوج ليأتي هذا بشاهد آخر إن ادعى أمرًا قريبًا، فإن لم يصح له شاهد لم يلزم واحدًا من الزوجين يمين».
[ ٢ / ٤٦٥ ]
(قال أصبغ: قال أشهب: من أقام بينة أن هذه امرأته (فأنكرته)، وأقامت بينة أن فلانًا زوجها، وفلان منكر، ولم يؤقنا تاريخًا، وهم عدول، قال: لا [أنظر] إلى التكافؤ في العدالة، وأفسخ النكاحين. وقاله أصبغ ما لم يقع الدخول بأحدهما. قال محمد: وذلك أنه أقرت له المرأة وهو منكر.
وقال أصبغ في الواضحة عن أشهب: فإن دخل بها أحدهما قبل الفسخ كانت زوجته، وقيل للآخر: أقم البينة أنك الأول.
قال أشهب: «ومن أقام بينة أنه تزوج فلانة، وهي تنكر، وأقامت أختها البينة أن هذا الرجل تزوجها وهو منكر، ولم يوقنوا، فإن النكاحين يفسخان، ولا ينظر إلى التكافؤ. قال: وكذلك لو شهدت كل بينة قبل البناء (لفسخا)، ولهما الصداق».
قال محمد: وهذا لإنكاره نكاح الأخرى، ولو كان مقرًا، ويدعي أنها الأخيرة (لقبلت) قوله، لأن البينة لا تكذبه، ولا ينفع التي تزعم أنها الأولى جحودها، لأن البينة أثبتت نكاحها، قال: وهذا تقوية للمسألة الأولى حين ذكر عنه أنه جعل الإقرار كالإنكار».
وفي العتبية: «من زوج ابنته البكر، لا ولد له غيرها، ثم مات، فأنكرت أن تكون ابنته، وقالت: كنت يتيمة عنده، ولا بينة للزوج على عينها إلا سماعًا أنه زوجه ابنته، ولا تثبتها البينة، أو لها إخوة غير عدول شهدوا عليها، وكيف إن رجعت عن ذلك؟ قال: لا يلتفت إلى قولها، وقول الأب عليها جائز، ونسبها لاحق، وميراثها واجب، والنكاح لها لازم».
[ ٢ / ٤٦٦ ]
قال في كتاب ابن المواز: ومن زوج وليته قال: وهي أمرتني، فأنكرت، فلتحلف: ما أمرت ولا رضيت، ويسقط عنها النكاح.
فرع: (روى ابن القاسم في كتاب محمد: قال مالك في المرأة البكر لا تعرف فلتكشف لمن يشهد على رؤيتها إذا زوجها وليها.
قال محمد: وعلى قولها إن كانت ثيبًا، وعلى صمتها إن كانت بكرًا، ثم تزوج تلك التي عاينوا، أو شهدوا على عينها.
قال ابن القاسم في العتبية: «قال مالك) وإن لم يعرفها الشاهدان».
وإذا ادعت المرأة النكاح على ميت، وأقامت شاهدًا واحدًا، فقال ابن القاسم: «تحلف معه وترث. ووقف عن ذلك أصبغ. وقال أشهب: «لا ترث حتى يصح النكاح». وقاله ابن القاسم أيضًا.
وسبب الخلاف: أنها شهادة على ما ليس بمال تؤدي إلى مال.
ولو أقر الزوج في صحته بزوجة، ثم مات، ورثته بذلك الإقرار إن كان طارئًا. وفي إرثها له بذلك إن لم يكن طارئًا خلاف، إلا أن يكون معها ولد اقر أنه ولده، فإنه يلحق به وترثه هي حينئذ. وكذلك لو أقر بوارث غير الزوجة لجرى الخلاف فيه. وسببه فيهما،. هل الإقرار بهما كالإقرار بالمال أم لا؟
[ ٢ / ٤٦٧ ]
وإقرار أبي الصبي وأبي الصبية بالنكاح بينهما مقبول عليهما، ملزم لهما العقد، كإقرارهما بعد البلوغ على أنفسهما.
ومن اختصر فقال: لي امرأة بمكة، سماها، ثم مات، فطلبت ميراثها منه فذلك لها.
وكذلك لو قالت امرأة: زوجي فلان بمكة، فأتى بعد موتها، ورثها بإقرارها ذلك.
وإذا قال رجل لامرأة: ألم أتزوجك أمس؟ فقالت: بلى، ثم جحد الزوج، فهذا إقرار.
ولو قال لها: قد تزوجتك أمس، أو قال: أليس قد تزوجتك أمس؟ أو قال: أو ما تزوجتك أمس؟ فقالت: بلى، ثم جحد الزوج، فهذا إقرار، ولو قال لها: قد تزوجتك، فأنكرت، ثم قالت: بلى، قد تزوجتني، فقال هو: ما تزوجتك، فلا يلزمه النكاح بهذا. ولو قالت امرأة لرجل: قد طلقتني، أو قد خالعتني، وهما طارئان، (فهو) إقرار منها بالزوجية.
وكذلك لو قال الزوج: اختلعت مني، أو قالت هي: (طلقتني)، فقال ابن عبد الحكم: أو قالت له: خالعني، أو راجعني من طلاقك إياي، أو قد طلقتني اليوم، فهذا إقرار منها بأنها زوجته.
قال ابن سحنون: وإن قال لها: اختاري، أو أمرك بيدك في الطلاق، فهو إقرار النكاح.
وإن قال لها: أنت حرام، أو بائنة، أو بتة، فليس بإقرار بالنكاح، لأن الأجنبية عليه حرام، إلا أن تسأله الطلاق، فيجيبها بهذا، (فهو) إقرار النكاح في إجماعنا. قال: وكذلك لو قال لها: أنا منك مظاهر، بخلاف قوله: أنت علي كظهر أمي.
وإذا ادعى رجلان نكاح امرأة، وأقام كل واحد منهما البينة على أنه نكحها، ولم يعلم الأول منهما، والمرأة مقرة بأحدهما أو بهما، أو منكرة لهما، فإن عدلت البينتان فسخ النكاح، وكانت طلقة، ونكحت من أحبت منهما، أو من غيرهما.
قال محمد: أما قوله: أفسخه بطلقة، فإني لا ألزم ذلك من تزوجته الآن منهما، ولكن ألزم الذي لم تنكحه متى ما نكحها طلقة، قال: لأن من نكحته الآن إن كان هو الأول فهي امرأته بحالها، ولكن أحب إلي أن يأتنفا نكاحًا غبي من أمره. وإن كان هو الآخر فلم تكن له قط زوجة، ولو نكحت غيرهما للزمهما طلقة طلقة.
قال ابن القاسم: ويقضي بالعادلة منهما إن كانت واحدة، ولا يقضي بأعدلهما بخلاف البيوع.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وقال سحنون وأبو إسحاق البرقي: إنه يقضي فيه بالأعدل كالبيع، وهو اختيار أبي محمد عبد الحق.
الفصل السابع: في تمييز ما يفسخ من الأنكحة بطلاق، عما يفسخ بغير طلاق
قال الشيخ أبو محمد: «آخر قول ابن القاسم لرواية بلغته عن مالك: أن كل ما نص الله ورسوله ﷺ على تحريمه لا يختلف فيه، فإنه يفسخ بغير طلاق. وكل ما اختلف الناس في إجازته ورده، فالفسخ فيه بطلاق. قال: وأول قوله، والذي عليه أكثر الرواة، أن كل نكاح للولي أو لأحد الزوجين أو لغيرهما إمضاؤه وله فسخه، فإن فسخه له بطلاق، وكل ما كانا مغلوبين على فسخه، وما فسخ قبل البناء وبعده، فإنه يفسخ بغير طلاق».
ثم تمييز ما يفسخ قبل البناء خاصة عن ما يفسخ قبله وبعده يعرف مما ننبه عليه، وذلك أن النكاح الذي ينظر في فسخه على ضربين:
الأول: ما لا يختلف في فساده ومنع المقام عليه، فهذا يفسخ قبل وبعد.
الضرب الثاني: ما وقع فيه خلل اقتضى فسخه، وهذا الضرب هو الذي يتنوع فسخه، فيكون قبل وبعد، ويكون قبل خاصة، فنقول في تنويعه: الخلل الواقع في النكاح يكون على وجهين.
أحدهما: يرجع إلى العقد، فهذا لا خلاف أن ما وقع عليه يفسخ قبل الدخول، وفي فسخه بعده خلاف، وهذا كنكاح المريض والمحرم، ونحو ذلك.
الوجه الثاني: يرجع إلى الصداق، وهذا فيه ثلاثة أقوال:
الفسخ قبل الدخول وبعده، وترك الفسخ فيهما، وهما شاذان، والتفرقة، وهو المشهور، فيفسخ قبل، ويثبت بعد.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا]