وحقيقتها: استنابة حفظ المال. وهي عقد أمانة، وهو جائز من الجهتين.
ولا يشترط في المودع والمودع إلا ما يشترط في الوكيل والموكل. ومن أودع عند صبي شيئًا بإذن أهله أو بغير (إذنهم) فأتلفه الصبي أو ضيعه لم يضمن، لأنه مسلط عليه، كما لو أقرضه أو باعه. وكذلك السفيه.
وأما العبد فلا يتعلق الضمان برقبته إذا أودع فأتلف، لكن يتعلق بذمته، إلا أن يسقطه السيد عنه، ما لم يكن مأذونًا فلا يكون له إسقاطه. وقال بعض أصحابنا: إن استهلكها فهي جناية في رقبته كسائر الجنايات.
وقال أشهب في غير المأذون: إن كان مثله يستودع فهي في ذمته رق أو عتق، وإن كان مثله وغدًا لا يستودع فلا شيء عليه في رقه، رد ذلك السيد عنه أو لم يرد، حتى يلي نفسه بالعتق. قال الشيخ أبو محمد: «يريد فيتبع». قال: «وأنكرها سحنون». (ثم) للوديعة عاقبتان: ضمان عند التلف، ورد عند البقاء. أما الضمان فلا يجب إلا عند التقصير.
وللتقصير سبعة أسباب.
الأول: أن يودع عند غيره لغير عذر، فإن فعل ذلك ثم استردها لم يضمن بعد ذلك، كرده لما تسلف منها. وله أن يودع عند العجز عند الرد إلى المالك، لخوف عورة منزله أو لسفره إذا أودعها في الحضر، إذ لو سافر بها مع القدرة على إيداعها عند أمين [لضمن]. فإن سافر بها عند العجز عن ذلك كما لو كان في قرية مثلًا لم يضمن.
وكذلك لو أودع الأرض ما استودع، وكان ذلك جهده، فهو حرز لا يضمن ما ضاع منه.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
وكذلك رفعه الوديعة عند زوجته أو خادمه التي عادته أن يرفع عندها متاعه، أو أجبره في عياله، لا يضمن به لأنه شأن الناس. وقال أشهب: إن أودع إلى عبده أو أمته ضمن. وكذلك أجبره في عياله.
ومن أودع في السفر، فأودع (ضمن)، بخلاف الحاضر يسافر. ومن مات وعنده وديعة لم يوص بها ولم توجد في تركته أخذت من ماله.
الثاني: نقل الوديعة، فإن نقلها من بلد إلى بلد ضمن. قال مالك في امرأة ماتت بالإسكندرية [فكتب] وصيها إلى ورثتها وهم ببلد آخر، فلم يأته منهم خبر، فخرج بتركتها إليهم فهلكت في الطريق فهو ضامن.
قال أشهب وعبد الملك: وأما إن استودع جرارًا فيها أدام، أو قوارير فيها دهن، فنقلها من موضع في بيته إلى موضع، فتكسرت في ذلك فلا يضمن.
ولو سقط عليها من يده شيء فانكسرت، أو رمى في بيته وهو يرد إصابة غيرها، فأصابها فانكسرت، ضمن لأنها جناية لم تتعمد. (قال) أشهب في كتابه: ولو سقطت من يده فانكسرت لم يضمن.
الثالث: خلط الوديعة بما لا تتميز عنه مما هو غير مماثل لها، كخلط القمح بالشعير وشبهه. (فأما) خلطها بجنسها المماثل لها جودة ورداءة، كحنطة بمثلها، أو ذهب بمثلها، أو بما تتميز عنه ولا تختلط به، كذهب بورق، فلا يضمن ذلك.
الرابع: الانتفاع. فإذا لبس الثوب أو ركب الدابة فهلكت في حال الانتفاع ضمن. وكذلك إن سلف الدنانير والدراهم أو غيرهما مما يكال أو يوزن، فهلك في حال تصرفه فيه. ولو رد مثلها مكانها ثم هلك المثل، فقال يحيى بن عمر: اختلف قول مالك في الذي ينفق من وديعة عنده شيئًا، ثم يرده، فقال: لا شيء عليه. وأخذ بهذا ابن القاسم وابن عبد الحكم وأشهب وأصبغ. وقال أيضًا: إن ردها بإشهاد برئ، وإلا لم يبرأ. وبهذا أخذ ابن وهب.
وقال أيضًا: لا يبرأ وإن أشهد، لأنه دين ثبت في ذمته. وهذا قول أهل المدينة من أصحابه، وروايتهم عنه، ورواه المصريون ولم يقولوا به. وقال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يبرأ إلا بردها إلى ربها. وإن تسلف بعضها ضمن جميعها، لأنه متعد في حلها. وكذلك إن أخذ الدراهم ليصرفها في حاجته ضمن.
[ ٢ / ٨٥١ ]
ولو استودعها منثورة فتسلف منها ثم تلقت، لم يضمن غير ما تسلف. وهو مصدق في رد ما تسلف منها، ولو تلفت بعد أن ردها لم يضمن شيئًا. وفي كتاب الشيخ أبي إسحاق: من أودع وديعة، وقيل له: تسلف منها إن شئت، فتسلف منها وقال: رددتها؛ فهذا لا يبرئه رده إياها إلا إلى ربها، لأن هذا مقترض لم يؤد ما اقترض.
وأما ما لا مثل له من الثياب والحيوان وسائر العروض فلو تسلفه ثم رد مثله وفي صفته لم يبرأ، مذهبًا واحدًا. واختلف في تسلف الوديعة فمذهب الكتاب: «الكراهة». وروى أشهب: إن كان له مال فيه وفاء وأشهد على ذلك، فأرجو أن لا بأس به. هذا حكم تسلفها إذا كانت دنانير أو دراهم، وهو ملي.
فأما إن كانت عروضًا فلا يجوز بوجه و(أما) إن كانت مما يكال أو يوزن، ولا يكثر الاختلاف فيه، كالطعام ونحوه، فهل يلحق بالنقود أو بالعروض التي تختلف آحادها؟ قولان.
ولو كان معدمًا لم يكن له أن يتسلفها بوجه.
الخامس: المخالفة في كيفية الحفظ. فلو سلم إليه صندوقًا، وشرط عليه ألا يقفل عليه قفلًا (ففعل)، ضمن للشهرة. ولو قال له: أقفل قفلًا واحدًا، فقفل قفلين لم يضمن إلا أن يكون في حالة أغرى عليه اللص فيضمن. ولو شرط أن يجعل الوديعة في جرة فخار فجعلها في نحاس ضمن (لأنه) شهرها. (وقيل): لأنه خالف إلى ما يقصد لسرقته. ولو شرط عليه أن يجعلها في نحاس، فجعلها في فخار لم يضمن. ولو سلم إليه دراهم وقال له: اربطها في كمك، فأخذها في يده، فأخذها غاصب في يده لم يضمن، لأن اليد أحرزها هنا، إلا أن يكون أراد إخفاءها عن عين الغاصب، فرآها لما تركا فيضمن، ولو جعلها في جيب قميصه فضاعت، فقال الشيخ أبي إسحاق: يضمن؛ وقيل: لا يضمن والأول أحوط.
السادس: التضييع والإتلاف. وذلك بأن [يلقيها] في مضيعة، أو يدل [عليها] سارقًا، أو يسعى بها إلى من يصادرها فيضمن. ولو ضيعها بالنسيان، بأن تركها في موضع إيداعها ضمنها.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
(ومن أودع بقرًا أو أتنًا أو نوقًا، فأنزى عليهن، فمتن من الولادة، أو كانت أمة فزوجها، فحملت فماتت من الولادة فهو ضامن، وكذلك لو عطيت تحت الفحل). (وقال أشهب: لا يضمن لأنه فعل صلاح، وكذلك لا يضمن الجواري). وأنكر يحيى بن عمر قول أشهب في الجواري. قال ابن القاسم: «ويضمن ما نقص التزويج الأمة إن سلمت».
السابع: الجحود. وهو مع غير المالك غير مضمن، (ومع المالك بعد المطالبة والتمكن من الرد مضمن). ومهما جحد فالقول قوله. فإن أقيمت (عليه) البينة، فادعى الرد من قبل، فإن كانت صيغة جحوده إنكار أصل الوديعة لم يقبل قوله بغير بينة، وفي قبوله مع البينة خلاف؛ المشهور نفيه لتناقض كلامه. وإن كانت صيغة جحوده: لا يلزمني تسليم شيء إليك، قبل قوله في الرد والتلف، إذ لا تناقض بين كلاميه.
العاقبة الثانية في الوديعة، رد العين عند بقائها، وهي واجبة مهما طلب المالك وانتفى العذر. (قال أصبغ: قال ابن القاسم فيمن طلب وديعة فاعتذر له المودع بشغل فلم يقبل عذره وتشاحا، فحلف لا يعطيه الليلة، فلما كان في غد قال: قد ذهبت؛ فإن قال: ذهبت قبل أن تلقاني، ضمن، لأنه أقر بها؛ وإن قال: لا أدري متى ذهبت، حلف ولا ضمان عليه.
قال أصبغ: ويحلف: ما علم بذلك حين منعه. قال ابن القاسم: وإن قال: ذهبت بعدما حلفت وفارقتك، ضمنها لأنه منعه إياها، إلا أن يكون كان على أمر لا يستطيع فيه أن يرجع، أو يكون عليه فيه ضرر فلا يضمن.
قال أصبغ: لا يضمن، كان في أمر حفزه عليه فيه ضرر (أو لم يكن فيه ضرر)، إذا لم يكن الأمر يمكنه بما لا طول عليه فيه عند بابه أو في يده، وما ليس فيه بحث ولا فتح ولا غلق ولا استخراج ولا أمر ينتظر فيه رجوع، فإن جاء مثل هذا فهو ضامن بمنعه، وإلا لم يضمن؛ وقد يعوق الناس عائق، وقد يثقل عليه في وقت يرد الناس مثل هذا من شغل وكسل وما يعذرون به فليحلف ويبرأ).
وقال محمد بن عبد الكريم: «إذا طلبه في وديعته فقال: أنا مشغول إلى غد ترجع فرجع إليه، فقال: تلفت قبل مجيئك الأول، أو بعده، فلا ضمان عليه. ولو قال له: لا أدفعها إليك
[ ٢ / ٨٥٣ ]
الفرع الأول
إلا بالسلطان، وترافعا إليه، فضاعت بين سؤاله إياه وبين إتيانه السلطان، فلا ضمان عليه، لأن له في ذلك عذرًا، يقول: خفت شغبه وأذاه».
وروى أبو زيد عن ابن القاسم، «في رب الوديعة يطلبها، فيأبى المودع أن يدفعها حتى يأتي السلطان فيقضي عليه بالدفع، فهلكت الوديعة قبل القضية وبعد الطلب: أنه إن كان دفع إليه بغير بينة فهو ضامن».
قال ابن القاسم: من طلبت منه وديعة فقال: ضاعت منذ سنين إلا أني كنت أرجو أن (أجدها) وأطلبها؛ ولم يكن يذكر هذا وصاحبها حاضر، قال: هو مصدق ولا ضمان عليه إلا أن تكون قد طلبت منه، فأقر أنها عنده ثم قال: قد ضاعت قبل ذلك فيضمن؛ وكذلك القراض.
وقال أصبغ: بل هو ضامن إذا لم يعرف (منه) طلب لها ولا ذكر لصاحبها ولا لغيره ولا سماع وحضور ربها آكد، وكل سواء، إذا طال ذلك، ولم يكن له ذكر.
وقال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا يقولون: إن سمع ذلك منه قبل ذلك الوقت الذي سئلها فيه قبل منه، وإن لم يسمع ذلك منه إلا ذلك الوقت لم يقبل منه. قال محمد: وأنا أرى أن يحلف، ولا شيء عليه.
فروع أربعة:
الفرع الأول: إذا طولب المودع بالرد فادعى التلف، فالقول قوله مع يمينه، وكذلك إن ادعى الرد، إلا أن يكون تسلمها ببينة فلا يقبل دعواه الرد إلا ببينة.
وقيل عن ابن القاسم: «إن القول قول المودع في الرد وإن قبضها ببينة يبرأ».
وقال أصبغ في العتبية «في الوديعة يطلبها ربها، فيقول المودع: لا أدري أضاعت مني أو رددتها إليك، فلا ضمان عليه، لأنه ذكر أمرين وهو مصدق فيهما، إلا أن يأخذها ببينة فلا يبرأ حتى يقيم بينة أنه ردها إليه، وإلا ضمن».
وقال عبد الله بن عبد الحكم: لو قال المودع لربها: إن كنت دفعت لي شيئًا فقد ضاع، وقد قبض الوديعة ببينة، فليس عليه إلا يمينه.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
الفرع الثاني
الفرع الثالث
الفرع الرابع
وقال أبو الحسن اللخمي: «إن كان الإشهاد للتوثيق فلا تقبل دعواه الرد إلا ببينة، وإن كان خوف الموت، أو باستدعاء المودع خوفًا أن يقال: هي سلف، كان القول قوله في (الرد بغير بينة)؛ فأما دعواه الرد على غير من ائتمنه كدعوى الرد على وارث المالك أو وكيله، فلا يقبل إلا ببينة، وكذلك دعوى وارث المودع على المالك يفتقر إلى البينة أيضًا، وسواء كان القبض في جميع هذه الصور الثلاث ببينة أو بغير بينة».
الفرع الثاني: [إذا] ادعى رجلان وديعة عنده فقال: هي لأحدكما وقد نسبت عينه، فقيل: يتحالفان، فإن حلفا قسمت بينهما، وإن نكل أحدهما انفرد بها الحالف ولا ضمان عليه. وقيل: يضمن لكل (واحد منهما) ما ادعاه لنسيانه. قال الشيخ أبو إسحاق: الاختيار إغرامه، وبالآخر يقول أشهب. وقد قاله ابن القاسم مرة أخرى.
الفرع الثالث: إذا طلب المودع عند الرد أجرًا على حفظ الوديعة لم يكن له، إلا أن تكون مما يشغل منزله فيطلب أجرة الموضع الذي كانت فيه فذلك له. وإن احتاجت إلى غلق أو قفل، فذلك على ربها.
الفرع الرابع: إذا أودع وديعة لشخص فخانه وجحده، ثم استودعه مثلها، فهل يحل له أن يجحده فيها أم لا؟. قال الشيخ أبو الوليد: «في المسألة خمسة أقوال:
الأول: المنع. وإشارته به إلى رواية ابن القاسم في الكتاب: «لا يفعل».
والثاني: الكراهة، وإشارته به إلى رواية أشهب: لا آمره بذلك، ولا آمره إلا بطاعة الله، وإن أردت أن تفعله فأنت أعلم.
والثالث: الإباحة، وإشارته به إلى قول ابن عبد الحكم، إذ قال له: أن يأخذه إن كان عليه دين.
والرابع: الاستحباب، وإشارته (به) إلى ما حكاه عن ابن الماجشون من قوله: أرى له استعمال الحيلة بكل ما يقدر عليه حتى يأخذ حقه.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
والخامس: أن هذا كله إذا لم يكن عليه دين، فإن كان لم يكن له أن يأخذ إلا قدر ما يجب له في المحاصة».
قال الشيخ أبو الوليد: والأظهر إباحة الأخذ، واستدل لذلك بحديث هند بنت عتبة».
تم بعون الله الجزء الثاني من كتاب عقد الجواهر الثمينة
ويليه الجزء الثالث
وأوله كتاب العراية
تم بحمد الله
[ ٢ / ٨٥٦ ]