والنظر في القسامة والشهادة بالدم
النظر الأول: في القسامة وفيها أربعة أركان:
الركن الأول: في مظنتها، وهو قتل الحر المسلم في محل اللوث إذا لم يثبت القتل ببينةولا بإقرار من مدعى عليه. فلا قسامة في الأطراف والعبيد والكفارة.
واللوث: هو أمارة يغلب معها على الظن صدق مدعي القتل كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل. وفي شهادة من لا تعرف عدالته، أو العدل يرى المقتول يتشحط في دمه والمتهم نحوه، أو قربه عليه آثار القتل، خلاف، تفصيله: (أن محمد بن عبد الحكم قال: يوجب القسامة ما يدل على قتل القاتل بأمر بين مثل أن يرى يجره ميتًا، أو يرى خارجًا متلطخًا بالدم من منزل يوجد فيه القتيل وليس معه غيره، فمثل هذا يوجب القسامة. ومثل أن يعدو عليه في سوق عامر فيقتله فيشهد بذل من حضر.
قال الشيخ أبو محمد: "يريد وإن لم يعرفوا، إن تظاهرت ذلك كاللوث تكون معه القسامة. قاله من أرضى. وروى ابن وهب: أن شهادة النساء لوث. (وذكر محمد عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث شدون شهادة المرأة الواحدة.
وروى محمد أيضًا عن أشهب عن مالك: أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة. قال محمد: ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن العبد ولاصبي والذمي ليس بلوث.
[ ٣ / ١١٣١ ]
وذكر القاضي أبو محمد في معونته: "أن من أصحابنا من يجعل شهادة العبيد والصبيان لوثًا". وقال القاضي أبو الوليد: "اللوث عند مالك هو الشاهد العدل في معاينة القتل".
وقال القاضي أبو بكر: "اختلف في اللوث اختلافًا كثيرًا، فمشهور المذهب أنه الشاهد العدل".
وقال محمد: هو أحب إلي، قال: وأخذ به ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم.
(وروى ابن حبيب عن مطرف قال: سألت مالكًا عن اللوث؟ فقال: اللوث اللطخ البين مثل اللفيف، من السواد والنساء والصبيان يحضرون ذلك، ومثل الرجلين أو النفر يشهدون على ذلك وهم غير عدول، فتكون القسامة معهم). قال مطرف: فقلنا لمالك: فالشاهد العدل؟ فقال: وذلك لوث. وهو أعلى اللوث وأحقه وأبينه.
قال ابن حبيب: قال لي مطرف: وقد كان بعض أصحاب مالك روى عنه أنه قال: لا يكون (لوثًا) إلا الشاهد العدل، وإنما ذلك وهم ممن روى ذلك، فاحذر هذا القول لا تقبله، فإني ظننت أ، هـ قد انتهى إليك، وإنما (قال له) ابن أبي حازم يومًا، ونحن جميعًا معه، يا أبا عبد الله ترى الشاهد العدل لوثا؟ فقال: نعم. فحمله بعض من سمعه معنا أن تفسير اللوث الشاهد العدل لوثًا؟، فقال: نعم. فحمله بعض من سمعه معنا أن تفسر اللوث الشاهدل العدل، وإنما معناه أن لوث أيضًا، وهو أبين اللوث وأظهره، وإنما اللوث بعينه اللطخ البين، والشاهد الواحد من اللوث (والنفر غير (الجائر) الشهادة من اللوث)، والسواد والصبيان والنساء) إذا حضروا ذلك أيضًا من اللوث. وقد قيل بذلك عندنا بالمدينة. واللوث هو الالتباس من الأمر واختلاطه، ألا ترى أنك تقول: قد التاث [هذا] الأمر فاعرف هذا، وإياك أن تقبل غيره.
وقول المقتول في العمد: دمي عند فلان، لوث يوجب القسامة، إذا كان بالغًا مسلمًا
[ ٣ / ١١٣٢ ]
حرًا. ولا يشبه ذلك الدعوى بالمال [أو غيره [، لأن أهل هذا أصل قائم بنفسه. ومن يتحقق مصيره للآخرة وأشرف على الموت فلا يتهم في إراقة دم مسلم ظلمًا، وغلبة الظن في هذا تنزل منزلة غلبة الظن في الشاهد، وكيف لا والغالب من أحوال الناس عند الموت التوبة والاستغفار والندم على التفريط ورد المظالم، فكيف يتزود من دنياه قتل النفس المحرمة، هذا خلاف الظاهر وغير المعتاد.
واحتج أصحابنا أيضًا بقصة بقرة بني إسرائيل، واعترض عليهم بأن ذلك شرع من قبلنا، وبأنه آية _نبي). فأجابوا عن الأول بأنه غير المذهب. وعن الثاني بأن موضع الحجة غير موضع الآية.
وفي كونه لوثًا في الخطأ روايتان، قال الإمام أبو عبد الله: والأصح عندنا أنه يقسم مع دعواه في الخطأ.
ولو شهد شاهدان بالضرب أو الجرح ثم مات المجروح أو المضروب بعد أيام، وقد أكل وشرب كان ذلك لوثًا، يقسم معه لمن ضربه أو جرحه مات.
فرع: فإن لم يقم على الضرب أو الجرح إلا شاهدًا واحدًا فقال ابن القاسم: يقسم معه. وقال غيره: لا يقسم على ذلك حتى يثبت أصل الجرح أو الضرب، ثم يقسم الورثة أنه مات من ذلك.
وإذا انفصلت قبيلتان عن قتيل لا يدرون من قتله، فالعقل على الذين نازعوه ونازعوا أصحابه، فتضمن كل فرقة من أصيب من الفرقة الأخرى، فإن كان من غيرها فعقله عليهما ولا قسامة في ذلك ولا قود في هذا. قال أشهب: وهذا إذا لم يثبت دمه عند أحد بعينه.
قال ابن القاسم: "قول مالك: لا قسامة في هذا المعنى بدعوى الأولياء أن فلانًا قتله. وأما لو قال الميت: فلان قتلني، أو قام شاهد عدل أن فلانًا قتله، لكانت فيه القسامة" وقاله أشهب. قال: وكذلك لو (أقام شاهدين) بأن فلانًا قتله بين الصفين لقتل به.
فرع: فحيث شهد شاهد عدل على رؤية القتل، وقلنا: يقسم معه، [فقال] محمد: إنما يقسم مع شهادته إذ ثبت معانية القتيل فشهد بموته وجهل قاتله، كقصة عبد الله بن
[ ٣ / ١١٣٣ ]
سهل. قال ابن الماجشون: لأن الموت يفوت، والجسد لا يفوت. وقال أصبغ: ينبغي أن لا يعجل السلطان فيه بالقسامة حتى يكشف، ف لعل شيئًا أثبت من هذا، فإذا بلغ أقصى الاستيناء قضى بالقسامة مع الشاهد وبموته.
قال ابن القاسم: "وإن شهد شاهدان أن فلانًا جرحه، ثم مات بعد أيام من تلك الجراحة ففيه القسامة"
وقال سحنون في المستخرجة عن ابن القاسم: "لا قسامة فيمن قتل بين الصفين وإن شهد على قتله شاهد أو على إقراره". قال محمد: رجع ابن القاسم عن هذا إلى أنه يقتل بالقسامة من ادعى عليه المقتول، قال: وهو قول مالك وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
فرع: قال القاضي أبو محمد "هذا كله إذا كان القتل من غير تأويل دين، فإن كان بخلاف ذلك فلا قسامة ولا دية ولا قود".
وأما مسقطات اللوث فأربعة:
الأول: أن يتعذر إظهاره عند القاضي، فلو ظهر عنده في جمع، بأن تشهد البينة بأنه قتل ودخل في هؤلاء الجمع ولم يعرفوه منهم بعينه، فللمدعي أن يستحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا ويغرمون الدية بلا قسامة من الأولياء. ومن نكل منهم كان العقل عليه. وقال سحنون: لا شيئ عليهم وشهادة البينة أنهم رأوه دخل فيهم ولا يعرفونه بعينه باطل.
الثاني: إذا ظهر اللوث في أصل القتل دون وصفه كما لو قال: دمي عند فلان، ولم يقل: عمدًا ولا خطأ، فإن اجتمع الأولياء على عمد، أو خطأ على إحدى الروايتين، أقسموا
[ ٣ / ١١٣٤ ]
عليه واستحقوا ما يجب فيه، وإن اختلفوا فقال بعضهم: عمدًا، وقال بعضهم: خطأ، ثبت حكم الخطأ. ولو قال أحدهم: قتله عمدًا وقال غيرهم: لا علم لنا، بمن قتله، أو نكلوا على اليمين، سقط حقهم من القسامة وردت على المدعى عليه، ولو قال بعضهم: قتله خطأ، وقال بعضهم: لا علم لنا، بمن قتله، أو نكلوا عن اليمين، حلف مدعو الخطأ، واستحقوا أنصباءهم من الدية، ولا شيئ للآخرين. وقال الشيخ أبو بكر: "القياس ألا يقسموا".
الثالث: دعوى الورثة خلاف ما قال الميت من عمد أو خطأ يسقط حقهم من القاسمة والدم والدية، ولا يقبل رجوعهم إلى قوله. قاله أشهب. وقال ابن القاسم: إذا ادعوا خلافه فليس لهم أن يقسموا إلا على قوله، ولم يره.
الرابع: أن يدعي الجاني كونه غائبًا، ويقيم البينة على ذلك فيسقط أثر اللوث.
الركن الثاني: في كيفية القسامة
وهي ا، يحلف الوارث، إن كان واحدًا، في الخطأ خمسين يمينًا متوالية. وإن كانوا جماعة وزعت عليهم الأيمان على قدر مواريثهم، وجبر كسر اليمين بإكمالها على من عليه أكثرها، أو على جميع المشتركين فيها إن تساوت أنصباؤهم منها، وقيل: يجبر على الجميع وإن اختلف أنصباؤهم منها. فإن نكل بعضهم أو كانغائبًا فلا يأخذ الحاضر حصته ما لم يتم خمسين يمينًا. ثم من حضر منالغيب حلف حصته من الأيمان لو اجتمع الجميع وأخذ حصته من الدية، ومن نكل منهم سقط حقه.
وأما العمد فلا يحلف فيه أقل من رجلين. قال ابن القاسم: وكأنها من ناحية الشهادة.
ولا مدخل للنساء في العمد بوجه، بل تحلف العصبة، فإن كانوا خمسين حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة، فإن اقتصروا على رجلين منهم فحلفا خمسين يمينًا فهل يجزيهم ذلك أو لا يجزيهم ويعدون ناكلين إن لم يحلف كل واحد منهم يمينًا؟ قولان لابن القاسم وعبد الملك.
قال محمد: [و] قول ابن القاسم صواب، لأن أيمان بعضهم تنوب عن البعض.
وإن زاد عددهم على الخمسين حلف منهم خمسون. وحكى القاضي أبو محمد رواية
[ ٣ / ١١٣٥ ]
بأنهم يحلفون جميعهم. وإن نقص عددهم عن الخمسين ردت عليهم الأيمان حتى تكمل خمسين.
وإن كان الولي واحدًا استعان ببعض عصبته، ويجتزي في المعنيين بالواحد. ثم نكول المعينين غير معتبر، فأما نكول أحد الأولياء فمسقط للقود.
قال القاضي أبو محمد: "وهذا في الولد والإخوة رواية واحدة. وفي غيرهم من العصبات روايتان: إحداهما مثل هذه، والأخرى أن الباقين يحلفون ويستحقون الدم". ثم حيث قلنا بسقوط القود في إحدى الصورتين فيحلف من بقي ويستحق نصيبه من الدية. وروي ترد الأيمان على المدعى عليه، فإن نكل لزمته الدية في ماله. وقال محمد: قد اتفقوا على أن هذا يحبس إلى أن يحلف. وروي إن طال حبسه خلي.
الركن الثالث: في حكم القسامة
وهو القود في العمد والدية في الخطأ. فإن كان المقسم عليهم جماعة لم يقتل منهم بالقسامة إلا واحد. قال عبد الملك: لانا لا ندري أقتله الكل أو البعض، والمتحقق منهم واحد والزائد عليه مشكوك فيه (فترك). وقتل المتحقق. وقال المغيرة: تقتل (به) الجماعة.
وإذا فرعنا على المشهور فلا يقسم إلا على واحد بعينه ويقتل. وقال أشهب: لهم أن يقسموا على الجماعة، ثم (يقتلوا) واحدًا منهم يختارونه، ثم يضرب كل واحد ممن بقي مائه (سوط) ويحبس سنة كما قدمنا.
وإذا فرعنا على الأول فروى ابن القاسم أنهم يقولون فيالقسامة: لمات من ضربه، ولا يقولون من ضربهم.
الركن الرابع: (في من) يحلف
وهو في العمد من له حق القصاص من الأولياء الرجال المكلفين. وأما في الخطأ فيحلف جميع المكلفين من الورثة، رجالًا كانوا أو نساء، ويحلفون على قدر مواريثهم كما سبق. ومهما قتل من لا وارث له فلا قسامة إذ تحليف بيت المال غير ممكن. ولا قسامة إلا بورثة نسب أو ولاء. ولا يقسم من القبيلة إلا من التقى معه إلى نسب ثابت ببينة. ولا يقسم المولي
[ ٣ / ١١٣٦ ]
الأسفل، ولكن ترد الأميان على المدعى عليه فيحلف خمسين، فغ، حلف ضرب مائة وحبس سنة، وإن نكل سجن أبدًا حتى يحلف أو يموت.
فرع: قال ابن القاسم في ابن الملاعنة يقول: "دمي عندفلان، فإن كانت أمه معتقة أو أعتق أبوها أو جدها أقسم موالهيا في العمد".
قال أشهب: وعصبتها. وأما في الخطأ (فليقسم) ورثته بقدر مواريثهم من رجال ونساء، ويستكمل من حضر منهم خمسين يمينًا، وأما إن كانت من العرب فلا قسامة فيه. قال محمد: لان العرب خؤولته ولا ولاية للخؤولة، وكذلك من لا ولاة له ولا موالي، لأن ماله لبيت المال.
النظر الثاني: في إثبات الدم بالشهادة:
ولا يثبت القتل الموجب للقصاص برجل وامرأتين، ويثبت بذلك موجب الدية، ويشترط ألا تتضمن الشهادة بالدم جرصاولا دفعًا، فلو شهد على جر (الموروث) لم يقبل، كما تقدم في الشهادات. وإذا شهد [بعض الورثة بعفو بعضهم سقط] القصاص بإقراره، وإن كان فاسقصا لا من حيث أنها شهادة.
ولو اختلف قول [الشاهدين في صفة القتل] فقال أحدهما: ذبحه وقال الآخر: إنه حرقه، والمشهود عليه منكر للشاهدين، (فإن قام الأولياء بالشهادتين] بطل الدم، وإن قاموا بأحدهما أقسموا معه، واقتصوا، وسقطت شهادة الآخر لاجتماع الأولياء والقاتل على تكذيبه، وإن اعترف القاتل بالذبح وقام الأولياء بشاهد التحريق فإن كان هو الأعدل أقمسوا معه وحرقوه على القول بالقصاص بالتحريق، وإن كان الآخر أعدل حلف معه القاتل وقتل ذبحًا بغير تحريق.
[ ٣ / ١١٣٧ ]